حمزة الحسن
الأوقات الصدئة
17/07/2008
![]() |
تحاول هذه الرواية ان تقيم تناصا مع قصة محمد خضير القصيرة" الصرخة ـ نشرت اول مرة سنة 1972". الجمل المحصورة بين قوسين وبخط أسود داكن من قصة الصرخة. استخدام اللوحات محاولة ثانية لنا في تغيير منظور السرد: من المنظور اللغوي الى المنظور البصري.
(كأي وقت بطيء، تحجزه السحب والوحول،كطقس أي فجر أو ضحى يوم كالأيام السابقة، مطفأ وشاحب، بلون الرماد أو لون الصخر أو الفضة أو الألمنيوم العتيق، ما تزال سماء متماسكة واطئة، بلون الرماد أو الصخر أو الفضة أو الألمنيوم العتيق، تمطر منذ خمسة عشر يوما. وكان الجميع قد انسحبوا الى داخل الجدران).
كانت سيارة السيرك تخترق بصعوبة الشوارع الموحلة على مطر مداري يضرب الزجاج الأمامي لسيارة سيرك كبيرة بصندوق كبير مغلق تظهر على جهته اليسرى صورة كبيرة لمشهد سيرك ويبدو أن تلك السيارة( تستخدم للدعاية لسيرك متنقل، تدرج في شارع مقفر على مهل)، ولو لا إشارات الطرق، وهي غارقة في المطر والضباب، لانحرفت في دروب ضيقة متفرعة، وهذه الإشارات لم تعد تدل على شيء بسب الضباب والمطر، وما عدا أعمدتها التي بلون حديد صديء وبعض حروف متناثرة وملصقات ممزقة، فلا شيء يبدو واضحا. بعض هذه الملصقات لم يبق منها سوى وجه أو يد أو ذراع مرفوعة ملوحة لجمهور غائب الآن، وبعضها لنصف وجه يبدو كأنه يتحدث في قاعة كبيرة لم يبق منها غير بضعة كراسي ووجوه أو ارجل وربما أحذية.
مرسوم على الجهة اليسرى (لصندوق سيارة نقل كبيرة) مشهد بانورامي:(أسود تقفز خلال حلقات نارية، وأسود متحفزة للوثوب، وأسود أخرى بوجوه بيض ولبدات مشعة تقعي في صف واحد على براميل واطئة متجاورة بمواجهة مروضها الذي يمسك بعصا مزخرفة بزخارف شرقية ذات طرفين مختلفين،طرف على هيئة مدية والطرف الآخر على هيئة عظم . انه يشير الآن الى أسد من بين الأسود الجالسة بطرف العصا الذي يشبه المدية. وفي حين تنظر جميع الأسود الى الأمام، يطأطيء ذلك الأسد رأسه الى الأسفل، بينما يلتفت المروض برأسه الى الوراء التفاتة حادة ليواجه جمهورا( غير حاضر الآن) بوجه رهيب، منتصر.).
بدا المروض الآن وخلال عبور السيارة شارعا ضيقا تنهمر عليه الظلال والأمطار كما لو انه يتقي شيئاً، يتجنب بحرص وقوع صفائح من فوق سطوح المنازل أو ارتطام مباغت أو هروب أحد الوحوش المستثارة من هذا النهار الذي دفع الجميع الى الاختباء في منازلهم وربما في مكان آخر. وحدها سيارة السيرك بوحوشها ولوحاتها الجانبية تمضي في طرق مقفرة وعلى ( الجانب الأيمن من صندوق السيارة لوحة هنري روسو ـ ساحرة الأفاعي) وربما تكون للرسام محمد خضير. لا شيء مؤكدا في هذا الجو الرمادي وتحت سماء ملبدة بغيوم رصاصية أحيانا وفي مثل لون الصفيح المنتشر على جانبي الطريق احيانا أخرى.
تخترق الشوارع التي تتقاطع ثم تستقيم وتتعرج مليئة ببرك الماء والوحل المتطاير على جانبي صندوق السيارة وتخفي أحيانا وجوه حيوانات السيرك لكن المطر المداري سرعان ما يغسل الصندوق فتعود الوجوه، وجوه الوحوش، الى وضعها الأصلي. لا تعود تماما لان نثار الطين والرذاذ والوحل يغطي بعض الملامح التي تظهر في كل مرة بهيئة أخرى.
مثلا ان وجه مروض الحيوانات بدا في أحد المنعطفات كما لو انه يمسح وجهه من الأوساخ المتطايرة من عجلات السيارة، وفي درب آخر ظهر كما لو انه يعود الى خلف ستار السيرك مسرعا تاركا الحيوانات تتقافز وتتصارع فيما بينها في حين لاح وجه الأسد الذي أشار اليه بطرف المدية وطأطأ رأسه (الى الأسفل) من قبل، مزمجرا حين انهالت عليه ظلال من فوق أسيجة فارة ومتراجعة في مرآة السيارة الأمامية، في حين لم يعد وجه المروض المعتم الآن بسبب الظلال المتراكمة على السيارة صارما(بوجه رهيب، منتصر) كما كان حين( التفت التفاتة حادة ليواجه جمهورا ـ غير حاضر الآن).
من فوق سطوح المنازل، تلوح الأشياء تتطاير في الهواء، ملابس ممزقة، قطع صفيح، أوراق، وتتراكم على الطرق، أو تسقط على الواجهة الأمامية للسيارة، فتجرفها ماسحات المطر التي بدت كأذرع وحشية تقذف كل شيء تقع عليه:المطر والوحل والضباب والأشياء المحلقة في هذا الجو العاصف والرمادي.
المطر نفسه لا يبقى على حاله:مرة ينهمر منحرفا على الواجهة اليسرى من صندوق السيارة، على لوحة الوحوش المتقافزة أو المقعية، وعلى الجمهور الغائب الآن، ومرة أخرى ينهمر على الواجهة اليمني على لوحة ساحرة الأفاعي، وثالثة يأتي من الأمام كما لو انه يصد السيارة عن التقدم بقوة، لكن المطر في كل الأحوال لم يتوقف لحظة واحدة منذ خمسة عشر يوما.
حين خرجت السيارة من العتمة الى الطريق العام الذي تلوح في نهايته قمم أشجار غارقة في المطر تلمع أحيانا على ضوء برق صاعق مباغت، اشجار غير محددة الهوية، ظهر بهلوانات السيرك في قفص الأسود(محلقين في أنوار خضر شاحبة، انهم يتراجعون أو يهوون أو يتسمرون بأجسادهم السابحة، محافظين على أوضاعهم الأفقية أو العمودية أو المائلة في الفراغ الأخضر الشاحب).
أحد هؤلاء البهلوانات تراجع قليلا حين اخترقت السيارة ممرا مشجرا كما لو انه يتقي الأغصان المتراكمة فوق الصندوق أو تضرب الجانبين بقسوة. أغصان خضر مبللة تحمل رائحة نهر قريب أو خليج أو مستنقعات وهي الرائحة الأكثر حدة ونفاذا حتى الآن، لذلك بدت الأفاعي ـ أفاعي اللوحة ـ هذه اللحظة، أكثر عزلة، يلمع في عيونها ألق غامض، والتفت أكثر حول عنق الساحرة (وجسدها العاري الداكن ذي الرأس المفلطح الذي تتألق فيه عينان بالعزلة والسحر).
تظهر ساحرة الأفاعي منسجمة تماما مع هذا الجو الوحشي البدائي، تبدو فعلا كأنها احدى لوحات هنري روسو البدائية الفطرية.روسو المغرم بالغابات والطبيعة البدائية الوحشية. حتى المطر المنهمر الآن يلوح كمطر داخل لوحة أكثر مما هو مطرا حقيقيا. إن الشوارع وقطع الحديد الصدئة والصفائح المتطايرة والأشجار والمستنقعات والسفن الغارقة في الضباب والنهر، والتماثيل المتراجعة عبر مرايا السيارة وكل الأشياء الأخرى التي تواجه هذا العنف المنفلت تبدو غير حقيقية وقد تكون لوحات قذف بها المطر والريح أو قوة غامضة الى الخارج كي تتطاير وتتراكم على صندوق سيارة السيرك.
السيارة وهي تدور تحت المطر المنهمر لم تطلق حتى الآن نفيرا، فالشوارع مقفرة تماما، ولا أثر لمخلوق يتحرك في هذا الجو العاصف، وحتى حين صارت السيارة على طريق واضح تستلقي على جانبيه بيوت بحدائق معشبة وأشجار مخضرة وأراجيح مهتزة من الريح وصارت في عراء مفتوح الآن، لم يظهر أي أثر لكائن يتحرك ولا أثر لصوت عدا صوت المطر والريح وهدير السيارة المنطلقة فوق الطرق وهي تنثر خلفها الوحل والأشياء المرمية أو المقذوفة من السطوح والنوافذ والأبواب.
وفيما عدا ساحرة الأفاعي، ساحرة هنري أو خضير أو كالفينو أو ألان روب غرييه أو بورخيس، وفيما عدا الأسود والأفاعي والقرود والطواويس والفئران والقطط والسناجب وحيوانات أخرى، والسيارة، والوحوش، لا شيء يتحرك الآن. ورغم كل هذا العصف والمطر والقفر الا أن الطبيعة في اللحظات التي تخرج فيها السيارة من الطرق الضيقة الملتوية وعتمة المنازل والأشجار، تبدو، أحيانا، في ضوء البرق الخاطف، ضاجة بخضرة متوهجة وحية ومتشابكة تشابكا عنيفا وصاخبا كما لو ان الطبيعة نفسها من تصميم هنري روسو وقد غير من تكوينها الأصلي.(من العمق الأخضر، ينبثق نمر، قافزا فوق ظهور الحيوانات وبين أجسام البهلوانات السابحة، مخترقا الأنوار، قادما باتجاه الجمهور ـ الغائب الآن). هذا النمر في قفزته يشبه نمر هنري روسو في لوحة" النمر في عاصفة استوائية" داخل غابة مشعة محترقة بألوان حية متفجرة وأغصان تحمل أكثر من لون ممتدة كأصابع بشرية منحنية توقيا للعاصفة والتي تحدث عنها فيليكس فالوتون. وفي خلفية اللوحة جو رمادي عاصف ووميض برق يضرب الغابة بعنف، فتنحني الأغصان، ويصاب النمر بهياج بدائي كاسر. لكن النمر بعد ومضة لن يبقى على حاله قافزا بين الأشجار، ولا البرق الصاعق، ولا الوميض، ولا الأغصان المنحنية. كل شيء سيعود الى وضعه السابق كما كان حتى تبدأ دورة أخرى من العصف والسكون والقفز والبرق.
نمر السيرك المروض في تقدمه نحو الجمهور يظهر متهدلا أو كجلد نمر محشو وخلفه يظهر المروض مبتسما هذه المرة لكنه أكثر إستكانة من نمر العاصفة الاستوائية. يواصل النمر تقدمه حتى يجلس في النهاية على كرسي مسلطة عليه أضواء حادة من علو مرتفع ويبدو على هذه الهيئة كما لو انه على وشك الانهيار أو النوم.
المروض المبتسم للجمهور الغائب الآن يوخز الأسد برأس عصاه وبطرف المدية فيكشر الأسد في وجهه، وحين رفع المروض عصاه الى الأعلى في وجهه، طأطأ رأسه لكن عينيه تخترقان المروض المبتسم لجمهور يصرخ ويهتف لكنه غائب الآن.
حين استدارت السيارة واندفعت تحت المطر في عراء تقوم على طرفيه أرض ملحية ارتكز(مهر أبيض بمؤخرته على كرسي بين خيول أخرى تقف على قوائمها الخلفية. ويحفظ فيل ضخم توازنه على كرة صفراء. وترتقي كلاب أو تهبط سلالم متوالية متصلة. وتتجمع طواويس في تشكيلة استعراضية).
وفيما تواصل السيارة سيرها في هذا الجو الموحل الرمادي تنعطف نحو( شارع مستقيم فائض،خال، آخر. رذاذ منحرف متواصل، لا يسمع لكنه يلتمع كالإبر الدقيقة الطويلة خلال زجاج غرفة قيادة السيارة ويرتطم بالزجاج ويسقط على برك المياه المتجمعة أسفل حافة الرصيف، على جانبي الشارع.
كانت مياه الشارع العكرة لا تترك إلا خطا ضيّقاً حيث يرتفع الشارع في الوسط، وهي تجري منحدرة على جانبي السيارة، باتجاه الشارع المتراجع المترنح بين ذراعي اللوحة الزجاجية الأمامية لغرفة قيادة السيارة المتحركين).
وفيما تواصل السيارة اندفاعتها( ينبسط الشارع، ثم يغرق بين الذراعين. تفترق الذراعان فتبرز أعمدة المصابيح، وأعمدة لوحات إشارات المرور ولافتات اتجاه الطرق، وأسيجة البيوت التي تتسلقها أشجار كثيفة تزحف حتى الأرصفة.ثم تغرق تدريجيا).
الأشجار الكثيفة المتسلقة ترتمي أغصانها وأوراقها المتشابكة فوق السطوح والأسيجة وتتداخل مع اشجار أخرى مجاورة تداخلا حادا وهي تصارع الريح، في حين لا يظهر ابدا، الا في ومضات خاطفة سريعة في بعض المنعطفات، أي ضوء أو انعكاس من خلف النوافذ، وقد يكون الأمر بسبب العتمة والضباب والمطر وربما لأمر آخر.
ثم أخذت تظهر في بعض البرك حيوانات نافقة متعفنة لقطط وكلاب وفئران وجرذان ناشرة في الهواء الرطب رائحة مطر عفن. لكن هذا لا يدوم الا قليلا ثم تظهر، عندما تنطبق الذراعان(حدائق منخفضة خلف الأسيجة تستقر فيها أراجيح ساكنة وأصص مصفوفة).
هذه الأراجيح لا تبقى ساكنة لأن الريح تدفعها فجأة نحو الأمام والوراء واحيانا تصل الى مستوى السطوح ثم تعود الى الخلف بنفس القوة حاملة معها المطر وأوراق الأشجار وبعض الأشياء التي تتناثر طوال الوقت الموحش والبطيء والصديء.
يبدو كما لو ان هذا الوقت البطيء والموحش والصديء يتأرجح في هذا الجو الرمادي، تحت هذه السماء الرصاصية، بين ذراعي اللوحة الزجاجية، في هذه الحدائق المقفرة، والأراجيح التي تختفي لثوان بين الأشجار المتداخلة والسطوح والضباب، لكن الأصص المصفوفة في الحدائق المنخفضة بألوانها المختلفة من الأصفر الى الأزرق السماوي والرمادي الداكن، تبدو خالية من أي أثر للزهور، وربما لا تظهر في هذا الجو المعتم والرمادي والوقت الشاحب والبطيء والموحش والصديء في حين (تهبط السماء كسطح رصاصي على السقوف الواطئة).
عارية، خرجت من النهر الى مدخل الغابة الاستوائية، ساحرة الأفاعي ( وهي تعزف على ناي ضخم تمسكه بكلتا يديها في وضع أفقي يصعب تمييزه من بين الأفاعي السود التي تحيط بعنقها وجسدها العاري الداكن الذي تتألق فيه عينان بالسحر والعزلة).
وقبل أن تشرع بعزف الناي، وتحت سيول الأمطار، وتداعي الأشياء المهملة الى الخلف عبر مرآة السيارة (الأعمدة ولافتات المرور والأشجار والحدائق وأحواض الزهور والسيارات والشاحنات المعطلة على الطريق. بينما تتسرب الأشياء الأخرى الى شوارع فرعية ضيقة وأزقة محددة بصفوف، وكتل الطين الناقعة المتعرية، وبالأبواب الرطبة، والنوافذ القربة من الأرض)تغرق السيارة في سيول من الأمطار وتواجهها صفائح القمامة تحت سماء رصاصية (بلون الوحشة).
تتشابك الأفاعي مع الأغصان ويلوح خلف الساحرة نهر لكن الأشجار تغلق الأفق، وتبدو الأفاعي النائمة مستثارة(ما أن ينفذ عويل الناي مرتعشا في العمق الموحش، مصطدما بحافات الأوراق الحادة حتى تستيقظ الأفاعي من سباتها الطويل، وتشرئب برؤوسها وتنزلق من الأغصان أو تزحف من النهر بين حشائش كثيفة ثم تنهض وتتطاول برؤوسها عندما تصبح بين ساقي الساحرة، حيث ستتوغل الساحرة، تخترق نداءاتها السحرية الأعماق السود، الصامتة، المعزولة).
وفيما السيارة تندفع بقوة قاذفة بمقدمتها الأشياء المرمية والمنتزعة والمحلقة والمرتطمة بالواجهة الأمامية ( تلوح أشجار ساكنة باهتة خلف أستار ضباب وشرائب رذاذ مهتزة) ويلوح نهر يكسوه الضباب وحين تقترب بمحاذاته يظهر الانعكاس المهتز لقوارب صيد أو قوارب عبور وتبدو أشجار الساحل مقلوعة وقد حفرت عليها (تذكارات) وعلامات ورموز واشارات وفي النهر يظهر (انعكاس السفن الشراعية والشاحنات الحديدية الكبيرة المهجورة بالقرب من الضفة الصخرية).
تلوح الضفة البعيدة المضببة للنهر داكنة من الضباب والأشجار الكثيفة المنحنية، وتبدو الحدائق الساحلية مهجورة ومقفرة وفوق مصاطبها يتراكم المطر وأوراق الأشجار وبقايا حفر على المساند الخلفية عن تذكارات وتواريخ وعلامات، كما لو ان أصحابها غادروا الآن، قبل يوم، قبل سنة، هذه الأمكنة، في حين كان العشب الساحلي منثورا ومشتتا غارقا بالمياه كأحواض الأشجار.
أشجار الشريط الساحلي تنهمر ظلالها على مقدمة السيارة، وتتراجع في المرآتين الجانبيتين مع اشرعة السفن والشاحنات المهجورة والضفاف الصخرية والمصاطب والتذكارات وأحواض الأشجار، وحين تنعطف سيارة السيرك في شارع آخر، ويواجهها مطر أبري حاد أفقي يلطم الواجهة الأمامية، وتنحرف متجاوزة كتلة حجرية، يظهر وجه الأسد الذي طأطأ رأسه حين أشار اليه المروض بطرف العصا الذي يشبه المدية. ويبدو النمر وهو يقفز فوق ظهور حيوانات السيرك معلقا في قفزته في الهواء، في حين ظهرت وجوه البهلوانات في الضوء الأخضر السيال، على ضوء برق ساحلي خاطف، مليئة بالتجاعيد، كوجوه الأسود.
المرايا الجانبية وهي تزيح الطرق والأشجار والأشياء المقلوبة والسفن الشراعية والشاحنات الحديدية والرذاذ المطري وأعمدة المصابيح والضفة الصخرية والمقاعد الفارغة وحفر التذكارات، تكشف، في منعطف سريع ومباغت، عن صفوف من المنازل تتراجع ومنها تتطاير علب فارغة وقطع حديد وصفيح وأوراق، وتبدو نوافذها الداكنة العميقة العتمة كأنفاق طويلة في حيطان ناقعة (تحت سيول الأمطار المنجرفة من الأسطح أو من الميازيب المتزعزعة والمثقوبة).
ما تزال الساحرة عند مدخل الغابة (وسيتسمر ذلك العناق البدائي بين الأفاعي والساحرة وسط أشجار تطبق بأوراقها السيفية الحادة والمنبسطة الواسعة السعفية، المتراكبة السطوح، ووسط أوراق عشبية دقيقة تلتوي في العمق الأخضر الساكن وتحيط بأزهار مروحية صفراء وأزهار كاسية حمراء قرمزية.
غير أن الساحرة ما تزال عند مدخل الغابة، لم تتقدم خطوة واحدة، وستبقى مويجات النهر الباهتة خلفها على نفس البعد، وستبقى الأوراق الداكنة الخضرة المتراكبة المحددة بضوء فسحة الفضاء في الأعلى، والأوراق الطويلة والأزهار الصفر والبيض والأعشاب الكثيفة المحيطة بقدميها في الأسفل، كما ستبقى الأفاعي المتأخرة عن الوصول الى جسد الساحرة في تدليها المتوتر حوله، ساكنة في المنظور الاستوائي الجامد الذي تحتويه اللوحة البدائية المرسومة على الجانب الأيمن من صندوق سيارة السيرك).
تنعطف السيارة في درب ضيق تلافيا لحواجز وحفر وأكوام صناديق وبقايا معلبات أطعمة فارغة أو مملوءة وعلب دخان مفتوحة وأكياس حبوب مرمية أو مقذوفة، فتختفي في العتمة الساحرة ومعها الأفاعي، وتظهر على جانبي صندوق سيارة السيرك المنطلقة تحت المطر، وتحت سماء رصاصية، ظلال نوافذ، وابواب، وأشجار، وحبال غسيل متدلية أو مقطوعة من السطوح، وفي المرآة الجانبية اليسرى يظهر شبح امرأة مستغيثة من خلف نافذة. لكن لا شيء مؤكدا: قد تكون ستارة محلقة في الهواء العاصف الماطر من نافذة مخلوعة.
حين تخرج السيارة من الدرب، وتنعطف نحو شارع رئيس مفتوح، تبدو البيوت والاشجار وأعمدة المصابيح والسطوح تتراجع في المرايا الجانبية، وتظهر على جانبي الطريق ارض ملحية سبخة، وفي النهاية البعيدة للطريق، في الضباب، تلوح بيوت أخرى منعكسة ومتراقصة في وحول وأمطار ومياه وربما في رمل يعكس زجاجه المبلل كل شيء على ضوء البرق.
السحب والوحول تحجز الوقت والطقس(الوقت بطيء.كطقس أي فجر أو ضحى يوم من الأيام السابقة، مطفأ وشاحب، بلون الرماد أو الفضة أو الألمنيوم العتيق).عادت الأسود للقفز على الحلقات النارية وظهرت مرة أخرى ساحرة الأفاعي العارية وخلفها الغابة، والأفاعي تتدلى أو تزحف على جسدها( وستبقى الأفاعي المتأخرة عن الوصول الى جسد الساحرة في تدليها المتوتر حوله ساكنة في المنظور الاستوائي الجامد).
عند مدخل البلدة، واجهت السيارة عربات منقلبة، ونقطة تفتيش خشبية صغيرة مرمية على الطريق العام، وجذوع أشجار مقلوعة، وصناديق مسحوقة، ومحلات محطمة اندلقت محتوياتها الى الخارج، مبعثرة، عربات قطار مقلوبة نما حولها دغل كثيف.
انحرفت قليلا عن الطريق، فانغرزت عجلاتها في وحل لزج وعميق وعفن، وحين كانت العجلات تدور،كانت تقذف الى الخلف اشلاء فئران وقطط وكلاب ميتة وربما أشلاء مخلوقات أخرى، لكنها اندفعت بقوة الى الأمام وانفتح الطريق وظهرت أشجار عند حافة النهر، قد يكون النهر نفسه،يتحرك بينها(عملاق داكن يرتقي مرتفعا، كمن يتهيأ للقفز في النهر. شبح أسود صعد الحافة، يقف منتفضا تحت الأشجار وينظر للنهر الذي غادره. لم يكن الا تمثالا صخريا ضخما على منصة من الرخام لشخص يدير ظهره للشارع ويبسط كفاً ممدودة على النهر، مشيرا بها الى القوارب المهجورة، المربوطة أسفله، الى أوتاد متآكلة لا ترتفع كثيرا فوق الماء. للتمثال ساقان فارغتان ودقيقتان ترفعانه الى علو شاهق، تتقدم احداهما على الأخرى، منحنيتان قليلا، والساق الأمامية أكثر انحناءاً، تظهران التمثال في وضع كأنه سيخطو خطوة واسعة تضع القدم الأمامية وسط القوارب، وتضع الخطوة الثانية القدم الخلفية وسط النهر، والخطوة الثالثة ستطوح بالقدم الأمامية الى الضفة الأخرى غير المرئية، والخطوة الرابعة ستنقل التمثال ليهبط في الضباب البعيد. إن الشخص يحني ظهره وينعكس رأسه الصغير الشاهق نحو الماء في الأسفل، نحو القوارب المهجورة المرصوصة. إن ثقوبا صغيره في سطح كتلته الحجرية، ثقوبا داكنة ذات حافات متآكلة، أكثر ما تنتشر حول قدميه وذراعه الممدودة، تمتص مياه المطر. وليست للتمثال يد ثانية، ربما لأنها تآكلت تماما).
تلوح من ثقوب التمثال رؤوس طيور لاذت من الذعر والبرق والعواصف في تجاويف التمثال، برؤوس قلقة من الحركات المباغتة للتماثل وهو يخطو، وبدت كما لو أنها تتهيأ للطيران والفرار حين (قفز التمثال من منصته، عندما اجتازته سيارة السيرك،. يخطو الخطوة الواسعة الأولى وسط القوارب، وتهوي ذراعه الطويلة نحو القوارب فتغرقها. ثم تتصاعد من النهر أعمدة دخان.إنه يقف في النهر. تغادر الطيور مبتلة مضببة ثقوب كتلته الحجرية وتحلق حول هامته الضئيلة.
أما الخطوة الأخرى فللشارع، تتبعه الطيور التي توالى الخروج من ثقوبه. يعدو التمثال خلف السيارة مترنحا، ويصطدم بأعمدة المصابيح وبجذوع الأشجار.الخطوة الثالثة نحو النهر، يركض بين القوارب والأوتاد. ثم لشارع في خطوات واسعة، فيما يستمر تآكل ساقيه وتناخرهما. يختفي فجأة، عندما تنعطف السيارة، ويكف عن الانعكاس في مرآتي المراقبة الجانبيتين ـ خطوة هائلة عبر النهر، نهر المرآتين).
يتوالى هروب الطيور المذعورة وتنبثق من الماء الذي غاص فيه التمثال، مع تصاعد بخار كثيف، يغطي القوارب المهجورة والأوتاد المتآكلة. في حين تواصل سيارة السيرك تقدمها وتدخل في شبكة شوارع متشابهة متشابكة ولم يعد يظهر في مرآتي المراقبة الجانبيتين سوى انعكاس يشبه ظلالا معتمة متداخلة لبيوت وأشجار ومؤسسات وعجلات مقلوبة ومحطمة. تظل السيارة تدور في شبكة شوارع متقاطعة،صغيرة، وتنهال عليها من الجانبين ظلال البيوت والنوافذ والستائر المتطايرة.
تختفي ساحرة الأفاعي تماما، لكن مدخل الغابة يظل واضحا، وبعض الأفاعي تجاهد كي تتسلق الجسد العاري المختفي، وتزحف بليونة للوصل اليه، كما لو انها ظلت تزحف على هذه الصورة من ايام بعيدة، حتى حيوانات السيرك على جانب الصندوق الأيسر تلاشى بعضها تحت العتمة المنهمرة فوق السيارة، لكن وجه النمر القافز فوق الحيوانات يبدو أكثر وضوحا.
لكن هذا لا يدوم. سرعان ما تغرق السيارة في شارع ضيق آخر في عتمة كثيفة. تختفي الغابة وتظهر بوضوح الساحرة تتدلى من على رقبتها الأفاعي. في حين يبدو وجه الأسد، في فجر هذا اليوم أو في ضحاه، في وقت بطيء وشاحب وصديء، على الجانب الأيسر، مزمجرا تحت مطر مداري منفلت منذ خمسة عشر يوما، وتحت سماء بلون الوحشة.
وكما لو ان أحدا، فجأة، ارتمى على زجاج الواجهة الأمامية، سقطت كتلة ضخمة بقوة والتصقت بالواجهة، قبل أن تتحرك ماسحات المطر وتقذفها الى الوراء، لتطير، عبر مرآتي المراقبة، وتلتصق مرة أخرى بجذع شجرة منحنية على الرصيف الغارق بالوحول. ظلت ماسحات المطر تعمل بلا انقطاع وهي تطرد الرذاذ المطري وقطع الملابس المتطايرة والأوراق وعلب الطعام الصغيرة والضباب والصحف المحلقة.
تبدو الشوارع المقفرة والبيوت والنوافذ والأشجار تتراجع عبر مرايا المراقبة. على هذه المرايا تظهر الأشياء وتختفي كما لو انها تنبثق منها وتختفي فيها أو في أمكنة أخرى. الشيء الوحيد الباقي، تحت هذه السماء التي بلون الحديد الصديء هو: المطر والضباب وساحرة الأفاعي وصندوق سيارة السيرك وتجاعيد الأسود ووجوه البهلوانات ووحوش السيرك ومدخل الغابة وأفق بلون الرماد أو الألمنيوم العتيق أو لون الفضة أو لون الصخر.
(في نهاية ممر الأشجار، لم يقد شارع فرعي إلا لشبكة من الشوارع الفرعية القصيرة المتقاطعة المتشابهة. انها شوارع متساوية في الاتساع، معبدة نظيفة، محددة بأسيجة واطئة من الآجر الخشن ذات بناء مضطرب. ففي حين تبرز صفوف من الآجر تنخفض صفوف غيرها، أو تبرز آجرات متفرقات بروزا كبيرا في هذه الأسيجة، التي تحصر مساحات من تلال القمامة ـ فضلات، رماد، ونفايات محروقة ـ تماسكت تحت المطر،يرتفع بعضها فوق مستوى الأسيجة، وبعضها تكون حديثا، متفرقة أو متصلة، تملأ المساحات وتتبعثر في فتحات في الأسيجة.
الشوارع الخالية المغسولة، المنعطفات،مفارق الشوارع القصيرة المستقيمة، تلال القمامة،الرذاذ الماثل، السماء الواطئة، تطارد السيارة في المرآتين الجانبيتين، أو تتخلف ساكنة في أمكنتها، أو تختفي لتظهر ثانية فتواجه السيارة من أمام في شارع آخر. تعثر السيارة على طريق رأسية تتوغل مستقيمة وتقاطع شوارع مستقيمة أفقية متوازية).
حين تنطلق السيارة في شارع رئيس، تبدو لوحات الصندوق أكثر وضوحا من ذي قبل. إحدى الأفاعي وهي تزحف على جسد الساحرة بدت منهكة من مسير طويل على جسد مشع بلون الفجر أو قمحي أحيانا بلون الضحى. وحين تقترب من نهد الساحرة في منطقة الحلمة الحمراء المتفتحة كوردة تتفتح على ثلج متوهج، تلتوي على نفسها في عناق بدائي، في حين تظهر على وجه الساحرة ملامح غياب أو نشوة أو ذهول.
في هذه اللحظة، الآن، فتح أحد القرود فمه الى الأعلى كما لو انه يشم رائحة في الهواء، وجلس على مؤخرته وهو يضرب الأرض بيديه. ورغم عمل أذرع ماسحات الزجاج المنتظم، الا ان الأفق بدا شاحبا ومعتما بلون حديد صديء.تواصل السيارة اندفاعها الحاد(وفي احدى نقاط التقاطع تعترض السيارة براميل مصبوغة باللونين الأبيض والأسود).
ربما تكون براميل ثكنة عسكرية مهجورة أو حاجز تفتيش متروك أو قذفت بها الريح وربما لسبب آخر مجهول( فتستدير في شارع أفقي. غير أن براميل أخرى تأخذ في اعتراض السيارة عند تقاطعات الطرق، مما يضطرها الى الاستدارة يمينا ويسارا في شوارع أفقية متوازية متقاطعة مع شوارع عمودية قصيرة متوازية. لقد وضعت البراميل بحيث تمنع أية سيارة من السير في اتجاه واحد لمسافة طويلة، وكي تضللها فلا تسير الا في نفس الطرق المتشابهة رواحا ومجيئا، فلا تتقدم وإنما تدور حول مساحات القمامة المسيجة. وعند المنعطفات كانت تظهر لوحات وإشارات مرور مختلفة دائرية أو مثلثة الشكل تشير الى وجود مدارس ومستشفيات وسكك حديد وجسور، مع أنه ليس هناك أي بناء يدل على وجودها.
ربما تشير بعض هذه اللوحات الى سجون وملاجيء ومنشآت مزعومة. لوحات غيرها رسمت أقفال ومعاول ورموز كانت تشير الى أغراض مجهولة. وكانت البراميل المعترضة تسد معظم مفارق الطرق ولا بد من إزاحتها كي تخرج السيارة من شبكة الطرق المضللة. تنقلب البراميل وتتدحرج ما أن تصدمها مقدمة السيارة ذلك لأنها براميل فارغة، فيتمهد للسيارة شارع مستقيم، تمضي فيه دون عائق).
حين تمضي السيارة وتصبح في العراء، تظهر مرة أخرى، متراجعة في المرآتين الجانبيتين، اعلانات وإشارات ورموز جديدة: أحد تلك الرموز اعلان كبير ممزق الحواشي غير مستقر من الريح والمطر لرجل يرفع يدا تشير الى الأفق الذي لا يبدو واضحا تحت السماء الرمادية. ما أن تتجاوزه السيارة المنطلقة، حتى يظهر في المرآتين وكأنه يطاردها.
يظهر اعلان آخر عن حيوان ضخم كبير يمسك شيئاً في فمه، وعلى واجهة إحدى المنشآت الرمادية المسورة بأسلاك شائكة وأبراج مراقبة من الجهات الأربع، ترتفع فوقها مصابيح كاشفة، مطفأة الآن، ظهرت لوحة عن عصفور يأكل عصفورا، وبدا العصفور القاتل بوجه بشري.
ظلت نظرات العصفور القاتل الحامل ملامح بشرية تلاحق السيارة في المرآتين، وبدا أن الأفق الخلفي مليء بهما، في حين ظهرت أسفل العصفور الممزق بركة دم صغيرة ممزوجة بالمطر الذي لا يكف عن الهطول ـ لوحة مستنسخة للرسام سلفادور دالي. هي اللوحة نفسها التي أهداها الرسام الى ملك الملوك محمد رضا بهلوي وما تزال موضوعة في غرفة مكتبه ـ المتحف، الآن، التي تفوح منها رائحة كآبة قصور ملكية مهجورة، على الجدار الأيسر، وخلف الكرسي الملكي الفارغ الا من الغبار، المطل على حديقة كما يطل جواد منتظر فوق هاوية.
ما أن تخرج السيارة الى طريق خارجي، تحت المطر، حتى تندلع صرخات حادة من سيارة السيرك التي تحمل قرودا. صرخات مكتومة لا تسمع لكنها ترى من خلال أشداق القرود المفتوحة المحاصرة في القفص، قرود(يشتتها ذعر مجهول، لعله شعاع ضوء قوي مسلط عليها من الخلف أو من الأعلى، فهي تتسلق فتحات القفص وتنتشر في أرجائه. أكثر تلك القرود تتجمع في الجانب الخلفي من القفص. ولأنها في غاية الانفعال والهياج، فهي تدير رؤوسها وتتلفت الى بعضها أو تحدق الى الأسفل بحدقات واسعة ذاهلة. وتتفتح أشداقها كما لو تطلق الصرخات، وتطوح بذيولها الطويلة فتشتبك أو تنحشر في فتحات القفص، غير أن أربعة قرود أو خمسة تدير ظهورها الى جهة الشعاع، استمرت في هدوئها، متعلقة بواجهة القفص الأمامية، دون أن تحجب بقية القرود الهائجة في قعر القفص. إنها تنظر الى أعمدة الشارع التي تتراجع ساحبة معها أسلاكها، والى خلاء منخفض الأرض الشاسع على جانبي الشارع، وقد انتشرت فيه المستنقعات الملحية وأكوام من التراب البني المتماسك، والى السماء الرمادية الهابطة. كانت لكل من هذه القرود حدقتان واسعتان، متقاربتان جدا، يحيط بياضها الواسع بنقطتين سوداوين صغيرتين، تحتلان معظم وجوهها الصغيرة المسطحة المتجاورة.
وعندما تبتعد سيارة السيرك بهذه القرود، المرسومة على كل الواجهة الخلفية، فإنها تلوح من بعيد وكأنها قطط أو جرذان تتجمع عند حافة صندوق السيارة. وعندما تخوض العجلات المسرعة في برك المياه المتجمعة في الطريق، تلطم المياه القافزة وجوه حيوانات السيرك على واجهة الصندوق اليسرى، وساحرة الأفاعي على واجهته اليمنى، كما تسيل قطرات متفرقة عكرة على وجوه القرود الجامدة في الواجهة الخلفية للصندوق الكبير).
تندفع السيارة في طريق رئيس مع اشتداد المطر، وتتوالى الاشارات والرموز والعلامات أو تتكرر: أرقام ورموز ثكنات مقفرة الا من عجلات محطمة وأسلاك شائكة وبرك مياه وكلاب نائمة أو ميتة، وصور لأسلحة مختلفة ولوحات لدخان وخنادق وأكياس تراب وأنفاق، ثم ظهرت لافتة كبيرة قرب بناية حجرية منعزلة بعيدة عن الشارع يعلن اسم مؤسسة زراعية في هذه الأراضي المستنقعية الملحية السبخة، ثم يتوالى ظهور بنايات متشابهة بشوارع منتظمة وشرفات تبدو فوقها أواني الزهور التي لا توجد الآن، ومن خلف الشرفات تلوح نوافذ معتمة بستائر تلعب بها الريح، وعند التقدم قليلا الى الأمام ظهرت داخل المنازل أراجيح مهتزة وأشجار متداخلة غير مشذبة، ومن داخل أحدها، في العتمة والضباب والمطر، برز شبح لشيء ما، يتقدم الى الشارع العام، وغاب بين الأشجار.
وعبر مرآتي المراقبة عاد الشبح المتراجع الى الظهور وتوضحت معالم كلب هزيل ضخم رفع قائمته الخلفية على الجدار وبال. لكنه قبل أن يكمل بدا كما لو انه انهار فجأة وتهدل تحت الجدار كخرقة، الأمر الذي جعل قرود السيارة في الواجهة الخلفية تطلق صيحات حادة تضيع في الريح وصوت المطر وهو ينغرز بأنين عميق ومخنوق في الخشب والأثاث المرمي وفي جذوع الأشجار وعلامات الطرق والثكنات الموحشة ـ ربما ستعوي فيها الكلاب في الليل.
(ينفتح الشارع الى الأمام دون أن تظهر له نهاية: ففي نقطة بعيدة يخترق ضبابا أو جبالا رمادية تتصل بالسماء، وسط خلاء منبسط من الصعب تمييز الحدود التي يتصل عندها بالسماء. وعندما تلتحم نهايات الأرض بالسماء، تظهر عدة طرق قصيرة وطويلة باهتة في الأرض أو في السماء).
متاهة جديدة كما لو انها من رسم بورخيس أو أمبرتو ايكو أو من قوة غامضة ضخمة قذفت المدن الى الأرض الخلاء كي تتراكم على بعضها مكونة هذه الطرق العشوائية التي ما أن تنفتح حتى تنغلق في مكان آخر. يتكاثف الضباب في هذا الفجر أو الضحى وتعود الى الظهور علامات طرق وسجون ومؤسسات وثكنات ومنشآت مجهولة.
ساحرة الأفاعي المنتشية من زحف الأفعى على الجسد العاري بدت في هذا العراء الماطر المعتم كما لو انها تزداد نشوة أمام كون ينهار الآن ويتشكل من جديد. من الجانب الخلفي لصندوق سيارة السيرك ظهرت عيون القرود في هذه العتمة المطرية مشتعلة حمرة ومتقدة بوهج داخلي مشع.
الطرق ترتفع وتنخفض(تبدأ من نقطة ما، من منخفض أو مرتفع رماديين، وتنتهي فجأة في منخفض أو مرتفع رماديين. كما تشحب حواجز وأسوار عند النهايات الضائعة بين الأرض والسماء، وتنفصل عن الأرض جزر وكتل كروية وبيضوية بلون الملح وتحلق في الخلاء العريض.وبعيدا جدا، مرتفعات تنهار، وشلالات تنصب، ومواعين تنقذف). قد لا يبدو في الأفق الرمادي أي منفذ لسيارة السيرك المنطلقة في هذه المتاهة المتكررة.
تبدو القرود الخلفية أكثر استثارة الآن وقد شمت في الهواء رائحة ما. الأسد الذي وجه له المروض اشارة بعصاه التي تحمل رأس مدية وطأطأ رأسه بدت على وجهه ملامح ذعر بدائي وتحفز داخلي لم يستطع المروض هذه المرة كبحه رغم انه أشار له هذه المرة بطرف العصا التي تحمل هيئة عظم ـ هي عادة درج عليها مروض حيوانات السيرك بين استعمال طرف رأس المدية أو الطرف على هيئة عظم حسب الموقف.
وجه المروض حين ينسحب للراحة خلف الستائر، يصبح أكثر كآبة لسبب غير واضح كوجه مهرج حقيقي. إنه يشبه مهرج بيكاسو الجالس في خلفية المسرح بعد نزع القناع مع زملاء لكنه وحيد وأعزل وذاهل.
تغادر السيارة الآن(الشارع الفضائي، لتدخل بوابة من دعامات حديد قائمة بين أسلاك شائكة تحدد مساحة واسعة ينتشر في نواحيها حطام حديد: سيارات محطمة، أجزاء من آلات ومكائن، قضبان أنابيب وبراميل وصفائح صدئة. صفت البراميل والصفائح المنبعجة الملطخة بالقار بمحاذاة الأسلاك الشائكة،كما صفت لتحدد ممرات متعرجة داخل الحطام، ممهدة بالرمل المخلوط بالحصى وفتات الصخور. تسير السيارة ببطء في ممر رئيس من هذه الممرات وتنفلت تحت عجلاتها حصوات وقطع صخور ترتطم بالبراميل او تنقذف عبر البراميل لتستقر بين هياكل السيارات. تنفتح بين الحطام فجوات ضيقة أكثر دكنة، تنحدر اليها قطرات المطر السائلة على أشلاء الحديد، كما يحيط الحطام بفجوات أوسع ألقيت فيها قطع حديد صغيرة أكثر صدأ. وفي فجوات أخرى قطع أكثر تلفا.
أما الممرات الفرعية، فتنتهي في فسحات أكثر اتساعا. وكانت سيارة السيرك التي تسير على مهل في هذه الممرات الفرعية الضيقة تزيح البراميل بعيدا بمقدمتها أو بجانبها، وحين يتدحرج أحد البراميل الى وسط الممر، تجرفه السيارة بمقدمتها، كي تشق طريقها الى فسحة مناسبة تركن اليها).
وخلال الإزاحة والارتطام تصبح قرود السيرك المحجوزة في الصندوق، والمطلة على الطرق، أكثر ذعرا. ومع هدير السيارة، وتراكم ظلال المنازل والأشجار في العتمة المطرية، تختفي ساحرة الأفاعي، وتختفي الغابة، ولم يعد هناك أي أثر للأسود، ولا للبهلوانات أو المروض، ولا للنمر، ليس نمر الغابة في العاصفة الاستوائية، بل نمر السيرك.
الشيء الوحيد الباقي من لوحة الدعاية على جانبي السيارة كلاب تهبط سلالم متواصلة، وذيل طاووس، تحت سماء موحشة رمادية. ساد صمت طويل والسيارة تحاول الخروج من منطقة الأسلاك الشائكة وحطام الحديد والصفائح الصدئة وأكوام البراميل لكن (تفاجيء السيارة في فسحة محصورة بين جدران مرتفعة من البراميل،كتلة صغيرة مكورة، صقيلة لامعة، تنزلق عليها قطرات المطر كما تنزلق على سطح زيتي.
لم تكن الكتلة لتتميز عن قطع الحديد لو لا تلك الحركة البطيئة التي تدب في أطراف قصيرة أخذت تبتعد عن الكتلة لتلامس الأرض، اعتمدت عليها الكتلة في تراجعها البطيء الى الخلف، إزاء زحف السيارة البطيء أيضا باتجاهها، حتى اختفت كليا داخل فسحة أسفل جدار البراميل).
ساحرة الأفاعي وقد صارت السيارة الآن تحت ضوء فجر أو ضحى مضطرب، عادت مرة أخرى الى مدخل الغابة مع أفاعيها الزاحفة أو المتسلقة، النائمة أو المسترخية،أما قرود الصندوق الخلفي فبدا عليها رعب مفاجيء، خاصة وان رائحة حديد صديء تنفذ الى أعماقها البدائية مع مطر مداري تحول الى الآن الى إبر منحرفة تضرب الصندوق الخلفي بقوة.
تحاول السيارة مرة أخرى الافلات من شرك البراميل والاسلاك الشائكة والحطام المتناثر في كل مكان تحت هذه السماء الموحشة (فتطلق السيارة نفيرا قويا، يأخذ في التردد عميقا وطويلا بين حطام الحديد. موجات أخرى من النفير الثاقب تخترق جدران البراميل وتتغلغل في تجاويف الحطام، لتطرد الصمت الصديء المترسب، ولتنتزع الكائن الصغير، المأخوذ، من جحره. يطل رأس مكور، يتطلع بثقبين ضائعين أسفل جبهة عريضة صفراء ناتئة في وجه زيتوني ـ أصفر ينعكس عليه صدأ الحديد، وتعلق به حبيبات رمل. ثم يظهر الجزء الباقي ، عاريا.
تمكث الكتلة الحية التي تشبه حيوانا أو طفلا بشريا، في الفتحة قليلا، ثم تزحف بحذر الى الفسحة، بواسطة قوائمها القصيرة، وتستقر على قاعدتها لفترة وجيزة، متوفزة، ثم منتفضة حين تعاود السيارة اطلاق نفيرها الكاسح، نفير متصل، يقاطعه نصف الحيواني ـ نصف البشري بصرخة طويلة حادة. ويتضح لهذا الكائن فم: شق واسع داكن أسفل رأسه الأملس المكور. فم يصرخ).
تحاول السيارة التقدم الى الأمام بقوة أكبر هذه المرة متجاوزة كتل البراميل والحديد الصديء والمخلوق نصف الحيواني ـ نصف البشري، لكن الصرخة الحادة المزمجرة تحول دون ذلك. مرايا المراقبة تعكس الآن اللون الرمادي الذي يصبغ الأفق الخلفي والأسلاك الشائكة والخلاء الخلفي الشاسع. تحاول السيارة التقدم من جديد لكنها تواجه بصرخات حادة طويلة والفم( الذي يصرخ جوف عميق، جوف في عمق صدأ الحديد يجتذب اليه السماء المنجرفة بين ممرات الحطام، كما تنسحب اليه الأشلاء والقضبان، التي ستلفظ ثانية صرخات تولول من برميل الى برميل، ومن فسحة الى فسحة. صرخات تنبثق من الظلمات، ستمسخ رؤوسا كثيرة مكورة صقيلة بلون الحديد تشبه الرأس الذي يطلقها.
يقدم الرأس ـ الصرخة، الذي تشكل في الأعماق صغيرا ويأخذ بالنمو فيما يقترب رويدا، رويدا، وما أن يصل حافة الفم حتى يكتمل ويصبح توأما للرأس الأصلي. لن يقام الرأس الجديد طويلا، فهو ما يكاد يلامس الهواء حتى يتموج متمددا آخذا في الانتشار ثم الذوبان، فالتلاشي في الفضاء كالدخان. وقبل أن يختفي تماما، يكون الرأس التوأم التالي القادم من الجوف الحديدي المظلم قد اقترب من حافة الفم مسرعا، صارخا. وهكذا تستمر الرؤوس المتشابهة في التوالد السريع ثم الاختفاء المتموج، حتى بعد انقطاع نفير السيارة).
الآن، اللحظة، في فجر يوم أو ضحى، مطفأ وشاحب، بلون الرماد أو لون الوحشة، تحاول السيارة التراجع، مزيحة كتل البراميل خلفها، وقد لاح وجه الأسد، في الجهة اليسرى، هرما في الضوء الشاحب الشحيح المنعكس من حطام زجاج السيارات، في حين ينحني المروض بوجه صارم للجمهور- الغائب الآن. لكن السيارة في تراجعها( تصطدم بجدار من البراميل مرتفع،، تنهار البراميل، وتتراكم حول السيارة، وتستمر البراميل تتساقط جزءا بعد جزء حتى تغطي صندوق السيارة الكبير. ولقد انقطعت الصرخات، وما يزال المطر يهطل، رذاذا منحرفا، وتسيل قطراته على البراميل المنهارة، وعلى أشلاء الحديد) وتحت سماء بلون الرماد أو الصخر أو الوحشة، في يوم كالأيام السابقة، بطيء وثقيل وصديء.
حمزة الحسن
روائي عراقي مقيم في السويد



