الثلاثاء, 20 تشرين الثاني 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
الجحيم المقدس/ رواية سينمائية
برهان شاوي
الجحيم المقدس/ رواية سينمائية




إشــــارة

كتبتُ هذا العمل الأدبي في العام 1987، حينما حصلتُ على منحة الكاتب الألماني الشهير هاينريش بول، الحائزعلى جائزة نوبل للآداب في العام 1983، والمخصصة (للكتاب الأجانب اللاجئين في المنفى) وكان عليّ أن أنجز هذا العمل في ستة أشهر فقط. وهذا ما كان.

في هذا النص حاولت أن أستخدم كل التقنيات في كتابة النص الدرامي المخصص للسينما، والتي تعلمتها أثناء دراستي للسينما في موسكو. وقد حاولت أن أتوقف عند مرحلة مهمة جداً، لكنها لم تدرس جيداً، من تاريخ شعبي العراقي، ألا وهي المرحلة - المنعطف ما بين أفول سلطة الرئيس أحمد حسن البكر وتسلم صدام حسين لزمام السلطة. وبالتحديد الفترة ما بين 1977 - 1979، وهي المرحلة التي صفيت فيها كل التيارات الفكرية والسياسية التي كانت تمور في احشاء المجتمع العراقي. والحقيقة، حينما كتبت هذا العمل لم يكن في نيتي أن أدون حكاية سياسية، وانما حاولت أن أروي شذرات من تجارب شخصية لي، كما حاولت أن التقط بقايا أنين ووجع انساني، لأناس عرفتهم، هذا الأنين الذي لاحقني حتى في ليل المنفى البارد، الطويل.. الطويل.


وبتشجيع من المرحوم المفكر العراقي الراحل هادي العلوي نشرت مقاطع من هذا العمل في جريدة (الغد الديمقراطي) التي كانت تصدر في لبنان في نهاية الثمانينات، لكنني تركته بين أكداس الكتب والمخطوطات في مكتبتي، ونسيته، إلى أن عثرت عليه مؤخراً، حينما بدأت أرواحنا تنفض عن نفسها غبار المنفى، بعد سقوط الطاغية، وبعد هذا الخراب الجميل. فبادرت، متردداً، إلى تقديمه لصديقي الأديب والناقد الدكتور سلمان كاصد، لابداء ملاحظاته الأدبية والنقدية، لاسيما وهو الخبير، العارف، والمتمعن في مسارات الرواية العراقية، تاريخاً، وبنية، واسلوباً.. وكم كان ارتياحي عظيماً حينما شجعني على نشرها، دون أن أضيف إليها حرفاً زيادة، فله مني الشكر والعرفان.


بُـرهان/أبوظبي2003





(1 )

عنـــــد نبــــع المـــــاء

الشمس اللاهبة تضـيىء السماء والسهل والجبال بنورها الباهر، والوادي الرحب يمتد بين سلسلتين من الجبال. الأشجار تتوزع بدون انتظام. في إحدى الجهات تتدفق عيون الماء التي لا تبعد الواحدة عن الأخرى كثيرا. الماء الرقراق ينضح عنها ليسيل في جداول صغيرة، بينما يمتد السهل شاسعاً ورحباً في الجهة الأخرى.
هناك قرية شبه مهجورة تتوسط الوادي، انها قرية (قاينجة) التي لا تبعد كثيراً عن المدينة الصغيرة (سيد صادق) التي تقع عند نهاية الوادي. ومع انحراف السلسلة الجبلية ينفتح أفق رحب وتتقاطع الطرق التي تذهب إلى مدينة (السليمانية) وإلى (حلبجة)، مثلما ينزل الطريق ذاته شاقاً الوادي ذاهباً إلى مدينة (بنجوين).
في الطرف الآخر من الوادي، وعلى بداية سفح الجبل ترقد قرية صغيرة جداً، قرب عيون الماء. انها قرية (كاني سكان) التي لا تتعدى بيوتها العشرة. وفي الطرف الآخر من القرية يقع معسكر للجنود الذين ألقت بهم أقدارهم السيئة إلى هذا المكان الجميل لكنه النائي عن الأهل والأصدقاء. أسفل المعسكر تمتد مقبرة القرية، حيث تتناثر القبور فيها ويحيطها سور واطىء من الحجارة. القبور تتناثر بدون انتظام ولا يميز أحدها عن الآخر سوى كمية الأحجار التي تحيط به أو ترتفع عليه، وكأنما يأبى البشر ماداموا أحياء إلا أن يتمسكوا بتمايز أحدهم عن الآخر حتى أمام الموت، رغم أنه ساواهم تحت جناحه في مملكة الظلام.
المقبرة تخص قرية (كاني سكان) فقط، وهي تضم قبور أبنائها الذين أعدموا في مقر الفرقة السابعة التابعة للفيلق الأول للجيش العراقي، كما تضم قبور الذين قتلوا أثناء تصديهم للجيش الذي أرسلته السلطة في بغداد ليحرق القرى والغابات والناس والأشياء وليجعل من كوردستان جحيماً.
الظهيرة لاهبة. لاح جندي من المعسكر، قفز حاجز الحجارة الذي يفصل المعسكر عن المقبرة ونزل راكضاً بحكم الانحدار الأرضي باتجاه القبور، توقف عند أحدها ثم فك حزامه وأنزل سرواله وأقعى يتغوط.
المقبرة والمعسكر أسفل القرية على سفح الجبل لذا تبدو من بعيد وكأنها فوقهما. صعدت فتاة صغيرة بثيابها الكوردية المهفهفة سطح الدار، نظرت باتجاه المقبرة، جلست خافضة رأسها باتجاه باحة الدار، يبدو أنها نادت شخصاً ما، إذ سرعان ما صعدت إلى سطح الدار امرأة كوردية بثياب لاهبة حمراء وأخذتا، الفتاة الصغيرة والمرأة، تنظران باتجاه المقبرة، ثم بدأتا بتحريك أيديهما باشارات تبدو للرائي من بعيد وكأنهما تدعيان متجهتان لرب السماء. إذ كثيراً ما كان الجنود يتبولون ويتغوطون عند قبور الأبناء الشهداء. ولقد ذهب بعض وجهاء القرية من المسنين إلى قائد المعسكر شاكين في أن هذه القبور هي لأبنائهم وأحبتهم وليس من العدل أن يتبول الجنود عليها وأمام أعينهم، فما كان من قائد المعسكر الا أن طردهم مهدداً فيما إذا رجعوا إليه ثانية فانه سيجعلهم من سكان المقبرة وليس القرية، وسيجعل الجنود يتغوطون على قبورهم ليل نهار. فابتلع سكان القرية هذه الاهانات على مضض، حتى صار ديدنهم أن يراقبوا حركة تبول وتغوط الجنود، بل وكثيراً ما كانت احدى الأمهات تحس بفرح خفي حينما يمر اليوم ولم تر فيه من يتبرز عند قبر ابنها الشهيد.لذى فأن من ينظر إلى قرية (كان سكان) من بعيد وقبل أن يصلها يرى الصبيان وأحياناً الكبار يقفون على أسطح البيوت متجهين بوجوههم نحو المقبرة.

***

الظهيرة لاهبة والوادي ساكن إلا من خرير الماء الذي يجري في جداول. وعند النبع وتحت ظلال أشجار التوت كانتا جالستين. امرأة عجوز قد تجاوزت الخمسين بكثير، لكنها كعادة العجائز في الجبال تبدو نشيطة، ترتدي ثياباً قديمة، وجهها قاس وحاد الملامح، في نظرتها غضب ومرارة.. كانت العجوز تنقل نظراتها التائهة بين الجبال والقرية والسهل الممتد وبين وجه ابنتها الجميل الوحشي، والتي كانت مغمضة العينين وكأنها تحلم أو تحاول اقتناص وجه ما في ذاكرتها. انها كئية الوجه والملامح فتية الجسد. فتحت عينيها، ألقت على وجه العجوز نظرة غامضة ومستقرة، دون أن يرف لها جفن. لم تستطع العجوز أن تصمد في مواجهة هذه النظرة، فسرّحت بصرها باتجاه القرية التي لا تبعد كثيراً. دمدمت العجوز بلهجتها الكوردية السورانية بعد أن ألقت نظرة مستفهمة وسريعة على وجه ابنتها.

ــ يبدو أنه لم يبق غيرنا، لقد قتل الجميع، ويبدو أنهم أحرقوا قرية (حمه ره ش) ايضا.
لم تجبها الفتاة، نظرت بشرود إلى وجه أمها ثم استقرت نظرتها على عين الماء الجاري. نظرت إليها العجوز ثم التفتت إلى الشيء الذي استقرت عليه نظرة ابنتها، تنقلت نظرتها بين وجه ابنتها وعين الماء، خفضت وجهها بحزن‘ بعد لحظات رفعت وجهها ونظرت للسماء مدمدمة:
ــ ستقوم القيامة قريباً.
التفتت الفتاة إليها بحركة مفاجئة، نظرت إليها للحظة ثم خفضت وجهها ثانية وتاهت نظرتها غارقة لأعماقها، فجأة، نهضت العجوز واتجهت نحو الينبوع وأخذت تغسل وجهها، التفتت نحو ابنتها، كانت الفتاة قد استلقت بكامل جسدها على الارض وغطت وجهها باحدى يديها وطوت الثانية تحت رأسها. وقفت العجوز، سرحت ببصرها نحو المعسكر والمقبرة، تقدمت من ابنتها:
ــ من حسن الحظ أن هناك عيوناً أخرى قرب المعسكر وإلا كان الجنود قد جاءوا إلى هنا.
رفعت الفتاة رأسها دون أن تجيب، نظرت إلى أمها ثم غفت ثانية.
ــ يجب أن ننتظر هنا لحين الغروب حينما تنزل نساء القرية إلى النبع الآخر.
جلست العجوز متكئة بظهرها إلى جذع شجرة بينما استلقت أمامها ابنتها منكمشة على نفسها.. في هذه اللحظة بالذات تعالى صوت من بعيد، من جهة المعسكر وباللهجة العراقية:
ــ حيــة… حيــة
هرول أحد الجنود باتجاه المعسكر وبيده دلواَ يتساقط منها الماء. اختفى الجندي خلف سياج المعسكر. انتبهت الفتاة، رفعت رأسها باتجاه المعسكر، رأت اثنين من الجنود قد عادا مع حامل الدلو وبيد أحدهم بندقية، نزل الجنود نحو النبع الذي يقع أسفل المعسكر، في المسافة التي تمتد بينه وبين القرية. الجنود يلغطون بالعربية التي لم تفهمها العجوز وابنتها سوى قليلاَ. وفجأة دوى الوادي بصوت رشق من الطلقات، رددت الجبل صداه. فزت الفتاة والعجوز على أثره، وصعدت بعض النسوة إلى أسطح البيوت في القرية، بينما ترددت قهقهات الجنود وهم يختفون خلف سياج المعسكر.


(2)

الحـــرس الخفـــــر

وقت الأصيل صيفا، الشمس تنحدر للغروب، الجبال بنفسجية. ومع هبوط الشمس إلى المغيب، تصير الجبال زرقاء ثم معتمة. في الليل تبدو الأشجار وكأنها أشباح والجبال كفضاء مظلم. ليس من أصوات سوى خرير الماء، وطنين الحشرات البرية. الجبال صباحا، رنين الأجراس الصغيرة المعلقة برقاب الأبقار والماعز الذاهبة للمرعى، وزقزقة الطيورا لبرية. الجبال، الأشجار، الحيوانات والسماء تبدو وكأنها كائنات عاقلة، وكأنها تفكر وتتكلم وتبتسم وتغني بل ويبدو الانسان وكأنه جزء منها.
بعد إختفاء الشمس وراء الجبال نهضت العجوز وابنتها، توجهتا نحو القرية، اقتربتا من الينبوع الذي يرتاده أهل القرية، كانت هناك صبية في التاسعة تستعد للرجوع إلى القرية بعد أن غسلت أوانيها.
انتبهت الصبية للقادمتين، حدقت فيهما بفضول، اجتازتاها، لحقت بهما وأخذت تسير جنبهما، كانتا أسرع منها في المشي بسبب ما تحمل، أخذت تسرع كي تستطيع اللحاق بهما.. انتبهتا لها.. لم تعيراها اهتماماً.. وفجأة.. تعثرت الصبية لكنها لم تسقط وانما دوت قدورها وصحون الطعام الألمنيومية.. توقفتا.. همتا بالمشي.. لكنهما انحنتا دون كلام وأخذتا تساعدانها في جمع الصحون.. التفتتا،كانت الصبية تركض وراء القدر الذي بدأ يتدحرج سريعاً إلى حيث النبع.
من جهة المعسكر، وفي النقطة التي تقع على مشارف القرية كان أحد الجنود يحمل بندقيته بلا مبالاة. انه في بداية نوبة حراسته الليلية، نظر باشفاق إلى الصبية وهي تركض، ثم نظر إلى القدر المتدحرج فابتسم، ثم التفت، أطال النظر إلى المرأتين. المسافة بين الجندي والمرأتين ليست بقليلة. تحركت المرأتان، الجندي يتابعهما بنظره. جاء من خلفه جندي آخر يحمل صينية فيها رز وشيء من المرق. نظر الجندي الثاني لصديقه الحارس لحظة.. ابتسم.. تقدم.. وضع الصينية على الأرض.

الجندي (بالعربية): أكو شي.
تمتم الجندي الحارس بحزن: لا.. ما كو شي.
الجندي: لعد تعال نتعشى الآن.
الحارس: ما عندي شهية، أكل انته واترك لي شوية.
الجندي (مازحاً): تعال يمعود، ما دام الأكل حار تعال أكل..
ترك الحارس بندقيته جانبا وتقدم من صينية الطعام. التفت إلى القرية ثم تربع جالساً. كان الجندي الأول الآخر قد بدأ بالأكل.
عند النبع، أمسكت الصبية بالقدر وعادت تصعد ثانية. العجوز وابنتها وصلتا القرية وهما تطرقان أحد الأبواب، بينما بدأ هدير المولد الكهربائي يدوي من جهة المعسكر، وبعض المصابيح بدأ بالاضاءة. الظلام بدأ يخيم على الجبل.



( 3 )

شـكســـبير والجنــــود

خرجت امرأة كوردية شابة من الغرفة وهي تحمل صينية صغيرة مليئة بالأقداح، جلست قرب الموقد الذي يقع في جانب تلك الباحة التي تسبق الغرفة. أقداح الشاي في الصينية، وفي أحد الجوانب طفلان يفترشان الأرض نائمين، وفي القرب منهما تتمدد الفتاة، بينما تجلس العجوز وقد مدت رجليها باستقامة.في وسط الباحة كان الفانوس مضيئاً. قالت المرأة الشابة، بالكوردية، وهي تصب الشاي في الأقداح:
ــ وحينما وصلت مفرزة الجيش و(الجحوش) إلى القرية لم يجدوا أحداً سوى المختار وبعض المسنين لأن الرجال صعدوا إلى الجبل، وحينما لم يجدوا أحداً قتلوا ثلاث أبقار كانت في طريقهم.. مسكينة (فاتي) لقد قتلوا بقرتها الوحيدة، أما البقرتان الباقيتان فهما للمختار المسكين، رغم انه مع الحكومة.
عبست العجوز، نظرت بشكل خاطف لابنتها وقالت بحزن:
ــ حتى الحيوانات لم تسلم من شرهم، لكم رأيت، وكم سأرى، لقد قتل أخي وزوجي وها نحن نرى أبناءنا يقتلون أمامنا.. ابني الكبير (هيمن) سجين في (أبي غريب) ببغداد.. وهذه (شيرين) كما ترينها، لقد قتلوا خطيبها، إذ جرح في احدى المعارك ولم يستطع الاختفاء من الجيش فأفرغوا في جسده ثلاثين طلقة، لا أدري متى سينتهي كل هذا.

***
الليل في الخارج قد طوى الجبال والسهل وما فيهما تحت جناحيه. هدير المولد الكهربائي يدوي في المعسكر. عند نقطة الحراسة المحاذية للقرية كان الجندي نفسه في واجب حراسته، زميله كان متمدداً على بطانية كالحة السواد لا يمكن تمييزها في الظلمة، بيده راديو صغير يتنقل به بين الاذاعات. فجأة وضع الراديو الذي كان يبث أغنية فرنسية من اذاعة مونت كارلو جانبا وسأل بلهجته الجنوبية:
ــ عبدالله.. كل لي.. شلون انته متعلم وخريج معهد الفنون وعندك شهادة شطولهه، ودزوك لهنا.. ليش ما دزوك على اختصاصك.
تحرك الجندي عبدالله ذهابا وايابا بصمت في حدود نقطة الحراسة، نظر إلى القرية ثم التفت مازحا إلى زميله الذي استقبل هذه اللحظات من الصمت كجزء من الجواب، ثم قال:
ــ يبدو انهم توهموا.
قال الجندي بعجلة وارتباك:
ــ شلون
ضحك عبدالله وقال:
ــ اعتقدوا انه في معهد الفنون الجميلة يدرسون القتل والذبح.
أصابت هذه الاجابة الجندي الآخر بخيبة لما تنطوي عليه من سخرية فقال دون أن يخفي خيبته في ثنايا صوته:
ــ لا، صحيح، شنو السبب، أنت الجندي الوحيد اللي متخرج من معهد بمعسكرنه، حتى نواب الضباط ما مخلصين اعدادية، كلهم من الصف الثالث متوسط ودخلوا دورات عسكرية، بس المساعد وآمر الفوج عندهم شهادات عالية.
مرت لحظات من الصمت، فجأة مرت بقرة بالقرب من السياج الواطىء، انتبها لها، ضحك الجندي الآخر وقال:
ــ خوفتني، عبالي اجونه المخربين.
صمت عبدالله، اقترب من زميله وسأله بحرارة:
ــ ستار، كلي، تعرف شكسبير
جفل الجندي ستار من السؤال وأجاب:
ــ لا، منو هذا شكسبير
استمر عبدالله بنفس الحرارة:
ــ مو مشكلة، اسمع، شكسبير في مسرحية (ماكبث) يكول:
ما الحياة إلا ظل يمشي.. ممثل مسكين يقضي ساعته على المسرح ثم يمضي.. حكاية يرويها
معتوه.. ملؤها الصخب والعنف ولا تعني أي شيء.
قال ستار بتردد:
ــ ما فهمت
أجابه عبدالله وهو يستدير إلى نقطة الحراسة:
ــ أحسن
فجأة سمع حركة خطوات قادمة، تأهب عبدالله وصرخ:
ــ قـف
توقفت الخطوات، غطى ستار نفسه بالبطانية وكأنه نائم، صاح عبدالله ثانية:
ــ قدم نفسك
سمع صوت من الظلمة:
ــ اني ضابط الخفر.
تقدمت الخطوات، صرخ عبدالله:
ــ قف
تقدمت الخطوات، صرخ عبدالله:
سر الليل
قال الواقف في الظلمة:
ــ القادسية
اخفض عبدالله بندقيته، وقال:
ــ تفضل

تقدم ضابط الخفر، وكان برتبة نائب ضابط، استعد له عبدالله وأدى التحية العسكرية، ابتسم نائب
الضابط، سأل:
ــ ما كو شي
أجاب عبدالله
ــ لا
فجأة صرخ نائب الضابط:
ــ استعد
استعد عبدالله بارتباك، اقترب نائب الضابط منه وقال بلهجة آمرة مليئة بالحقد والتهديد:
ــ مو هيجي يجاوبون، لازم تكول، لا سيدي ما كو شي، مو بس تكول لا، وين انته كاعد، بمعهد الفنون، هنا ما كو ميوعة.. هنا احنه عسكر، مو خنافس، مفهوم
أجاب عبدالله بارتباك:
ــ مفهوم
عندها صرخ نائب الضابط ثانية:
ــ كول مفهوم سيدي
أجاب عبدالله:
ــ مفهوم سيدي.
وقف نائب الضابط لحظات غاضبا ومحدقا بوجه عبدالله، ثم استدار وابتعد مختفيا في الظلمة.
ظل عبدالله ساكنا في مكانه، رفع ستار البطانية عن وجهه وقال:
ــ هذا الحقير، نائب الضابط (عذافه)، يمته الله يلخصنه منه، زوجته الكحبة ما خلت حسرة بكلب واحد، ومن يروح هوه بالاجازة تضربه بالنعال وما تخليه يتقرب منهه، وهنا يصير بطل براسنه، هوه يضوج منك، لانه انته خريج وعندك شهادة.
صمت عبدالله لحظات ثم قال معلقا:
ــ طز بيه وبالشهادة، حمار

***
في تلك اللحظات كانت العجوز وصاحبة الدار قد بقيتا صاحيتين، أما الاطفال وشيرين فقد تغطوا بشرشف رقيق. قالت صاحبة الدار:
ــ ولكن إذا لم تعثري على ابن أختك في بغداد
قالت العجوز وهي تنقل نظراتها بين وجه ابنتها والمضيفة:
ــ ليست هذه بمشكلة، لدي عنوانه، ثم ان البغداديين طيبون، سيدلونني على العنوان إذا سألت.. مشكلتي شيرين، كيف ستبقى هنا وحدها، لقد أرادت أن تأتي معي لزيارة (هيمن) ولكن كما ترين أنا لا أدري إلى أين أذهب.
قالت المضيفة وهي ترمق شيرين بنظرات حانية:
ــ لا تقلقي من هذه الناحية، شيرين مثل أختي تستطيع أن تبقى هنا إلى حين ترجعين بالسلامة.
نظرت المرأتان إلى شيرين بحنان، وأطالتا النظر، وكأنما كلا منهما تحدث نفسها عن القدر الذي ينتظر هذه الفتاة الجميلة.


( 4 )

يا عـذاب الـلـغـة

ثمة معسكر كبير يمتد بعيدا عن الشارع العام الذي يوصل ما بين مدينة (سيد صادق) ومدينة (السليمانية). انه معسكر(عربت) الشهير الذي منه تنطلق معظم النشاطات الميدانية في سهل شهرزور. وكان على الطريق الاسفلتي العام نقطة عسكرية للتفتيش، ولم تكن نقطة التفتيش هذه سوى سيارة عسكرية وجنود مدججين بالسلاح.
يبدو للرائي من بعيد ثمة جندي يتبول واقفاً، وثمة جنديان آخران يتفحصان سيارة (زيل) العسكرية السوفيتية، من أسفلها، وفي الجزء الخلفي منها يجلس أربعة جنود مع أسلحتهم بكسل ولا مبالاة. كما يتوسط الطريق العام جندي مسلح، وعلى مبعدة منه ثمة عسكري برتبة عريف، يقف ولا يدري ماذا يفعل، يمسك طاقيته بيده ويجول بنظره في الأفق.
بدت في الأفق سيارة (بيكم) قادمة من جهة (سيد صادق)، وما أن اقتربت من نقطة التفتيش حتى اتضح من يجلس فيها. انها العجوز إلى جانب السائق، وفي قسم السيارة الخلفي هناك أربعة أغنام.
أشار الجندي إلى السائق وسأله بالعربية:
ــ من وين جيت
ارتبك السائق ثم أجاب بلغة عربية غير سليمة
ــ والله يا حزرة الجندي، هاتم من هلبجه
فقال الجندي ساخراً وبلا مبالاة:
ــ شنو (هاتم).. (هاتم) شنو
ارتبك السائق وسعى لتوضيح ما قاله
ــ اني اجه من حلبجه
فقال الجندي متهماً:
ــ يعني من عند المخربين
ارتبك السائق أكثر
ــ والله اني ما يعرف مخربين حزرة الجندي
تضايق الجندي فصاح:
ــ ولك شبليتني بـ(حزرة) الجندي، انطيني هويتك
فتش السائق جيبه بارتباك ثم اعطاه هويته، نظر الجندي إليها ثم إلى السائق متفحصا وعلق قائلاً:
ــ شكلك شكل مخرب، انتو الأكراد كلكم مخربين من صغيركم إلى جبيركم.
فجأة نظر إلى العجوز وقال:
ــ هلو.. هاذي منو يابه
ارتبك السائق وقال ملطفاً الحوار:
ــ هازي أمي حزرة الجندي، رايحين للخسته خانه
فقال الجندي ساخراً:
ــ وين، للماي خانه
أجاب السائق مكرراً
ــ لا حزرة الجندي، للخسته خانه
ابتسمت العجوز رغم ارتباكها للجندي، تحرك الجندي من مكانه ليفتش حمولة السيارة:
ــ وشنو عندك ليوره
نزل السائق عن موضع القيادة وتبع الجندي قائلاً:
ــ هاذي مه ر حزرة الجندي
علق الجندي وهو يتفق الأغنام وأسفل السيارة
ــ شكلت، أسلحه
ارتبك السائق:
ــ لا، حزرة الجندي.. مه ر.. نعجات
قال الجندي بتذمر واضح
ــ شتورطنه بيكم، أي احنه شجابنه عليكم، لعنة الله على ذاك اليوم الأسود، عرب وين طنبورة وين.
في هذه اللحظة التفت العريف إلى الجندي وصاح به:
ــ هاي شبيك أبو خليل
فقال الجندي بتذمر:
ــ ما كو شي عريفي، ما كو شي
ثم أشارللسائق بالتحرك، بعد أن سلمه هويته.
صعد السائق إلى موضعه، تحركت السيارة مبتعدة عن نقطة التفتيش، ظل الجندي واقفا ببلاهة في موضعه، وصعد الجندي الذي كان يتبول إلى السيارة، بينما ذهب جندي آخر بعيداً كي يتغوط.
السائق حزين والعجوز منكسرة. تأوه السائق ضارباً عجلة القيادة بغضب مكتوم وكأنه يبكي:
ــ دنيا حيز ( الدنيا قحبة)
في هذه اللحظة واجه السيارة رتل من المجنزرات والسيارات المحملة بالعتاد والجنود، وعدد من المصفحات العسكرية، توقفت السيارة، منتحية جانباً من الطريق كي يمر الرتل العسكري.
السيارة مازالت واقفة، والرتل قد مر، تحركت السيارة، تبدو من بعيد كنقطة ملونة تتحرك، بينما الجبال شامخة وعالية.



( 5 )

لـلـصــــبــر حــــدود

محطة نقل المسافرين إلى بغداد من مدينة السليمانية تتألف من بناء قديم متداع، فهي ليست أكثر من سور يحيط بمساحة واسعة من الأرض. في أحد الجوانب ثمة مقهى متداع لا يحوي سوى مقعدين عليهما حصيران مهترئان وكذلك بعض الصفائح التي تستخدم كمقاعد.
كانت المحطة الان غير مزدحمة، ثمة سيارتان تقفان الواحدة خلف الأخرى، ثم دخلت سيارة ثالثة أخذت مكانها خلف السيارة الثانية. السيارة التي يجب أن تتجه إلى بغداد مازالت غير ممتلئة بالركاب، في داخلها فتى في العشرين قروي الملامح بملابس كردية، وشيخ تجاوز الستين، أما العجوز فقد جلست في مقعد مجاور للشباك في مؤخرة السيارة، وفي المقدمة شاب في الثلاثين بملابس أوروبية الطراز مع امرأة جميلة تبدو أنها زوجته. سائق السيارة يحتسي الشاي وهو ينظر إلى الأرض نظرات طويلة وثاقبة لكنه يبدو لمن يراه وكأنه يفكر بشيء ما بعيد. فجأة نظر إلى صبي كان ينظف الزجاج الأمامي للسيارة ثم صرخ بالكوردية:
ــ خولا، لماذا لا تنادي
التفت الصبي إلى السائق وقال متذمراً:
ــ من أنادي، لا يوجد أحد، بغا.. بغا..
فجأة دوى صوت هدير وصخب إذ دخلت شاحنة عسكرية محملة بالجنود، وقفت في منتصف المحطة، ثم بدأ الجنود يتقافزون منها مع حقائبهم ويركضون باتجاه السيارة يقذفون حقائبهم داخلها من الشبابيك كي يحجزوا مقاعدهم.. تكدس الجنود عند باب السيارة يتدافعون ويتصايحون من أجل الدخول، انهم في اجازة دورية وهاهم يستعجلون العودة إلى ذويهم وبيوتهم البعيدة، في المدن الجنوبية الملتهبة ووسط العراق الدافىء.
أخذ الجميع مقاعدهم ولم يبق خارجاً سوى اثنين يبدو من ملابسهما وشاراتهما العسكرية بأنهما من ذوي المراتب وليسا من الجنود العاديين. سارع أحد رجال الانضباط العسكري الذي كان يرافق عملية سفر الجنود بالصعود إلى داخل السيارة، فأخذ يستقرأ وجوه الركاب المدنيين ثم أشار إلى الفتى القروي والرجل المسن بترك مقاعدهم قائلاً بالعربية:
ــ انتو، انزلوا
التفت الجميع إليهما وارتسمت علامات الدهشة على بعض الوجوه، ثم سرعان ما أخذت الوجوه تعبر عما يجول في نفوس اصحابها، فثمة وجه لا مبال وآخر وجه شفوق وثالث وجه مؤيد ورابع وجه ليس فيه سوى الإمستغراب. حاول الفتى القروي أن يبدو وكأنه لم يفهم ما طلب منه أو كأنه لم يكن هو المقصود لكن العسكري صرخ بهما بعد لحظات:
ــ انتو مو بشر، ويا من اتكلم انزلو
أحس الفتى القروي بالاهانة لاسيما أمام الجنود الذين كانوا في مثل عمره. أراد أن يجيبه، ولكن كيف وهو لا يجيد العربية، همّ أن يتكلم بالكوردية وقبل أن ينطق صرخ العسكري به:
ــ انطيني هويتك
ثم توجه العسكري إلى الشيخ المسن قائلاً:
ــ وانته، رجلك بالكبر وتعاند
ذعر الفتى القروي من نبرة الانضباط العسكري فصمت، بحث في جيوبه ثم أعطى العسكري هويته، أما الشيخ فقد تزحزح عن مكانه وهو يتمتم:
ــ لا حول ولا قوة إلا بالله
كان الشاب الكوردي مع زوجته قد شاهد ما جرى، كان وجهه بالكاد يعكس ما يجول في نفسه من غضب، لكن كان واضحا أنه غير راض مما جرى فحاول أن يدافع عنهما قائلا للعسكري بلهجة عربية سليمة:
ــ هذوله صارلهم أكثر من ساعة هنا
وقبل أن يتم كلامه قاطعه العسكري صارخاً به:
ــ انته انزل وياهم، بلا كاف ولا لام.. فاهم
شعر الشاب بالاهانة والاحراج لاسيما أمام زوجته التي كانت علامات الغضب قد ارتسمت على ملامحها أيضا، صمت الشاب الكوردي للحظة مفكراً وكأنه يزن الموقف، نزل بصمت تتبعه زوجته وسط نظرات الجنود الذين لم يودوا أن يصعد مسؤولوهم معهم لأنهم سيحرمون حينذاك من تداول النكات والمرح طوال الطريق.
فجأة، تزحزحت العجوز من مكانها نازلة تتبع الفتى القروي والشيخ. نظر العسكري إليها في دهشة أول الأمر ثم قال بسخرية:
ــ انتي ليش نازلة، شنو تسوين تضامن وياهم، انزلي، إلى جهنم.
اقترب السائق حينما رأى الركاب المدنيين قد نزلوا، سألهم (بالكوردية) متعجباً:
ــ ما الذي جرى
أجابته العجوز مشيرة إلى العسكري:
ــ اسأل هؤلاء
اقترب السائق من العسكري الذي كان قد نزل من السيارة وسأله بالعربية:
ــ شنو صار أخي
فرد العسكري بسخرية
ــ ماكو شي
سأل السائق بانكسار
ــ بس هذوله ليش نزلو
هز العسكري كتفيه بلا مبالاة:
ــ يعجبهم
حرك السائق يديه كمن لم يفهم شيئاً، لكنه كظم غيظا في ملامحه، استدار إلى الجهة الأخرى من السيارة صاعداً إلى موضع القيادة، بينما ذهب العسكري إلى الشاحنة العسكرية، أما المدنيون فقد تجمعوا في المقهى، بينما مضت السيارة وجاءت السيارة التي تليها لتأخذ محلها.
في المقهى كان الشاب مع زوجته صامتين أما العجوز فكانت تنظر بعجز ويأس، بينما تمتم الشيخ متأفأفا محاولاً كسر الصمت المخيم:
ــ لا فرق، تأخير ربع ساعة أو نصف ساعة، هذا ليس بمشكلة، سنصعد السيارة الثانية، صبرنا سنين، وسنصبر نصف ساعة أخرى، المهم سنصل. وما أن قال ذلك حتى إنطلق الفتى القروي مجيبا بصوت عال وكأنه لم يطق صبرا.
ــ ليست المشكلة في التأخير، وانما في المعاملة، انهم يحتلون أرضنا ويعاملوننا كالكلاب.. ثم ما أعطى صبركم وانتظاركم، ها، قل، ان للصبر حدود.
تمتم الشاب مؤيداً:
ــ نعم، إنما للصبر حدود.
نظرت زوجته إليه بحنو رغم علامات الغضب والحقد التي كانت ترتسم على وجهها، أخذت يده بحنو، نظر إليها بألم. كانت العجوز تنظر إليهما بأمومة وألم. أما الشيخ فقد أخفض رأسه ثم نظر إلى السماء وكأنه يبحث عن شيء، عن جواب.




( 6 )

الأحمر والأسود .. مــدام دي رينـــال

عادة يحمل الجندي عبدالله معه حينما يعود إلى المعسكر، بعد أن يقضي عند أهله اجازته الدورية التي يستحقها كل ثلاثة أشهر، بعض الكتب الأدبية والروايات المترجمة. وكان يقضي معظم وقته بالقراءة بعد انتهاء وقت الدوام الرسمي.

كان عبدالله يفضل أن يأخذ كتاباً ويذهب إلى خارج المعسكر حيث النبع الذي يبعد عن القرية والمعسكر،يجلس هناك بعد أن ينزع جزمته العسكرية ويغسل قدميه بماء النبع.
أحياناً كان يقرأ عدة فصول خلال جلسة واحدة، وأحياناً كان يأخذ الكتاب معه لكنه ينشغل عن القراءة بتأمل الطبيعة أو بالتمدد هناك تحت شجرة التوت ليسرح بأفكاره إلى مدينته أو إلى العاصمة ومسارحها.

كان عبدالله جندياً غير مرغوب فيه من قبل قيادة المعسكر لعدم انتمائه للحزب الحاكم، فهناك معلومات سرية لديهم عنه بانه كان عضواً في تنظيم طلابي محظور رسمياً حينما كان طالباً، لذا فان الضباط والعرفاء يحقدون عليه، وكانوا يحاولون جاهدين أن يرهقوه بالعمل ويكرروا من خفاراته الليلية ويذلوه في التعامل أمام بقية الجنود فكان يتحمل كل ذلك بصبر منتظراً ذلك اليوم الذي سيسرح فيه من الخدمة العسكرية الالزامية.

كان عبد الله قد حمل معه هذه المرة رواية ( الأحمر والأسود) للكاتب الفرنسي ( ستندال)، ورغم إنه كان قد قرأ هذه الرواية مرات عدة لكنه حملها معه إلى الجبل، فقد كان يشعر بالتماثل مع شخصية بطل الرواية (جوليان سوريل)، بل كان يحسده على علاقته بالسيدة ( مدام دي رينال) التي اقام البطل معها علاقة حب عنيف.
تناول عبدالله الرواية وخرج من الغرفة الطينية التي يسكن فيها مع أربعة جنود آخرين، لكنه إلتقى عند الباب بصديقه ستار الذي بادره قائلاً:

ــ رايح تقره

أجابه عبدالله باسماً:

ــ نعم

فقال ستار راجياً:

ــ ابق ويانه، راح نسوي جاي، عندك وقت للقرايه، ما كو وره القرايه غير وجع الراس وضعف البصر.

ابتسم عبدالله معتذراً:

ــ النهار ما بقه منه شي، أريد أقره جم صفحة.

تلفت ستار يمنة وشمالاً وبحذر قال:

ــ البارحة، المخربين دخلو للقرية.

فوجىء عبدالله:

ــ يمته
بادره ستار عجلاً:

ــ البارحه قبل الفجر

ــ وكيف عرفت الحكومة

ــ مختار القرية هوه اللي نقل الخبر لآمر المعسكر

فقاطعه عبدالله غير مبال

ــ على كل حال آني رايح يم عين الماي

دخل ستار الغرفة وسار عبدالله باتجاه النبع قافزا سور المعسكر الواطىء، منحدرا بقفزات سريعة نحو النبع الأول البعيد الذي لا يرتاده الجنود أو أهل القرية، فمر على بعض الجنود وهم يرمون الحجارة على السرطانات التي كانت تختفي تحت الصخور الصغيرة عند نبع المعسكر، تجاوزهم ذاهباً باتجاه النبع الآخر فعلق أحد الجنود حينما مر عبدالله قائلاً لزملائه:

ــ اجه الفيلسوف

ابتعد عبدالله عن المعسكر، لم يعد يسمع أصوات الجنود سوى كصدى بعيد، أحس بحركة وخشخشة سريعة، التفت، رأى أرنباً يختفي في حفرة، ابتسم، هز رأسه مبتسما ثم اقترب من الأشجار التي تحيط بالنبع، جلس تحت أغصان الشجرة التي استلقت تحت أعضائها شيرين حينما وصلت القرية مع أمها.

وضع عبدالله الكتاب جانباً، أسند ظهره إلى جذع الشجرة ومد رجليه إلى الأمام. كان خرير الماء المنبعث من النبع وسقسقة العصافير هي الأصوات الوحيدة التي تقاطع سمفونية الصمت والسكون الجليل الذي يحيط بالمكان. مد عبد الله رأسه وأرهف أذنيه وكأنه يحاول أن يسمع شيئا، كان بوده لو أن يوقف خرير الماء ويبعد العصافير عن المكان كي يستطيع أن يسمع موسيقى الصمت.
ظل على هذه الحالة لحظات ثم انبسط بجسده وأخذ الكتاب مقلباً صفحاته، متماهيا مع أحداث الرواية لاسيما وانه عند الفصل الذي يعشقه ألا وهو اللقاء الأول بين بطل الرواية وحبيبته الأولى.

***
ارتجف عبدالله حينما سمع صوتا ناعما يقول قريبا من أذنه:

ــ ماذا تريد هنا

التفت عبدالله بسرعة ونسي بعض بلادته مأخوذاً بالحنان الذي في نظرة السيدة (مدام دي رينال)، وسرعان ما أخذ بجمالها فنسي كل شيء، حتى الذي جاء من أجله، وأعادت السيدة…… سؤالها:

فأجابها عبدالله خجلاَ:

ــ أتيت لأكون مربياً ياسيدتي

بقيت (مدام دي رينال) ساكنة، وكانا جد قريبين يتطلعان ببعضهما، لم يكن عبدالله قد رأى في حياته مخلوقاً أنيقاً بهذا الشكل، فكيف إذا كان هذا المخلوق امرأة ذات جمال شامخ، تتحدث إليه بهذا اللطف، وكانت (مدام دي رينال) تتطلع إليه وسرعان ما أخذت في الضحك بكل ما تملكه الشابة من مرح وجنون، وسخرت من نفسها إذ لم تكن تعرف من أين أتت سعادتها، اذن ها هو هنا هذا المربي الذي صورته لنفسها، يأتي ليوبخ ويجلد أولادها. وأخيرا قالت:

ــ ماذا، أيها السيد، أتعرف اللاتينية

أثارت عبارة (أيها السيد) دهشة عبدالله الذي فكر هنيهة وقال ببلادة:

ــ أجل سيدتي

وكانت (مدام دي رينال) جد سعيدة، حتى تجرأت، وقالت له:

ــ أظنك لن توبخ هؤلاء الأولاد المساكين كثيراً

فقال عبدالله مندهشاً:

ــ أنا أوبخهم ولماذا ؟

أضافت (مدام دي رينال) بعد صمت قصير وبصوت تزيده انفعالاً كل دقيقة تمر:

ــ ستكون طيبا معهم، هل تعدني بذلك أيها السيد

كان وجه (مدام دي رينال) قريبا من وجهه، فعبقت في أنفه رائحة ملابسها الصيفية فكسا الاحمرار وجهه وقال وهو يتنهد بصوت يفضحه:

ــ لا تخشي شيئا ياسيدتي، سأطيعك في كل شيء.

قال هذه الكلمات وتجرأ على أخذ يد السيدة ورفعها إلى شفتيه، دهشت هي لهذه الحركة. وأخيراً تنبهت لوجودها قرب بيتها مع هذا الشاب وهي لا ترتدي إلا قميصاً، فقالت له بصوت يظهر فيه الاحراج:

ــ لندخل أيها السيد

هما بالدخول، فتحت له باب الحديقة ودخل يتبعها.

ــ عبدالله

التفت كلاهما بسرعة لجهة الصوت. وفي هذه اللحظة بالذات أفاق عبد الله من حلمه خارجا من بطن الرواية.

كان ستار يركض من جهة المعسكر، وحينما وصل إلى النبع حيث يتمدد عبدالله، نهض عبدالله مرتبكاً وقال له:

ــ هل حصل شيء

قال ستار وهو مازال يلهث:

ــ اركض، الملازم مجيد يطلبك، الآن وصلت برقية باللاسلكي وما أدري شكو بيهه، المهم طلبك فوراً.

صمت عبدالله مفكراً للحظات، نظر إلى المكان ثم تحرك صامتاً يتبعه ستار، وما أن ابتعدا خطوات حتى سمعا أصواتاً بالكوردية، التفتا، كانت شيرين وصبية صغيرة في السادسة تقتربان، لم تنتبها إليهما، نظر الجنديان لبعضهما دون أن ينطقا شيئاً، ثم استمرا في المشي باتجاه المعسكر بعجلة واضحة.



( 7 )

ريـنـــوار.. الكـــوردي

حينما كانت شمس الأصيل مازالت تضيء باحة ذلك البيت البغدادي العريق، الشرقي الطراز والمشيد من طابقين، كانت وصاحبة الدار العجوز (أم طارق) تلقي الحبوب للطيور في القفص الحديدي، بينما كانت ثمة دجاجة سوداء وأخرى بيضاء تلتقطان ما يتساقط من حبوب بين يديها.
تعالى صوت أغنية باللهجة المصرية من احدى الغرف في الطابق الثاني. رفعت أم طارق رأسها باتجاه الصوت ثم أخذت تجول بنظرها في أنحاء البيت وأخيراً رفعت نظرها إلى السماء. كان صوت الغنية ينساب من غرفة (طراد).

في غرفته بالطابق الثاني كان الرسام (صباح) يقوم بمزج الأصباغ وأمامه حامل اللوحة وعليه لوحة من القماش الأبيض. الغرفة واسعة وعريضة وتكاد تكون فارغة إلا من سرير حديدي قديم الطراز يتوسط الغرفة. هناك بعض رفوف الكتب على الجدران الجانبية، وعلى أحد الجوانب لوحة (اللوج) لرينوار، وعلى الجدار الآخر قرب السرير بورتريه لكافكا. في وسط الغرفة يتدلى من السقف مصباح مضىء، وعلى أحد جوانب السرير ثمة نافذة مغلقة يتسرب منها شعاع من نور، وعلى الجانب الآخر وضع غرامون قديم والى جانبه بضع اسطوانات موسيقية.

كان صوت الأغنية المصرية يتسرب من الغرفة المجاورة ضعيفا. بينما كان القلق يطغي على حركات الرسام وملامح وجهه. لكنه حينما كان ينظر إلى اللوحة البيضاء كانت ثمة نظرة بعيدة قلقة ومتفحصة تنبعث من وجهه المجهد والقلق، فجأة وضع لوحة الاصباغ جانبا ثم نظف أصابعه ببنطلونه وتوجه نحو الاسطوانات الموسيقية، أخذ أحدها ووضعها داخل الجهاز محركاً ابرته فتعالى صوت أوبرالي نسائي. القى صباح بنفسه على السرير وأخذ ينظر إلى اللوحة البيضاء التي صارت بمواجهته، بقي على هذه الحالة للحظات، سمع طرقاً على الباب، انتبه بسمعه فأوطىء الصوت الصادر من الجهاز، سمع طرقاً أوضح، ظن انها (أم طارق) جاءت لحاجة أو سؤال فقال وهو مستلق:

ــ ادخل.

فتح الباب ودخل رجل في النصف الثاني من ثلاثينه، ضخم الجثة، بطين، قاسي الملامح، خبيث النظرات، يبدو من ملامحه انه يبطن شيئاً في نفسه. كان الرجل مرتبكاً وكان يبتسم محاولاً مداراة الموقف وتبرير زيارته فتقدم قائلاً:

ــ تسمح أستاذ

نهض صباح من السرير واقفاً مستغرباً ثم قال بعد لحظات:

ــ تفضل خيراً

فقال الرجل مبتسماً بارتباك وهو يفرك كفيه أحدهما بالآخر:

ــ ما كو شي أستاذ، احنه جيران صارلنه شهور وما متعارفين، سمعت صوت الموسيقى يجي من غرفتك، كلت هاي خوش فرصة للتعارف، احنه مثقفين والمفروض نتعارف.

فقال صباح بعد ان انبسطت أساريره شيئاً ما.
ــ أهلاً وسهلاً، شنو الأخ فنان

فقال الرجل بارتباك:

ــ لا، آني، آني، آني موظف، بس اني أحب الفن.

كان من الواضح على ملامح الرسام انه غير مرتاح لهذه الزيارة وغير راغب بالتعارف، لكنه لم يبد البرود للرجل الآخر وانما كانت حركاته تنم على اللامبالاة، فقد استمر بمزج الألوان، أما الرجل الآخر فقد كان يبدو في حركاته وملامحه انه يريد تنفيذ مهمة أخرى غير التعارف الذي لم يتم بعد، لهذا فهو يتحرك بحيوية رغم احساسه بعدم رغبة الرسام بالتعارف فقال باسماً:

ــ اسمي طراد، طراد التكريتي.

ومد يده للمصافحة..

ــ أهلاً وسهلاً، قال صباح دون أن ينتبه له، أو يمد يده.

ــ الأستاذ شنو اسمه

سأل طراد مصراً على التعارف، انتبه الرسام لمجرى الحوار فالتفت للرجل الآخر رآه ماداً يده فمد هو بدوره يده للمصافحة دون رغبة قائلاً:

ــ صباح

ــ أهلاً وسهلاً أستاذ صباح، تشرفنا

وملأ طراد فرح غامر وكأنه حاز على سر ثمين وأخذ يجول بنظره في أرجاء الغرفة متمعناً، توقف عند لوحة (اللوج) لرينوار، اقترب منها.

ــ هاي اللوحة انته راسمهه أستاذ؟ كلش حلوة

نظر صباح إليه بسخرية وكأنه عرف هوية الشخص الذي يتحدث معه، فقال بسخرية

ــ هاي وين رحت، لو أقضي عمري بالرسم ليل ونهار لما كدرت ان ارسم هاي اللوحة، والحقيقة لو جنت شايف هاي المرية بحياتي ما جنت رسمتهه وانما جان تزوجتهه.

أجاب طراد وهو يتأمل اللوحة برغبة جنسية واضحة

ــ والله صدك تكول، اني ظنيت انته راسمهه

فقاطعه الرسام:

ــ هذا رينوار

فقال طراد باستغراب:

ــ رينوار، ما أعرفه، شنو هوه كردي

فأجابه صباح بغضب مكتوم:

ــ رينوار فنان فرنسي

شعر طراد بالارتباك لأنه بدأ يكشف جهله لكنه تدارك الموقف بمرح:

ــ اني فكرت ما معقول عند الأكراد رسام قوي مثل هذا الفرنسي، بس موذنبي أستاذ صباح الاسم غشني، اسمه مثل الأسماء الكوردية، بهار.. زركار.. ريبوار.وما ادري شنو

ثم تقدم طراد باتجاه حامل اللوحة ليرى ماذا يرسم صباح فلم يجد شيئاَ حيث ان اللوحة مازالت بيضاء.

ــ شنو راح ترسم أستاذ صباح؟

ودون أن يترك فرصة للرسام كي يجيب قال:

ــ أكيد راح ترسم لوحة عن انجازات الحكومة، راح تحصل خوش فلوس.

رمقه صباح بنظرة فاحصة ثم قال:

ــ لا، راح ارسم بورتريه لأمي

غمر طراد فرح كبير فقال:

ــ يعني انته أكيد رسمت لوحات لكل جيرانه

ــ لا

فقاطعه طراد:

ــ هذا جارنه اللي غرفته يم الدرج، اسمه علي الفيلي، اللي يقره الجريدة المشبوهة، وجهه كلش معبر، أكيد رسمته!

أجاب صباح بلا مبالاة:

ــ رسمته

استمر طراد:

ــ وهذا أبو لحية، المتدين اللي غرفته بجانب غرفة أم طارق، اسمه هاشم، يا أخي هذا مدمر أعصابي بصلاته، أكيد رسمته؟

أجاب صباح:

ــ رسمته، بس انته ليش تنزعج منه لهذا الحد!!

ارتبك طراد وقال:

ــ يا أخي أكرهه هذا الانسان، من اشوفه أتضايق، من أشوفه يصلي لو يقره قرآن احس بنفسي وكأني مجرم، من أشوفه يتوضه أحس بنفسي وسخ، ما أدري ليش، بعدين هوه انسان مو اجتماعي منعزل،، ولا كأنه عايش بالقرن العشرين.

فسأل صباح ساخراً:

ــ ليش احنه عايشين بالقرن العشرين

نظر طراد إليه بعتاب وقال:

ــ هاي شنو أستاذ صباح، ليش احنه وين عايشين، بالمناسبة عندي بطل عرك، شنو رأيك نشربه سويه!

فقال صباح:

ــ فكرة، بس مو هسه، دتشوف اني مشغول.


في هذه اللحظات رن جرس الباب الخارجي، لم يكن أحد في باحة الدار، خرجت العجوز (أم طارق) من غرفتها الموازية للممر الذي يفضي إلى الباب الخارجي، ذهبت ببطء كي تفتح الباب، فأجتازت الممر الذي غمرته العتمة.

حينما فتحت (أم طارق) الباب كان وجه العجوز الكوردية أمامها، ارتبكت وسألت بلهجة عربية مفككة:

ــ هازه بيت علي الفيلي

صمتت أم طارق لحظة ثم قالت:

ــ بلي، علي الفيلي ساكن هنا، منو حضرتج؟

قالت العجوز بارتباك واضح:

ــ اني أم هيمن، احنه خالة علي

حدقت أم طارق فيها قليلا ثم رحبت بها فجأة على عادة البغداديات:

ــ أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً، تفضلي، بس علي هسه ما موجود، تفضلي، تكدرين تنتظرين بغرفتي إلى ان يجي.

قالت أم طارق ذلك وفسحت الطريق للعجوز الكوردية فدخلت. اجتازتا كلاهما الممر المعتم، وحينما وصلتا إلى باحة الدار خرج طراد من غرفة الرسام وانحنى من أعلى السياج الذي يطل على الباحة متأملاً المرأة الكوردية. رفعت أم طارق رأسها باتجاهه وقالت:

ــ هذي خالة علي، ما تعرف عربي، جايه تزوره، فضلت أن تنتظر عندي.

لم تنتظر أم طارق الاجابة وانما دخلت غرفتها تتبعها العجوز الكوردية. بقي طراد وحيداً، كان الحقد الدفين في أعماق عينيه، نظر إلى غرفة الرسام ثم إلى الباحة وتحرك باتجاه غرفته، دخلها وصفق الباب خلفه، كانت الدجاجتان تلتقطان الحبوب المتناثرة على الأرض والطيور في قفصها بينما العتمة قد غمرت باحة الدار.








( 8 )

ضبـــاط.. وجنــــــــود

غرفة الملازم مجيد تقع في منتصف المعسكر وهي غرفة طينية لكنها أكثر تماسكاً وتنظيماً في بنائها مقارنة مع غرف الجنود، وتبدو من الداخل أكثر حياة من حيث كونها رحبة ومضيئة بعدد من المصابيح، تفصلها ستارة شفافة في منتصفها حيث يبدو واضحاً سرير النوم وحقائب تخص الملازم أما النصف الأمامي فهو مكتبه المؤلف من كرسي دوار ومنضدة عليها بعض الملفات ودولاب لحفظ الأوراق ومقاعد وثيرة لجلوس الزائرين من الضباط أحياناً. وقرب الباب برميل متوسط الطول وتحته وعاء من الالمنيوم يستخدم كحوض عند غسل الأيدي والأقدام.

كان الملازم مجيد جالساً على كرسيه باسترخاء بينما كان ثمة ضابط يجلس بتوتر وتأهب ينظر بين لحظة وأخرى إلى الباب أو إلى الملازم مجيد ثم ينظر إلى الأرض ويجول ببصره في أرجاء الغرفة.
كان الملازم مجيد يقطع الصمت بسؤال أو تعقيب أو استفسار أو بالعكس.

دخل الجندي المراسل والمخصص واجبه فقط لخدمة الملازم مجيد، أدى التحية:

ــ سيدي، الجندي عبدالله عند الباب.

نظراً الضابط الآخر باتجاه الملازم ثم نهض وأدى التحية العسكرية وقبل ان يخرج قال له الملازم:

ــ ضابط صلاح، تكدر ترجع بعد ما انتهي من هذا الجندي.

أدى الضابط صلاح التحية ثانية وخرج، قال الملازم للجندي الخادم:

ــ فليدخل

خرج الجندي الخادم بعد أن أدى التحية العسكرية ثانية وبعد لحظات دخل عبدالله بارتباك فأدى التحية العسكرية وقال:

ــ اني الرقم 325758 الجندي المكلف عبدالله بن آدم كاتب في قلم الفوج الثالث لواء المشاة 38 التابع للفرقة السابعة التابعة للفيلق الأول، حاضر سيدي.

نظر الملازم مجيد اليه بامعان وتفحص ثم قال بهدوء وهو يمط كلماته:

ــ البارحة جانت عندك خفاره

فقال عبدالله سريعاً وهو في حالة تأهب عسكري:

ــ نعم سيدي

ــ يمته؟

ــ من الساعة ثنتين وحتى الساعة أربعة فجر

نظر الملازم اليه بمكر وقال:

ــ وما شفت شي غريب

ــ لا سيدي

ــ أقصد ما شفت أحد دخل القرية؟

ــ لا سيدي

صمت الملازم مجيد وأخذ يتفحص الجندي الماثل أمامه بنظرات من يخبىء شيئا بينما كانت هذه اللحظات من الصمت بالنسبة للجندي عبدالله ثقيلة وبطيئة جداً.

استدار الملازم مجيد في كرسيه الدوار وقال:

ــ وصلتنا برقية تتضمن معلومات بان المخربين دخلوا القرية، في وقت حراستك ومن مكان النقطة اللي انته كنت تحرسها.

لم يعرف عبدالله بماذا يجيب، ارتبك لكنه ظل صامتاً. فجأة نهض الملازم واقفاً وأخذ يخطو جيئة وذهاباً من أمام الجندي في الفسحة الصغيرة التي بينه وبين منضدة الكتابة، ذاهبا باتجاه الستارة راجعاً باتجاه الغرفة، وبعد لحظات قال:

ــ تروح الليلة مع السرية الثالثة، تتفقدون القرية وتفتشونها جيداً، المعلومات تؤكد على وجود غرباء بالقرية.

أدى عبدالله التحية العسكرية واستدار هاماً بالخروج ظناً منه بان ليس هناك شيء آخر يريده الملازم منه، خمن ذلك من خلال حركة الملازم الذي استدار ثانية وجلس على كرسيه وأخذ يقلب ملفا بين يديه دون أن يرفع بصره للجندي الماثل أمامه. وما ان تحرك الجندي ووصل إلى عتبة الباب حتى ناداه الملازم ثانية:

ــ عبدالله

استدار الجندي بحركة سريعة وأدى التحية العسكرية ثانية لكن الملازم ظل صامتاً دون أن يرفع نظره عن الملف.

ــ انته حزبي

ارتبك الجندي، حاول أن يجد الجواب المناسب، أراد أن يشغل الملازم قليلاً كي يستفيد بعض الوقت من أجل ايجاد الجواب.

ــ عفو سيدي ما فهمت قصدك

نظر الملازم إليه وابتسامة ماكرة قد ارتسمت على وجهه

ــ أقصد انته بعثي

ــ لا سيدي

ففاجأه الملازم قائلاً:

ــ هذا يعني انته شيوعي

ارتبك عبدالله بشكل واضح لكنه تماسك:

ــ لا سيدي،، اني موسياسي، اني مستقل

نظر الملازم اليه نظرة صريحة ماكرة مع ابتسامة لطيفة غير عدائية

ــ اذن شنو اللي جابك هنا؟

ــ الأوامر العسكرية سيدي

أحس عبدالله بالأمان حينما نظر إلى وجه الملازم مجيد فلم يجد فيه ما ينم عن العداء، فكر، عليه أن يستفيد من هذا الموقف ما دام الملازم مجيد قد خلع عن وجهه القناع العسكري، سأل عبدالله بارتباك:

ــ سيدي تسمح لي بسؤال؟

فوجىء الملازم فرفع رأسه بتوتر ثم ارتخت ملامحه ثانية وقال:

ــ اسأل

ــ انته شنو اللي جابك هنا؟ أقصد انته من أهالي بغداد، فليش انته هنا، ما كدرت تبقى هناك؟

صمت الملازم للحظات، أغمض عينيه بألم ثم قال مع ابتسامة صداقة:

ــ الأوامر العسكرية.

صمت كلاهما، أحسا انهما خارج المعسكر وليست بينهما هذه القيود والطقوس العسكرية، انهما يعيشان لحظة انسانية حقيقية، قال الملازم مجيد وهو يتأمل وجه عبدالله:

ــ هذا ملفك أمامي، كل المعلومات تؤكد على انك شخص خطير

ــ الحقيقة سيدي

ــ بلا سيدي، احنا أصدقاء، أقصد الحياة العسكري تبقه عسكرية بس لما نكون وحدنا احنه اصدقاء.

غمرت عبدالله موجة من الحنان الاخوي فقال بدفء:

ــ شكراً جزيلاً ملازم مجيد على شعورك.

ابتسم الملازم مجيد وقال:

ــ بس انته لحد الآن ما جاوبتني؟


في الخارج جاء الضابط صلاح، أراد أن يدخل، فوقف الجندي الخادم أمامه وأدى التحية قائلاً:

ــ الملازم مجيد بعده مشغول وية الجندي عبدالله سيدي

وقف الضابط للحظة ثم استدار باتجاه الغرفة التي يسكن فيها عبدالله.


في تلك اللحظات كان ستار في الغرفة الطينية التي يتقاسمها وعبدالله مع آخرين، أخذ الكتب من حقيبة عبدالله وخبئها في حقيبته ووضع الحقيبة تحت سريره، وحينما دخل الضابط صلاح الغرفة كان هو يرتب الفراش. ارتبك ستار حينما شاهد الضابط صلاح داخلاً، أدى التحية العسكرية دون أن ينطق شيئاً، اقترب الضابط بعد أن ارتسمت على ملامحه علامات الاشمئزاز والانزعاج من الغرفة وجوهاً الرطب، وسأل:

ــ وين سرير الجندي عبدالله؟

أشار ستار باتجاه السرير

ــ هذا سيدي

ــ طلع لي حقيبته

اقترب ستار من السرير ثم انحنى وأخرج الحقيبة الجلدية، أشار الضابط بيده دون أن ينطق بان يضع الحقيبة على السرير. وضع ستار الحقيبة على السرير، أشار الضابط عليه بأن يفتحها، ففتحها، كانت فارغة إلا من منديل وأدوات حلاقة، ارتسمت الخيبة على ملامح وجهه، على عكس ستار الذي كان وجهه يعبر عن السرور الخفي، وفجأة رفع الضابط الوسادة فرأى كتاباً، أخذ الكتاب، قرأ غلافه وتصفحه، ثم خرج ارتسمت علامات الألم على وجه ستار، كيف لم ينتبه لهذا الكتاب، فلقد كان يتوقع أن تفتش حقيبته فقط.

في تلك الأثناء كان الحوار مستمرا بين لاظابط مجيد والجندي عبدالله بن آدم

ــ اني مو خطير، بس انت تعرف كلمن ما ينتمي لحزب البعث يعتبر خطير ويهدد أمن الدولة.

ــ بس المعلومات اللي في الملف تؤكد بانك شيوعي، ماركسي.

ارتبك عبدالله ثانية، فلربما هذه الصداقة المفاجئة هي فخ لاصطياده.

ــ ملازم مجيد، انته تعرف اني فنان واقره كل شي، بس هذا ما يعني انه اني أعتنق أفكار الكتب اللي اقراها.

ــ على كل حال، انتبه، لانه اني مساعد أمر المعسكر فقط، والضابط صلاح رشيد هو اللي مسؤول عن التنظيم الحزبي، وهوه ضابط استخبارات، وبيده كل شي، درجته الحزبية أعلى مني، وفوق هذا هوه انسان حقود يمكن يؤذيك، انتبه.

ارتبك عبدالله من هذه الصراحة واحس بان الملازم مجيد يعرف الكثير عنه وعن نشاطاته السياسية السابقة، فقال كلمات مليئة بالعرفان:

ــ أشكرك جداً ومن كل قلبي، وأتمنى أن نلتقي في ظروف أخرى، حينما علاقتنا ليست علاقة ضابط وجندي.

صمتا كلاهما ثانية وفجأة سأل عبدالله:

ــ ملازم مجيد، انته ليش صرت عسكري، أقصد كان بامكانك أن تدرس في جامعات أخرى غير الكلية العسكرية.

ابتسم الملازم مجيد وقال:

ــ بصراحة معدلاتي كانت قليلة فلم يبق أمامي سوى أن أكون جندي أو أدخل الكلية العسكرية، فقلت لنفسي أصير ضابط أحسن من أن أصير جندي فدخلت الحزب وصرت ضابط، كان بودي أدخل أكاديمية الفنون الجميلة، لكن شتسوي، هاي هيه، ما يفيد الندم.

ثم ابتسم الملازم فابتسم الجندي معه، أراد عبدالله أن يسأله فسبقه الملازم قائلاً:

ــ أدري شنو راح تسأل، ليش جابوني هنا، اني أكلك، لانه ما عندي واسطة، لو جانت عندي واسطة جان هسه اني في بغداد، يم عائلتي وزوجتي وابني.


في المعسكر تقدم الضابط صلاح ثانية باتجاه غرفة الملازم مجيد، كان الكتاب مازال في يده، تقدم الجندي المراسل وأدى التحية وقبل ان ينطق شيئاً تجاوزه الضابط داخلاً إلى غرفة الملازم.
فوجىء الملازم مجيد بدخول الضابط وكذلك عبدالله، وبينما كان الضابط يؤدي التحية، نظر الملازم إلى وجهه نظرة سريعة وخاطفة فعرف بان ثمة شيئاً ليس على ما يرام.
تقدم الضابط صلاح ووضع الكتاب على المنضدة ونظرا بشزر واحتقار إلى عبدالله وقال:

ــ تكدر تشرح لي شنو معنه وجود هذا الكتاب في المعسكر؟

نظر عبدالله سريعاً إلى الكتاب، ارتبك، قال:

ــ هذه رواية مترجمة سيدي.

نظر الملازم إلى عبدالله والضابط، شعر بالغضب من تصرف الضابط فقال:

ــ ملازم صلاح، كان ممكن تخبرني بالموضوع قبل أن تطرحه عليه.

أحس الضابط بالارتباك والاهانة من ابداء ملاحظة على سلوكه أمام مجرد جندي، فقال بنبرة عالية أكثر مما تفترضه الطقوس العسكرية بين ضابط ورتبة أعلى منه، قال بشيء من التحدي:

ــ هذا الشيء من اختصاصي ملازم أول مجيد، اني المسؤول عن الأمن السياسي بالمعسكر.

أحس الملازم مجيد بالارتباك أيضاً، لكنه لم يتراجع فقال:

ــ رغم ذلك، اني آمر المعسكر هنا مادام سيادة الآمر غير موجود، وأي شيء يجب أن أعرف به قبل اتخاذ أي اجراء، مفهوم.

نظر الضابط صلاح بشزر إلى الجندي، كان منفعلاً فلم يطق صبراً، أدى التحية وخرج، صمتا كلاهما.. كان ثمة عذاب في وجه الملازم مجيد وخوفاً في وجه الجندي عبدالله.




( 9 )

إمــــــرأتـان

استدارت أم طارق، كانت تحمل صحناً كبيراً مليئاً بالبطيخ، وضعته على المنضدة أمام العجوز الكوردية التي كانت علامات التأثر والانفعال واضحة على وجهها من هذا الكرم وهذه الضيافة فقالت:
ــ اني ما يعرف كيف يشكرج اني سويت زحمه

ابتسمت أم طارق وجلست قبالتها وقالت:

ــ لا شكر على الواجب أختي، احنه حبايب، علي مثل ابني، اسم الله عليه شكد عاقل وابن حموله.

بدأتا تأكلان. كان وجه العجوز يموج بالانفعالات، نظرتها عميقة وبعيدة. كانت صور القرية وهي تشتعل بالنيران تتجسد حاضرة في مخيلتها، كيف كانت هي وإبنتها شيرين تركضان وتلتفتان إلى القرية وهي تشتعل من بعيد, وكيف خرج، فجأة، جواد أبيض من النيران راكضا باتجاه الجبل.

انتبهت أم طارق إليها فقالت بلطف:

ــ ها وين رحتي، اختي

انتبهت العجوز، ابتسمت بحزن وتمتمت:

ــ اتذكرت من قصفو القرية بالقنبلة

تأثرت أم طارق وقالت رافعة يديها بالدعاء:

ــ ان شاء الله ايده تنكسراللي ذب القنبلة عليكم، يامجيب، اللهم انتقم من كل ظالم، اللهم.

لم تواصل أم طارق دعاءها، إذ سمعت حركة في الممر، وبسرعة خرجت من الغرفة. كان الليل يغطي الباحة. وعند الباب, وفي عمق الممر كان ثمة رجل، ضغظ زر الكهرباء، فأضاء الممر مصباح شحيح الضوء، كان الرجل في الثلاثين، وسيم الوجه، مديد القامة، يحمل في يده كيسا وفي الاخرى جريدة مطوية وكتاب، عبر الممر إلى الباحة، قابلته أم طارق عند باب غرفتها فبادرها بالتحية:

ــ مساء الخير أم طارق

ــ مساء النور عيوني

وقبل ان يخطو متجهاً لغرفته بادرته:

ــ عيني علاوي، عندك خطار

وقف علي ونظر بدهشة لصاحبة الدار ثم قال:

ــ اني عندي خطار؟

ابتسمت أم طارق وقالت:

ــ أي، بلى، انته، خالتك من العصر تنتظرك، تفضل، هيه عندي بالغرفة.

ودخلت غرفتها، تبعها علي ايضا.

في تلك اللحظة، وفي الطابق الثاني كان طراد متكئاً على المسند المطل على الباحة، نظر إلى علي الفيلي وهو يدخل الغرفة بحقد دفين كمن يحفي شيئاً.



(10)

خـيــــــانــة

في الباحة الصغيرة التي أمام الغرفة، كانت شيرين وصاحبة الدارجالستين، وبالقرب منهما صينية مليئة بالبطيخ الأصفر والأحمر. كان وجه شيرين يعبرعن شرود، نظرات تائهة، وجه جامد وحركات ميكانيكية، بينما كان وجه صاحبة الدار مليئاً باللطف والحيرة والارتباك معاً. كان يبدو من وجهها بانها تود أن تقول شيئاً الا انها مرتبكة، وأخيراً حزمت أمرها:

ــ شيرين

انتبهت شيرين ونظرت إليها نظرات تؤكد بانها صاحية، واصلت المضيفة:

ــ شيرين، اليوم وعند السحر، وقبل طلوع الفجر، دخل البيشمركة القرية، لقد كانوا هنا، بقوا قليلاً جداً.

اتسعت نظرات شيرين، كانت منفعلة من الخبر، ومستغربة، واصلت المضيفة:

ــ كنت أتوقع أن يكون زوجي معهم، ولكنه للأسف لم يأت، أمك تحدثت معهم، سيمرون الليلة عند الفجر أيضاً، انهم قصدوا قرية (باني بنوك) لكن سيرجعون الليلة بالتأكيد، وستذهبين معهم.

فوجئت شيرين، لم تقل شيئاً، غارت نظراتها للأعماق مباشرة، نكست رأسها للحظة، رفعت رأسها ونظرت لوجه المضيفة التي واصلت الحديث حينما فهمت بانها غير معترضة بل لقد لمحت شيئاً من الهدوء والراحة قد غمر وجهها.

ــ هناك معسكرات للعوائل في المناطق المحررة، ستكونين هناك في مأمن، أنا لا أتضايق من وجودك أبداً أبداً، على العكس، وجودك يسليني ويدفع عني الوحشة، لكن مختار القرية يتعاون مع الحكومة، ولا أحد يعرف ماذا سيحدث، انه يتشمم الأخبار وينقلها إلى آمر المعسكر، لذلك سيكون ذهابك مع البيشمركة آمن وجودك هنا.

نظرت شيرين إلى صاحبة الدار، ترقرقت الدموع في عينيها، انحنت بحنان على كتفها وأجهشت بالبكاء، ظلت للحظات وهي تبكي، احتارت صاحبة الدار، فوجئت، أخذت تمسح على كتفها وتحاول تهدئتها:
ــ شيرين، أختي العزيزة، لماذا تبكين، يجب أن تفرحي، ستكونين في حماية البشمركة.

رفعت شيرين رأسها، كانت ثمة ابتسامة اعتذار على وجهها وتتألق في نظراتها، نظرتا احداهما بوجه الآخرى لحظات ثم ابتسمتا. سمعتا طرقاً خفيفاً على الباب، انتبهتا، كان ثمة نباح كلب يأتي من بعيد، غابت الابتسامة عن الوجوه وحل الوجل والانتباه محلها، نهضت صاحبة الدار وقالت قبل أن تذهب لفتح الباب:

ــ من هنا

لم يجب الطارق، ذهبت المضيفة إلى قرب الباب ووقفت محاذية له وسألت:

ــ من هنا

جاء صوت نسائي مرتبك:

ــ أنا أم سالار، افتحي، أنا

فتحت المضيفة الباب وقالت:

ــ هذا أنت أم سالار، ما الذي قد حصل.

دخلت العجوز إلى منتصف الباحة، وقبل أن تسلم أو تجلس قالت:

ــ المختار ذهب إلى المعسكر ظهر اليوم وأخبر الحكومة بكل شيء.

فغرت شيرين والمضيفة فاههما، نظرت كلاهما للأخرى، تقدمت المضيفة التي كانت قرب الباب ثم قالت العجوز:

ــ اجلسي، اجلسي، أحكي لنا بالتفصيل

تقدمت العجوز أم سالار، وقبل أن تجلس قالت:

ــ مساء الخير، نسيت أن أقولها لكما عند الدخول.



( 11 )

لـيـــالـي الجنـــدي عـبد اللـه

دخل عبدالله غرفة (مدام دي رينال) ففوجىء بانها تبكي:

ــ أوه ياسيدتي، هل حصل مكروه؟

ــ كلا ياصديقي، ناد الأولاد لنذهب في نزهة.

أخذته من يده واتكأت عليها بطريقة ظنها عبدالله متعمدة، وقالت له دون أن تتطلع إليه:

ــ حدثوك عني بانني الوريثة الوحيدة لعمة غنية، وهي تغرقني بالهدايا، ان أولادي يتقدمون بشكل مدهش لدرجة أحب معها أن أرجوك قبول هدية صغيرة مني اعترافاً بالجميل، ليس الأمر سوى بعض النقود لتشتري بعض الملابس، ولكن

ازداد احمرار وجهها ثم توقفت عن الكلام.

ــ ماذا سيدتي؟

فتابعت وهي تخفض رأسها:

ــ وجدت من غير المفيد أن يعرف زوجي بهذا الأمر.

فقال عبدالله وكانت عيناه تلتمعان ببريق الغضب:

ــ انني فقير لكنني لست خسيساً، هذا الأمر لم تفكري فيه كما يجب، سأكون حقيراً لو أخفيت هذا الأمر الذي يتعلق بحالتي المالية عن زوجك.

دهشت السيدة، كانت شاحبة ومرتجفة، وانتهت النزهة دون أن يجد أحدهما حجة لاستئناف الحديث.

في هذه اللحظة بالذات دخل ستار إلى الغرفة فرأى عبدالله مستلقياً على سريره بكامل ملابسه العسكرية، وهو يحتضن كتاباً سميكاً يقرأ فيه سانداً اياه على صدره فبادره:

ــ ها، شصار، شنو راد الملازم. اجه الضابط صلاح، فتش الجنطة، كل الكتب خليتهه عندي بس شاف كتاب واحد جوه المخدة.

ترك عبدالله الكتاب لحظة، ظل مستلقياً، اقترب ستار منه وجلس على حافة السرير، كان وجه عبدالله غاضباً ومنفعلاً مثلما كان عند (مدام دي رينال) ، لكنه نظر إلى ستار وقال:

ــ الليلة لازم نطلع استطلاع على القرية، هذا الحقير صلاح راح يقود الهجوم.

صمت ستار لحظة ثم سأل:

ــ وانته شنو علاقتك بالموضوع، انته تابع لسرية المقر.

لم يدر عبدالله بماذا يجيب، كانت ملامحه تؤكد بانه لا يود الحديث وانه مازال في أجواء الكتاب الذي يقرأ فيه، لكنه مط كلامه مواصلاً:

ــ ما أدري يكولون الأكراد دخلوا القرية بوكت خفارتي وما بلغت عليهم.

سأل ستار وفي نظرته شيء من الشك والتساؤل:

ــ يعني صحيح الخبر، المخربين دخلوا القرية؟

صمت عبدالله لحظات ثم قال:

ــ دخلوا

ارتسمت الدهشة والخوف على ملامح ستار:

ــ شفتهم؟

قال عبدالله بلا مبالاة:

ــ طبعاً شفتهم، من بعيد.

ارتبك ستار، نظر حوله في الغرفة خائفاً أن يسمع أحد حديثهما:

ــ وليش ما خبرت عنهم؟

صمت عبدالله للحظة ثم قال بلا رغبة واضحة في الكلام:

ــ يا أخي هذوله ناس مظلومين، يطالبون بحقوقهم.

ارتبك ستار وقال:

ــ عبدالله شتكول، يمعود لا يسمعك أحد.

ابتسم عبدالله بمرارة وقال سائلا:

ــ اسألك بالله، انته من أي ولايه؟

أجاب ستار بارتباك:

ــ من الناصرية

ــ بأي لغة تحجي؟

ــ أحجي بالعربي

ــ تعرف كوردي؟

ــ لا، ليش تسأل

ــ انتظر لحظة، شفت بكل هاي الأماكن واحد يحجي عربي غير العسكر؟

ـ لا أكو أكراد يحجون عربي، عربي مكسر

ــ شفــت

ــ شــنو؟

ــ احنه غربه بهذا المكان يا ستار، هاي موكاعنه، مو ولايتنه، مو لغتنه، احنه نريد نفرض عليهم سلطتنه بالقوة، وهم الأكراد ما يريدون، لذلك شايلين سلاح بوجه الحكومة، وهذا حقهم.

صمت ستار، لم يدر ماذا يقول، ارتسمت علامات الحيرة والارتباك والخوف على وجهه، فسأل:

ــ هذوله اللي يقاتلون مخربين، لأنه أكو أكراد ويه الحكومة

ابتسم عبدالله وقال:

ــ الأكراد اللي ويه الحكومة خونه، ناس خانوا شعبهم ورضوا بالمناصب والفلوس، مثل مختار القرية اللي يقبض ثلاثين دينار كل شهر من العسكر.

صمت ستار للحظات، امتد الصمت بينهما، ثم ابتسم فجأة وقال:

ــ صدك يكولون انته واحد خطير، سمعت الضابط صلاح يكول لضابط الرواتب انه أفكارك هدامه، من هاي يخافون منك.

ابتسم عبدالله وقال:

ــ الحقيقة دائماً تخوف.

ابتسم ستار وهو ينهض متجهاً نحو باب الغرفة وكأنه يهرب من الحديث:

ــ الحقيقة، الحقيقة، هيج حقيقة وراهه مشاكل وقيل وقال وهجمان بيوت، هيج حقيقة ما تنراد.

ابتسم عبدالله وقال:

ــ ما كو وره الحقيقة غير المشاكل، هذا قانون، على كل حال شكراً.

توقف ستار عند الباب وقال:

ــ عله شنو تشكرني

ابتسم عبدالله وقال:

ــ عله اخفاء الكتب عندك.

قال ستار وهو يهم بالخروج:

ــ آني أخوك، وبالمناسبة، أفكارك هاي عن الأكراد دوختني، أخاف أكعد يمك واحجي وياك، أخاف تقننعني بأشياء ما أريد اقتنع بيهه.

قال ذلك وخرج. بقي عبدالله لحظات ينظر إلى سقف الغرفة ثم أخذ الكتاب وواصل القراءة.

في الخارج كان الظلام يغمر الوادي والجبل، وهدير المحرك يدوي، وفي الطرف الخلفي من المعسكر في المنطقة البعيدة عن القرية كان ستار وجندي آخر يلعبان بالنرد ويقهقهان وأمام كل منهما كأساً مليئة بالشاي، كانا يجلسان بالقرب من الغرفة الطينية التي ارتفعت عليها لوحة كتب عليها بخط ردىء (الحانوت)، وعلى اللوحة كان ثمة مصباح يضيء. جاء جنديان آخران، وقفا ينظران إليهما ويتابعان حركة النرد، بينما خرج من الحانوت عسكري برتبة عريف، اقترب منهما أيضاً ثم وقف فوق رأسيهما ووضع كفه وسط طاولة النرد وقال مازحاً:

ــ العب لو أخرب الملعب.

ضحك الجميع وقالوا بصوت واحد:

ــ تلعب، تلعب.

رفع العريف واستمر ستار والجندي الآخر يلعبان، استمر الجو مرحاً لكن العريف قاطعهم قائلاً:
ــ الليلة عدنه مناورة صغيرة بالقرية.

لم يكن للخبر وقع مفاجىء فالجنود يعرفون ذلك، لكن العريف واصل كلامه بطريقة تضفي الأهمية على كلامه:

ــ السرية الأولى وسرية الاسناد راح يرافقون السرية الثالثة

فوجىء الجميع.. قال ستار:

ــ يعني القضية جدية.

ــ يكولون المخربين البارحة دخلوا القرية، واكو كردية غريبة الآن بالقرية يمكن عدهه علاقة وية المخربين.

في هذه اللحظة نهق حمار فضحك الجميع.
بينما كان الجنود يلعبون، دخل عبدالله إلى حديقة منزل (مدام دي رينال)، متخذا مجلسه المعتاد قرب السيدة وسرعان ما ازداد الظلام، أراد أن يمسك بيد بيضاء كان يراها قربه مستندة إلى ظهر الكرسي، أمسك بها، ترددت اليد قبل أن تنسحب من يده بطريقة تدل على الوقار، وكان عبدالله مستعداً للقبول بذلك ومتابعة الحديث بمرح عندما سمع خطى زوجها تقترب. وكانت الكلمات القاسية التي سمعها منه هذا الصباح لاتزال ترن في أذنيه فقال في نفسه:

ــ أليست هذه طريقة للسخرية من هذا المخلوق الغارق في النعمة، ان أخذ يد امرأته وفي حضوره أجل سآخذها لأثبت له مقدار احتقاري.

تكلم زوجها في السياسة بغضب:

ــ لقد أصبح اثنان أو ثلاثة صناعيين في المدينة أغنى مني ويريدون مزاحمتي في الانتخابات.

قرب عبدالله كرسيه من كرسي السيدة وكانت الظلمة تخفي كل الحركات، وتجرأ فوضع يده قريباً من الساعد الجميل الذي كان الثوب يتركه عارياً، واضطرب، فقرب خده من هذا الذراع الجميل وتجرأ فوضع عليه شفتيه.

ارتجفت السيدة فأسرعت وأعطت يدها لعبدالله وفي نفس الوقت أبعدته قليلاً فقد كان زوجها على بعد أربع خطوات منهما، ولما كان الزوج يتابع شتائمه للناس فقد أغرق عبدالله اليد التي أعطيت له بوابل من القبل الحرى.

ــ حضرت سلاحك؟

هكذا قال ستار ذلك وهو يدخل الغرفة، لكنه فوجيْ بعبدالله وهو مازال مستلقياً على سريره وبيده الكتاب. كان وجه عبدالله يفيض بالانفعال، بل هناك شيء من الارتباك في نظراته كمن كشف أسراره، لم يجب على سؤال ستار. اقترب ستار منه، استغرب لحالته فسأله:

ــ شبيك، مريض؟

فقال عبدالله وهو يخفض عينيه:

ــ لا، ما بيه شي، جنت أقره

قاطعه ستار:

ــ عله كل حال، حضر بندقيتك، نظفهه، زيتهه، لانه خلال ساعة ونصف راح يصير تفتيش عام على السلاح.

تحرك ستار باتجاه السرير ورفع الوسادة، كان تحتها مخزن الطلقات، تناوله ثم التفت إلى عبدالله قائلا:

ــ آني رايح آخذ بندقيتي من المشجب، بعدين أروح يم عريف جاسم.

خرج ستار مسرعاً، بقي عبدالله وحيداً ساكناً، وفجأة عاوده انفعاله، رفع الكتاب، وغرق بلهفة واضحة مع الكتاب.
( 12 )

الـهـجـــــــوم
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل،وكان الظلام قد غمر الجبال والوديان بفضته السوداء حينما دخل العريف جاسم الغرفة الطينية حيث ينام عبدالله وبقية الجنود. كان بكامل عدته الحربية، ضغط زر الكهرباء فأضاء المصباح الغرفة بنور شاحب، انتبه بعض الجنود، تقدم العريف جاسم من أول سرير قرب الباب وايقظ الجندي الراقد ثم قال بصوت مسموع:

ــ استيقاظ.

استيقظ الجنود بحركة سريعة وبدأوا بتجهيز أنفسهم، قال العريف متهكماً:

ــ بعد نص ساعة نتحرك، تكونون جاهزين ومجتمعين وسط المعسكر، مفهوم؟

أجاب اثنان من الجنود معاً:

ــ مفهوم

نظر العريف إليهم وهم يرتدون حاجياتهم للحظات، ثم خرج.

***
في ساحة المعسكر كان أكثر من ستين جندياً يصطفون بكامل عدتهم العسكرية، وكان الضابط صلاح والملازم مجيد يقفان هناك ايضاً، تراكض من بعيد جندي يحمل جهازاً لاسلكياً حتى وصل وسط الساحة وانتظم في الطابور، ومن خلف الصف المنتظم تراكض أربعة جنود كان بينهم عبدالله وستار، انتظموا جميعهم ضمن الصف، ومن طرف المعسكر تقدم العريف جاسم مع يقارب عشرين جنديا في صف منتظم، فانتظموا جميعاً في طابور طويل.

وقف الملازم مجيد على مبعدة من الطابور الواقف أمامه، التفت إليه الضابط صلاح رشيد بحركة عسكرية، تقدم وأدى التحية قائلاً:

ــ سرايا الاسناد والمقر والأولى جاهزة للاستطلاع سيدي.

رد الملازم مجيد التحية العسكرية بأخرى قائلاً:

ــ يمكنكم التحرك حسب الخطة المرسومة، الهجوم واطلاق النار عند الضرورة فقط، أما إذا تأكدت المعلومات فأبيدوهم إلى آخرهم.


***

في هذه الأثناء كان أربعة من البيشمركة بملابسهم الكردية وأسلحتهم يجتمعون في غرفة ببيت في القرية، وكانت شيرين وصاحبة الدار معهم أيضاً، كانوا متعبين ومتوتري الأعصاب. قال أحدهم بالكوردية:

ــ لم يكن مناسبا ارسال شيخ أمين وشيخ فاتح لبيت المختار في مثل هذا الوقت، وضعنا لا يسمح بذلك.

فأجاب أحدهم والذي كان يبدو قائدهم:

ــ يجب أن نتأكد من صحة المعلومات، يجب تأديب ابن الكلب هذا.

فقال الآخر:

ــ ليس لدينا وقت، خاصة وان علينا اصطحاب الأخت شيرين، حركتنا بالتأكيد ستكون أبطأ، ثم لماذا تأخروا.

فقال قائد المجموعة بشيء من القلق:

ــ لقد تأخروا فعلاً

في هذه اللحظة بالذ1ت سمعوا حركة قرب الباب، دخل أحد البيشمركة بصحبة رجل أعزل وكان واضحاً من ملابسهما بان أحدهما مختار القرية.

ما أن وصلا إلى باب الغرفة ورأى مختار القرية بقية الرجال حتى انهار وأخذ بالتضرع والتوسل وتقبيل الأيدي.

ــ صدقوني، لم أخنكم، لم أقل لآمر المعسكر أي شيء، صدقوني، انني رجل مسكين، علي أن أطاوعهم، انني جبان، لا أستطيع أن أكون بيشمركة، كما لا أستطيع أن أتحمل تهديداتهم لي، صدقوني.

كان المختار يتنقل بين الرجال، ينحني ليقبل أيديهم وأرجلهم. قال أحدهم:

ــ ابن الكلب، الناس يموتون من جراء خياناتكم، أشرف رجالنا وأبنائنا يموتون، عوائلنا تتشرد وأنتم تمدون أيديكم القذرة للعدو من أجل أن تأكلوا اللحم وتشربون الماء الزلال وتنامون في الدفء. لا نريد من الجميع أن يكونوا بيشمركة، لا نريد منكم شيئاً، فقط نريد أن لا تمدوا أيديكم للعدو.

كان المختار يبكي منهاراً:

ــ أقبل أيديكم، أقبل أرجلكم، اعفوا عني.

التفت قائد المجموعة إلى الرجل الذي قاد المختار وسأله:

ــ أين شيخ أمين؟

فقال الآخر:

ــ ذهب للاستطلاع في القرية.

التفت القائد للمختار، سأله:

ــ هل لديك سلاح؟

فأجاب البيشمركة قبل أن يفتح المختار فمه:

ــ لقد صادرنا بندقية كلاشنكوف، انها مع الشيخ أمين، كما صادرنا مبلغ مائة دينار، انها معي.
قال قائد المجموعة:

ــ الآن ليس لدينا وقت لنحاسبك، ثم اننا ندرك ان العدو يضغط على الناس ويهددهم، اننا نفهم ذلك، لكننا نرفض الخيانة، ان الخونة لا يستحقون حتى ولو اطلاقة رصاصة نرميهم بها، لذا فاننا نقطع أذانهم وأنوفهم.

كان المختار منهاراً تماماً وكان الجميع متوتري الأعصاب، فجأة حدثت ضجة عالية عند الباب الخارجي ودخل شيخ أمين متوتراً ونافراً وقال بصوت مسموع:

ــ القرية محاصرة، الخائن قد بلغ عن دخولنا.

أشرع الجميع أسلحتهم، بينما لم تستطع المرأتان الوقوف، انهارت شيرين، احتضنت صرة ملابسها الصغيرة وجلست بذهول، لم تطق صاحبة الدار صبرا إذ أخذت النعال وانهالت على المختار بالضرب بينما خرج الرجال إلى باحة الدار لمواجهة الجيش.

***

خلف صخرة كان عبدالله وستار وجندي آخر في وضع انبطاح، كل منهم قد أشرع بندقيته باتجاه القرية، كان الظلام دامساً والصمت شديدا يقطعه أحياناً نباح لكلب أو وصوصة حشرة ليلية.
على مبعدة منهم كان جنود آخرون في حالة تأهب مماثل، كانت القرية مطوقة، فجأة ومن الطرف الآخر انطلق رشق من الطلقات باتجاه بيت المضيفة، انطلق سيل من الطلقات، لم يعد واضحا من الذي كان يرمي، ثم تعالى صوت اطلاق قنابل مختلطاً بصراخ النساء وبكاء الاطفال ونباح الكلاب. كان عبدالله يائساً. أراد أن يبكي، لم يستطع، لم يعد قادراً على تحمل معاناته، أحس بانه بعيد.. بعيد.. التف بكل جسده إلى السماء وأشرع بندقيته إلى الفضاء المظلم وأطلق سيلاَ من الرصاص.






( 13 )

ولـلـنــــاس حـكـــايــات

كانت الغرفة شبه معتمة. ثمة رف من الكتب على الجدار الأيسر، وفي الجهة الأخرى ثمة سرير واطىء، وعلى الجهة المقابلة له أفرشة مطوية، قرب باب الغرفة ثمة طباخ غازي ودولاب صغير لحفظ الأواني والصحون، وعلى مقربة منضدة يجلس حولها علي الفيلي والعجوز الكوردية. كانت كؤوس الشاي فارغة.

أخذت العجوز دورق الشاي وصبت لكليهما. كان وجهها ينم عن حزن وتوتر واضح. أخذ علي علبة السكر وصب ملعقتين في كأسه، وبدأ يحرك السكر في الشاي بملعقته، بينما التهمت العجوز ملعقة من السكر واحتفظت به في فمها ثم أخذت جرعة من الشاي.

قال علي الفيلي بالكوردية بعد لحظات من الصمت:

ــ في هذا الظرف ليس من المناسب القيام بزيارة هيمن يا خالتي، لقد سمعت ان من يذهب لزيارة سجين يعتقلونه هو أيضاً، فالسلطة لا ترحم أحداً والطغيان وصل حداً لا يطاق.

ــ لقد كانت السلطة هكذا دوماً، لكن يجب أن أزوره مهما كانت العواقب. لقد قررنا أن نذهب مع البيشمركة إلى الأراضي المحررة لذلك تركت شيرين هناك، وربما الآن ذهبت معهم، ثم ان (ئارام) كما قلت قد ذهب معهم أيضاً، يجب أن أزور هيمن في السجن وأخبره بحالتنا.

ــ ولكن ياخالتي، يمكنكم أن تأتوا لتعيشوا معي هنا في بغداد. سأحاول استئجار بيت كبير، أما عن (ئارام) فكما قلت لك بانه زارني قبل أن يقطع دراسته الجامعية ويلتحق بالبيشمركة، ولكن كما عرفت منه بانه يحاول السفر إلى أوروبا. أما بالنسبة لكم فتعالوا للعيش معي في هذه المدينة أو أية مدينة أخرى تختارونها.

ــ لا يا ابني، نحن لم نتعود العيش في المدن.

***

ـ هذي مدن اللعنة والفساد، الطغيان بلغ حد الجنون.

قال هاشم ذلك ثم التفت إلى شخص آخر كان يجلس على سجادة انبسطت على الأرض. كانت غرفة هاشم تختلف كلياً عن غرفة الرسام أو علي الفيلي. رفوف الكتب تغطي جدارين من الغرفة الصغيرة، أما الجدار الثالث فقد زين بآيات قرآنية، وفي احدى الزوايا ثمة دولاب مقفل.

كانت الغرفة مضاءة بالمصباح الكهربائي رغم ان الشمس تضىء باحة الدار.

استدار هاشم نحو الباب وأغلقه بالمفتاح من الداخل:

ــ الآن الهجمة موجهة ضد الشيوعيين.

ــ انهم ينالون جزاءهم، لم يأخذوا درساً من الماضي، انهم جزء من سلطة الطغيان والفساد،
أليسوا حلفاء للحزب الحاكم وشركاءهم في الجبهة؟

ــ بالمناسبة، أصبحت المساجد ملاذاً للمطاردين من الشيوعيين الذين هربوا من المدن الأخرى إلى بغداد، لاسيما وقت الظهيرة وعند اشتداد الحر.

ــ هذا يعني انها أصبحت وكراً للمخابرات أيضاً.

ــ أكيد، المهم، مجموعة عمار بن ياسر ستقوم بالمهمة حسب الخطة المرسومة ان شاء الله.

ــ علينا الحذر، بل أقصى الحذر، ان السلطة مرعوبة من مسيرة النهضة الاسلامية في ايران، وان رعبها هذا سيدفعها لاستخدام أقصى أشكال القوة.

ــ علينا أن نرد على عنفهم بالعنف إذا اقتضى الأمر، قال تعالى (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) صدق الله العظيم.

ــ بارك الله فيك، ولكن قل لي، هل تعرف سكان هذا البيت.

صمت هاشم لحظات ثم قال ببطء:

ــ لا أستطيع أن أجزم القول، أعتقد ان جاري في الطابق الأرضي من الشيوعيين لانني لاحظت ذات مرة في جيبه جريدتهم المنافقة (طريق الشعب)، أما سكان الطابق الثاني فيبدو لي أن أحدهم طالب جامعي، أما الآخر فلم أستطع أن أعرف عنه شيئاً أكيداً، رغم ان سلوكه يبدو مريباً لي أحياناً.

فقال الآخر وفي صوته نبرة قلقة لكنها حازمة:

ــ هل أنت مطمئن لاخفاء قطع السلاح عندك هنا.

صمت هاشم لحظات مفكراً ثم قال:

ــ لحد الآن لم يساورني القلق.

ــ لكن الحذر واجب وأن بغداد مليئة بالجواسيس.

ــ صدقتم.

ــ لذا يجب الحذر ثم الحذر، ان الاسلام بحاجة لأبنائه الأوفياء، لأبنائه المؤمنين، من أجل اعلان الثورة على الكفر والالحاد، على الطغيان والفساد، قال تعالى (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).

فقال هاشم بخشوع:

ــ صدق الله العلي العظيم، أحسنتم.


***

ــ تعبت من هذا الوضع.

قالت المرأة العارية والمتمددة على السرير أمام الرسام صباح:

ــ أبقي، جم دقيقة لاخ ونسوي استراحة.

كان صباح منهكا بالرسم وكانت المرأة العارية متمددة بكل عنفوان جسدها المثير بينما كان هو يرسم هيكلاً عظمياً مستلقيا بنفس الوضع. كان صباح في حالة هياج واضح، تقدم من المرأة، جلس قرب السرير، انتبهت المرأة لحالته، وضع لوحة الأصباغ على الأرض وبدأ بخلع قميصه، ابتسمت المرأة استجابة، ثم قالت:

ــ اتفقنا عله أن ترسمني فقط.

انتبه طراد لقهقات العاهرة في غرفة صباح، ابتسم، كان لايزال في فراشه، كان الصراخ يصله أحيانا، مد جذعه الأعلى إلى الأرض وأخذ مجلة جنسية كانت ملقاة هناك، بدأ يقلب المجلة مد يده تحت البطانية وأخذ يداعب نفسه.

في باحة الدار كانت أم طارق ترمي الحبوب للحمام في القفص، رفعت رأسها للسماء، كانت السماء زرقاء، زرقاء، زرقا.





( 14 )

ولــكن الجبـــال تـــدور

في باحة المعسكر القريبة من غرفة الملازم مجيد، ثمة جثث ملقاة على الأرض، صفت بطريقة منتظمة، وبالقرب منهما تنكمش شيرين على نفسها بذهول. كانت جثث لخمسة رجال وامرأة وطفلين. لقد قتل الجميع ليلة أمس، حتى مختار القرية قتل ضمن الهجوم ولم يبق على قيد الحياة سوى شيرين. لقد نقلت الجثث إلى المعسكر واعتقلت شيرين، وهاهي تنتظر مصيرها الغامض، وحيدة وسط الأعداء.

كانت شيرين ذاهلة وهي تنظر إلى جثتي الطفلين البريئين ثم تنقل بصرها بين الجثث الأخرى لكنها تعود محدقة ثانية إلى جثتي الطفلين. كانت عيناها تعبران عن فراغ هائل، عينان أشبه بعيني مجنون.
وكان أفراد من الجند يتجمعون أحيانا بالقرب من الجثث، بل ولا يتورع البعض منهم عن البصاق على الجثث أو ركلها ووضع اقدامهم على الوجوه الميتة معبرين عن حقدهم الأعمى للبيشمركة الذين كانوا يطلقون عليهم تسمية (المخربين) أو (العصاة).

وفي القرية المجاورة للمعسكر كان الدخان مازال يتصاعد من القرية إثر الحرائق التي أشعلها الجيش في الليل، ومن البعيد كان يبدو ثمة عجوز تجلس أمام بيتها المهدم تبكي وتلطم وجهها ورأسها، انها العجوز أم سالار وقربها جثتان لكلب وشاة، وكانت أصوات بكاء نسوي وعويل يتعالى مع بكاء الاطفال يأتي من بيوت بعيدة.

***

حينما دخل نائب الضابط ابراهيم السامرائي غرفة ادارة الفوج، كان عبدالله منهمكاً بتنسيق بعض الأوراق في ملف كبير بينما غلالة من الحزن يرتسم على وجهه. جلس نائب الضابط خلف مكتبه بعد عن نزع عن رأسه الطاقية العسكرية راميا بها على الطاولة متمتما:

ــ لازم تروح اليوم ايفاد.

انتبه عبدالله، نظر إلى نائب الضابط، كان في عينيه حزن كبير، لكن نائب الضابط إستمر بالكلام دون يهتم للحال التي كان عبد الله فيها :

ــ لازم تآخذ هاي البنت الكوردية، هناك لازم بالسليمانية يتحققون وياهه، أول مرة بالفرقة السابعة بالسليمانية وبعدين بالفيلق الأول بكركوك.

صمت عبدالله للحظات ثم سأل:

ــ يمته لازم أروح؟

ــ هسه، بعد ربع ساعة، بس يوقع الملازم مجيد كتاب الايفاد.

سأل عبدالله ثانية بعد لحظات من الصمت:

ــ والجثث

ــ الجثث، مو مشكلة، نحفر الهه حفرة كبيرة وندفنهن سوه.

غطى عبدالله عينيه بكفه فجأة، لمح نائب الضابط فقال بحزم:

ــ عبدالله، بلا عواطف رجاء، هذوله أعداءنا، ويه الأعداء لازم نتجرد من العواطف.

فقال عبدالله بحزن:

ــ والأطفال، هذوله أبرياء.

فقال نائب الضابط بارتباك:

ــ الأطفال، هذولة ألأطفال مو ابرياء لأنهم من يكبرون يشيلون سلاح بوجهنه.

لم يستطع عبدالله أن يقول شيئاً، نهض نائب الضابط، وقبل أن يخرج قال:

ــ حضر نفسك، تحتاج للبندقية وياك، وبعد ما ترجع تآخذ اجازتك الدورية.

قال ذلك وخرج، بقي عبدالله صامتاً وحزيناً، ليس بسبب رؤية الجثث والفتاة الكوردية الأسيرة، بل بسبب هذا الحقد الأعمى الذي ابداه الجنود إزاء الجثث، فقد كان يائسا من الوضع البشري الذي يجد نفسه فيه.

*****

في باحة المعسكر كانت سيارة (الزيل) العسكرية مستعدة للانطلاق، وكان الملازم مجيد والضابط صلاح ونائب الضابط ابراهيم هناك.

جاء عبدالله راكضاً مع بندقيته من جهة غرفة الادارة المجاورة لغرفة النوم، أدى التحية العسكرية وظل واقفاً كما تفترض الأصول العسكرية ، بادره الملازم مجيد:

ــ عبدالله، دير بالك، انتبه.

ــ صار سيدي

أعطاه الملازم مجيد كتاباً رسمياً موجهاً لقيادة الفيلق الأول متضمناً تفاصيل ما جرى والاجراءات التي اتخذت. أخذ عبدالله الكتاب وأراد أن يذهب إلى مقدمة السيارة ليصعد فصاح به نائب الضابط ابراهيم:

ــ هاي وين، تعال، اصعد ليوره.

التفت عبدالله متعجبا، وجاء ليصعد في القسم الخلفي من السيارة، وحينما أطل بوجهه على القسم الخلفي فوجىء بوجود شيرين منكمشة في الزاوية، تجمد لثوان عن الحركة ثم صعد ببطء. لا يدري لماذا أحس بالارتباك والخجل.

تحركت السيارة خارجة من المعسكر ونازلة باتجاه النبع، أخذت السيارة تبتعد، كان الملازم وبقية العسكر في مكانهم، وحينما وصلت منتصف الطريق بين المعسكر والطريق العام كانت القرية والمعسكر يختفيان تدريجياً، وكانت الجبال تدور، استغرب عبدالله، حدق إلى الجبال بذهول، لم يصدق عينيه لكن الجبال كانت تتحرك وتدور.





( 15 )

جثـة الأبــن تسـمع نــواح الأم

كانت العجوز الكوردية واقفة، وهي مرعوبة، وسط الغرفة شبه المعتمة والأنيقة الأثاث، كانت لا تدري ماذا تفعل، ظلت تنظر إلى أثاث الغرفة، فجأة دخل ثلاثة رجال، كان أحدهم يرتدي بدلة سوداء ويضع على عينيه نظارة سوداء أيضاً، جلس على الكرسي بينما ظل الآخران واقفين، عرفت انه الرئيس، نظر إليها للحظات ثم سألها:

ــ شتريدين.

فقالت العجوز بارتباك وبعربية غير سليمة:

ــ اني يريد ابني هيمن.

فصرخ بها الرجل ـ الرئيس ـ :

ــ أي هيمن؟

قالت العجوز:

ــ هيمن ابني.

فقال الرئيس بلهجة آمرة:

ــ ما عدنه هيج اسم

فقالت العجوز بنبرة فيها توسل:

ــ بس اني يعرف ابني هيمن هنا، اني اجه زيارة قبل نيم سال.

فصرخ الرئيس:

ــ شنو

ارتبكت العجوز وقالت:

ــ اني اجه هنا زيارة، شفت هيمن هنا.

فصرخ الرئيس ثانية:

ــ كلت ما عدنه هيج اسم، افتهمي، روحي من هنا ولا ترجعين مرة ثانية، ولا تسأليني عنه.

ارتبكت العجوز، شعرت بأن ساقيها تعجزان عن حملها، لم تعرف ما تقول لكنها جمعت كل شجاعتها ونطقت:

ــ اني يعرف ابني هيمن هنا، اني ما يروح اذا ما يشوف ابني هيمن.

فصرخ الرئيس بغضب:

ــ ما عندي وقت لهذي السخافات، تسمعين، كلت ما عدنه شخص بها لاسم.

فقالت العجوز بتوسل مازجة الكوردية بالعربية:

ــ دست ماج ده كم، اني يريد يشوف ابني.

ــ شنو

ــ اني يبوس ايدك، اني يريد يشوف ابني.

فقال الرئيس بغضب:

ــ أحسن لج تروحين من هنا وما تشوفين أحد.

فقالت بتوسل أقرب للبكاء:

ــ اني يريد يشوف ابني

صمت الرئيس لحظات ثم قال أمراً:

-- اخذوهه للثلاجات، (ثم أكمل بسخرية) خلي تشوفه ابنهه.

صعقت العجوز حينما سمعت كلمة الثلاجات، تقدم الرجلان منها واقتاداها خارجا، بقي الرئيس في الغرفة وحيداً، فتح علبة سجائره الكوبية الفاخرة والتي صارت جزء من صورته أمام الناس، أخذ سيجاراً واشعله ثم نفث دخانه، كانت الغرفة معتمة وكان هو متلاشياً ولم يبد منه سوى جمرة السيجارة المتقدة.

***

كانت العجوز تمشي مع الرجلين في ممرات واسعة على جانبيها ثلاجات، وكان واضحا بان المكان هو لحفظ الجثث. كانت العجوز مرتعبة ومنذهلة، لقد حدست ما جرى لابنها لكنها لا تريد أن تصدق ذلك. كانت تشعر ببرودة الموت تسري في مفاصلها.

دخلوا قاعات، واجتازوا ممرات، وأخيراً دخلوا قاعة بيضاء واسعة، وقفا فوقفت العجوز، نظرا إليها، نظرت إليهما برعب وترقب، وأخيراً سحب أحدهما مقبضا فخرجت جثة متمددة على منضدة حديدية.
تقدمت العجوز خطوة، حدقت برعب هائل، كانت الجثة قد تجمدت ولكن آثار التعذيب مازالت واضحة عليها وثمة ندوب سوداء لطلقات رصاص قد إخترقت الجسد الفتي.
نظرت العجوز بوجه يعصره ألم هائل لا تستطيع اللغة أن تعبر عنه، إنحنت على الوجه الميت، انحدرت دموعها، تشوه وجهها من الألم وبكت بحرقة شديدة، شديدة، كانت أناتها تخرج من أعماق القلب، احتضنت رأس ابنها وأخذت تنعاه بالكوردية وبصوت عال:

يا طفلي الصغير.. ياطفلي
لماذا ذهبت بعيداً ياصغيري

لماذا تركت أمك وحيدة ياصغيري
لماذا رحلت ياصغيري

لقد بكيت ولم اسمعك ياصغيري

لقد تألمت ولم أعرف ياصغيري

لقد قتلوك ياصغيري

لقد كانوا كثرة وأنت وحيد

لقد عذبوك وأمك لم تعرف ياصغيري

آخ ياصغيري المسكين

ما الذي سأقوله لاختك شيرين

ما الذي سأخبر به أخاك ئارام

كيف رحلت ولم تودعنا ياصغيري

كيف تركت أمك للألم ياصغيري

لقد حلمتُ أن تدفني أنت ياصغيري

لكنك رحلت قبلي ياصغيري

ياطفلي المسكين.. ياطفلي الصغير

كانت تبكي وتندب بالكوردية، لم يفهم الشرطيان مما قالت شيئاً، لكنهما كانا يدركان وضعها، ظل الشرطيان واقفين، ثم أشارا أحدهما للآخر بانهاء الوضع، فأخذها أحدهما من كتفها ورفعها من الجثة بينما دفع الشرطي الآخر بالجثة إلى الداخل.

أخذت تصرخ، أرادت أن ترى الجثة لكنهما أمسكاها، حاولت أن تتملص منهما، أخذت تسبهما بالكوردية:

ــ مجرمين، قتلة، كلاب، كلكم قتلة ومجرمين، لعنة الله عليكم وعلى رئيسكم المجرم.

لم يطق الشرطيان هذا الوضع فأخذ كل منهما ذراعاً منها وسحلاها على الأرض، كانت العجوز شبه مغمى عليها من الألم، كانت رغم ذلك تصرخ، اختفى الشرطيان والعجوز في الممرات، كانت تصرخ وتبكي، وفجأة ساد صمت مختلط برهبة راعشة، التفت الشرطيان، كانت العجوز قد فارقت الحياة، نظر كل منهما للآخر، ثم استمرا بسحبها.

كانت جثة الابن صامتة في عتمة الثلاجة والبرد، كان رأس الجثة مغمض العينين، كانت صرخات الأم تصل إلى أذني الجثة، انحدرت دمعتان من عيني الجثة الصامتة.






( 16 )

عــــواء الــذئـــب

كان علي الفيلي راجعا إلى البيت حينما عند منعطف فرعي بمنطقة الأورفلي في شارع السعدون ببغداد واجه رجال المخابرات الأربعة الذين كانوا قد جاءوا لإعتقاله. لم يلحظهم أول الأمر، فقد كان ساهيا بعض الشيء ومشغول الفكر بالإعتقالات التي تعرض لها رفاقه القربون في الحزب، كذلك بخالته أم هيمن التي ذهبت لمقابلة إبنها في السجن لكنها لم ترجع منذ البارحة.
لو كان منتبها ولو لدقيقة قبل ذلك لكان قد وجد حلا لنفسه، ولكن قد سار باتجاه ساحة النصر ولم ينعطف باتجاه بيته، لكن الأمر قد حدث وها هو يواجه رجال المخابرات، بل هو محاط بهم.
أمسك اثنان منهم به، كل من جهة وبشدة بحيث تعذر عليه تحرير نفسه. لقد فوجىء، التفت بسرعة اليهما وخلال لحظة عرف انه تم القاء القبض عليه، لكنه وخلال ثوان أراد أن يفسر كيف تم ذلك، هل من خلال وشاية، أو إعتراف أحد رفاقه، أم تم ذلك صدفة.

ــ انته فلسطيني، سأله أحدهم.

ــ لا، آني عراقي.

ــ شبيك خفت. سأله الثاني

ــ آني ما خايف. أجاب

ــ لعد ليش صار وجهك أصفر.

ــ هه

استغرب علي لطريقة الحوار. كانوا يسيرون به أثناء الحوار إلى زاوية المنعطف حيث تقف سيارة (بيجو) بيضاء، استطاع أن يقرأ رقمها بسرعة خاطفة (13760 بغداد).

كان علي يشعر بخفقان قلبه وبنبضاته تكاد تسمع، لم يكن خائفا بل كان مرتبكا، لقد خاف للحظات لكن ثمة برودة سرت في روحه، لقد كان متهيئا لمثل هذا الموقف، فمنذ أشهر وحملة مطاردة واسعة تشمل أعضاء الحزب الذي ينتمي إليه، وأخبار التعذيب والاغتصاب أصبحت موضوعاً مهماً في الحديث اليومي.

دخل أحدهم السيارة وجلس خلف مقودها، ثم دخل آمر في القسم الخلفي ودفع الآخران علي إلى داخلها.. جلس شخص ثالث إلى جانبه فأصبح هو وسطهما في حين جلس الرابع في مقدمة السيارة إلى جانب السائق ثم التفت إلى علي قائلاً:

ــ وين جنت رايح؟

ــ رايح للبيت.

مد الرجل يده في جيبه وأخرج وريقات صغيرة مطوية ثم سأل:

ــ وهذي الأوراق، شنو معناهه.

فقال علي وقد استجمع شجاعته:

ــ هذه الأوراق ما أعرف شكو بيهه أولاً، ثم انه انته طلعتهه من جيبك.

ابتسم الرجل الذي فهم علي من سياق الأحداث بانه رئيسهم قال:

ــ يعني انته تتهمنه، طيب.

ثم مد يده في جيب بلوزته وأخرج رصاصات مسدس وقال:

ــ وهذه الرصاصات، شنو معناهه، يا هو من الملوك والرؤساء العرب تريد تغتال، ثم وين المسدس.

هلع علي من هذه التهمة الملفقة وتذكر فجأة بانه الآن يعقد ببغداد مؤتمر للملوك والرؤساء العرب قال علي بارتباك:

ــ هذي الرصاصات جانت بجيبك، ثم اني ما عندي أي مسدس.

التفت الرجل الشرطي إلى زملائه قائلاً بجدية:

ــ سمعتو، يتهمنه بالكذب، طيب نتفاهم بعدين.

تحركت السيارة متجهة نحو شارع (أبو نؤاس) ثم استدارت باتجاه (ساحة التحرير) ثم صعدت جسر (الجمهورية) عابرة إلى ضفة الكرخ مجتازة الشارع التي تقع فيه محطة الاذاعة والتلفزيون.

كان رجال المخابرات في حالة مرح، بينما أحس علي برغبة عارمة بالتبول لكنه أمسك نفسه رغم نزول قطرات قليلة. قال الرجل الذي في مقدمة السيارة:

ــ راح نوصل

فهم الآخران ماذا يعنيه، فجأة أخذا على رأس علي الفيلي وكتفيه وضغطا عليهما ثم مدداه بين أرجلهم كيلا يعرف ويرى أين سيدخلون به.

***
كانت السيارة العسكرية تقطع الطريق بين المعسكر والسليمانية، وقرب مقهى صغير على جانب الطريق وقفت السيارة بعد أن خرجت عن الطريق الأسفلتي العام. نزل الجندي السائق وأقبل إلى جهة الخلف، أطل عبدالله عليه وسأل:

ــ شصار، ليش وكفت؟

ــ انزل نشرب فد استكان شاي، عدنه وكت.

التفت عبدالله إلى شيرين، التي مرعوبة ومنكمشة على نفسها.

نظر إليها لحظات، كان متأثراً لوضعها لكنه لا يدري كيف يساعدها. نزل من السيارة، دخل مع الجندي السائق المقهى، بعد لحظات عاد وهو يحمل قنينة كولا، أطل على شيرين، التفتت إليه فأشار إليها بأن تأخذ القنينة، ولانه لا يعرف الكوردية فقد قال بالعربية:

ــ اشربي.

لم تجبه، نظرت اليه بتردد، فكر في نفسه وبما لكونه يثير فيها الرعب، ترك قنينة الكولا بالقرب منها ونزل ثانية، بعد دقائق خرج الجنديان، صعد السائق إلى موضع القيادة في حين أطل عبدالله ثانية ليرجع القنينة الفارغة، فوجىء بانها لم تمس قط، نظر إليها للحظات، صعد إلى حيث كان وألقى بالقنينة المليئة إلى الأرض، خرج صاحب المقهى بملابسه الكوردية، نظر باستغراب إلى الجندي، بينما تحركت السيارة.

***

في عتمة الغرفة ذات الأثاث الفاخر، كانت جمرة السيجار متقدة. في العتمة تحرك شيء، انه الرئيس وقد جلس في مقعده، تناول سماعة الهاتف ودون أن يطلب رقما ضغط على زر في الهاتف وقال للذي على الطرف الآخر من الخط:

ــ صيح لي عريف طراد.

وضع السماعة وفي اللحظة دخل طراد وأدى التحية العسكرية رغم انه في الملابس المدنية.
قلب الضابط الرئيس بعض الأوراق التي أمامه وقال:

ــ انته متأكد من معلوماتك عن هذا؟

نظر إلى ورقة أمامه وأكمل:

ــ هذا المتدين هاشم؟

ــ نعم سيدي، شفت غرفته.

ــ شلون شفت غرفته، شنو المناسبة؟

ــ ما كو أي مناسبة، سيدي، سويت مفتاح عن القفل بالباب دون أن يعرف طبعا، ودخلت الغرفة دون أن يعرف أحد سيدي.

قال الضابط بعد لحظة من الصمت:

ــ اكمل.

ــ شفت كتب وآيات قرآنية عله الحايط، كتب مثل القرآن و(فلسفتنا) و(اقتصادنا) لمحمد باقر الصدر، كتب سيد قطب، وجان دولاب صغير مثل صندوق مقفول بقفل جبير ما كدرت افتحه، ما أدري شكو فيه.

ــ اليوم بالليل تقبضون عليه، هسه اتصل بنايب الضابط خضر وأبلغه.

أدى التحية وخرج، بقي الضابط الرئيس وحيداً، نهض، تجول في الغرفة، اقترب من ذئب محنط، امتص نفساً من الدخان ونفخه بوجه الذئب.. بقي للحظات ساكناً ثم اتجه نحو الباب، أغلقها من الداخل، نزع سترته العسكرية وألقى بها على المنضدة، أخذ الذئب المحنط ووضعه في وسط الغرفة ثم جلس قبالته في وضع حيواني، حدق بوجه الذئب بنظرة ذئبية ثم بدأ يعوي، يعوي.

***

في الشارع وقرب باب أحد فروع مديرية المخابرات في الكرخ وقفت سيارة البيجو البيضاء، نزل منها رجال المخابرات ومعهم علي الفيلي معصوب العينين بشريط من قماش أسود، قاده اثنان من رجال المخابرات، كانوا قرب السيارة لكنهم أرادوا أن يحموه نفسياً ويملؤنه بالرعب.

قال أحدهما:

ــ دير لليسرة.

استدار واستدار معهما، ساروا بضع خطوات، قالوا:

ــ دير لليمنه.

ساروا خطوات أخرى، كانوا يدورون ويستديرون قرب السيارة.

ــ والآن يسرة

ــ ساروا خطوات

ــ والآن يمنة

ساروا خطوات

ــ نزل رأسك

قوسوا ظهره فسار محني الرأس لمسافة وكأنه يتجنب شيئاً، بعد ذلك داروا لخطوات، وساروا به إلى الداخل، دخل الجميع من الباب المفتوح على ظلمة، اختفوا في الظلمة.





( 17 )

الفـــــرقــة الســـــابـعـــة

دخلت السيارة العسكرية التي تقل شيرين والجندي عبدالله مدينة السليمانية، استدارت حول الساحة في وسط المدينة وانحدرت في طريق رئيسي ثم استدارت ثانية في شارع فرعي حيث يقع هناك مقر الفرقة السابعة التابعة بدورها للفيلق الأول الرابض في كركوك. وقفت السيارة أمام الباب الرئيسي، نزل عبدالله وفتح الباب الخلفي ثم اشار لشيرين بالنزول فوقفت وجلة لا تدري كيف تنزل، مد لها يده، ترددت في أخذها، استدارت ممسكة باحدى الجهات الجانبية من السيارة ونزلت لوحدها.

تحركت السيارة من أمام الباب وسار عبدالله وخلفه شيرين باتجاه أحد جنود الذين يحرسون الباب الرئيسي. وقبل أن يسأله الجندي الحارس أي سؤال قدم عبدالله له الكتاب الرسمي الصادر من مقر الفوج. قرأه الجندي الحارس ودون أن يقول شيئاً أرجعه لعبدالله ثم قال موضحاً:

ــ السيد قائد الفرقة طلع، والسيد آمر الاستخبارات باجازة، بس ضابط الاستخبارات ونائب الضابط موجودين. غرفتهم بنهاية الساحة. روح على ضابط الخفر قبل كل شيء حته تحصل عله مكان تنام بيه.

فسأله عبدالله بحذر:

ــ وهاي البنية؟

ابتسم الحارس ثم قال وقد ارتسمت على وجهه مشاعر جنسية لم يستطع اخفاءها:

ــ هي البنية ليلتهه سوده، الليلة يحققون وياهه وباجر تروحون لمقر الفيلق الأول بكركوك. يوميا عنده قصة مثل قصتها.

انقبض قلب عبدالله وارتسم الانزعاج والقلق على وجهه، لم تفهم شيرين أي شيء مما قال الجندي. كانت تقف حزينة خافضة رأسها وكأنها جثة تتنفس، كانت مرعوبة لكنها رغم ذلك كانت يائسة ومستسلمة لمصيرها المجهول. تحرك عبدالله داخلاً الى مقر الفرقة بينما تبعته شيرين بخطوات آلية وكأنها سائرة في النوم.

***

كان طراد ورجلان آخران يقفون بالقرب من باب الدار التي يسكنها وكأنهم ينصبون كمينا لشخص ما، وعند منعطف الزقاق تقف سيارة بيضاء يقبع في داخلها سائقها، وبينما كان الآخران يقفان بإسترخاء واضح كان طراد يدخن بقلق.

مر بعض الوقت وهم على وقفتهم، وكان الضجر قد بدأ يرتسم على وجوههم. فجأة رمى طراد سيجارته وسحقها بقدمه مبدياً انتباهاً خاصاً فانتبه الرجلان الآخران أيضاً ونظرا باتجاه المنعطف، كان هاشم مقبلاً، وما أن تجاوز السيارة البيضاء بخطوات حتى هز طراد رأسه بحركة تأكيد، وفجأة وبحركة سريعة وخاطفة طوق الرجلان هاشم ونزل السائق بسرعة وهو يمسك مسدساً بيده، حاول هاشم المقاومة والافلات لكنه لم يستطع، وبدون أن يصرخ أدرك كل شيء فألقى نظرة خاطفة على طراد وعلى وجوه الرجال الذين أمسكوا به، نظرة مليئة بالاحتقار والغضب.

***

في باحة مقر الفرقة السابعة وفي أقصى الساحة يميناً كان عبدالله جالساً على صفيحة فارغة متخذاً منها مقعداً ومتكئاً للأمام على بندقيته، وعند الجدار كانت شيرين مقرفصة ورأسها منخفضاً، كانت تبكي بصمت والدموع تنحدر من مآقيها دون أثر للمرارة وكان وجهها جامدا وكأنه من حجر.
لم يكن عبدالله يدري ماذا يفعل، كان يجوب ببصره في أرجاء المعسكر. نظرات تائهة ومليئة بالضجر. انتبه فجأة لوجه شيرين الباكي، التفت إليها، كان وجهه حزيناً ومتوتراً. وفجأة سمع أصواتاً رتيبة لوقع أقدام عديدة، التفت فرأى أكثر من عشرة جنود يتقدمهم عريف ويمشون في طابور عسكري متجهين نحوهما، وقف الجنود وشكلوا بسرعة خطاً أفقياً. كانت شيرين وحيدة وقفت متكئة بظهرها إلى الحائط وبسطت يديها على الجدار لائذة، كان وجهها مليئا بالرعب.

صرخ العريف: استعد

استعد الجنود ثم صرخ العريف ثانية: تهيأ.

تهيأ الجنود وشرعوا بنادقهم مصوبين باتجاه شيرين.. نظر العريف والجنود بتعجب حيث لم يكن ثمة أحد عند الجدار.. اختفت شيرين.. اقتربوا.. وجدوا أوراق وردة متناثرة وقفص مفتوح.. غضب العريف فسحق أوراق الوردة بجزمته ثم أخذ بندقية من أحد الجنود وأطلق كل ما فيها من طلقات مصوباً نحو القفص.. ثم التفت إلى الجنود وصرخ: استعد.

انتبه عبدالله على اثر الصوت، التفت بارتباك فرأى العريف يقف قربه، نهض مرتبكاً وقال:

ــ العفو عريفي.

ابتسم العريف وجال بنظره ما بين عبدالله وشيرين التي رفعت وجهها الباكي في هذه اللحظة. وما أن رأت العريف واقفاً حتى مسحت وجهها بسرعة وكأنها لا تود أن يرى أحد دموعها.

قال العريف:

ــ تعال وياي إلى ضابط الخفر، وخلي هاي الكوردية تجي وياك، لازم تسلمها لضابط الخفر.

مشى العريف فسار عبدالله خلفه، التفت، كانت شيرين مازالت في مكانها. نظر إليها بحنو مشوب بحزن وكآبة. وقفت ثم سارت خلفه متجهين إلى غرفة ضابط استخبارات الخفر.

طرق العريف باب الغرفة وفتحها داخلاً.

***

فتح الباب للداخل، كانت الغرفة مظلمة، دخل شخص وضغط زر الكهرباء فأضىء المكان، كان (علي الفيلي) مشدوداً لكرسي وسط الغرفة وعلى وجهه آثار تعذيب، دخل رجل آخر، اقتربا منه، كان وجهه ملقى على صدره فرفع أحدهم وجهه ضاغطاً على فكيه وصرخ بحقد:

ــ يعني ما راح تعترف، وين أخفيت المسدس.

رفع (علي الفيلي) رأسه بصعوبة كان مازال معصوب العينين، لم ينطق بكلمة، أخرج أحدهما سيجارة وأشعلها، نفث نفساً من الدخان في وجه علي ثم فجأة وبلا تردد وضع جمرة السيجارة على فخذ علي وظل ممسكاً بها، تململ علي ألماً ثم ارتسمت علامات ألم كبير على الجزء المكشوف من وجهه، كانت النار قد أحرقت البنطلون ومست لحم الفخذ. سحب الرجل يده رافعاً السيجارة إلى فمه ساحباً نفساً منها، كانت علامات النشوة الباردة ترتسم على وجهه، ومرة أخرى مد يده ووضع السيجارة على موضع آخر، بدأ علي بالضغط على نفسه من أجل أن لا يصرخ متألماً لكنه لم يستطع فكظم ألمه ثم انفجر بصرخة عالية: آخخخخخخخ.





( 18 )

لـيـــلة شـــرقـــيـة

قال الرئيس وهو ينفث دخان سيجاره الكوبي بهدوء:

ــ أنتم عملاء، تعملون لصالح الأجنبي من أجل أن تخربوا البلد وتخلقوا الفوضى.

كان الرئيس غارقا في العتمة كعادته ولم يكن في المكان سوى هاشم الذي كان مشدوداً للكرسي أمام الرئيس. كان خيط من الدم على طرف شفته اليسرى من أثر الضربة، وفي عتمة الغرفة كان رجال المخابرات يبدون كأشباح تقف خلف هاشم.

ــ نحن لسنا عملاء، هذه اتهامات باطلة ليس لها أساس من الصحة، نحن مسلمون وهدفنا أن نحتكم لشريعة الاسلام.

سأله الرئيس ساخراً:

ــ وإحنة شنو مو مسلمين؟

فقاطعه هاشم بحماس:

ــ أنتم أعداء الاسلام، أنتم دمى بيد الغرب… أنتم…

ولم يكمل جملته إذ تقدم منه أحدهم من الخلف وأراد خنقه بحبل كان يمسكه بيده، اختنق هاشم واختنقت الكلمات في فمه، أشار الرئيس من العتمة أن يتركه فسحب الرجل الحبل عن رقبة هاشم الذي أخذ يتنفس بصعوبة.

ــ طيب، شنو رأيك لو أثبت لك بالوثائق بانه كل هاي التنظيمات الدينية هي تنظيمات ارهابية مرتبطة بأمريكا واسرائيل وايران.

فقال هاشم بتحد:

ــ وثائق مزورة، انكم تستطيعون أن تزوروا كل شيء، حتى التاريخ.

علق الرئيس:

ــ تعجبني شجاعتك، شنو رأيك لو تشتغل ويانه، طبعا تبقى صلتك بالتنظيم الديني مستمرة.

فقال هاشم بغضب:

ــ جبناء، الموت أشرف لي.

ومع جملة هاشم جاءت ضربة قوية من الخلف قلبت هاشم والكرسي إلى الأرض.

***

ألقى ضابط الخفر بالكتاب الرسمي على المنضدة التي أمامه نظر إلى شيرين بتمعن ثم نهض من كرسيه متجهاً نحوها. كانت شيرين واقفة وسط الغرفة التي تؤدي بدورها إلى غرفة أخرى داخلية تفصلهما باب خشبية. وعلى مبعدة من شيرين كان العريف في وضع استعداد عسكري وخلفهما قرب الباب كان عبدالله واقفا.
أخذ الضابط يدور حول شيرين متأملاً قوامها متفحصاً جسدها بنظرات شهوانية، وقف أمامها، كانت شيرين المرعوبة خافضة الرأس. فجأة مد يده مداعباً نهدها وبسرعة خاطفة لم يكن يتوقعها دفعت يده ورجعت خطوتين إلى الوراء ناظرة إليه نظرة جريحة وغاضبة مليئة بالكره والاحتقار. فوجىء الضابط، بهت لحظة ثم بدأ يقهقه عالياً. ابتسم العريف ايضا وهو ينظر إلى شيرين بينما كان عبدالله ساكناً وثمة غضب في أعماق عينيه. أشار الضابط للعريف بالخروج دون أن يقول كلمة فاستدار العريف متجهاً نحو الباب. بقي عبدالله واقفاً وكأنه ينتظر شيئاً، نظر الضابط إليه بلا مبالاة ثم قال للعريف:

ــ باجر الصبح تعالوا خذوها.

التفت العريف للضابط مبتسماً بخبث مؤدياً التحية.

ــ حاضر سيدي.

ثم دفع عبدالله أمامه خارجين.

***

في زنزانته كان علي الفيلي وحيداً مشدوداً للكرسي ومعصوب العينين.

كان الصبيان يلعبون بالكريات الزجاجية الملونة (دعبل) يرمونها بأصابعهم، ولم يكن الزقاق حينها مزدحماً، خرجت امرأة تقارب الخمسين من أحد البيوت وصاحت متجهة صوب الصبيان:

ــ علي… علاوي

انتبه أحد الصبيان إليها وأجاب من بعيد:

ــ شتريدين؟

ــ تعال تغده ابني

ــ هسه أجي

قال ذلك واستمر في لعبه، ظلت الأم تنظر إلى الصبيان نظرات حنونة.

كان علي مازال على كرسيه مشدوداً، انحدرت دمعتان من عينيه المعصوبتين، فجأة فز على صوت صياح ديك.

***

فز عبدالله أيضاً، كان في فراشه، نهض من السرير، وعندما فتح باب غرفته كان يرتجف.
كان حافياً، ذهب بخفة إلى باب غرفة (مدام دي رينال) وسمع صوت شخير.. وأخيراً دخل الممر الذي يقود إلى غرفة السيدة وهو يحس أنه يتألم. فتح بيد مرتجفة بابها الذي أطلق صريراً مخيفاً. كان في الغرفة بعض الضوء ينبعث من مصباح ليلي يضيء تحت المدفأة، وعندما رأته السيدة داخلاً قفزت بسرعة خارج سريرها وهي تقول:

ــ أيها التعيس..

لم يرد عبدالله على لومها الا نه أكب على أقدامها مقبلاً ركبتيها صاعداً بقبلاته إلى الأعلى دافعاً بها إلى السرير رافعاً ثوبها الخفيف إلى الأعلى.

سقط الكتاب من السرير، كان عبدالله مازال في ملابسه العسكرية مستلقياً على سرير في غرفة ضيقة وواطئة السقف. نهض ببطء، تقدم من المصباح المعلق وسط الغرفة متدلياً من السقف…دفع المصباح بيده فأخذ المصباح يتحرك حركة بندولية، فجأة سمع صرخة نسوية عالية، صرخة وحشية، صرخة استغاثة فاقشعر جسده وشعر بالخوف.

***

كانت شيرين مشدودة اليدين ومربوطة بقضبان السرير الحديدي للخلف. كانت شبه عارية، إذ كان صدرها عارياً ونهداها بارزين وسروالها منزوعاً عند قدميها المفتوحتين على سعتهما، كانت كمجنونة، تائهة النظرات، وحشية الألم. وكان الضابط قد استدار لها بقفاه منشغلاً بتنظيف عضوه من دم بكارتها. زرر بنطاله وألقى بمنديل أبيض ملوث بدم إلى جانب حوض حنفية الماء. فتح الباب وخرج الى الباحة. كان الليل مدلهما. ليل عراقي حالك السواد.






(19)

مــــاديــون ومثـــاليــــون

فتحت الباب فدخل رجل ضغط زر الكهرباء. أضيئت الغرفة التي كان ولايزال (هاشم) مشدوداً على كرسيه في وسطها وهو يغط ما بين النوم والغيبوبة. دخل رجلان آخران يحملان (علي الفيلي) وهو على كرسيه مشدوداً ومعصوب العينين. وضعاه قبالة هاشم وخرجا غالقين الباب وراءهم مطفئين النور، فغرقت الزنزانة بالظلام سوى بعض النور الذي كان يتسرب من نافذة تطل على ممر مضيء.

مر وقت ليس بالقصير كان علي الفيلي يئن بخفوت، فجأة بدأ هاشم باستعادة وعيه، انتبه لوجود شخص ما من خلال صوت الأنين الخافت. انتبه علي الفيلي كذلك لحركة هاشم وصوت صرير الكرسي، حبس كل منهما نفسه بتوجس، ظن كل منهما بأنه واهم. عادا إلى حالتهما التي كانا عليها بعد أن تأكد وهمهما. بدأ علي الفيلي بأنينه الخافت وهاشم بتنفسه المسموع.. انتبها ثانية، وفجأة سأل هاشم بصوت مجهد:

ــ من هناك؟

لم يجب علي الفيلي فأعاد هاشم سؤاله:

ــ من هناك؟

أجاب علي الفيلي بألم:

ــ آني، آني اسمي علي، انته منو؟

ــ أنا هاشم. لماذا أنت هنا؟

ــ آني معتقل، وانته؟

ــ أنا معتقل أيضاً، ولكن لماذا اعتقلت؟

ــ تهمة سياسية، وانته؟

ــ تهمة سياسية أيضاً، ولكن بأي شيء اتهمت؟

ــ اتهمت بالارهاب ومحاولة اغتيال الملوك والرؤساء العرب وحيازة مسدس.

ــ وهل هذا صحيح؟

ــ كذب طبعاً

ــ لماذا اعتقلت اذن؟

تردد علي الفيلي ثم أجاب:

ــ لأنني شيوعي.

فقاطعه هاشم:

ــ عليك اللعنة، أنتم الشيوعيون تستحقون هذا الجزاء.. لأنكم خونة.

فوجىء علي الفيلي.. صمت.. مرت لحظات صمت بينهما، حاول علي مواصلة الحديث رغم الألم الذي يشعر به فسأله:

ــ انته من التنظيمات الاسلامية؟

ــ نعم والحمد لله، أنا لست مثلك ضللت طريقي فلم أعرف عدوي من صديقي.

صمت علي الفيلي لحظة ثم قال:

ــ أولاً.. أنا أعرف طريقي جيداً، وثانياً..

فقاطعه هاشم:

ــ رغم أن وضعنا الحالي لا يليق بنقاش جدي، ورغم اني لا أعرفك ولم أرك، فانني أقول لك بانك واهم باعتقادك بانك تمشي بالطريق السليم. ان الطريق السليم الوحيد هو الطريق الذي يضيئه نور المعرفة، نور العقل والايمان.

صمت علي الفيلي لحظة، كان قد نسي ألمه، لم يشأ أن يرد لكنه وجد في الحديث شيئاً من المشاركة الانسانية تخفف عنه صعوبة الموقف وثقل الحالة التي هو فيها فقال:

ــ كل منا يبحث عن طريق الخلاص، ويعتقد أن الطريق الذي يسلكه هو الطريق الصحيح الوحيد. القضية تكمن في القناعات الشخصية لكل انسان.

أجابه هاشم بشيء من العصبية:

ــ وهل تعتقد أن طريق الالحاد وانكار وجود الله تعالى هو طريق الخلاص. هل هو بالانحلال الخلقي والتحرر الجنسي وعدم التقيد بالضوابط والأخلاق.

فرد عليه علي الفيلي بعصبية ايضاً:

ــ اسمع جيداً، آني بوضعية ما تسمح لي نهائياً سماع هذي السخافات والاتهامات الباطلة الناتجة عن جهل كامل بأفكار الآخرين وقناعاتهم، المفروض قبل ما تتهم الآخرين هو أن تعرفهم جيداً وتعرف مبادئهم وأفكارهم.

صمت هاشم لحظة، أحس بالاحراج فهو لم يقرأ حقاً كتب الشيوعية، لكنه لم يشأ أن يتراجع عن موقفه فقال:

ــ أفكاركم واضحة، أنتم ملحدون، لا تؤمنون بالله واليوم الآخر.

فقاطعه علي الفيلي مهاجماً:

ــ تكدر توضحلي من هو الله، ومن أين جاء، وأين هو الآن، وكيف خلق العالم، ثم لو هوه موجود اذن ليش هذا الظلم والجهل والمرض موجود على الأرض، ليش الشر هو المسيطر.

صمت هاشم لحظة ثم قال بهدوء:

ــ أنت تريد أن أجيبك الآن وببساطة وفي زنزانة التعذيب على أسئلة شغلت البشرية منذ مئات القرون وكتبت آلاف الكتب والمجلات للاجابة عليها. ولكن رغم ذلك سأحاول فانني أود أن أقول لك بانكم أيها الماديون تقولون بان الانسان هو أعلى شكل لتطور الطبيعة والحياة وان العقل البشري أعلى مرحلة توصلت اليها الطبيعة في تطورها وان التفكير سمة الكائن البشري فقط ولكن كما ترى فان الانسان لايزال يتخبط في ظلمات نفسه وظلمات الكون المحيط به ولم يستطع أن يجيب على المسائل الكونية بينما الطبيعة وهي التي لا تفكر وجدت قبل الانسان بملايين السنين بهذا النظام العجيب الدقيق والمذهل، كيف استطاعت الطبيعة غير المفكرة أن تفكر وتكون نفسها بهذه الدقة والنظام. أما أن الطبيعة مفكرة وهي عبقرية ومطلقة التفكير بحيث تكون بهذا النظام وهذا يطرح سؤالين وهما: كيف وجدت الطبيعة ومن أين جاءت؟ وكذلك في ان الانسان ليس أعلى شكل لتطور الحياة والطبيعة. أو أن هناك من خلق الطبيعة بما هي عليها من نظام. وهو الله عزل وجل.

فقاطعه علي الفيلي:

ــ ولكن من هو الله؟

فغضب هاشم ورده قائلاً:

ــ بسم الله الرحمن الرحيم: ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

ــ ولكن هذا ليس جواباً.

فرد هاشم:

ــ بسم الله الرحمن الرحيم: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون.

فقاطعه علي الفيلي:

ــ على كل حال، لا أريد أن أدخل معك في نقاش فلسفي، شخصياً أنا أشك في كل شيء، لأنه حتى المادية والماديين لم يستطيعوا أن يجيبوا على سؤال من أين جاءت المادة الأولى وكيف خلقت الطبيعة وهذا ينطبق على المثاليين أيضاً فانهم لم يستطيعوا الاجابة عن ماهية الله.

فقاطعه هاشم بصوت عال:

ــ استغفر الله ربي وأتوب إليه.. استغفر الله.

في هذه اللحظة فتح الباب ودخل ثلاثة رجال، أضاءوا الغرفة.

***

كان عبدالله ومدام دي رينال مستلقيين على السرير في عتمة الغرفة. تمتم عبدالله:

ــ سأترككم غداً وارحل إلى العاصمة، أحد المهتمين بي وجد لي وظيفة أمين السر لدى أحد الشخصيات المهمة هناك.

ندت صرخة مضطربة عن السيدة:

ــ إلى العاصمة.

ــ أجل سيدتي، سأترككم إلى العاصمة.

ثم حاول عبدالله أن يشعل النور فاعترضت السيدة فقال:

ــ هل تريدين اذن أن لا تبقى لدي ذكرى بأنني رأيت جسدك الرائع.

نظرت اليه ولم تجبه، كان في عينيها حنان وسعادة، فجأة سمعا طرقاً على الباب، قفز عبدالله.

***

دخل العريف الغرفة وبيده مظروف، كان عبدالله قد أخفى الكتاب تحت الوسادة. نهض عبدالله واقفاً ببطء.. قال العريف:

ــ هذا كتاب البنت الكوردية جاهز.. باجر عليك أن تأخذهه إلى الفيلق الأول بكركوك.

أخذ عبدالله المظروف من العريف قائلاً بصوت فيه رنة ألم:

ــ صار عريفي.

خرج العريف من الغرفة. جلس عبدالله على السرير مفكراً للحظات، وضع المظروف تحت الوسادة ثم أخذ الكتاب، استلقى على السرير وفتح الكتاب ليستمر بالقراءة.




( 20 )

الأرنــــــب

ــ أنا صامد.. صامد.

ــ أنا صامد

كان العريف بملابسه العسكرية وخوذته وسلاحه يهرول وخلفه عدد من الجنود وهم يهرولون مرددين الكلمات نفسها، كان العريف يصرخ ليثير حماس الجنود:

ــ من أجل بلادي

ــ أنا صامد

ــ رغم الأعادي

ــ أنا صامد

خرج عبدالله من غرفة الضابط تتبعه شيرين وهي تمشي بانكسار منكسة رأسها. نظر عبدالله إلى العريف والجنود، نظروا هم بدورهم اليه والى شيرين، سار عبدالله تتبعه شيرين باتجاه الباب الرئيسي بينما استمر العريف والجنود يواصلون الهرولة وترديد الشعارات.

***

كان الرسام صباح مستلقياً على سريره عارياً إلا من سرواله حينما طرق الباب:

ــ منو

أجابه صوت رجولي:

ــ احنه

نهض فجأة، لبس معطفاً صوفياً كان معلقا عند رأسه، وما أن فتح الباب حتى دخل أربعة رجال.

ــ خيراً، شنو القضية؟

فقال أحدهم:

ــ ما كو شيء أستاذ صباح، كل ما هناك نريدك تجي ويانه لمديرية الأمن.

ارتبك صباح وسأل:

ــ ليش

ــ ما كو شيء، شوية أسئلة وأجوبة.

صمت صباح للحظة ثم قال:

ــ خلوني ألبس ملابسي

فاحاطوه وأخذوه خارجاً

ــ ما كو داعي، هي خمس دقائق وترجع.

حاول أن يعترض

ــ بس هيج ما يصير يا اخوان، خلوني ألبس ملابسي.

فأجابه أحدهم بصوت حازم:

ــ لا تطولهه، كلنه خمس دقائق وترجع.

خرجت العجوز أم طارق من غرفتها على الضجيج الذي تعالى في الطابق الثاني، رأت صباح بين الرجال الأربعة وهو في معطفه الصوفي المفتوح حيث يبدو جسده عارياً إلا من السروال فسألت برعب:

ــ هاي شصار.. منو انتم.. شتردون من صباح.

فدفعها أحدهم:

ــ هذا موشغلج.

فألحت بالسؤال:

ــ عيني شنو مو شغلي، صباح ساكن ببيتي.

فرد عليها أحدهم:

ــ كلنه هذا موشغلج، هذا شغل الحكومة.

فردت ساخرة وغاضبة في آن واحد:

ــ عيني هاي ياحكومة اللي تاخذ الناس من الفراش مصاليخ.

فصرخ بها أحدهم:

ــ اسكتي وإلا نسكتج بالقوة.

كانوا قد وصلوا إلى الباب الخارجي، خرجوا وصفقوا الباب وراءهم. بقيت العجوز أم طارق وسط باحة الدار، نظرت إلى الطيور السجينة في قفصها، نظرت إلى الطابق الأعلى ثم خفضت بصرها وأطلت بنظرها إلى غرفة علي الفيلي وهاشم، حدقت بالقفص، إقتربت منه ثت فتحت بابه وأطلقت الطيور.

***

كانت السيارة العسكرية تمضي بسرعة على الطريق الاسفلتي الذي يتعرج بين سهول ومنخفضات ترابية. ومن بعيد كانت الجبال تبدو شامخة بقممها الثلجية.

كان عبدالله يواصل القراءة في الكتاب الذي معه وبين فترة وأخرى كان يرمق شيرين بنظرة ألم وتعاطف وكانت شيرين قد تكورت على نفسها مثل طفل في رحم أمه، كانت تبكي بصمت.


***

كان عبدالله ببدلته السوداء وحيداً في قاعة المكتبة الفخمة وكان يستنسخ فقرات من كتاب ما.. دخل رجل نحيل ذو نظرة متوقدة وشعر أشقر إلى القاعة، كان يبدو من هيئته بانه الشخصية المهمة التي يعمل عنده عبدالله كأمين سر.

ــ لست واثقاً من املائك.

فقال عبدالله بهدوء:

ــ أظن ان املائي صحيح.

فقال الرجل وهو يشير إلى الكلمة المكتوبة خطأ:

ــ عندما تنتهي من كتاباتك ابحث في القاموس عن الكلمات التي لا تثق تماماً من صحة كتابتها.

نظر الرجل إلى الساعة الجدارية التي كانت تشير إلى الساعة السادسة ثم ألقى نظرة على ملابس عبدالله وعلق قائلا:

ـ ألم أقل لك بأن عليك أن تكون بملابس السهرة كل يوم تمام السادسة، اليوم أعذرك، والآن دعنا نذهب إلى الصالون فالعائلة والضيوف بانتظارنا.

اتجه الرجل نحو الباب يتبعه عبدالله، أمسك بأكرة الباب فاتحاً اياه.

فتح باب الصالون، دخل السيد، يتبعه عبدالله. كان الجميع قد جلس على المائدة لكن لم يبدأوا بالطعام بعد. جلس السيد وأشار إلى عبدالله بالجلوس على مقعد قريب جنب امرأة قدم عبدالله لها. كانت امرأة ذات قامة طويلة وهيئة مهيبة.

أخذت عبدالله روعة الصالون لكنه وجد نفسه غريباً وسط هذا المجتمع الجديد. كان الجميع يتحدثون بصوت واطىء وبتهذيب منشغلين عنه، وفجأة دخل الصالون شاب وسيم ذو شارب، شاحب اللون، أنيق، ذو رأس صغير، فقالت السيدة صاحبة الدار حينما تقدم الشاب مقبلاً يدها:

ــ دائماً تجعلنا ننتظر يابني.

في هذه اللحظة ذاتها انتبه عبدالله لفتاة شقراء شابة جميلة تجلس قبالته، عرف انها ابنة السيد، لكنها لم تعجبه، وحينما تطلع إليها بانتباه، فكر بانه لم ير في حياته عينين بهذا الجمال، لقد كانتا تلمعان من تأثير ضوء الشمعدان.

قال السيد متجهاً لابنه الذي كان قد وصل متأخراً وهو يشير إلى عبدالله:

ــ أطلب منك الاهتمام بالسيد الجديد الذي ادخلته إلى هيئة أركاني، وأظنني سأجعل منه رجلاً لا يرتكب أخطاء لغوية عندما يكتب.

ثم التفت إلى السيد الذي يجلس جواره قائلاً:

ــ انه أمين سري الجديد.

تطلع الجميع إلى عبدالله الذي أحنى رأسه قليلاً محيياً الضيوف.

فجأة اهتزت المائدة وما عليها من صحون وكؤوس وارتجت، تماسك الجالسون بالكراسي والمائدة.

***

كانت السيارة قد ارتجت واهتزت من أثر وقوفها المفاجىء.. تمسك عبدالله بمقعده وكذلك شيرين حيث أمسكت المقبض الجانبي.

مد عبدالله رأسه مطلاً على جهة السائق وسأل:

ــ هاي شصار، ليش وكفت

فأخرج الجندي السائق رأسه من النافذة الجانبية وأجابه:

ــ مر أرنب من الطريق وما ردت اسحكه.

بعد لحظات سارت السيارة منحدرة حيث اختفت في الطريق الذي يمتد بين تلال ترابية.






( 21 )

التــــعـهــــــــــــد

كان صباح عارياً وهو على الكرسي وسط الغرفة المعتمة أمام الرئيس، وكان الرجال الآخرون الذين اعتقلوه يقفون قرب الباب في العتمة. سأل الرئيس:

ــ يعني انته مو سياسي

فقال صباح:

ــ آني ما اهتم بالسياسة، وانما آني فنان، بالنسبة لي…

فقاطعه الرئيس:

ــ احنه نريدك تصير عضو بالحزب.

فقاطعه صباح:

ــ بس

فرد الرئيس بغضب:

ــ أولاً، لا تقاطعني، ثانياً بلا اعتراضات، لازم تصير عضو بالحزب وإذا ما تحب نعاملك بطريقة أخرى.

قال الرئيس ذلك ومد له ورقة طلب منه التوقيع عليها:

ــ وقع هنا.

أخذ صباح القلم مفكراً، أراد أن يوقع لكنه توقف سائلاً:

ــ وإذا لم أوقع؟

حدق الرئيس به لحظات بصمت ثم أشار بيده للرجال في العتمة، خرجوا لحظات ثم دخلوا. كان كل اثنين منهم يجران شخصاً، ألقيا بالشخصين أمام صباح، لقد عرفهما، انهما جاراه في الطابق الأرضي. كانا أشبه باللحم المدهوس.. كانا مشوهين حد البشاعة من أثر التعذيب.

لم يستطع صباح تحمل المشهد فأمسك بالقلم ووقع بسرعة لكنه ألقى برأسه على الورقة وغطى رأسه بيديه ثم أجهش ببكاء مسموع.

***

من وراء ظهور الكتب كان ثمة باب دخلت منه الآنسة الشقراء (ماتيلده دي لامول) إلى قاعة المكتبة دون أن ينتبه لها عبدالله والرجل الذي حصل له على هذه الوظيفة، حيث كانت رفوف من الكتب تفصلهم. كانت الفتاة قاسية الهيئة متعالية النظرات، باردة بالطبع.. ألقت نظرة على عبدالله والرجل الآخر بكبرياء دون أن يراها. قال عبدالله للرجل:

ــ هل أن تناول الطعام مع السيدة الكبيرة هو واجب علي يدخل ضمن عملي هنا؟

فرد الرجل باستغراب:

ــ على العكس، انه لشرف كبير لك أن تجلس معهم على مائدة واحدة.

فقال عبدالله:

ــ لكنه بالنسبة لي أشق قسم من عملي.. انني أشعر بالضيق حينما أجد السيدة الكبيرة تتثاءب لأنني أحس برغبة في النوم.

سمعت الآنسة هذا الحديث فأحست برغبة بالضحك لكنها منعت نفسها ولم تتنبه إذ سقط كتاب من الرف قربها، انتبها لها فحياها الرجل برأسه ثم خرج. بقي عبدالله مرتبكاً إذ أدرك بأنها سمعت كل شيء غير ان القساوة والكبرياء سرعان ما عادا إلى وجهها رغم أن عينيها الجميلتين المليئتين بالضجر العميق تعلقتا بوجه عبدالله وقالت له بصوت حي خال من الأنوثة:

ــ هل دعيت هذه الليلة إلى الحفلة الراقصة؟

ــ لا آنستي.

فقالت بلهجة جافة:

ــ اعتبر نفسك من المدعوين.

ولم تقف لتسمع جوابه إذ خرجت من الباب الرئيسي بينما وقف عبدالله صامتاً يتآكله الغضب مع شعور بالاهانة.

***

تفتحت الأبواب المتداخلة، وصل عبدالله إلى الصالون، كان منفعلاً من الاعجاب. كان الصالون مزدحماً وكان عدد كبير من الحاضرين يرقصون، أراد أن يعبر إلى الصالون الثاني لكن الازدحام عند المدخل قد أعاقه. فسح الطريق فاستطاع الدخول وقرب المدخل وجد الآنسة كانت تجلس على كرسي وثير يحيط بها عدد من الشبان الأنيقين رأته هي أيضاً فسألته مباشرة:

ــ أيها السيد، ألا ترى ان هذه هي أجمل حفلة خلال هذا الموسم.

لم يرد عبدالله مباشرة، أحست هي بالاحراج فالتفت الشبان ليروا مع من تتكلم.

فقال عبدالله بجفاء:

ــ لا يمكن أن أكون حكما طيبا يا آنستي، فأنا أقضي حياتي في الكتابة وهذه الحفلة الراقصة هي الاولى التي أحضرها.

بدت علامات الاستغراب على وجوه الشبان فقالت ببطء:

ــ يبدو لي أنك تنظر إلى هذه الحفلات بعين فيلسوف، فهذا الجنون يدهشك لكنه لا يسحرك.
في هذه اللحظة اقترب أحد الرجال الأنيقين من الآنسة فما كان من عبدالله الا ان ابتعد باحترام لكن الآنسة ظلت تتبعه بعينيها.. إلى ان بدأ بالحديث مع أحد الضيوف، تفرق الشبان عنها وكذلك ابتعد الرجل الأنيق. اقتربت أمها منها سائلة:

ــ تبدين منزعجة.

فأجابتها الآنسة بلهجة متضايقة:

ــ أشعر بصداع.. الطقس هنا حار.

ثم نهضت متجهة حيث عبدالله والرجل يتحدثان، لم ينتبها لها. بدت وكأنها تتصنت لهما.

قال الرجل لعبدالله وهو يشير إلى أحد الضيوف:

ــ هل ترى هذا الرجل.. انه سفير بلادي. لقد قدم طلبا إلى وزير خارجيتكم يرجوه بتسليمي لحكومته.

فقال عبدالله:

ــ يا للحقارة.

كانت الآنسة تتابع الحديث بكل اهتمام.


فرد الرجل:

ــ لاتزال صغيرا ياصديقي، ان الناس يقومون بأكبر الأعمال قسوة، ليس هذا فحسب وانما دون أن يحسوا بلذة.. ودون أن يتذكروا ما قاموا به، حتى الجرائم.. تصور في هذه الحفلة أستطيع أن أدلك على أكثر من عشرة أشخاص لو حوكموا على أعمالهم لكان جزاؤهم السجن المؤبد، لكن هم أنفسهم نسوا جرائمهم وكذلك نسيها الناس بل أستطيع أن أقول لك، أنا وأنت ربما نكون الوحيدين الطاهرين في هذا الحفل.

ــ ليس هناك أصح من هذا الكلام.

التفت الرجل إلى الآنسة (ماتيلده دي لامول) بدهشة، أما عبدالله فلم يعرها نظرة واحدة وانما واصل حديثه معلقاً على حديث الرجل وقد ملأ الغضب عينيه:

ــ هكذا يسير العالم، لعبة شطرنج.

وعبرت عيناه عن نيران وعيه واحتقار لأحكام البشر العبثية. وفي هذه اللحظة تلاقت عيناه، مع عيني الآنسة. فازداد هذا الاحتقار حدة. أحست الآنسة بصدمة عميقة ولم يكن باستطاعتها أن تتجاهل نظراته فابتعدت بحزن يخالطه غضب مكتوم.

قال الرجل:

ــ انها حفلة رائعة لكن تنقصها الأفكار.

***

ــ هذا ما كان ينقصنا، شنو انتي خرسه، ليش ما تتكلمين.

قال النقيب المسن لشيرين التي كانت تقف وسط الغرفة وكان ضابط الخفر جالساً على كرسي جانبي.

لم تجب شيرين بأي شيء، كانت صامتة وفي نظراتها ألم وحزن وضياع. وكان ضابط الخفر جالساً على كرسي جانبي، قال النقيب:

ــ لا حول ولا قوة إلا بالله، يابنتي اتكلمي.. اذا ما تعرفين عربي نصيح مترجم.

ظلت شيرين صامتة وكأنها غير المقصودة بالكلام. التفت النقيب إلى ضابط الخفر:

ــ التقرير يشير على انها احدى الخطيرات، وانها تعمل بالسر مع البيشمركة وتنقل الرسائل بين منظمات البيشمركة بالجبل والمدينة.

نظر الضابط إلى شيرين وقال بسخرية ووقاحة بعد أن أطلق صفيرا من فمه:

ــ كل هذا الجمال وهيجي مخربة خطيرة.

نظر النقيب اليها نظرة اشفاق وقال:

ــ دافعي عن نفسج يابنتي لانه باجر نحولج لسجن الموصل.

لم تفهم شيئاً مما كان يقال لها.. كانت نظراتها تائهة:

ــ خذهه سيد عدنان إلى غرفة السجن وبلغ الجندي المرافق أن يواصل الايفاد وياخذهه لسجن الموصل.

نهض ضابط الخفر وأدى التحية للنقيب وأشار لشيرين بيده كي تسير أمامه فاستدارت خارجة خلفه.

***

دخلت الآنسة (ماتيلده دي لامول) إلى المكتبة، كانت ترتدي ثوباً أسود، لم ينتبه عبدالله لها، كان غارقاً في أحلامه، وقفت أمامه لكنه لم ينتبه، وفجأة انتبه لوجودها فانطفأ بريق الحلم في عينيه… انتبهت الآنسة لذلك فسألته بمرارة وخيبة:

ــ أرجو أن تحضر لي الكتاب الذي سألتك عنه أمس.

نهض عبدالله وأحضر سلماً طويلاً. قرب عبدالله السلم من الرفوف وأحضر المجلد وأعطاه لها دون أن يستطيع التفكير بها. كان لايزال مستغرقاً في تفكيره، وإذ كان يعيد السلم إلى مكانه اصطدم كوعه باحدى مرايا المكتبة فاستيقظ من تفكيره وهو يستمع لتحطمها على الأرض، فسارع بالاعتذار لها. تطلعت الآنسة إليه طويلاً ثم ذهبت ببطء.

جلس عبدالله إلى مكتبه وغرق في أفكاره ثانية، عادت الآنسة ولم ينتبه لها، اقتربت منه.. وقفت أمامه وسألته:

ــ لاشك أنك تفكر بأشياء مهمة؟

لم يجبها وانما نهض ليرد كتاباً كان على المكتب إلى الرف. بقي مديراً لها ظهره، نظرت اليه بتوسل. استدار فجأة وقال وهو يقترب منها:

ــ هل تسمحين لي بالذهاب.. أرجو أن لا يكون قلة ذوق مني في أن أتركك وحدك.

أراد أن يمر من أمامها، فشدت على ذراعه بقوة وهي تقول بصوت ذائب مليء بالانفعالات:

ــ ستتلقى هذه الليلة رسالة مني.

ثم ابتعدت هاربة. وقف عبدالله مندهشاً، صفقت الآنسة الباب وراءها.



( 22 )

جـحيـــــــم الـضــعـــف

كان عبدالله مستلقياً على السرير غارقاً في القراءة بينما مازال السرير الآخر فارغاً، حينما دخل الغرفة جندي غريب. انتبه عبدالله للجندي الداخل. كان الجندي الآخر نحيلا، وعابس الوجه وقاسي النظرات، ألقى نظرة عابرة لكنها متفحصة على عبدالله ثم جال بنظرته في أرجاء الغرفة مستقراً بها على عبدالله ثانية. قال وهو يتجه نحو سريره:

ــ السلام عليكم.

ــ وعليكم السلام.

أجابه عبدالله وهو مستمر بالقراءة، انتبه للحظة تاركاً الكتاب. جلس الجندي على السرير الفارغ وبدأ يخلع حذائه العسكري. صمت عبدالله وهو ينظر اليه منتظراً أن يواصلا الحديث ويتعارفا، لكن الجندي الآخر كان منهمكاً بنفسه وغارقاً في أفكار عميقة. انتهى من خلع حذائه واضطجع على السرير دون أن يقول أية كلمة. ظل عبدالله منظرا لكن الجندي الآخر إستمر في صمتهً فواصل عبدالله قراءته متنقلا بين صفحات رواية (الأحمر والأسود) لستندال التي لم تفارقه طوال رحلته .

***

تقدم أحد خدم المنزل من عبدالله وأعطاه رسالة، كان وجهه متوتراً وعصبياً، فتح الرسالة وقرأها، انبسطت أساريره وارتسمت الفرحة على وجهه وأخذ يرقص في الغرفة وحيداً. توقف، جلس على الكرسي خلف المكتب وأخذ يفكر، فجأة وقف ثم خرج مهرولاً إلى الحديقة. كان ظلام الليل قد غمر كل شيء، نظر إلى نافذة احدى الغرف في الطابق الثاني من المنزل، كانت الآنسة خلف ستائر النافذة تبدو وكأنها واقفة تنتظر، تحرك إلى احدى زوايا البيت وعاد بسلم طويل، التفت حذراً ثم ألقاه إلى الأرض تحت النافذة، تعالى سعال حاد.

***

تعالى سعال الجندي الآخر بشدة، جلس على السرير حانياً رأسه إلى الأرض، قطع عبدالله القراءة ناظراً إليه، انقطع السعال، نظر الجندي الآخر إلى عبدالله وفي عينيه نظرة ود:

ــ اعذرني عن الازعاج.

ابتسم عبدالله وهو يلقي الكتاب جانبا قائلاً:

ــ لا أبداً، ماكو كل ازعاج.

ظل الجندي صامتاً ينظر للأرض ثم التفت إلى عبدالله سائلاً:

ــ انته جاي ايفاد مثلي؟

ــ نعم، هاي أول ليلة آني هنا بالفيلق الأول وليلة سابقة جنت بالفرقة السابعة وباجر راح أروح للموصل.

ــ يعني صارلك فترة قصيرة، آني صار لي اسبوعين.

فسأل عبدالله باستغراب:

ــ اسبوعين؟

ــ بلى، اسبوعين، ما أكدر أتحمل أكثر.

ثم التفت بشكل مفاجىء متجهاً لعبدالله:

ــ صار لي اسبوعين جاي ايفاد مع امرأة كوردية حامل بالشهر الرابع أو الخامس، رجلهه بيشمركة اجتنه اخبارية بان زوجهه موجود بالقرية جاي يشوف زوجته وأطفاله بالسر، رحنه أكثر من خمسين جندي مسلح مع ثلاثة ضباط، هجمنه عله القرية، طوقنه البيت وفتحنه النار، مات الزوج وأطفاله وبقت بس زوجته الحامل وصار اسبوعين اتنقل بيهه بين اللواء والفرقة والآن بالفيلق، وكلما نوصل لمكان يغتصبون المره وهي حامل. بالفرقة السابعة بقت اسبوع، اخذوهه ثلاثة ضباط، عروهه واغتصبوهه ثلاثتهم سوه، المره راح تتخبل، صار لي أيام، قبل شوية سمعت صار عدهه نزيف حاد. يا إلهي وين العدالة.

ثم أخذ يسعل ثانية، تأثر عبدالله جداً، الا ان الجندي لم يشأ أن يواصل الحديث وانما سأل:

ــ عندك جكاير؟

ــ مع الأسف، ما أدخن.

لبس الجندي حذاءه العسكري ثم قام خارجاً وهو يقول:

ــ راح أدور عله جكاير، إذا سألوا عني، اني بالحانوت
.
ثم خرج.. بقي عبدالله مستلقياً على سريره.

***

دخل ضابط الخفر إلى غرفة السجن ـ نظر إلى السرير الفارغ، كانت شيرين ملتفة ببطانية ومتمددة على الأرض، رفعت رأسها بخوف، رأت الضابط، كان عند الباب، أغلقه وأسند رظهره إليه، نظر اليها بشبق، عرفت نواياه فالتفت حول نفسها بالبطانية. أغلق الضابط الباب بالمفتاح، قفزت شيرين وهي ملتفة بالبطانية لائذة بالزاوية.


***

عند الحانوت كان الجندي النحيل يدخن سيجارته وكان ثمة صوت خافت لأغنية عربية ينبعث من مذياع في الحانوت. علت صرخة نسائية انتبه الجندي على اثرها، التفت إلى جهة الصوت، شعر بالقلق.. ألقى سيجارته على الأرض منفعلاً، سحقها بقدمه ومشى مختفياً في الظلمة باتجاه غرفة السجن.

***

رفع عبدالله وجهه إذ رأى الآنسة تدخل، وقفت أمامه وقالت:

ــ هل تشك بعد اليوم بحبي؟

انتبه عبدالله لها ولم يجب فواصلت:

ــ انني حامل.

أصيب عبدالله بدهشة وقال:

ــ ماذا؟

لم تهتم هي لارتباكه وانما استمرت بحديثها:

ــ سأكتب عن ذلك لوالدي، انه أكثر من أب لي.

فقال عبدالله برعب:

ــ يا إلهي، ماذا تريدين أن تفعلي.

فردت وعيونها تلمع بالفخر والفرح والاباء:

ــ ان من واجبي أن أخبره، ان هذا من حقه، يجب أن يعلم، سأعطيك ذراعي ونخرج من الباب الرئيسي في وضح النهار.

دهش عبدالله وقال:

ــ ولكن هذا جنون وتهور.

ــ لن أستطيع أن أخفي ذلك عنه، ان من واجبي أن أخبره ومن حقه أن يعرف.

***

ــ البنت الكوردية اللي جبتهه ايفاد جانت تصرخ؟

قال الجندي النحيل ذلك لعبدالله.. فوجىء عبدالله لانه لم ينتبه للجندي حينما دخل، ارتبك.. كان تائهاً ما بين أحداث الرواية الشيقة التي تقمص روح بطلها وما سمعه من الجندي فقال:

ــ شنو، شتكول؟

فقاطعه الجندي الآخر:

ــ أعتقد، ضابط الخفر اغتصبها.

تاهت نظرات عبدالله، جلس بنصف جسده على السرير، لبس حذاءه العسكري وكأنه يتأهب للخروج، لكنه ظل جالساً على السرير. أخرج الجندي الآخر علبة سجائره، قدم واحدة إلى عبدالله، لكن عبدالله كان غارقاً في أفكاره فلم ينتبه له ولم يرد على حركته، سحب الجندي الآخر يده، ثم أشعل سيجارة لنفسه، بعد لحظات قال بصوت واطىء:

ــ مساكين الأكراد، خاصة النساء الكورديات.

فقال عبدالله بحذر وبصوت بطىء وواطىء:

ــ العالم كله متورط بالمذابح والدم، كلنا ظالمين ومظلومين، ندور بدوامة القتل، ماكو عداله.

فقال الجندي الآخر بمرارة وكأنه يواصل حديث عبدالله:

ــ تصور هاي الأرض شكد صغيرة، ذرة رمل بهذا الكون الهائل، بس انظر بهاي ذرة الرمل شكد احنه متوزعين إلى شعوب ودول، نتقاتل، نذبح بعضنا البعض.

فجأة دخل رئيس العرفاء فنهضا واستعدا له عسكرياً فقال رئيس العرفاء موجهاً كلامه للجندي الآخر:

ــ حضر حالك وياي لضابط الخفر.

فسأل الجندي:

ــ صار شي؟

فقال رئيس العرفاء بلا مبالاة:

ــ المرة الكوردية الحامل ماتت، صار عدهه نزيف حاد، نزل الجنين ميت وهي ماتت بعده بدقايق.

صعق الجنديان من الخبر لاسيما الجندي النحيل، واصل رئيس العرفاء بلا مبالاة وهو يخرج:

ــ حضر حالك حته ترجع لوحدتك هسه، لا تنسه بندقيتك، اخذهه من المشجب.

لم يستطع الجندي الآخر أن يتمالك نفسه، أخذ طاقيته، وقال وهو يصرخ:

ــ جبناء، فاشست

جلس عبدالله للحظات مفكراً ثم أخذ الكتاب ليواصل القراءة.

***

كانت شيرين متكورة على أرض الغرفة . كانت تبكي دون صوت مسموع وكان وجهها رغم الألم والدموع يعبر عن الاستسلام والانهيار النفسي التام.

فتح الباب، دخل رئيس العرفاء، نظر إلى شيرين، أغلق الباب بالمفتاح من الداخل بسرعة واقترب منها، رأته.. حاولت أن تنهض لكنه أسرع فأمسك يديها ممددا إياها على أرض الغرفة فتح فخذيها داخلا بجسده بينهما. طوى يديها وأمسك بهما بيد واحدة بينما راحت يده الأخرى تفك أزرار بنطاله، كانت هي تقاوم بيأس مقاومة الذبيحة.


***

دخل عبدالله، كان السيد الكبير (المركيز دي لامول) في هياج فظيع، نظر إلى عبدالله نظرة شرسة مليئة بالغضب والحقد ثم انهال عليه بالشتائم:

ــ أنت أيها التافه، الضئيل، النكرة، أيتها الحشرة، كيف تجرأت على ذلك؟

كان عبدالله هادئاً ومستسلماً دون أية علامة من الغضب ثمة ارتياح نفسي يرتسم على وجهه… قال وكأنه يستدر عطفاً أو يعترف بذنب:

ــ لست ملاكاً، قمت بخدمتك على أحسن ما يرام ودفعت لي أنت بسخاء لم يكن أحد يفهمني في بيتك إلا أنت وتلك الفتاة الحبيبة.

فصرخ السيد الكبير:

ــ أيها الوحش، كان عليك أن تهرب في اليوم الذي وجدت فيه حبيبة.

ــ لقد حاولت، طلبت منك حينذاك أن أرحل لكنك منعتني، لم أكن أقدر حينها أن أصرح لك بالسبب.

صمت (المركيز دي لامول) لحظة ثم واصل هيجانه:

ــ ولكن بماذا ستسمي ابنتي، أي لقب ستحمل.. لقبك التافه المغمور.. لا.. يجب أن تهرب.. تغور في أعماق الأرض قبل أ، أصب عليك غضبي.

في هذه اللحظة دخلت الآنسة (ماتيلدة)، صمتا كلاهما للحظة، كان الجو متوتراً، لم تدر هي كيف تبدأ لكنها أدركت بأن ثمة حواراً ساخناً دار بينهما فقالت دون مقدمات لوالدها:

ــ إذاً مات سأقتل نفسي، وإذا ما أبقيت على نفسي من أجل ابني الذي في احشائي فانني أقول لك انني سألبس السواد حداداً عليه طول عمري وسأحمل لقبه ما حييت ولتتكلل أنت وألقابك بالعار والشماتة.

كان الأب في غاية الانفعال لكنه فوجىء بغضب ابنته ومواجهتها له فقال لها بعصبية وهو يدير لها ظهره:

ــ سأكتب لك وثيقة تؤمن لك مدخولاً سنوياً كافياً يبعد عنك وعن صاحبك هذا غائلة الموت جوعاً.

فقالت الآنسة بتحد لاسيما بعد أن أحست بأنه ضعيف أمامها لشدة حبه لها:

ــ انني لا أكتفي بهذا وانما أطمع بأكثر، أريدك أن تحضر حفل زواجنا.

فالتفت إليها برعب قائلاً:

ــ هذا مستحيل.

نظرت إليه بشجاعة وقالت:

ــ هذا ليس بمستحيل على أب يحضر حفل زواج ابنته.

صمت الأب لحظة ثم قال:

ــ لقد أرسلت من يسأل عنه ويأتيني بمعلومات كافية عنه، لكنني سأعطيك شهادة بتعيينه فارساً في فرقة الفرسان الخفيفة، لا تعارضيني ولا تسأليني أكثر، اذهبي قبل أن يعميني الغضب فأغير رأيي.

نظرت إليه بحنان ثم التفتت إلى عبدالله ونظرت إليه نظرة انتصار، وفي هذه اللحظة دخل رجل وبيده رسالة مغلقة، نظر الأب إلى الرجل بقلق ثم إلى يده فتقدم إليه مسرعاً وهو يقول:

ــ لقد جئت أخيراً

أخذ الرسالة وتنحى جانباً فاتحاً اياها قارئاً لها:

خيم صمت للحظات وفجأة استدار الأب باتجاههم ووجهه يرتجف من الألم والغضب:

ــ عليك لعنتي أيها السافل.

ثم نظر إلى ابنته قائلاً:

ــ قولي له أن يغرب عن وجهي… لتبتلعه الأرض.

فوجئت الآنسة، أدركت بأن ثمة كارثة قادمة فسألت:

ــ ما الذي جرى؟

فقال الأب وهو في حالة هيجان:

ــ لقد كتبت السيدة التي كان يعمل مربياً لأولادها رسالة جوابية على بعض استفساراتي.. انها تكتب بانه استطاع بجشعه وأنانيته واسلوبه الملتوي أن يغوي امرأة ضعيفة تعيسة، أن يستغلها ليكون لنفسه مستقبلاً وليصبح رجلاً مهماً.. انها تكتب بانه نذل ودنىء.

في هذه الأثناء كانت شفاه الآنسة ترتجف من الألم، نظرت إلى عبدالله نظرة غضب متسائلة تبحث عن توضيح بينما كان عبدالله يغتلي غضباً، لم يقل شيئاً، نظر إليهم نظرة غاضبة مليئة بالمرارة وغادر الغرفة صافقاً الباب بقوة، انذهل الجميع.

***

فتح الباب، دخل ضابط الخفر، فوجىء عبدالله فنهض مسرعاً، لبس حذاءه العسكري على عجل مؤدياً التحية. نظر ضابط الخفر إليه، جال بنظره في الغرفة بسرعة خاطفة ثم سأل:

ــ وين جارك؟

ــ راح يستلم بندقيته من المشجب سيدي.

ــ استلم بندقيته من المشجب بس اختفه، السيارة تنتظر.. لازم يرجع لوحدته… وين راح.

لم يدر عبدالله بماذا يجيبه فظل صامتاً، نظر الضابط إليه بلا مبالاة ثم قال وهو يخرج:

ـ إذا رجع كله السيارة تنتظر عند الحانوت.

أدى عبدالله التحية ثانية وهو يقول:

ــ صار سيدي.

خرج الضابط، أطلق عبدالله زفيراً حاداً من رئتيه ثم جلس على سريره، لم يتمدد، ظل بحذائه العسكري جالساً، أخذ الكتاب وفتحه مفتشاً عن الصفحة التي انتهى إليها.

***
كانت السيارة العسكرية عند الحانوت تهدر بصوت عال وكان سائقها الجندي يدخن سيجارته بعصبية. جاء جنديان وهما بكامل عدتهما العسكرية، اقترب أحدهما من السائق بينما صعد الثاني إلى القسم الخلفي من السيارة. قال الجندي للسائق:

ــ ها ما اجه؟

فقال السائق بعصبية:

ــ لا.. صار ساعة انتظر.

ــ اسمع، طفي السيارة وأمشي نشرب جاي بالحانوت إلى أن يجي. هو يعرف السيارة تنتظر عند الحانوت.

سحب السائق نفساً طويلاً من سيجارته ثم قال:

ــ خوش فكرة.

اطفىء محرك السيارة، هدرت ثم همدت. نزل السائق عن مكانه ودخل مع الجندي إلى الحانوت.


***

عند الباب الخارجي لبيت (مدام دي رينال)، كان عبدالله ينتظر. لم يكن ثمة أحد في البيت، فالنوافذ مطفأة الضوء وكذلك الحديقة معتمة. فجأة سمع صوت ضجيج عربات وجياد قادمة، تنحىجانباً عن الباب، وقفت عربتان، نزلت (مدام دي رينال) مع امرأة أخرى ومن العربة الثانية نزلت امرأتان ورجلان. اتجه الجميع نحو باب الدار فظهر عبدالله من مكانه، رأته السيدة، فوجئت.. نظرت إليه بحنان وغفران وكأنها أدركت بأنه جاء لينتقم منها، وبسرعة خاطفة أخرج عبدالله مسدساً وأطلق عليها. دوى صوت الطلقة في سكون الليل.

***

قال السائق لصاحبه وهما يحتسيان الشاي:

ــ سمعت صوت طلقة.

فقال الجندي فزعاً:

ــ اني أيضاً سمعت، امشي نروح نشوف.

نهضا خارجين، كان ثمة هرج في المعسكر وصفارات انذار، كان ضابط الخفر يهرول باتجاه غرفة السجن، فهرول الجنديان خلفه، جاء عبدالله مهرولاً أيضاً… سأل وهو في طريقه أحد الجنود مستفسراً:

ــ شصار

فقال الآخر بعجلة:

ــ جندي انتحر يم السجن.

اتجه عبدالله مهرولاً باتجاه غرفة السجن، رأى جنوداً يقفون على شكل دائري، اقترب أكثر وأطل على وسط الدائرة، كان جاره الجندي النحيل ملقى على الأرض وبجنبه بندقيته، نظر عبدالله إليه بتأثر ودون أن يقف طويلاً انسحب حزيناً عن تجمع الجنود متجهاً إلى غرفته حيث اختفى في الظلمة.

كان المعسكر يبدو من السماء غارقاً في ظلمة حالكة سوى جثة الجندي القتيل كانت تتألق في دائرة من الضوء.







( 23 )

رمـــــاد النــــــار الــقـــــادمــــة

كان عبدالله في الزنزانة الحجرية وحيداً، يبدو الذهول والقلق على وجهه، نهض واقفاً وأخذ يتجول في الزنزانة الضيقة جيئة وذهاباً، مرت لحظات. جلس ثانية على المصطبة التي كانت بمثابة السرير.

سمع قلقلة مفاتيح عند باب الزنزانة، دخل السجان ثم تبعه رجلان يبدو أحدهم من ملابسه بأنه قاضي السجن أما الآخر فكاتب الاستجواب. نظر القاضي بامعان إلى عبدالله فلم يستطع عبدالله تحمل نظراته الدارسة المتفحصة فقال بعصبية:

ــ لقد قتلت عن سابق تصميم واصرار فماذا تريد بعد، ها انني اعترف أمامك بأني قاتل؟

نظر القاضي إليه بنفس النظرة ثم ابتسم قليلاً وقال:

ــ أنت لست بقاتل وانما حاولت القتل.


فوجىء عبدالله، تغيرت ملامحه فجأة، وكأنه لم يفهم، نظر القاضي إليه ثم استدار خارجاً يتبعه الكاتب. ظل عبدالله جالساً على سريره الحجري مذهولاً بينما وقف السجان ينظر إليه مبتسماً بتملق، فجأة انتبه عبدالله إلى السجان، أراد أن يقول شيئاً فلم يسعفه لسانه فأشار بيده وكأنه يطلب تفسيراً لكلام القاضي فقال السجان على عجل:

ــ ان السيدة التي أطلقت النار عليها لم تمت من أثر الرصاص، لقد جرحت في كتفها فقط.

أحس عبدالله برغبة بالبكاء والضحك معاً فنهض وأخذ يدور في الزنزانة فرحاً.

ــ يا إلهي، انها لم تمت, لم تمت, شكراً لك ياربي، ستعيش اذن لتغفر لي غلطتي المرعبة.

نظر عبدالله إلى الحارس نظر شاكرة.

***

كانت شيرين قد جلست القرفصاء في احدى زوايا القسم الخلفي من السيارة، انتبهت كان عبدالله ينظر إليها، نظرت إليه بوجل أول لحظة ثم لانت نظراتها شيئاً فشيئاً فأصبحت أكثر اطمئناناً. كانت شيرين تفكر وهي تنظر إليه بانه الوحيد الذي لم يسىء إليها بل كان يحاول مساعدتها رغم انهما لا يفهمان لغة بعضهما. لكنها فكرت بانه عسكري مثلهم ومسلح فانكمشت لأعماقها ثانية.

ارتبك عبدالله عند انكماشها فقد كان يود أن يفهمها بانه معها، وانه متعاطف مع همومها لكنه لا يستطيع عمل شيء لمساعدتها، انه ليس سجانها وانما هو سجين مثلها.

فجأة استدارت السيارة أمام مقهى على الطريق كانت ثمة سيارة عسكرية محملة بالجنود بأسلحتهم ومصفحتان عسكريتان تقفان على بعد أمتار من المقهى.

نزل السائق من مكانه وقد كان مسلحاً بمسدس يحمله بنطاقه، اتجه نحو المقهى بينما بقي عبدالله وشيرين في مكانهما. أطل عبدالله برأسه خارج السيارة فرأى هرجاً أراد أن ينزل لكن السائق عاد مسرعاً وقال:

ــ لا تنزل.. راح نتحرك.

ــ ليش.شصار، خل نشرب جاي.

ــ لا جاي ولا بطيخ، شوف هذا الازدحام.

ــ شصار؟

ــ ما أدري

ــ واحد عربي من الجنوب، قتل أخته ورجلها اللي حبته وشردت وياه.. يكولون صاره سنه يدور وراهم وهسه لكاهم.

ــ وشلون عرف هم هنا.

ــ ما أدري.

ثم صعد السائق إلى مكانه فتحركت السيارة متوجهة نحو الطريق العام.

***

في غرفته، كان صباح بوجهه غير الحليق عارياً إلا من سرواله الداخلي منهمكاً برسم لوحة فنية تتضمن أجساداً بشرية تعاني من التمزق والحصار، كان منفعلاً وهو يضع لمساته الأخيرة عليها، سمع رنين جرس الباب الرئيسي، وضع فرشاته ولوحة الأصباغ جانباً وخرج من الغرفة ليرى من الداخل. أطل من السياج الواطىء الذي يطل على الباحة فرأى رجلين من رجال المخابرات يدخلان، نظر أحدهم إليه مبتسماً، ناداه من الأسفل:

ــ أهلاً أستاذ صباح.

ابتسم صباح بمرارة ودخل الغرفة.

دخل الرجلان غرفة أم طارق التي كانت تشرب الشاي في غرفتها، فوجئت لدخولهما:

ــ عيني هاي شنو، منو انتم، دحك، ما يستحون يدخلون قبل ما يستأذنون.

ابتسم الرجلان لها:

ــ مساء الخير أم طارق.

ــ مساء النور، بس جنابكم منو؟

ــ احنه من وزارة الصحة.

ــ من وزارة الصحة ليش جايين عندي، شنو دتشوفون نظافة البيت؟

ــ لا أم طارق، اجينه نسأل على عناوين أهل علي الفيلي وهاشم اللي جانو ساكنين عندج.

نظرت إليهما بريبة ثم قالت:

ــ ليش شصار، آني أدري واحد أخذته الحكومة وواحد صارله أيام مسافر.

ــ ما صار شيء، مجرد حادث بسيط نقلناهم على اثره للمستشفى، وهسه نريد نعرف عناوين أهلهم حته نخبرهم.

ــ شنو همه ما يكدرون يحجون، اسألوهم.

نظر الرجلان لبعضهما ثم قال أحدهما:

ــ سوولهم اليوم عملية جراحية وبعدهم لحد هسه تحت البنج.

ــ بس اني، تردون الصدك، دا اشك بكل حجيكم.

نظر الرجلان لبعضهما ثم خرجا دون أن يجيبا عليها.


***

سمع صباح طرقاً على باب غرفته وصوت يسأل.

ــ ممكن أستاذ صباح.

ــ تفضلو.

دخل الرجلان إلى غرفة صباح، كان منهمكاً بالرسم، استدار أحدهم ليرى اللوحة التي يرسمها صباح.

ــ أووه… يا للروعة… يا للجمال.

استدار الرجل الثاني ليرى اللوحة، كانت منظراً طبيعياً مليئاً بالأزهار الأشجار والسواقي.


***

فتح باب الزنزانة، دخلت (ماتيلدة دي لامول). كان عبدالله واقفاً وقد أدار ظهره للباب، التفت، فوجىء، ركضت هي وألقت بنفسها بين ذراعيه، كان وجه عبدالله لا يعبر عن الشوق بل كان ثمة برود في عينيه لكنه وجد من غير اللائق أن لا يجيب على حرارة شوقها وعواطفها فأخذ يربت على كتفيها. ثم فجأة نظر إلى وجهها ماسكاً بها من كتفيها، كان وجهها حزيناً فقال لها:

ــ ان المستقبل يرتسم أمامي بوضوح، انني سأموت، وعليك أن تتزوجي بعد موتي، لكن كأرملة يكفيك هذه التضحيات. مجيئك كان خطأ، اذا علم الناس فستكون ضربة قاسية أخرى لأبيك.

ابتعدت خطوة للوراء وقالت:

ــ لا يهمني ما يقال وما سيقال، انني أقوم بواجبي نحو الرجل الذي أحبه، ان ما قمت به ليس جرماً وانما مجرد انتقام نبيل يدل على عزة نفسك وقلبك الكبير البطولي.

أدار عبدالله لها ظهره وقال بحزن:

ــ لقد تعبت من البطولة، انني أحتاج إلى الحنان أكثر مما احتاج إلى البطولة، أنا لا أحتاج لجمهور، أنا لست ممثلاً.

نظرت إليه بحنان يمازجه الحزن وقالت:

ــ لا تدع اليأس يدب إلى قلبك.

وفجأة سمعا هديراً فالتفتا.


***

وقفت السيارة العسكرية، أطل عبدالله من جانب السيارة برأسه، رأى السائق وهو يصافح عسكرياً آخر وكأنهما أصدقاء قدماء لم يلتقيا منذ زمن طويل:

ــ هاي شجابك هنا, انته موجنت بغداد.

فرد العسكري الآخر:

ــ نقلوني، صار لي شهرين هنا، وين رايحين هسه.

ــ للموصل.

ــ للموصل؟ لازم تباتون هنا بالنقطة العسكرية، لأن الطريق خطر بعد الساعة ستة.

ــ بس شلون نرجع وصارلنه أكثر من ثلاثة ساعات نمشي بالطريق؟

ــ لكن ما كو معسكر بالطريق تكدرون تنامون بي، يعني انتو راح توصلون بالليل والطريق خطر، لأن العصاة الأكراد بعد الساعة ستة يقطعون الطريق.

ــ شنو الحل.

ــ ما أدري، إذا مشيتو ترى عله مسؤوليتكم.

نظر السائق إلى عبدالله المطل برأسه جانباً وسأل:

ــ انته شتكول؟

فكر عبدالله لحظة ثم قال:

ــ نطلع عله مسؤوليتنا.

نظر الانضباط العسكري إليهما وهز كتفيه:

ــ هذي مغامرة، الأوامر تأكد بعدم التحرك بعد الساعة ستة.. عله مسؤوليتكم.

صعد السائق إلى مكانه ثم أغلق الباب فهدرت السيارة، أخرج السائق رأسه وقال للعسكري الآخر:

ــ سلملي عله الأهل وكلهم اجازتي بعد اسبوعين.

فحرك العسكري يده مودعاً وقال:

ــ صار

***

نزلت دموع على كف عبدالله فاستيقظ من نومه فجأة، فرأى (مدام دي رينال) التي صرخت مرتمية على قدميه وهي تقول باكية:

ــ ها أنا أراك مرة أخرى.. هل هذا حقيقة؟

ارتبك عبدالله وقال بخجل:

ــ عفواً ولكنني لست سوى قاتل في نظرك.

فاختنق صوتها بالدموع:

ــ ياحبيبي

فقال وهو يرفعها لترتمي بين ذراعيه.

ــ هل هذا يعني بانك سامحتني؟

فضمته هي بدورها وهي تقول:

ــ أنا التي تطلب السماح، لقد أسأت اليك لكنني كنت مجبرة على كتابة الرسالة المخزية.

فصرخ عبدالله من الفرح والانفعال وهو يضمها إليه فندت عنها صرخة، ارتبك هو فقالت له:

ــ ليس شيء يذكر.

فأخذ يقبل يديها وهو يقول:

ــ هل أصبت كتفك؟

فقالت له وهي تقبله:

ــ أنا المذنبة.

أخذ عبدالله يديها ونظر إلى وجهها الجميل وقال بعمق وهدوء:

ــ اعلمي انني احبتتك دائماً ولم أحبب غيرك مطلقاً وحتى عندما أطلقت عليك النار كنت أعلم بانني أحبك.

اغرورقت عينا السيدة بالدموع والحنان وبعد لحظة قالت بدلال:

ــ وتلك الآنسة الشقراء؟

ــ انها زوجتي، لكن أنت حبيبتي وأكثر.

فضمته إلى صدرها.

***

وقفت السيارة العسكرية متنحية إلى جانب الطريق، كانت الشمس وقت الأصيل، نزل السائق من مكانه، أطل عبدالله برأسه من جانب السيارة فالتفت السائق إليه وقال:

ــ هسه، اجي، راح أبول.

ومضى السائق هابطاً من جانب الطريق حيث أقعى جالساً على الأرض. نظر عبدالله إلى شيرين بطيبة ولأول مرة نظرت هي إليه بلا خوف، ثم فجأة تاهت نظراتها في البعيد، نظر عبدالله باتجاهها.

***

رأى عبدالله صفاً من القضاة والمحامين ورجال القانون وإلى جانبهم رأى الملازم صلاح رشيد وضابط الخفر في الفرقة السابعة وكذلك ضابط الخفر في الفيلق الأول ومراتب عسكرية عديدة.
كان عبدالله وحيداً في قاعة كبيرة وواسعة وخالية من الجمهور بل كانت مزدحمة بالجنود المسلحين والمصوبين رشاشاتهم نحوه من كل زاوية. نظر عبدالله إلى قضاته نظرة جريئة وملتهبة ثم قال بصوت عال:

ــ أيها السادة، لي الشرف بعدم الانتماء إلى طبقتكم.

فنهض الجميع من قضاة ومن جلس جنبهم من ضباط ونظروا إليه بغضب بينما صوب الحرس المسلحون رشاشاتهم نحو عبدالله الذي كان في قفص الاتهام وأطلقوا سيلاً من الرصاص.

***

أصاب الرصاص زجاج السيارة فسمعه عبدالله يتهشم، قفزت شيرين لائذة قرب عبدالله، فجأة أحاط البيشمركة السيارة وكانوا بملابسهم الكوردية ومسلحين بشكل كثيف. صرخ به أحدهم بعربية سليمة:

ــ انزل

تطلع عبدالله إليهم أول الأمر بارتباك ثم هدأت نظرته، رفعت شيرين رأسها، نظروا إليها، أنزل أحدهم الحاجز الخلفي، تحرك عبدالله نازلاً والبندقية مازالت معلقة على كتفه.

عرف رجال البيشمركة بأن شيرين كوردية من ملابسها فقال لها أحدهم بالكوردية:

ــ انزلي أيتها الأخت.

ومد لها يده، ترددت أول الأمر، نظرت اليهم ثم بعد لحظة مدت يدها ونزلت.

ظل عبدالله وسط رجال البيشمركة الذين أحاطوا به على شكل نصف دائرة وهيأ البعض رشاشه للاطلاق… انتبهت شيرين لنواياهم فوقفت مباشرة أمام عبدالله وغطت جسده بجسدها، أرادت أن تتكلم فلم تستطع وانما اغرورقت عيناها بالدموع وارتجفت شفتاها. نظر رجال البيشمركة بعضهم لبعض واخفضوا أسلحتهم. فجأة صرخ عبدالله:

منو منكم يحجي عربي؟

فأجابهم أحدهم:

ــ آني عربي من الجنوب، شتريد؟

فقال عبدالله:

ــ آني اسمي عبدالله آدم، جندي مكلف، خريج معهد الفنون الجميلة، أطلب منكم لا خوفاً من الموت ولا محاولة لاسترضيكم، بأن أكون وياكم، واحد منكم. يكولون عنكم عصاة ومخربين وبس آني، بعد ما شفت بعيني الكثير من الظلم والطغيان، أحس بالشرف بالانتماء إلى صفوفكم. ولم يكمل عبدالله جملته إذ دوت طلقة أصابته في البطن، وكانت ثمةصرخة بالعربية مع صوت الاطلاقة:

ــ خائن.

التفت البيشمركة لمصدر الصوت وأطلقوا سيلاً من الرصاص فتدحرج السائق ميتاً.

جلست شيرين على الأرض، وضعت رأس عبدالله في حجرها، نظر إليها عبدالله بألم محاولاً الابتسام.. غامت عيناه.. رأى وجه السيدة.. كانت شيرين تذرف الدمع. وكان وجه السيدة يذرف الدمع.

كان عبدالله متمدداً على الأرض ورأسه في حجر شيرين، جلس البيشمركة على الأرض نصف جلسة على شكل دائري، أخذ عبدالله يد شيرين وقبلها.. رأى وجه شيرين وليس وجه السيدة.. أخذ بيدها ومدها على عقب البندقية التي كانت قد سقطت جانباً، ضغط يد شيرين على البندقية ومات. انحنت شيرين باكية وقبلت جبينه.

كان المساء قد هبط وكان البيشمركة قد أشعلوا النار في السيارة، وعلى جانب الطريق ارتفع قبر من الحجارة بينما ظلت جثة السائق ملقاة على الجانب الآخر من الطريق. كانت شيرين تمشي مع البيشمركة وبندقية عبدالله على كتفها.

كان البيشمركة قد صعدوا تلاً عالياً مطلاً على الطريق، كانوا يصعدون، بينما وقفت شيرين على صخرة ناتئة مطلة على الطريق حيث قبر عبدالله.

كانت النار تلتهب من السيارة… بينما يضيء ضؤوها قبر عبدالله الحجري.


ألمانيــا 1987


مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

القائمة الرئيسة
البحث