الثلاثاء, 25 أيلول 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
الشخصية الروائية ملامح مؤقتة تبحث عن وجه
سعد هادي
الشخصية الروائية ملامح مؤقتة تبحث عن وجه


لا تتولد الشخصية الروائية من فراغ، ثمة الكثير من العناصر التي يستعيرها الروائي أو منتج الحكاية من المحيط الخارجي، من ملامح الأشخاص الذين يعرفهم عن قرب أو يحتفظ بآثارهم في ذاكرته. من مراقبته لتصرفاتهم في موقف بذاته أو عبر متابعة دقيقة لتطور ردود أفعالهم في مراحل زمنية مختلفة. هناك دائما خلف القناع الذي يفرضه الروائي على الشخصية داخل النص وجه حقيقي يمكن الإستدلال عليه أو إكتشافه من خلال بعض ملامحه.
في روايتي (تجريد شرقي – دار نينوى، دمشق،2006) هناك شخصية تحمل قناعها المفترض الذي اردت أن يؤهلها للدخول الى اللعبة الروائية، كما تحمل اسماً مستعاراً هو "شهاب أنور"، وقد حاولت من خلال مقال سبق لي نشره بعنوان "فردوس الرسم يتحول الى متاهة" واستخدمت مقطعاً منه في النص الروائي أن أشير الى أن هذا الشخص هو الرسام العراقي الراحل " فاضل عباس" وأن كليهما، الرسام الحقيقي وقرينه الروائي من الممكن أن يتعايشا في الإطار الخيالي ذاته. ولكن لماذا اخترت فاضل عباس دون سواه وكيف فرض حضوره في ذاكرتي ومخيلتي ومن ثم في النص الروائي ذاته؟
للإجابة على هذا السؤال المركب علي أن أعود بضع سنوات الى الوراء وأروي القصة من بدايتها:
خلال صيف عام 1982 كان ثمة رجل كهل، نحيل، قصير القامة، يتردد على قاعة الرشيد التي كانت تقع في بداية شارع الرشيد من جهة الباب الشرقي، كان يجلس في وسط القاعة ويبدو "ظاهريا في الأقل" غير منشغل بما يعرض فيها من اعمال فنية، بل كان يبدو ضجراً ومتجهماً كأنه يبحث فقط عن محطة ظليلة ومكان بارد، وبإستمرار كان الرجل الكهل ذو الشعر الأشيب والشفتين المتهدلتين يحمل معه (علاقة) بلاستيكية فارغة من النوع الذي تستعمله ربات البيوت. وقد لفت مظهر الرجل وسيماؤه الغريبة وتجهمه انتباه الموظف الذي كان يعمل في القاعة مساءً( وهو كاتب هذه السطور) فحاول التقرب اليه ولكنه إكتشف أن من الصعب إقامة حوارٍ معه ، إذ كان يرد على أسئلته بنعمٍ أو لا أو بهمهمة خافتة أو بعبارة استهجان. ثم إنقطع الحوار وغاب الرجل الكهل عن القاعة وقد صادفه الموظف فيما بعد ولمرات عدة عند واجهة محل تجاري أمام سينما الزوراء يمتلكه قريب له، وعرف أن إسمه: فاضل عباس وهو من جيل الرسامين الرواد وإن له لوحة مشهورة طبعت في بطاقة بريدية تصور سوقاً في الكاظمية (وقد اتضح أن فاضل عباس أعاد رسم السوق لمرات عديدة وبتنويعات لونية مختلفة ليكون موضوعه الوحيد والأثير) وأن للرجل دوراً مشهوداً في مسار الحركة التشكيلية المعاصرة في العراق وقد اختارته الفنان الراحل جواد سليم عضواً في جماعة بغداد للفن الحديث عند تأسيسها عام 1951.
وقد عرف الموظف هذه الحقائق وحقائق أخرى عن فاضل عباس ولكن الرجل النحيل، الصموت الذي شوهد لآخر مرة في صبيحة يوم من أيام 1985 ثم أختفى ولم يعد الى داره مطلقاٍ ثم قيل انه توفي في حادث مروري ودفن في قبر مجهول، يجهل بالتأكيد أن الموظف اصبح عضواً في لجنة تشكلت في دائرة الفنون التشكيلية في ايلول من عام 1991 لجمع أعماله المتفرقة ضمت في عضويتها فنانين من جيل الرواد هما: شاكر حسن آل سعيد (1926-2004) ورسول علوان(1928-1996) وأن اللجنة سعت لتخليد ذكراه والكشف عن مدى مساهمته الإبداعية وخصائص فنه.
في اجتماعهم الأول اتفق اعضاء اللجنة على جمع الوثائق المتعلقة بحياة الرسام، وكانت نقطة البداية من ملفه في أرشيف دائرة الفنون، كانت الوثيقة الأولى في الملف غير مؤرخة وهي بخط فاضل عباس نفسه، وقد أثارت إشكالاً حول سنة تخرجه من معهد الفنون الجميلة، إذ إن الفنان يثبت فيها ما يلي: دخلت معهد الفنون الجميلة، بغداد سنة 1947. بينما أكد رسول علوان وهو من معاصري فاضل عباس ومن أصدقائه الحميمين أن عام 1947 هو عام تخرجه من المعهد وأن الفنان لا بد أخطأ في حساب السنين وقد تم الرجوع الى سجلات معهد الفنون الجميلة "التي كانت موجودة في الأرشيف" ليتأكد لنا أن عام 1947 هو عام تخرجه من المعهد فعلاً. تضاف الى ذلك حقيقة أخرى وهي مشاركته في جمعية أصدقاء الفن الثالث الذي أقيم عام 1943 بأربع لوحات وهي فرصة قد تتوفر لطالب فن مجتهد ولكنها لن تتوفر لهاوٍ مجهول، والوثيقة عدا ذلك مكتوبة بلغة ركيكة وتبدأ هكذا:
ولدت 1924 في بغداد، بدأت هوايتي للرسم منذ 10 سنوات (لعله يقصد منذ سن العاشرة).
والجزء المهم في الوثيقة مخصص لذكر الفنان فائق حسن إذ يرد فيها:
درست على يد الأستاذ الكبير فائق حسن على ما أداه لي وللطلاب كافة من تدريس قوي وتضحية كبيرة في سبيل تهيئة طلاب فنانين بكل معنى وإخلاص، حقاً انها لخدمة إنسانية سيخلدها التاريخ وسيخلد استاذي المحترم فائق حسن.
وثمة وثيقة أخرى تتعلق بمشاركته باحتفالات يوم التتويج هي عبارة عن كتاب شكر وتقدير موجه من مديرية المعارف برقم 17845 في 24 آيار1953 أشير فيه الى: " قابليات الفنان العراقي وعلى مقدرته في الإبداع وتذوقه الى كل ما يمت الى الفن بصلة".
إضافة الى عدة أوراق تشير الى مشاركات فاضل عباس في معارض مختلفة.
وللعثور على وثائق إضافية راجع الفنان "رسول علوان" مديرية تربية الرصافة التي آل اليها ملف "فاضل عباس" إذ كان يعمل لسنوات مدرساً للرسم في اعدادية الأعظمية للبنين وقد وردت اشارة الى ذلك في الوثيقة المكتوبة بخطه. وكانت المشكلة أن هناك ملفات كثيرة لمدرسين يحملون الإسم ذاته وحتى لقبه وهو "القيسي" لم ينفع لتمييز ملفه من بين الملفات الكثيرة التي لم تكن تضم سوى كتب ترقية أو شكر أو عقوبات أو أمور إدارية ليس فيها ما يثير أو يتعلق بمسار رحلة ابداعية كنا نبحث عن فصولها وتفاصيلها. وبعد رحلة طويلة بين أكداس من الأوراق الصفراء خرج الفنان رسول علوان صفر اليدين.
أما الموضوع الأهم في عمل اللجنة وهو العثور على لوحات فاضل عباس وهي متفرقة لدى العديد من مقتني الأعمال الفنية والعوائل البغدادية العريقة، فقد حددت اللجنة الأشخاص الذين يحتمل أن تكون لوحاته لديهم، وقد اتصلت ببعضهم على عناوينهم القديمة التي توفرت لدى اعضائها فاتضح انها عناوين قديمة تغيرت بالانتقال الى عناوين أخرى مجهولة أو إن بعض اصحاب العناوين اصبح بلا عنوان لإنتقاله الى العالم الآخر. وقد حصلت اللجنة على وعود كثيرة بإعارتها اعمال الفنان الراحل لغرض إقامة معرض إستعادي له وعلى اعتذارات أو تسويفات من آخرين لاسباب غير معروفة. وعدا لوحتين إحداهما من مقتنيات رسول علوان وأخرى كانت ضمن المجموعة الدائمة لدائرة الفنون، وعدا رصدها للوحتين أخريين لفاضل عباس من مقتنيات نادي المنصور عرضتا في معرض لرسامي الخمسينيات أقيم في قاعة الأورفلي مطلع عام 1992 وحصلت على وعد شبه مؤكد بإعارتهما لها لم تحصل اللجنة على شيء.
في الأسابيع التالية واصلنا البحث ولكن على صعيد آخر، ذهبت مع رسول علوان الى المكتبة الوطنية آملين أن نعثر على مقال كتبه الشاعر حسين مردان عن فاضل عباس في مجلة ما في الخمسينيات، تذكر "علوان" أن المجلة التي لا يعرف اسمها نشرت صورة كبيرة للرسام وصوراً لبعض أعماله، استخرجنا مجلدات عديدة وتصفحناها وسألنا عن مجلات أخرى ولكننا أكتشفنا بعد حين أننا نتشبث بأمل ضائع.
بعد سنوات وبعد أن تلاشت فكرة أقامة المعرض مثلما تلاشت أفكار أخرى عثرت بالصدفة على العدد الخامس من مجلة "العراق الجديد" (مؤرخ في آيار1961) وقد نشر على الصفحة الأخيرة من المجلة تعريف موجز بالفنان فاضل عباس مع صورة شخصية له وصورتين لعملين من أعماله، وربما كان ذلك هو ما تذكره رسول علوان أو حاول استعادته من ذاكرة حافلة بالحكايات والصور.

الصورة المنشورة للفنان فاضل عباس
القائمة الرئيسة
البحث