الخميس, 18 كانون الأول 2014
   
صدرت حديثاً عن منشورات "مومنت كتب رقمية" Moment Publications في بريطانيا               رواية جديدة بعنوان "سلاطين الرماد" للكاتب العراقي سعد هادي، بطبعتين، ورقية والكترونية              
إذا أردت أن تصبح سياسيا في السويد ابحثْ عن جميل كمّون/رواية قصيرة
علي عبد العال
إذا أردت أن تصبح سياسيا في السويد ابحثْ عن جميل كمّون/رواية قصيرة



رنَّ جرس الهاتف. رفعته "سارة"، كان المتحدث يتكلم من بولونيا، وقال أنه يدعى "بولص". صوت مخنث غير واضح يتكلم من بعيد يريد وضع مبلغ سبعة آلف دولار في رقم حساب سيعطيه في حال الموافقة. ارتجفت سارة وسلمت سماعة الهاتف إلى زوجها. قبل لحظات كان يستمع إلى كلام زوجته المنفعلة عبر الهاتف ويرى اضطرابها المفاجئ. أخذ السماعة منها وباشر الكلام مع المتحدث البعيد. لم يتفوه "داود" بأكثر من جملتين مفيدتين: "نعم.. حاضر" ثم "نعم ..نعم.. موجود" حتى سمعته سارة يقول للرجل الغريب الذي يتصل من بولندا جملته الرئيسية:
" نعم المبلغ حاضر.. المبلغ موجود.. ما هو رقم الحساب؟".
كان الموضوع يتعلق بأختها، وكيفية وصولها هي وعائلتها "طفلان وزوجها المدعو جميل كمّون" إلى السويد عن طريق المهربين.
يتعرض المهاجر الشرقي في بلدان الغرب إلى أحداث كثيرة؛ أحيانا تشبه المطبات الخطرة التي تحطم الكائن البشري وتهزمه نفسيا وتلغيه عقليا وفكريا واجتماعيا. وأحيانا أخرى تجلب له الحظ السعيد والنجاح والتطور والرفاهية. كما حدث بالضبط للموظف الصّحي العراقي السيد "جميل كمّون".
المهاجر الجديد الذي يصل إحدى بلدان الغرب الأوروبي أو الأمريكي، ونقولها كنصيحة لا يدرك أحدا قيمتها الآن وإنما يدركها دوما بعد فوات الأوان. عليه أن يسجل هو بالذات، في دفتره اليومي تاريخ يوم وصوله. إذ هو سوف ينسى كل شيء لاحقا. وإذا صادف أنه لا يحمل ورقة وقلماً فعليه كتابة تاريخ هذا اليوم المجيد على أول حائط ينام بقربه، حتى لو تطلب الأمر حفره على الجدار بأظافره. ولنفترض أنه لا يقرأ ولا يكتب، شأن الكثير من المهاجرين الشرقيين والأفارقة إلى بلاد الغرب، فعليه في هذه الحال حفر هذا التاريخ في قلبه، وفي جدران ذاكرته البليدة الصدئة، حيث إن البشر الأميين هم أكثر الناس مقدرة على حفظ التواريخ السريالية. لأنهم، وبكل بساطة، لا يملكون سوى الأحلام الوردية والفنتازيا الخصبة عند تفكيرهم بمصيرهم كبشر. هذا التاريخ مهم جدا وضروري بالنسبة للفرد الذي سيضطر لمراجعة سجلاته القديمة أو الحديثة ذات يوم. لأنه تاريخ ميلاده الجديد، ولأنه سيغدو لاحقا إنسانا بلا ماضٍ. أمام المهاجر الجديد خيار واحد فقط: أما إنه سيكون إنسان المستقبل أو لا يكون. يجب محو الماضي بشكل منتظم وإظهار الاستعداد اللازم لتقبل ما يجود به المستقبل القادم. إذ لا يوجد هناك الكثير من الوقت ولا القدرة على حمل بطيختين بكف واحدة. فإذا كان عمر الفرد الذي ينام في معسكر اللاجئين طالبا الإقامة في هذا البلد الأوروبي أو ذاك ثلاثون عاما، فهو سيبدأ من لحظة الصفر. أي إن عمره في التقويم الجديد، تقويم المستقبل، هو يوم واحد فقط؛ حيث إنه ولد للتو من جديد بحساب المستقبل. أما الأطفال فلا تتحدث عنهم مطلقا؛ فهم يخسرون حقا تلك السنوات القليلة التي لم يولدوا فيها ولادة طبيعية في "وطنهم" الجديد هذا: المنفى. نقصد أنهم ولدوا هكذا في تربة بلادهم، وقبل أن يتعرفوا على أي شيء يمكن أن يساعدهم في المستقبل على بناء الذاكرة من حيث الأساس، يتحتم نقلهم، من دون إرادة غالبا، لكي ينبتوا من جديد في تربة أخرى. كما يفعل الإنسان بالضبط مع الفسائل الصغيرة عند نقلها من مكان إلى آخر. ليس لهم حق الاختيار في هذه المعضلة البشرية العجيبة التي تحدث لذويهم. الانتقال من بيتٍ إلى بيتٍ آخر، من وطنٍ إلى وطنٍ آخر، من قارةٍ إلى قارةٍ أخرى. حتى الحيوانات لا تفعل ذلك بصغارها، والطيور لا تفعل ذلك بفراخها، فهي حرة بالعودة إلى موطنها الأول غريزيا وعقب كل هجرة طلبا للدفء والطعام. كل القرود والنمور والغربان والنسور والبط والذئاب لا تفعل ذلك بصغارها، إلا بنو البشر، فهم الجنس الوحيد الذي يفرط بمصير أطفاله بمنتهى السهولة رغم الإدعاء البشري الرسمي بالتمسك بهم. هل يمكن مقايضة ذئبة على واحد من جرائها؟ هل بالإمكان التفاوض مع اللقلق، مالك الحزين، على أحد فراخه التي لا تعرف الطيران حتى؟ لكن يمكن مقاضية الإنسان البائس على بيع أطفاله؟ أحيانا تكون الإجابة: نعم! الإنسان، بمعنى من المعاني، هو أسفل مخلوق لبون على وجه الأرض، بذات القدر الذي يضعه عقليا بأعلى مرتبة. هو الكائن الوحيد الذي ربما يفقد بعض الأحيان صغاره بسبب الظروف الإجبارية والكوارث الطبيعية، لكنه أيضا الكائن الوحيد في هذا العالم الذي يستطيع التخلي عنهم أحيانا عبر المساومة. لا يوجد حيوان على وجه الأرض يستطيع أن يفعل ذلك سوى الإنسان. نحن بصدد الحديث عن كائن بشري يفعل كل شيء في سبيل ذاته الجَرٍبة التي فقدت صفاتها الحيوانية الطبيعية والغريزية، وراح يبني مجد الشهرة والمال، مجد الثروة العظيمة الكاذبة.
تصل في هذا اليوم إلى السويد؛ ثم تطلب اللجوء السياسي أو اللجوء الإنساني. يجب ألا تنسى تاريخ هذا اليوم المهم. لسبب بسيط يتلخص بكونك ستبدأ حياتك من جديد بشكل كامل. ربما لا تصدق ذلك، ولكنك ستصدقه عندما يسرق عمرك الزمان، أي بعد فوات الأوان. تُسجل في الدوائر الرسمية كمواطن جديد في هذه البلاد. تاريخك يبدأ من الآن. تاريخك القديم وماضيك الروحي ليس له أي اعتبار أو قيمة في مسار مستقبلك الجديد القادم. أنت الآن إنسان جديد، جديد كل الجدة، حتى لو كنت مجرد شخص صعلوك وتافه كما هم غالبية البشر على الدوام. أما إذا كنت شخصا دارسا ومتعلما، أو مثقفا بطريقة أو أخرى، فلا تتوقع إنك ستنال الإعجاب أو الاحترام كما تتوقع أنت بالذات. معظم الأشخاص الأغبياء يدعون الثقافة؛ وهم يغشون أنفسهم أكثر بكثير مما يغشون الكائنات الأخرى. اللعنة الحقيقية ستحل عليك بشكل خاص جدا ومميز إذا كنت حقا من المثقفين الحقيقيين. لأنك ستفقد كل شيء بطواعية كاملة تفوق تلك الدواب البشرية التي لا تفهم من الحياة سوى أفضل وأسهل الطرق لملء جيوبها الفارغة بالكثير من المال، وبطونها الخاوية بمزيدٍ من الطعام. هذا النوع من البشر البسيط وغير المعقد بشؤون الفكر والثقافة يتفوق عليك ماديا، بحيث يجعلك تقرف من حياتك برمتها. ما هو المعنى الكامل للحياة، لتلك الخلية البسيطة المليئة بالروح؟ هل هو مجرد التفكير بمشاريع إبادتها بأسرع وقت ممكن؟ أضع أمامي "الطبل الصفيح" لغونتر غراس و "بلاد حرة" لـ ف. س. نايبول، و "الكريات الزجاجية" لهرمان هيسة. أي فائدة أرجوها من هذا الرهط من الكتاب الكبار، الذين هم، معنويا، أكبر من أهرامات مصر ذاتها؟ أصغر هذه الأهرامات هو "نايبول" لأنه يكتب بطريقة جيدة لكنها مملة جدا. أي فائدة جنيتها غير الألم والندم والتفكير السريع بالموت؟ تحت مظلة "الثقافة البشرية" يمكن للإنسان أن يفقد أكثر بكثير مما يخسره ذئب البراري وهو يبحث عن الجرذان تحت الأرض وعن الأرانب الجملية التي تركض في الحقول الشاسعة. العيش بشرف كدب قطبي ينام ثلاثة شهور، ويصحو نصف نهار لتناول سمكة سلمون، خير من كل ما يفعله الإنسان، من غسل الصحون إلى اختراع آخر نظريات الاستنساخ المخيفة وتطوير أسلحة الدمار الحضاري الشامل. لكن ماذا نفعل؟ الإنسان كائن سافل مع الأسف. يقول الفلاسفة أن الإنسان "حيوان عاقل". ربما قال هذا الكلام أحد فلاسفة الإغريق في فجر التاريخ وهو يتطلع إلى شكله البهي المنعكس على سطح ماء ساكن لبحيرة جميلة بين جبال الأولمب. الأحرى، وفي مطلع القرن الواحد والعشرين يستطيعون أن يقولوا "حيوان سافل".
**
لم يكن "داود بن هاني" قد أرتكب ذنبا في مملكة السويد سوى أنه عديل "جميل كمّون". أي إن الرجلين متزوجان من أختين. الأختان جميلتان، ربما بذات الدرجة من الجمال، لكن فارق العمر بينهما يقارب العشرين عاما. هذا الفرق في العمر يترتب عليه فارق بالمسؤولية، تبعا للفارق بفهم الحياة، جريا على المثل الشائع "أكبر منك بيوم أفهم منك بسنة". لكن هذا المثل ينطبق على داود بن هاني أكثر مما تشعر به زوجته سارة. إذ، وعلى الرغم من أنها صاحبة القضية، لكنها تتكل، كالعادة، في الأمور المهمة في الحياة على زوجها. فقط في مثل هذه المواقف المهمة والحساسة تصبح له فجأة أهمية استثنائية، ويغدو "رجل المهمات الصعبة" دون منازع.
حين أعلن "جميل كمّون" (اسمه الأول لا يمت له بصلة مطلقا، لا من حيث المعنى ولا من ناحية الشكل، أما لقبه "كمّون" فهو اسم لنوع من الأعشاب يُستعمل بكثرة في الطعام الشرقي وصناعة الحلوى، فضلا عن فوائده الطبية الجمة) نقول حينما أعلن جميل كمّون ترك بلده العراق واختار الهجرة الطوعية إلى الغرب الأوروبي، فأنه تذكر فجأة إن له "عديلا" في السويد. وأخذ يزنّ بأذني زوجته الصغيرة حول طلب المساعدة الممكنة بشتى الطرق للوصول إلى الجنة الموعودة. لم يكن داود بن هاني، ولنرح أنفسنا من هذه اللحظة ونطلق عليه "داود" فقط. لم يكن داود ليتصور أن الحديث عبر الهاتف بين الأخت الكبرى والأخت الصغرى سيتطور إلى هذا الموقف المحرج بالنسبة له، بل الصعب والخطير. أن يتدبر الأموال و يفكر بالاتصال بالمهربين السفلة، حيث البشر بالنسبة إليهم بضاعة تُشحن مثل أكياس الفول إلى أوروبا. يفعل هذا من أجل أقارب بعيدين، لا يعرفهم سوى عن طريق الحديث، ولم يلتق بهم في السابق مطلقا. داود رجل سياسي قديم، وهو حصل على اللجوء السياسي في السويد بعد إثباته للسلطات المسؤولة أن حياته تحت خطر الموت لأسباب سياسية ومعتقدات فكرية يؤمن بها. يفكر على الدوام في كتابة مذكرات حياته، لكنه أكثر كسلا من أن ينفّذ هذه الأفكار. أفكار كثيرة، عن الحياة وجمالها ومعناها السامي، وعن الصراع الطبقي الذي يتحكم بمقدرات الشعوب والأوطان والاقتصاد، ومن ثم بمصير هذه المجموعات البشرية البائسة التي تعيش على هامش الحياة. لكنه لا يفعل أي شيء من ذلك مطلقا. وربما كان هذا أفضل شيئا يقدمه لهذه البشرية، ألا يكتب عنها أي شيء. يكتب نتفا هنا وهناك من ذاكرته الخصبة ليحفظها بجهاز الكومبيوتر المنزلي. يتحجج بآلاف الحجج والذرائع للامتناع عن الكتابة. وإذ تنفد جميع الحجج فإن مجرد حديث هاتفي مزعج مع أحد المعارف يصبح حجة كبيرة لمنعه من كتابة تاريخه الشخصي وتاريخ بلاده، بل وتاريخ الإنسانية برمتها. حجج تكفي لأن تجعله يصمت كسمكة ويصوم عن الكتابة والكلام عدة أيام. أفضل شيء فعله داود في حياته حقا يتعلق بأمرٍ على قدر كبير من الأهمية، يتلخص بالحفاظ على أسرته الصغيرة وتربية أطفاله بأسلوب مهذبٍ يكاد يكون مثاليا خاليا من شوائب الحياة وأوساخها. ربما نجح في هذه المهمة نجاحا صغيرا، لكن يُحسد عليه. حيث بثقافته المتواضعة، لكن الدائبة، استطاع التوفيق بين عالمه الشرقي القديم وبين المفاهيم الجديدة التي تفرضها عليه حياة الغرب اليومية الواقعية، وقيمها الحرة الجريئة المختلفة بإيقاعها السريع المتغير يوماً بيوم ولحظة بلحظة. المرء الذي لا يتوفر على نصيب من الثقافة الإنسانية، مهما بلغ مقدارها، تجرفه حياة الغرب المتلاطمة وتلقي به إلى القاع. أمله كبير بالإنسان ذاته، وليس بالأرض والسماء والأوطان والأديان. "يجب أن يكون الإنسان سعيدا بغض النظر عمن يكون وأين يكون". تلك هي خلاصة فلسفته في الحياة. كان قد حصل على تعليم أكاديمي في التاريخ والفلسفة من بلاده، وكتب أشياء ليست عميقة بالصحافة تدور أغلبها حول هذه المعضلات البشرية المعقدة وخلاصتها البسيطة: "البحث عن أفضل الطرق لتحقيق سعادة الإنسان وصون كرامته".
في صباح اليوم التالي وجد داود نفسه وهو يقف في مكتب بنكي يتعامل بالتحويلات المالية السريعة DHL. أعطاه رقم الحساب ودفع له سبعة آلاف دولار أمريكي. اشتراها مقابل الكرون السويدي في الحال. قالت له زوجته:
" ممكن أن يكون هذا الـ باول مجرد نصّاب ودعيّ".
قال لها:
"إنه نصّاب بالفعل، لكنهم يقولون أنه أفضل مهّرب في الساحة الآن"!
لا توجد طريقة سوى تلك لتهريب البشر إلى السويد. داود لا يحب الاشتباك مباشرة مع المهربين. قالوا أن باول هو "إمبراطور" المهربين في المرحلة الراهنة، وهو زعيمهم من دون منازع. قالوا أيضا "إن تدفع له مقدما لن يخلّ بالتزاماته مطلقا". حتى إنه يعيد لك المبلغ فيما إذا تعذر وصول البضاعة البشرية. سمع داود مثل هذا الكلام أيضا من المهاجرين العراقيين المهتاجين ومصائب الدنيا لا تقع إلا على رؤوسهم في هذا الزمان العجيب. من حرب إلى مجاعة، ومن مجاعة إلى حرب جديدة. كما لو أن الأقدار السيئة تختبر طاقة الإنسان ومقدرته على قهر الشيطان برأس العراقيين. أتصل بهم باول من نادٍ للقمار في العاصمة وارسو. إنه كرم من "الإمبراطور" أن يتصل بنفسه بأصحاب الطلبات. "ربما سمع باسمي وعرف من أكون.. لست بلا صيت في هذه الدنيا" قال داود لنفسه باعتزاز سري.
مضى على وجود جميل وزوجته تمارا وطفليهما في موسكو بشكل غير شرعي ما يقارب الشهرين. إلى درجة أن داود شعر بالارتباك والإرهاق في مجمل وضعه اليومي جراء الخوف المبهم عليهم. وقرر تحمل المسؤولية بنفسه: "لتذهب النقود إلى الجحيم.. المهم أن يصلوا بسلام". وبهذا الإجراء غير المراوغ استطاع النوم براحة تلك الليلة بينما ظلت زوجته سارة تعاني الأرق جراء تفكيرها بالنقود التي تبخرت في المجهول. لم يحنث باول بوعده، وتصرف كمهربٍ "شريف". وصله المبلغ خلال ساعة. ربما خسره دفعة واحدة في تلك اللحظة على موائد القمار، وربما ربح أضعافه في تلك اللحظات، لكنه لم يحنث بما وعد به والحق يُقال. أخبرنا تلفونيا بصوته المخنث المميز:
ـ "وصلت الأمانة، انتظروا أهلكم".
بعد بضعة أيام، اتصل بهم رجل مجهول مساءً ليبلغهم أن عليهم ملاقاة تمارا وطفليها غدا في ميناء بالعاصمة ستوكهولم تمام الساعة التاسعة صباحا. وقال:
ـ " الباخرة قادمة من هلسنفورش ـ هلسنكي".
"أنا أعرف الميناء جيدا؛ انه يقع في منطقة " Slussen سلوسن". قال داود فَرِحاً وهو يزف البشرى إلى سارة. أنهمك بحساب الوقت اللازم للوصول براحة إلى هناك.
ـ "يجب التحرك الساعة الرابعة فجرا. أستعدي لذلك". أمر داود زوجته التي قررت اصطحاب طفليها كذلك لرؤية خالتهم مباشرة، ولأنها لا تملك مكانا لإيداعهما فيه في مثل هذا الوقت الطارئ. فكر داود بسيارته الـ VOLVO طراز 240DL موديل 1980 وكم ستساعده في هذا المشوار الطويل. بمعنى ما: هل ستخذله؟ فكر بزيت المحرك الذي لم يطلع عليه منذ مدة، وخطر له مراقبة ماء الراديتور الذي لم ينتبه إليه مطلقاً. كان عمر سيارته ستة عشر عاما في الخدمة اليومية. يستخدم سيارته كما يستخدم الفلاح بغله في الشغل، يطعمها بالبنزين فقط دون الانتباه إلى وضع محركها أو شكلها العام. وما على هذا البغل الحديدي سوى أن يمشي في جميع الأحوال وتحت جميع الأثقال. "لكنها غير لائقة بالقدر الكافي". فكر داود وهو يتذكر مساحات الصدأ الواسعة التي أكلت مساحات من لون سيارته الأزرق، خصوصا عند مناطق العجلات، فهي مهترئة بالكامل. "لكن الموتور سليم وقوي؛ لن تغدر بي" قال داود لنفسه بثقة.
قبل الساعة الرابعة فجرا كان يقود السيارة على الطريق العام. الطريق شبه خال مما جعل الخوف يتضاعف بقلب داود في الظلام الداكن والجو الجليدي البارد. الأطفال استرجعوا نومهم سريعا، أبنتهما ذات الاثني عشر ربيعاً وابنهما ذو التاسعة، ناما في المقعد الخلفي من أول الطريق. التدفئة داخل السيارة تعمل بشكل ممتاز. سارة لا يهمها من السيارة أي شيء سوى التدفئة المضبوطة في الداخل وعدم العطل في الطريق. أما شكل السيارة ونوعها وسنة ولادتها فهذه أمور لا تشغل بالها على الإطلاق. كان داود يركّز على الطريق وسط كثافة شديدة من الظلام. لم يضايقه الوقت، فكان يتريث أكثر ويتحكم بالسرعة على راحته. قاد السيارة نحو ساعتين لينبثق في أواخرها ضياء الفجر. قرر الاستراحة وتناول القهوة والفطور الذي أعدته سارة. فضّل الأطفال الاستمرار بالنوم داخل السيارة على تناول الفطور. لكن داود أعتبر في وقت يسبق ندمه بكثير: إن "هذا الفطور هو أطيب فطور يتناوله منذ سنين". الفجر كشف عن طبيعة رائعة؛ والأبخرة تتصاعد بين أشجار الصنوبر العملاقة، فتبعث الدفْ بالنفس، والهواء نقي والدنيا تبدو نظيفة جدا، كنظافة هذا الفجر الجديد. وهو يتقدم بنبل طبيعي نحو إنجاز هذا العمل الرائع العظيم: "لقاء الأختين بعد أكثر من عشرين عاما من الفراق.
لم تخنه الفولفو العتيقة، لكن الذي يخون دوما هو الإنسان. ركنها في البارك المجاور للميناء ونظر إلى ساعته فوجدها تشير إلى الثامنة إلا عشر دقائق. لقد قطع المسافة في وقت ممتاز. "أربعمائة كيلومتر بأقل من أربع ساعات" شعر بالفخر أمام سارة. الطفلان نهضا لرؤية هذا العالم الجديد. ميناء وبحر وسفن عملاقة. كان أمامهم ساعة كاملة كي تصل تمارا وطفلاها. توجه داود نحو مكتب الاستعلامات وأستفسر عن موعد وصول الباخرة من هلسنكي. قالت له الموظفة:
ـ "إنها تصل تمام التاسعة".
تأكد من صحة كلام الرجل المجهول الذي اتصل به مساء البارحة. "بعض الأوغاد عندهم كلمة شرف"، قال بداخله متأملا كيف تسير الأمور في هذا العالم الغريب. انصرمت الساعة سريعا. هاهم المسافرون يتقاطرون من المدخل الرئيسي العام. وقف داود وسارة مع طفليهما في المقدمة يتطلعون بوجوه القادمين، جميع القادمين. وقفتهم افتعالية، تشبه عائلة سعيدة تقف أمام الكاميرا لالتقاط صورة تاريخية. المسافرون يخرجون تباعا، بعضهم متجهمون وبعضهم ضاحكون، يسحبون حقائبهم خلفهم، وفيهم من يحملونها. كانوا يخرجون بأعداد كبيرة في البداية، لكن أعدادهم بدأت بالتناقص شيئا فشيئا. بدأ يظهر من المخرج الرئيسي شخص واحد، ثم بعد قليل يظهر بعده شخص واحد آخر. وبعد قليل بدا واضحا أن ليس هنالك من شخص سيظهر من جديد. حيثُ لفظت الباخرة جميع المسافرين، بل حتى طاقم الباخرة ذاته خرج من الباخرة. لكن تمارا وطفليها لم يكونوا من ضمن الجميع. تعبت العيون من التحديق بوجوه المسافرين. وكلما قلّ البشر الخارجون من الباخرة كلما ازداد التركيز بالوجوه الخارجة، وأخذ التدقيق بالوجوه يشمل حتى الرجال كبار السن والعجائز المسنات. لا يشعر الأطفال عموما بأن المفاجأة لا تقع في وقتها. غالبا ما ينسون التفكير بعامل الزمن، ويحتفظون بوقع "المفاجأة" الخاص. إذ بينما بدأ داود بالتململ وسارة بالتساؤل، أحتفظ طفلاهما بذات الدرجة من التركيز والترقب. ظلا يحدقان بالفراغ الذي راح يملأ بهو الميناء الكبير من دون حراك. سارة هي الوحيدة التي تعرف أختها بالضبط. يجب أن تعرف أختها بكل تأكيد، حتى لو تركتها مجرد طفلة صغيرة عمرها ثلاثة أعوام وهي الآن تبلغ الرابعة والعشرين وأنجبت طفلين، لكن يجب أن تتعرف عليها دون أية شكوك. داود والأطفال لا يعرفون شيئا. سارة قالت قبل قليل إنهم صبغوا شعر أختها في موسكو للتمويه. صبغوه باللون الأشقر كي تبدو مثل فتاة سويدية أو روسية كجزء من تعليمات المهرب. خرج الجميع ولم يبق سوى بعض الموظفين وعمال خدمات التنظيف وبعض رجال الجمارك بملابسهم الزرقاء الداكنة، وطبعا عائلة داود بن هاني الحزينة. قبل أن تحل الساعة العاشرة بدقائق تأكد داود أن تمارا وطفليها لم يكونوا على سطح الباخرة. ذهب إلى كوة الاستعلامات ليسأل الموظفة. لكنه لم يعرف بالضبط ماذا سيسألها. تلعثم قبل أن ينطق بسويدية مضطربة غير واضحة:
ـ لطفاً؛ نحن ننتظر أقاربنا على الباخرة التي وصلت في التاسعة، هل جميع الركاب وصلوا؟ أقصد هل يوجد ركاب لازالوا في الباخرة؟
ـ "جميع الركاب نزلوا من الباخرة".
ـ إلا توجد مشكلة مع أسرة مهاجرة ما؟ .. معها طفلان.. ربما بسبب الاشتباه بهم كلاجئين..
ـ "كلا؛ لا يوجد ركاب قيد الاشتباه أو التحقيق". أجابت الموظفة بوضوح تام
سأل داود:
ـ هل توجد باخرة أخرى تصل اليوم من هلسنكي؟
ردت الموظفة بوضوح تام:
ـ "نعم، ستصل الباخرة التالية في الحادية عشرة".
عاد داود إلى سارة التي كانت متلهفة، لكن من دون اضطراب. أخذها للجلوس على أحد المقاعد في البهو الكبير. لديه أخبار مهمة استطاع الحصول عليها بمجهوده الخاص. كان فخورا أنه فهم كل ما قالته له الموظفة باللغة السويدية "بوضوح تام". قال لزوجته:
ـ "لا يوجد ركاب مشتبه بهم؛ تمارا لم تكن في هذه الباخرة. الباخرة القادمة ستصل الساعة الحادية عشرة. سننتظر، ربما أخطؤوا التوقيت. هذا هو الحل الوحيد".
لم يظهر على سارة أي اندهاش؛ كان حلا سحريا لتبديد مخاوفها وأفكارها السوداوية. إنها تعرف جيدا أن أختها لم تكن على متن هذه الباخرة، لأنها بكل بساطة لم ترها، ولم تلتق بها حتى الآن. سارة لا تفكر بالمخاطر التي يمكن أن تحدث في الحياة فقط؛ هي تفكر، أيضا، بالمخاطر المحتملة التي ربما تقع في ما وراء الطبيعة في مثل هذه الحالات الخاصة.
قالت سارة:
ـ "بالتأكيد سننتظر الباخرة القادمة". قالت هذه الجملة بنبرة باردة وعلى درجة عالية من التصميم تدل على أنها مستعدة للمبيت الليلة هنا، في بهو الميناء الكبير.
قال لها داود:
ـ "أشعر بالجوع.. هل بقي عندك بعض الأكل؟"
قالت سارة:
ـ "الأكل كما هو، لم نأكل منه إلا القليل عند الفطور"
أحضر داود بعض الساندويتشات وجلس على المقعد يمضغ شرائح الدجاج الباردة مع رقائق الطماطم بشكل روتيني ليس فيه لذة. كان الفارق كبيرا بين هذه الوجبة وفطور الصباح الذي شعر بلذته ومذاقه الفريد. مع أن الطعام هو ذاته، عوامل النفس هي التي تغيرت. لو كانت أختها هنا الآن، لو أنها وصلت مع المسافرين الذين نزلوا من الباخرة بالمئات، لو أن الرجل المجهول كان دقيقا وصادقا، لكان الطعام الآن أكثر لذة حتى من ذلك الفطور المبهج الخاص. دعاها لتناول وجبة خفيفة هي والطفلان اللذان أنهكهما اللعب والمرح، إضافة إلى الانتظار الطويل للمفاجأة التي لم تحدث حتى الآن.
ـ "حتما أنك جعت قبل هذا الوقت". قالت سارة لداود وهي تأكل
أخذ داود يمضغ ما تيسر من السندوتشات التي تعدها له سارة، وهو يتطلع إلى طفليه يلهوان بالمصاعد الكهربائية ويركضان من بداية البهو إلى نهايته ثم يعيدان الكرة. يفعلان هذه العملية مرة بعد مرة، وأخرى بعد أخرى، هكذا دون انقطاع ومن دون كلل. ماذا لديهما لكي يتسليان به؟ الوقت صار طويلا بحسابهما، إنهما ينتظران منذ ليلة البارحة، قبل النوم. مضافاً إليها وقت الأحلام بشكل خالتهما وشكل طفليها. سرعان ما حلت الساعة الحادية عشر بينما كان داود يستغرق بتلك الأفكار الطفولية الساذجة. وبدأ الركاب الجدد بالتقاطر نزولا من الباخرة وهم يخرجون من بوابة المخرج الرئيسي ذاتها. ابتدأ المسافرون القادمون بالظهور تدريجيا. واستعدت العائلة للحظة الحاسمة وجميع القلوب تخفق هذه المرة بطريقة أشد جراء الانتظار الطويل. يحدقون بجميع الوجوه، كلهم دفعة واحدة، يدققون وجهاً بوجه. الوضع لا يقبل الخطأ على الإطلاق. الاعتماد الرئيسي في دقة الملاحظة منصب على سارة دون شك، لكن جميع العيون كانت تبحلق بالمسافرين بذات الدرجة من الاهتمام. لم يسلم واحد من المسافرين من نظراتهم الفضولية شديدة التركيز. إلى درجة كانت تثير الاستغراب والدهشة في بعض الوجوه المارة التي تخطف سريعا. وجوه صارمة، وأخرى متعبة، ووجوه بشوشة طيبة وأخرى غير عابئة. أنواع وأشكال من الوجوه البشرية الكثيرة. إنها متعة فريدة أن تجد نفسك مضطرا للتدقيق بكل هذا العدد الكبير من وجوه الناس. كما لو أنك ترى معاني الدنيا وتفهم مشاعر الناس الغرباء وتلمس جمالهم الظاهر للعيان، وأيضا قبحهم. وأحيانا غضبهم وضيق وقتهم وشرودهم وشوقهم إلى العودة إلى البيت. تحصد كل ذلك بالمجان ومن دون قصد سيئ.
نزل جميع الركاب تقريبا؛ ولفظت الباخرة جوفها من المسافرين والمركبات وكل شيء، إلا من تمارا وطفليها، فهم لم يظهروا للعيان هذه المرة كذلك. فرغ بهو الميناء هذه المرة بالكامل. حتى الموظفون بدؤوا بالتلاشي الواحد تلو الآخر. وعمال التنظيف لم يبن منهم ولا واحد. بدا وكأن البهو سيقفل أبوابه بشكل نهائي لهذا اليوم. هم فقط من كانوا ينتظرون منذ الساعة الثامنة صباحا، وها هي الساعة تقارب الثانية عشرة من دون أن يبرحوا المكان. لم ينتبه إليهم أحد، لكنهم شعروا بالإحراج كقرود بلهاء داخل الأقفاص. لا يتعرض السويدي إلى مثل هذه الحالات. لا ينتظر السويدي أربع ساعات في ميناء محلي. "يوجد خطأ في الأمر" فكر داود مع نفسه وهو يتذكر صديقيه سلمان ويعقوب الساكنين في منطقة Slussen . قال لسارة:
ـ "يجب الاتصال بيعقوب أو سلمان لقضاء بعض الوقت في بيت أحدهما. أنا أشعر بالقلق".
قالت له سارة بأعصاب توشك على الانهيار كأنما لم تسمع كلامه:
ـ "ما بالك واقف هكذا أمامي مثل الطود.. اذهب وأسأل الموظفين عن أختي".
ـ "ولكن كل الموظفين ذهبوا، هذه آخر باخرة تصل اليوم".
لم تصدق سارة هذه الحقيقة؛ كانت تعرف أن أختها ستصل السويد في هذا اليوم، وأنها ركبت البحر هي وطفلاها. يحاول داود قدر الإمكان الحفاظ على مشاعرها متوترة هكذا إلى هذا الحد فقط، ويجب أن يعمل شيئا مفيدا قبل أن تصل إلى درجة الانفجار. لكنه لا يعرف ماذا يعمل على وجه التحديد. إحراجه الكبير من بقائهم لوحدهم في بهو الميناء مثل قرود غبية داخل الأقفاص جعله هو الآخر متوترا ويبحث عن أحدٍ ليتشاجر معه. لكن لم يكن هنالك أحد البتة، فكر بالصراخ على الطفلين، لكنهما كانا ساكنين ومتعبين. شعر بالفراغ وبالجوع وأراد أن يلتهم جميع السندوتشات المتبقية في الكيس.
قال أخيرا وهو يكظم غيظه ويتصنع الهدوء:
ـ "ولكن يا عزيزتي سارة أنا سألت الموظفة قبل قليل.. هذه آخر باخرة تأتي اليوم.. هي قالت لي ذلك بنفسها".
ـ "اذهب أنت والموظفة إلى الجحيم.. أنت لا تفهم اللغة السويدية.. أكيد.. أنت لا تفهم أي شيء".
ـ "طيب اذهبي أنت يا سارة واسألي بنفسك.. أنت تفهمين كل شيء".
تطلعت سارة حولها بذعر. لم تشاهد أي واحد من الموظفين خلف الكوات. جميع الكوات كانت مقفلة. حتى ولا عامل تنظيف ولا شرطي جمارك. كانت هي المرة الأولى التي تكتشف أنهم وحدهم فقط في بهو الميناء الفارغ الكبير. داود يعرف أن سيارته الفولفو هي الوحيدة التي تقف حتى الآن في بارك السيارات. لا توجد سيارة غيرها هناك. الجميع رحلوا وغادروا المكان. سيارتهم كانت مثلهم، وبدت قبيحة وغبية. أقفر المكان تماما وبدا موحشا وأكثر غرابة. بقيا وحدهما مع الطفلين اللذين بدأت تفارقهم البهجة وأخذا يشعران بالتعب والضجر بسبب اضطراب الوالدين.
قالت سارة بحزم بعد إدراكها الموقف بشكل كامل:
ـ "هل عندك تلفون سلمان أو يعقوب"؟
ـ "نعم".
ـ "اتصل بهما إذاً".
كانت الساعة تقارب الواحدة ظهرا؛ الأبواب العامة التي تُفتح بطريقة إلكترونية أخذت تُفتح للقادمين من الداخل فقط ولا تنفتح للقادمين من الخارج. الجو في الخارج كان باردا، وشعر الطفلان انهما خسرا مواقعهما وساحة ألعابهما الدافئة بعد مغادرة بهو الاستقبال. أمرهما داود بالصعود داخل السيارة وهو يجول بصره باحثا عن هاتف عمومي للاتصال بأحد صديقيه. لأول مرة تشعر سارة بالإحباط في هذا اليوم. بدأت تشعر بالقلق كذلك. أعصابها حديدية بالرغم من رقتها. كادت تستسلم بصعوبة للأمر الواقع. وأخيرا قررت صعود السيارة والذهاب إلى بيت سلمان. إذ لم يكن بيت يعقوب يعجبها كثيرا لأنه غير نظيف وإن كان يعقوب شخصا مضيافا وكريما. وعلى العكس من ذلك، كان بيت سلمان نظيفا على الدوام ولكنه غير نحس وغير كريم. وفضلا عن ذلك، فإن داود يحب الذهاب إلى بيت صديقه القديم يعقوب أكثر مما يود الذهاب إلى بيت سلمان. بيد إن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن.
كانوا يتوجهون إلى الفولفو الزرقاء المهترئة الجوانح حين دخلت البارك سيارة حديثة ماركة SAAB فضية اللون وترجلت منها تمارا ذات الشعر الأشقر. بدت صبية جميلة، روسية أو بولندية، ولكنها ليست سويدية بأي حال. عانقت داود وكأنها تعرفه من زمان. أجل إنها تعرفه من زمان. أليس هو زوج أختها. تعانقت الأختان عناقا حميما. طفلا داود وسارة أخذا طفلي تمارا المتعبين والمرعوبين، وكانا أليفين بحيث ألقيا نفسيهما بكل حضن يستقبلهما من تلك الأحضان القريبة المتعانقة. كانت مفاجئة كبرى لم تكن ستحدث لو تأخرت مجرد بضع ثوان قليلة. سأل داود تمارا بشكل سريع عن هذا السيد والمرأة التي معه في السيارة التي أقلتها. قالت تمارا بإنجليزية لا مراء فيها وهي تقدمهما:
ـ " Maoudi Lennart and his wife".
مد داود يده وهو يصافحهما بكل حرارة. تعّجب داود. ليس لهما هيئة المهربين. بل هؤلاء من علية القوم السويديين. كانا شخصان في غاية اللطف والهيبة. باشرا الحديث باللغة الإنجليزية:
ـ "عرفنا أن خطأ ما حدث لتمارا وطفليها. قالت أنكم تنتظرونها في الميناء. عرفنا أنكم تنتظرون في ميناء سلوسن وليس "فريدهامن". تمارا فتاة لطيفة وأطفالها رائعون.
لا يمكن للمرء أن يتخيل طيبة لينارت وزوجته مودي، بل مقدار إنسانيتهما ولطفهما. رجل خمسيني وامرأة تقاربه في العمر، جميلان وزاهيان كممثلين في هوليود. جريجوري بك وإنجريد بيرغمان، ريتشارد هاريسون وغريتا غاربو او جينا لولو بريجيدا. كاد داود أن يقبلهما على وجهيهما لولا إحساسه بالإحراج والخجل، لكنه عانقهما بحرارة على كل حال. اكتفى مؤقتا بأخذ عنوانهما ورقم هاتفهما وشكرهما بحرارة وعمق. كان يتمنى لو أنهما قريبان من بيته ليكرمهما بالضيافة اللائقة على طريقته الشرقية الخاصة. لكنه نسي أن يتصل بهما بعد ذلك. تركا في نفسه ذهولا أبديا عن مقدار الطيبة البشرية ورحابة الصدر التي يمكن أن يتحلى بها الإنسان.
انتهت المهمة بسلام؛ ولم تسنح الظروف لتمارا حتى إلقاء نظرة عابرة على السيارة. اتسع المكان للجميع داخل الفلوفو وشعروا بالدفء. كان على داود قطع المسافة رجوعا إلى بيته. لكنه غير قلق الآن وهو يقود السيارة بسعادة ووثوق جعله أكثر توازنا واطمئنانا. تمارا شخصية مرحة بطبيعتها، تحب الكلام كثيرا، لكنها لو تكلمت عدة ساعات لا يشعر محدثها بالملل. إنها تضفي على كلامها جوا من المرح وروح النكتة. وتسمح لنفسها بتحويل حتى اللحظات الحرجة الدراماتيكية إلى حالة مشحونة بالنكتة، وتصوغ تلك النهاية التي لا بد أن تنفجر بموجة من الضحك العارم وسط السامعين.
قالت تمارا:
ـ " تعرفت على هذه العائلة السويدية في الباخرة،؛ أوو.. الباخرة، إنها أروع مكان رأيته في حياتي. كانوا لطفاء جدا.. أحبوا الصغار وراحوا يمرحون معهم طوال وقت الرحلة، وقد أشبعوهما بالشكولا والآيس كريم واللعب. كنت أتحدث معهم الإنجليزية. زاد احترامهم لي. لكم كانا ظريفين. عندما لم نجدكم في الميناء ظلا معي. لقد انتظرا معي في ذلك الميناء حتى الساعة الواحدة. كانت الباخرة قد وصلت الساعة التاسعة.. يا لهم من أناس طيبين".
يعلم داود جيدا أن لا وجود لبشر يفعلون هذا؛ نقصد هذه التضحية الكبيرة إلا إذا كانوا مضطرين، بمعنى مجبرين، كما هو وأختها. أو لابد أنهم رسل من السماء. والحال يقول لداود بدون إجتراح أي معجزة "إنهم رسل من السماء". لم تبد سارة اهتماما بكل ما جرى. ولم تعلق أي تعليق لأختها عن ساعات الانتظار الطويلة والمشارفة على بلوغ اليأس، وعن خيارنا الأخير بالاتصال بيعقوب أو سلمان. اكتفت فقط بالقول لها بسهولة كاملة تعبر جيدا عن راحتها وسعادتها الحقيقية:
ـ "كنتُ على يقين أنك ستكونين اليوم هنا في السويد".
صدقَّ داود كلام زوجته لأنه ميال إلى تصديق المعجزات.
رجل أربعيني متكرش أهمل نفسه، وبعض الشيب على سالفيه، وملابس أنيقة لكنها مبعثرة جراء الرحلة الطويلة. كل ذلك جعل داود يشعر بالفخر، خصوصا هذا المرح العفوي الجميل الذي تبثه تمارا في أجواء رحلة الإياب. تأملها مليا بزاوية من عينيه الذكيتين، وأدرك الشبه الكبير بينها وبين أختها حين تعرف عليها قبل عشرين عاما. إحساس جدد الدماء في عروقه وبدا أكثر حيوية وشبابا. أفردوا لها ولطفليها غرفة في الشقة الصغيرة بعد أن حشرا طفليهما في الغرفة الصغيرة التي كانت مخصصة للبنت الكبرى. لم يكن هنالك في الكون امرأة تتمتع بما تتمتع به تمارا من مرح وحيوية وانسجام مع المحيط الذي تعيش فيه. باشرت في صباح اليوم التالي بتنظيف البيت بشكل عام. منذ اليوم الأول باشرت العمل الجاد والجميل. حدث ذلك وهما ما يكادان ينهضان في اليوم التالي من النوم للذهاب إلى العمل، عندما تقترب الساعة من السابعة صباحاً.
لم تكن تمارا لتفضل المكوث في الفراش وهي ترى الجميع يفيق فجرا ليصب ساقيته الصغيرة في مجرى الحياة الكبير. هذا إلى العمل وذاك إلى الدراسة والأطفال كما هي العادة إلى "المدرسة". تمارا تنهض صباحا بدون قلق، وهي جميلة وشبعانة من النوم. وتباشر تواً بالمشاركة في إعداد الفطور. كانت تعمل كل الأشياء وكأنها في بيتها. كان ذلك أمراً رائعاً ويُشعر المرء بالبهجة والحبور. وهي تظل تحتفظ بقميص نومها الجميل كما هو، ولا تذهب للحمام لتصفيف شعرها أو لوضع المكياج الخفيف. كانت طبيعية وجميلة هكذا، كأنها عاشت في هذا البيت منذ وقت طويل. "ما أجمل الحياة". قال داود في داخله. سارة بدت طبيعية كما كانت على الدوام. سارة هذه لا تؤثر بها حتى الهزّات الأرضية. إنها تعلم كل شيء يدور في هذا الكون. يعجب داود كثيرا لكل هذه الثقة بالنفس التي تتمتع بها زوجته. يشعر بالغيظ أحيانا، لكنه يفكر بحكمة الحياة أكثر. إذ ليس من المعقول أن يقف البيت على دعامة واحدة هي رأسه هو. فليقف إذاً على دعامتين، أو بالأحرى رأسين، رأسه ورأس سارة القوي والحكيم.
العودة إلى البيت بعد العمل والدراسة صار أكثر بهجة من مغادرته. البيت نظيف بالكامل، ولا نقطة غبار. ولا جورب ملقى على الأرض أو في الزوايا دون سبب. الملابس الداخلية كانت موضوعة بالغسالة وتُغسل. المطبخ يلمع كواجهة محل أحذية في السوق. الملابس التي تُرمى هكذا تعود لتصفف من جديد. كاد كل شيء يزهر في البيت. حتى النباتات الميتة في أصص الزهور المركونة على أفاريز النوافذ عادت إليها الحياة من جديد. ولأول مرة خلال وجوده في السويد كان داود يجد فراشه مُرتّباً بانتظام لعدة أيام. :"كيف لا يضحي المرء بأعز ما يملك من أجل هذه المرأة الرائعة؟". قال داود في داخله.

إنه وضع غير معقول بدأ يواجهه. خبرته في الحياة بدأت تدخل في مضمار من التكهن والحسابات المنفعلة. هكذا يواجه المرء بعض الأحداث التي لا يتوقع مواجهتها على الإطلاق. داود يكتشف الملاك بجسد وروح هذه المرأة التي حلت في بيته. حتى ليخال أنها أكثر حيوية من زوجته. جميلة وزاهية دوما، وبسيطة كرغيف خبز. تقف إلى جانبه في المطبخ لتساعده في إعداد الطعام. تأخذ السكين من يده وتقطع حبة الطماطم، وعندما يهم بمسح الطاولة تضع كفها الملائكي الأبيض فوق الطاولة وتأخذ قطعة المسح لتقوم بالعمل المطلوب. كانت تعبق في جو البيت كما تعبق وردة رائحة طيبة فريدة. هي مثل ماكينة تنتج البراءة. هل توجد براءة في هذه الدنيا؟ داود رجل غبي وبليد إلى أبعد الحدود. إنه يبحث عن "الطهر" في كل مكان، حتى لو كان قمامة. وهاهو قد عثر عليه. ليبلع الخازوق إذاً. عندما رأى صديقه "بهرز" وهو الصديق الأقرب إليه، عندما رأى تمارا للمرة الأولى ظن إنها زوجته سارة وقد صغرت بعض الأعوام. الأختان تتشابهان إلى درجة كبيرة. بعد قليل أكتشف الصديق أنها ليست الزوجة، وإنما أخرى تشبهها تأخذ دورها ببساطة وحب. قال لداود ورأسه يكاد يسقط على المائدة من شدة السكر: "إنها فتاة جميلة . ألم ينصفها الزمن حتى الآن؟".
إن كرش رجل أربعيني والشيب على سالفيه هي علامات واضحة على ملمح رجل شريف. ليس بالإمكان أن تهتز ثقته بنفسه بسهولة، لكنه يدرك مستوى خطر المجازفة. وجود تمارا الغريب والبسيط في عالمه المنتظم، أوحى له بما يمكن أن تفعله الملائكة الطاهرة بالبشر العاديين من أمثاله. ملاك طاهر بإنسان. هكذا يتوقد فيه الفرح وتتقد فيه جذوة الحب من جديد. بعض الأحيان تجري الأمور هكذا، ليس بالإمكان أن تخضع لأي تخطيط.
أخذ داود يحن إلى العودة إلى البيت سريعا بعد العمل. وصار يحسب ساعات الدوام بالدقائق والثواني. يأتي سريعا ليرى البيت بكامل النظافة والترتيب. صار البيت أشبه بالجنة. فوق ذلك فيه روح مميزة تبث أنفاسها في جنبات الحيطان والغرف وفي كل الحاجيات الموجودة. لم يكن جهاز التلفزيون نظيفا هكذا، ولا غسالة الصحون المليئة دوما بالصحون القذرة. الأسرّة كانت تُرتب وتُبدل وتغسل. والتحفيات الصغيرة على رفوف المكتبة استعادت رونقها ووجودها ومعناها. شيء واحد لم تتدخل به تمارا بالرغم من مشاركتها الحيوية فيه هو إعداد الطعام بشكل كامل، نقصد تحديدا اختيار الوجبة الرئيسية. لم تتدخل في هذه القضية مطلقا، وتركت القرار دوما لأختها. لكن عندما تطلب منها أختها إعداد وجبة ما، فهي تعدها بالشكل الكامل، بل ربما المثالي. أكلها قليل لكنه منتظم. ولم تكن تشعر بالجوع على الإطلاق. كانت مكتفية دوما وبشكل بسيط، كأس من عصير البرتقال، كأس من الحليب، تفاحة، خوخة. هذه الأشياء المفيدة والسلسة الهضم في المساء، وبين الوجبات الرئيسية. لهذا السبب ربما كانت تتمتع بكل هذه الرشاقة المتقنة. يبدو أنها كانت في السر تضغط على نفسها كثيرا، لكن لم يبد عليها التوتر العصبي الذي يرافق الناس الذين يمارسون نوعا من الحمية الغذائية أو الريجيم. يعجب داود على الدوام أن تمارا تتصرف بشكل ملائكي خالص. حين يأتي في أوقات غير معهودة تتصرف وكان الأمر هو هكذا. وحتى لا تشك بقدومه المبكر وقطعه العمل في منتصف النهار. لم يكن يلوح عليها الاستغراب أو الدهشة. ولم تبادر إلى توجيه الأسئلة الخبيثة مثل بعض النسوة اللئيمات اللواتي يشعرن بحب الرجل الخفي لهنّ ومقدار حرجه وحيائه بالإفصاح. أسئلة من قبيل: "لماذا عدت الآن في وضح النهار؟" أو "هل أخذت إجازة من العمل؟". إنها تستمر في عملها في التنظيف اليومي الرائع للبيت وكأنه بيتها. لا تكل من التنظيف والحركة الدائبة من غرفة إلى غرفة. تجد ما تعمله بكل سهولة، وتكاد أصابعها الرقيقة تدخل في تفاصيل البيت. جمعتهما غرفة النوم ذات مرة، نظر إليها داود للمرة الأولى نظرة غريبة. رأى وجهها بوضوح ومن دون خجل. خدها الأبيض المتورد يلمع تحت ضوء النافذة، وجهها الذي يتمتع بالسكينة والذكاء. أدركت مغزى النظرات وقالت كلمات تدرك جيدا وقعها: "سارة مهملة عندما كانت صغيرة؛ أمي تقول ذلك كلما تذكرتها، أمي تموت بحب سارة وتتحدث عنها باستمرار. وتقول أنها تهتم بنفسها وبزينتها بالدرجة الأولى.. تقول أمي إنني أشبهها كثيرا.. هل تعتقد ذلك؟".
**
غطس جميل في مستنقع المهربين في "الاتحاد السوفييتي" السابق، على الخصوص في العاصمة موسكو. نجح في تهريب زوجته وطفليه وكان عليه الانتظار والبقاء في "محطة روسيا" لمواجهة جميع الاحتمالات، بما فيها احتمالات السجن والنفي والإبعاد. روسيا محطة هامة للعبور إلى البلدان الاسكندنافية، وفي مقدمتها السويد. تحولت هذه البلاد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي إلى منظمات صغيرة تتلاعب بها المافيا الجديدة. المافيا على الطريقة الروسية. مافيا خطيرة ليس لها تاريخ أو تجارب أو تقاليد "شريفة" سابقة. مافيا تشبه لعبة الروليت الروسية، طلقة بالهواء والأخرى ربما تقع في مركز الرأس وتنسف الدماغ. جميل شاب عراقي عديم الخبرات، لكنه غير هيّاب، إلى درجة تجعل المرء يفكر في أنه ليس جباناً أيضاً. طبيعته البشرية تتلخص في مقدار نذالته ومهارته في الإيقاع بالآخرين عن طريق تصّيد نقاط ضعفهم. فهو يتمتع بنذالة مرهفة تجعله يتخلص من الضرب والعقاب وربما الموت. لديه القابلية المذهلة للتخلص من جميع المواقف الحرجة والمرعبة التي ربما تلحق بالمرء عشوائيا. قصير وقوي البنية كعتّال تركي. لكنه أبيض البشرة، بشعر أشقر مجّعد غير نقي اللون، وغريب الملامح بحيث لا يمكن للمرء تخمين البلاد التي ينتمي إليها. كان المبلغ قد دُفع بالكامل لتهريبه هو وأسرته الصغيرة إلى السويد. لكن كبير المهربين باول أخبره: "إن من الأفضل سفر الزوجة والأطفال في الرحلة القادمة، أما هو فمن الأفضل أن ينتظر في روسيا، أو سوف تتغير جميع المخططات". لا يمكن لأحد اللاجئين الضعفاء المستباحين كالعبيد أن يقول كلمة "لا" للإمبراطور باول. كلمته قاطعة كحد السيف؛ وهو بالأخير رئيس عصابة من السفلة تحظى بدعم المافيا الروسية القذرة. في غضون تلك الأشهر القليلة تعلم جميل فنون المافيا الروسية ورجالها من الأوغاد السفلة المنحطين. هو شخص طموح ومبادر وقوي. فضلا عن ذلك كان يتمتع بذكاء غير اعتيادي. في يوم ما بعد انصرام الشهر الثالث على رحيل أسرته دخل على زمرة من عصابة باول في موسكو، قال لهم:
ـ "سأقتلكم جميعا إذا لم ألتحق بعائلتي في الرحلة القادمة. أخبروا رئيسكم بذلك". بلغ النبأ الإمبراطور. قال لرجال عصابته بمنتهى البرود:
ـ " أرسلوه في أول رحلة حتى لو كانت إلى الجحيم"!
حجزوا له تذكرة سفر إلى بولندا وقالوا له هذا الطريق إلى السويد. تطلع إلى البطاقة وبلمحة سريعة عرف الخدعة.
قال لهم:
ـ "هذه البطاقة توصلني إلى الجحيم وليس إلى السويد". تبادلوا نظرات الاندهاش. تطوّع أحدهم بالقول مندهشاً:
ـ "رباه.. هذا صحيح..، موظف مكتب الطيران أبن الزانية.. كم هو غبي.. لقد أوقعنا في ورطات كثيرة سابقة.. إنه حتى لم يكمل الخط إلى السويد.. هذا الغبي".
انصرف رجال عصابة التهريب وتذاكر الحجز في أيدي أحدهم. وبينما كانوا ينزلون سلالم الدرج،
قال الرجل الذي أشترى البطاقة:
ـ "النغل؛ كيف أكتشف الأمر؟".
ـ "ابن الزانية يتقن اللغة الإنكليزية كذلك!". قال الآخر
اكتشف جميل أنه شخص "بولندي" في الجواز؛ كان يمكن للمرء أن يعتقد ذلك عند التطلع إلى وجهه وهيئته العامة. فهو أشقر وقصير وغير أنيق، وله شارب غليظ مثل عمال الموانئ البولنديين. بقيت ليلتان على موعد الرحلة، وهما كافيتان لتعلم بعض اللغة البولندية على سبيل الاحتياط. حفظ العد من الواحد للمئة، وأختار المدينة التي ولد فيها على الأراضي البولندية، وتذكر كذلك أنه كان في سن الثالثة عندما هاجرت عائلته إلى أستراليا. وقضت أمه نحبها في الطريق وعاش مع زوجة أبيه الأسترالية، لذا لم يتقن اللغة البولندية، وإنما تمكن من اللغة الإنكليزية. وكان عليه أن يعيّن المدينة التي عاش فيها وذهب إلى مدارسها في أستراليا، ولم يكن ذلك بالأمر الشاق بالنسبة له، حيث انه مولع بالجغرافية أيضا. كان كل شيء جاهزاً ومرتباً بتسلسل زمني دقيق داخل رأسه. وقد استفاد من هذه القصص الخيالية أيما فائدة. لو كان أي عراقي غيره قد ولج هذا الطريق لكان مكث في أحد السجون البولندية حتى الآن، وإلى آخر العمر. أما جميل فقد أذهل الشرطي البولندي الذي بدأ بالتدقيق في جوازه المزور في المطار وهو يتحدث أليه كما يتحدث إلى واحد من بني قومه. كشر له جميل عن أسنانه مبتسما ببشاعة وبدأ العد من الواحد إلى المئة باللغة البولندية. ثم أدار الموجة على اللغة الإنكليزية وراح يسرد قصة حياة هجرة عائلته إلى أستراليا وكيف قضت أمه نحبها في الطريق وهو لم يزل مجرد طفل صغير. لم يكن الشرطي يفهم الإنكليزية بشكل دقيق، مع ذلك كادت الدموع تسقط من عينيه اللتين اغرورقتا بدموع العطف والرقة. فاستدعى شرطيا آخر أكثر مهارة منه وأنصرف للتمخط بأدب. فتبادل الشرطي الآخر حديثا قصيرا مع جميل الذي كان أسمه البولندي في جواز السفر "ديمتري جابوتسكي". وبعد لحظات سلّمه الجواز والبطاقة وتمنى له رحلة سعيدة إلى السويد. لم تكن في جيوب جميل ـ ديمتري سوى عشرة دولارات أمريكية. مع ذلك وقف أمام باب بيت داود في ذلك المساء وقرع الجرس تلك الضربة التي لامست قلب تمارا فقالت لأختها:
ـ "هذا جميل يقرع الجرس".!
ظل داود ماكثا في مقعده واعتبر أن تمارا بدأت بالتخريف. لكنه سمع صوت رجل عند الباب وتراكض الطفلان عند سماع صوت أبيهما. شعر داود بالصدمة والذهول، ثم قال وهو يرحب بهذا الرجل القصير:
ـ "كيف وصلت إلى البيت؟ لم نعلم حتى بموعد سفرك"!
قال جميل وهو يبرز فكي أسنانه الضخمة مبتسما:
ـ " لقد تم الأمر سريعا، إنها مفاجأة أليس كذلك؟".
ـ "ولكن لماذا لم تتصل من المطار؟ كيف وصلت البيت؟". سأل داود ولم تزل مشاعر الذهول تسيطر عليه
ـ "الأمر بسيط للغاية.. عندي عنوانكم.. لكن كم تكلف أجرة التاكسي من المطار إلى بيتكم؟"
ـ "أكثر من مئتي كرون، أي حوالي العشرين دولارا أمريكيا". أجاب داود
ـ "عجيب؛ لم يكن بحوزتي سوى عشرة دولارات. أقتنع بها السائق السويدي. ياله من رجل طيب”!
لم يصدق داود هذا الكلام؛ السائقون هنا لا يفعلون ذلك. أطل من الشرفة ولم يجد أثرا للتاكسي. "هذه أول مرة تحدث لنا مثل هذه القصة؛ عجيب" راح داود يتمتم مع نفسه بدهشة. "لقد وصلوا إلى بلاد المال والحظ والأعاجيب".
قال داود وهو يتطلع إلى وجه عديله بإعجاب:
ـ "أنت شاطر حقا".!
في غضون ساعتين، أي قبل حلول الساعة التاسعة مساء، وبعد انتهاء العشاء بقليل كان جميل قد سأل داود أكثر من ألف سؤال عن السويد والحياة فيها. حتى كاد رأس داود الذي يكره الأسئلة بشكل عام أن ينفجر. وتطوعت سارة التي هي عكس زوجها تتلذذ بالإجابة على أتفه الاستفسارات وتقوم بالشرح الوافي لها، وأخذت زمام المبادرة وراحت تجيب على كل الأسئلة كما يحلو لها. حتى أن جميل ابتدأ يأخذ كلامها على محمل الجد ويحسب لكل معلومة حسابها.
بعد أن كون فكرة مشوشة عن الحالة الاقتصادية، وذلك كان همه الأول جملة وتفصيلا، اعتبر "أن العمل في الدولة لا يُسمن ولا يغني عن فقر". أولى أسئلته كانت: "هل تشتغل؟" وإذا كان الجواب بنعم أردفه بسؤال "ماذا تشتغل وأين؟". وبعد الجواب يأتيك السؤال التالي: “كم تتقاضى في الشهر؟" وبعد الإجابة: "كم يكفيك مصروفا بالشهر؟". وبعد الإجابة يأتيك السؤال التالي: "كم تستطيع التوفير من دخلك الشهري؟". إنها سلسلة طويلة من الأسئلة التي لا نهاية لها. كان يلتقط أنفاسه فقط لمباشرة السؤال التالي. أما المعونة الاجتماعية والحصول على الإقامة الشرعية في هذا البلد فتلك أمور مفروغ منها. هو يعرف كل شيء. فكر داود بتركه ينعم بزوجته وطفليه عدة أيام، لكنه وجده مستيقظا قبل الفجر وقد جلس في الصالون يشاهد أخبار الصباح على القنال العام للبث السويدي.
ـ صباح الخير.
ـ صباح الخير. رد جميل وهو يمسك جهاز التحكم البعيد بالتلفزيون.
قال له داود:
ـ أنت لم تنم كما يجب.. هل فراشك غير مريح؟
ـ أووه.. كلا.. كلا ..الفراش مريح جدا.. لكنني شبعت نوما.. بالمناسبة إلا تشبه اللغة السويدية الإنكليزية بعض الشيء؟
ـ نعم هي تتشابه قليلا.. لكنها لغة مختلفة على أية حال.
ـ ما هي أسرع الطرق لتعلم هذه اللغة برأيك؟
ـ أن تذهب إلى المدرسة بانتظام. أبتسم جميل ابتسامة ماكرة واعتبر في سره أن داود لا يقول له الحقيقة ولا يريد نقل خبراته بسرعة إليه. وقال بما يشبه السخرية والمزاح:
ـ المدرسة لا تعلم كل الأشياء.
ـ الباقي يقع على جهدك الخاص والرغبة بالتعلم.
منذ ذلك الصباح باشر بقراءة كل ما يقع بين يديه من كتب الأطفال السهلة والكلمات المبعثرة هنا وهناك في البيت. أسماء الفواتير والأشهر والأيام على الروزنامة. وفي غضون يومين كان يعرف باللغة السويدية أسماء البراد، الطباخ، والصحون، والملاعق، والشوكات، والسكاكين، وأسماء الكراسي والطاولات والأسرة والمقاعد والغرف وكل ما يحتويه البيت تقريبا. الفرق بينه وبين تمارا التي مضى عليها قرابة الثلاثة أشهر أنها لم تنطق ولا كلمة باللغة السويدية ولم تسأل عن معنى أي كلمة أو شيء. كانت تتأمل الأطفال يتحدثون بالسويدية وهي تكاد تغرق بالضحك والبهجة.
تعلم الكثير من الكلمات والمفردات بدرجة تثير الإعجاب حقا. وقع بين يديه قاموس إنكليزي ـ سويدي كان في البيت وراح يبحش فيه كما تبحش الدجاجة عن حبة قمح بين الحصى. تحولت أسئلته عن معاني الكلمات بالسويدية. كان ذلك أمرا مرهقا بالنسبة لداود. جميل يتخيل أن داود وسارة يتقنان اللغة السويدية بالكامل بعد السنوات الست التي مضت على وجودهما في السويد. وكان يعجب كثيرا عندما يسأل عن معاني كلمات غريبة ويجيبه داود" "لا أعرف هذه الكلمة بالضبط" وأحيانا يكتفي بـ "لا أعرف". لكن مشكلة سارة أنها لا تستطيع أن تقول "لا أعرف"، حيث تعتقد على الدوام أنها تعرف كل شيء في هذا الكون حتى اللغة السويدية. وحين يتعلق الأمر حقا باللغة السويدية تشعر بالخجل التام بأن تقول "لا أعرف" أمام أقرباء وصلوا السويد للتو. كان هذا الأمر شاقا عليها، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة إلى داود الذي قال لها ذات ليلة داخل الفراش: :لا تتعبي نفسك مع هذا النغل.. أنه يعرف كل شيء". وحتى لو ردد داود هذه العبارة آلاف المرات في أذني سارة فهي لا تسمع، وإن سمعت فهي لا تتعلم. لذا أنفرد بها جميل وهو يوجه لها الأسئلة تلو الأسئلة. سارة تشعر باللذة وهي تجيب عن الأشياء التي تعرفها من دون شكوك. لكنها تتلعثم وهي تحاول شرح المعاني التي لا تفهمها هي بالذات جيدا. لكنها تحافظ على توازنها وهدوئها حتى وإن كانت تشرح المعاني بشكل خاطئ تماما. عندها يقول لها جميل الذي يجعلها تغطس بالخطأ حتى النهاية ومن دون إمكانية التراجع أو تأويل الأقوال، ويظهر لها القاموس الإنكليزي ـ السويدي ليثبت لها بالدليل القاطع أنها كانت على خطأ. لم يكن ذلك الأمر ليؤذي سارة أو يشعرها بالضجر. ربما كانت تقول عن جميل بعض الأحيان: "كم هو سخيف عندما يدقق بكل كلمة تُقال". لكنها بدأت تقلل من شأنه ومن دأبه الأبله في تعلم اللغة في وقت غير طبيعي ومن دون أصول. وأخذت تصب اهتمامها على رعاية أختها وطفليها.
لم يكمل جميل الشهر الأول حتى بدأ يتطلع باهتمام إلى العالم الخارجي والتعرف على المحيط المجهول الذي يعيش فيه. جميع الاتصالات بالجهات السويدية الرسمية تم إنجازها عن طريق سارة وداود. لم يخل الأمر من التدقيق المتشكك والمرعوب الذي يبديه جميل عن كل معلومة تتعلق بماضيه. وكان يرافق كل ذلك البحث في تفصيلات جزئية صغيرة تدور حول معطيات عادية عن حياته في العراق ومهنته ولماذا جاء إلى السويد ليطلب اللجوء فيها بالذات. في ما يخص المعلومات المتعلقة به كان يريد إعطاء معلومات مغايرة. وعندما قال له داود "لماذا تريد أن تفعل ذلك؟" قال: "لم نتعود في العراق على إعطاء معلومات صحيحة للدولة عن أي شيء يتعلق بنا". وقال له داود "هذا سيضّر بك في المستقبل". وعن طبيعة ونوع اللجوء الذي سيختاره جميل سأله داود:
ـ " هل تفضل اللجوء الإنساني أم اللجوء السياسي؟". داخ جميل وكأنه ضُرب بهراوة على يافوخه.
قال جميل مرتاعا وقد سمع كلمة "سياسة":
ـ "ماذا تقصد بهذا الكلام؟"
قال داود موضحاً:
ـ "اللجوء السياسي يعني أنك مضطهد سياسياً في بلدك وعليك إثبات ذلك للسلطات السويدية. يعني انتماءك إلى حزب معارض للنظام أو اشتراكك في مقاومة ضده. أما اللجوء الإنساني فهو يتعلق بعدم القدرة على العيش في بلادك بسبب العِرق أو الدين أو الجنس أو الحرب".
سأل جميل:
ـ "أيهما أحسن برأيك؟”.
ـ "لا يوجد أحسن أو أسوأ، تلك حقائق فقط".
ـ "لا.. لا.. أقصد أيهما الأفضل؟”.
ـ "طالما أنت ستطلب اللجوء فكلاهما جيد؛ لا توجد فوارق كبيرة بينهما. لكن في حالة طلب اللجوء السياسي تحتاج إلى أدلة مقنعة إلى حد ما، وأيضا سيكون من الصعب عليك العودة إلى بلدك. وستكون أنت من يتحمل عواقب خطر زيارة بلدك. وهذا منصوص عليه في معاهدة جنيف الخاصة باللاجئين السياسيين. أما اللجوء الإنساني فلا يتطلب مثل هذه الشروط. لكن لك الحق بطلب الجنسية السويدية بعد سنة إضافية عن الذي يتمتع باللجوء السياسي. هذا كل ما في الأمر".
ـ "وأنت يا داود ما نوع اللجوء الذي لديك؟".
ـ "أنا لاجئ سياسي.. أنت تعرف ذلك".
ـ "أعرف أنت شيوعي من زمان". قال ذلك بما يشبه السخرية أو الدعابة
**

النافذة الوحيدة التي يمكن أن يطل من خلالها جميل على العالم الخارجي كانت داود. داود يذهب إلى العمل السابعة صباحا، ويؤوب إلى البيت قرابة الخامسة مساءً. يأتي منهكا ويود فقط خلع الحذاء من قدميه. بينما جميل يختزن جميع طاقته وحيويته من خلال سارة وداود. تقوم سارة ببعض المجاملات كونها امرأة مضيافة والموضوع يتعلق بأختها. لكن داود الذي لديه مشاغل أخرى منها التحضير للعمل والكتابة والاتصال بالناس الذين يعرفهم، فأنه لم يكن جاهزا تماما للمجاملات المباشرة. كان يكتفي بالابتسامات والمشاركة بالوجبة الكبرى في اليوم داخل البيت وميعادها حوالي السادسة مساء. جميل لا يشارك في هذه الوجبة، ولا بالوجبات كلها، حتى في أيام العطل من سبوت وآحاد. هو يأكل وقتما يشاء وكيفما يشاء. ولم يكن يمنع نفسه من الأكل مباشرة من الطنجرة الموضوعة على الطباخ حينما يشعر بالجوع. يأكل من رأس "الجدر" ـ الطنجرة ـ وقبل الجميع. كان يصيب بالإحراج زوجته تمارا. كانت تلطم على خدها بعض الأحيان خجلا، لكنه كان يضحك عليها. سارة كانت تعرف كل شيء وعلى إطلاع كامل بما يجري داخل البيت. أما داود فقد أحتفظ بدور الرجل المغفل عن طيب خاطر.
تطول أوقات انتظار صدور الإقامة الرسمية في السويد. وعادة ما يسكن اللاجئون في الأماكن المخصصة لهم من قبل الدولة وتدعى (معسكرات اللجوء). وهي غالبا ما تكون أماكن تستوفي جميع الشروط الإنسانية من خدمات صحية وأماكن نوم مريحة ومخصصات نفقة إلى آخره. إنها أحياء سكنية مرفهة تستأجرها وزارة الهجرة من الشركات التي تملكها. لكن اللاجئ الجديد يفضل على الدوام المقام مع أقربائه إذا تسنى له ذلك. وأقرباؤه يحرصون على هذا الأمر بذات الدرجة العاطفية أيضا. هذا الوضع يخلق للطرفين مشاكل كثيرة، لكن هذه المشاكل تبقى أقل أهمية من "العواطف الجياشة" في قلوب الطرفين. إنهم يتحملون هذا الوضع على أية حال، أما التفكير بالمشاكل فهو أمر سطحي، فالمشاكل بين الناس موجودة في الحياة على الدوام ولا يمكن القضاء عليها أو وضع نهاية لها في كل حال من الأحوال، خصوصا تلك المشاكل التي تحدث باستمرار بين الأقارب. يعجب بعض الناس كيف أن المشاكل تدب بين الأقرباء، بل الأكثر قربا إلى بعضهم. لماذا نقول ذلك؛ الأخوة يتشاجرون فيما بينهم كما لا يتشاجرون مع الغرباء. وليس كما يتشاجر الغرباء معهم. الأمر بسيط للغاية؛ الأقرباء والأخوة يحتكون ببعضهم أكثر بكثير من احتكاكهم بالناس الغرباء. وهؤلاء تربطهم مصالح حيوية يومية وحياة مشتركة تفرضها رابطة الدم. بينما لا توجد مثل هذه العناصر الحيوية بين الناس الآخرين الغرباء عن هذه الكتلة الموحدة. من المنطقي جدا أن تكون الخلافات أكثر وأكبر بين الأخوة أنفسهم مما تكون عليه بينهم وبين المجتمع. وكل أسرة لديها مشاكلها الخاصة بها؛ تبدأ من مشاكل الإسهام اليومي في الوضع الاقتصادي، ولا تنتهي بتقسيم التركة عند الوفاة بظروف طبيعية أو الموت في الحوادث المؤسفة. ومعروف كيف تتحد العائلة الواحدة ضد العائلة الأخرى، حتى لو كانت من الأقارب، فما بالك بعائلة غريبة. تلك هي سنة الحياة، وهذا هو الشكل المنطقي لها وليس العكس.الأمر كله يتعلق بمستوى "الاحتكاك" بالآخرين. كلما ازداد الاحتكاك والتواصل والمنافع بين الناس ازدادت المشاكل بينهم. لهذا السبب نجد أكثر المحبين لبعضهم لا يفترقون، بعد أن يتجردوا من كل المنافع المادية البشعة، والإبقاء على الشعور بالمحبة والعطف، حتى يلتقوا من جديد.
تمارا بدأ يعتريها الهزال وتتخذ لون المرض الشاحب. وجهها صار باهتا ويزداد بياضا شمعيا لا يبعث على الراحة. رغم ذلك لم يفارقها المرح، والابتسامة المرسومة على وجهها لا يمكن أن تغيب. مثل هذه الوجوه لا يمكنها إلا أن تبتسم على الدوام للوجوه التي تقابلها. إنها وجوه إنسانية خاصة ومميزة، وجوه نادرة. ليس بإمكان تمارا ألا تبتسم بوجه شخص يودعها على فراش الموت. حتى لو كانت غاضبة فهي تبتسم، وبدل أن تصفع الإنسان الذي يسيء إليها، فهي تغرق بالضحك عليه. بينما كان جميل على العكس تماما من ذلك، وهاهو يثخن كفرس نهر في مستنقعٍ أمين ـ هو بيت أختها ـ قال لداود متعجبا:
ـ "علاقتك بالناس قليلة جدا.. أريد أن ألعب رياضة.. لقد أزداد وزني كثيرا".
قال له داود:
ـ "هل لديك رياضة معينة تفكر بها.. هل تختص بلعبة رياضة محددة؟".
ـ "نعم؛ أحب لعبة كرة القدم".
ـ "هل تحب اللعب وحدك أم اللعب مع فريق؟".
ـ "مع فريق يكون الأمر أحسن".
ـ"هل تلعب مع هواة أو محترفين؟".
ـ"أنا لاعب جيد، بل ممتاز في كرة القدم".
أخذ داود كلام جميل على محمل الجد؛ وفي مساء اليوم التالي وقف مع مدرب فريق المنطقة لكرة القدم، وكان يوغسلافيا في الخمسين ولاعب كرة قديم، وهو سائق باص داخل المدينة. تبادلا التحية بينهما معرفة سابقة بحكم العيش بذات المنطقة. قال له داود:
ـ "هذا لاعب كرة قدم؛ ترك اللعبة منذ وقت لظروف إجبارية، هل يستطيع التمرن مع الفريق؟ إذا كان به خير سيفيدكم، ولن يضركم إذا كان لا ينفع"؟.
قال يوشكا اليوغسلافي وهو ينظر إلى تلك الكتلة البشرية القصيرة التي تقف في ظل داود الفارع:
ـ "ليأت غدا إلى التمرين عند الساعة السادسة وسنرى".
عادا إلى البيت؛ انهال جميل بكل الأسئلة المتاحة على رأس داود. أسئلة تافهة عن أفراد الفريق ومن يلعب به والبطولات التي شاركوا بها، وكم يتقاضى المدرب وهل يدفعون للاعبين أو المتدربين الجدد، وأخيرا قال:
ـ "هل لديك حذاء كرة قدم عتيق؟”
نظر إليه داود نظرة شزراء، تشبه لكمة على الوجه. لكن جميل كشّر كالعادة عن أسنانه البارزة كابتسامة خبيثة متملقة. المصيبة أن جميل من النوع الذي يسأل ليس بسبب الجهل وعدم المعرفة بالأمور. إنه يسأل لمجرد اختبار معلومات محدثه. لذا عندما يعرف الجواب من الوهلة الأولى، ويتأكد من مستوى المعلومات بحوزة الآخر، يعمد إلى إدارة وجهه إلى الناحية الأخرى وكأنه لا يخوض أي حديث مع من يحاوره. وإذا حدث وأستمر محدثه في الجواب فمن السهل عليه تغيير السؤال بآخر، والحديث عن موضوع لا يمت بصلة إلى الموضوع الذي قبله. لهذا يترك محدثه في بلبلة مستمرة تصل حد السخط في نهاية الأمر.
تعّرف جميل على الجيران المقربين، وأصدقاء عائلة داود القليلين لكن الدائمين. وكان على الدوام يسجل في دائرة معلوماته المستقرة في ناحية محصنة من ذاكرته الشديدة الاتقاد كل صغيرة وكبيرة. كان يجوب المدينة طولا وعرضا بينما كان داود وسارة في العمل. عرف المدينة ودرسها شبراً شبرا. كان يستعمل الدراجات الهوائية الخاصة بداود والأطفال. دوما كان يجابه الاحتجاجات البسيطة التي يعلنها الأطفال للاستخدام السيئ لدراجاتهم الهوائية بذلك التكشير الذي يعتقد إنه ابتسام. فكان لا يرجع الدراجة إلى مكانها المعتاد، وإذا حدث عطل بسببه فهو يلتزم الصمت المطبق، ويمثل الطفل أمام العقاب والتوبيخ. وعندما تنكشف الأمور جليا، يغدو كالأبله المعوز الفقير، عليك أن تساعده في جميع الظروف. بعد الخبرة التي جمعها في غضون شهرين، ربما تعادل عامين أهدرها غيره من دون طائل، قال لداود الذي لا يقوى على نش الذباب من حوله جراء التعب اليومي في العمل والكسل المزمن:
ـ "يجب أن تسمعني داود.. العمل في الدولة هنا لا يُسمن ضعيفا ولا يغني فقيراً"".
قال داود ببلاهة رجل تعبان:
ـ "ماذا تقصد؟".
ـ "أقصد عملك أنت وسارة من الصباح حتى المساء.. ماذا تحصلان مقابل هذا العمل؟ أنتما شبه مفلسين".
ـ "وماذا تريد أن نفعل برأيك؟".
ـ "نشتغل بالتهريب".
ـ "تهريب؟”.
ـ "نعم تهريب.. الكل يشتغل بالتهريب.. هذا باول.. إنه مليونير.. هو يشتغل بالتهريب".
ـ "هل تريد أن نعمل بتهريب الناس؟ أشتغل قوادا ولا أعمل بهذه التجارة".
ـ "لا..لا .. تهريب الدخان والشراب".
ـ "أخي لا أنصحك بهذا الطريق.. أنت لم تحصل على الإقامة الرسمية بعد. اذهب لدروس تعلم اللغة.. هذه أمور خطرة".
ـ "أنت تحب الفقر.. أنا أعرفك ذلك جيدا".
**
خلال فترة قصيرة حصد جميل عدة ألقاب بين فئات المهاجرين من كل الأنواع. "جميل المصري" "جميل المطفي" "جميل السائق" "جميل دمعة" "جميل الثقيل". وكان سعيدا بجميع هذه الألقاب المميزة.
ذهب إلى التمرين للمرة الثالثة مع فريق كرة القدم. لم يكن يتمرن بل كان يقاتل. يركض في جميع أرجاء الساحة الكبيرة. يرفس هذا ويركل الآخر. نطح عدة مرات لاعبين ليس معهم الكرة كثور هائج مطلق السراح. سخر منه بعض الشباب الذين لا يستحون ووضعوه وسطهم وهم يمررون الكرة بينهم من واحد إلى آخر من دون أن يعرف ألعابهم البهلوانية، حتى سقط على الأرض وقد استند على رسغ كفه الأيمن فانفطرت عظمة ساعده. تم تجبير رسغه في المستشفى، وعند المساء، وبعد احتسائه الشوربة كمريض، وتناوله العشاء كأب قادم من العمل قال: "لقد حسدني الحاسدون لكوني لاعبا مميزا"!
ظلت تمارا على عاداتها وبساطتها المتناهية في الحياة اليومية وقد تماثلت إلى الشفاء بجهود فظيعة من قبل سارة. تعمل كل الأشياء بجمالية عالية. نظيفة وجميلة ورشيقة على الدوام، كأنها خُلقت هكذا، من دون افتعال. داود يعجب كثيرا لهذا التوازن العجيب في الحياة. مثل كفتي الميزان: عقل وحكمة وجمال ـ رعونة وعجالة ودمامة. يا إلهي كيف تجمع النقيضين: تمارا ـ جميل؟ سبحانك، حكمتك يا ألهي.
طال وقت انتظار صدور الإقامة الرسمية لهذه الأسرة العراقية الصغيرة الطالبة للجوء في السويد. بدأ بيت داود يُثقل، بعد مرور ستة أشهر، بأجواء فوق طاقته على التحمل الاقتصادي. سارة بدأت بالشكوى هي الأخرى من تأخر مديرية الهجرة بحسم المعاملات في الوقت الملائم والذي يتحدث عن دقته المسؤولون في وسائل الأعلام ونشرات الأخبار الرسمية. "كله كذب" كانت تقول سارة بعد كل نشرة أخبار يأتي فيها ذكر قضايا الهجرة والمهاجرين. إذا كان الموضوع يتعلق بأي شخص فهو لم يكن يتعلق بجميل. كان مرتخيا وهادئ الأعصاب وعلى يقين بأن الأمر محسوم لصالحه في النهاية. يعرف بالضبط حياة اللاجئين في معسكرات اللجوء. ليست سيئة عندما يضطر الشخص إلى التقيد بها، لكن أين منها الراحة في بيت مستقر بين أحضان أسرة أخت زوجته؟ آكل شارب نائم على ريش النعام، من دون دفع كرون واحد من المخصص الذي يتقاضاه نهاية كل شهر كطالبٍ للجوء. الغيوم الملبدة بدأت تخيم على أجواء البيت. ربما لم يعد بالإمكان تحمل المزيد، فالأمر أصبح أكبر من أن يُطاق. لترٌ من الحليب كان يكفي طفلي داود. لتران، أو أكثر في اليوم بات أمرا ثقيلا. كان يبقى من كل وجبة بعض الطعام، أما الآن فأن الطعام ناقص، وأحيانا من الصعب على الشخص العثور على لقمة إذا جاع آخر الليل. إلا هذه الآلهة الأرضية تمارا، فهي لو عضت الوسائد أو أكلت ذرات الغبار في الهواء لا تقول أي كلمة ولا تنبس بشكوى. إنها تخضع لأقدار الحياة المجحفة بطريقة بطولية لا تقبل الشك أو التأويل. هي عبارة عن "استسلام" كامل لمجريات الحياة. قبل صدور إقامتهم الرسمية في السويد بأيام معدودة كان جميل قد أبتاع "ميني باص" أي شاحنة صغيرة نصف باص من دون علم داود. انتقلت العائلة إلى سكن قريب مؤقت هو الآخر بانتظار أن تدبر لجنة الشؤون الاجتماعية سكنا يلائم أسرة جميل وعدد أفرادها. أستدل على محلات "الأكشون" أي محلات بيع الأغراض المستعملة من أثاث منزلي إلى كل ما يخطر لك على بال. أدوات موسيقية قديمة، بيانو من قرون عصر النهضة الأوروبية، سيوف رائعة من الحروب الصليبية، بنادق صيد الأرانب الصدئة، أطقم من البورسلين الملوكية، صور دوقات وكونتيسات مرسومة على صحون من الخزف الصيني، لوحات زيتية سخيفة رسمها فنانون مجهولو الهوية على الأغلب ماتوا قبل أن يحققوا نصيبا من الشهرة في حياتهم المظلمة. لوازم المطابخ من فرامات لحم وقشارات بطاطس وملاعق وشوك وسكاكين عمياء، إلى الصحون والكؤوس النظيفة التي تغري المهاجرين المفلسين بشرائها حتى لو زاد سعرها عن الصحون الجديدة في الأسواق. هناك حصل جميل على لقبه الأول "جميل المصري". لم يكن ينطوي هذا اللقب على أية إساءة، لكن لكونه غير مصري، وهو عراقي بالتحديد، بدا الأمر وكأنه ينطوي على إساءة ما. أما لقب "المطفي" فقد حصل عليه بجدارة، وهو يعني بالفصحى "المنطفئ" أي الشخص الذي لا يربطه سلك كهربائي (روحي) مع الآخرين. وهذا ينطبق عليه في أوقات الأكل وشرب القهوة ولحظات دفع الحساب. فهو يبلع ولا يدفع. الألقاب الأخرى لم تأت عن هباء؛ فالناس يعرفون الرجل من مهنته عندما تلتقي به أول مرة. وهو قد اشترى الميني باص لنقل البضائع إلى البيوت من محلات بيع الأغراض المستعملة، فضلا عن عمله كسائق أجرة في المشاوير الطارئة. لذا حاز على لقب "جميل السائق". أما "جميل دمعة" فهو لقب يتبع اللقب الذي قبله، إذ كانت عيناه تدمعان عند الحساب على الأجرة في كل نقلة مع أي شخص كان. فتوحد الجمع من المهاجرين السفلة بإسباغ هذا اللقب عليه "السائق جميل أبو دمعة". يبقى أخيرا وليس أخرا لقب "جميل الثقيل" وهذا يأتي من باب التجني على الرجل. إذ على الرغم من أن وزنه الطبيعي يفوق طوله الطبيعي بشكل ملحوظ، فإنه كان يلقي من النكات السمجة مما لا تُضحك أحدا، ويمكث بالمكان وقت يحين رحيل الجميع.
**
مساء يوم بارد تغطي به الثلوج الطرقات العامة والأزقة الفرعية. البرد أزرق كالدماء في عروق النبلاء. جاء جميل ودخل بيت عديله داود مرتعشا كفرخ دجاج ضائع. شاحبا، وبياض وجهه الطبيعي تحول إلى لون الشمع. قال لداود:
ـ "أتوب على يديك"!
حاول داود تهدئة روعه، وصب له كأسا صغيرا من الكونياك جرعه جميل دفعة واحدة وظل ماسكا الكأس بيده مشيرا إلى ملئه مرة أخرى. كان مضطربا وهلعا بحيث أنه يوشك على الاعتراف بجميع ذنوبه للمرة الأخيرة. قال له داود:
ـ "ماذا حدث؟ اهدأ قليلا.. هل تمارا بخير؟".
ـ "تمارا؟ أي تمارا؟ .. تمارا بخير.. كدتُ اذهب للجحيم قبل قليل".
ـ "كيف؟”.
“توما؛ أنت تعرف توما، هذا الآشوري القصير (تصور هو يقول عن توما هذا القصير) كرى الباص مني. لكني لم أستطع تسليمه الباص، لأنه أراده ليوم كامل. توما ليس لديه إجازة سوق رسمية. خفتُ على الباص. عرضتُ عليه أن أكون أنا السائق (هنا يكذب، إذ للسائق أجرة معلومة السعر). فرح توما وزاد الأجرة، وفرحت أنا كذلك. ذهب بي إلى مالمو. وصلنا بعد أربع ساعات. أخذني إلى حي سكني لا أعرف أين يقع. فتح الأبواب وجاء شابان قويان وأخذا يعبئان الباص بصناديق صغيرة حتى أتخمت كل زاوية داخل الشاحنة. ثقلت الشاحنة، لكن توما كان يضحك دوما دون مبالاة. وعبّأ الخزان بالوقود في طريق العودة من أقرب محطة، كما فعل عندما ذهبنا إلى مالمو. الوقت كان عصرا، وما زال في السماء بعض الضوء. سألت توما عدة مرات: "ما هي البضاعة؟". كان توما يضحك كأنه في رحلة مدرسية. عرفتُ إن البضاعة مواد مهربة. وراودني الشعور بطلب زيادة الأجر. هذا حقي، رغم أنني اتفقت معه على الأجرة مسبقا. لم أكن أعرف ما هي البضاعة، لم يخبرني بذلك، ولم نتفق عليه. هذا حقي، أنه لم يخبرني من البداية ماذا سيحمل بشاحنتي، هذا حقي أليس كذلك؟. ضحك الكلب توما وقال لي مطمئنا أنه سيزيد الأجرة. سألني كم أطلب هذه المرة؟ وقال ساخرا مني ومن وعودي التي ليست وعود رجال: "لا يمكن الاعتماد عليك في الشغل؛ الشغل كثير". فكرت بإضافة نصف قيمة الأجرة الحقيقية، لكني قلت له مباشرة: "أطلب الضعف". وقلت له كذلك: "لا أحب أن يغشني أحد". كان توما يضحك على الدوام كأنني أحكي له النكات. بحيث راودني شعور بأن أضاعف المبلغ الأخير كله مرة أخرى. لكن الأمر لم يكن معقولا على الإطلاق. بعد ساعتين من الطريق حلت العتمة تماما. لم أتخيل أبدا أن قيادة السيارة صعبة إلى هذا الحد في شتاء السويد. الطريق كانت جيدة لكن الثلوج كانت تهطل طوال الطريق وتعيق الرؤية. فضلا عن حالة الشاحنة المتواضعة وخدماتها القليلة، بل المعدومة أصلا، من ماسحات الزجاج المهترئة، إلى التدفئة السيئة، وصولا إلى الضوء الأمامي الضعيف والقديم جدا. كل شيء كان بالناقص. كان وضعاً مرعباً، ولم أعد أحتمل القيادة. بينما كان توما يتطلع إلى الأمام مبتسما ولا يشعر بأي خطر. كأنما يقول لي: "تنح عن مقعد السائق.. أنت خائف.. أنت لست سائقاً محترفاً". لكنني كنت أخاف تسليمه قيادة الشاحنة لأنه لا يملك إجازة سوق. أنا أفضل منه، لدي إجازة لمدة سنة (كل لاجئ جديد له الحق بقيادة سيارة في السويد لمدة عام كامل ريثما يستحصل على إجازة سوق رسمية من الجهات السويدية المختصة). جعتُ وأصابني دوار خفيف. فجأة وجدت الشاحنة تنزلق عن الطريق العام وتفلت عجلة القيادة من بين يدي. انحرفت الشاحنة خارج الطريق كما لو كانت دعست على قشر موز، كنت أتخيل أنني أسير على رغوة من الصابون، رهيب ذلك الثلج. انقلبت الشاحنة على جهة توما، إلى يمين الطريق، المعجزة إنها لم تنحرف نحو اليسار، أي على جهتي وإلا اصطدمت بنا جميع الحافلات الأخرى. سمعتُ قرقعة قناني واضحة وهي ترتطم ببعضها. لم يصب توما بأذى لكنه أصيب بالذعر. خرجنا من الشاحنة إلى العراء وكانت العجلات من جهتي ما تزال تدور بالهواء. كان الجو مرعبا؛ الهواء عاصف وبارد يصفع وجوهنا ويكاد يقتلعنا من الأرض. الظلام دامس، كالح، تضيئه أنوار السيارات القليلة المارقة التي لا ترانا. سيارات حديثة ومجهزة بعجلات جديدة وتكنولوجيا متطورة من الداخل تجعل السائق وكأنه يجلس في بيته يشاهد التلفزيون. سيارتي عبارة عن "سكراب" حقيقي. نجونا بأعجوبة. فجأة صفت خلفنا سيارة تشع باللون الفسفوري العاكس. كانت سيارة البوليس. انتابني الخوف من انكشاف أمر البضاعة. لكني شعرت بالاطمئنان من أننا سوف لا نموت من البرد هكذا بالعراء. سألني رجل البوليس الذي ترجل من السيارة فيما إذا أُصبنا بأذى جسدي. أجبنا بالنفي ونحن نرتجف من الخوف ومن البرد. كادت الدموع تنهمر من عيني عنوة، كنت فقط أريد أن أجهش بالبكاء. لاحظ الشرطي ذلك وأخذته الرأفة والشفقة علينا، ونسي بالطبع أمر الشاحنة والتفتيش. قال رجل البوليس بحنان وعطف:
ـ "لا تقلقا، المهم أنكما غير مصابين جراء الحادث". قال ذلك وهو يستعمل جهاز الإرسال ليتكلم مع أقرب مركز لأقرب ناحية من هذه البرية من الثلج والغابات السوداء المخيفة. غادرت سيارة البوليس المكان وتنفسنا الصعداء. بعد أقل من نصف ساعة وصل "كرين" يقوده رجل ستيني قوي البنية يرتدي ملابس خاصة بالطرق واقية من البرد وتشع بالفسفور العاكس. سأل الرجل: ـ"هل يدور الموتور؟". أجبته بنعم. ربط الشاحنة وسحبها وقومها إلى الطريق العام. أخذ أسمي وعنواني وسيبعث لي بفاتورة الحساب. توما هو الذي سيدفع هذه الفاتورة، هو سبب كل هذه المصائب.
قال له داود:
ـ "لكنه استأجر السيارة منك، الشاحنة باسمك. فوق هذا كله أنت الذي كنت تقود الشاحنة".
قال جميل غاضبا عند سماع هذا التعليق:
ـ "هل أنت مع توما؟ أفرض أنه كان وحده ماذا كان سيفعل؟ ألا يتحمل كل هذه الأضرار؟ اشتريت الشاحنة بعشرة آلاف والآن لا تساوي ثلاثة، ما ذنبي؟".
ـ "أنت أجرّت شاحنتك وأجرّت نفسك مقابل مبلغ اتفقتما عليه أليس كذلك؟ هل اتفقتما على تحمل الأضرار؟"
ـ "لا لم نتفق على شيء من هذا القبيل؛ لكنك تقف منذ الآن إلى جانب توما، هذا واضح بكل الأحوال"؟.
ـ "أنا لا أقف معك ولا مع توما؛ أنا لا أعرف من يكون توما هذا. ليس لي دخل بهذا الموضوع. اذهب أنت وتوما إلى الجحيم.. اتركني لأنام. الحمد لله على سلامتك وطز بالفلوس والسيارات. رح إلى بيتك وأسترح". قال له داود ضجرا وكانت الساعة تقترب من منتصف الليل.

هكذا هم المهاجرون الجدد؛ إنهم أناس مساكين، ضائعون. يضحون بأنفسهم أحيانا من أجل الحصول على بعض المال بطريقة سريعة. لا يفكرون بالراحة أكثر مما يفكرون بالثراء السريع. يفتكون بحياتهم وجميع أوقات عمرهم القصير في سبيل تحقيق هدف مهما بلغت عظمته، يبقى هدفا وضيعا وتافها بالمفهوم الإنساني العميق. يتبارون فيما بينهم مَنْ سيجمع ثروة أكثر من الآخر، بل وأسرع من الآخر. حياتهم في المنفى عبارة عن سباق لا ينتهي من أجل الحصول على الثروة بشتى الطرق في بلاد أوروبا حتى يسقطون الواحد تلو الآخر مرضا أو موتا، وفي أحسن الأحوال في مستنقع التعاسة اليومية الخالية من الملذات والمسرّات البسيطة. يتفاخرون بامتلاكهم أفخم السيارات التي يحسدها عليهم أبناء البلد، السويديون أنفسهم، وهؤلاء لا يعرفون أن هؤلاء القوم هم مجرد أناس ضائعين، فقدوا حياتهم الطبيعية وفقدوا بلدانهم وفقدوا أسرهم وجذورهم من أجل الحصول على المال. هذا هو المال تعالوا وخذوه، لكن أين راحة النفس والحياة الطبيعية الجميلة؟ أين الأسرة والأطفال؟ أين الزوجة الحنون وحضنها الدافئ اللذيذ؟ كل هذه الأمور يلقاها أبن البلد الأوروبي عندما يؤوب بيته في المساء. لكن المهاجر يتركها، يهجرها، لا يهتم بها، لا يتيح لنفسه الوقت للتفكير بها، وأحيانا ينساها بمرور الوقت، وإذا أرادها أو تذكرها ذات يوم فسوف لن يلقاها، ستختفي هذه المباهج القليلة في الحياة ولتبحث عن بشرٍ جديرين بها. وأحيانا لا يلقاها الأوروبي "أبن البلد" في بلده بالذات. كبير المهاجرين يستطيع امتلاك مطعم للبيتزا أو بار في أحد المناطق المزدحمة، في العاصمة ذاتها، لكن انظروا أي حياة حقيقية يعيش هذا المخلوق. إنه في سباق مستمر مع الوقت، مع الآخرين من أصحاب المهنة، مع البضائع والسهر والركض وراء الربح. لا يمكنه ترك المحل بيد آخرين، يجب أن يكون هو المالك وهو الخادم وهو الشغيل والمنظف والذي يستلم النقود. هو الكل بالكل. ولا يفيق من هذا الماراثون الطويل إلا في حالة طلب زوجته الطلاق، أو السقوط مرضا، أو وفي أسوأ الاحتمالات: الموت. إيقاع الحياة هنا منتظم وسريع ودقيق، ليس فيه رحمة. ربع دكان في حارة ببلده يوفر له الطمأنينة أكثر بكثير من هذه الثروة المزيفة. الناجحون الحقيقيون من المهاجرين من العالم الثالث إلى الغرب هم أشخاص ذوو كفاءات عالية، أطباء ومهندسون وعلماء لا تقدّرهم بلادهم حق قدرهم. وهم قلة قليلة، لا تتجاوز نسبة 2% من مجموع المهاجرين المشتغلين بالخدمات السفلية الوضيعة، أو الذين يعيشون في بطالة مزمنة والذين يشتغلون بالعمل الأسود دون أية ضمانات ضد المرض أو الموت أحيانا وهم يتقاضون مخصصاتهم الشهرية كاملة من صندوق الإعانة الاجتماعية التي يتحملها المواطن العادي دافع الضرائب. كل ذلك يتم بالحيلة والغش واللعب على القوانين واستغلال نقاط الضعف فيها، تلك القوانين الإنسانية التي وضعت أصلا لخدمة الفقراء والمحتاجين الحقيقيين. المهاجر يحتال على نفسه قبل أن يحتال على الآخرين. إنه يسرق وقته ويسرق أجمل أوقات سعادته وسعادة أطفاله وأسرته من أجل بعض المال الذي سيعرف عاجلا أم آجلا أنه لا يساوي كل ذلك الشقاء. مع ذلك إذا أضرب أصحاب المطاعم من المهاجرين في ستوكهولم وحدها، وسدوا محلاتهم وأنهوا خدمات شغيلتهم الذين هم من المهاجرين الشباب أيضا، فسوف يُصاب سكان العاصمة بالمجاعة حتى يتدبروا أمر التعود من جديد على الأكل في البيوت. في برنامج تبثه القناة الثالثة على الهواء مباشرة عنوانه "مطلوب"، Wanted” بالإنكليزية Efterlyst” باللغة السويدية، وهو برنامج شهير يتابعه الناس بشغف في السويد لما يتمتع به من حيوية يضفيها عليه مقدمه الشهير "هاسة.." الذي يصحب معه، بالإضافة إلى أطقم البوليس المتخصص بكل أنواع الجرائم والمطاردات والتحليلات والدوافع الإجرامية، رجال قانون متخصصون هم الآخرون ومحللون في شؤون القضاء والجريمة. سأل "هاسة" مضيفه المحلل القضائي والخبير بعلم الجريمة الجالس طيلة وقت البرنامج يتلقى الأسئلة والاستفسارات من المشاهدين مباشرة عبر الـ SMS عن حصيلة اليوم من ملاحظات وأسئلة المشاهدين، وكان ذلك في الدقائق الخمس الأخيرة من البرنامج:
ـ "ما هي حصيلة اليوم؟". سأل مقدم البرنامج هاسه
قال الخبير:
ـ "إنها أسئلة يصعب الإجابة عليها".
ـ "كيف؟". سأله هاسة
قال الخبير:
ـ "فضلا عن كونها متنوعة لكن يبدو أنها تصب في مجرى واحد. وأضاف واعدا.. سأرد على كل من كتب وسأل من المشاهدين ولكن ليس الآن.. الوقت ضيق".
قال هاسة:
ـ " ولكن من المؤكد أنك تستطيع أخبارنا عن موجز لما وصلك كي يطلع المشاهد.. ليس أمامنا سوى دقيقتين من وقت البرنامج.. مخصصة لك".
قال الخبير القضائي والمحلل القانوني:
ـ " في الواقع.. العجيب في الأمر أن أغلب الرسائل عبر الـ SMS تدور حول موضوع واحد يتلخص بقضية المهاجرين.. من قبيل هذه الرسالة التي يسأل صاحبها (لماذا تكثر الجريمة بين أوساط المهاجرين؟) وتلك الأخرى التي تقول (من هم الأكثرية داخل السجون في السويد؟، أكيد أنهم المهاجرون) وهكذا..".
قال هاسة بعينيه الزرقاوين الثاقبتين:
ـ " وأنت ماذا تقول؟".
قال الخبير:
ـ " أنا أقول إن هذا محض اعتقاد خاطئ.. أكثرية المحكومين في السجون ليسوا من المهاجرين، أنهم أشخاص سويديون، أو على الأقل ولدوا في السويد. النسبة الحقيقية لارتكاب المخالفات والجنح والجرائم هي كنسبة المهاجرين في السويد.. لا تتعدى واحد من ثمانية، لكن التضخيم أغلبه أعلامي.. كلنا بشر في النهاية.. لماذا لن يرتكب المهاجر بعض الأخطاء أو الجنح أو الجرائم؟ الكل معرض لهذه الأخطاء في الحياة بنسبة وأخرى".
لقد أعلن جميل التوبة عن ولوج هذه الطرق الخطرة للحصول على المال السريع؛ إنه إنسان ذكي ولا تنقصه المواهب. كان يعذب نفسه من كثرة التفكير بداود ووضعه العام. داود لا يشكو من شيء وهو يعيش مرتاحا بين أفراد عائلته. شخص مطمئن وواثق وسعيد. ليس عنده مال فائض، لكنه يصرف على نفسه وعلى بيته كأنه رجل غني. "ربما لديه مصادر خفية يحصل عن طريقها على المال" كان جميل يخّمن مع نفسه. لا يوجد إنسان في الكون يشعر بالطمأنينة دون كمية كبيرة من المال في حوزته، هكذا يعتقد جميل على كل حال، وكان يفكر بداخله:
"داود سياسي قديم؛ وهو مخضرم بالغربة. له أكثر من ربع قرن في المنفى. وهو يكتب في الصحافة ويشارك بالنشاطات السياسية. لا بد أنه يحصل على الأموال بطريقة يخفيها عني وعن الجميع". مضى جميل إلى بيته وهو يفكر بهذه الأفكار بينما كان داود يغط بالنوم العميق استعدادا لبدء يوم عمل جديد صباح الغد.
لم يكن جميل، على الرغم من حبه للإثراء السريع، من نوع المهاجرين الذين يباشرون العمل بغسل الصحون في المطاعم ليلا كعمل أسود. جرّبَ العمل كسائق شاحنة وكان لا يختلف عن أي "عتّال" في أسواق الجملة. كان يعمل بقوة وجموح لكن من دون وعي بمهاراته المكتسبة. المرء الذي يحصر طموحه بالمال فقط لا يرى جميع الطرق الصحيحة في الحياة. بعد كسر رسغه في تمرين كرة القدم ترك التفكير نهائيا بالرياضة. لقد تجاوز الثلاثين من عمره، لا توجد رياضة تناسبه سوى مصارعة الحياة والحصول على المال. باع بيته في العراق وجاء إلى السويد لكي يعوض عن خسارته بأسرع ما يمكن. وضع ماله في رهان للوصول إلى بلد غني كي يصبح ثريا. له الحق في ذلك؛ هو ليس كعديله داود اللاجئ السياسي، الذي هرب من القمع والاضطهاد والاستبداد بسبب نشاطه السياسي في بلده الذي كاد أن يكلفه حياته. داود رجل مناضل في سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. بيد أن جميل مجرد شخص طامح إلى تحسين وضعه الاقتصادي الخاص. ولو كان بلده ونظامه السياسي مهما كان نوعه وشكله، يوفر تلك الإمكانية لما ترك بلاده. المبدأ العام الذي يحكم فكر جميل ليس هو نفسه الذي يحكم فكر عديله داود. جميل يعتقد أن نقص مدخرات العائلة بشكل طفيف جراء بعض المصاريف الطارئة هو مؤشر خطير ومريع يدق ناقوس الخوف والاضطراب في أوصاله. ويمكن أن يكون كذلك سبباً كافياً لترك البلد برمته والسعي من أجل حياة أكثر ضمانا في أرض الله الواسعة. والعكس هو الصحيح، أي إذا كان الدخل جيدا والمدخرات طيبة، فلا مانع من أن يكون الذين يحكمون البلاد أشرارا أم أخياراً، لا فرق لديه في هذه الحالة ولا تمييز. بينما كان عديله داود يتمتع بوظيفة جيدة في بلده وقد درس في الجامعة وعمل في الصحافة وكان يحصل على دخلٍ لائقٍ ومعقول. لكنه لم يكن راضياً عن النظام السياسي الحاكم في البلاد، لأنه نظام قمعي دكتاتوري يجوّع كل مواطن لا يتبعه ولا يخدمه. بل يعذبه ويهين كرامته ويلقي به في غياهب السجون ويذيقه الذل والهوان إذا لم ينخرط في عبوديته المطلقة لهذا النظام. ما نفع أن يكون جميل وأمثاله ينعمون بدخل جيد في ظل هذا النظام؟ أليس جميل هو نفسه الذي قال عدة مرات: "لولا الرشوة التي أجزلها لرجال الأمن والمخابرات لما استطعت جمع قرش واحد في العراق". هرب جميل من العراق بعد أن صار الدفع لهؤلاء الصعاليك الأوباش من المجرمين الرسميين رجال الأمن والمخابرات، يفوق ما يحصل عليه من عمله وتعبه الخاص. لم يكن سياسيا ليفهم الأمور كما يجب. كان طيلة حياته يفكر بالمال، وبالمال فقط حتى جاء الوقت المحتوم ليخسر كل شيء دفعة واحدة.
هاهو جميل كمّون يفكر بالسياسة الآن؛ يجب عليه التفكير بهذا السحر العجيب. لكن كيف؟ إنه شكاك بطبعه، وينطلق بمفاهيمه العامة من زاوية مصلحته الشخصية. من الأفضل له في هذه الظروف الشاذة والغريبة والجديدة عليه كل الجدة أن يتعامل جيدا مع داود، برفق ومن دون مشاكل حتى لو ضربه داود على رأسه بالنعال. داود سوف لا يفعل ذلك على الإطلاق. إنه رجل مؤدب ويتمتع بأخلاق راقية، لكن له لساناً صريحاً وحاداً لا يرحم أحدا. انضوى تحت إبط داود ليجعل منه قائدا له في المرحلة المقبلة. وإذا كان داود نفسه شبه متقاعد عن العمل السياسي المحترف، وهو الأمر الذي يشك به جميل كثيرا، فإنه لا شك يتمتع بخبرة جيدة في هذا المضمار. خبرة تمتد إلى ربع قرن من الماضي. ودراسة أكاديمية استغرقت أربعة أعوام، عدا الانخراط العملي الجدي في النضال والأحزاب وما صاحبهما من سجون ومعتقلات وحمل سلاح وعمل غير منقطع بالكتابة السياسية، الثورية منها على وجه الخصوص. جميل يكاد أن يكون مجرد "صفر" إزاء تجربة داود الطويلة وخبرته في الحياة. ذات مرة سأل جميل داود: "هل يوجد حزب شيوعي في العراق؟". نظر إليه داود بسخرية، وكانا يستقلان المصعد في العمارة التي يسكنها داود. عرف داود أن جميل شخص ساذج جدا بهذا الخصوص. هو من جيل "جمهورية البعث ودكتاتورية صدام حسين" من أين له معرفة فيما إذا كان هنالك حزب شيوعي في العراق أم لم يكن. لكن داود أكتشف أن جميل كذّاب، ومنافق متملق أيضاً. الاكتشاف جاء متأخرا بعض الشيء، الأمر الذي لم يعد له معنى. أبوه كان عارفا بالحزب الشيوعي جيدا، وهو الذي شجعه على الارتباط بتمارا لأن أباها كان واحدا من قيادات الحزب في العراق. وعرف داود إن أباه قال له ناصحا:
"الزواج من عائلة شيوعية يعني الثقة والشرف". أخفى جميل هذه الحقائق البسيطة عن داود. ربما كانت طريقة متقنة لجعله يفيض بالحديث عن مزايا الشيوعية كأفكار يجهلها هو. بعض الأحيان راودت الشكوك داود بأن جميل يعمل لجهات مجهولة تخص النظام العراقي. لكنه أقتنع بالأخير أن شكوكه ضعيفة. في تلك الأثناء أخذ جميل يتألق بدروس اللغة السويدية. نقلوه بسرعة مذهلة من الصفوف الابتدائية إلى الصفوف المتقدمة. كان شبه "عبقرية لغوية". لديه إمكانيات غير مرئية في بعض جوانب تكوينه العام. ففي الوقت الذي يمكن أن تراه مجرد بغل قوي وبليد، أو رجلاً أرعن قصير القامة، لكنه كان يتمتع بذهن نظيف وذاكرة خالية إلا من التفكير بالفلوس وكيفية إيجاد المفاتيح التي تفتح أبوابها. هكذا.. على طريقة افتح يا سمسم في قصص ألف ليلة وليلة. لفت إليه الأنظار سريعا بتعلم اللغة السويدية عندما ترك كل جريه المتواصل وراء جني المال وانهمك بالدراسة والتعلم كما يليق بمؤهلاته العادية. بحيث أجرت إحدى الصحف المحلية المتعلقة بالمدرسة والأجانب لقاء شيقا معه. كان متهورا في الحديث في هذا اللقاء العابر إلى حدود أذهلت داود نفسه. كان غشاشا كبيرا ومتملقا أخرق في الحديث في تلك الصحيفة. لكن داود لم يكن يعرف الحقيقة إلا متأخرا بسبب ثقته الفطرية بالناس. اعتبر داود أن كلام جميل نابع من تفكيره المباشر والبسيط، بالضبط كما سأله بسذاجة ذات مرة عن حقيقة وجود حزب شيوعي في العراق. أسئلة الصحفية السويدية كانت بسيطة وعادية كبساطة النشرة المحلية التي تعمل فيها. هي تسأل عن اللغة السويدية ومقدار صعوبتها على اللاجئين المنحدرين من البلدان العربية، وكيف استطاع التفوق على أقرانه بهذه السرعة. لكنه أدار الحديث عن الدين والإسلام وغشاء البكارة ومقدار أهميته في بلدان الشرق والذي لا يشكل لديه أي معنى. كان حديثا جريئا بكل المعايير، حتى أن داود قال في نفسه "إنه حقا شخص جريء". إذ أن داود نفسه لم يجرؤ على قول نصف هذا الكلام عن الدين والأخلاق رغم أنه أجريت معه أكثر من عشرين مقابلة صحفية وإذاعية في السويد. لكنه اكتشف في وقتٍ متأخر أن جميل كان يلعب على ذوق القارئ السويدي بطريقة خبيثة ومزيفة. نسي أن بعض المهاجرين ومن العرب ومن المسلمين سوف يقرؤون ما قاله. قال في تلك المقابلة: "لا يهم إذا عاشرت ابنتي شابا سويديا.. على شرط أن يكون إنسانا جيدا.. سيكون باب بيتي مفتوحا له دوما". لم تكن أبنته لتبلغ السادسة وهاهو يتبرع بمستقبلها مقدما. وقال أيضا: "غشاء البكارة عند الشرقيين قضية تخّلف.. أنا لا أؤمن بها". وأضاف في المقابلة من دون الحاجة إلى ذلك: "سوف لن أعود إلى بلدي حتى لمجرد الزيارة؛ أنا لست كبقية المهاجرين الذين يضعون قدما هنا والأخرى في بلدهم، أنا هنا لأصبح سويديا بالكامل.. أستمع طوال الوقت إلى برامج الإذاعة السويدية..، وأشاهد القنوات العامة للتلفزيون السويدي.. وأستمع إلى الأغاني السويدية الجميلة، أنا وجميع أفراد أسرتي الصغيرة نفعل ذات الشيء.. نحن لا نتكلم العربية في البيت..، لذا تعلمت اللغة سريعا..، ولست كما المهاجرين الذين ينصبون أجهزة "الستالايت" ليشاهدوا برامج بلدانهم التي هربوا منها". (عنده جهازان ستالايت).
العجيب أن جميل نفسه كان يقول كلاما آخر، مغايرا تماما، للعراقيين في النادي الخاص بهم. ويعرف الكثير منهم حقيقة أنه يقتني في بيته جهازين ستالايت، واحد قديم والآخر حديث جدا. أما عن الزيارة إلى بلده فهو يصرح في النادي على الدوام: "حينما آخذ الجنسية السويدية لن أبقى يوما واحدا هنا".! والحديث عن البكارة كله هراء وزيف وإدعاء، ذلك الذي أعجب بجرأته داود للوهلة الأولى. جميل لا يدع ابنته تلعب مع أبناء الجيران، أي بكارة وأي شباب سويديين سيفتح لهم الأبواب؟ هو الأكثر ترشيحا لارتكاب جريمة شرف فيما إذا خانته زوجته، أو أصاب العقوق أبنته. هذا واضح من طبيعته العدوانية وحبه للامتلاك والسيطرة على محيطه الخاص. وأيضا هو لا يتمتع بثقافة إنسانية عالية ولا حتى متوسطة، هو شخص متخلف حقا من هذه الناحية، وهؤلاء الأشخاص من هذا النوع هم الأقرب إلى ارتكاب مثل تلك الحماقات كما تثبت التجارب الكثيرة في هذا المضمار.
المهم في الموضوع أن جميل أبلغ السويديين رسالته المزيفة؛ أما هؤلاء المهاجرون التافهون ممن يبثون عنه الإشاعات السخيفة المغرضة، كرهاً وحسداً، فهو جدير بالتكفل بهم. هذا الجيل من العراقيين الجدد، جيل حكم صدام حسين، تعودوا على جميع الألاعيب التي بإمكان المخيلة البشرية أن تنتجها في الظروف الشاذة من التاريخ. إنهم يكذبون حتى من دون أن يدركوا أنهم يكذبون. الكذب يساوي الحياة بالنسبة لهم. الكذب أنقذهم من الموت ومن التعذيب وجعلهم يستمرون في الحياة. تكذب كي لا تلتحق بالعسكرية، تكذب كي لا تعّبر عن رأيك الصريح، تكذب في معتقدك الديني وفي ولائك المذهبي وفي انتمائك العشائري والحزبي. تكذب عندما تقرأ النشيد للقائد في اليوم الأول من الدوام في المدرسة وستظل تكذب وتكذب صباح كل يوم حتى يحين وقت التخرج، لتكذب الكذبة الكبرى عندما تستلم الشهادة بقسم الولاء الأبدي للأب القائد. وتكذب عندما تكتب الأشعار للقائد الضرورة، وتكذب عندما تكتب عن تاريخ الحزب
القائد وتراثه المقدس. وتكذب عندما تريد الصعود إلى مرتبة أعلى في الوظيفة أو الحزب. بأن تلفق الأكاذيب على رفيقك أو جارك أو أخيك لكي تثبت إخلاصك لمسيرة الثورة والقائد العظيم وللحزب الذي لا مثيل لعدالته في التاريخ البشري. كذب في كذب في كذب إلى ما لا نهاية. لماذا لا يكذب جميل كمّون على حفنة من المهاجرين الأغبياء الخائبين الذين لا يعرفون اللغة السويدية أصلا؟ ثم وبعد: "مَنْ سيقرأ ومَنْ سيكتب؟" يقول جميل لنفسه بثقة عالية غير واقعية.
بعد صدور هذا الحديث في الصحيفة المحلية محدودة الانتشار بيومين تلقى داود أول مكالمة من رئيس الجمعية الإسلامية في المدينة. وهو باكستاني الأصل، شديد التدين حد التزمت، وهو شخصية شبه رسمية في المدينة. قال "ماهمود دارويش" (محمود درويش)، وهذا اسمه عبر سماعة الهاتف بصوته الأجش الرزين:
ـ "سيد داود.. قريبك قال كلاما صعبا عن الإسلام".
ردَّ عليه داود ببرود:
ـ "ما دخلي أنا بما يقوله قريبي.. ألم تسمع بحرية التعبير عن الرأي؟ نحن نعيش في السويد وليس في إسلام آباد".
قال دارويش بشيء من الغضب المكتوم المبطن بالاتهام المسبق:
ـ "هل يعني كلامك هذا أنك موافق على ما يقول؟".
قال داود بحزم ودون مجاملة:
ـ "هذا أمر يخصني ولا يخصك.. مع احترامي لك سيد دارويش".
بقدر ما يتمتع به العراقيون من آداب مجاملة رفيعة المستوى، إلا أنهم أجلاف بطريقة مرعبة عند الحديث فيما بينهم. لذا تحولت صالة النادي التي يجتمع فيها نفر منهم مساء كل سبت عشوائيا ولا على التعيين، تحولت الصالة إلى مهرجان من الزعيق والصياح كسوق هرج. قال "سيد عبود"، وهو رجل خمسيني نحيف البنية بنظارات طبية، يعاني كبت النفي والحرمان العاطفي لبلده العراق منذ عقدين، حتى يكاد يذبل من كثرة الأشواق التي تحولت بمرور الزمن إلى كتلة سوداء من الأحزان، قال سيد عبود من بين سحب دخان سيجارته:
ـ "هذا كذّاب، يقصد جميل بالطبع، أنه يتسلق على أكتافنا من خلال اتهامنا أمام السويديين بأننا ـ قَدمٌ هنا والأخرى في العراق ـ أي عراق هذا الذي يتحدث عنه أبن القحبة الذي جاء قبل يومين إلى السويد؟ صار لي عشرين سنة لم أرَ فيها بلدي؛ واحد منيوك من جماعة صدام يتفلسف برؤوسنا"!
قال "صباح نوري"، وهو شاب ضخم أنيق على الطراز الحديث، تغطي نزقه وتهوره السريع سمات الوسامة والأناقة اللتين يتمتع بهما:
ـ "أريد أن أسأله سؤالاً واحداً فقط.. هل كان لزوجته غشاء بكارة في ليلة الزفاف؟ ليجيبنا بصراحة كما تحدث للصحيفة السويدية.. هل يفعل ذلك؟ هل السويديون أشرف منا؟".
قال آخر معلقا:
ـ "لا دخل لزوجته بما قاله هذا التافه".
ثم قالت السيدة "خيرية الملقبة أم حسام" وهي أم عراقية لسبعة أطفال. أي أطفال؟ إنهم رجال وصبايا عدا آخر العنقود منهم. أم عراقية بسيطة تحتفظ بالشال الجميل على رأسها، وهي تمتلك خبرات حياتية جيدة تمنحها الثقة والرزانة والهدوء في أصعب المواقف. قالت بنبرة طغت عليها السخرية الملطفة:
" قال لي ابني حسام: هذا جميل السائق يقول إنهم لا يتكلمون العربية في البيت! السويد تعّلم أطفال المهاجرين لغتهم الأم في المدارس. لقد جنَّ هذا الرجل وأطفأ مصابيحه. وأضافت جملتها الأخيرة: صدق الذي أسماه جميل مطفي".
استمر اللغط وتتالت التعليقات الساخرة، وبعضها تميز بالغضب الشديد عند الحديث عن الدين والتقاليد، تلك التي نسفها جميل كمّون بغباء وجرأة ومن غير ضرورة إلى ذلك، في حديث صحفي عابر وهو لم يكمل بعد شهره الخامس في السويد. قطع هذه الزوبعة من اللغط صوت الأستاذ "جابر عواد" الرزين، وهو أستاذ بالكيمياء ومحاضر في الجامعات السويدية:
ـ "يا أخوان لا يجوز هذا الكلام؛ الرجل لا يعرف الوضع تماما هنا. هو يظن إن الأمر سيكون أفضل له على هذا الشكل، يجب عليكم توضيح ذلك له بدل التجريح به".
ران الصمت عليهم وانتهت زوبعة الكلام. والحقيقة كانت زوبعة في فنجان كما يقول المثل الدارج. لكن، ومهما كان الوضع ملتبسا وغير مريح بالنسبة لشخص لا يعتقد على الإطلاق أنه أساء إلى أشخاص آخرين من أبناء جلدته، فإن جميل كان جريئا وبدا غير مبالٍ بما قيل ويقال عنه وعن تصريحاته النارية الجوفاء. وصلته الأخبار عما دار في النادي فقرر مقاطعة النادي وقلعه تماما من جذور تفكيره السطحي. لم يكن جميل تعوزه الوقاحة والكلمات النابية. وأعلن تحديه الكامل لكل ما قيل عنه، بل كاد أن يخوض مشاجرات والذهاب إلى بيوت الذين تناولوه بالكلام السيئ والتجريح. لكن داود منعه من تنفيذ ردة الفعل العنيفة تلك ونصحه بالتريث قائلا:
ـ "أنت تماديت في الحديث عن الآخرين في المقابلة؛ كان الأفضل أن تتحدث عن نفسك فقط. حتى أفراد عائلتك يجب أن تحسب حسابهم ولا تحشرهم بما تريد أن تقول أو تفكر. ليس من المستحسن أن تكون ناطقا باسم تمارا والأطفال في قضايا تمس خصوصيتهم وأفكارهم.. السويديون لا يهتمون بالكلام الجميل الذي تقوله لهم، إنهم يهتمون بمقدار الحقيقة الواقعية في هذا الكلام. يوجد مَنْ زاد عليك بهذا المجال، لكن الواقع غير ذلك. لم تكن صادقا بكل ما قلته، أنت تعرف هذا جيدا. لا تتشاجر مع الناس بسهولة. ربما سيأتي اليوم الذي تحتاجهم فيه. أنت لست في العراق ونحن مجرد نفر قليل في هذه المدينة".
أستغرق جميل بالتفكير في هذا الكلام وهو يبحلق في الفراغ كفأرٍ وقع في مصيدة. بينما كان داود يشاهد التلفزيون وقد التزم الصمت.
قال جميل في نفسه: "داود سياسي محنك؛ هو لا يشعر بالقلق من أي شيء. يجب أن أعمل بالسياسة. كيف وأنا لم أقرأ جريدة سياسية واحدة في حياتي؟". لصق جميل بداود كما تلصق علكة في شعر الرأس. فترة كافية لتجعل داود يتذمر منه بالرغم من صبره وطول باله ودماثة خلقه. الأكثر سخافة في شخصية جميل، إذا لم تكن أسخفها على الإطلاق، هي أسئلته الكثيرة البايخة والسطحية. المرء يُعرف من سؤاله، لكنه في النهاية تجرأ وسأل داود ذلك السؤال الذي يعتلج في صدره وينتظر الفرصة المناسبة ليلقيه بطريقة تضمن عدم تذمر داود، ومن ثم الفوز منه بعصارة مفيدة. قال جميل بطريقة توحي بأنه يبحث عن الحكمة:
ـ "كيف يبدو الوضع السياسي في السويد؟".
قال داود وقد بدا عليه الاهتمام فجأة، بالضبط كما توقع جميل:
ـ "إنه وضع مستقر بشكل عام".
حيرت هذه الإجابة العائمة تفكير جميل؛ فأضاف:
ـ "أعرف ذلك؛ أقصد هل تعمل أنت في السياسية هنا؟".
قال داود:
ـ "لستُ مضطرا إلى الإجابة على سؤالك، هذا أمر شخصي. أنت تعرف.. السياسة تجري في عروقي؛ أنا لاجئ سياسي في الأخير".
كشّر جميل عن أسنانه الكبيرة بتلك الابتسامة القبيحة، وقال ضاحكا كما لو أنه سمع نكتة:
ـ "العمل بالسياسة مربح في السويد، أنت تعرف الطريق جيدا".
تلك هي طرق جميل البشعة والسمجة إلى استثارة الآخر. قال داود نصف جاد:
ـ "أي مربح وأي طريق؟ تلك أبواب الأحزاب مفتوحة أمام الجميع، اذهب وسجل نفسك في الحزب الذي تريد".
قال جميل بلهفة وقد بلغ هدفه بذكاء:
ـ "أي حزب هو الأفضل برأيك؟”.
ـ "هذا يتوقف عليك وعلى أفكارك؛ توجد سبعة أحزاب رئيسية في السويد، أكبرها وأهمها هو الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وهو الحزب الذي يؤلف الحكومة الآن، وربما في أغلب الأوقات منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن. أحيانا وفي أوقات الشدة أي عند الانتخابات التي تجري في شهر أيلول/سبتمبر كل أربعة أعوام يتحالف الاشتراكيون الديمقراطيون مع حزب اليسار (الشيوعي سابقا) وأحيانا مع حزب البيئة (الخضر) إذا أشتد ضغط كتلة اليمين عليهم. أحزاب الكتلة اليمينية المحافظة التقليدية في السويد (البرجوازية) هي حزب المحافظين وهو أكبرها ويمثل مصالح أرباب العمل وأصحاب الشركات الكبرى وملاكي الأسهم الكبيرة من الرأسماليين، يأتي بعده حزب الشعب العريق، وهو حزب ليبرالي ذو صبغة يمينية تقليدية، يليهما حزب الوسط. وهو حزب تقليدي أنبثق بين أوساط الفلاحين وإقطاعيي الأرياف، وهو حزب تقليدي عريق ومحافظ. وتوجد أحزاب أخرى صغيرة لا تكمل النسبة المطلوبة من أصوات الناخبين البالغة 4% لتمثيل نفسها في البرلمان، ولكنها تعمل بنشاط ولديها مقارها وميزانياتها وعقائدها الأيديولوجية. النظام الديمقراطي الذي تتبناه مملكة السويد يكفل حرية العمل السياسي للجميع، مواطنين وأحزاباً وجمعيات ومنظمات وأندية".
قال جميل وكأنه حسم أمره:
ـ "أين يقع مكتب الحزب الاشتراكي الديمقراطي؟”
في نهار اليوم التالي صحبه داود إلى مكتب الحزب الاشتراكي الديمقراطي وعلمه كيف يملأ الاستمارة الخاصة بطلب العضوية. في غضون الشهر السابع على مجيئه إلى السويد أصبح (جميل كمّون) عضوا في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، أهم الأحزاب السويدية من ناحية العدد وفرص الحكم وتوزيع المناصب. وبعد قرابة السنة من هذا التاريخ كان على جميل أن يقف أمام أبواب العراقيين والمهاجرين الآخرين من كل الأنواع والأشكال، ليس ليخوض الشجار معهم، وإنما ليستجدي أصواتهم الانتخابية لمصلحته ومصلحة الحزب الذي ينتمي إليه. وكما في المدرسة، تطور سريعا في الحزب. لو أنه كان يتمتع بثقافة سياسية بسيطة سابقا لتبوأ بعض المناصب الجيدة في الحزب. كان يشكو على الدوام من فقره الثقافي في المجال السياسي العام. وللرجل عذر في هذا الوضع بشكل عام، إذا حسبناه مواطنا عراقيا عاديا ولد وترعرع في ظل نظام دكتاتوري طويل الأمد حكم البلاد خمسة وثلاثين عاما أو يزيد. وجميل من النوع الذي يخاف على حياته بطريقة شديدة الحساسية تدعو إلى الرثاء والسخرية. فإذا أصابه الزكام يجعلك تعتقد أنه أصيب بجلطة قلبية. ويظل يئن في البيت كشخصٍ مصاب بالفالج. ولا يضاهي خوفه على حياته سوى خوفه على ماله. ربما لا يخطئ المرء كثيرا إذا ظنًّ أن جميل يفضل الموت على خسارة المال. يقول الناس أنه "بخيل"، وهذا مجرد وصف بسيط وسطحي، أنه فيلسوف متعمق بأساليب البخل وطرائق الادخار المالي والتقتير المنزلي. فنان مرهف الإحساس بالنقود، يعشق ألوانها الخلابة وسحرها الغامض. أحيانا يسخر علنا من بعض "البخلاء" المخضرمين على الساحة ويقول ضاحكا من نفسه: "يقولون أنني بخيل! أنا بخيل؟ والله إن القرش يبكي بين أصابعي من شدة ما أعصره عصرا.. صفة البخيل قليلة بحق جميل.. يجب اختراع كلمة أخرى أكثر دلالة وواقعية"! ربما راوده التفكير مرة بعصب إحدى عينيه لأن النظر باثنتين يُعد "إسرافا" لا معنى له. لولا تمارا لظهر أطفاله كالأيتام. لا تخف عليه، هو يأكل بشراهة شحاذ على مائدة مفتوحة بالمجان. لكن فقر التغذية سرعان ما ظهر على الأطفال بحيث استدعتهما هو وزوجته تمارا، اللجنة الصحية في المدرسة لإخبارهم بهذه الحقيقة. تمارا وطفلاها يسألون عن الطعام عند دخولهم بيت أختها سارة في كل زيارة. الجوع لا يعرف الحياء. أما هو فيتناول الملعقة كما يتناول الفلاح المجرفة ويأكل مباشرة من الطناجر. كانت تمارا تصيح به وتردعه: "انتظر قليلا سأضع لك الأكل في الصحن". ويقول لها والطعام ينفخ خديه كعازف بوق في الجيش: "هل أنتظر رحمتك؟ سأموت من الجوع". وتذكرت سارة المثل العراقي الشهير: "فكَر وياكل من راس الجدر"".
كانت تمارا تذوي وتضعف بشكل لم يبد طبيعيا. قلقت أختها عليها. سألتها ذات مرة:
ـ "ماذا بك.. هل أنت مريضة"؟
قالت تمارا وفمها الجميل بدا بارزا على نحو غير عادي للأمام:ـ "لا لست مريضة".
ـ "لكن انظري إلى وزنك، أنت مثل شبح".
ـ "والله إذا ازددت نصف كيلو يقلب الدنيا على رأسي".
ـ "مَنْ يقلب الدنيا؟".
ـ "مَنْ يعني؟ جميل.. هل يوجد سقم غيره في هذه الحياة؟". قالت لها أختها الكبرى بعصبية وهي غير مصدقة:
ـ "والله العظيم هسة أروح وأكسّر راسه والذين خلفوه". وكانت سارة تعني ما تقول حقا، إذ أنها تقبل بأي شيء إلا أذى أختها الصغيرة
شعرت تمارا بالهلع كأنها ارتكبت خطأ جسيما. وقالت بجزع:
ـ "الله يخليك سارة دعي هذا الموضوع؛ لا تتكلمي به حتى للحيطان. حياتي جحيم وهذا مصيري. عندي هذان الطفلان، لولاهما لما رضيت العيش معه. أنه بخيل وقاس ولا يتعب من الشكوى والكلام السخيف طوال الوقت، يعني سأموت حقا".
الله وحده يعلم كم شعرت سارة بالحقد على جميل؛ وراحت تطعم أختها وطفليها بسخاء كلما حضروا. وصار السؤال الأول للأطفال عندما يأتون إلى بيت خالتهم:
"ها خالة هل تشعران بالجوع؟". وكان الجواب يأتي على الدوام: "نعم خالة". حتى أن داود قال لها ذات مرة: "لماذا تسأليهما؟ قدمي لهما الطعام مباشرة. هؤلاء الصغار لا ذنب لهم".
**
انفضَّ جميل عن داود مزيحا عنه كدرا تفرضه مهزلة الأقارب والارتباط المزيف بهم، وهذه المجاملات السخيفة التي تجبر الإنسان على أمور لا يحبها. عادت العلاقة بينهما إلى طابعها شبه الرسمي الذي ميزها بداية التعارف. جميل عبارة عن "وجع دماغ" بالنسبة لداود؛ "صار بين أظافره عجين"* قال داود في نفسه
لكن تمارا ظلت على علاقتها الطبيعية بأختها تحت جميع الظروف. كانت تجهد نفسها بأمور كثيرة لم تكن موجودة في بلدها. في العراق لم يكن الأمر كما هو عليه الآن في السويد. الأطفال كانت تعتني بهما جدتهما هناك، وقت العمل قصير وينتهي الدوام الرسمي عند الساعة الثانية بعد الظهر. لا مشاغل كثيرة في الحياة سوى الزيارات وإعداد الطعام واستقبال الضيوف. هنا يجب أن تتعلم اللغة السويدية بنشاط للحصول على فرصة عمل جيدة. وهي ليس لديها القابلية التي يتمتع بها جميل. إنها كأم حققت طموحها الكبير في الحياة بأن أنجبت طفلين رائعين. ودرست في بلدها بشكل طبيعي حتى حصلت على عمل مريح وجيد في شركة التامين الوطنية ببغداد. الآن يجب عليها العناية بطفليها من أصغر الأشياء إلى أكبرها. ثم الدراسة التي تستغرق ثمان ساعات ماعدا أوقات الطريق التي تستغرق أكثر من ساعة. والتطبيق اللغوي على مهنة معينة، والبحث عن عمل، ثم تنظيف البيت والطبخ والقيام ببعض الواجبات الضرورية. جميل أناني ومستبد وقوي الإرادة. إذا وضع نصب عينه هدفا فيجب أن يحققه على حساب راحته وعلى حساب راحة الآخرين. إنه طموح، وتمارا تدرك جيدا هذا الأمر، وهي تساعده بعزيمة ومن دون تململ. هي لا تغضب أو تنفعل من بعض الأمور اليومية العابرة، لكنها إذا حدث وغضبت حقا فهي لا تفعل سوى توجيه صفعة قوية إلى وجه جميل. لا يحدث هذا إلا لماما. طوال العامين لم يرى داود هذا المشهد الرائع سوى مرة واحدة. العجيب أن جميل تلقف الصفعة بينما كان داود يجلس في الصالون وسمع صوت الصفعة جيدا، حتى إن أصابع تمارا طُبعت على خده الأبيض ذي الجلد القاسي. لم يفه بكلمة، شعر بالحزن فقط وكادت الدموع تنهمر من عينيه. هو يعرف أنه يستأهل تلك الصفعة تماما. وهاهو الكيل يطفح بصدر تمارا ولا مهرب من العاقبة. يستطيع تحطيم تمارا بضربة بقبضته المفلطحة، لكنه يعرف جيدا أن تمارا عبارة عن قديس للرحمة والصبر، ولولاها لكان مجرد حثالة اجتماعية. النساء الجميلات يصنعن المجد اليومي للرجال التافهين. أن ترى شخصا قميئا بصحبة زوجة جميلة ومتألقة فأنت سوف تندهش. ولابد يخطر ببالك التفكير "كيف استطاع هذا الجربوع الحصول على هذه المرأة العظيمة؟ هو لابد شخص مرموق، غني، مسؤول حزبي..الخ". كان جميل،بحواسه النفعية وبثقافته المبتذلة، يعرف هذا الإيقاع البشري الذي يؤسسه وجود امرأة جملية وفاتنة بجانب رجل لا يوحي مظهره وشكله العام بأي جاذبية أو تأثير. ولهذا السبب فقط أقترن بتمارا بالرغم من جميع المخاطر، إذ كانت تنحدر من أسرة شيوعية في بلد تُعد فيه مثل هذه الأمور تهمة من شأنها أن تطيح بالرقاب في حال الإثبات. إذا كان جميل يكره شيئا في الحياة فهو الثقافة والسياسة. وهاهي الحياة تجره جرا نحو مطبات السياسة الخطرة. لا يوجد تعذيب أو سجون أو اضطهاد جراء العمل السياسي هنا في السويد. لكن يوجد رجال أحزاب ورجال دولة مهمون تحوم حولهم النساء كما يحوم النحل على العسل. جميل يظهر مع تمارا بهذه الصورة أمام المجتمع فقط، بل فقط أمام رجال الحزب بعد أن قرف من المهاجرين الأوغاد وحياتهم السقيمة المملة. لا يمكن التكهن تماما بأن تمارا كانت تعرف هذه الحقيقة. ربما تعرفها بالضبط، وهي تشعر بالفخر لأنه يدرك أهميتها جيدا. هو يحرص كل الحرص على أن تبدو زاهية ومتألقة في أي حفل عام. وهو يقوم للرقص معها، ولا يمانع إذا طلبها صديق "مهم" للرقص. متفقان على إشارة من رأسه، إذا أومأ بها تقوم للرقص مع الصديق أو الرفيق أو صاحب المصلحة. و تعتذر في حال عدم تسلّم الإشارة. رغم ذلك كان في نهاية كل حفلة يدب الشجار بينهما. كان متناقضا تماما مع نفسه. ففي الوقت الذي يتفقان به على كل شيء قبل الذهاب إلى "البارتي"، وتسعى تمارا إلى تجنب سوء فهمه جراء ازدواجيته التي تعرفها جيدا كخصلة من خصلاته السيئة الكثيرة، إضافة إلى مراوغته الهلامية وضبابية أفكاره المشوشة عموما، فأنه يشعر بالذنب ويعود إليه الإحساس الطاغي بالتملك وفرض السيطرة المطلقة عليها.
فيبدأ بالتعليقات الخبيثة: "كنتِ منسجمة وأنت تراقصين "آندرسون". ترد عليه تمارا ببرود وعدم اكتراث: "أنت طلبت مني الرقص معه". هي تعرف هذه الأسطوانة المشروخة التي تعقب كل حفلة. لكنها تبدو سعيدة في جميع الظروف. حتى يعمد جميل إلى استنزاف هذه السعادة الطارئة المؤقتة من روحها قطرة إثر قطرة، وبشتى الطرق والأساليب المبتكرة التي تتجدد بمهارة عقب كل سهرة. حتى يُفسد تماما تلك السعادة الهامشية التي تسرقها تمارا من أيامها الضائعة. ويجب الاعتراف أن تمارا لا تقوم للرقص مع أي شخص يطلب مرافقتها، حتى لو تضرعت لها عيون جميل الجاحظة المبللة على الدوام بما يشبه الدموع. هي تفعل ذلك فقط إذا أعجبها الشخص وكان حقا "جنتلمان" فهي لا تمانع بالتطوع لأداء هذه المهمة الطريفة. إنها أمور عادية في السهرات أن يطلب الرجال الرقص مع النساء الموجودات. يصعب تقبل ذلك من قبل المهاجرين بصفة عامة، الذين يطيب لهم مراقصة جميع نساء الآخرين، أما إذا أخطأ أحد الحاضرين وطلب أداء رقصة مع زوجة أو صديقة تخصهم فسرعان ما تتوجه اللكمات إلى وجه ذلك المسكين. وفي أحسن الأحوال يرد الرجل قبل أن تعتذر زوجته أو صديقته بنفسها، وهو يبادر إلى القول بازدراء كامل لذلك الشخص ومن دون أدنى مجاملة: "أنصرف من هنا بسرعة .. هيا". طبيعة المرأة وخصوصيتها الرقيقة تحب أن يطلبها رجل ما للرقص. إنه شبه اعتراف بوجودها الحقيقي وبمعنى حضورها، وبأهمية شخصيتها في هذا المكان. تحب أن يشعر بها وينظر إليها أحد الرجال، وكلما زاد عدد أولئك الرجال يكون ذلك بمثابة الدليل القاطع على مستوى جمالها وتألقها. يتوج كل ذلك أن يبادر أحدهم ويدعوها إلى رقصة تحب موسيقاها ومعاني كلماتها بعض الأحيان. لكن أولئك المهاجرين أصحابنا، عبارة عن "كلبشات" حديدية ثقيلة في معاصم نسائهم، حتى وإن كانت مصوغة من ذهب خالص. إنها تبقى مجرد كلبشات جميلة تقيد الحرية والرغبات البريئة. تمارا تتفوق قليلا على أولئك النساء من المهاجرات، السجينات حتى داخل أقفاص حريتهن المزيفة أمام الغرباء. الجميع يظهرن بملابس زاهية ورائعة. النساء يزدهينّ بأجسادهن الفاتنة وفساتينهن الرائعة شبه العارية. لكنك إذا أردت اختيار الملكة، فلا توجد سوى ملكة واحدة: إنها تمارا. تلبس فستانا قصيرا لتظهر ساقيها الرشيقين المغزولين بإتقان رباني قلَّ نظيره. وتختار لأعلى جسدها النبيل الطري فتحات عريضة من الأمام ومن الخلف. فيظهر جيدها الناصع عليه بعض الحلي الناعمة كأنه جيد واحدة من الأميرات الحقيقيات. أما إذا تسنى ووقع نظرك عليها من الخلف، فسوف تفرح من مقدار الروعة التي يسكبها شعرها الغجري الأسود الكثيف المنسدل على كتفيها البضين، وتشعر بالرغبة الجامحة للتقرب من هذا الجمال الرائع والمتواضع والمتسامي بأي شكل من الأشكال، حتى لو كلفك الأمر خسارة كرامتك دفعة واحدة. هي مؤدبة ولا تخذل المعجبين. لها ابتسامة طبيعية مريحة وذكية وعينان ثاقبتان متسامحتان تجعل أشد الرجال سخفا وتطفلا يقدمان لها المودة والاحترام. إلا النساء الباقيات، فهن يكتفين بالغيرة والحسد وبث الإشاعات السخيفة.
تمارا تذبل كغصن وردة رقيقة موضوعة على إفريز النافذة. تلقى نور الشمس السخي ولكن لا تجد مَنْ يسقيها ماء الحياة أو يهتم بها وبجمالها. سقطت مريضة وتم نقلها إلى المستشفى الرئيسي. ظهر عندها ورم غير خبيث في جنبها الأيسر أستأصله دكتور مختص بعملية بسيطة ناجحة. لا يؤمن داود بالحسد؛ لكنه، ومع ذلك، أخذ يصدق بوجود هذه الخرافة بين الناس. إذ بدا الأمر حقا وكأن عيناً شريرة ضربتها في هذا المكان بالضبط، قليلا تحت الإبط الأيسر. وكان حجم وشكل الورم يشبه حجم وشكل عين بشرية جاحظة. ذلك عندما زارها مع سارة في المستشفى. بدت ذاوية ونحيفة وشاحبة، لكن الابتسامة اللطيفة لم تفارق وجهها البريء. قالت بوهن:
ـ "جميع ملابسي صارت كبيرة على جسمي" وضحكت بحياء.
قالت سارة وهي تمزج سخطها الحقيقي ببعض الوقاحة، وتوجه الكلام إلى جميل:
ـ "أقسم بالله العظيم سأفنيك من الوجود إذا صار بها شي".
احتفظ جميل بصمته وحزنه. طفلاهما يتعلقان بروب المستشفى الأزرق الفاتح الذي ترتديه أمهما على لحم جسدها مباشرة. جميل يخاف سارة ويرهب جانبها، وينظر لها على الدوام كامرأة قوية شديدة البأس. هو يعرف جيدا إذا غضبت الواحدة منهن. لذا صار يعدّل من خططه اليومية الشنيعة المنصبة على الحصول على النقود حتى الإعياء الكامل. وإجحافه بحق العائلة من أجل صناعة مستقبله الذي لا يبدو إن ثمة نهاية تلوح له في الأفق. تمارا لم تعد تجده في الفراش. هو خارج البيت دائما، وإذا كان في البيت فهو أما يأكل أو يقرأ. وفي أحسن الظروف يشاهد التلفزيون ونشرات الأخبار التي لم يكن ليلقي نظرة عابرة عليها في الأيام الغابرة.
خرجوا جميعا من المستشفى بعد إن أذن وقت الانصراف وبقيت تمارا لحالها. خيم عليهم الصمت وهم يجتازون أروقة المستشفى اللامعة تحت الأضواء. لم يكن هنالك من حديث مشترك معه. لكن جميل توجه إلى الحديث مع داود قبل صعودهم إلى سياراتهم. قال مستغلا الحالة الدرامية:
ـ "أنت تركتني؛ هجرتني تماما.. هل آذيتك بشيء؟”.
انفعل داود لهذه الكبرياء الجريحة واستولت عليه العواطف الرقيقة، خصوصا وقد تذكر التهديد الذي وجهته له سارة قبل قليل. ويعرف أن هذا الرجل سيذهب إلى بيته الموحش الخالي مع طفلين من دون أمهما. إنه لمن التعاسة أن يجد الإنسان نفسه في مثل هذه الظروف الكئيبة. لذا وجد نفسه يقول له بحزم:
ـ "لا تذهب إلى بيتك، أتبعنا لبيتنا"!.
لبى جميل هذه الدعوة الكريمة دون مناقشة وتبعهما. قالت سارة بارتياح وقد ندمت على سلوكها في المستشفى: "أحسنت صنعاً بدعوته إلى لمجيء معنا إلى البيت.. كان قلبي سيختنق من الكدر". ركنا السيارتين بالكراج وتوجه الجميع نحو بيت داود. شعر الأطفال بالمرح بعد إن عرفا أنهما في الطريق إلى بيت الخالة سارة حيث الأكل والحلوى والحضن الدافئ الذي يشعران تماما بصلته الوشيجة بحضن أمهم. أحضر داود قنينة جيدة من الشراب وبعض المازة وباشرا الشرب. انفرجت أسارير جميل، خصوصا بعد أن تأكد جيدا من أن سارة تعد طعام العشاء. كان مولعا بطبخها الطيب. قال له داود من باب المجاملة:
ـ "كيف أحوال السياسة؟".
قال جميل بحسرة وعيناه تلمعان بأسى:
ـ "صعبة.. صعبة جدا. أعطوني برنامج الحزب العام ونظامه الداخلي، ونبذة تاريخية عن التأسيس والخلفية الأيديولوجية للعقيدة الاشتراكية التي يتبناها الحزب. صعب، صعب جدا فهم كل هذه الأمور المعقدة".
قال داود:
ـ "ما وجه الصعوبة في ذلك؟"
ـ "سبق لي وأن سمعت بماركس ولينين، لكن لا أعرف ماذا صنعا في التاريخ. كل نظرية الحزب الاشتراكي تستند تاريخيا إلى نظرية ماركس. أعجوبة هذا الرجل. لكن لينين ومع عشرات الأسماء في الثورة التي حدثت في روسيا، لا أتذكر تاريخها الآن".
ـ "تقصد ثورة أكتوبر عام 1917"
ـ "نعم بالضبط؛ هناك بدأت الاشتراكية. لم يكن لينين لوحده. كان بينهم صراع في الحزب..
ـ "تقصد المناشفة والبلاشفة؟"
ـ "نعم.. نعم هم هؤلاء. ماذا يعني هؤلاء؟”
ـ "المناشفة تعني الأكثرية والبلاشفة تعني الأقلية. حدث في روسيا أن رأي البلاشفة كان أقرب إلى تحقيق الثورة الاشتراكية من المناشفة. كان المفكر الكبير بليخانوف هو المنظر الكبير للفكر الاشتراكي في روسيا. لكن لينين سبقه بضرورة القيام بعمل ثوري مسلح من أجل تحقيق الدولة الاشتراكية. لم يوافق بليخانوف على هذا الطرح الثوري ورأى فيه لوياً لعنق التاريخ. بينما أصطف كل من السياسي المخضرم تروتسكي وكل من الآعضاء القياديين في الحزب كامنييف وزينوفييف وبوخارين مع أطروحات لينين الثورية، ونجحت ثورة أكتوبر العظمى التي غيرت وجه التاريخ آنذاك".
قال جميل والدهشة ترتسم على وجهه وتمحو كل سماته البليدة:
ـ "يا ألهي.. أنت تعرف كل التاريخ، خصوصا تلك الأسماء الصعبة، تقولها وكأنهم أعمامك، وأنا أمضيت ثلاثة أيام لحفظ اسم اثنين منهم فلم انجح. أنت تعرف ذاكرتي وحفظي للكلمات، هؤلاء خذلوني. أسماؤهم كريهة وثقيلة. تعرف داود.. إنك لو كنت في الحزب سيضعونك على رأس التثقيف.. أنت داهية"! كان ذلك مجرد تملق يجيده هذا النغل
تبسم داود وشعر بالرضا وراح يجيب باستمرار على جميع الأسئلة السخيفة والسهلة التي تمتلئ بها جعبة جميل. مضت الأيام هكذا من دون حساب؛ يسمع داود بأخبار جميل كمّون كمهاجر ناجح في الحياة، ويراه في نشرات الأخبار يقف مع رجال الدولة والحزب، ويصادفه أحيانا يلصق المنشورات الحزبية والدعاية الانتخابية ويوزع نشرات الحزب وصحافته دائرا على البيوت والشقق والعمارات. فتح مشروعا عظيما لبيع الأعشاب الطبية المستوردة من الشرق وتكالب على دكانه السويديون الشغوفون بهذه المواد الطبيعية. عُشبة "زهورات" سورية لتسكين ألام المعدة، "ورد لسان الثور" لحذف الألم من المفاصل، "بخور هندي" لطرد الروائح الكريهة، "زعتر لبناني" لتهدئة خفقان القلب، "حناء يمنية وحجازية" لصبغ الشعر وقشرة الأقدام، "دارسين" عُماني يُشرب دافئاً بعد الحمّام، "الشّب العراقي" لتضييق فروج النساء وتنظيفها من جميع الإفرازات، "أب نبات إيراني" بدل السكر الصناعي لمرضى السكري، "شاي قجرات عراقي أحمر" لتخفيف الدوخة والصداع ويفيد للإدرار أيضا، "كمّون مغربي" لطرد الغازات من البطن، "حبة كزبرة" لتخفيف حموضة المعدة، "بطنج عراقي" لتشنجات للقولون، "نعناع يابس" يغلى بالماء لفتح البلعوم، وضد الرشح والزكام، "حبة طيب مكية" لتطييب الطعام والحلوى. زيت "أبو طبر" أو "زيت الفأس" لوجع الأسنان وتقلص العضلات، "فحم الصفصاف الكربوني" لالتهابات المخرج. هذا داعيك عن العسل والبصل لتقوية الباه، والثوم الذي هو أنفع من حبوب "الفياغرا" الشهيرة. صار بمثابة طبيب شعبي متخصص بالأعشاب الشرقية ذات التأثير السحري على المواطنين السويديين الشغوفين جدا بهذه العوالم الفانتازية الغريبة. وأخذت تستدعيه المؤسسات الطبية وتُعقد له المحاضرات والندوات العلمية، ويشارك في المؤتمرات في طول البلاد وعرضها. لكن هل بالإمكان نسيان كل شيء؟ كانت تمارا تحمل صناديق البضاعة القادمة من الشرق كعتال في محطة قطار يشتغل بعد منتصف الليل؟ بضائع شرقية تأتي من بلاد الشام، سوريا لبنان فلسطين. بضاعة تأتي من مصر ومن المغرب ومن تونس. وتوسعت التجارة الشرقية وصارت البضائع تأتي من الهند ومن الصين وفيتنام وتايلاند وماليزيا. لم يعد المحل الصغير يتسع لكل هذه المواد الشرقية الرائعة. أفتتح جميل كمّون "سوبر ماركت" في مركز المدينة. محل خاص بالشرق. "أورينتال"، حضر الافتتاح رئيس البلدية وأعضاء المجلس البلدي. كلهم بدوا فخورين بهذا الإنجاز العظيم الذي يتحقق في بلدتهم قبل البلديات الأخرى في عموم السويد. حملوا باقات الزهور الجميلة والغالية الثمن ليضعوها برفق على واجهة السوبر ماركت. يظن المرء أنهم يفعلون ذات الشيء في مراسم الدفن. الفرق الوحيد هو عنصر الفرح. في مراسم الدفن يجب أن يتحلى الشخص بقدر من الحزن، حتى لو كان فرحان لسبب خاص به بموت الميت. لكن على الجميع أن يفرح الآن فرحا حقيقيا، حتى وإن كان يضمر الحقد والغيرة. نجح جميل في السويد نجاحا باهرا. حجره يصيب أينما يلقيه. فتح دكاكين صغيرة لبيع التحفيات من شرق أسيا. تماثيل بوذا وسيوف يابانية "ساموراي" مزيفة، أطقم صحون صيني جميلة ورخيصة لا تصلح للاستعمال وإنما للهدايا فقط، أو للكب في المزبلة. هدايا تشتريها اليوم لتعاد إلى بيتك في أول مناسبة. سجاد صغير مزور ومقلد، نافورات صغيرة مجرد أن تضعها في الصالون بفرح حتى تكتشف مقدار سخفها وقباحتها. قناديل وأضواء صناعتها مبتذلة ورخيصة. يا ألهي لقد فسدت الأسواق في السويد. بضائع تحملها تمارا في عربة دفع آخر الليل عندما يجب أن تكون نائمة في الفراش. وكان جميل يفعل نفس الشيء كي لا تكون تمارا أفضل منه. وكانا يمضيان أغلب الليالي وهما يحملان البضائع ويزودان بها المحال. ليس من السهل العثور على حمالين في السويد بمثل هذه الأوقات الليلية. العمل الجيد يتم على أيدي أصحابه. في يوم الافتتاح وقفت تمارا إلى جانب زوجها. لم تكن لتدرك بشكل حقيقي أهميته الكبيرة. فهذا هو رئيس البلدية ذاته، وأولئك هم رؤساءها في العمل ووجهاء القوم، حتى الموظفون الصغار مثلها وقفوا بجلال واحترام لهذه اللحظات التاريخية في سجل البلدية. كان جميل فخورا بمشروعه الشرقي وبضاعته التي أسندت الصحة العامة في البلدية بشكل طبيعي "ناتورليكت ـ Naturligt" تحت شعار عريض: (من الطبيعة و إليها). وبالضد من كل التوقعات ظهر جميل وهو يرتدي اللباس العربي التقليدي، عقال وكوفية بيضاء مطرزة بخيطٍ أسود، يشماغ عراقي حقيقي.وأحتفظ بالطقم والرباط. العقال العربي واليشماغ لم يلمحهما أحد إلا عند التصوير وأمام عدسات التلفزيون. خرقتان تضعهما على رأسك في ثانيتين لتبدو عربيا وشرقيا أمام الناس، حتى لو كنت عاريا. فكيف إذا كنت ترتدي "القاط" والرباط إضافة إلى القال الأسود والكوفية العربية مثل جلالة ملك الأردن؟
بدت تمارا أكبر من عمرها الحقيقي؛ معظم النساء يبدون على العكس، أصغر من أعمارهن الحقيقية. تلك هي ميزة حقيقية تتمتع بها النساء. لكن تمارا، وبالرغم من المكياج الجميل والمتقن الذي تعرف استخدامه جيدا ظهرت بوجه متعب ومتغضن قليلا، لكن جسدها أحتفظ بقوته ورشاقته المعهودة. كانت أكبر من عمرها بكل المقاييس المحايدة. لكنها جميلة وقوية كفرس خاضت سباقها للتو.
زود جميل بعض الأشخاص برأس مال مضمون لفتح مكاتب طيران للشرق الأوسط والشرق الأدنى وشمال القارة الأفريقية. وعمل دعاية مجانية لكل واحد يتبرع بفكرة سياحية أو مشروع ثقافي يتعلق بنشر الثقافة الشرقية في بلاد أوروبا واسكندنافيا على وجه الخصوص. وراح يدلي بتصريحات لهذه الصحيفة أو تلك، ويظهر على التلفزيون ليدلي بتعليق يخص المهاجرين وضرورة الاهتمام بشؤون حياتهم العامة وقضايا الاندماج بالمجتمع السويدي وضرورة تخصيص ميزانية خاصة من قبل الدولة لتشجيع المهاجرين على الانخراط في المجتمع السويدي الديموقراطي الرحب والمفتوح لكل الديانات والأعراق البشرية. ثم لا ينسى أن يضيف تلك اللازمة التي يكررها في كل مكان: "حزبنا.. الحزب الاشتراكي الديموقراطي هو القادر على تحقيق كل ذلك لكم ومن أجلكم". وسمعه داود بأذنه يقول في مقابلة تلفزيونية على الهواء مباشرة: "السياسة تجري في عروقي، الفكر الاشتراكي يجري في دمي منذ الطفولة. كافحتُ في سبيل الإنسانية المعذبة طوال حياتي"! ويضيف في مقابلة أخرى: "نصيحة دائمة مني.. أنا جميل كمّون إلى كل أخواني المهاجرين، اللغة هي مفتاح هذا البلد.. تعلّمْ اللغة السويدية جيدا ستكسب مستقبلك".
بقيت لدى جميل، وقد أكمل ثلاثة أرباع طموحه المالي بعد أن أصبح مليونيرا بشكل حقيقي، أمنية تافهة لكنها تعذبه قليلا على ما يبدو، وربما تؤرقه في الليل وتطن في رأسه كما تطن البعوضة بالقرب من الأذن: إنه لا يستطيع كتابة أي موضوع عن أي شيء في الحياة. لم يكن يصدق ذلك على الإطلاق. كان يعتبر هذا الأمر "الكتابة" مجرد تفاهة. أن يكتب الشخص ولا يعمل. "تلك محض تفاهة" كان يقول على الدوام. وفي تلك اللحظات التعيسة من الأرق بالذات لا يدري لماذا يتذكر عديله داود. نسيه داود كما يجدر بالإنسان نسيان أوجاع الرأس والأشياء الفاقعة بالحياة، تلك التي تشبه الدعاية والإعلانات التجارية في التلفزيون. إنها جميلة ومضحكة وطريفة، وربما تكون ذات فائدة، لكنها لا تمكث في الدماغ طويلا على أية حال. إنها لحظات سعيدة طارئة، لحظات سريعة تشعرك بالبهجة رغم زيفها. تدعوك لشراء البضاعة المعلن عنها، وأحيانا، ورغم تمتعك بالحكمة والمناعة، تجد أنك تفضل شراء هذه البضاعة وليس تلك من نفس النوع لأنك شاهدت الإعلان التلفزيوني عنها عشرات المرات. جميل كمّون صار "إعلاناً تجارياً شرقياً" ناجحاً له وقعه في السويد. ليس هنا تكمن المفارقة، لكننا سنعجب حقا لصنوف الدهر عندما نعلم أن جميل هو الوحيد الذي كان يكنَّ لماضيه، وللعالم الشرقي، نوعا من الاحتقار الخاص. كان إلى وقت قريب يكره الشرق أكثر من غيره. "الشرق" بضاعة رائجة في الغرب. لا تصدقوا معاداة الإسلام ومعاداة الحجاب، الغربيون من العامة مفتونون بطقس الصوم وطقوس الصلاة الإسلامية كما كانوا مفتونين بالبوذا واليوغا والنيرفانا الهندوسية. جميل كمّون عراقي ذكي، وهو يعرف جيدا أهمية أعشاب "البطنج" عندما يتحتم عليك أكل "باجلة ودهن"*.


الهوامش
* مثل شعبي عراقي يقال عن الشخص الذي حاز على خبرة أو مال
* مثل شعبي عراقي يعني: شحاذ ويأكل كملك
*أكلة شعبية عراقية تؤكل عادة كفطورٍ في الصباح. وتتكون من ثريد الخبز اليابس المنقوع بماء الباقلاء اليابسة المطبوخة، يصلى الثريد أخيرا بالسمنة المغلية ويوضع أخيراً البيض المخفوق المقلي ببقايا السمنة فوق الثريد المغطى بحبوب الباقلاء.







علي عبد العال
aliabdulal@hotmail.com
*مواليد العراق 1956
*درس القانون والسياسة في جامعة بغداد 1975 – 1979
*عمل بالصحافة العراقية والعربية والسويدية
*عضو اتحاد الكتاب السويديين منذ عام 1996

صدر له :
1-""المشي في الحلم"" قصص، دار الصداقة، بيروت، لبنان 1987.
2-""مقتل علي بن ظاهر ومتاهته""، رواية، دار المنفى، السويد 1996.
3-""أنشودة الوطن.. أنشودة المنفى"" قصص مشتركة، دار الكنوز الأدبية، بيروت، لبنان 1997.
4-""العنكبوت""، قصص، دار المنفى، السويد 1998.
5-""أقمار عراقية سوداء في السويد""، رواية، دار المدى للثقافة والفنون، بيروت، لبنان 2004.
6ـ "ميلاد حزين" رواية، دار حوران ـ دمشق 2005 .
7ـ "أزمان للمنافي"، ثلاث حكايات طويلة. دار حوران ـ دمشق 2005
8-""عالم صغير جداً، قصص، وزارة الثقافة، سوريا، دمشق 2008.







القائمة الرئيسة
البحث