الأربعاء, 8 أيلول 2010
   
في الذكرى السنوية العشرين لرحيل غائب طعمة فرمان               يفتح الروائي ملفا عن ادب هذا الكاتب الكبير وحياته وذكريات معاصريه عنه               ننتظر مساهماتكم في هذا الملف الذي نأمل ان يغتني ويتطور              
غريب في الليل/فصل من رواية جديدة
حمزة الحسن
غريب في الليل/فصل من رواية جديدة



سيارة البيك أب البيضاء التي نقلت جثة الدكتاتور من المروحية الى المقبرة والمخصصة لنقل الأغنام والخضراوات والسلع العائلية عادت بعد ذلك الى المرآب الصغير على شكل صريفة وربما حملت بعد ذلك مباشرة حمولة أخرى من نوع مختلف تماما.

لكن سيارة البيك أب البيضاء الصغيرة وهي تحمل التابوت كانت صغيرة على حمولة بهذا الحجم حتى ان التابوت كان خارج الباب الخلفي المفتوح بنصف متر تقريبا مما أظهره بمظهر مغاير لحجم الكائن الممدد فيه وأظهرنا نحن أيضا بأحجام مغايرة وصور مختلفة كوناها عن أنفسنا خلال تلك المرحلة التي صارت من بعد تابوتا محمولا على بيك أب صغيرة مخصصة لنقل الأغنام في فجر أو صباح يوم بارد من أيام عيد وهو اليوم نفسه الذي كان مقدرا لهذه البيك أب البيضاء الصغيرة ان تحمل أضاحي العيد الى المسلخ أو السواقي أو الباحات في مهرجان طقسي تختلط فيه الفكاهة والمرح والنزوات.

سائق سيارة البيك أب الصغيرة البيضاء الذي أوقظ في الفجر كان على موعد مع جثة الرجل الوحيد الذي كان قادرا على أيقاظ الناس من النوم في أي وقت يشاء وحسب ساعته الزمنية التي لا تتماها مع أي ساعة أخرى في العالم، لكن السائق كما يروي لأحد رعاة الماعز من أبناء جلدته( نقلا عن صحيفة محلية) لم يدهش كثيرا للحمولة وحدها التي تقبع في الجزء الخلفي من السيارة، الجزء المخصص لنقل الأغنام والخضروات والسلع العائلية، بل من المشاهد غير المحتشمة التي صادفته في الطريق من مهبط الطائرة المروحية وحتى المقبرة: عجوز تقعي في دغل مكشوف وهي تقضي الحاجة غير عابئة بهذا المرور السريع لسيارة البيك أب الصغيرة البيضاء، شخصان يتشاجران أمام أحد الأبواب لسبب ما وان احدهما نظر الى السيارة وهو يشعل سيجارته ثم انغمر في شجاره، وشجرة على الطريق كانت تحمل غرابا عميق السواد أكثر مما هو ممكن، والأمر المخل بالحشمة، يقول السائق، ان قافلة كلاب قطعت الطريق على السيارة، وتمادى أحد الكلاب بسوقيته لدرجة البول منتصف الطريق مما منحهم فرصة تأمل وضعية التابوت والاطمئنان على الحالة لكنه في غمرة الذهول والصدمة من طبيعة هذا اليوم الغريب يرى مشاهد كثيرة في خياله المضطرب والمشتت يظهر فيها جميعا رجل التابوت في أوضاع كثيرة ضاحكا مبتهجا لسبب ما، وقبل أن تنعطف السيارة نحو المقبرة واجه السائق، كما يروي مشهدا غريبا: جدارية لرجل التابوت كبيرة الحجم وهو يمد يده الى الأمام، ضاحكا، كي يدل على الطريق ـ الطريق نفسه الذي مضت فيه السيارة الصغيرة.

لم يكن ذاك الفجر أو الصباح المبكر ماطرا وكان سيضفي على المشهد طابعا أكثر عمقا لكن ظلال البيوت والأشجار كانت تنهمر على السيارة وتختلط بالتابوت الذي يتمدد فيه رجل كان مستعدا لقتل أي عراف أو منجم أو كابوس يقرأ له مصيرا مشابها.

السيدة باراسولا لامبسوس اليونانية الاربعينية التي تمكنت من مغادرة العراق في الساعات الاخيرة الحرجة، حبيسة أحد القصور الرئاسية، العشيقة الاضطرارية، الحسناء الفاتنة كصخور الجزر اليونانية وهي تلمع تحت الشمس أو المطر، كانت تشرب قهوة الصباح عندما رأت ـ كلمة رأت غير دقيقة لأن ما شاهدته كان رؤيا فوق العقل أو التصور أو الادراك البصري ـ عبر شاشة القناة الفرنسية الخامسة التي قطعت برنامجها الترفيهي عن أفضل الطرق لتحسين المؤخرة بالأعشاب الطبية الواردة في رواية العطر لباتريك سوزكيند سيارة البيك أب البيضاء الصغيرة وهي تحمل تابوت الرجل الوحيد الذي عاشت معه سنوات طويلة في قصر ريفي منعزل و كثيرا ما كانت تجده نائما الى جوارها في السرير بعد ان تكون قد نامت قادما من اجتماعاته الرئاسية التي تقلصت في الشهور الاخيرة التي كان منهمكا فيها بكتابة الشعر والروايات بل ورواية حكايات لا تنتهي عن طفولته الشقية في سلوك شهرياري نكوصي لأن الذي يروي هذه المرة هو الحاكم لكن السبب نفسه لكي لا يشعر باقتراب الموت.

وبما ان باراسولا تفتقر للخيال نتيجة سنوات العزلة والخوف والترف وهول الحكايات وعطور الحدائق وتعاني من نقص في الشفقة وعطب في المخيلة حيث استهلكت في قصرها الريفي المنعزل كل الأحلام والأوهام، فلقد تصورت أن سيارة البيك أب حاملة التابوت قادمة الى المزرعة وهي تحمل وجبته المفضلة:الحليب والعسل في الصباح، طعامه الأثير، ولحم الغزال المشوي طبقه المفضل وزجاجة الويسكي بالثلج. تقول في مقابلة معها: كان يفرط في تدليل الغزلان قبل الذبح.

أفاقت من ذهول المفاجأة على رنين الهاتف الخلوي وهو يعزف أغنية ديميس روسس( طريق طويل) وبعد أن قال لها صوت من بعيد( هل رأيتيه؟) ردت كالمنونة( نعم).

في تلك اللحظة كانت السيارة البيضاء قد دخلت منعطفا محاطا بالأشجار الكثيفة وبدا كما لو انه هو نفسه يمشي ـ في مشهد من انفصال الجسد عن الروح للميت، وانفصال الرؤيا عن البصيرة للحي ـ بقامته الطويلة الفارهة كظل صحراوي طويل على خلفية موسيقى أغنية فرانك سيناترا( غريب في الليل(Strangers in the night) التي أحبها كثيرا بعد العشاء الشهي، عشاء لحم الغزال المدلل( وهو موجود على ذراعه كوشم أيضا) والوسيكي مع الثلج( كيف يمكن هذا؟) وكانت قد تركت خط الهاتف مفتوحا، فجاء الرد(باراسولا، هل أنت بخير؟) أجابت وهي تتابع المشهد الأسطوري كالمسرنمة ( أشتهي السباحة الآن). وكما لو أفاقت كانت تردد دون أن تدري ان الخط الهاتفي لا يزال مفتوحا(عاش غريبا ومات غريبا عن نفسه. لم يكن ينقصه الألم ولكن كان ينقصه النسيان. كان محكوما بالتذكر وصنعني على صورته ـ من اعترافات باراسولا).


الزعيم والمحارب والجنرال واليتيم والمهزوم مرة والمنتصر مرة أخرى والصبي وقائد الحزب وزعيم الأمة والهارب والمقبوض عليه والمتهم والمشنوق والشاعر والروائي وغير ذلك يرقد الآن في سيارة بيك أب صغيرة.

تلك اللحظة كان الجنرال أديرينو قائد فرقة المشاة الرابعة المكلفة بعملية القبض، الرجل الضخم الجثة، أو الوحش الهوليودي، الرقيق أيضا (القادم من فلوريدا) كما يصفه جنوده والذي كما يقولون يتعارض جسده الضخم مع عواطفه الرقيقة(الطريقة الأمريكية المحببة في وصف الاشياء القذرة مثل القاء قنبلة على هيروشيما وناكازاكي بالولد الصغير أو العمليات الوحشية التي يقتل فيها ابرياء وغير محاربين بضرب أهداف ناعمة، خطأ...الخ...بتعبير الكاتبة الأمريكية روبن مورغان) كان وحيدا في غرفته في احد القصور الرئاسية المطلة على النهر والحقول في مسقط رأس اليتيم والمحارب يجلس أمام التلفاز بتمام معداته العسكرية تحسبا لوقوع حوادث بسبب هذا اليوم، شعر وهو يدعك خصيتيه بتبدل لونهما الى الوردي الفاتح مع شحوب منفر في بعض المواقع، ولم يكن الأمر ناجما عن مرض ما ولكن بسبب العتمة المنتقاة التي يرفضها الجنرال بأناقة مفرطة في كل غرفه وهي عتمة تشبه فجر صيفي ولد توا، لكنه فكر بأن الأمر كله يعود الى هذا المشهد: مشهد السيارة الصغيرة. لو سمع اعداء الميت كلام الجنرال، لضحكوا طويلا ثم نسوا كل شيء: ان تبدل لون لحم الجنرال أفضل على اية حال من لا شيء يتبدل، كما لو أن هذه الوقائع تتراكم على مقبرة أو ظلال.

هذا هو المشهد الوحيد الذي لا يطيقه المحمول في سيارة بيضاء صغيرة، فليس هينا على شخص ولدا محاربا أن يتخيل، ولو عبر طيف يقظة خاطف، أن ينقل في سيارة من هذا النوع الى المقبرة، فحتى نابليون كان يسمع، من داخله، موسيقي جنائزية ترافقه الى المنفى في هزيمته الأخيرة.

ربما تحمّل مشهد القبض عليه متنكرا في وكر، مأوى، كهف، ملجأ، لأن ظاهرة(التنكر)خلال الهروب من القصر ليست جديدة على تاريخ العراق ـ الوصي عبد الإله هرب على إثر حركة رشيد عالي الكيلاني بعباءة نسائية استعارها من عمته صالحة الى السفارة البريطانية وقد أخفي في بطانية وهرِّب خارج السفارة الى ثكنة( عبد الرحمن منيف يحتمل أن تكون سجادة) ونوري السعيد هرب متنكرا بعباءة نسائية الى منزل صديق حتى كشف أمره ومزقت جثته: تحل العباءة محل جدران القصر، وتصبح لحية الدكتاتور بديلا عن كاميرات المراقبة والحراس: واحد يحتمي بالرمز الأنثوي والآخر بالرمز الذكوري الأكثر وقاراً في التقاليد المشرقية مع ان هذه الشعوب في لحظة غضب تحوِّل لحية الشيخ الى مكنسة كما يقول المثل العراقي.

لكن المحارب الراقد في سيارة بيك أب صغيرة لم يتمكن من التنكر تحت أي شكل أو صورة لأنه استهلك كل الأشكال والأزياء ولا يستطيع مهما تنكر أن يخفي الوجه الحقيقي . تبين من بعد أن الوجه الحقيقي الآخر للدكتاتور سنعثر عليه في المرايا الصباحية وفي اللحظة التي تقع بين العقل والغابة، بين الطبيعة والثقافة، بين التاريخ والايديولوجيا، وان السيارة البيضاء الصغيرة ـ الصغيرة جدا ـ لم تكن تحمل جثة رجل واحد أعدم قبل ساعات وقد فاوض على رقبته ـ اقترح عليه الجلاد لف القناع الأسود على الرقبة كي لا تتمزق من الحبل، فاقتنع هو الذي كلفت حياته ملايين الرقاب وكان حريصا عليها بعد الموت ـ لكنها كانت تحمل حمولة ضخمة من طين ووحل وتاريخ وحروب وصراعات وعقائد وغرائز بدائية مغلقة وحاجات طبيعية . كانت تلك آخر حالة( تفاوض) قام بها قبل أن يحمل في هذه السيارة البيضاء الصغيرة.

تذكرت باراسولا قول كون كوبلان مؤلف كتاب سيرته الشخصية( ص. م. الحياة السرية) قرأته بعد الهروب الأخير ان عبارة كان يسمعها اليتيم كل صباح من زوج الأم كان يرويها لها من جملة ما يروي من حكايات طويلة وهو يشرب الويسكي لكنه بتمام يقظته ونشاطه(انهض ابن القحبة اسرق لنا دجاجة) وتذكرت المزرعة الريفية والقصر الأسطوري وأشباح حراس الليل ومرور الطيور مذعورة من فوق القصر أو تصورتها كذلك تأثراً برواية خريف البطريرك لماركيز التي وجدتها مرة واحدة ووحيدة متروكة قرب نافذة المطبخ المطلة على حديقة مغمورة بشمس صباح جاهز لاحتفالات فرح.

لكن عبد الحميد جندي المشاة اللاجيء في النرويج والمنقول على نفقة الأمم المتحدة من عمان بسبب نوبة فرح على إثر مشاهدة مضاجعة جنسية مصورة في جهاز خاص وبعد أن قفز في الهواء وهو في الأربعين، نزل طفلا بكل معنى الكلمة الأمر الذي حير الأطباء ( للمرة الثانية) وصار يتصرف كطفل كما لو أن تلك القفزة، قفزة الفرح النادرة، قد أصابته بصدمة عميقة مع ان تفسير الأطباء حتى اليوم يقول انها حالة من أحدى عشرة وقعت في العراق بعد حرب الخليج الثانية، الباقي حدثت في مخيم رفحا، عبد الحميد هذا وثب فجأة وهو يرى سيارة البيك أب البيضاء الصغيرة تمضي نحو الجدارية الضخمة وهو يردد:( المجد لك ايتها الليالي، ايتها الأيام/ المجد لك يا بلادي/ أنا عبد الحميد جندي مشاة من سلاح المشاة عشت أخيرا في مستشفى معسكر الرشيد، بالضبط في قسم الجملة العصبية/ أقف كعينة أمام طلاب علم النفس الصغار/ يدرسون جنون عظمتي/ يدرسون صلتي بالشمس وزحل والمريخ/ أنطلق باسم مردخ وزفس ومثراس/ أخرج لهم أوراقا من محفظتي الصغيرة كأوراق سيبيل/ أخرج لهم قرون الاسكندر وعشبة كلكامش/ عظيما كأعظم دون كيشوت/ سعيدا بمدني الفاضلة/ ايها الرعاع،ايها الاتباع/ أنا نابليون بموسيقى المنفى/ عودوا معي الى المسرح/ لنمثل أدوارنا في الحياة/ الحياة هنا لا تشبه الحياة هناك)*.

المرأة العجوز في الدغل المكشوف ذلك الصباح وضعت التوقيع الأخير على مشهد( وليست نهاية) محارب دون أن تدري، لكن تلك السيارة البيك أب الصغيرة البيضاء لم تكن في الطريق الى المقبرة كما تصورنا ولم تكن ماضية لدفن جثة ولم تكن تحمل تابوتا لا يتسع لها، ولكنها كانت ماضية في الطرق نفسها التي مشى فيها اليتيم والانقلابي والثوري والشاعر والمحارب والروائي والجنرال والهارب والمشنوق، وكانت تحملنا جميعا في حفل تنكري مأساوي يفتقد لمهابة التراجيدية.

قبل أن يتلاشى المشهد/الرؤيا، كانت السيدة باراسولا، قد تحسست في فمها بل شمت في الهواء عبر النافذة رائحة لحم غزال مشوي وأريج حديقة منعزلة في المساء وشعرت بتهيج جسدي لا ينبع من جسدها المملوك، بل من مكان آخر، من لحم الغزال المشوي، أو ويسكي بالثلج أو من التابوت، في اللحظة نفسها التي كان فيها جندي المشاة عبد الحميد الهارب مرتين: مرة من العراق، ومرة ثانية من قصيدة رعد عبد القادر، يصرخ عبر النافذة: (أنا نابليون بموسيقى العودة من المنفى، عودوا الى المسرح).

السيارة الصغيرة البيضاء تتلاشى تدريجيا وتضعف رؤية التابوت لكن موسيقى اغنية فرانك سيناترا(غريب في الليل) تكتسح الحقول والقنوات وساحات الاعدام والانهار والغابات والمصحات العقلية والحدائق.

كانت السيارة تختفي بلا مطر.


* مقطع من قصيدة رعد عبد القادر( الحروب السعيدة).
* نص روائي تحت الكتابة.


حمزة الحسن
روائي عراقي ، النرويج.
hamzaalhassan@hotmail.com