الثلاثاء, 25 أيلول 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
ليلى والقرد/5
سعد هادي
ليلى والقرد/5


لم يرد موسى على ملاحظتي حين قلت :
- إنها محطة تيريستا .
ارتدى سترته على عجل وترك العربة،اعتقدت انه سيذهب إلى التواليت أو سيهبط من القطار ليشرب كأسا أو يتناول طعاما ولكني رأيته من خلف الزجاج على رصيف المحطة وهو يتجه إلى بوابة الخروج. أسرعت خلفه حاملا الحقائب. لمحته من بعيد في الزحام . كان يمضي بين واجهات المطاعم والمقاهي والمتاجر مثل مسجون أطلق سراحه فوجد نفسه في نفق لا ينتهي من مرايا يرى في كل منها صورة مختلفة له.
ولأول مرة منذ التقينا ، أحسست إنني بحاجة إليه .
دخل مطعما فانتظرت لدقائق ثم دخلت خلفه ، جلست على مائدة بعيدة لأراقبه، طلب طعاما وبدأ يأكل ببطء،كان يبدو كالحالم أو كالمأخوذ بفكرة واحدة تهيمن على حواسه.
طلبت طعاما أيضا، ازدردته بسرعة ، لم يكن شهيا ولا طازجا،أردت أن املأ معدتي بأي شئ بعد ليلة طويلة باردة . شربت كوبا من الشاي وشعرت بخدر لذيذ وبحاجة إلى النوم.حملت الحقائب واقتربت من مائدة موسى. ألقيت بما احمل على الأرض وقلت :
-سأذهب لأغسل وجهي وأعود بعد دقيقة .
نظر إلي بنصف عين ولم يرد،لم يصدر عنه ما ينبئ انه فوجئ بوجودي،لعله كان يراقبني أو يخمن مع نفسه ماذا سأفعل .
حين عدت كان ما يزال يأكل ، أومأ إلى المقعد المواجه للحقائب،فسّرت الإيماءة بمعنى: اجلس.استمر يأكل ببطء،هل كان يتعمد إغاظتي أم كان يحاول قطع الطريق علي حتى لا أتكلم ؟
بعد عشر دقائق تنحنح ودفع الأطباق الفارغة وقال :
-كنت على يقين من انك ستتبعني .
لم أرد بل تظاهرت بمراقبة المارة في الخارج .
- و لم أخطئ .
*
لحقت به حين كان يجتاز الشارع .
قلت :
- لماذا لا نعود إلى المحطة ؟
لم يرد . كان يمضي مغلق الحواس باتجاه هدف غير محدد . اصطدم مرة بسيدة عجوز ظلت تشتمه دون أن يكترث وداس على قبعة متسول يرسم بالطباشير فوق الرصيف فرفع المتسول قبعته وطوح بها بالهواء ثم مر بين مجموعة من الصبايا وغاب في زحمة المارة . مضيت في الاتجاه نفسه ولكني لم اعثر عليه فعدت إلى المحطة وحيدا.جلست في إحدى مقاهيها وطلبت زجاجة بيرة وقبل أن انهيها رأيته يعود ويتجه نحوي . جلس أمامي وشرب ما تبقى في القدح ومسح شفتيه .
-هل لديك قلم وأوراق ؟
أومأت بالإيجاب فقال ببرود :
- عليك إذن أن تدون ما سأقول بدقة فربما لن يكون لدي مزاج لأروي لك قصة حياتي مرة أخرى. عليك أن تسجل كل ما سأقوله للتاريخ .
وبدأ يضحك.ضحكت أنا أيضا وهيأت حواسي لسماع ما يقول وبالتدريج كنت أغوص معه في ركام هائل من أنصاف الحقائق والأكاذيب والادعاءات والتهيؤات والخدع والأحلام وكان علي أن أدون كل شيء دون تعديل أو اجتزاء أو تدخل .
- اسمع .. ولدت في بداية القرن ، أي قرن ؟ لا ادري ، ولدت وكفى ، كان أبي غنيا ولكنه خسر كل شئ ، لا أتذكر ما هي الأسباب .. لعله كان مقامرا أو مغفلا أو أي شيء آخر ، وجدت نفسي في الشارع ، شبه متسول ، رأيت خيول الإنكليز وهي تخترق جادة خليل باشا باتجاه باب المعظم وحين تدقق الآن في الصورة التي تمثل طلائع الغزاة وهي تتقدم شمالا سترى طفلا في الجزء الأيسر من الصورة بملامح شاحبة وعينين زائغتين ، انه أنا. مازلت أتذكر وجه المصور الأرمني الذي التقط الصورة وأتذكر حركاته العصبية وهو يصرخ بالواقفين : تعالوا هنا أو اذهبوا هناك وكيف كان يدفع بعضهم إلى الوراء .
نهض فجأة من مكانه وانحنى لفتاة جميلة جلست على مائدة مجاورة ورفع باتجاهها قدح البيرة الفارغ . ابتسمت الفتاة ثم اخفت وجهها خلف صفحات جريدة كانت معها .
-إلى أين و صلنا ؟ .. نعم تذكرت ، أخذني عمي إلى مدرسة دينية . لا ادري من أين ظهر , قال إن عليك أن تذهب إلى النجف وتعيد الاعتبار لعائلتنا ، لم تسألني عن أمي ، كانت كردية حسناء نزحت من قرية نائية وقد فقدت أبويها في الطريق وظلت لبضعة شهور تعمل وتنام في أحد الخانات متنكرة في زي رجل حتى اكتشفها أبي وتزوجها ، للأسف ماتت بعد بضعة أيام من ذهابي إلى النجف . أصبحت وحيدا بعدها وعشت كالزهاد أنقب في كتب صفر عن إجابات لأسئلة غامضة تشغلني دون جدوى واحلم بجموع أقودها وبحشود تصغي إلي وبعذارى مطهرات يقبلن يدي .
ثم جاءت ثورة العشرين لتوقظني من حلمي ، خلعت عمامتي وانخرطت مع الجموع ، لماذا ؟ لأنني اكتشفت فجأة ما ابحث عنه، ضعت في بحر من العمائم والطرابيش والكوفيات ، انخرطت بكل حواسي وغرائزي وعواطفي إلى أن فشلت الثورة وتحول ما بعدها إلى كابوس طويل واختفيت لأسابيع وأخذني هاجس الشعر، كنت اكتب قصيدة كل يوم، أدونها في سجل كبير، لا تسألني عنه ..ضاع طبعا ونسيت كل ما كتبت وحين ظهرت ثانية عملت صحفيا أدبج مقالات نارية عن أي شي ولكن صاحب الجريدة طردني لأنني شتمته .
صمت فجأة و سألني و هو يحدق في الأوراق التي أمامي :
-هل كتبت كل شيء .
قلت :
-نعم .
- اكتب أيضا إنني عملت في تلك الأيام معلما ودلالا وكاتبا للعرائض ونادلا في مقهى يرتاده القوادون واللوطيون والسكارى،لا تعتبرني بذيئا، أريد أن اروي كل شيء..أريد أن أعلقه مثل تميمة في رقبة التاريخ ، اكتب فقط .. أنت الشاهد الوحيد ، اكتب واشرب، اكمل كأسك الآن، هل بقي شيء فيه ؟
وضع رأسه بين يديه و انحنى على الطاولة و أضاف بعد قليل :
- بصراحة ، اشعر بأنني مشتت ومتعب ، أين وصلنا .. لا يهم ..
سنكمل ذلك فيما بعد ، أريد أن أنام قليلا .

*
ظل موسى صامتا حين صعدنا للقطار . جلسنا متقابلين دون أن ينظر أحدنا في وجه الآخر ، تمثالان آشوريان في مقصورة مهجورة تمر بها أشباح مسافرين متعجلين تتردد أصواتهم وإيقاعات خطاهم في ممرات بعيدة موحشة خارجها، سكت طويلا وسكت أنا أيضا . ثم فجأة قال:
- اكتب أيضا : أدركت بعد فوات الأوان إنني أخوض معركة خاسرة فحملت ما تبقى من كتبي وثيابي ومضيت وحيدا إلى بلاد الله الواسعة ، لا أتذكر الآن ما الذي دفعني إلى السفر ، سكنت في بيروت لشهور ثم اخترقت البحر على ظهر مركب شراعي إلى مرسيليا ومنها إلى باريس ، باريس الثلاثينات ، درة العالم و ينبوع أحلامه وكدت أتزوج هناك واستقر ، نعم كدت افعل ذلك ، وممن ؟ من أميرة إسبانية منفية، عشقتني حد الجنون ، لا أحد يصدق ذلك ، لماذا تعشق امرأة كاملة صعلوكا متشردا مثلي لا يجد أحيانا مكانا يأوي إليه ولكن هذا الذي حدث، اكتب ذلك وإذا شئت فضع تحته خطوطا حمراء . أعدت هي كل شيء ولكنني اختفيت قبل ليلة واحدة من ارتكاب خطأ كنت سأندم عليه عمري كله وبعثت للحبيبة المتيمة من برلين بعد أيام رسالة اعتذار وزهرة كاردينيا مجففة . أخبرتها في الرسالة إنني سأقيم في برلين لبضعة أيام لأنني أريد أن أفكر في مصيرنا بهدوء وكذلك لأنني أصبحت مأخوذاُ برجل قصير ، حاد التقاطيع ، له نصف شارب وعينين ناريتين ، لم تكن هي تعرفه ، هل لديك ماء ؟ اشعر بالعطش .
أعطيته زجاجة ماء ، شرب نصفها و أعادها لي .
- لا طعم لهذا الماء ، من أين يأتون به ؟ أين وصلنا ؟ نعم تذكرت ، وقفت مرة مع الجموع المحتشدة احيي موكب هتلر قرب كنيسة بوتسدام وهو يمضي لافتتاح الرايخ الثالث . كانت الهتافات الجنونية في تلك الليلة تشق عنان السماء والأمواج البشرية المتلاطمة تكاد تكتسح كل شيء ، ليلتها قررت أن اصبح نازيا ولدي صورة فوتوغرافية من تلك الفترة : شارب صغير مربع وخصلة شعر متدلية ونظرة حادة تشبه نظرة تمثال . يا لتلك الأيام ، كنت مجنوناُ بين ملايين المجانين الذين يمضون إلى الجحيم بأرجلهم .
دخل رجلان كئيبان إلى المقصورة يرتديان الملابس نفسها وجلسا إلى جانبي، التفت موسى إليهما وقال بصوت منخفض :
- هل هما جاسوسان ؟
قلت:
- لا ، اعتقد انهما رجلا دين .
-أنت لا تعرف شيئا اذن .
وأضاف و هو يقرب شفتيه من أذني :
-هل تصدق أن بعض رجال الجستابو مازالوا يبحثون عن النازيين المرتدين لاغتيالهم وبالطبع فأنا منهم .
- ربما، كل شيء جائز .
- مع ذلك سأواصل قصتي لتعرف من أنا وكم قاسيت وتحملت، ذكرني أين وصلنا .. نعم ، عدت إلى العراق في طائرة ألمانية. عملت مساعدا لسفير الفوهرر .. هايل هتلر ، النازية فوق الجميع ، أتقنت الألمانية وصرت وسيطا في كثير من القضايا ، تصور أني الآن لا أتذكر كلمة ألمانية واحدة ،هاهاهاها ، الندم لا يفيد ، اندلعت الحرب الكونية وكنت مؤمنا إن ألمانية ستسود العالم وسأسود أنا معها وإليك سر سأقوله لأول مرة ، سأقوله للتاريخ .. أصغ جيدا واكتب ، اكتب فقط ولا تبحلق في وجهي ، حسنا ، كان أحد العقداء الأربعة صديقي ، بالأحرى كان قريبي من بعيد .. لن أقول اسمه حتى لو علقني هذان الجاسوسان من أصابع قدمي ، كن على يقين من ذلك ، سأحمل اسمه معي إلى القبر. كنت التقيه في مواعيد سرية لأنني كنت افضل وهذه خصلة إيجابية وسلبية لدي أن أكون في الظل دائما وامسك بخيوط اللعبة من بعيد ودون أن يعرف أحد بذلك ، وحتى بعد قيام انقلاب عام 41 كنت ابعث برسائل له بلا توقيع أقول له فيها افعل كذا أو لا تفعل كذا وكان الرجل وللأمانة التاريخية … هل مازلت تكتب ، أنت تبدو شبه نائم .
- لا ، أنا متعب قليلا .
-ماذا قلت ؟ نعم ، كان الرجل يستجيب في بعض الأحيان ويتجاهل ملاحظاتي في أحيان أخرى ولكنني لم أيأس ، كنت اوجه الرسائل إليه دون ملل واقدم له خططا عسكرية وخرائط و لكن دون جدوى حتى حدث ما حدث و انتهى الأمر إلى كارثة . في الليلة الأخيرة كنت على مشارف الحبانية وقد جرحت وتركت انزف حتى الصباح ثم جاءت شاحنة عسكرية إنكليزية ونقلتني إلى بغداد بين الحياة والموت وكاد أحدهم يرميني في الطريق ولكنه عدل عن ذلك في اللحظة الأخيرة . ألا يبدو ذلك مثل حلم ؟
كان الرجلان الكئيبان يغطان في نوم عميق وبدأ أحدهما يصدر شخيرا مثل زئير . استطرد موسى وهو يتثاءب :
-يكفي هذا ، تعبت أنا أيضا . إلى أين ستذهب ؟
قلت:
-إلى المطعم ، سأجلب قدحا من الشاي ، هل تريد شيئا ؟
-لا ، لا أريد . سأنام .
حين عدت بعد قليل كان موسى ممددا على المقعد وكان يهذي ويدون شيئا في دفتره . أعطيته قدح الشاي فشربه في جرعة واحدة طويلة وأعاده إلي .
-هذا ما كان ينقصني ، أنا آسف لأنني شربت كل ما في القدح .
-لا يهم ، توقعت ذلك وشربت قدحي في المطعم .
-لنعد الآن إلى حيث انتهينا ، لدي الرغبة في أن أفشي كل أسراري هذه الليلة . هذه المرة سأذكرك أنا إلى أين وصلنا، اكتب: عدت إلى بغداد في شاحنة شبه ميت وسجنت رغم جرحي الخطير ولم يشفع لي تدخل السفير الألماني إذ نفيت إلى جنوب أفريقيا في قعر سفينة لنقل الماشية،كانت السفينة تبحر ببطء وكان عدد المنفيين يتناقص باستمرار، كانوا يتحولون إلى أشباح بسبب الجوع والعطش ويختفون فجأة.قاسينا الأمرّين حين وصلنا وأصبت بألف مرض ومرض..ملاريا ورمد وجرب وإسهال مزمن ولكنني لم أمت بل تعرفت على مغامر أمريكي اخترقت معه مجاهل أفريقيا في سيارة جيب وانتبه قليلا ، سأقول لك ما أيقنت به منذ ذلك الحين : أنني بلا وطن ، مأواي خيمة في العراء أو سرير في أية زاوية مهجورة ، طاف بي ذلك المغامر بين القبائل الوثنية، تعرفت على آلهتها وقبلت طواطمها وشربت مياهها المقدسة وخلفت أجنة لا تعد في أرحام سود تتفجر بالشهوات ، لا تذكرني بتلك الأيام ، كنت اتبع كائنا خياليا لا حدود لمعارفه أو مواهبه .
استيقظ أحد الرجلين الكئيبين ، نظر إلينا ببرود واخرج من حقيبته سيجارا ضخما وبدأ يدخن و لكنه بدأ يسعل فأطفأ السيجار ونام مرة أخرى ، كانت رائحة الدخان الذي تصاعد من السيجار تشبه رائحة كافور مغلي . ظل موسى صامتا يراقب الرجل بحذر وحين تأكد من نومه قال بصوت خافت:
-إنها ألاعيب الجواسيس المتقاعدين ، أنا اعرفها جيدا . ومع ذلك سأواصل حكايتي عن ذلك الرجل العجيب ، ما زالت أراه في خيالي كل ليلة ، لم يكن يعرف الخوف ، كنت اتبعه وهو يخترق قطيعا من الأسود أو يهبط إلى بئر مليء بالأفاعي أو وهو يجندل نسرا كبيرا بحجم فيل،حتى أكلة لحوم البشر كان يخدعهم ويبادلهم الذهب بالسكاكين الرديئة وبتأثير منه تعلمت لغات شتى ، صرت على يقين من إن اللسان البشري واحد وإذا كان الله قد غضب على نمرود وبلبل الألسنة في بابل فان بالإمكان وهذا ما افعله دائما ، أن نعود إلى أصول الكلام الأولى لنتفاهم ، هذا هو مصدر لغتي السنسخريطية ، إنها فسيفساء هائلة تعود كل شظية فيها إلى زمن مختلف ومكان مختلف .
و احتد فجأة و نهض و اتخذ هيئة من يلقي خطبة :
- هذا أنا خلاصة ذكريات وخبرات وأفعال وأقوال ، اكتب ذلك عني ، قل إن لغتي هي لغة الإنسان البدائي وغرائزي هي غرائزه وملامحي هي ملامحه ، كدت أموت مرة بحربة مقاتل أهوج من الزولو ومرة أخرى خنقا تحت جسد زنجبارية مغتلمة اغتصبتني حتى آخر نقطة مني في جسدي وأخطأتني بمعجزة رصاصة فارس من الطوارق ظن أني أتلصص على خيمة حريمه وطاردني مهربو الآثار في مغارات النوبة ، كان سيد روحي إلى جانبي باستمرار يقهقه ويرتشف جرعات متتالية من خمرته السوداء،كان يرثي لي أو يبتكر الاعتذار ليبرر عجزي أو خوفي.
جلس ثانية وعاد إليه هدوءه ، أشعل لفافة تبغ وبدأ يحدق من النافذة ، حين توقف القطار بعد قليل استيقظ الرجلان الغامضان ورفعا حقائبهما وتركا العربة .
بصق موسى خلفهما وقال :
-اقطع يدي من هنا إن لم يكونا جاسوسين ، ألم تر كيف تظاهرا فجأة بالاستيقاظ .
قلت :
-لا تشغل عقلك بهما ، هل ستواصل حكايتك أم اغلق الدفتر ؟
-لا ، لا سأواصل ، لا أريد أن افقد سلسلة أفكاري ولا حماسي، في بداية صفحة جديدة دوّن هذا العنوان: المهاجر يستقر ثم اكتب ما يلي: وصلنا إلى مراكش مثل المشردين بوجهين مغبرين وملابس ممزقة وخرجين خاويين معفرين برمال الصحراء، كنت متعبا بحاجة إلى الماء والظل ورائحة الجسد الأنثوي،بحاجة أيضا لأن أكون وحيدا لأسترجع بهدوء تفاصيل ما جرى. أما هو فقد أعطاني عنوانه ومبلغا من المال ومنحني بركاته وأبحر مرة أخرى في بحر الظلمات ، أصبحت فجأة وحيدا ، كنت ضائعا بين أبواب مراكش القديمة ،مأخوذا بمدن الممالك البائدة ثم اهتديت إلى طنجة ، نقطة التقاء أخيلة السحر في الشرق والغرب، المثال الأبدي لحلول روح امرأة في جسد مدينة، والأنموذج العصري لبرج بابل ، ليس باستطاعتي أن أنسى ليلة وصولي إليها ، كنت في شاحنة قديمة مع سائق مهذار،بدت المدينة من بعيد مثل جوهرة سماوية مرفوعة على قمة تل، خواطر علوية أسرتني،شجون وأصوات خفية لجوقة من الملائكة الصغار همست بأذني : ها قد وصلت ، ها قد وصلت .
بدأ صوت موسى يخفت ويتهدج وشع بريق غريب في عينيه وبدا كأنه على وشك البكاء :
- سنتي الأجمل هي سنة طنجة ، مفترق العمر ، أحلام الشباب التي لم يبق منها سوى ثمالتها ، كان دبيب الكهولة قد بدأ يتسرب إلى جسدي و إلى روحي أيضا،عشت في طنجة مثل أمير وصرفت كل ما معي واستندت وتراكمت الديون وأصبحت حياتي جحيما ، ماذا افعل ؟ لم تكن أمامي حلول كثيرة ، هربت في ليلة عاصفة من دائني إلى جبل طارق ، بقيت هناك لبضعة أيام ثم … قل لي ، هل أنت آلة صماء ، ألا تعرف كيف تحاور أو تسأل ، اطرح علي أي سؤال وسأجيبك .
قلت ببرود :
- معك ، بصراحة وتواضع ، لا أجيد سوى الإصغاء .
- اكتب إذاُ إنني وصلت إلى أوربا التي كانت تلعق جراحها بعد حرب كونية ضروس،تعبير جميل،أليس كذلك ؟.. ألم اقل لك إنني كنت شاعرا فيما مضى،أوربا تلك الأيام كانت تتلاطم فيها التيارات والولاءات والمذاهب وتهيم فيها الأرواح الضالة ، أرواح القتلى وأرواح الأحياء، في الشوارع والحانات المظلمة نفسها. تعرفت بعد أيام من وصولي على عاملة شيوعية لها ردفين هائلين، سرت معها تحت الراية الحمراء وتظاهرت وصرخت وتشاتمت مع أهل اليمين وضربني رجال الشرطة ثم وجدت نفسي بعد أسبوع كئيب في زنزانة في إحدى القلاع المهجورة، وتركوني بعد ذلك على حدود إيطاليا شبه عار ، بلا نقود ، بلا هدف ، بلا أصدقاء فسرت وحيدا لأيام عديدة ، لا ادري كم استغرقت، استجدي المارة وأعيش على الفضلات،كان طريقي محفوفا بالمخاطر والآلام ولا ادري كيف انتهى إلى فلورنسا .
سكت موسى للحظات ثم استطرد :
- هاك أيضا هذا التعبير الشعري : فلورنسا دكان التحف المزخرف وحمامة الماضي التي أراها في منامي كل ليلة،ذهبت إلى عنوان أعطتني إياه عشيقتي الباريسية ، كنت اعتقد انه مزيف ولكنه كان كلمة سر لفردوس ارضي لا يحلم به متسول مثلي ولستة شهور كنت أنام وآكل وأقرأ واحلم وأضاجع بينما تدفع الأممية حسابي،أية أم رؤوم هذه؟ تعافيت وتماسكت ولكني شعرت فجأة بان حياتي بلا معنى فحملت حقيبتي وانتحلت شخصية عامل تركي،لم يكن لدي ما يثبت شخصيتي، ركبت القطار إلى اسطنبول وفيها (وأنا اسميها دائما عجوز العواصم) استيقظت من كابوس الغرب، اكتشفت ضياعي وإنني بلا هوية، كهل مغفل بعظام هشة وقلب مثقوب ، عملت مترجما في إحدى القنصليات لشهر واحد ثم عبرت البسفور وصرخت من ضفة آسيا: لا بد أن أعود ، لمن وجهت الصرخة لأسطنبول أم لآمالي الضائعة ؟ لا ادري .
دخلت المقصورة امرأة عجوز ومعها طفلة تبكي ، كانت العجوز تحاول إسكات الطفلة وهي تحشر في فمها قطعا صغيرة من الحلوى ولكن الطفلة استمرت في بكائها ، اقترب موسى من الطفلة وبدأ يحرك عينيه بطريقة غريبة ثم اخرج نظارة شمسية من حقيبته ولبسها بالمقلوب ، سكتت الطفلة وحدقت في وجهه ، خلع النظارة ووضعها على عينيها وبدأ يدندن بصوت خافت ، بعد دقيقة واحدة كانت الطفلة تضحك وتردد كلمات أغنيته التي لا تعني شيئا.أما العجوز فظلت تبتسم بفم ادرد وتعيد كلمة : thank you إلى ما لانهاية ثم وضعت الطفلة في حضنها وهدهدتها بكلمات موسى الجوفاء وكررت الكلمات بخفوت ثم نامتا معا . التفت موسى إلي واستطرد :
-اتجهت ثانية إلى الشرق ، عدت إلى المدينة التي تبدأ منها كل الطرق و تنتهي إليها ، مدينة الخيال الأول ، سرة الأرض، مأواي ومآلي،كانت بغداد في تلك الأيام تغلي ، صراعات سياسية محتدمة واختلافات مذهبية وتناحرات واصطدامات ودم في الشوارع وجثث قتلى مجهولين ، لا تسألني كيف تصرفت وإلى أين اتجهت، لقد ذهبت بخطى عمياء إلى الشيوعيين وأصبحت خلال شهور قليلة فارسا بينهم ، ولكن ذلك لم يستمر طويلا ، قبض علي فجأة بتهمة التشرد واحدث ذلك ضجة في كل مكان ولكن وبما يشبه المعجزة تم تهريبي من السجن وذهبت متخفيا إلى البصرة ومن هناك تم تسفيري إلى إيران في قارب ثم على بغل ، هل دونت كل شيء ؟ على أية حال أنت مسؤول ، سأطالبك بالأوراق لأرى ماذا كتبت فيها .
ذهب إلى المرحاض ثم عاد وجلس صامتا لدقائق ، ظل يحدق في الظلام الدامس الذي يتراجع بسرعة إلى الوراء والتفت إلي :
-نعم إنها أسوأ سنوات حياتي ، عشت متنقلا كالمجنون من زريبة إلى زريبة ومن خان لخان ثم استقر بي المقام في سرداب تحت الأرض ، أتناول وجبة واحدة من الآبكشت واشرب قنينة من العرق المخصوصي و اطبع منشورات بالفارسية ، عن أي شيء؟ لا ادري ، أيام لا اعرف عددها قضيتها في الظلمة تحت الأرض مع العقارب والصراصير والديدان ، كنت أشبه بفأر كبير جائع وسكران دائما ، لا تضحك ، إنها الحقيقة ، لا أتذكر الآن تفاصيل بعينها ولكن أتذكر ليلة واحدة طويلة متصلة ، ليلة سوداء وحيدة تتكرر بكوابيسها وهواجسها ودهاليزها وفجأة طرق علي أحدهم الباب وصرخ بي:حدث انقلاب في العراق واستلم العسكر السلطة، في تلك اللحظة قررت أن أكون قاسميا قبل الجميع حتى قبل أن اعرف من هو قاسم ، لاحظ إنني من الآن سأوجز واختصر وأتجاوز على بعض الأحداث لأنني تعبت أولا ولأنني أدرك أيضا انك لم تعد تصغي جيدا .
قلت :
- بل أنا معك بكل حواسي .
- سجل إذاً إنني عدت إلى بغداد ، وإنني عملت فور عودتي مسؤولا في المقاومة الشعبية ، قدت المظاهرات ووقفت أمام الجموع خطيبا وارتجلت أشعارا واخترعت شعارات رددتها الحناجر، الطريف في ذلك كله إنني كنت بوجهين:داعية للشيوعيين وداعية ضدهم،لا تضحك، هكذا أنا،تناقض حي يمشي على قدمين ، عبارة مبتكرة أخرى ، أليس كذلك ، ذروة فلسفية لا يحلم بالوصول إليها أحد . هاهاهاها… لا يهم ، اكتب إن أحدهم وشى بي فالقي علي القبض بالتهمة التقليدية نفسها : التشرد ولم يسأل عني أحد هذه المرة وبقيت محشورا في زنزانة مع القوادين واللصوص والشاذين ثم افرج عني فجأة لأن الزعيم قال ذلك .. تشردت حقا ، من فندق إلى فندق ومن غرفة حقيرة إلى أخرى ، صرت ناصريا متشددا ولا اعرف حتى الآن لماذا وكدت اقتل بل كدت اسحل ولفقوا لي تهمة جاسوس وووو … ولم أجد أمامي سوى أن اترك تلك المعمعة واهرب ..قلت : وداعا للسياسة ووداعا لأساطينها وقررت أن لا أعود، أرعبتني الأحقاد المتأصلة والمذابح وطاردتني الكوابيس، بل : قل طردتني وأنا أسعى في اتجاه الحدود .
فتحت الطفلة عينيها ونظرت إلى موسى ثم نهضت وجلست إلى جانبه والتصقت به ونامت مرة أخرى . قال موسى :
- إنها ضائعة مثلي ، لعلها يتيمة .
ثم مد يده وطوق الطفلة ، كان شبيها بها. صمت لدقائق ورأيت غمامة حزن حقيقية على وجهه .
- كانت اليونان هي المأوى هذه المرة ، بلاد الإغريق التي يعبق هواؤها بذرات الفكر والجمال وتكاد أرواح موتاها العظام تخاطب الأحياء من تحت الصخور، بلاد الأنوثة الماجنة والذكورة المقدسة، هل أجدت التعبير، لماذا تبتسم كالأحمق ؟ اعترض ولو مرة ، قل لي : أخطأت . لا تسكت هكذا ، هل أنت صنم ؟.
أجبت ببرود :
- لا .
-حسنا اكتب ، قلت … اكتب ، لا تنظر في وجهي ، اكتب إنني عملت بحارا لفترة قصيرة وطباخا وكناسا وصرافا ونادلا ثم عشقتني صاحبة متجر واتخذتني محظيا لخمس سنوات ، لم نكن نفارق السرير ، كانت تريد مني أن اعتليها طوال الليل ، لم تكن ترتوي ، علمتني كل الأسرار الجسدية واكثر من ذلك حاولت تطويعي كزوج ، كرجل متزن يعود إلى البيت في موعد محدد ويخرج في موعد محدد وتورطت وأغرتني اللعبة وكدت افقد براءة الصعلوك ووحشته وفي لحظة يأس بل قل في لحظة استيقظ فيها ضميري من غفوته قررت أن اهرب ، نعم تركت الفردوس بكل ما فيه وليس معي سوى حقيبة صغيرة ورزمة من الأوراق ضاعت بعد ذلك وجواز سفر مزور أعادني إلى بيروت ، بعد أيام كتب لي أحدهم إن العاشقة المتيمة بعد أن قرأت رسالتي التي وضعتها قرب وسادتها ظلت تبكي و تصرخ كالمجنونة ثم وجدت ميتة في سريرها تاركة وصية غامضة يتكرر فيها اسمي ، ملطخة بالدم والدموع ، قصة حزينة ، أليس كذلك ؟ هذه هي حياتي ميلودراما مستمرة ، اعطني سيكارة ، أنت أيضا حزين ومتعب ،اعرف ذلك ، احتملني ، لم يبق سوى القليل .
أعطيته السيكارة وأشعلتها له ، اخذ نفسا عميقا وعاد ليقول :
- كان ملاك الموت يهمس في أذني كلما جلست في مقهى على البحر: عد إلى هناك لتموت فوق التراب الذي جبلت منه ، كان يستعجلني في كل ليلة وكلما حاولت التملص منه ظهر لي في صورة مختلفة ، قل انه لم يكن ملاكا بل شيطانا موسوسا لم يبق معصية لم يحملني إثمها. عدت إذا مثل ابن ضال وعشت متنقلا بين الفنادق الرخيصة وغرف الحيدرخانة والميدان احشر نفسي مع الطلبة والقرويين المتعجلين والمومسات والقوادات والمتسولين وعملت مرة أخرى دلالا ومصورا متجولا وقارئ قرآن في مقبرة الغرباء وبائع سكائر وأوراق يانصيب،محطات بلا معنى قبل المحطة الأخيرة:الموت أو هكذا كنت اعتقد،محطات مؤقتة انتظرت فيها لا عن إيمان بالقدر بل لأطمئن هواجسي ولأرضي نزعة الفضول لدي . قرأت كتبا في التصوف وأطلقت لحيتي وأقنعت نفسي بالعزلة والتنسك رغم المعاصي التي كنت ارتكبها في السوق كل يوم،اكذب وأنافق وأداهن واسرق أو أحرض على السرقة .
-و ماذا بعد ؟
-ها أنت تسأل أخيرا ، لا بأس .. سأقول لك : إن أي غرفة من الغرف التي سكنتها وبالطبع دعك من التفاصيل كانت أشبه بالبرزخ الذي انتظر فيه ملك الموت الذي اتضح تدريجيا انه كان يداعبني أو إنني استلمت رسالته بشكل خاطئ وهكذا مرت أيامي بطيئة حتى عثرت على وظيفة بواب ليلي في قسم داخلي وخلال اقل من أسبوع صرت طالبا صعلوكا ، اسكر في غرف الطلبة وأنام معهم بل وأعطيت لكل منهم مفتاحا ليعود في أي وقت يشاء وأصبحت نادلا لهم وعرفتهم على كل مومسات و قوادي الميدان وجلبت لهم كل أنواع العرق واعتبرني البعض أبا روحيا واعتبرني البعض الآخر زنيما بينما اعتبرني آخرون مثالا عصريا للمتشرد ولكنهم جميعا أدركوا إنني طراز عجيب من البشر لم ولن يتكرر ، اعذرني إن أطلت ، لم يبق سوى الخاتمة ولعلها كانت مأساوية اكثر مما كنت أتوقع ورب ضارة نافعة إذ جعلتني أجد مبررا للفرار مرة أخرى ، اكتب ببساطة والأفضل أن لا تقاطعني حتى انتهي ، نعم اكتب … انتحر أحد الطلاب في ظروف غامضة ، قيل لأن زميلة له رفضته وشتمته حين قال لها احبك وقيل أيضا انه من عائلة مصابة بالمنخوليا ، ما هي المنخوليا ؟ صدقني لا ادري ،بل أنا انقل بأمانة الكلمة التي ذكرها أمامي أحد أصدقائه وقيل انه كان يتيما لا يجد ما يأكله وانه كان انطوائيا وخجولا ووووو ، وإذا لم تخني الذاكرة فربما كان الطالب الوحيد في القسم الداخلي الذي لم أتعرف عليه ولم يحاول هو ذلك أيضا وانهار كل شيء فجأة ، فصلت من الوظيفة وجرى تحقيق مطول معي وتناقضت أقوال الشهود بشأني ثم أغلقت القضية وآثرت بعد تفكير سريع أن انسحب ، وضعت كل ما لدي في حقيبة واتجهت إلى الصالحية يرافقني جليس مقهى ساذج أراد أن يعالج بواسيره في "برغاليا" وهنا أنا أمامك . لم يبق ما أقوله لك ، بإمكانك أن تنام الآن . هل سجلت كل شيء بأمانة ؟.. أتمنى ذلك والآن وداعا .
سكت ثم وضع حقيبته تحت رأسه وبعد دقائق بدأ يشخر وتردد صدى شخيره كئيبا وقديما بين جدران العربة الضائعة في ليالي المدن التي نتركها وراءنا أو تلك التي نحن في الطريق الموحش إليها .

*
- يا ولد .. يا ولد .. هل أنت نائم ؟
ثم سمعته وأنا بين النوم واليقظة يقول كأنه يحدث نفسه :
- يا ولد ، أتدري بماذا احلم حين استيقظ كل صباح .. ها .. أتدري بماذا احلم ؟
أجبت بحدة :
- لا ادري و لا أريد أن ادري .
- احلم بحمام شرقي كبير ، نظيف ومعطر،أرضيته من المرمر الأبيض وجدرانه من الرخام والفسيفساء، تتناول جسدي الضعيف فيه أياد رحيمة، تعامله مثل كيس من الخرق،نعم،خرق قذرة ملطخة لابد من غسلها وتنظيفها وتطهيرها من كل ما علق بها من خطايا وادران طيلة سنوات التشرد والغربة ثم تعاد إلى الكيس بأناة واحدة اثر أخرى ، هل عرفت بماذا احلم يا ولد .. هل سمعت ما قلته ؟
استمر موسى يكلم نفسه بينما كنت أغوص في بئر قصي مظلم ، تحف بي كائنات لغوية تتلاحق من فم موسى الذي كان يتسع ويتسع حتى يحتوي العربة نفسها . ثم سكت أو لم يعد باستطاعتي أن استمع إليه .

سعد هادي
كاتب عراقي
saad@alrowaee.com
القائمة الرئيسة
البحث