الثلاثاء, 20 تشرين الثاني 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
فؤاد التكرلي إنموذج رائع على الإهتمام بالشكل والمضمون
د. زهير ياسين شليبه
فؤاد التكرلي إنموذج رائع على الإهتمام بالشكل والمضمون



يُعد فؤاد التكرلي أحد أهم الروائيين العراقيين وآخر من بقي من جيل عُرف بتسميتة بجيل الخمسينات ولهذا بالذات حصل على إعتراف وشهرة محليتين عراقيتين ومن بعدها إعترافا عربيا تُوّج بجائزة عويس للرواية العراقية.

وعلى الرغم من ان فؤاد التكرلي نأى بنفسه عن الدخول في العلاقات الشخصية مع الأدباء من مجايله وغيرهم ولم يكرس حياته كلها للأدب بسبب وظيفته في مجال القضاء إلا أنه كان من أكثر الكتاب العراقيين في الخمسينات جدية فقد قام جنبا الى جنب مع كتّاب آخرين يتفق او يختلف معهم قليلا مثل عبدالملك نوري وغائب طعمه فرمان بتاسيس ثقافة قصصية.

لم يكن الأمر كذلك بالنسبة للكاتب الواقعي الإشتراكي ذنون أيوب والى حدما غائب طعمه فرمان في بداية حياته وبالذات في مجموعته القصصية حصيد الرحى، على عكس عبد الملك نوري، الذي اتفق معه على إعتبار أن ما كان يُكتب ويُنشر من قصص قصيرة مجرد "مقاصات ومفردها مقاصة" وهو المصطلح الخاص بهما المختصر من كلمتين: مقال وقصة.

بالنسبة لغائب طعمه فرمان فقد كان متفقا مع هذه الآراء إلا أن قدرته الأدبية في شبابه لم تكن على مستوى كتابة القصة الفنية التي طالبا بها، أما بعض الكتاب الآخرين فقد اعتبروا هذا ابتعادا عن الطبقات المسحوقة.

واستطيع أن أقول إن أغلب الكتاب العراقيين آنذاك كان متفتحا على الأفكار التقدمية والديمقراطية والليبرالية الجديدة ومنهم من إندفع مع التيار الأشتركي الماركسي إلا ان فؤاد التكرلي لم يتحمس رغم "يساريته أو ليبراليته" الى الفكر الإشتراكي او التيار الشيوعي، لأنها وبإختصار يسارية ليبراليه غير ماركسية.

ولد الأديب الراحل فؤاد عبدالرحمن التكرلي عام 1927 في مدينة باب الشيخ البغدادية العريقة، ودرس القانون في العاصمة العراقية وتخرج من الكلية عام 1949.
بعد تخرجه من كلية القانون البغدادية كما كانت تسمى آنذاك عمل لمدة ثلاثة أعوام في المحاكم المدنية العراقية في بعقوبة ثم عاد عام 1952 منها ليزاول عمله في العاصمة العراقية.
وسافر الى باريس عام 1964 لغرض الدراسة ثم عاد إلى العراق بعد عامين وعمل في القضاء منذ العام 1966وتدرج في مناصبه حتى أصبح نائبا لرئيس محكمة إستئناف بغداد حتى عام 1983 حيث قدم إستقالته وسافر الى باريس لمساعدة مترجمة روايته "الرجع البعيد" وزوجته فيما بعد الكاتبة التونسية رشيده التركي. وإستقر في التسعينات في تونس حيث كان يستلم مرتبه التقاعدي هناك ضمن وظيفة شكلية في المركز الثقافي العراقي لم يكن الكاتب يتشرف بها، بل يشعر بنوع من الأجبار والأضطرار كما حدثني وكتب لي في إحدى رسائله الشخصية آنذاك.

إعتاد النقاد العراقيون على تسمية جيل التكرلي وفرمان ونوري وآخرين بجيل الخمسينات لأنهم ظهروا في هذه الفترة واستمروا في ممارسة نشاطاتهم الأدبية حتى السبعينات والثمانينات والتسعينات والى حد وقتنا الحاضر كما هو الحال عند كاتبنا الراحل الذي ظل يزاول ابداعه حتى آخر ايامه.

عُرف فؤاد التكرلي بكتابة القصة القصيرة منذ وقت مبكر إلا أنه لم يكن راضيا عن نفسه لكونه متطلبا جدا وهذا ما اشار اليه في التسعينات في رسالته الى شبابه المنشورة في صحيفة الحياة اللندنية.

لم يكن التكرلي غزير الأنتاج ولا دائم النشر أو مهووسا به لعدة اسباب، اولها لأنه كان كما قلت متطلبا غير مقتنع بنشر كل ما يكتب وبسبب مقارنتة لنصوصه بأعمال الروائيين الكبار وثانيها لكونه مشغولا بدراسة القانون والوظيفة في مجال القضاء التي تتطلب برأي الشخصي الموضوعية وعدم التسرع في اتخاذ القرارات وعدم الأنفعال، بينما يعود السبب الثالث الى طبيعته الشخصية الهادئة والمتزنة وغير المتهافتة على الشهرة وركوب الموجات كما يحدث في التاريخ العراقي بل العربي الثقافي بعامة.
فالتكرلي يتمهل في نشر نصوصه ولهذا قد تبدو متأخرة في الإصدار، إلا أنه لم يكن ليبالي بمثل الأمور بقدر ما يولي أهمية لصياغة العبارة والبناء والتحرير الأدبي اللغوي وكل ما له علاقة بمقومات القصة الفنية، التي كانت ُتعد لدى بعض الأوساط نوعا من الكمال او المغالاة.


نشر فؤاد التكرلي بعض القصص القصيرة، التي يمكن أن تُصنّفه آنذاك على أنه كاتب من "البروج العاجية" وفاز بجائزة القصة القصيرة التي أقامتها مجلة "الأديب" عام 1952

نشر أول قصة قصيرة بعنوان "همس مبهم" في مجلة الأديب اللبنانية عام 1951 بعد سنوات من كتابتها وإنجازها، إضافة إلى قصص أخرى بقيت بعيدة عن النشر لفترة طويلة.

جمع ف. التكرلي اغلب قصصه في مجموعته "الوجه الآخر" عام 1960 وضمت قصته الطويلة التي تحمل نفس العنوان والتي أعجب بها العديد من النقاد لدرجة أن بعضهم عدّها رواية. لم يقبل بعض النقاد اليساريين المتحمسين او الحزبيين الشيوعيين أو المحسوبين عليهم، هذه المجموعة كونها لم تتجاوب مع "الحس الثوري" آنذاك، كما حدث نفس الأمر بالنسبة ل"مولود آخر" للروائي الراحل غائب طعمه فرمان، الذي واجه نقدا لاذعا من احد النقاد بسبب عدم "كفايتها" من الأبطال الإيجابيين والثوريين والمتحزبين.

إذا قارنا لغة نصوص "الوجه الآخر" وبناء شخصياتها واشكالها بالنتاجات القصصية السائدة آنذاك بما فيها "مولود آخر" اليسارية "الناقصة" فإننا سنلاحظ أن الغَلَبة الفنية ل "الوجه الآخر" بسبب إهتمام كاتبها بوصف العالم الداخلي للشخصيات وعدم الإكتفاء بالتناول الخارجي، كذلك الأقتصاد اللغوي وتمايز الأصوات في عملية السرد.

تتميز هذه المجموعة ايضا بجرأة إختيار الموتيفات والثيمات وبالذات الخوض في تناول المحرمات الجنسية والعادات المتأصلة في المجتمع العراقي مثل غسل العار، التي سنتطرق إليها فيما بعد.

إنقطع فؤاد التكرلي عن النشر وليس الكتابة كما سيبدو لاحقا لفترة معينة، فقد بدأ عندما كان في باريس عام 1966 بكتابة
روايته الأولى "الرجع البعيد" وإنشغل بها كثيرا حتى أتمّها عام 1977 ونشرها عام 1980 في بيروت لتعذر إن لم نقل إستحالة قيام ذلك في بغداد كونها إدانةً صارخةً وواضحةً للحرس القومي وحزب البعث، الذي كان على رأس السلطة.
شارك فؤاد التكرلي في مؤتمر الرواية العربية المنعقد في القاهرة عام 1988 بمساهمة غنية عن تجريته الروائية رغم أنه لم يصدر غير رواية واحدة.
وفي عام 1991 يصدر من مكان إقامته تونس مجموعته القصصية الثانية "موعد النار" وم ثم في عام 1995 تُنشر روايته الثانية "خاتم الرمل"، ليتوّج عام 1998إبداعَه الروائي ب "المسرات والأوجاع" حيث حصل عام 1999 على جائزة عويس للرواية العربية.
أقام في سوريا قبل غزو أميركا العراق وبقي فيها بعده يعمل في مؤسسة المدى للنشر ثم إنتقل إلى الأردن عشية تعيينه مستشارا للرئيس العراقي جلال الطالباني وهو منصب شرفي ومعنوي ومادي لكلا الطرفين ثم حصل على تقاعده حتى وفاته في هذه البلاد.

اصدر فؤاد التكرلي في سنواته الأخيرة بعض القصص والحواريات نذكر أهمها روايته "اللاسؤال واللاجواب"، التي تتناول حياة عائلة عراقية اثناء الحصار تهبط عليها ثروة بالصدفة فتنقذها من المجاعة كحال بطل "المسرات ولأوجاع" فتكون النهاية سعيدة في عالم مليء بالتعاسات.

هذا هو ملخص حياة فؤاد التكرلي الذي لم يتعرض يوما لا للتوقيف ولا الإعتقال ولم يشارك في المظاهرات ولا المهاترات السياسية ولم يُضع وقته كما هو الحال لدي بعض اصدقائه وزملائه في النشاطات والإجتماعات الحزبية، ومع ذلك فإن روايته الأولى "الرجع البعيد" تناولت التاريخ العراقي السياسي الدموي من اعقد زواياه فبطلها مدحت يُقتل برصاصة طائشة لا يعرف أحد مصدرها إن كانت من الإنقلابيين أم المدافعين الشيوعيين عن قاسم بعد أن قرر العودة وسط الأحداث الدموية إلى زوجته المغتصبة من قبل إبن أختها عدنان الحرس القومي. تنتهي الرواية بأن يعثر عدنان الحرس القومي جثة مدحت فيأخذه الى بيته.

إنها فعلا رصاصة أراد فؤاد التكرلي أن تبدو للوهلة الأولى وللقاريء المتعجل طائشةً، إلا أن إدانته للإنقلابيين الدمويين كانت واضحةً في إغتصاب منيرة وقرار رجوع عريسها مدحت إليها يعبر عن مغزى أدبي وفني ومعنى أليغوري عميق يحدد موقف الكاتب إزاء الأحداث ولكن بدون مباشرة وحذر مكرسا كل سير الأحداث وبنية الرواية لهذا الغرض.

كل شيء عند التكرلي يعبر عن معنى ادبي ومغزى فني عميق كما هو الحال مع الأسماء والعناوين في بعض أعماله، التي تحاول أن تنأى بنفسها عن الأليغوريا المباشرة لكنها في حقيقة الأمر تستخدمه بعمق لتحقيق الغرض بدون السقوط في التقريرية والمباشرة.

وإلا فكيف يمكن أن يحقق هذا الفنان المتطلب الرافض لكل أساليب الكتابة التقليدية واشكالها مغزاه الفني في رواية يتناول فيها احداثا هي الأكثر دموية في تاريخ العراق الحديث بين قوتين جامحتين يعتمد كل منهما على العنف بإسم الثورة ويدعي كل منهما ولاء الجماهير لها، كيف يمكن له أن يقوم بذلك بدون تغليب السياسي على الأدبي؟ طبعا يكون الجواب على هذا السؤال بتوجه فؤاد التكرلي نحو التجديد في الشكل الروائي والبناء الرصين لسير الأحداث والتحليل السايكولوجي للشخصيات والإقتصاد في الوصف اللغوي واتباع مبدأ "كل شيء له وقته المناسب".

ويضع ف. التكرلي في الوقت نفسه بطله مدحت أمام إختبار صعب قد لا يختلف كثيرا عن إختيار الكاتب نفسه، إذ إنه يجب أن يحدد موقفه من علاقة الفرد بالمجتمع، وهو موضوع أكثر عمومية من الحركات السياسية والأحزاب بالنسبة للمجتمع العراقي كله وتاريخه الإجتماعي.
قليلون هم الروائيون العراقيون الذين تمكنوا فعلا من سبر العوالم الداخلية لشخصياتهم كما هو الحال لدى فؤاد التكرلي بل إكتفى أغلبهم بالوصف الخارجي رغم محاولاتهم إستخدام الأدوات التكنيكية الجديدة.

أعتقد أن أغلب روايات فؤاد التكرلي يمكن قراءتها على أنها سياسية وأخلاقية وسوسيولوجية تكشف عن الواقع الإجتماعي العراقي فإذا كانت روايته الأولى "الرجع البعيد" قد تناولت حقبة مهمة من تاريخ العراق السياسي تُوّجت بإنقلاب 8 شباط العسكري، بينما نجد أن "خاتم الرمل" تناولت فترة الثمانينات، التي شهدت توسع ثروة العراق وقوة تكنيك أجهزة النظام المخابراتي وبداية إنحطاط القيم، فإن "المسرات والأوجاع" تشمل التاريخ العراقي الحديث منذ تأسيس الدولة العراقية حتى الحرب العراقية الإيرانية.
أما رواية اللاسؤال واللاجواب فإنها بوح هامس عن معاناة العراقيين في سنوات الحصار العجاف. حتى هنا لم يكتف التكرلي ببيان الواقع الأجتماعي بدو الغور في التحليل النفسي للأنسان.

في كل هذه الأعمال يصور ف. التكرلي العلاقة غير المستقيمة بين الفرد والجماعة والضغوط الخارجية التي يعاني منها الأول، إضافة إلى عوائق المجتمع العراقية في تحقيق التطور والإضطهاد الهرمي للفرد وبالذات المرأة.

ف. التكرلي كاتب سياسي غير مباشر يهمه بالدرجة الأولى الكتابة عن واقع المجتمع قبل الأحزاب وتاريخها وتأثيرها عليه، ولهذا فإن موضوعة الجنس وتقاليد القتل غسلا للعار كانت بالنسبة له من اهم الموضوعات.

الجنس "قوة عمياء" كما يقول التكرلي نفسه عنه، ولأنه يشغل حيزا كبيرا في حياتنا اليومية فإن الكتابة عنه تشكّل تحديا كبيرا بالنسبة لكل الأطراف: المبدع، المتلقي، ومؤسسات المجتمع بدءا من الفرد والعائلة وانتهاءا بالحكومة.
وبلا شك أن ف. التكرلي لم يكتفِ بالكتابة السطحية او الحذرة او مجرد الأشارة اليه والدوران حوله او البورنوغرافي، بل عمل على فضح المجتمع وريائه ونفاقه ومؤسساته وهذا ما حصل في قصصه القصيرة بينما وظفه ليأخذ مغزاه الفني العميق وأليغوريته في بعض الأحيان كما اراد له في رواياته.

في قصته القصيرة "همس مبهم" 1951 يتناول القاص المحارم الجنسية ومعاناة شاب من تصرفات أمه الشنيعة معه ويحتار البطل في فهم حبه لأمه، التي يقول عنها "أني أحبها .... لِمَ يجب ان تكون الأم فاضلةً ذات تربية راقية" موعد النار، تونس 1991


في قصة "القنديل المنطفيء" 1954 يصور الكاتب رجلا كبيرا في السن يطلب يد بنت شابة عمرها 13 سنة لإبنه، الذي يكبرها بعامين لكنه في حقيقة الأمر أرادها له لأن أهلها رفضوه لكبر عمره. لا يقدر الإبن الدخول على هذه الفتاة الصغيرة فيقوم الأب بذلك نيابة عنه. إنها لحظات قاسية تكشف واقعا مليئا بالزيف يصعب ان نجده في نصوص عراقية اخرى. بينما يتناول ف. التكرلي علم العاهرات في قصته القصيرة "العيون الخضر".

موضوعة غسل العار وقتل المرأة لمجرد الشك بعلاقاتها الجنسية خارج المؤسسات المجتمعية الرسمية والمشروعة تمارس حضورها في عدة قصص مثل "الطريق إلى المدينة" 1953 و "الغراب" 1962، التي يقتل فيها الزوج بحجة خيانتها ولكنها في حقية الأمر إكتشفت خيانته هو لها مع زوجة أخيه، وفي "التنور" التي يقدمها الكاتب على شكل محضر محكمة تُقتل زوجة الأخ غسلا للعار لكن السبب الحقيقي هو دافع الغريزة الجنسية لدى الأخ نفسه، لأنه أحبها وكان يريدها له لا لأخيه!!.

لا بد أن ف. التكرلي اطلع على الكثير من هذه الحالات في ملفات المحاكم ولا بد من انه فكّر بادانة المجتمع المتخلف قبل تصوير الأحداث السياسية وكأنه يربط بين التخلف الإجتماعي والسياسي.
لم تكن طريقة التكرلي في تناول الجنس مقبولة في المجتمع العراقي المحافظ آنذاك ولم يتجرأ اي أديب عراقي آخر قبل بالدخول في تفصيلاته كما هو في روايته الأخيرة.

وف. التكرلي يختار في كل هذه الحالات اشكالا متنوعة بلغة عميقة تتداخل فيها الهرونوتوبات كما يقول باختين تتميز بالتعقيد والغموض بعض الحالات ولا يمكن تلوينها بالأسود والأبيض كما هو الحال لدى أغلب كتاب الخمسينات العراقيين.
رحل فؤاد التكرلي مخلفا لنا العيد من النصوص العراقية الصميمية التي ستترك اثرا كبيرا على الكتاب العراقيين من الأجيال الجديدة وستكون بالتأكيد مصدرا مهما وملهما للفنانين العراقيين لرسم اللوحة العراقية البونارومية في مختلف مجالات الفنون أهمها السينما العراقية. فهل سيأتي اليوم الذي سنرى فيه فيلم "الرجع البعيد" في دور العرض العراقية والعراقية. إنه حلم جميل وكبير في زمن الإنفجارت والعنف لكن العراقيين والعرب هم بأمس الحاجة اليوم قبل اي وقت آخر ليطلعوا على أعمال فؤاد التكرلي أو يروها على الشاشات الصغيرة والكبيرة.











د. زهير ياسين شليبه
shlaiba@hotmail.com
مستشار في الدنمرك، باحث في جامعة كوبنهاجن

القائمة الرئيسة
البحث