![]() |
حمزة الحسن |
حقول الفراولة
لم يكن جبل زوزك مشرقا بالضوء والاشجار يوم وصلنا في تشرين أول عام 1974 بعد قتال مرير من صخرة الى شجرة بل كانت الطرق موحلة والأشجار تنفث رائحة الموت والدخان والحرائق في كل مكان والمدافع تدوي في الليل والنهار من الطرفين وقاذفات الصواريخ تترك في الليل وميضا حادا فوق جبال كورك وهندرين وزوزك ونواخين وفي عيون الجنود المرهقة وفي الحقول المخربة والبيوت المهجورة في ديانا المدمرة التي تحولت أبوابها ونوافذها وسقوفها وأشجارها الى شواهد ترتفع في الهواء كما لو ضُربت بزلزال.
صارت خطوط الجبهة في ذلك العام هي: جبل زوزك، جبل هندرين، كرو عمر، ومن خلف الجبال الشاهقة كانت المدفعية الايرانية من عيار 130 ملم تقصف بعنف مدخل مضيق كلي علي بيك والشارع المؤدي منه الى ديانا ومراكز القيادة وتجمعات الجنود. كان مقرنا في مسجد على حافة وادي في نهايته خزان مياه عمومي بدت عليه آثار الشظايا في كل مكان كما لو انه تحول الى غربال، وكانت السيارات المارة من أمام المقر عند النزول الى الوادي ثم الصعود تطلق أنوارها الكشافة في الليل مما يضاعف من القصف الذي يقع علينا الى حد كبير، لذلك تسمع صرخات الجنود الشاتمة في الليل لسائقي السيارات بكل قواميس البذاءة وهو أمر يحدث غالبا في كل الحروب حين تتحطم اللغة بعد تحطم اليقين بكل شيء. الحرب لا تحطم الاشياء فحسب بل اللغة.
كانت غرفتنا الملحقة بالمقر والمجاورة له تحتوي على مدفأة جبلية وهي عبارة عن برميل يرتفع منه انبوب معدني الى السقف لتفريغ الدخان، وكانت دافئة طوال الوقت وكنا نجلب الحطب من حطام منازل ديانا ونوافذها وأسرتها الخشبية من دون أي ادراك للاحلام الانسانية التي جرت فوقها، وفي بعض الأحوال من أشجار البلوط والصنوبر بعد تركه يجف فترة طويلة أو من الفحم الذي كانوا يزودوننا به في موسم الشتاء، وكانت مهمة جلب الحطب محفوفة بالمخاطر بسبب القصف المدفعي عبر الجبال، المركّز أحيانا ، ولست أدري هل كان جنرال الموساد الاسرائيلي اليعازير تسافرير قد ترك خلفه بعض الأفراد أم أن الرؤية تتم عبر جبل هندرين الذي كان من الناحية العملية خارج سيطرة الجيش ومطل على سهل ديانا.مرة حوصرنا داخل خرائب المنازل بحثا عن الحطب من قبل المدافع وصار الرمي يقترب أكثر فأكثر حتى أنني ضحكت، في الذعر والترقب، من دهشة العصافير وخرسها من تطاير الأحجار والأخشاب والشظايا حولنا.
في نوبة حراسة في الليل وبعد صمت عميق لا اسمع فيه غير هدير العجلات المارة البعيدة، انفجرت قنبلة بالقرب مني ببضعة أمتار وسطع ضوء الانفجار في وجهي وسمعت أزيز الشظايا يضرب كل شيء حولي وشممت رائحة دخانها وأحسست بموت وشيك وتصورت انها مزقت جسدي وقد لا أشعر بذلك حالا ولكن بعد وقت يأتي الموت وكنت أنتظره ودخلت، مندفعا، بلا استئذان الى غرفة الآمر الذي كان يجلس على فراش وثير وبالقرب منه مدفأة مشتعلة يبدو من لهبها وجهه متوردا ولاحظت زجاجة خمر على مائدة خشبية وكل ما يمكن أن يحلم به فرد على ظهر الكوكب ومع الوقت وزوال مشاعر الخطر وحلول مشاعر الخجل، نظرت الى الاسفل فرأيت جندي الخدمة ـ المراسل ـ جالسا عند قدميه وكان هو نفسه عاري القدمين وكان من الواضح جدا انهما مصبوغتان بالحناء وكان يجلس بالقرب من المدفأة متوهج الوجه. صرخ بي الضابط" كيف تدخل يا حيوان؟".
ـ " اعتقدت انني جرحت واحتاج الى ضوء".
كان يبدو عليه الذعر ومن المحتمل انه تصور ان مداهمة قد حدثت مع دوي الانفجار وقبل أن يسترد انفاسه من هذه المفاجأة زعق مرة أخرى" أخرج حالا. سأنظر في أمرك غدا". لم أرجع الى نقطة الحراسة المكشوفة وخفت من تكرار القصف بل اختبأت في غرفة غسل الموتى في المسجد وكنت أعرف انها غير محصنة ولكن مكان غسل الموتى في الغرفة عبارة عن حفرة مطلية بالاسمنت بحجم انسان ومحاطة بعلو صغير من الاسمنت من الجانبين وهو مكان نموذجي للاحتماء ويكون على شكل خندق شقي وحين تمددت فيه على وجهي، فوجئت بصورة شبح تحتي فأصابني ذعر غريب وقشعريرة شديدة واحتجت الى بعض الوقت لكي أعرف ان الحفرة مملوءة بماء المطر الناز من السقف وذلك الشبح هو وجهي ولم أعد الى المكان بعد ذلك أبدا. أما الضابط فقد نسي الأمر في غمرة لياليه الباذخة واخبار الحرب.
كنا في بداية شتاء عام 1975 ننتظر موسم ذوبان الثلوج لكي يبدأ الهجوم الكبير من زوزك وديانا نحو كلالة وقسرين وجومان عبر مضيق طويل لقطع طريق هاملتون وكان الضجر والتذمر بين الجنود واضحا والشتائم المختلسة مستمرة ضد الحرب، حتى كان على من يظهر موافقة صريحة على الحرب أن يتحمل السخط أو التوجس لأن عيون المخبرين في كل مكان ـ دائما في كل مكان وحتى في اللامكان، وفي الحلم أيضا ـ ولكن السيطرة على جنود منتشرين على قمم وسفوح الجبال وفي ملاجئ حجرية ومدفونين تحت الصخور والثلوج والترقب والقصف والقمل والعقارب والأشواق الانسانية الغريزية المتعفنة من جراء الإنتظار يجعل الأمر في غاية الصعوبة.
كنا نشاهد على الطرق أو في المعارك مجاميع مسلحة من الحزب الشيوعي العراقي. كان هذا مثيرا لحيرة الجنود الذين يحلمون بنهاية عاجلة للحرب. كان آمر وحدتنا قد حوّل المسجد الى مقر عسكري له والى منزل شخصي وحانة وماخور أيضا. في نوبات الحراسة كان يخرج مخمورا في أوقات الهدوء النسبي منتصف الليل لكي يسأل بلسان رخو عن الأوضاع واطلاق بضع نكات سمجة تبرر أوقات الاختباء الطويلة في الغرفة المحصنة تحصينا اضافيا بقطع من الحديد لمقاومة القنابل ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كان الجنود الصغار الجدد والذين ترسلهم مراكز التدريب للتعويض عن الخسائر يتحولون نتيجة الخوف من الموت والقصف والثلج الى أدوات للمتعة الجنسية، وكان ذلك مهينا وأسوأ من الحرب ذاتها.
حاول ثلاثة جنود ـ كنت واحدا منهم ـ ابلاغ مقر اللواء عن هذا الوضع المخزي، وبعد التحقيق مع الآمر صدرت أوامر بنقلنا الى سرية بغال أربيل كعقاب لأن العمل في سرايا البغال غالبا ما يكون لهدف تحقيري، ومفهوم " غير المرغوب فيهم" يشمل منظومة واسعة من الاسباب منها السياسي والشخصي لكن ليس من بينها أي سبب عسكري، وقد تدخل، في آخر لحظة، أحد الضباط وأُلغي النقل الى سرية البغال، وقد انتحر هذا الضابط بعد نهاية الحرب باسبوع باطلاق النار على رأسه من دون "تفسير".
حتى موعد قدوم الربيع كنا نعيش انتظار الهجوم الكبير والمرتقب وهو أسوأ من الهجوم نفسه. كان سهل ديانا ينفتح على عدة طرق رئيسة: طريق هاملتون الاستراتيجي ومنه الى كلالة المعقل الأول للحركة ومحاط من اليمين بجبل هندرين ومن اليسار بجبل زوزك وسلسلة جبلية وعرة ترافقه حتى الحدود الايرانية والى حاج عمران، وآخر الى ميركه سور على الحدود التركية، والثالث الى سدي كان ومجاور للحدود الايرانية والرابع الى الخلف عبر بوابة مضيق كلي علي بيك وهو طريق الامدادات الرئيس للجيش ويتعرض الى قصف مستمر من خلف الجبال، وفي بوابة المضيق كانت راجمات الصواريخ ترمي في الليل محدثة دويا وموجات يتردد صداها المدوي في الجبال ويترك أثرا غير مريح ولم تكن الطائرات تظهر الا نادرا بسبب الطقس الغائم والماطر والمثلج ولم نكن نعرف يومذاك عن دور وفعالية بطاريتي مقاومة الطائرات الايرانية رابيير ولكن القصف المدفعي كان مؤثرا وبصورة خاصة في نفوس الجنود الجدد المعرضين الى قصف من نوع آخر أكثر قدرة على التدمير.
مع ظهور زهور الهندباء البرية الصفراء بدت طلائع الربيع في الظهور وعبق الهواء برائحة أزهار النرجس والحبق والأعشاب البرية وكانت رائحة دخان القنابل المنفجرة تتنافر مع رائحة الأرض الحية المعطرة بتراب مبلل وكذلك الحفر الناجمة عن ذلك وسط حقول تتفتح بين الحفر والالغام والعجلات المحطمة والخنادق والأشجار العارية في ربيع فاتن بسبب القنابل أو المواقد أو لسطوح الخنادق.
مع ظهور الزهور والاعشاب ونمو البراعم وخضرة الأشجار ظهرت جثث معارك زوزك للعام الماضي محفوظة في الثلج وتعرفنا على جثة الملازم مهدي والملازم فهد ـ كانت زوجة أحدهما تنتظر أسفل الجبل انزال الجثة وهو أمر غير مألوف في ساحة حرب مما سبب كآبة اضافية.
كانت منازل بلدة ديانا تبدو في الربيع كبقايا مكان أثري يبزغ بين الانقاض والخرائب والأعمدة الشاخصة والأشجار المحطمة والأبواب المخلوعة والأحجار المرمية المتناثرة. رغم ذلك كنا نحصل على خمر أو نبيذ محلي من الجنود العائدين من الاجازات أو من سائقي الشاحنات العسكرية في ذهابهم وأيابهم من والى اربيل أو المدن الواقعة على الطريق. صار سوق الخمر السري منظما تنظيما صارما ودقيقا وعادة ما تتم( الحفلات الملكية) بعد منتصف الليل في القمم الشاهقة أو في الملاجئ البعيدة وفي نقاط الحراسة عند سقوط الثلج رغم دوريات الاستخبارات (وهي حرب أخرى) وعندها يتحول مشهد السهل والجبل والبرق والدوي المدفعي ووميض القنابل والأشجار والخرائب الى مشهد بشري يمكن احتماله بصورة مؤقته، وتكون لحظة الانتشاء، على ضوء الشموع وظلال الجدران ولهب المدفأة، ممزوجة بشعور داخلي بالنجاة ويحرم الحديث عن الحرب الدائرة أمامنا حتى وسط دوي المدافع وصداها المتردد عبر الجبال في الليل كمحاولة لخلق سلام متخيل.
كانت هناك معارك تدور في أمكنة بعيدة ويلوح ذلك من اشتداد القصف المدفعي المتبادل في بعض الليالي الثلجية ولكنها كانت معارك صغيرة لأن الثلوج تعرقل تقدم القطعات والعجلات والدبابات والمشاة أيضا ولكن ذلك الدوي البعيد لا يجعلنا ننام بصورة طيبة ويسلمنا الى كوابيس مرتجلة عن الهجوم القادم الكبير.
كنا في اوائل آذار في حالة تأهب قصوى استعدادا للهجوم الواسع المنتظر وكانت الاجازات قد اغلقت وعجلات الوقود كاملة التجهيز وعتاد المعركة موزع وكذلك أرزاق الطواريء وضمادات الميدان وعربات الاسعاف في المقر الخلفي متأهبة والكل يتطلع الى لحظة توقف الثلج والجو المشرق وازيلت من الطرق الاليات المدمرة لكي لا تترك اثرا سلبيا لدى الجنود وبدا الجو مشحونا برائحة موت وشيك ويتطلب الهجوم الدخول في عمق 69 كلم من ديانا الى حاج عمران الواقعة شرق جبال حصاروست، بين أوعر الجبال والمضائق.
فجأة، في أعماق الليل والصمت، لعلع الرصاص في كل مكان قبل اي اعلان عن بداية الهجوم واضيئت خرائب ديانا بالمشاعل والطلقات وكانت الجبال والصخور والأشجار والطرق والغابات والنجوم والسماء والانقاض تنضح رصاصا في كل مكان حتى بدا الجو مشبعا برائحة الرصاص وكنت لحظتها في نوبة حراسة قرب منحدر الطريق ولم أكن أفهم ما يدور وسمعت حوارا ضاحكا يدور بين جنود قريبين عن نهاية الحرب وعن اتفاق جرى في الجزائر وعن عفو رئاسي ينتهي في اوائل نيسان ـ كنا في ليلة 6 آذار 1975 ـ لتسليم السلاح.
بعد هذا الرمي الاحتفالي المكثف جاءت أوامر فورية بوقف الرمي وتسجيل اسماء المخالفين. ليست وظيفة الجنود اعلان نهاية حرب ولا بدايتها ولكنهم وقودها وعلفها فحسب وهذا الفرح العفوي المبتهج بنهاية وشيكة للحرب دون معرفة من المنتصر ومن المهزوم كان ينظر اليه كتمرد واعلان سأم من حرب وليس استعراض نصر لا يعني شيئا للجنود أكثر من حساء وسرير نظيف وضوء هادئ ويقظة هانئة وشاي يشرب في الصباح بكل طمأنينة.
في الصباح وعكس كل ما هو متوقع ـ رغم قرار العفو ـ اندفعنا في هجوم سريع عبر ممر مجاور لقرية برسرين من سهل ديانا يؤدي الى كلالة وجومان وحاج عمران آخر المعاقل الحصينة. في طريقنا كنا نشاهد حرائق وعجلات وارتال جنود متقدمين بكل معداتهم وكان المطر قد بدأ في الانهمار والثلوج باقية من الشتاء الماضي وقد غُطت الطرق بالوحول والارتال وبدا الجميع في ضباب الصباح والدخان والحرائق كأشباح تائهة في الجبال.
" ولكن لماذا؟" كنا نسائل بعضنا لأن السؤال بـ " لماذا؟" ممنوع كالفرح بنهاية الحرب على اية صورة.
" من أجل الصدمة واستثمار حالة الانهيار" كان الجواب.
كانت هناك مقاومة في بعض الجبال ولكنها ضعيفة وبلا غطاء مدفعي ايراني وقرب كلالة كان مقرنا الجديد في المساء في حين بدا طريق هاملتون على صورة أخرى حيث مرور العجلات الهادئ ووجوه الجنود رغم الانهاك والشتاء الطويل والثلج والانتظار مستبشرة . في الصباح كنا في بلدة جومان . في الليل كانت حراستي هذه المرة فوق جسر جومان المقام على جرف صخري ومياه متدفقة صاخبة تحت ثلج شرع في الهطول وكان فرن الخبز دافئا واليفا وأذكر اني نمت فيه مرة منهكا.
من فوق جسر جومان المطل على البلدة ببعض نوافذها المضاءة في الليل ـ كثير من النوافذ معتمة ـ كنت أشك في ان هذه الحرب قد انتهت: من صمت الناس ومرورهم الخفي وعودة الكمائن الليلية ومن صخب مياه الجسر وهي تحمل ليس ثلوج العام الماضي الذائبة وأوراق الأشجار والجذوع فحسب بل كانت تحمل أكثر من علامة ونبوءة بأن "الرابح في هذه الحرب لا يأخذ شيئا".
تحت سفوح جبال قنديل القريبة من جبل سكران في جومان تعرفت على العجوز العمة درخشان ـ معناه قطر الندى ـ خلال مروري اليومي في النزول والصعود الى الرابية وكنت أحمل لها بعض الأرزاق الجافة واستلم ثمار الجوز واللوز واللبن وفي واحدة من المرات طرقت على المنزل في طريقي لتسليم الطعام فظهرت من فرجة الباب فتاة شابة مجفلة كوعل جبلي مداهم وفهمتُ عبر التلميحات ان العجوز مريضة ويمكنني المساعدة في حلب الابقار وفعلت. كانت البنت الوحيدة الباقية في المنزل مع العجوز.
كان آخر مرة اشاهد فيها درخشان يوم نزولي من الرابية بداية شتاء 1977 في اجازة لمدة اسبوع وكانت تبدو منهكة وشاحبة الوجه وقالت انها تتمنى رحلة طيبة ووضعت لي صرة طعام للطريق مع فانيلا مطرزة بأغصان ناعمة وطائر قبج وهلال. عندما عدت، مررت بمنزل العمة درخشان وكان الثلج يكسو كل شيء الجبال والأشجار والمنازل ولا يتحرك في هذا الغمر الثلجي سوى دخان المنازل الحجرية. طرقت على الباب، فخرجت الفتاة نفسها ومن دون أن أسأل مضت أمامي خارج المنزل الى حقل فسيح وأبيض واشارت الى حجرة وراية بيضاء قرب شجرة سرو، وهي تنشج.لم تعد العمة درخشان موجودة أبدا الا تحت حجرة وشجرة سرو وثلج هاطل.
°
كان المنزل قد أخذ يكتسب ملامح جديدة من وضع كل واحد منا. تم تمتين السياج الخارجي بأحجار كبيرة يجلبها حسين من جولاته في القرى حيث تحولت الشاحنة الى النقل الخاص وبذلك أمن مصدر عيش مقبول وكان يجلب معه اضافة الى الاحجار والصخور والاخشاب والنوافذ المتروكة والابواب المخلعة الطعام والنبيذ من كل الانواع، وكان فالح حوم ومديحة صالح قد أثثا غرفة النوم بما يلائم زوجين. بنينا للطفلين غرفة ملحقة وزودت بلعب بسيطة ودمى ومجلات مصورة. غرفة مزاهر حوم ونوال جياد كذلك.
بنينا غرفة خاصة لبياتريس أو فرح في ركن منعزل من المنزل وداخل محيطه وكنت أشتري لها كل اسبوع ثمار الفراولة من البلدة من الفلاحين النازلين من اعالي الجبال وبدت مندهشة ومسرورة وهي تأكل هذه الثمار التي تتذوقها لاول مرة حتى انني لم أرها تمضغ أو تتكلم بهذه الطلاقة الا وهي تمضغ الفراولة بل وترقص معها، ومرة قالت لي انها صارت تحلم بغابة من نباتات الفراولة تركض فيها الى ما لا نهاية وطلبت مني متوسلة كطفلة تبحث عن هدية أن نحصل لها على نبتة صغيرة لكي تزرعها في البيت، فعرفت ان بياتريس تشعر لأول مرة بالاستقرار وتتفتح كزهرة برية.
" حدثني عن الفراولة" قالت بفرح طفولي.
ـ " الفراولة نبتة حساسة وتحتاج عناية فائقة تزرع في بداية الشتاء وتتفتح في منتصف شباط وتنضج أوائل نيسان ويجب أن تؤكل بعد القطاف باسبوع وما نحصل عليه محفوظ في بردات خاصة. الفراولة هي انت".
ـ حدثني أكثر. أحب هذا الحديث والثلج يسقط خلف النافذة في الليل. هل تدري أنني أرى الثلج أول مرة والفراولة أول مرة وأراك انت أول مرة؟ كل شيء يحدث لي لأول مرة"
قلت بسرور لهذا الحوار البشري الطارئ والطبيعي:" الفراولة تبدل الوانها في كل فترة من الاخضر الى الابيض ثم الوردي واخيرا اللون الأحمر الناضج. انها تشبهك كثيرا".
ـ في اية مرحلة أنا؟
قلت محرجا" اختاري بنفسك فلا أحد يضع نفسه في قلبك"
بعد تأمل طفولي عميق حاولت أن تقول شيئا لكنها صمتت وعادت لتأكل بشغف حسي يقظ كوعل مستثار من سقوط أوراق الأشجار، دم الرغبة، مرور الريح، قطرات المطر، خشخشة عشب يابس، قفزة سنجاب في دغل.
غرفتنا حسين وأنا تم ترتيبها على افضل حال وكسيت بسجادة قديمة لكنها مريحة وجلبنا من محل بعض الكراسي وطاولة ومطبخا مستعملا وأواني طبخ.كان فالح حوم يذهب للصلاة في المسجد في حين يذهب حسين مردان بعض الاحيان الى كنيسة ماركيوركيس في بلدة ديانا لا من أجل شيء، يقول، ولكن من اجل الجو الريفي المسالم ومنظر الأُسر وهي ترتل وتنشد أو تتناول الطعام في الحقول المجاورة ومشاهدة معارك طيور القبج ويسمى ايضا هنا " كه و": توضع انثى في قفص جاهز لهذا الغرض وتطلق هديلا جميلا ويطلق سراح قبجان ذكران للفوز بها ويتقاتلان حتى الموت ومن ينتصر تذهب الانثى معه ويكون الرهان على معدات الصيد وأسلحته في بعض الأحيان، وهذه هي الطريقة نفسها في صيد القبج، وتبدأ عادة أوائل شهر كانون الثاني وتنتهي في نهاية شباط وقد تعلمتها عبر هذه الحفلات الدموية التي تطلق في الجمهور المراهن والمتفرج غرائز عميقة وصيحات احتفالية مخيفة وملامح متوترة.
كانت العائلة مشغولة بصنع الغرابيل وصنع اقفاص الطيور والسلال وجلب لنا حسين مرة حصانا لأن حلمه أن يصبح مربي خيول وفي بعض الاحيان نقوم بتنظيف الجلد والصوف وصنع الخيم والالات الموسيقية وفي صيد الأرانب والطيور وكنا ننتظر الوقت المناسب لصيد القبج وقد تحمست بياتريس للفكرة وكانت تلح عليّ في الأمر وكنا نشتري الملابس والاطعمة والنبيذ المحلي وكل تجهيزات المنزل بدون حساب. تمكنا خلال ذلك من زيارة قبر حوم ووضع شاهدة رخامية فوقه مع الاسم وتاريخ الوفاة وترك تاريخ الولادة مفتوحا وبدأ الثلج يهطل وبرد الهواء وأوحلت الطرق وكنا قد أعددنا المدافئ والحطب وصارت الجبال تغرق مع الوقت بالابيض الناصع ولكن المنزل يشع بسعادة دافئة وحية ومبهجة .
كانت الليالي لا تخلو من حفلات عائلية مرتجلة ونواح وربابة ورقص ونبيذ وبدا اننا ولدنا في هذا المكان الذي كان قبل سنوات مسرحا للحرب. زارنا راعي كنيسة ماركيوركيس وتحدث في الدين والثلج والرقص والمسيح والجنس والاخلاق والقبج وخرج مرتاحا من ايماننا الصلب والواثق كما قال، وكان منظر حسين مردان وهو يمتطي حصانه في السهل الفسيح مضحكا وبهيجا ايضا لأننا تعودنا على ان مكانه الحقيقي الملائم هو الشاحنة، وكان الأطفال يبدون سعادة غامرة بلعبهم الجديدة وأرانبهم والحقول الشاسعة والأكثر من كل شيء بالثلج الذي يرونه لأول مرة.
كما تنمو الأعشاب والزهور والبراعم وتبنى الأعشاش كانت عواطف سرية تنمو وتبنى بصمت الينابيع وسرية تفتح الأزهار وموت الفراشات. كانت بياتريس تلح لصيد القبج كما لو أنها تستعجل الوقت وكانت تدخل الغرفة في الليل حين أكون وحيدا وتبدأ تسرد عليّ خواطر جسدها الفتي بلا تسرع ولا ابتذال وأحلامها الليلية وفي اليقظة وعن مشاعرها نحو أمها التي تُركت في قبر مجهول وجدّها الذي مات في مكان حلمه ومع الوقت حركت هذه الأحاديث الاحاسيس المنسية والمدفونة في داخلي وشعرت بالانسان الملغي يتململ ولكن بشعور من الحياء والتردد.
اذن دخلنا في الجزء الثالث من السرديات ويمكن القول انها سرديات الجسد والتفتح. مرة أخرى ان التقاطعات ليست نهائية والخطوط ليست قاطعة بين:
أولا: سرديات الحب والتاريخ والمنفى ـ بلزاك العجوز.
ثانيا: سرديات الحرب والمطاردة ـ كوران.
ثالثا : سرديات الجسد والتفتح ـ بياتريس أو فرح .
قد نكون دخلنا كذلك في مراحل نيتشة الثلاثة معكوسة من النهاية: من الطفل الى الأسد الى الجمل رغم ان هذه الادوار تتداخل والمراحل تندمج في الزمن الفردي وتتبادل الأدوار أحيانا. من يدري قد يكون هؤلاء الثلاثة بلزاك وكوران وبياتريس هم في الحقيقة شخص واحد في اطوار وصور وحالات مختلفة، أو صورتي الداخلية. قد تكون هذه الحكاية هي نفسها حكاية رسام بورخيس في كتاب" الصانع" الذي ظل يرسم العالم بكل ما فيه وعند اقتراب الموت اكتشف انه كان يرسم وجهه.
بعد سقوط الثلج وقدوم موسم صيد القبج في أوائل كانون الثاني ونهاية شباط،
كانت الأسرة كلها تعرف بعلاقتنا لكن من دون تذمر ولا مشاعر ضغينة.كنا قد حملنا القفص والشباك لصيد القبج بياتريس وأنا ومضينا تحت الثلج الى هضبة مرتفعة وقريبة مكسوة باشجار الحور والسرو والصنوبر وهناك نشرنا الشباك وتركنا أنثى القبج سجينة في القفص منتظرة الذكر المنقذ.
ازداد الطقس رداءة وانتشرت في السماء غيوم رمادية مرتحلة وهبطت عاصفة مطرية قوية وكانت بياتريس في هذه اللحظة مختبئة الى حد ما تحت معطفي الطويل وكان رأسها بارزا تراقب بخشوع وحماسة ظهور اسراب القبج وكانت الأنثى قد بدأت تطلق هديلا عذبا هو الجزء المتمم من الفخ وفي هذه اللحظة برق ضوء في عتمة العاصفة المطيرة وتشابك الأشجار مع صوت آز وطلق ناري يخترق جبهة بياتريس التي اتيحت لها ومضة خاطفة لكي تحدق بي بتلك النظرة التي لا تنسى ولم تكن نظرة رعب بل دهشة.
حملتها بين يدي وتركت القفص والشباك وأنا أشعر أن كل شيء يتهاوى حولي بما في ذلك الجبال والغابات والسماء والصخور والمطر والثلج. حملتها وكانت تبدو نائمة كطفل على وشك الجلوس من نوم عميق في يقظة هانئة وبريئة وعند باب المنزل، وكان ينبع منه صوت ربابة فالح حوم ونحيب طويل كأنه صادر من هذه السهول الثلجية والجبال الشاهقة والصخور الرمادية، تداعيت معها الى الأرض.
°
"والآن سأرحل".
كانت الأسرة جالسة كلها، بعد أسبوع من الحادث، ودفن بياتريس على ربوة قريبة بعد أن حصل كوران على عشر شتلات من نبتة الفراولة بصعوبة وزرعناها حولها واهلنا التراب وغطينا الشتلات بمشع مطري من الثلج الذي غطى المكان واختفت فرح أو بياتريس تحت الثلج كما لو انها نائمة مع أزهار الفراولة.
تلقوا قرار الرحيل بوجوم ودهشة عبر عنها الصمت العميق الذي قطعه فالح حوم بصوت تالف:" اين ترحل؟".
قالت مديحة صالح:" هذا بيتك ونحن عائلتك".
كررت نوال ومزاهر وكوران الكلام نفسه وكنت أردد هذه العبارة" سأرحل".
ـ لكن الى أين؟
ـ "الى مكان لا أعرف فيه أحدا ولا يعرفني أحد".
قال مزاهر بصوت متحشرج:" هذا طبع الذّيب من ينجرح يلحس جروحه بمغارة وينعزل وما يشوفه الطير وجروحه ضوه بليل المغارة وينزف على الريح روحه وينطفي مثل النيازك في البراري بلا وداع ولا مناديل وتحية ومن يجيه الموت يعض على تراب المغارة ومن تصل روحه الوريده ينام على جرحه وما يصيح مثل عوسج
ينزف بوجه الرمل. غن خويه غن ".
قفز فالح حوم، فجأة، الى الربابة المعلقة على الجدار، فأمسكت به مديحة وكوران بقوة لكنه عض على خشب الربابة بأسنانه فصرخت نوال جياد:
" اتركوه والا قتل نفسه".
قلت" لا أتحمل كل هذا سأخرج".
قال فالح حوم وهو ينحني على الربابة مرتعشا ينز عرقا كجواد يحتضر:" لا يا صاحب، يا زهران، عيب تطلع وما تسمع وداع الكاولي".
بدا تالفا ونائيا حين شرع في الغناء:" يا صاح عودي ذبل وبكل دوا ما يصح ـ والدمع سال وجره من ناظري ما يصح ـ والنيب مثلي بحنينه لو صحت ما يصح ـ من حيث مضروب ما بين الجوانح تبن ـ بمعالج الروح سري لم أموتن تبن ـ لا تنهضم عل السبع لو صار علفه تبن ـ واليوم حتى التبن علف السبع ما يصح" °.
اخذ المكان شكل البرية والربابة صورة فرس تخب منتهبة الارض وتحوّل وجه فالح المغني الى فارس جريح يعض على نواجذه من النزيف ثم تداعى فجأة عندما حاول تكرار " يا صاح... يا صاح...".
غرز أسنانه بخشب الربابة.
تعالى نشيج الاديرة والمعابد والقلاع الحجرية المنسية والوديان والسهول والصحارى والجبال وساحات الحروب والسجون والاسلاك الشائكة والثكنات والريح والطرق والمدن والانهار والحكايات وضفاف الانهار الخ. الخ.
نشيج بحجم الكون من كورال قادم من التاريخ.
نشيج طويل ينبع من أرض الصبّار.
نهضتُ وقد جهزتُ صرة للطريق ورفضتُ أن يوصلني أحد الى أي مكان وخرجت أمشي والثلج يتساقط فوق قمم جبال كورك ونواخين وهندرين وزوزك وسهل ديانا وعلى الطريق، والى جانبي يمشي ظل يحمل صرة.
صاحت نوال جياد خلفي، راكضة، فصرخت بها:" ارجعي".
"سأرجع ولكن خذ معك أوراق بياتريس فلا أحد هنا يقرأ".
سمعت، عبر المنزل، أنينا طويلا جماعيا، كما لو انه ينبع من الأرض ولم يكن يبدو انه صادر من أعماق بشرية. كانت الأرض تئن في ترتيل جماعي طقوسي لا يصدر الا من المعابد المتلاشية.
حين أصبحت في منتصف الطريق وعليه آثار أقدام وعجلات مع الظل حامل الصرة، وصلت مجموعة من سياح أجانب من الجانب الاخر للطريق يحملون كاميرات على صدورهم وبثياب انيقة ومعاطف تتبعهم حافلة سياحية حديثة ومرفهة وكانوا يتحدثون بسرور وخلف رتلهم بمسافة كان يمشي، ببطء، شاب في مثل سني بشعر طويل ووجه أشقر يظهر عليه النمش وهو يحمل مسجلا على كتفه تنطلق منه أغنية بصوت جون لينون من فرقة البيتلز:
" تخيّل imagine ":
" تخيّل ان الفردوس غير موجود، هذا سهل ان حاولت، وما من جحيم تحتنا، فوقنا السماء فقط. تخيل الأوطان غير موجودة، لا يصعب عليك أن تفعل ذلك، ما من شيء يستحق ان نقتل أو نموت من أجله، ما من دين كذلك، تخيل كل هؤلاء الذين يعيشون بسلام، قد تقول انني حالم، ولكنني لست الحالم الوحيد".
ليس على الطريق في السهل الابيض، الآن، غير ظل يمشي.
ظِلُ يحمل صرةً تحت الثلج الهاطل في طريق طويل ومقفر.
(هوامش)
° قلعة برتو: الاسم البابلي لمدينة تكريت.
° جون لينون: هو مغني البيتلز الشهير واليساري الذي أرعب سلطات كثيرة وقد اغتيل على يد معتوه عام 1980 وربما كان الاغتيال مدبرا وعادة ما يتم اغتيال المثقفين والكتاب والفنانين والسياسيين غير المرغوب فيهم الجسدي أو الاخلاقي من قبل معتوهين مجندين بالرغبة او بالاستغفال وهو سلوك مخابراتي دولي تقليدي تحوّل لدى الاحزاب اليسارية الثُور ـ يّة الى بديل عن الايديولوجيا، وكان نيكسون يشعر بالمرض من حفل مناهض لحرب فيتنام كان لينون سيقيمه في اليوم التالي، واقترح طرده من امريكا.
أغنية" تخيّل" هي أشهر أغانيه وكُشف عنها بعد الاغتيال. في نيويورك حديقة تحمل اسم واحدة من أغانيه:" حقول الفراولة" عن رفض الملاكين الزراعيين عمل نساء يرتدين تنورات في موسم قطاف الفراولة. هناك فيلم يحضّر عنه الان اسمه" صبي اللامكان" للمخرج مات غرينهالغ عن كتاب جوليا بيرد" أن أكبر مع أخي جون لينون".
° الزهيري: للشاعر الحاج زاير.
حمزة الحسن
روائي من العراق مقيم في النرويج



