الثلاثاء, 20 تشرين الثاني 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
مكنسة الجنة...سريالية عراقية خالصة
سعد محمد رحيم
مكنسة الجنة...سريالية عراقية خالصة
كولاج رقمي بعنوان: كيبورد للروائي مرتضى كزار
منذ الصفحات الأولى لرواية ( مكنسة الجنة/ دار أزمنة.. عمّان 2008 ) ينبئنا مرتضى كزار عن موهبته في فن السرد، ومقدرته العالية في السيطرة على عالمه الذي يخلقه.. وهو عالم ممتد، زمانياً، عبر عقود طويلة يختزلها ببراعة ورشاقة، على الرغم من أنه يترك فراغات هائلة على القارئ أن يملأها بعين خياله مستلهماً خيال الروائي المجسّد في عين ووعي الراوي الذي يحدِّثنا تارة بضمير المتكلم، وتارة ثانية بضمير الغائب، في انتقالات لا يكاد القارئ يحسّها وهو يلاحق لاهثاً الصور والمشاهد والأحداث التي تزدحم بها الرواية. وهي رواية قصيرة بشريطها اللغوي ( 146 صفحة من القطع المتوسط ) لكنها واسعة من زاوية مرجعيتها التاريخية إذ تجري إعادة تشكيل ما حدث على أرض الواقع العراقي، خلال قرن من الزمان تقريباً، بطريقة سريالية، وعبر تصوير حيوات أشخاص هامشيين هم ضحايا ذلك الواقع.. فثمة سخرية مريرة تتخلل نبرة السرد وتحيل الحدث الواقعي إلى ما يشبه الكوميديا السوداء. حيث يبتلع المتخيل ويتمثل ما هو واقعي وتاريخي ليخرجها في صور ذات طابع غرائبي. وهذه سريالية عراقية بامتياز. فالنكهة العراقية حاضرة لا من خلال عامية الحوار والمفردات التي يستخدمها الراوي فحسب، وإنما في وجهة النظر والرؤية والمناخ العام للسرد. والغريب أنك تحس بعراقية الرواية في الصفحات كلها على الرغم من أن الرواية هذه لا تشبه أياً من الروايات العراقية التي قرأناها بدءاً من ( جلال خالد ) لمحمود أحمد السيد ومروراً بروايات غائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي وعبد الرحمن الربيعي وعبد الخالق الركابي وحتى آخر روايات نجم والي وعلي بدر ونزار عبد الستار. وتكاد تتقاطع، بدرجة كبيرة مع تقاليد السرد العراقي كما ألفناها. وأكاد أقول أنها تتحرك على أرض مغايرة وتسعى لتدشين تقاليد جديدة وتحاول أن ترهص لنمط مختلف من الكتابة السردية في العراق. ربما أبالغ قليلاً تحت وطأة الحماس لهذا العمل المدهش الذي لا يخلو أيضاً من عيوب. والعيوب لا تنجو منها أعمال كثر من الكبار، مثلما سيقول لك أي متخصص في تاريخ الرواية ونقدها.
الخلفية المكانية للرواية هي البصرة.. البصرة بماضيها القريب وحاضرها.. لن نجد أية إشارة مؤكدة لمكان آخر يكون مسرح أحداث، وكأن البصرة هي البلاد كلها والعالم كله. هي المكان المجاز، المكان الرمز.. الحاضنة المعادلة للوجود الإنساني بقيمه وتحولاته وعثراته وسقطاته.. ببسالته وانحطاطه وآماله ومأساته.
إن الراوي الرئيس في الرواية هو ( رمزي جودت مكنزي سعيد مكتوبلي ) وفقط في الصفحة 118 سنتعرف على هذا الاسم، ولمرة واحدة طوال فصول الرواية. ورمزي متحدر من الطبقة الوسطى المثقفة في البصرة، وقد تدهور وضعها الاقتصادي ومركزها الاجتماعي في آن معا، وحيث يوحي الاسم بأنه من أصول عثمانية ربما، أو من الطبقة التي كانت موالية للسلطة العثمانية. والده كان رئيس تحرير لصحيفة بصرة في عشرينيات القرن الماضي.. يولد رمزي في العام 1936 أي بعد 300 سنة مما يسميه بعام الإنك شي 1636 يوم "سرقت عصابة من العبيد حصان جندي إنكشاري، واستعملوه مؤدياً في مواكب العزاء الحسينية، ألبسوه حلّة خضراء، أسرجوه تابوتاً فارغاً، أدخلوه باب المسجد الكبير، وكانت ليلة ذكرى وفاة أحد الأئمة".. سيثير المشهد مشاعر الناس ويحصل اضطراب ويموت خلق كثير. والراوي سيعاود الإشارة لهذا العام ليؤرخ به، أحياناً، الأحداث اللاحقة.
المفارقة أن الراوي رجل ميت، أُعدم في العهد السابق، هو المتخصص برسم صور وجداريات الرئيس.. تعثر القوة الدانماركية في البصرة على جثث اثنا عشر رساماً عملوا، ربما غير متعمدين، على تلطيخ صور الرئيس بالذباب والحشرات. ثم في أثناء إخراج الجثث تُكتشف جثة رجل آخر، والراوي يخبرنا أنه، هو، لا غيره، الرجل الثالث عشر.. الرجل المخاتل الذي يفلت من لعبة جمع وطرح الأرقام.. الرقم الغفل والكائن الذي يربك بوجوده الميت الحسابات المنطقية لقوة عسكرية أجنبية محتلة عقلانية.. وإذن هو بلا هوية قارّة.. إنه ناتج الحساب بالمقلوب.. الرجل الزائد، الافتراضي والموهوم. وهكذا يروي لنا الحكاية.. ينسجها في المنطقة الشائكة والقلقة بين الخيال والواقع.. بين متطلبات فن الرواية وما يفرزه التاريخ من حقائق. إنه التاريخ وقد أخذته الرواية على عاتقها. أو الرواية المتورطة بملابسات التاريخ. والغريب أنه ليس الراوي من يقول لنا أن الشخصيات المتنفسة بين السطور هي كائنات روائية، بل أن أشد تلك الشخصيات هامشية وأقلها ثقافة من يخبرنا بذلك: "أمسكت ملاية كتف ابنها ( وداد ) لكنه لم يرتعب رغم انه ارتعش حينما عرف بأنها أمه، طوقته بجسمها واحتضنته.. قالت له بأن عليه أن يضحك وإنها ستقول له الآن خبراً سعيداً.... نحن، يا يمه أناس في رواية". ويبلغ التهكم ذروته مع شكوى ملاية "ليش ما خلقتنا يا ربي مثل باقي البشر، ليش خليتهم يكتبونه". ويمكن قراءة الرواية من هذا المنظور ككناية عن عجز الشخصيات، ورضوخهم لأدوارهم وأقدارهم المرسومة سلفاً.
ثمة رواية داخل الرواية الأصلية، رواية في طور التشكل، وراويتها، هذه المرة، هي نورست، "وكأن الرواية مكيدة دبرتها عيناها" وهي التي تقنع شخصيات بعينها بأنها مكتوبة ليس إلاّ.. ورواية نورست هي لوحات مرسومة بشعور الرؤوس الموجودة على جدران ضريح إمام يزوره الناس. يصف الراوي الأول الراوية نورست: "كطاغوتة صغيرة وحسناء، لوثت طفولة مدين ووداد وخرّبت كونهم الهادئ... ما ذنب وداد المسكين الذي صدّق بأن عالمه ينتهي بين دفتي كتاب..". والأمر برمته لا تبدو سوى مزحة، إذ يكتب الروائي، ( أو يروي الراوي ) من غير أن يكون جاداً تماماً.. ذلك أن حياة قاسية وغير عادلة وغارقة في الفقر والجهل والحرمان ليس من سلاح يمكن للأفراد أن يواجهوها به أمضى من السخرية. وسريالية الرواية هي سريالية الحياة التي عشناها نحن العراقيين عبر عقود وما نزال. فمرتضى كزار يبني لنا في ( مكنسة الجنة ) عالماً هو العالم ذاته الذي خبره وخبرناه. بالضبط مثل كافكا حين قال عنه روجيه غارودي في كتاب ( واقعية بلا ضفاف ): عالم كافكا هو عالمنا، والعالم الذي بناه هو العالم، عينه، الذي عاشه. ومن السهولة أن تقول أن هناك شبهاً ما بين عالمي كافكا ومرتضى مثلما هناك شيء من الواقعية السحرية في رواية الأخير. وشيء، كذلك، فيها من الواقعية القذرة مثلما كتبها روائيون أميركان أشهرهم، عندنا، بول أوستر. ولكن، في النهاية، هناك شيء خاص بمرتضى كزار في هذه الرواية، وهو ما يُحسب له.
تركز الرواية في متنها الحكائي على قصة عائلتين تتداخل أقدارهما.. الأولى عائلة حياوي وملاية ووداد ومدين، قد تكون من أصول أفريقية.. عائلة عبيد كما عُرفوا في البصرة منذ ثورة الزنج، وقبل ذلك وما زالوا في نظر بعض الناس. يعيشون في قاع المجتمع.. وقريباً من ضريح إمام اسمه ( شوفان ) يأتيه الناس تبركاً ويتركون على حيطان الضريح الحناء وشيئاً من شعورهم.
الأب حياوي عسكري وصياد وعضو في فرقة موسيقية، يُقتل في اليوم الأخير من الحرب العراقية الإيرانية، أي في 8/8/1988 بلغم ينفجر تحت الزورق الذي يقلّه مع آخرين عند فم الخليج. وزوجه ملاية سادنة الضريح التي ستعاون نورست الراوية والرسامة في جمع الشَعر من الجدران وتؤمن بأن الرواية حقيقية: "بوية هذا تابع للرواية، الكاتب هو كفيل بيه، روح روح تفاهم وياه، شوفة وين بيا دحيسة يكتب بينه" وفيما يعمل ابنها وداد مساعداً للراوي الرسام فإن ابنها الآخر مدين سيعمل مترجماً لدى القوات الدانماركية بعد احتلال العراق ويحصل على لجوء من قبلها في الدانمارك. والعائلة الثانية هي عائلة مكنزي وفضلاً عن رمزي ونورست هناك شخصية زكية ( عمة والد الراوي ) المعلمة في شبابها، والمجنونة في أواخر حياتها والتي تنام تحت جداريات الرئيس وتهمس في آذان الحمير، تحضّها على الالتحاق بالمعارك التي جرت وقائعها في حقب متباينة من التاريخ. ويُعثر على جثتها إلى جانب جثث الرسامين المعدومين. وقطعاً لا يعطي هذا التلخيص المبتسر صورة كافية عن شخصيات الرواية كلها.
نعود إلى الراوي ( رمزي مكتوبلي ) الفنان المسخ، الشاذ جنسياً الذي يجيد رسم صور الرئيس، كما لو أنه لا يجيد في هذا العالم سوى رسم تلك الصور مراراً وتكراراً، وإذلال جسده باللواط هو الشيخ الذي تجاوز الستين من عمره.. يقول: "صرت أرسمه وأنا نائم، وحين أمارس هوايتي في تمشيط درابين العشّار العجيبة، كنت أرسمه بلساني على سقف حلقي". لينتقل مباشرة وبجرأة كبيرة إلى مشهد صادم يظهر فيه مستسلماً لفحولة وداد المتضخمة، ووداد هو الشاب الصغير الأسود البشرة، مساعده في رسم صور الرئيس. والذي سيرسم بالطباشير ما يعتقده حدود وإطار عالم الرواية ( الافتراضية ).
يعترف الراوي بأنه ضحية عمه ( رفعت ) الذي اغتصبه يوم كان صبياً صغيراً. وها هو يعيش في الحضيض باحثاً له عن موقع ودور داخل الرواية الضمنية التي اقترحتها نورست "لم يخطر في ذهن تلك العجوز السوداء ( ملاية ) بأني ما زلت أنفخ في فم الرواية، أملاً في تزويد شخصي المغمور فيها بأوكسجين البقاء".
ليس بالإمكان تأشير حدث مركزي واحد تنطلق منه وتلتم حوله أحداث الرواية الأخرى، لكن بالإمكان أن نفترض وجود عدد من الأحداث المركزية ( الثانوية ) واحد منها هو المأساة التي تبدأ من لحظة تلويث ذبابة للجدارية حيث ظهرت على جبين الرئيس. وقد حاول طلاب الرسم إصلاح الأمر غير أنهم سيجعلون من أنف الرئيس يبدو أقشطاً. ويعرف الراوي الرسام أن الذبابة ليست حقيقية، بل وضعت هناك بالأصباغ، فيسأل مساعده وداد "ليش رسمت ذبانة على وجه الريس". غير أن أسراباً من الذباب ستنجذب إلى الألوان الغذائية المستعملة في عملية الرسم وتلتصق بالطلاء. ثم سيكون هناك "اثنا عشر رساماً يقفون صفاً صفاً ويحملون فرشاة في يد ودلو أصباغ يحوم حولها الذباب في اليد الأخرى، وحينما أنقط الذباب حول دلائهم الاثني عشر أهم بمسحهم بسرعة وتبييض الجدار ورسم الرئيس عابساً". هؤلاء هم الرسامون الذين سيقادون إلى مديرية الأمن ومن ثم إلى ساحة الإعدام.. هنا يتداخل الواقع مع الحلم والخيال. ولا يبدو أي شيء حقيقياً تماماً، أو متوهماً تماماً. والحياة نفسها تغدو هلامية، وآيلة في كل وقت إلى التبدد. أما الراوي ( رمزي ) فهو الحي/ الميت، المطل من وراء برزخ الموت على الحيوات المخربة والمنتهكة لأشباه أحياء، من الشرائح الرثة، الأكثر رثاثة، بِضِعَة حياتها وفقرها وتفسخها، في عالم محكوم بالديكتاتورية والقمع والتخلف.
هذه رواية سياسية من زاوية ما، على الرغم من أنها لا تروّج لفكرة سياسية معينة، ولا تستخدم لغة السياسة واصطلاحاتها.. هل نقول أنها رواية ضد ـ سياسية؟ أجل، فهي تهزأ من السياسة التي أطّرت حياتنا ودمرتها. وتوظف المعول الحاد للثقافة، وأقصد السخرية، في الإطاحة بما هو ممنوع ومقدس وزائف، والنيل من السياسيين الفاسدين في الحقب كلها، ومن الديكتاتورية المتجبرة. جاعلة من الصنم المعبود أضحوكة.
"ناولته خرقة بيضاء ليدمغ جبين الرئيس الذي سال عليه اللون البني الفاتح، وقلت له بأن هذه لعنتي، سال اللون على عيني الرئيس، ولمّا رفع اللوحة وقلبها، تدافعت قطرات أخرى من الصدغين والأذنين، وشقت طريقها كأن جاذبية الشاقول قد أنقذتها...
ـ زينت راس الريس...".
لماذا ( مكنسة الجنة )؟. أعترف أن هذا العنوان ذا إغراء خاص.. ولكن إلى أي حد يشتغل كثريا للنص؟ وقبل ذلك ما هي مكنسة الجنة؟ يقول الراوي في الصفحة 120 أنها شجيرة تُجلب من الهند، أغصانها المتيبسة نافعة في الاستشفاء والترويح عن الجسد. نجد منها أكواماً في الممر الخلفي لحمام عمومي تملكه عائلة مكنزي. وفقط هنا، في هذه الصفحة، سترد هذه العبارة ( مكنسة الجنة ) وأظن أن الروائي كان بإمكانه أغناء دلالة هذا العنوان باستثماره بشكل أفضل في بنائه السردي. ولعلّه أراد أن تكون مكنسة الجنة معادلاً موضوعياً للحاجة إلى التطهر وراحة النفس والجسد عند شخصياته التي أصابتها أكثر من لوثة بسبب لامعقولية وقسوة حيواتها.
مكنسة الجنة/ الرواية لا تستثني أحداً.. تسخر من الجميع، وتنطوي على سوداوية ويأس قاتم، لولا أن الروائي يتدارك هذه الحالة المقبضة والمحبطة في نهاية الرواية مع وجود الطفلة التي تُعين الراوي الذي يغدو أعمى ومعطوباً في الروح مع وجودهما في المكان الخطأ وبالوضعية الخطأ، ومن غير أن تغادره ( الراوي ) روح الفكاهة ونبرة السخرية: "كان صوت طفلة بريئة تُغريني بكنس عالمها الصغير! وفقاً لتقويم حصان الجندي الإنكشاري".
في هذه الرواية نستطيع أن نحصي بعضاً من الأخطاء اللغوية والنحوية والمطبعية.. نستطيع أن نؤشر بضع صفحات تعاني من الترهل، ومن شيء من الفجاجة.. نستطيع أن نلوم الروائي لأنه لم يعط لعدد من شخصياته الهامة كامل حصتها التي تستحقها في الظهور على مسرح الأحداث المسرودة. غير أننا نحن القراء، أو على الأقل بالنسبة لي شخصياً كقارئ، لا أستطع إلاّ أن أقول: هذه رواية جيدة تُضاف إلى مكتبتنا العراقية. ولابد أن نهنئ كاتبها مرتضى كزار لأنه مبدعها. ولا بد لقراء الأدب الروائي ونقّاده عندنا أن يحسبوا حساب هذا الروائي الشاب ( مواليد 1982 ) وأن يقرأوا بإمعان عمله هذا، ويتابعوا أعماله اللاحقة. وأخيراً علينا أن نتفاءل لأن الفضاء الأدبي والثقافي العراقي ما يزال خصباً وقادراً على أنجاب مبدعين يكملون مسيرة أسلافنا الكبار.


سعد محمد رحيم
روائي وناقد عراقي
saadrhm@yahoo.com
saad.m.rhim@hotmail.com
القائمة الرئيسة
البحث