الجمعة, 10 أيلول 2010
   
عيد سعيد وكل عام وانتم بخير               عيد سعيد وكل عام وانتم بخير               عيد سعيد وكل عام وانتم بخير              
كافكا العراقي
حمزة الحسن
كافكا العراقي
فؤاد التكرلي



" التناص يجعل نصوصا عديدة تلتقي في نص واحد دون أن تتدمر أو تُرفض"
ـ ايجيلدا نجير.
" التناص صورة تضمن للنص وضعا، ليس الاستنساخ، وإنما الانتاجية ـ وكل نص تناص".
ـ بارت.
" التناص فسيفساء من الاستشهادات ـ امتصاص لنص آخر".
ـ جوليا كريستيفا.
" النص مجال لالتقاء خطابين على الأقل".
ـ هودبين.



في رواياته الأخيرة بدا الروائي فؤاد التكرلي كما لو انه استيقظ على منجم الحلم والكابوس وفقر الواقع السطحي وقرر في حقبته الأخيرة الاشتغال على نصوص تزاوج بين الحلم وبين الواقع، بين صلابة التفاصيل اليومية وبين غرائبية التفاصيل النفسية، ويمكن القول دون أن يكون ذلك تجاوزا أو تلميحا ولا شرحا أيضا، إن الروائي في أحد أعماله الأخيرة وخاصة رواية( اللاسؤال واللاجواب) قد أقترب كثيرا من "عالم" كافكا.

نقول اقترب من كافكا ولم "يتحول" الى كافكا الأصلي وحافظ على نكهته المحلية ولم يخرج عنها، ومن الممكن أن يكون التكرلي في سنواته الأخيرة في الخارج قد قام بمراجعة دقيقة لمنجزه الروائي واعاد تقييمه وهو نفسه يعترف بذلك، وقد تجلت هذه المراجعة في روايتيه( خاتم الرمل) وعلى نحو أوضح رواية( اللاسؤال واللاجواب) بعد أن شعر بحرية أوسع يوفرها المكان الجديد، وطاقة أفضل يوفرها التفرغ التام وكذلك التخلص من أعباء الحياة اليومية وانشغالاتها المعروفة، خاصة وان الروائي قدم من زمن الحصار الاقتصادي، وروايته(اللاسؤال واللاجواب) تعكس هموم تلك المرحلة الجهنمية وتتجاوز شرطها الظرفي في آن الى قضايا أعمق وأبعد.

والعودة المتكررة للتكرلي في الكتابة عن جيل روائي جديد لا يتناقض مع الطرح العام للموضوع لأن القطيعة بين الأجيال في الأدب شبه مستحيلة في مراحل التكون ومستحيلة في البدايات، وقد تتسلل أعمال لجيل سابق في جيل جديد، وقد ترحّل روايات جديدة في تاريخ الصدور الى الماضي لخلوها من شروط الأدبية، والمعيار ليس زمن الصدور بل زمن الابداع، والتكرلي في أعماله الأخيرة بدا شابا وحيويا ومتجددا وهو نفسه أعلن عن أسفه لأضاعة الكثير من الوقت غير المجدي، لذلك عمل على تعويضه بطاقة كبيرة وانشغال واضح.

رواية( اللاسؤال واللاجواب) توضح أكثر من غيرها آلية تحول الانسان الى فأر بشري( وهي آلية عمل السلطة) كما تحول غريغور سامسا في رواية كافكا( المسخ) الى حشرة كبيرة، وفي حالة عبد الستار زهدي في "اللاسؤال واللاجواب" يبدو التحول مماثلا وان كان قد أخذ مسارا مغايرا، لكنه في الجوهر يوضح طبيعة عمل السلطة الواضحة أو الشبحية، في مسخ الكائن البشري، وخلقه على صورة أخرى قريبة من صورتها أو من حلمها، لأن السلطة تحلم أيضا: السلطة كائن وخطاب ومشروع.

عبد الستار زهدي يستيقظ، فجرا، وقد وجد نفسه ساقطاً من السرير الى جوار زوجته الى الأرض وهو في وضع غريب أقرب الى الفأر: (كان مثل دبيبة تزحف على أربع) أي الصورة الأخرى لغريغور سامسا الذي استيقظ ذات صباح وقد وجد نفسه قد تحول الى حشرة كبيرة:(استيقظ غريغور سامسا ذات صباح بعد أحلام مزعجة، وقد وجد نفسه قد تحول في فراشه الى حشرة كبيرة، كان مستلقيا على ظهره الجامد الذي كان مقسما الى اجزاء صلبة تشبه الدروع وعندما رفع رأسه قليلا أمكنه أن يرى الجثة المقببة بنية اللون مقسمة الى فصوص جامدة. لم يكن غطاء الفراش مستقرا فوقها بعد، في وضعه السابق بل لقد كان على وشك أن ينزلق تماما فوقها. وكانت سيقانه العديدة التي تبدو رفيعة على نحو بائس، بالنسبة لقيمة جسده تبدو مسنة أمام عينينه بصورة منفرة).

هذا التحول حدث مع غريغور في الصباح والتحول لدى عبد الستار في الفجر: (استيقظت، قبيل طلوع النهار، لأجد نفسي متكوماً كالفأر على أرض الغرفة، ارتجف برداً ورعباً. ماذا يُعمل بي؟ ولماذا؟ ومن هذا الذي انتزعني من نومة الفجر العميقة، من دفء الفراش اللذيذ، ليرمي بي هكذا على التراب؟).

وكما لم يحصل مع غريغور سامسا، شرع عبد الستار زهدي وهو على تلك الحالة بالصراخ وطلب النجدة( الأمر الذي لم يفعله غريغور بل العكس لأنه قد يعلم عمق أزمته التي لا حل لها لأنها ليست شخصية أكثر من عبد الستار زهدي) لكن زوجته القريبة منه لم تسمع أول الأمر لكنها تهرع لنجدته بعد تتابع الصراخ والدوي بل النباح وضرب الرأس بالحائط وتجد وضعه غريبا لكنه غير مفسر، وهو الأمر نفسه في عائلة غريغور التي تجد ان الوضع غريب وغير مفسر الا في حالة واحدة ان غريغور قد يكون ارتكب اثما وتحول الى كائن اخر وهو التفسير القريب المنال، لكن حالة عبد الستار تختلف من ناحية الشكل: فهو لا يقبع في غرفته وينزوي تحت الاريكة مثل غريغور بل يحافظ على المظهر العام ويخرج للعمل في النهار كمعلم وفي الليل يعمل( سنوات الحصار) كسائق أجرة مع جاره حيث يتقاسمان العمل: الجار في النهار وعبد الستار في الليل، وخلال عمله في شوارع بغداد يروي المشاهد الاخيرة من بغداد في تلك السنوات، لكن مشكلته تتكرر بعد العودة، منهكا، من العمل، وخلال النوم.

في كل فجر يحدث التحول والسقوط من السرير والصراخ والضرب بالحائط والكوابيس وكل أنواع المسوخية من بشر الى حيوان، ومثل غريغور حدث هذا التحول على بقايا عتمة الليل:(استيقظ من نومه فجرا. أيقظته قشعريرة هزت جسده كله.كان مغموراً بظلمة ثقيلة أنهدت عليه فكادت تكتم أنفاسه؛ وكان يحس بنفسه منكمشاً في زاوية من غرفة نومهم، مفترشاً الأرض الباردة يرتجف بشدة وهو يعقد ذراعيه على صدره وهو يطوي ساقيه إلى جسده. لم يغمر النور الحليبي المنصب من النافذة إلا مساحة صغيرة من الغرفة. لم يدرك ما كان يحصل له ومن رماه هكذا من فراشه على الأرض الثلجية. كان منزوياً في الجانب الآخر من الغرفة، تستحوذ عليه ارتعاشات غريبة متصلة. رأى بغموض زوجته ما تزال مضطجعة على جهتها المعتادة من السرير. ناداها بصوت متذبذب متقطع: "زكية، زكية، زكية". لم تجبه. فك ذراعيه عن بعضهما وتمسك بالحائط خلفه ثم حاول أن يقوم، فخذله جسمه. نادى مرة أخرى: "زكية، أنت يا زكية" فرفعت رأسها المضطرب الشعر ونظرت إلى الجهة التي كان فيها. لم تره أول الأمر. "ماذا؟ من هناك؟" "أنا عبد الستار، تعالي ساعديني، لا أدري ما حصل لي، أسرعي" قامت تنزل من السرير فتعثرت في أول خطوة تخطوها، ثم تراكضت نحوه" ما بك؟ ماذا جرى لك؟ لماذا تجلس هكذ على الأرض؟" سحبته من ذراعيه اللتين مدهما إليها فقام على ساقين مرتجفتين مستنداً عليها ومشى ببطء نحو السرير فارتمى عليه. كان ذلك فجر يوم الأحد).

ان غريغور سامسا عليه الذهاب للعمل الساعة السابعة صباحا كبائع جوال وهو الوقت الذي يذهب فيه جار عبد الستار زهدي للعمل في السيارة بالتناوب في الصباح، وغريغور كاتب صغير ـ وبائع جوال( يذكر في الرواية كتاجر جوال) من اجل مساعدة العائلة المكونة من اربعة افراد، وزهدي معلم ـ وسائق سيارة من أجل مساعدة العائلة المكونة من اربعة افراد، واذا كان الأب ميتاً في رواية اللاسؤال واللاجواب، لكنه حاضر في ذاكرة الابن حضورا قويا من خلال قسوته( عرف عن والد كافكا هذه القسوة التي تركت اثارا على الابن) وأما الأب في رواية( المسخ) فهو حاضر حضورا حياً، وكما الزوجة في رواية "اللاسؤال واللاجواب" تعمل على آلة خياطة منزلية لتدبير شؤون العائلة، كذلك تعمل أم غريغور في التطريز المنزلي للغرض نفسه.

الحياة هنا في( اللاسؤال واللاجواب) ليست هي هناك في (المسخ) لكن لا توجد أجوبة في الحالتين على الأسئلة وعبد الستار( الاسم يحمل دلالة) مثل غريغور( غريغور باليونانية معناه الذكي وهو يكشف عن وضع هزلي مع وضعية غريغور ) يُواجَه من زوجته بتفسير الأمر في البداية على انه بسبب( التعب والارهاق) وهو الشعور الأولي لشقيقة غريغور التي توضح ذلك في سؤال تعجبي وليس استفهاميا( الست على ما يرام؟) لكن كما أن المسافة تتوسع بين عبد الستار وبين عائلته كذلك تتوسع بين غريغور وبين عائلته.

هذا التغير هو تغير في اللغة والمسافة والعالم: كلاهما يشعر بأنه صورة لكائن آخر، لكن تحول غريغور هو خارجي في الشكل مع بقاء وعيه الداخلي محافظا على توازنه القديم بل ظل الصفاء النفسي أول الأمر كما هو ودليل ذلك حواره مع نفسه ومحاولته الخروج من مأزقه، أي من وضع الحشرة، لكن تحول عبد الستار كان داخليا مع بقاء الهيئة العامة سليمة عدا نوبات السقوط من السرير وضرب الحائط بالرأس وظهور الكدمات والجروح هنا وهناك وهو أمر يحدث مع غريغور الذي بدا ان جسده ينفصل عنه ويتفسخ على مراحل وأمامه وهو في منتهى الوعي ـ والعجز.

وكما ان عائلة غريغور صارت تفكر في الانتقال الى منزل جديد، صارت عائلة عبد الستار زهدي تفكر في الانتقال الى منزل جديد لكن ذلك لم يحل المشكلة ، لأن مشكلة زهدي هي نفسها مشكلة غريغور لا تعالج بالانتقال من مكان الى اخر بل بحل مختلف تماما في الانتقال من وضعية ( الفأر) في حالة عبد الستار ومن وضعية( الحشرة) كما في حالة غريغور، وهذا النوع من الانتقال غير ممكن لأن السلطة التي تدير الأمر في الحالتين سلطة قهرية سواء كانت علنية أو مستترة: هذه طبائع السلطة في كل مكان: الظهور العلني في لحظة، المراوغة والاحتجاب في أخرى لكنها( حاضرة) في الحالتين.

وكما في حالة غريغور حين تنقسم الحياة في المنزل الى مستويين: غريغور ووضعه الجديد، وضع المسخ أو الحشرة، والأسرة وعالمها الطبيعي بل محاولات التواصل مع الحياة الروتينية القديمة المملة والتي تبدو الان بعد كسر السياق عبر حدث غرائبي كما لو انها مباهج، كذلك الأمر في منزل عبد الستار حيث عالمه هو الغرائبي والفأري( وضع حيوان حبيس) وعالم الأسرة العادي وهمومهم اليومية، لكن هذا الأمر تقطعه محاولات غريغور سامسا في الوقوف على قدميه والوصول الى السرير وهو ملقى على السجادة وفشل كل المحاولات لأن جسده انفصل الى أجزاء يعمل كل جزء باستقلالية عن الجزء الآخر( كحالة الشاعر جان دمو عند السكر) لكن المحاولات تفشل لدى عبد الستار ايضا (ولما أراد أن يصعد إلى السرير، خانته ساقاه المرتعشتان ، فسقط في مكانه فاقداً قواه).

تفشل محاولات الصعود الى السرير الذي تحول الى جبل شاهق مع غريغور مع ان الأخير عكس زهدي لا يطلب النجدة بل يتحاشى طلبها، وفي الحالتين تأتي الأصوات لكليهما بعيدة، وهذا البعد، كما نرى، ليس بعدا مكانيا، ولكن لأن طبيعة التحول تفرض النأي والمسافة: فكيف يسمع نزلاء منزل عبد الستار زهدي صوت صرخات الفأر؟ أو يسمع نزلاء منزل غريغور صوت حشرجات حشرة؟ انقطع العالم وتغيرت اللغة والأشكال.

ان التحول في الصورتين داخلي ونفسي وجسدي وروحي، وفي حالة عبد الستار يبدو أكثر وحشية: (كان صوتها" زوجته" المشروخ يأتي من بعيد.. بعيد جداً. كانت تصرخ صرخات مبحوحة، تتناهى إلى سمعه كأنها همسات خافتة، والألم والغضب والهياج لا يتركون له أن يتوقف. أراد أن يفتح عينيه فلم يستطع وكان يصدر حمحمة وحشية حيوانية. ليس من فمه بل من صدره وكيانه كله. والألم يزداد وكفاه تحترقان، وهو في قبضة حديدية لا فكاك منها. كأنه في صندوق مغلق مظلم. ثم ارتفع الصراخ وتعددت الأصوات، كلها تتعالى إلى عنان السماء. تصرخ وتصرخ. وهو، في سورة الحمحمة تلك، يريد أن يفتح عينيه وان يهرب مما لا يدري ما هو. كان مرة أخرى، مشلولاً مختل التصرفات. ثم.. ثم وعلى حين غرة سكنت روحه وشعر بنفحة من البرودة تغطي وجهه وجبهته وقمة رأسه.. ففتح عينيه).

لكن ذلك ليس حلاً لأن النوبة ستتكرر كل صباح، في الظلمة الأخيرة للفجر، في الغلس الفاصل بين غبش وفجر، وفي حالة غريغور فإن التحول حدث مرة واحدة وأخذ في التطور والتدهور والتفسخ وينتهي بأن تحمل الخادمة جثة غريغور الميت وتلقي به في علبة القمامة وتريح العائلة، أما عبد الستار زهدي فلا يُعجب التكرلي مثل هذا المصير: يغوص عبد الستار للمرة الأخيرة في عالمه الداخلي: ( الذي لم يخرج منه أبدا) وتلك كانت العبارة الأخيرة.

لا نرى مصيرا مختلفا بين غريغور وزهدي: كلاهما خرج من هذه الحياة بعد أن تحول الى فأر أو حشرة، سواء الى علبة القمامة أو الى علبة الكابوس، لأن السلطة المنتجة للإثنين واحدة هنا وهناك، واذا كان التكرلي لم يمسخ زهدي حشرةً بل فأراً، فربما يعود الأمر الى أن الفأر أكثر شعورا بالحصار، وربما لأن العراقي، في الحصار والقتل والجريمة المستمرة، لا يرى في نفسه( التحول) في شوارع الأشباح والهياكل والكائنات المتحولة، وربما أيضا هناك في عالمنا العراقي من لا يحتاج، أمس واليوم، الى التحول الى حشرة، لأنه بالوعي والسلوك والعقلية كذلك، مع ان وعي المسوخية علامة البحث عن حرية، والعيش داخلها بلا وعي يشكل أقصى أشكال المسوخية شناعةً.

يقول كافكا قبل موته الفاجع والسريع بلغة لا تتلاءم مع الصورة النمطية الشائعة عنه :(إن الكفاح يمنحني سعادة تفوق قدرتي على فعل أي شيء، ويبدو لي أنني لن أسقط في النهاية تحت وطأة الكفاح، بل وطأة الفرح). لكن في أي شيء يهمنا كيف سقط كافكا سواء كان تحت وطأة الكفاح أو الفرح وهو أمر يخصه وحده، وكل ما يهمنا هو كيف استطاع أن يشكِّل هذا الكفاح وذاك الفرح؟ الأمر نفسه ينطبق على التكرلي الذي كتب نصاً روائياً ممتعاً، والمتعة النصية في صراع مع السلطة دائما: إن المتعة ليست غرضية الا لذاتها والسلطة التهام وتأجير واستحواذ: غاص زهدي في الكابوس ـ أو الحلم الى الأبد، والتهم نفسه أو بقاياه، الى المكان الوحيد النائي والعصي، تاركاً مؤلفه يتفسخ على مراحل وبهدوء وقد حصل على حريته بعد فوات الأوان حيث الحرية في غير أوانها تضخم من قسوة العجز: إنه حصار الجسد بعد حصار الايديولوجيا.

ـ كُتبت رواية" اللاسؤال واللاجواب" في الفترة بين كانون الأول 2005 ـ مايس 2006، عمان، ونُشرت عام 2007.


حمزة الحسن
روائي عراقي مقيم في النرويج
hamzaalhassan@hotmail.com