الأربعاء, 8 أيلول 2010
   
في الذكرى السنوية العشرين لرحيل غائب طعمة فرمان               يفتح الروائي ملفا عن ادب هذا الكاتب الكبير وحياته وذكريات معاصريه عنه               ننتظر مساهماتكم في هذا الملف الذي نأمل ان يغتني ويتطور              
شبح إمرأة في الجوار/فصل أول من رواية
ناظم محمد العبيدي
شبح إمرأة في الجوار/فصل أول من رواية
ناظم محمد العبيدي



خرجَ الجرذُ من باطنِ الأرضِ ، حيث تسكنُ الأشياءُ الميّتةُ والغامضةُ ، تتلفّعُ بالسّواد والنّسيان، لاشيء هنا غير الموت والإنتظار.
ينتهي يومُه في هذه الورشة محشوراً في الزّاوية، يسترجعُ وجوهَ النساء الجالساتِ على حافّاتِ الأرصفة المحاذية لبيوت اللذّة، يتشمّسنَ وفي أعينهنّ يأسٌ مكابرٌ، يُسرعُ الخطى بعيداً عن نظراتهنّ المزدرية، وهنّ يتفحّصنَ وجوهَ العابرين، يتضاحكنَ مع الحدّادين في تلك الأزقّة الضيّقة المغطّاة بالماء الآسن ، الوجوه التي تتستّر بالمساحيق لِتُخفي الدمامةَ والهرم ، يطالعها كلّ يومٍ في محلّة "الذهب " حاملاً أجزاء المسدسات العاطلة الى "اللحّامين" في شارع "الشيخ معروف " ، دخلَ الجرذُ مساحة الضّوء أمام الورشة ، شلّه البردُ فصارَ يتحرّكُ ببطءٍ ، العمارة القديمة التي بُنيتْ في بداية الستينات بالقرب من " ساحة الشهداء " أصبحتْ بأساساتها المتداعية مأوىً للجرذان، خرجَ يحملُ فوق جلده لون المياه الآسنة.
أزمنةٌ مرّتْ على هذا المكان المجاور للنهر، لا يذكر من أين سمع عن الآثار المدفونة تحت النهر وبجواره، وأنّ دولةً أجنبيةً عرضتْ مبالغ طائلةً على الحكومة مقابل التنقيب عنها ، ربما كانت هذه واحدة من أوهامه ، أو واحدة من الأكاذيب التي يردّدها الناس ، وما أكثرها في هذا البلد ! ، شكى ألمؤجّرون من أصحاب ألمحال والورش داخل العمارة وكذلك صاحب الفندق من الرّطوبة المؤذية للجدران ، متى تُحلّ مشكلة السرداب الغارق بالماء ؟ ، وكيل صاحب العمارة الذي يجمع الإيجارات في نهاية كلّ شهرٍ قال : إنّ سحب الماء من تحت البناية لن يكون مجُدياً ، لأنه يأتي من نهر دجلة القريب ، إنحنى وقتها مع الآخرين لينظر من خلال النافذة العلوية للسرداب ، كانت الظلمة تشبه القبر ، وعلى بصيص الضوء الآتي من الأعلى إلتمعَ سطحُ الماء الأسود المتجمّع تحت العمارة.
ظلّ يُراقب الجرذ وهو يكابد الدقائق الثقيلة التي بدتْ بلا نهايةٍ ، فيما إنشغلَ أخوه أمام طاولة العمل بعنادٍ ينظر في أجزاء مسدسٍ عاطلٍ، تخنقه هذه الأوقات المُرّة، والألمُ الذي يصرخُ في ساقه أليسرى بسبب إصابته القديمة في الحرب، كره وقوف أخيه من الصباح حتى المساء، وتجاهله للسأم الذي استبدَّ به، لماذا لا يتركُ كلّ شيءٍ ويغلقُ الورشةَ كما فعل الآخرون؟ ذهب الجميع من أصحاب المحال والورش داخل العمارة ولم يبقَ سِوى جبّار مجلّد الكتب ، قبعَ مثل خفّاشٍ في دكّانه يسكرُ ولا يمضي إلى بيته حتى ينتهي من عادته اليوميّة ، هربَ الجرذُ القذرُ بعد مجيء جبار ، وقف في باب الورشة متّكئاً على حافّة الباب وطفقَ يروي آخر نكاته الجنسيّة التي سمعها ، كان محمرّ العينين يضحك ويسعل ، مكشّراً عن أسنانه السّود المتآكلة ، ألتفت إليه أخوه ابراهيم مُصغياً بلا روحٍ ، وقبل رحيله أصرّ على رواية آخر نكاته عن المرأة العمياء التي قضتْ حياتَها تحلمُ بمضاجعةِ رجلٍ فلا تظفر بواحد ، فرفعتْ يديها تدعو الى السماء ، وإذا بها تسقطُ على شاحنةٍ محمّلةٍ بثمار الموز ، فرحتْ بالأعداد الهائلة من الأعضاء الذكريّة !!
تقدّمَ خطوةً الى الأمام ماداً رأسه ينظرُ إليه يكاد يختنق من الضحك ليُلقي عليه التحيّة : كيف حالك حبيبي سرمد ؟
رمقَه بنظرةِ إستخفافٍ ونفورٍ ، وقبل أن ينطق بكلمةٍ أخرى قاطعه شحّاذٌ عجوزٌ ، إنسلّ الى داخل العمارة دون أن يشعرَ به أحدٌ:
اليوم خميس ، والصّلاة على النبي ، من مال الله ولا يضيع عند الله
وضع جبار إحدى يديه على كتف العجوز ،. ودسّ يده الأخرى في جيب بنطلونه باحثاً عما يعطيه له ولكنْ دون جدوى ، ظلّ الشحّاذ ينقل عينيه الحائرتين بين ابراهيم وجبار منتظراً ، أعطاه ابراهيم ورقةً من فئة الخمسين ديناراً وقد إرتسمتْ على وجهه تكشيرة ساخرةٌ ، وقال:
خذ .. جبار لن يعثر على نقوده حتى الغد
وأضاف وهو يعود الى ما كان بين يديه من أجزاء المسدس:
هذا اذا كان لديه نقود أصلاً
وبعد رحيل الشحاذ غمغم جبار :
هذا العجوز منحوس ، هذه هي النقود
وسار مترنحاً:
عليّ المرور بالفندق ، أريد أن أبول
إلتفتَ ابراهيم الى سرمد وهو يرفع أمامه قطعةً من أجزاء المسدس:
هذا ألجزء يحتاج الى " لحيم "، السبت خذه مع بقية الأغراض
أقفر مدخل العمارة ، وأطبق الظلام والوحشة على روحه ، كان يصغي لمنبّهات السيارات القادمة من جسر "الشهداء "، نهضَ من مكانه خلف المكتب الصغير حيث إعتادَ الجلوس ، ووقف يرتجفُ في باب الورشة بقامته الهزيلة يراوح بساقيه من البرد ، كان الألم الذي يعصر أمعاءه يشتدّ كلما فكّر بما قاله ابراهيم قبل يومين ، اللذّة التي كان يحلم بها مع سماح إختفتْ ، ولم يبقَ منها غير الخوف من المجهول ، مشى مبتعداً عن الورشة والظلمة التي خيّمتْ على المكان ، نشرةُ الأخبار التي يذيعها الراديو من إذاعة " مونتي كارلو " تتحدّث عن حربٍ قادمةٍ في العراق ، وعن الإطاحة بالرئيس العراقي ، سمعَ ابراهيم يعفطُ للراديو ساخراً بعصبيّةٍ : يطيحون بالرئيس ؟ !! ، منذ قرن وهم يتحدّثون عن تغيير النظام وأطلق سيلاً من الشتائم الفاحـشة على أمريكا والرئيس ، الأمريكان قادمون بأساطيلهم وطائراتهم والإذاعة تبثّ أغانيها الحماسيّة ، ولم ينلْ من جسدِ سماح الشهيّ غير غُصّةٍ أخرى سكنتْ أعماقه المظلمة ، ولولا سحر أختها لما تركته سماح يلمسها ، خافتْ من ساقه ألمشوّهة ، أراد أن يروي لها كيف نجى من ألموت في الحرب مع ايران ، حين سقطت قذيفة المدفع قريباً منه ، وكيف سمع في ألمستشفى العسكري الأطباء وهم يتحدّثون عن بتر ساقه ، حالفه الحظُّ وعارض أحدُهم طالباً منهم التريّث ، أراد أن يروي لكنه لم يجد الوقتَ المناسب ، كانت ُتشيحُ بوجهها خائفةً ، لم تدعْ له فرصةً ، وقفتْ شبه عاريةٍ أمامه ترمقه بعينين مُغضبتين ، كأنّها تعاقبه على تأنيب أختها لها ، شعرَ بالعجز وفقد القدرة على فعل شيءٍ ، تلاشتْ قواه أمام ذلك العري ، ياله من بائسٍ ، بعد سنوات من الجدب والأشواق المجنونة ، لا يعرف كيف يغازلُ فتاةً مراهقةً ، تعاودُ الحربُ حضورَها في هذا البلد، مامعنى تلك الحروب؟ وهذه الأخبار مرةً أخرى؟
عاد الى الورشة حيث يقف أخوه ابراهيم متوتّراً يدخّن بشراهةٍ ، رأى في الصيف الماضي الكثير من ألجرذان تتحرّك فوق أكداس النفاية وفضلات الطعام القريبة من باب الورشة، وجد ابراهيم يقلّبُ مسدسه الشخصي وقال حين رآه : تأخر هذا الحيوان ربيع؟ أشعل سيجارةً وجلس خلف المكتب يدخن مرتجف اليد وهو يقاوم المغص الذي يعتصرُ أمعاءَه، متى تتوقّفُ هذه الأصوات التي تطارده ؟ ، ولماذا يستشعر كل هذه الغرابة ؟ ، تمنّى في سرّه لو تغيّبَ ربيع السمين -كما يسمّيه تجّار السلاح – وانقطعَ عن الحضور الى الأبد، لماذا لا يتخلّى أخوه عن فكرته المجنونة ؟ وغمغم بلا إرادةٍ: أخاف ان ينكشف الأمر؟ إرتدى ابراهيم سترته الجلدية وأدارَ له ظهره متجاهلاً سؤاله ، ثم قال وقد أرتسمتْ على وجهه نظرة إحتقارٍ: إذا كنت خائفاً فلا تأتِ، ولن تنال مني ديناراً واحداً ، قلت لك مليون مرة لا أحد سيعرف شيئاً ، و . . .
قطع كلامه مصغياً لصوت السيارة التي وقفت أمام مدخل العمارة ، وهمس من بين أسنانه : جاء ربيع ، لا تكن جباناً دسّ المسدس خلف ظهره وأضاف مُشجّعاً : سوف نكسب الملايين هل تفهم ؟ كانت خطوات ربيع تقتربُ من الورشة ، ومع اقتراب خطواته كان بإستطاعته سماع نبضات قلبه ، وسرتْ في جسده قشعريرةٌ غامضةٌ ، حدّقَ في وجه أخيه ابراهيم وجسده القويّ كأنّه يراه لأول مرة ، بدا له انساناً آخر غريباً ومرعباً ، قال ربيع بصوته المرتفع : خفتُ أن لا أجدك ، قلتُ تأخّرَ الوقتُ وأضافَ وهو ينظرُ الى سرمد: أحضرت معي المسدسات كما إتّفقنا أخرجَ ابراهيم زجاجة الويسكي من تحت الطاولة وأخذَ منها جرعةً طويلةً ، نهض سرمد بحركةٍ مفاجئةٍ واضعاً يده على بطنه ، لم يستطع مقاومة رغبته في الذهاب الى المرحاض وأسرعَ يعرجُ الى الفندق القريب ، تبعه ربيع بعينيه ضاحكاً : لماذا يسرع سرمد هكذا؟ وضع ابراهيم الزجاجة في جيب سترته وهو يقاوم إنفعالاته ، ثم مدّ يدَه وأطفأَ المصباح إستعداداً لأغلاق باب الورشة ، كرّرَ ربيع سؤاله دون أن يتوقّفَ عن الضحك ، قال ابراهيم بغضبٍ مكتوم: لاشيء إنّ بطنه تؤلمه ، علينا الإسراع فالمسافة الى بيت الرجل المشتري تحتاج الى ساعة ، هل أحضرت جميع المسدسات كما اتفقنا؟ وسأله ربيع: أين يقع بيت الرجل؟ قلت لي انه قبل "المحمودية" فلـماذا نحتاج الى ساعة؟ تحسس ابراهيم مسدسه في ظهره: نعم قبل "المحمودية" ولكن في منطقة زراعية، وعلينا السير في طريق ترابي للوصول اليه.

ناظم محمد العبيدي
روائي من العراق
Nazum111@yahoo.com