محمد محمد السنباطي
بين القنطرتين/الفصل الأول من رواية (وراء الجبل)
13/12/2009
![]() |
محمد محمد السنباطي |
من شرفات الأفق يطل الجبل بجِرمه الهائل. يظل يتضاءل ويجمع أطرافه حتى يتلقاه زايادان في عينيه العميقتين. يرتفع حتى يندكَّ في خاصرة السماء، بينما تربض البراري، وإلى البعيد امتدادها، هابطة من المدارج الرزينة لذلك التكوين السخي الذي عليه تنسدل ستائر الليل وتنفتح إليه نوافذ الصباح. وهو كما هو بكتلتة الجبارة. تراه ممتدًّا مشتدًّا صاعدًا مدينة روح الوادي، حاضرة الإقليم السادس، تلك القابعة عند قدميه، عاشقة له، ضاجة بالحياة والمتناقضات، تحتل صدارة الجبل، بينما امتدادها العشوائي يقبع خلفه وكأنما في كهفٍ منه.
وإليك النهر، بعيد المنابع، دائم التسكع، وإذ تهبط الريح من العلالي معلنة عن سطوتها، يحس اللولو بانتشاءات الأزمنة الأولى. لا تقل إن النهر إذ تلوث أصيب في مقتل؛ فإنه لا شك يولد صبياً فتياً من جديد. لا تقل إنه شاخ وتقاعد؛ ففي أعماقه إكسير الشباب. إياك أن تفقد الثقة به؛ فإنه الأمل الباقي، فإذا أخذك الشوق الفضولي ووصلت إلى أول عناق للمدينة والنهر، ثم تركت العمار، وانحدرت فرسخين كاملين ستطالعك القنطرة الأولى، وهي أيضا بداية معسكر للأفذاذ، أما نهايته فالقنطرة الثانية، فإذا استدرت مع الجبل- وما أطول المسافة- ستطالع وراء الجبل أكواخًا بلا عدد يقنع أهلها بالقليل؛ فهم يأكلون ويشربون ويمارسون الحياة دون وعي بالحياة. يقال عنهم إنهم يعيشون في الما وراء. يضحك زايادان ووجهه يشرق: المهم ألا نُنفى وراء الشمس!
المداخن القريبة تـضرب الأفق بكتل من السخام لا تجرجرها الرياح إلى الجهة غير المسكونة، بل إلى الجهة الأخرى مما يزرع الرضا في قلوب ناس هذه المنطقة ولو أن الأكواخ آخذة في الزحف بلا توقف!. ها هو زايادان يستقبل الجبل في عينيه ثم يحرك يده مشيراً إلى كتل الدخان أن ارحلي، ابتعدي!. على الدرجة الصخرية الملاصقة للماء يجلس وقدماه تبتلان، ويشرد، تبتلان فيناجي روح الماء. أجل. لا تغيب عن ناظريه أزمنة البراءة الأولى وأسراب الغزالات تدلف إلى النهر تحميها طيور الكيجي الضخمة مؤمنة لها وروداً آمناً. لم يكن أحد قد تعود التعرض للغزالات حتى لو لم تقم الطيور بحراستها. ربما كانت تلك الأطيار تخفي عشقاً مكبوتاً وتجعل من لعبة الحراسة أداة للترويح عن النفس. تحوم بأجنحتها الضخمة أفقياً وتلقي بظلالها فجأة على الغزالات وصورها تختلج في الماء. تتفتت ضحكات عميقة غيرُ مسموعة. وكان اللولو نظيفاً كاللؤلؤ، شفافاً. تتسع ابتسامة زايادان. لا ينسى البنت زامولا، أو ربما أمها بوخاسي عندما كانت في سنها مغمورة بالنهر، والشمس لم يظهر من وجهها سوى شعرها الأشقر يطير في الأفق العظيم. البنت في الماء تنتظر شيئاً. كان زايادان يعرف هذا. تغمرها الفرحة وقد أطلت غزالة حوراء، كأنها بلهاء وما هي بذلك. اندفعت من أعلى الجبل لا تخشى مفاجآت الصخور الناتئة، المتربصة، وفجأة، انبثقت رقصة كأنها الخلود تجمع بين الغزالة والفتاة، رقصة لا تماس فيها بين الأنثيين، ثم... رفعت البنت نهدها على أصابعها النحيلة، وصحت الحلمة النائمة فالتقمتها الغزالة. هنا، ضحكت البنت ضحكة لم ير زايادان من قبل مثلها ولم يسمع. أخذت تندفق زهور النرجس، وعندما امتلأت صفحة النهر، وكانت جدائل الشمس قد التهبت تماماً ثم ظهر جبينها معصوباً بسحابة عابرة، عاد من مرائيه البعيدة تملأ وجهه ابتسامة ذابلة.
المنزل الذي تقيم فيه أسرته هو بعض الزبد الذي ألقاه موج المدينة على الأقدام الجامدة للجبل. من الخشب مصنوعة حجرته المطلة على الدرب تحفظ جدرانها ألواح من الصاج متلاصقة مثبتة بمسامير. يغطي الصاج الجدران بأكملها حماية للأخشاب من القوارض المتربصة، أما الحجرات المطلة على الفسحة فمن الطوب الأحمر، تمكنوا من تشييدها في غفلة من العيون. البناء هنا مخالف. وقد صنع السقف بحيث ينزلق المطر عنه فلا يتلف. كما أن قرني الثور المثبتين في واجهته يُبعدان عنه الأعداء الهلاميين. هكذا يقولون وإن كان هو يعتقد أن ذلك غير أصيل. دائماً يفوح بخور تتصاعد موجاته لتتداعى خارج النوافذ. إلى جانبه أحواض صغيرة تنمو فيها أزهار ترعاها زوجته وتتفنن في تنسيقها، ترشها بالماء وتقف تتأملها والربيع في أكمامها. تهتف راضية: أنا مارانا، ملكة الزهور!
هذا المنزل ربما كان الأفضل في المنطقة كلها.
كل صباح تكنس الخلاء المحيط به، تنظف عشة الدجاج، تنثر الحبوب، ودودو يراقبها:
- نظفي الأوعية يا أمي، واملئيها ماء جديداً طازجاً. أين دجاجتي الحمراء ذات العرف كأنها الديك؟! هذه هي. أيها الديك الجميل، لاطف دجاجتي!. لاطفها دون أن تقفز على ظهرها!؛ إن أظافرك تؤذيها، ومنقارك يشوه ريشها.
تضحك مارانا تحت الشمس.
- إياك يا أمي تقطعي رأسها!
- لا تخف عليها؛ إنها تعرف كيف تعيش. إذا لم ينقطع بيضها ستبقى حية، أعدك.
وهي تكنس يراقبها متأملاً ملامسة قدميها للأرض شبه الرملية.
- إن كعبيك يا أمي نظيفان دائماً، ملساوان. ويضحك. إن كثيراً من النساء لهن كعوب مشققة بها جحور تأوي إليها الحشرات والزواحف!
تضحك له: إنك تمزح يا دودو!
يبيت الأب كثيراً خارج البيت بحكم عمله. ينام المدلل الصغير في حضن أمه. يهمس:
- أنتِ زوجتي أنا!.
يهتز المضجع الخيزراني المجدول لضحكاتها. تنهره:
- أخرجتك من بين ساقي كدودة كبيرة فهل تصبح زوجاً لي؟
- أين يا أمي ثديك الذي كنت أمص منه اللبن وأنا صغير؟
- نم يا دودو! لقد صار كالخرقة البالية.
- لو أن هذا الزمان يعود!
- أنت تتحدث عن الزمان وعودته؟
- هل كانت لك أم أنت أيضا؟
تبرق عيناه في غبشة الحجرة. من فتحة النافذة المواربة يتدلى حليب القمر. ينسكب على طرف السرير ويقع على جزء من الأرضية. إذا وضعت عينك مستقبلاً الشعاع الساقط سيوصلك إلى المنبع السماوي. حتماً سيتحرك النور ويغادر الحجرة عما قليل، أجل، كانت لي أم تحملك على كتفيها وتصعد بك الجبل وأنت بعد رضيع، تدللك ولا تطيق بكاءك، تطرد عنك الذباب والشياطين. أنت محصن بحبها وتعاويذها. بيديها الخضراوين لكثرة الوشم تقذفك إلى أعلى وتتلقاك.
- وأين هي الآن؟
- ماتت!
- كلهم ماتوا؟! لو كان الموت يموت!
- تريد الذهاب إلى الحمام؟ لماذا لم تفعل ذلك قبل الدخول إلى النوم؟ أنا أعرف أنه لا توجد لك حاجة حقيقية لفعل ذلك لكنك، دون أن تشعر تحاول إخضاعي لطلباتك المتكررة لتظهر وكأنك المتحكم فيَ والمحرك الوحيد لي.
وقبل أن تطاوعه سألته لماذا لا يذهب وحده.
- أخاف من الحمام المكشوف.
- في الصيف نتركه بلا سقف كي لا تضايقنا رائحته رغم أني أرشه بالفنيك والجاز لأدفن أبخرته في جوفه، ثم إن مازوكا لا تنقطع عن نزح البرميل كلما امتلأ.
دائماً قبل النوم تحكي له عن عراقة أسرته؛ فهم أهل التاريخ الشعبي ومنشدوه الحقيقيون. والده زايادان يحفظ الكثير من الملاحم الموروثة عن الجدود أيام كانت كلمة الحق تكتب بالسيوف فلا تنمحي. وتظل عراقة الزمن الأول قابعة في الأجفان المحدقة في الجبل. وأنت يا دودو أمل أبيك لمواصلة المسيرة، ومن يدري؟! فربما يكون لك شـأن عظيم. الموج المالح يكتسح الناس والأرض لكننا نحن أهل العذوبة فوق هذا الكوكب
- وابن عم أبي لماذا قطعوا لسانه ؟ !
- لا تتحدث في هذا وأنت على عتبات النوم كي لا تركبك الكوابيس!
- أخبريني؟
- ضبطوه متلبساً بانتقاد الحاكم.
وهنا تأكد لدودو أن الحاكم الكبير هذا رجل مختلف تماما. هو لا شك أطول من المنارة وأعرض، يحتك الغيم بكتفيه إذا نهض واقفا أو ذهب لقضاء حاجة. هل يعقل أن يفعل كما يفعل الناس؟ لا شك أن أقماع السكر الكبيرة ليست سوى فضلاته. سمع أمه تقول: كان له منزل رائع يتعاجب على خاصرة الجبل واستولوا عليه!
- كل هذا لأنه تكلم كلمات في الهواء؟!
- الكلمة سيف، الكلمة كنز. ابن عم والدك أودت به كلمات، ووالدك يا دودو، والدك الآن يشارك في حراسة قصر الحاكم المحلي، لا ينام الليل بل مفتح العينين يسهر، لم تنفعه محفوظاته أم إنه هو الذي لم يحاول استغلال قدراته؟ الأمل معقود عليك يا دودو.هل نمت؟ إن عينيك ما تزالان تلمعان. شقيقاك: ميادو، ودنجو، لم يحفظا شيئاً عن أبيهما، فإذا لم تحاول أنت حفظ الملاحم الشعبية فإن موروث الأسرة سيضيع. ميادو يكسب الكثير من بيع السمك الذي يصطاده من بين القنطرتين، ومن يدري فربما يفكر في الزواج ثم يستقل هو وهي بمسكن جديد.
- إنه عبيط ولا ترضى به زوجاً أية فتاة!
- عيب!! أهذا يقوله أخ عن أخيه؟
كان لزايادان ابن عم يشغل منصباً يحسد عليه، وبحكم منصبه وقد علم أن الجو مكهرب، كان عليه ألا يتحدث فيما يجر عليه المتاعب. قرر أن يأخذ حذره فلم يعد يلوك السياسة في مكان العمل ولا في سهراته مع الأصدقاء، لكن إحساسه بالظلم العام كان يغلي داخله، ويبحث عن متنفس؛ ولذلك عندما كانت عشيقته تتسلل إليه في منزله الرائع على خاصرة الجبل - كان تمكن بسهولة من استخراج رخصة بناء هنا وكان الناس يحسدونه- كان يحلو له وهو ينتشي معها أن يحدثها فينتقد الذين يكبسون على أنفاس الناس، فتتعجب: "ألا تنشغل بي عنه ذلك؟!" فيدغدغ ذراعها الطرية بأسنانه: دعيني أتنفس كي لا أنفجر!.أيمكن أن تكون هي الواشي؟. استطاعوا تسجيل صوته منتقداً النظام بجرأة غير مسبوقة. صدر عليه الحكم الأقسى في مثل هذه الحال وهو أن يقطع لسانه ويهدم منزله! لكنهم نفذوا الشطر الأول حرفياً، أما ما يخص المنزل فقد طردوه منه واستولوا هم عليه.
عندما صدر الحكم بقطع لسان جيزيلدو كان زايادان على وشك أن يعمل حارساً ليلياً عند الحاكم المحلي. لم تستطع وشاية عابرة عن القرابة بينهما أن تفقده وظيفته. اقترح أحدهم عليه إبراء ذمته أمام الجهات المختصة، وكان يحب جيزيلدو، ولم يكن يتصور الغبن الذي سيحيق به جراء قطع لسانه. إن الحرمان من النطق فقدان ركن من أركان الحياة، وحتى إذا كان قال ما قال فإنه لم يفعل شيئاً!! أما هم فبقطع اللسان فعلوا الكثير.
مع ذلك وخشية الكيد له وقف زايادان أمام الحاكم المحلي وأنشد محفوظاته التاريخية التي تجعل الجسم ينمل من التأثر، اختار منها ما يندد بالخيانة والخائنين، - ويشهد اللولو أن ابن عمه لم يكن منهم- وأعلن ولاءه للحاكم وللراية المرفرفة فوق الجميع ولقرني الثور فوق كل منزل وللثور الكبير قبل قرنيه. ويومها عاد زايادان إلى بيته مرتجفاً، ولم تسكت مارانا حتى أخبرها بما قال في حق ابن عمه فهدأت من روعه وقالت له وهي تضع خدها على يده المرتعدة: مهما تفعل فلن تعيد إليه لسانه؛ ثم إنك لم تذكره بالاسم وأنت تتبرأ. إنك تجاريهم لتحافظ على سلامة لسانك الذي في فمك، إنك لم تخطئ أبداً. لكنه لم ينقطع عن النحيب، إن من واجبك المحافظة على وظيفتك. ظل يجفف دموعه بكم جلبابه وعندما سمع طرقاً على الباب دق قلبه. أخذوه في عربة جيب. وقع قلب زوجته في كعبها. طمأنوها أن الأمر بسيط وفي صالحه. أشار إليها ألا تقلق!
وفي مشفى السجن تمت المواجهة بينه وبين ابن عمه مقطوع اللسان. الوجه السمين شاحب، والفم مفغور كقبر صغير. بشاعة العقاب تتلوى في المكان كثعبان لدغ طفلاً في إليته. كاد يهوي على يد ابن عمه فيقبلها لكنه استوعب خطورة الموقف. سمعهم يقولون للبائس: ها هو ابن عمك الذي من لحمك ودمك أتى ليقول لك إن تصرفك كان مشيناً. هل التف سلك كهربي حول ساقي زايادان فارتعد إلى حد السقوط ؟! لم يستطع إلا أن يتمتم: هو ذاك، هو ذا!
ولهذا استمر في العمل كحارس ليلي موثوق به!!
كانت الرياح هابطة من الجبل، منفتحة، فواحة، ضحى الغد عندما عاد ميادو – الذي يقول عنه دودو إنه عبيط - ومعه سبت الخوص تبينت الأم سمكة كبيرة ظهرها أخضر، مغطاة بأعواد الصفصاف، رأسها ظاهر من بين الأعواد ينفتح فمها وينغلق.
- خذي يا أمي. اطبخيها!.
وبإشاراته فهت أنه ربح اليوم ربحاً وفيراً وأنه تذكرها وهو يطرح الشبكة آخر طرحة ونذر ما بداخلها لها، وكما ترى، باع كمية واحتجز الباقي. وتنهد، وبذراعيه اللتين يحركهما في ثقة أكد لها أن باستطاعته أن يبني بيتاً مستقلاً له.
- ما أسعدني!
رغم اعوجاج غير قديم في كلماته فإن أمه غالباً ما تفهم ما يريد أن يقول. وحين يستعصى عليها إدراك همهماته، وتأخذها الحيرة أمام تعبيراته المبالغ فيها ليفهمها مقاصده، يتهيأ لها أنها سمعت بكل وضوح، أخيراً، كلمات في صلب الموضوع، حاسمة، فتسلبها الدهشة ثقتها في سمعها، وتؤكد لروحها أنه فعلاً قال ما قال، لكنها لو سألته أأنت قلت كذا وكذا؟ لأنكرَ وقعقعَ بضحكات هازئة، بل وربما أمسك ذراعها ليلويها!.
لم يكن هكذا في طفولته ولا صباه ولا بدايات شبابه، لكنهم منذ أعوام وجدوه ملقى قرب القنطرة الأولى غائباً عن الوعي، وإذ تعرف عليه أحدهم استدعى أباه ليحمله إلى البيت. كشفوا عنه ثيابه فهالهم الكدمات الزرق في جسمه، وظل يشكو من آلام رأسه بعد أن أفاق، لكنه بعد أن تعافى بدنه ظل لسانه على الحال السيئ . حدث الانقلاب الصوتي والحركي لميادو المسكين فصارت أصابعه تتشنج وهو يمسك الأشياء ويلويها، بينما عيناه الجميلتان كعيني أمه تتحركان في اتجاهات مختلفة بسرعة وعدم تركيز، أما ابتسامته فلم تفارق شفتيه بل وافترشت وجهه، تلك البسمة ربما كانت وراء تعاطف الناس معه، حتى الأفذاذ رقت قلوبهم له وأدخلوه المنطقة المحرمة ليصطاد. هذا ما تعتقده أمه.
وكانت السمكة ما تزال تنتفض ومارانا تقطع رأسها وتخرج أحشاءها. ظل ذيلها يحتج وخيشومها يختلج وعينها تدور كأنما تلهث خلف مكامن الحياة الضائعة. تعرف أن ابنها يقتني أموالاً تجهل أين يدفنها. يمكنه متى أراد أن يستقل تاركاً المطرح لأخويه، مع هذا تطلعت نحوه بوجهها الجميل الأسمر ورسمت بالكلمات ابتسامتها الطويلة:
- منزلك بقلبي يا ميادو، كم من السنين لم نفرح خلالها؟ انصرفي يا مشمشة، منذ كم من السنين لم يطرق الفرح بابنا؟ انصرفي!، منذ احتفلنا برؤية وجه دودو وقد ملأه النهار أول مرة. يا مشمشة انصرفي. ومنذ ذلك اليوم لم تهز نسائم الأفراح أغصان الروح. روحي لحالك يا مشمشة!. أكلتِ رأس السمكة وأحشاءها فماذا تريدين بعد؟ يا ولدي علمنا أنك ستبني البيت الذي ستلهو فيه مع عروسك، إياك أن تؤخر الزواج إلى أن تشيخ، سنعمل معك على إقامته، سأحمل الأحجار على رأسي وأشارك، لكن المهم هل سيسمحون لك بالبناء؟! إنهم يهدمون البيوت على رؤوس بانيها. يجيبها بابتسامة ويطمئنها. تسأله: أين أخوك دنجو؟ يجيبها بإشارتين وتمتمات: لابد أنه على الجبل، إنه يحب العزلة!
وكما توقع، يحلو لدنجو أن يخلو إلى نفسه ويصعد الجبل، يجلس في بقعة والده يكثر الجلوس فيها. ربما احتضنت هذه البقعة كل المتأملين من الأسلاف الراحلين. في السنة النهائية ولكن أين الوظائف أين؟ يجيل بصره وراء كلام يملأ تكوينه يشبه فراشات سابحة كألوان انفصلت عن الملونات وهامت في الفضاء البعيد والقريب.أيها الجبل المتعالي، على أكتافك تقبع الأشجار سامقة حمراء الصمغ يسيل من شقوق جذوعها وأفرعها السائل الكثيف، شديد اللصق، محتفظاً إلى الأبد بدموية لونه، قامات من الكبرياء غير قابلة للانحناء. من أين لجذورك بسلسبيل الحياة ؟ تتوغلين، لاشك، في شقوق الجبل، وتنحشرين بين جلاميده غائصة فيما بين رمل وحصى شاخصةً إلى العميق السحيق حيث الحنان الرطب الموغل في الجمال. يا قامات فارعة، تسكنك حياة بارعة، وأنت هكذا في شموخك النبيل لا تنتظرين هبةً من أحد، لك قلبي يهتف ويشرئب حناني. ليتني أصبح طيراً يحلق ساعياً إلى عليائك. ليتني أصل إليك وأصعد حتى أرى السحاب أرضاً فوق أرض، أرضاً من القطن الأبيض تتحرك تحتي وأنا أرقب الأفق ال.. انتفض فجأة إذ رآها.غمغم: باتولاتي! إنها هي!.آه يا فتاتي! عندما رأيتك منذ أيام تنقلين خطاك تحت المطر، وفوق رأسك مظلتك الصغيرة المكسوة بالزهور كأنها شجيرة ورد عطشى لا تتلفها الأمطار مهما جادتها، بل تزداد إشراقاً ويقظة. إنها مظلة باتولاتي تراقب من تحتها المارة المحتمين بالأسوار والجدران وابتسامتها متعلقة بالجانب الأيمن من فمها. وإذ لمحتني ساعتها انفرجت شفتاها وغمغمت كيمامة:
- تعال إلى جواري لتحتمي من البلل!
- بل أود خلع قميصي ومخاطبة الغيم ليمطرني وحدي.
ولأن المظلة صغيرة كان على دنجو ألا يتحرج من الالتصاق بالفتاة. أما الآن فهي تمر أمامه والمظلة هذه المرة تحميها من الشمس الواهنة. ناداها فثبتت. ألقت طلتها عليه فغمر وجهه الفرح. جرى نحوها، أمسك يدها، لم يسألها أين كانت ولا إلى أين هي ذاهبة.
- تعالي لتري مجلسي المفضل، إنه هناك عند سرة الجبل حيث أناجي الفراشات وأغازل الألوان والنسمات، وأرقب القمر وهو يصعد، وكلما ارتفع ازداد بياضاً وتألقاً. همت أن تخبره أين كانت فأسكتها. لا يهمني أين كنت. إذا لمح المرء غزالة هائمة بين الأحراش، ورأى عينيها حيث يبني الجمال أعشاشه، أيعقل أن يسألها أين كانت؟ رفع يديها إلى شفتيه. كان ساعدها مطوقاً بغصن طري. ترى أي العطور ستفوح به الزهور النابتة في ساعديك يا زرافتي!
لمس أصابعها بخده.أحلى من الموز هذه الأنامل. قاطعته:
- ولكنك يجب أن تعرف أنني كنت مع ....
- لا تنطقي اسمه أمامي، ولا تعكري صفو اللحظة الحاضرة، إنه ليس جاداً معك، ولا يهمه أمرك في شيء.
- أو تعرف من أعني؟!
- طبعاً أعرف.. إنه ابن الحاكم المحلي.
مالت برأسها على صدره وتشاغلت بمظلتها فجعلت تديرها بمهارة وسرعة حتى تختلط ألوان الزهور. تناول يدها مرة أخرى وباسها. هو لن يعطيك الحب بل سيأخذه منك. أما أنا فالحب عندي عطاء. نبعي متدفق، مائي دافق، خليجي آمن، تياري غير مهلك. تمهلي ولا تتسرعي بإصدار الحكم .هل عرض عليك الزواج؟ نعم؟ مدى الحياة؟ لا. أرأيت يا باتولاتي؟ إنه يريدك زوجة له أشهراً معدودات. مدة الأجازة فقط. أرأيت؟ يريد أن يأخذ منك الحب ويتركك تلهثين وراء الذكريات. سيعطيك بعض المال وتغادرينه آسفة مكسورة. ليس عنده الذي تأملين.أما أنا...
ولكنه يعرفها، هي تجري وراء البرق. تعرف أنه سيتخرج ولن يجد عملاً أما غريمه فالمال والجاه.
- لم أعد أطيق الأكواخ يا دنجو، أترضى لي أن أخرج من كوخ لأدلف إلى كوخ؟
- ولكن.. على فرض أنك قبلت الزواج منه لمدة ثلاثة أشهر كما يريد، وعشت في فيلا تحيطها الأشجار، وتطفو فوق موج من الزهور، ستنقضي الأيام سريعاً وتعودين إلى أمك مكسورة الجناح، معك شيء من المال وكثير من المتاعب، تنتظرين زوجاً جديداً أظنه لن يأتي!
- ولم لا يأتي؟!
- سيخاف من سلطة ابن وكيل الحاكم. هل تظنين أنه سيقبل أن يحتل غيره خلية العسل التي كانت له؟ سيكون سيف الانتقام مشهوراً أمام عيني كل من يفكر في الارتباط بك!
- انصحني!
- سيشيد أخي منزلاً مستقلاً له، وسيخلو مكانه لي، وربما أتعلم منه كيف أحصل على المال مثله.
- أنت طيب القلب.
- إذن فاسمحي لي بتقبيل عنقك كما تلثم الفراشة الغصن الطري الجميل.
- أنت خيالي تحب الألوان والفراشات، وهذا يقلقني.
تحركت المظلة وهي تحتها تصحبها الإشراقات. ماذا سأفعل لكي أكون واقعياً؟ هل يمكن أن يتزوج أخي ويترك لي القارب فأصطاد عليه ويشتري هو قارباً جديداً؟ إن أخي يصطاد في المنطقة المحرمة بين القنطرتين، كثيرة الحراس، يشرف عليها الأغراب من بعيد. ماذا يفعل بالضبط؟ هل أخي يدفع لأحدهم فيغض الطرف عنه أم إنه عين لهم؟ وأخشى إن فعلت مثله أن يطلقوا الرصاص على قدمي!
وعندما ذهب لمقابلة أخيه كان هذا مشغولاً تماماً في ملكوته الخاص أو ربما وهذا احتمال بسيط، يتدبر أمر بناء البيت. نقل الأحجار على الحمير والاستعانة ببعض البنائين من المدينة. وبالفعل عندما وصل الشابان إلى المكان كانت هناك كومة هائلة من الحجارة البيضاء في انتظار البدء في الإنشاء. المكان جميل وقريب من نقطة حراسة وهذه ميزة كبيرة. فهم أن أخاه يريد أن يقول: سأصادق الأفذاذ الحارسين، وسأطمئن على بيتي. تشجع وقال لأخيه:
- علمني كيف أصطاد في المنطقة المحرمة يا أخي!
- هذا خطر كبير.
- ولكنك تفعل.
كأنما يريد أخوه أن يعزو الأمر إلى العلاقات الوثيقة وتبادل المنافع.
- هل النقود هي كلمة السر؟!
بالتأكيد ألمح إلى أن النقود عنصر هام ولكنها ليست كل شيء، وكأنما قال له أيضاً: سأعلمك كيف تكسب ثقتهم، وكيف تعطيهم دون أن تسبب لهم أي حرج: ستدخل من البوابة واثق الخطى. عندما تقع تحت بصرهم أخرج النقود من جيبك. ضعها على الأرض. سيرونها.غطها بقطعة الحجر. سيرونه. لوح بيدك ثلاثاً ثم انزل لتصطاد فهمت؟!
ربما يكون دنجو قد فهم، بل إنه فهم بالفعل، أو قل أراد أن يكون قد فهم .كرر الأقوال على سمع أخيه فأمن عليه. سأله:
- هل آخذ قارباً معي؟
أشار إلى أن قواربهم هناك مركونة يمكن استخدام أحدها.
- عظيم، كم النقود؟
بأصابع يده أخبره أن المطلوب خمسة.
- أليس هذا مبلغاً كبيراً؟
أشار أنه معقول لأنه سيربح الكثير.
- ومتى أذهب؟
- قبل الغروب.
عصر اليوم التالي، وبعد أن دبر دنجو المبلغ المتفق عليه انحنت الشمس وبدأت تهبط. القنطرة الأولى ظهرت. أريني وجهك يا منطقة الخطر! قلبه يدق كالطبل وهو يقترب من الأرض الممنوعة. الشبك في سبت كبير معه. حاول أن يبتسم فربما محت ابتسامته خوفه. اجتاز البوابة ثم أخرج النقود من جيبه.عدها ليتأكد من عددها.خمسة. مبلغ يرهقه. وضعها على الأرض متعمداً أن يراه الحراس وهو يفعل ذلك .غطاها بقطعة الحجر ثم لوح بيده ثلاث مرات وتقدم نازلاً إلى النهر. حاول أن يستقل قارباً.. و.. كأن الماء مليء بالسمك المغري. هذا مؤكد .سأصير غنياً... و...
لمح الكلاب السوداء. لمحها بعد أن لفحه لهاثها المطارد له ثم دوى نباحها ذو الأصداء. كانت في سلاسلها الحديدية لكنه خشيها. توقف في دوامة أدارته بقوة. لمح حارساً فأمل أملاً. أشار الحارس بأصبعه إلى البوابة أن عد من حيث أتيت. لهجته قاطعة لا تعرف الجدال أو المراجعة. لماذا؟ ألم يرني وأنا أضع النقود؟ لقد رآني! رآني لاشك. أقسم أنه رآني!
همّ بالعودة لأن النباح علا. أدار ظهره ومشى يتعثر والسبت مليء بالشبك، والشبك يشتاق إلى السمك. مر على قطعة الحجر ورفصها بقدمه. النقود لم تعد مكانها. أخذها الحارس فلماذا يطارده؟ حاول أن يتكلم لكنه لم يجد صوته. اتجه إلى البوابة وقدماه لا تجيدان استلام الأرض.النباح يطارده.الكلاب تعلن انتصارها عليه.
كان ما يزال مضطرباً عندما رآه أخوه الذي هدأ من روعه وأعلن بابتسامته البلهاء: ليس لك حظ!
- هل من تفسير لما حدث؟!
تعبيرات الوجه ممسوحة لكن دنجو فهم أن أحد قادتهم الكبار كان على وصول!
محمد محمد السنباطي
روائي من مصر
mosonbati@gmail.com



