ياسمين مجدي
الغسيل...أبداً/فصل من رواية معبر أزرق برائحة اليانسون
13/12/2009
![]() |
ياسمين مجدي |
"الغسيل الزفر" أتجنبه*، لأن أمي كانت تقول، دائماً، أنه لا يجب جمع الغسيل ساعة المغرب، لأنه سيكون ساعتها "زفر"، لو لم يرَ شمس اليوم التالي. وأتذكر نصيحتها الأخرى بضرورة عدم مرور "مَرَة" من فوق رجل، لأنها ستؤذيه لو كان عندها "الدورة الشهرية"، ووقعت نقطة عليه. تجتاحني تلك الأفكار وأنا أرى سبأ تتلوى من المغص فوق الكنبة، فأعرف أنها لن تستطيع أن تدخل معي الدولاب تلك الليلة، تكتفي بأن تعطيني إحدى قصص روايات عبير، وتضحك وهي تتشمم روائح العطور في الشقة، وتلتقط الشعيرات الواقعة على شباكي، وتمسك بورق اللبان النائم على السرير، وتسألني
ضاحكة، عمن تكون تلك المرأة التي تدخل عندي. تنسى سبأ بذلك أننا نقطن بيتاً من طابق واحد في الدور الأرضي، وأن المارين كلهم يبصقون سعالهم، ومخاطهم، وأعقاب سجائرهم على سريري من النافذة.
أحتمل أوهامك يا سبأ لتبقين، في بابك المواجه لشقتي الذي تسكنينه، لكنني سأظل أسألك إذ كنتِ تفتقدين مثلي رائحة البول، الذي لم يعد يفوح من شقتي؟!
عامان من التسكع أقضيهما متلصصاً على شباكك، تخبرينني بعدها أنني "صايع وضايع"، فتكون فاتحة خير على صداقتنا، أقفز بك إلى الدولاب، ولم يكن من السهل إدخالك إلى الدولاب. أول مرة دفعتك إليه، حركتِ يديكِ، بأنني مجنون، فأخبرتك أنكِ التي كذلك، وجذبتك جذباً، فاستسلمتِ ليدي، وجلستي في الدولاب إلى جواري، لينحصر رأسك ما بين قميصي الأسود، والأخضر. تدلين قدميك من الدولاب، وتكركرين من جنوني. أرمقك وأنت تقتحمين بطفولتك عالمي، ثم أرفع قدميكِ بسرعة للداخل، وأغلق باب الدولاب، فتتحول ملامحك إلى ذعر.
- متخافيش يا بت.
أسمع صوت قلقها في البداية، لكن حينما تعتاد عيناها الظلام وتستطيع أن ترى ملامحي، ستطمأن أن شيئاً لن يحدث، وأنني قابع في أقصى الدولاب. فتلهو في جيوب ملابسي بحثاً عن جوابات حب، أو كره، أو صور، أو دعوة لفرح، لعزاء، لعيد ميلاد، لكنها لا تجد شيئاً، ولم تفلح جيوبي في إعطائها خيط موضوع نتحدث فيه، فحكت لي قصة من "روايات عبير"، ورويت أنا لها حكاية عن رجل كبير، لم يعد يعرف ابنه، لأن ذاكرته لا تسعفه، فحملوه بعيداً إلى مدينته، وهناك رغبوا في أن يزوجوه، لعله ينجب طفلاً آخر، طفلاً يخرج من جسده، فيخرج معه كل التيه الذي يشعر به، ليستعيد ذاكرته.
لو يعلمون كيف أعالج نفسي، كيف أنجح في الاحتفاظ بذاكرتي رغم كل ما يحدث، لعالجوا ذلك الرجل بالطريقة نفسها، فذاكرتي تعيد نفسها بنفسها كل لحظة، حين أعتلي مقعدي المواجه للشباك الزجاجي في الوردية، أنتظر زبوناً يمد يده طالباً تذكرة، لتجيز له المرور لركوب الدودة تحت الأرضية، فتقله إلى بيته.. عمله.. جهنمه.. أو جنته.. وحين لا يأتون، وحين تنتهي مؤخرات النساء التي أتابعها، وتفرغ حكايات الرجال التي أتلقطها مبتورة من أفواههم، وهم يمرون من أمامي متباهين بالاشتراك، أتلمس ألوان الملابس.. أجمع عدد النساء السمراوات..وصاحبات الملابس الحمراء..
الخضراء..فأعرف أنني محبوس في دولاب كبير، دولاب يتحرك على أجساد ركاب المترو. أعرف حين يرتدون ملابس سوداء أن هناك عزاءً في أحد المساجد القريبة، ومن ملابسهم الحمراء، أعرف أننا في عيد الحب، وأتابع الفتى والفتاة اللذين يتشاجران، ثم أنتقل للمجاميع التي تدخل من الباب، والتي تعني أن هناك ميكروباصاً قد أوصلهم لتوه إلى جوار المحطة.. لا أستطيع أن أغفل فكرة أن رءوسهم المستديرة ليست إلا كرنب، وأصابعهم التي تتدافع، لتحصل على التذكرة كأصابع الكرنب، بعضها أصابع جيدة التسوية، وأخرى تبعث على التقيؤ، والأخيرة نتنة تبدو كأنها تُركت خارج
الثلاجة، ففسدت. وحين تأتي العربة يجرّوُن من يدي التذكرة بسرعة، أرى ظلالهم على الأرض بلهاء، تجري بكروش، ومؤخرات، وأثداء، فأتمنى رغم شعوري بالقرف، أن أطأ فوقهم جميعاً، فأصرفهم من الأرض، ليتحرروا، قبل أن يصابوا بأي كدمات زرقاء، كبدلتي التي ألبسها في الوردية.
ساعتها تعيد الذاكرة نفسها، وأنا أرى على الشباك الزجاجي أمامي، كل ما مر. أرى حياتي شبابيك، وبوابات.
على شباك يظهر أبي، وإلى جواره أمي، وحين تأتي سيرة أمي ستجر الذاكرة حكاية الشباك الذي أغلقته بيديها في وجهي، حتى لا أرى منه غالي، لأنها غضبت منه.
شباك بيتنا، وأنا أمامه صغيراً، يقفز غالي منه، ويدخل. ظننته سيلعب معي كما اعتدت، لكنه فاجأني في الظلام بيده تمتد على فمي، وعيناه حمراوتان، وأنا لم يكن بيدي سوى أن أخبئه، لأختبأ بعدها في جلباب أمي، ثم في الحمام، حينما يقفز من شباكنا، وأمي المذعورة مما يحدث ولولت، أو صرخت، أو أصابها الألم بالصمت، كل ما أذكره أن فدادين زرقاء زرعها الشيطان حول عينيها التي لم تستطع فتحهما، فتصبح تلك الكدمة الزرقاء حول عينيها، ذاكرة أراها في ردائي الأزرق، الذي أرتديه في الورديات، فأعرف أن هذا هو عقابي، أن تتمدد كدمة أمي، وترقد فوق جسدي كله.
في تلك الليلة سألتني أمي - وأنا أتابعهم هؤلاء العساكر المتلاشين بعيداً في نقاط سوداء، ماذا أرى في الأفق؟ فأخبرتها أن هناك أناساً بملابس بيضاء يحملون فاكهة، ويتقدمون نحونا، يأخذون يدها، فترفرف معهم، وهي تشير لي موصية بأبي المسن. فأقع أقبل ظلَّها على الأرض، ثم يأخذني النوم، فأصحو، ولا أعرف أيهما كان الحلم، وسأحكي لك ذلك يا سبأ، لكنك لن تشعري بقلبي، لأنك ستقولين لي:
- أنت نحس يا بني، طفشت أمك، وبعديها أبوك، وراعبني بحكاية غالي.
لا تضحكي يا سبأ، قد كان قبلك غالي يسكن شقتك، وقد مضى، وتركني أذكر ليلة مهاجمة العساكر لبيتنا بسببه، ورَكلهم لعين أمي. ولليوم كلما رأيت أحدهم ببدلة بيضاء أو سوداء يتقدم طالباً تذكرة، لا أرفع عيني إليهم، لأنني أستمع لصوت الدقات العالية بداخلي، وأمد لهم التذكرة سريعاً. بعضهم يجلسون في غرف مجاورة لي، يساق لهم الركاب المخالفون، أو غير المخالفين، ويخرجون بعدها، دون أن يحكوا عن التفتيش الذي تم معهم، ولا عن ولاعة وعلب السجائر، التي صادرها أمناء الشرطة منهم في الداخل، ولا الغرامة التي دفعوها قبل أن يتجهوا إلى الخارج، ويقسموا،
أنهم
[Hide Quoted Text]
لن يركبوا المترو مرة أخرى، ويسبون زوجاتهم، أو أبناءهم، أو ربنا.
وأنا في كل مرة أسب معهم هؤلاء القابعين في الحجرات المجاورة، منذ رحيل غالي، حيث انتهت أيام لعبي معه، بعد فترة قصيرة من إقامته في الشقة المواجهه لشقتنا، في بيتنا المكون من طابق واحد، حين كان يُدخلني إلى شقته، ويفرد أفراخ ورق، ويقصها في أحجام مربعات، ويلفها، يفتح أكياساً في حجم اليد، ويضع أشياءً بداخلها.
غالي يفرد أمامه ورق شجر أخضر في لون الملوخية.. وبودرة لونها أبيض، وقطعاً صغيرة بيضاء تشبه سكر النبات، ومربعات في لون الشيكولاتة. ويكون إلى جواره في الضلفة شيشة نحاسية تخرج منها يد بوص، وتفوح رائحتها النفاذة - رغم أنني لم أره ولا مرة يتذوقها- وإلى جوارها علب سجائر. وعلى حافة كل تلك الأشياء أحلامي.
أشعر أنني غالي، وبأنني أخدع نفسي، وبأنه لم يكن جاري، ولم أكن طفلاً، بل كنت أنا الذي هو، ثم أعود إلى وعيي، هو يمد يده لزبائنه عبر شباك البيت، حين يفتح نصف ضلفة الشيش، وأنا أبيع تذاكر في المحطة، من خلف الشباك الزجاجي، لكنني أبيع نوعاً واحداً، وغالي يبيع أكثر من نوع، لهذا السبب وحده أتأكد أنني لست غالي. كنت أراه يفتح الشباك، ويسألهم:
- باكتة، ولا وقية، ولا تربة؟
- لا، قرش.. ولا أقولك خليه ربع قرش.
يعطيه غالي ما يريد، ثم يسبُّه، ويخبرني:
- فاكرنِّي فاتحها لهم قطاعي، ميخلصوا روحهم مرة واحدة.
أتابع بإعجاب غالي، وهو يصنع أشياءه، يضع القطعة التي بلون الشيكولاتة في كيس قماشي أبيض. ولو لم أكن رأيته يفعل ذلك، لاعتقدت أن ما بداخل الكيس لوحاً أبيض، وليس بنياً.
يقطع قطعة من الشيكولاتة، ويصلط عليها النار من الولاعة، ثم يبدأ في فركها بظهر الكوب، حتى تصبح قطعة مستوية، يشق سيجارة، ويسقطها بداخلها. وحين يكمل علبة سجائر كاملة بهذه الطريقة، يضعها في أعلى مكان، أو يقص السيجارة، ويفرك ما بداخلها مع الشيكولاتة، ثم يعيد برمها.
يتكلم معي، وينقطع، فجأة، حين يأتي أحدهم يطرق على النافذة، يعطيهم ما يطلبون، وحين يخبرونه أن يذهب معهم، فيخبرهم: "أنا محرَّز مبينفعش أنزل".
أجري إلى بيتي، متوجهاً إلى المطبخ، وأحضر قطعة شيكولاتة، وأوراق الملوخية، أشعل فيهم النار، وأغمض عيني، ولا أفتحها إلا وأمي تصرخ من الحريق، ومن يومها، وهي تلح أن يرحل غالي. فأعطيها ظهري، وأعطي لغالي قلبي، أطلب منه إعطائي قطعة من الشيكولاتة القابلة لإشعال النار فيها، فيركلني، ويخرجني من شقته. ولا يصبح أمامي سوى أن أعيد أذناي لأمي، لتردد فيهما أمنية أن يرحل غالي.
وسبأ تمد أذنها تستمع لكل ذلك، أنه زمن آخر يا سبأ كنت فيه صغيراً، لا أملك في الحياة سوى أب وأم مسنين، وغالي في الشقة المواجهة لنا، هل كان يمكنني أن أقاومه؟! هل كان يمكنني ألا أسعى للتعرف عليكِ، أنتِ التي تسكنين في شقته نفسها، وتطئين بقدميك على الأرض، التي زُرعت فوقها ذكرياتي يوماً ما؟
تعتاد سبأ حينما تدخل الشقة عندي، أن تلج إلى الدولاب، تدلي قدميها، أو تقرفص، وتغلق ضلفتيه علينا، وتخبرني بقصص الزواج العرفي المكتوبة على باب حمام المعهد، فتجعلني أفكر بقوة في الحمام، لأتأكد أنها ستدخل حماماً غير الذي سأدخله. حمامهم سيكون مرسوماً عليه وجه وفستان، وحمامي مرسوم عليه قدمان، وفوقها رأس، وبينهما جسد مُلصَق، فأكتشف أن سبأ قطعتان، رأس وفستان متماسكة، أما أنا فأكثر من قطعة، بالكاد أجاهد لألا يُطَيِّر صفير المترو أعضائي، وأنا جالس في بدلتي الزرقاء، كدمتي.
وسأضع وجهي في الأرض، لا يعنيني أن أحدهم سرق عربة المترو، وأن مئات الشباب الصغار بهواتفهم المحمولة، يرفعون كاميراتها ليلتقطوا الصور للناس، وهم يجرون فوق قضبان المترو، ويركزون على وجه عبد البديع، وهو يصرخ فيهم ليكفوا عن فضيحته، التي سينشرونها على الإنترنت بالصوت والصورة في الأيام التالية. سأسرد ذلك يا سبأ، لأستعيد حكاياتي وذكرياتي، وأهرب من تيه قد يهاجم مخي فجأة، خشية ألا ينجح في علاجه السمسم المقلي.
ولن يهمني أن يسرقوا المترو أو يفجروه، المهم أن أعود إليك يا سبأ لأحكي ما حدث، وما كان يحدث في طفولتي، فأعيش مرتين، أو ربما أعيش مرة حقيقية. حين تأكلين معي تحركين جوعي، فأروي لكِ عن يوم رحيل غالي بملابسه البيضاء، وكيف كانت أمي تزغرد خلفه، بينما لم يكن أبي واعياً بأي شيء يحدث، كعادته. تحرك بداخلي ساعتها شيء كالحزن، وأنا أتذكره وهو يلعب معي، ينظر من شباك شقتنا الأرضية، ويشير إلى سرير أبي وأمي.. يخرج لسانه وهو يمد أصبعه ناحية منتصف الفراش الذي يرتفع كثيراً مقارنة بجانبي السرير. أقفز من الشباك، وأجري وراءه.. ينقطع نَفسي، حين ينقطع
نَفسه، فنجلس على الرصيف، وأعلِّمه اللعب المختلفة، أضرب يدي في يده لأعلى، لأسفل، للجانب، للجانب الآخر، ثم يلقي بنكات وفوازير لا أفهمها. يخبط رأسي:
- حمار يالا؟!
لا نلعب بالكتابة سوى لعبة "إكس أوه"، لأنه لا يستطيع قراءة عدا ذلك، فاتجنب لعبة "بينجو"، رغم أنه يضحك كلما ذكرت اسمها، ويطلب مني أن أعلِّمه الأرقام، ليلعبها، كما يلعبها طوال اليوم. ثم يحملني غالي، ويعيدني عبر النافذة، فأقفز على منتصف السرير بقوة، لعله يصبح سريراً مستوياً، أقفز وأنا أتابع بعيني العيال في الشارع يلعبون، أقفز، وأبتسم لهم، وتتسع ابتسامتي، وأستدير، وأعطيهم ظهري، ثم أبكي، حين يقولون:
- تيزك.
تصرخ سبأ "بينجو"، اضربها على يديها، لأنها تغش.
أخفي يدي عن عيونهم خلف الشباك الزجاجي، هم الذين يخرقون بعيونهم يدي، ليتابعوني وأنا أجمع النقود، فيستفزني تطفلهم، وأدس وسط النقود نقوداً مقطوعة، ليضطروا لإعادتها لي ورجائي لتغييرها، لحظتها أؤكد لهم بداخلي، أن عليكم أن تكونوا محترمين لأنكم تحتاجون لي، وأصر لأعاقبهم على أنني لا املك لهم غير هذه النقود المقطوعة. أتلذذ بذلك، كما أنه يساعد على دفع الوقت، حتى لا أشعر بملل طويل، ذلك الملل، الذي يكبس غولاً في الشتاء، حيث لا مارة يلفتون انتباهي، ولا ركاب يساعدونني على إنعاش الذاكرة، لا شيء عدا ضجيج دودة تحت أرضية، تعلن عن وصولها
إلى
[Hide Quoted Text]
المحطة، فأتوه بين الوافدين الجدد، لأشعر كأنها هي الحقيقة، وكأنني مجرد غبار، ثم أكتشف أننا جميعاً في نفق واحد ننتظر العربة.
تُخصص العربتان في المنتصف للسيدات حتى التاسعة مساءً، ولكن يُسمح للسيدات باستخدام كافة عربات القطار، نتوقع بين لحظة وأخرى، أن تدخل امرأة، تجلس على الكرسي إلى جوارنا، وتبيع معنا التذاكر، والحقيقة أنها لن تحصل، أبداً، على ما يكفيها من الوقت، لأننا سنهجم عليها مرة واحدة، عبد البديع، وكونو، وغبريال، لا يهمني أن أشرح أسباب هجومهم عليها، لكنني أعرف أنني سأتشممها بحثاً عن رائحة قلي السمسم، وحين لا أجد سأبدأ في عضها، بحثاً عن الرائحة وسط دمها. مسموح لهن بركوب كل عربات المترو، بالإضافة لعربتين مخصصتين لهن. ينتشرن على الرصيف
كالصراصير الممتلئة بطنها ببيض، بيض في صدورهن، ومؤخراتهن، وتحت إبطهن، وفي حقائبهن السمينة. ويدفعون بعضهن البعض، بقرف، وغالباً ما يضربن بعضهن البعض، على أبواب العربات، بينما الرجال يقفزون بسرعة إلى العربة، ليسمحوا للآخرين بالدخول، وحينما ينغلق الباب على أحدهم، يمسكون الباب بأيديهم، ويدفعون الشاب العالق، أما النساء فيسرن كالبطة تزحف إلى العربة، دافعة الآخرين بمؤخرتها.
أصاب بالحول ليس من كثرة المؤخرات، بل ربما لأن كل الأشياء تظهر لي من خلف النافذة الزجاجية، لكنني لا أصل إليها بيدي، فتبدو الأشياء غير واضحة، وغير حقيقية، مكتب أمين الشرطة للغرامات، التكييف، التليفون، المصعد، مراقبة المتهربين الذين يقفزون، مراقبة الوجوه التى تهرب ساعة المطر، وتعود بعد ساعات للخروج، أو الرفاق متشابكي الأيدى، تجميعي لنقود كثيرة كل يوم أفرغها أمام عبد البديع.. أناس كثيرة تتجمع، فجأة، أمام الشباك..فراغ كبير، وصوت الإعلانات التي يذيعها تليفزيون المحطة!
لا ينقصني سوى زجاج عاكس، يرى فيه الزبائن أنفسهم كالمرايا، بينما في الحقيقة أنا الذي أراهم، وهم لا يرونني، فينظرون إلى تلك المرايا التي أوجد خلفها، يضبطون طرحهم، ويرفعون ملابسهم الداخلية في المرآة، مؤمنين أن لا أحد وراء تلك المرايا، ومع الوقت سأصدقهم أن لا أحد خلفها!
أكاد أصاب بالحول، ورغم ذلك لا أطلب بدل العدوي، ولا بدل العجز، لا أطلب بدل التعرض لشاشات الكمبيوتر، أنا أريد بدل "حوَّل عيناي"، التي تقفز بين كل تلك الأشياء، تتجول، وتذهب مع تلك، وترى ذلك، وكل تلك الأشياء لا أصل إليها، لا ألمسها.
حين أستمع للضابط فى الحجرة المجاورة وهو يسب شاباً.. ثم التقط شهادة سائق مترو رأى شاباً ينتحر أمامه.. أسأل نفسي لماذا أنا مستمر في محاولة إنقاذ المكان، وتفتيش حقائب الناس بقلق من أن يحملوا شيئاً يُفًَجِّر المحطة، وأتخيل نفسي في صور مليئة بالدم، فاسألهم لماذا أفتش الحقائب بحثاً عن الخطر؟ لماذا لا يحدث ما سيحدث في هدوء؟ أفضل من أن أظل أتابع كل تلك الأشياء.
يدور ورق عبد البديع أمامي، لأوقِّع عليه، وأشاركهم في مطالبهم في البدلات الممنوعة علينا، لكنني لا أريد، فعبد البديع في تلك اللحظة كان يخبر امرأة - جاءت تبلغ عن سرقة هاتفها المحمول- أن 12 ألف حالة سرقة فحسب كانت تحدث في المترو، أما الآن فالسرقات كل دقيقة، رغم ذلك عليها أن تطمئن أن هاتفها سيعود، وهل تعود بدلاتنا؟
حينما يحدث أي قلق تصرخ النساء، فأتمنى بداخلي أن يصيبهن شيئًا، أريد أن أرى امرأة تموت، ودمها يخرج منها، سيخرج أزرق، وكلما خرج منها ستذبل، ويقل حجمها، إلى أن يفنى جسدها تماماً، فتهدأ روح أمي بداخلي.
أمي كانت امرأة في الخامسة والأربعين من عمرها، تقف في المرآة، تلق بظلال الفرشاة الحمراء، لتغطي وجنتيها التي جرى الانكماش في جلدها، ثم خطان سوداوان فوق عينيها، ترفع يدها تفك البكرات من شعرها. لتشعر بعد ساعات بكهرباء أبي تسري من رأسها حتى نهايتها، تلك النهاية التي انفتحت ليلتها، وبعد أشهر أخرجتُ رأسي منها، ليقولوا بذلك أنني ولدت، وأن هذه أمي، وأنني سأصبح جسداً خفيفاً يضعونه بينهما في منتصف السرير العالي، فلا يستطيعان أن يلتقيا، ويظل المنتصف عالياً، لا يهبط، أبداً.
*رواية معبر أزرق برائحة اليانسون فازت بالمركز الأول لجائزة دبي الثقافية- الدورة السادسة 2008-2009
ياسمين مجدي
روائية من مصر
theflyingflower@yahoo.com



