احمد سعداوي
بريد بغداد...مصائر الكرد والمابوتشي واشياء أخرى
25/01/2010
![]() |
صالح علماني |
في روايته المثيرة (بريد بغداد) يتحدث الروائي التشيلي خوسيه ميجيل باراس عن فنان تشيلي يزور بغداد مطلع الستينيات من القرن الماضي، صحبة وفد طلابي عالمي، ويبقى مع زوجته هناك مدة عامين ينكب فيها الرسام التشيلي على انجاز سلسلة من اللوحات مستقاة من البيئة والمفردات العراقية. ويتعرف خلالها على تفاصيل الواقع السياسي العراقي.
الملفت ان الرواية تتأمل بغداد باعتبارها مدينة (اكزوتيكية) تحفل بالغرائبيات، والصور المفارقة والعجيبة. ويتحدث المؤلف، على لسان شخصيته الاساسية الرسام التشيلي هويريكيو، عن هذه المدينة دون تعاطف كبير، ولا تمر صفحة في الرواية من دون الاشارة الى شيء سلبي يصدم بطل الرواية، ابتداءً من العواصف الترابية، ومنظر الفقر الشديد في احياء بغداد، وعدم العناية بالنظافة العامة والشخصية. ولا يسلم اي شيء من تقزز البطل حتى التمر، هذه الثمرة العراقية، التي بدت غريبة و(اكزوتيكية!) ايضاً لدى بطل الرواية، وظلت تذكره بالوان الصراصير وشكلها.
احداث الرواية تجري في بغداد اثناء الثورة القاسمية على النظام الملكي. وهناك من أشار الى ان الكاتب استخدم العراق، في عصره الثوري الاول، كقناع ومجاز لهجاء ثورة بينوشيه، الديكتاتور التشيلي الذي اطاح بنظام سلفادور ألنبي الديمقراطي.
العراق التشيلي
الرواية كتبت بكل تأكيد لقارئ من العالم الهبسباني، ولم يفكر كاتبها ربما بانها ستوجه الى قارئ عراقي بالدرجة الاساس. ولكنها توفر فرصة لنا، نحن القراء العراقيون، للاطلاع على رؤية من عين راصدة غير عراقية. عين غير متعاطفة، وتحاول موضعة هذا البلد على خريطة المخيلة وخريطة الواقع، بالتظافر مع شبكة المجازات والكنايات التي يوفرها العراق وما يرتحل من صفاته واوصافه لمقاربة وضع بلد لاتيني بعيد جداً هو تشيلي.
الملفت في الرواية هو تلك المقاربة للمشكلة الكردية، وصورة الصراع السياسي بعد القضاء على الملكية بانقلاب عسكري. وكيف ان الشيوعيين والكرد، حسب رأي الروائي، كانوا السند الفعلي للنظام الجديد الذي تزعمه عبد الكريم قاسم، والذي سرعان ما انقلب عليهم، الامر الذي جعله في موقف ضعيف، ولقمة سائغة لأنقلابيين جدد.
تنتهي الرواية لاحقاً بالتحاق الرسام التشيلي بالثورة الكردية. وكأن المؤلف يحيل البطل الذي ينتمي الى اقلية المابوتشي في تشيلي الى النظير المشابه عراقياً المتمثل بالكرد. ورغم ان المؤلف خوسيه ميجيل باراس لا يقوم ببحث تاريخي، إلا انه يقدم موقفاً من الواقع السياسي العراقي في تلك الحقبة، يحيل الى صورة مقاربة لما يحدث في تشيلي. ولم يكن اختياره للعراق اعتباطياً، فبلدان الشرق الاوسط واميركا اللاتينية اشتركوا بظروف تاريخية داخلية مشابهة، وتعرضوا لمفاعيل الصراع الدولي بين قطبين عالميين، واحتوت هذه البلدان بشكل متقارب على بانوراما سياسية واحدة، من ملكيين او محافظين، وشيوعيين وليبراليين، وصراع اقليات، ومثقفين يراقبون او يشاركون في صناعة الحدث العام.
عالم اكزوتيكي
الطريف، ان بطل الرواية الرسام هويركيو الذي يراسل والد زوجته في تشيكوسلوفاكيا، يتحدث له عن هذا البلد الاكزوتيكي الذي يقيم فيه، ويقصد العراق، بينما تلقينا نحن أبداعات اميركا اللاتينية على انها مؤلفات ورويات تتحدث عن بلدان (اكزوتيكية) بامتياز، حيث الغرائبيات تحدث كل يوم بشكل معتاد ومألوف، وحيث الطبيعة تمارس فعلها بتطرف وغرائبية، على حد قول غابرييل غارسيا ماركيز في احد حواراته.
ولكن هذا الوصف الذي يدفع هذه البلدان الى خانة الغرائبيات، يشي بلون من الوان المركزية الغربية، وماركيز نفسه، كان قد استعان في كتابة روايته الشهيرة (مائة عام من العزلة) بالشيء الكثير من الرؤية الاستعمارية لأراضي العالم الجديد. روايته كانت تختزن نظرة أوربية لعالم هندي وثني همجي، بل ان المدونات التي وضعها كريستوفر كولومبس لملكة اسبانيا الكاثوليكية كانت تتحدث عن ثمار بحجم رأس الأنسان وطيور بحجم الحصان، من اجل زيادة عجائبية الارض المكتشفة. وينقلنا ماركيز الى اجواء مدونات الفاتحين الاوربين ويتعامل معها كأمر واقعي.
الغريب انني اكتشفت لدى المؤرخ العراقي ابن قتيبة الدينوري في كتابه الامامة والسياسة، كلاماً مشابهاً عن فتح الاندلس. كلام عن جرار كسرها طارق بن زياد على الساحل الاسباني فتطاير الجن المحبوس فيها منذ عصر سليمان النبي. وصراع الجنود المسلمين مع وحوش غرائبية وأعداء ذوي اسلحة غامضة، وكأن قدر كل ارض غريبة جديدة ان تؤثث بالغرائبيات القادمة من وعي الفاتح الجديد، او القادمة من رغبته بان تكون هذه الغرائبيات موجودة في هذا الارض دون غيرها.
رواية سياسية
وبالعودة الى الاطروحة التي انطلق منها ماركيز في النظر الى الواقع اللاتيني، وهذا الازدواج ما بين الرؤية الاستعمارية ورؤية السكان الاصليين لأنفسهم. أتساءل عن صلاحية هذه الاطروحة في النظر الى الشأن المحلي العراقي، بصدد كتابة رواية كاشفة للواقع، وللمفاعيل العاملة فيه.
هل ننتظر دائماً رواية مثل (بريد بغداد) لكي تتحدث الينا بوقاحة ودون تحفظ عن غرائبيات الواقع العراقي، التي لا تبدو دائماً غرائبيات مفرحة او جميلة؟ أم علينا ان ننظر الى هذا الواقع بعين مزدوجة. عين من الداخل، وعين من الخارج لانجاز صورة مركبة، اقرب الى الحقيقة؟
ثم، وبالعودة الى بريد بغداد، هل تكشف هذه الرواية عن استجابة لمركزية القراءة الغربية، التي يغدو فيها العالم غير الاوربي مجرد خلفية لصراعات بطل أوربي الهوية في نهاية المطاف؟ هل قدمت بريد بغداد صورة واقعية عن العالم الذي استعرضه بطل الرواية بحركته والاحداث التي شارك فيها داخل بغداد؟ صورة فيها تفهم أكثر وتعاطف أقل.
الرواية التي نشرتها هيئة الكتاب المصرية مطلع عام 2008 وبترجمة صالح علماني، كانت قد رفضت نشرها بعض دور النشر، حسب قول الكاتب المصري عزت القمحاوي، بدعوى اساءة الرواية للشخصية العراقية، هذه الرواية تندفع في الحقيقة لما هو ابعد من الاوصاف المسيئة لصورة الانسان العراقي العادي، فهي تطلعنا حسب قول القمحاوي (على ثلاثة أنماط من الحياة السياسية والاجتماعية في العراق والتشيك وتشيلي ، ونتعرف على أنظمة انطوت على السبب الأهم لانهيارها: احتقار الإنسان وسحق فرديته.) (جريدة الدستور 31-10-2008).
والرواية بعد ذلك، تقدم تفهماً نادراً داخل الادب العالمي لمشكلات الصراع السياسي في العراق، وللقضية الكردية فيه، وتقدم ايضاً دليلاً آخر على حتمية اشتباك الرواية مع السياسة وتشابك جدلهما في قراءة التاريخ واتخاذ الموقف منه.



