الجمعة, 10 أيلول 2010
   
عيد سعيد وكل عام وانتم بخير               عيد سعيد وكل عام وانتم بخير               عيد سعيد وكل عام وانتم بخير              
في إشكالية التلقي
عدنان المبارك
في إشكالية التلقي
كافكا





لماذا الكتابة الأدبية ؟ أكيد أن الأجوبة كثيرة ولكن أكثرها خطورة ما يخص وضع التعاريف لمهنة الكاتب والسعي الى ترشيد وعقلنة النشاط الأدبي. ومعلوم أن الأجوبة تتكيف ، في أحايين كثيرة ، الى واقع طارح السؤال وتبرير مسألة إختيار نموذج معيّن من الإتصال الإجتماعي. إن شتى الأنثولوجيات وإعترافات الأدباء ثم الإستفتاءات التي غالبما يتم إختيار أسماء لها من نوع ( الكاتب والحياة ) أو( الكاتب والمجتمع ) أو( الكاتب يتحدث عن نفسه ) لاتكشف كلها إلا عن ذلك السعي المذكور. وقد يكون هناك قانون ثابت لمثل هذه الإعترافات والخطابات : أنا اكتب من أجل البلد ، من أجل المجتمع ، من أجل أن أقود العقول ، من أجل معتقداتي السياسية أو المثالية أو النرجسية أو الإيروسية ، من أجل الحفاظ على ذكرى السلف ، لكي أستبق المستقبل ، لكي أعرف نفسي ، لكي أمتع الآخرين ، لكي أنال الشهرة أوالمال ( أو كليهما )... لاشك أن الحدود هلامية بين هذا الجواب والآخر ، بل يحصل أن الفنان ، سواء أكان كاتبا أو تشكيليا أو غيره، والذي يمارس فنا ميتافيزيقيا صرف نجده خاضعا ل( ريبرتوار) الأجوبة المذكورة. وبالصورة المناسبة لطرازالدافع يتم تحديد دور الفنان : أن يكون نبيا ، كاهنا ، ساحرا ، ضميرا للأمة ، ملعونا ، منحرفا ، صوتا لايمثل أحدا ولا جهة ، صاقل كلمات، وغير ذلك من الأدوار. ومن بين حلول كثيرة يأخذ كل مؤلف عن وعي أو بدونه، بحل محدد. ومهما كان الإختيار فهو يكشف في المحصلة عن تمزّق الكاتب بين النبوءة والصنعة ، بين ما يسمى بالمسؤولية الإجتماعية واللعبة الخصوصية ، بين المحاكاة ( هذه الميميسيس اليونانية الصامدة بوجه كل الإنقلابات الفنية ! ) والتأمل الذاتي. إن الإختيار بين الخلق الجاد والآخر التسلوي ، وأيّ كانت تعاريفه ، هو غير حرّ. إنه خاضع ، الى هذه الدرجة وتلك ، الى الجبريات الخارجية التي لاتملك بدورها قانونا مطلقا بل تكون صفتها الأساسية هي التدرجية التي يصعب تجاهلها أوالتحررمنها. هناك أيضا جبرية التأريخ الثقافي لكل شعب والتي تقود الفنان الى إستخدام نظام الرموز والدلالات الخاص بذلك التأريخ. بالطبع تحتل هنا مكانا كبيرا الذهنيات السائدة التي تفرض ، لحد كبير، آليتها على صانعي الكلمات هؤلاء...
إن التفكير بالمتلقي يواكب الفعل الفني بل يوّجهه وجهة توفيقية لكي يخاطب النتاج النهائي هذا المتلقي ويكون مفهوما ومقبولا لديه. وهناك من يقول إن واقع القرار بالخلق يحمل بحد ذاته ، النية في عقد الصلة مع المتلقي. بالطبع لهذه الصلة شتى المستويات وأحوال الإعتماد والتبعية بل الإرغام ، غير أن هذا كله لايعني بأن على الفن حين يتوجه الى الجموع أن يخفض من قيمه ويبدل رؤيته للعالم ويأخذ بسبل الإيضاح من مدرسية وغيرها. إن للفن مهاما أخرى غير نقل المعرفة مثلا. وحتى إن كان يحوي معرفة فبالإمكان الحصول عليها ، كما بل نوعا، من مصدر آخر( مثلا : قتل طالب لمرابية عجوز يمكن قراءته كخبر أو تقرير صحفي ) .
من ناحية أخرى فلإشكالية التلقي بعدها المستقبلي : قاريء المستقبل سيتلقى عن طريقي الحس والذهن ، تلك الإعمال الصعبة التي يرفضها القاريء اليوم. ولاعلاقة لهذا الأمر بمضامين الطرح بل بتقنياته. ف( الأم ) لغوركي قامت بمخاطبة المتلقي عبر تقنية كتابية معيّنة مما يعني أن المضمون ذاته يمكن إيصاله الى القاريء بتقنيات أخرى أيضا ( مثلا : مونولوج داخلي يسبق قرارالأم بإلتحاقها بذلك النشاط الثوري ). ينتج من مثل هذا الإستقراء أن هناك عالمين مستقلين: العالم الواقعي والعالم المقدّم في الأدب، وفي كل الفنون عامة. وهي عملية مستحيلة إن لم تكن من صنف اللامعقول ، خلق التطابق بين هذين العالمين. وهو أمرمفهوم أن المتلقي يبحث عن صدقية العالم الثاني من خلال تجربته الشعورية والعقلية مع العالم الأول. الا أن للعالم الثاني الكثير من النماذج التي قد يجهلها المتلقي أو أن معرفته بها يعتورها النقص الى هذه الدرجة و تلك. والأمر يخص تلك الصدقية أيضا ، أي العلاقة بين الوظيفتين في الفن عامة : التعرفية والأيدولوجية. وطبيعي أن تملك عملية محاكاة العالم الواقعي، ومهما كانت درجة المحاكاة ، وعملية تفسيره شتى المستويات المشتركة. إن لحظة الرجوع الى نموذج مثالي محدّد قائمة في كل تقديم أدبي وحتى في أعمال نزعة الطبيعية التي تسعى كما هو معلوم الى بلوغ الحد الأقصى من الموضوعية. إلا أن جوهر الأمر يتعلق بحالة التناسب بين ماهوكائن وبين ما ينبغي أن يكون.
من المحاور الأخرى على خط العمل الفني - المتلقي يكون هناك المحور الفينومينولوجي أيضا. في كتابه المعروف ( لا أنسنة الفن ) يسوق خوزيه أورتيغا ي خاسيت هذا المثال : عند فراش رجل يحتضر هناك أربعة اشخاص : زوجته وطبيب وصحفي ومصوّر. كلهم شهود حدث واحد. ومما لاشك فيه أن الحدث نفسه ، أي الموت ، لا يحدث ذات التأثيرات والإنطباعات في كل واحدة من هذه النفوس الأربع. إنها تأثيرات لارابط بين أبعادها. بعبارة أخرى ينشطر واقع واحد الى الكثير إذا نشأ النظر من زوايا مختلفة. ونتساءل هنا بصورة تلقائية : أيّ واقع من هذه ينبغي إعتباره فعليا وأصليا؟ إن أي ّجواب نصل إليه سيكون إعتباطيا، ولأن كل واقع من هذه الأربعة هو أصيل من زاوية نظر معيّنة. وكل ما نقدر على القيام به هو تصنيف زوايا النظر الأربع وتحديد أيّ منها هي الأكثر إنسجاما مع قواعدنا السارية ، أو الأكثر عفوية. بهذه الصورة نصل الى مفهوم الواقع ، وهو على الأقل ليس بالمطلق بل يمكن إعتباره عمليا ومعياريا. وهناك حقيقة أنه بين شتى أنواع الواقع يوجد واحد تخرج منه الأربعة تلك ، ومنه تلقى إحالتها ، ألا وهو الواقع ( المعاش ) الذي هو أهم محور في عملية التلقي. ومثل هذه التجربة تخص كل الأشياء و الأوضاع والمواقف. ويضرب خاسيت مثلا هنا بالتفاحة التي نتعرف عليها من خلال تجربة أكلها. فجميع الأشكال الممكنة الأخرى مثل التفاحة في الديكور الباروكي او الأخرى ذات الشكل السيزاني المتفنن أو التشبيه المعروف لوجنتي الفتاة بالتفاح ، تعود لا أكثر ولا أقل الى ذاك النموذج الأولي...
والمحور الآخر المهم هو الأخذ بحقيقة أن كل أعادة خلق في الأدب ، وليس في التشكيل وحده، هي تفسير أيضا ، كذلك فكل تأمثل هو إعادة خلق. ولنأخذ هنا كمثال الرواية الوعظية أوالأخرى من صنف الواقعية الإشتراكية التي تقدم الأبطال كنماذج سلوكية يجدر بها أن تكون قدوة. إن هذه الروايات هي تأمثل لأبطال حقيقيين لكن أبطالها يختلفون عن أولئك الحقيقيين ويتشبهون بهم في ذات الوقت. ليسوا هم وهميين بل مجرد تأمثل لما هو قائم. من ناحية أخرى فالعناصر الفنتازية في مؤلفات كافكا مثل ( القلعة ) أو ( أميركا ) لايمكنها أن تخفي حقيقة كونها حكما على الواقع الراهن من زاوية معايير معينة وليس تقديما لمثال أعلى. بعبارة أخرى : النموذج التعرفي للواقع هو نموذج مبن على أساس موقف تقييمي.
إن تقسيم الأعمال الأدبية وفق مبدأ محاكاتها للواقع أو (تشويهها) له هو عمل يصعب تحقيقه، لسبب بسيط هو عدم توفر معايير ذات دقة بالغة تسمح بفرز المحاكاة عن التشويه. من ناحية اخرى فالحكم على العمل الأدبي كخطاب تعرفي أو مفهومي ، لايتعارض مع مسألة التعامل معه كعمل فني. فكل شيء في الفن يخصه هو بالذات أولا و أخيرا.


عدنان المبارك
روائي وناقد ومترجم عراقي مقيم في الدنيمارك
iraqstory@mail.dk
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: