الأربعاء, 8 أيلول 2010
   
في الذكرى السنوية العشرين لرحيل غائب طعمة فرمان               يفتح الروائي ملفا عن ادب هذا الكاتب الكبير وحياته وذكريات معاصريه عنه               ننتظر مساهماتكم في هذا الملف الذي نأمل ان يغتني ويتطور              
الأشباح والأمكنة/ فصول من رواية
ذياب الطائي
الأشباح والأمكنة/ فصول من رواية
اشباح وامكنة




الفصل ألأول



الصمت الغامض يطبق على دجلة وهي تنساب تحت غلالة رقيقة من ضباب الفجر الربيعي فيما يملأ الماء الضفتين ويبدو لونه الرصاصي الداكن وكأنه يتنفس بعمق فتصطدم مويجات وقورة ببعضها ثم تنسحب الى وسط النهر وكأنها تقدم اعتذارا هامسا, صفحة الماء لايمكن ان يتبين ماتحتها فيما تتقدم ريح جنوبية شرقية رطبة تزيد من كثافة الضباب الذي بدا له مرحا وهو يلامس الوجه الصقيل للنهر بشيء من المودة والحميمية.

ملأت الرطوبة المشوبة بدرجة حرارة منخفضة رئتيه فأحس برجفة خفيفة دفعته لأن يزرر سترته العسكرية السميكة , كان يريد ان يستوعب المنظر كله ليحتفظ بالتفاصيل الأثيرة لديه والتي رافقته منذ ايام الطفولة الأولى فعلى مقربة من هذا الجرف المرتفع وفي الدار نفسها ولد وهنا كّون صداقاته الأولى وتعلم السباحه في اشهر الصيف الطويله وتعرض لشكوى ابيه المستمره من انه لايفكر بمساعدته ويقضي وقته في النهر, لقد تعرف بدقة متناهية على كل متر من النهر وخبر تقلباته , فصول قناعته الهادئة وايام غضبه العنيف الصاخب وساعات فورانه المدمر, كانت المياه التي تندفع عبر الضفة الغربيه تكتسح مساحات واسعة من البساتين وتدمر جهود المزارعين طوال فصل الخريف , اما الضفة الشرقية فكانت مياهها تتطاول بحرقة لتصل الأرض ولكنها تصطدم بالحاجز الترابي المرتفع فتتراجع مندفعة الى الضفة الأخرى و في النهر ضيّع المدرسة و ترك الصخب وتشدد المعلمين وألأنتظام في الدراسة الى الحرية المطلقة , يدفن رأسه في المياه ويتقدم مغمض العينين الى الضفة الغربية وهو يشعر انه مسترخ على نحو ساحر تداعب مشاعره نشوة
تتملكه فينسى كل ما حوله ويغرق في عزلة مطلقة وكأنه طائر وحيد يسمع اندفاع الماء فوق رأسه متجاوزا كتفيه ليغطي الظهر العاري ,هنا بيته الحقيقي حيث لا يشعر بالخوف من نظرات ابيه القاسيه ولا بالأحباط من ملاحظات معلميه السلبية دائما , يشعر بانه السيد حين يتخلف الأولاد ورائه .

أغمض عينيه باستسلام كأنه يؤدي طقسا دينيا وتنفس بعمق فملأت رئتيه شحنة من الرطوبة , كانت عتمة الليل لاتزال تلف الشاطئ ألاخر حيث تتكاثف اشجار النخيل المزروعة حديثا وعشرات من اشجار الليمون والبرتقال التي كانت مصفوفة بتنسيق وعناية كبيرتين و حين فتح عينيه ثانية كانت العتمة في الجانب الآخر شديدة بحيث بدت الأشجار كتلة واحدة سوداء وبدت دجلة مغيظة وتكاثفت دفقات الضباب ولاحت صفحة الماء كأنها صفيح صدئ .

كان صغيرا حينما حاول ان يتشبث بالطين في قاع النهر والنسوة اللواتي كنّ يغسلن الصحون والفتيات اللواتي كنّ يمزحن برشق الماء والصبية الآخرون الذين يتقافزون مكركرين ,جاءته اصواتهم ككتلة صماء كأنها طنين ثقيل , كان يريد ان يعرف كيف ستستقبل امه (حالة ) فقدانه فيما لو انه حاول ان يجرب هل بامكانه ان يعيش تحت الماء كسمكة تسبح بحرية وتنتقل الى ابعاد سحيقة ومظلمة , ربما ستعشقه حورية هناك وقد تكون ابنة الملك , لن يذهب الى الملا ولن يعمل في المزرعة , ربما يلعب الكرة أو يركض تحت المطر عاريا , لا فهناك لن يكون المطر , فجأة جاءه صوت امه , كان واضحا تدق نبرات حروف نداءاتها اذنية , حروف مفجوعة جعلته يترك القاع الطيني ويطفو الى السطح ليتلقى ضربة موجعة على وجهه , ترنح في الماء ثم استقام ليعبر الى الضفة الأخرى .

جلس القرفصاءعلى العشب الندي ووضع رأسه بين ركبتيه , طنت حشرة فقدت معالم طريقها عند اذنه ولكنه لم يطردها فقد كان صوت طنينها الأجوف جزءا من احساسه العميق بالمكان الذي ينتمي اليه .

سيذهب غدا الى معسكر ( الغزلاني) لن تستمر فترة الأعداد اكثر من بضعة ايام ومن ثم يلتحق باحدى الوحدات على الجبهة, لم يحدثه ابوه وهو يحزم متاعه واكتفى بالنظر اليه بعينيه الكابيتين وعلى ملامحه كانت تتشكل تعابير حزن عميق , كان يتحرك ببطئ فيما ينسكب ضوء المصباح النفطي ألأصفر على تقاطيعه المتغضنة بأ جواء كئيبة ربما بسبب الوحدة الأختيارية التي فرضها على نفسه منذ اكثر من ست سنوات بعد ان توفيت زوجته وتركتهما وحيدين في البيت الطيني على دجلة.

كانت امه تتمتع بصحة جيدة ولم تشكو يوما من مرض ما وفي حياتها اليومية كانت تتولى امور البيت والعناية بحضيرة الدجاج وبالعنزات اللواتي كانت تقوم بحلبهن وبغسل الخضار التي يقوم زوجها بقطعها وتوزيعها على شكل حزم صغيرة كل نوع على حده ليأخذها في الصباح الباكر الى السوق بالعربة الخشبية الي يجرها حمار عجوز , ولكنها في مساء صيفي وكانوا يتناولون الشاي قالت انها تشعر بتوعك وبارتفاع درجة الحرارة , في الليل اشتد عليها الم غامض وفي ظهيرة اليوم التالي توفيت في مستشفى مدينة الموصل وتم دفنها في مقبرة النبي يونس .

بدأمطر ناعم يندفع برشقات متقطعة ولكنها متلاحقة مرسلا حفيفا مكتوما فيما بدأت تتحرك موجات صغيرة على سطح الماء يحجبها ظل الرشقات احيانا وتنعدم رؤيةالغابات المعتمة في الضفة الغربية

تناهى اليه صوت ابيه المتعب من اثر الدخان الردئ يناديه, نهض بتثاقل , رسمت مجموعة من ألأوز العراقي لوحة جميلة فوق مجرى النهر متجهة الى الجنوب , في المقدمة أ حد الطيور يقود المجموعة وكأنه على دراية بالطريق , كان الطيران بطيئا بعض الشيء وبدا ان المجموعة تستمتع بمنظر الماء الرصاصي المنساب تحتها عبر بساتين وأراض زراعية وسكون عميق اصبح مشبعا بحفيف المطر الربيعي العابث .

: الشاي جاهز

قال ابوه بأيجاز وهو يهيئ سيكارة الصباح الأولى

فتح صندوقا صغيرا مركونا عند الحائط واخرج لفافة من ورق الجرائد , سحب رغيفين وقطعة جبن محلي كانت امه تصنعه في البيت ولكنهما اعتادا على شرائه من السوق بعد وفاتها.
كان ابوه يتجنب الحديث على الرغم من ان لديه الكثير ولكن ألأمر كله متعلق بمساحة الهموم التي سيعيش في خضمها بعد رحيله ولهذا انطوى على نفسه ليجنبه قساوة المشاركة هو الذاهب الى المجهول

بدا كل شيء وقد اصابه بلل من رشقات المطر واختبأت العصافير الثرثارة تترقب بصبر ان تعود ثانية الى اللعب العابث فيما فتح برق خاطف وجه السماء الذي اطل بشيء من الأستغراب الخجول واختفى تلفه سحب ضبابية داكنة .

: كيف ستتدبر امرك ؟

نظر اليه ابوه بتعاطف

: لاتشغل نفسك سأذهب يوميا الى السوق وفي المساء سأهيئ طعامي .

منذ ان توفيت امه اعتادا على نمط ثابت من الحياة اليومية , يوقظه ابوه فجرا ليقوم باعداد الشاي فيما يتوجه هو للصلاة ويقرأ بعضا من القرآن , يقضم ابوه قطعة الخبز بتؤدة ويرتشف الشاي دون ان يتحدث , يقومان سوية الى الحقل لتحضير حزم الخضروات وبعد غسلها يصفانها على العربة الخشبية ويربطاها الى الحمار الذي رافقهما حياة العزلة والصمت , يذهب هو الى السوق فيما يقوم ابوه بمتابعة اعمال الحقل وحضيرة الدجاج وحلب العنزات والتدخين .

كان الحقل الذي يشمل دارا مبنية من ألآجر ومن الطين للأضافات لاحقا , على كتف دجلة المرتفع عن النهر , المنطقة منعزلة تقريبا فهي على مبعدة ثلاثة كيلومترات من المدينة والوصول اليها يمر بأراض خالية وطريق ترابي غير مطروق عادة , فالكتف لاتشكل المزارع على امتداده قرية بالمعنى الأداري فعدا مزرعتهم المخصصة فعلا للزراعة والتي يعتمدون عليها في معيشتهم فأن المزارع الأخرى مخصصة للراحة ومالكيها من الموسرين الجدد الذين استطاعوا عبر وسائل شتى جمع الكثير من المال, وعادة ما تدب الحياة فيها بعد العاشرة ليلا حين يرتفع غناء غجري وموسيقى ذات رنين بدائي يطغي عليه صدى (الطبلة ) لضبط ايقاع الراقصة , وحتى الفلاحين المكلفين بهذه المزارع لا يحضرون للعناية بها الا ما ندر ويتركز اهتمامهم عادة بتنظيف البيوت وتهيئة التنور للشواء .
قبل عشر سنوات لم يكن على الذراع غير مزرعتهم وفي الليل يصعب الخروج الى ماوراء السياج الطيني للمزرعة بسبب قطعان بنات آوى التي تبحث عن طعام او بعض الذئاب التي لايعرف احد من اين تأتي
قال أبوه : ارجو ان لا تنسى شيئا من لوازمك !
تحسس الحقيبة البلاستيكية الصغيرة

: لا ... لقد أخذت كل ما احتاجه

يشرف الكتف على مجرى دجلة ولكنه يرتفع عنه بحوالي الستة امتار وفي فصل الصيف يتوافد الصبية من مدينة الموصل والقرى المجاورة للقفز الى النهر محدثين جلبة بهيجة ويغدو العالم بالنسبة لهم محصور بين الكتف والنهر مستغلين الأوضاع الممكنة كلها والتي عادة ما يشاهدوها على التلفاز عند عرض برامج السباحة , بعضهم يهبط ضاما يديه الى جسده وقدماه متلاصقتين فيما البعض يفرد يديه مطلقا صرخات مهللة وهو يهبط الى الماء فرحا برشاش الماء المتناثر بصخب بكل الأتجاهات
كان الصباح ينشر ضياء شاحبا بسبب الضباب ورشقات المطر , أحس بقلق ممض يتسلل الى مشاعره وهو يهم بالمغادرة الى المعسكر تاركا الجو المفعم بالحميمية , بدأ ندم عكر يعصره ببطئ ولكن باصرار لأنه سيترك أباه وحيدا .
صافح وجهه رشا ش المطر فحاول ان يتدارى بكفه العارية ولكن الهواء الشمالي البارد جمد اصابعه فسارع الى دسها في جيب بنطاله المبلل وشعر ان السكون المتماهي في شحوب الصباح الضبابي يشعره بكآبة جعلته يتباطئ في سيره .
كان الباص المترنح قد توقف عنده , تمسك بالحديد البارد ليصعد ثم ارتمى على كرسي تمزق غطاؤه الجلدي , الركاب يغالبون النعاس فيما يرتفع صوت اجش بأغنية عاطفية جنوبية , على الجوانب كانت صور لنساء بدا واضحا انهن ممثلات او عا رضات لأصناف المودة , صعد رجل يرتدي قفطانا وهو يبسمل بصوت مسموع وقبل ان يجلس صرخ باستنكار
: العياذ بالله , بدلا من الأستفتاح بكلام الله تسمعون المسلمين هذا الفحش المحاط بصور تخدش الحياء وكأنكم في ملهى ليلي متنقل !!
: ولكن ياشيخ محمود كيف عرفت ان هذا الباص يشبه ملهى ليلي متنقل ؟!!

انتبه الركاب , وقال السائق

: بلا مواعظ ستصل الى الجامع قريبا !

تحسس الكتاب الذي اعطوه اياه في دائرة التجنيد وارسل نظرة غائمة الى واجهات المباني, توقف المطر وبدأت سحب الضباب تتمدد فبانت اوراق الأشجار لامعة وكان لخرير المياه عند امتداد الرصيف جلبة مكتومة
عند بوابة المعسكر كان يتجمع بضعة مجندين يقفون قلقين بانتظار ان يسمح لهم بالدخول لأستكمال اجراءات التحاقهم بوحدات التدريب .

وقف في غرفة الحراسة عسكري بشوارب كثة وعينين حادتين , فتح الشباك المطل على الباحة الخارجية وبعد ان شمل الجميع بنظرة متوعدة اثارت الأنفعال القلق في كل الوجوه التي تطلعت اليه بشيء من الترقب ولكن من الواضح انه لم يكن يهتم بالعيون التى تراه من كل جانب , بسط ورقة كانت مطوية بين يديه وقال

: من يسمع اسمه يدخل من بوابة الحراسة .

بدأ يتلو الأسماء بصوت فيه رنة سخرية

: سمير قاسم حسن

تقدم مرتبكا وبادر الجندي المكلف بالحراسة بدفعه الى الداخل.

: بهؤلاء سنحارب الجيش ألأمريكي!!

حرك العريف شواربه معبرا عن ضيقه وتوقف عن القراءة كمن يتأكد من المكتوب امامه

: فوزي فائق الحمداني

: نعم

كان الصوت خافتا ولكنه اجوف بلا رنين

: انت مهندس ؟

: نعم ... من انكلترا

: مهندس ماذا؟

: ميكانيك
: بأي فرع ؟ !

: السيارات

: وهل اشتغلت في لندن ؟

: لا , ولكني تدربت لمدة سنة في شركة( ليلاند)

: ولكن العراق لايمتلك مثل هذه السيارات!

: في بغداد مئات منها , سيارات (المصلحة ) الحمراء بطابقين

: ولكن بأي طابق تدربت ؟

كان يحاول ان يكون مرحا, فكر فوزي

: لا عليك , اعرف ان الميكانيك ابو عبد الله يمارس شطارته على كل السيارات القادمة من روسيا حتى أمريكا !

: وانا كذلك !!

: عظيم سوف يفرح النقيب حكمت فسيارته عاطلة منذ اسبوع

لم يرد ولكزه شاب دقيق التقاطيع يقف الى جانبه واسر اليه

: انت الآن على اول الطريق , البداية بالأتجاه ألأقرب !

لم يعلق

: اشرف حميد

: نعم

: وانت خريج ماذا؟

: آداب من بغداد

: ولماذا ليس من الموصل , نحن ايضا معروفون بألأدب؟ !

: قسمه ونصيب !

: حسنا أرجو ان تكون مؤدبا في المعسكر


قاعة النوم كانت مستطيلا, على الجانبين اسرة حديدية وفي الوسط ممر بعرض متر وألأرضية مكسوة بطبقة من الأسمنت وعلى الجوانب شبابيك زجاجية عليها بقايا اصباغ مما تنثرة فرشاة صباغ مبتدئ لم يهتم احد بأزالتها , في نهاية القاعة مرافق ومغا سل معظمها قد تهشم اجزاء منه والمتبقي مكسو بطبقة لزجة تميل الى ألأصفرار. في الخارج كانت ضوضاء خطى العائدين من التدريب الصباحي تحدث جلبة مرتبكة ولدت لديه شعورا بالقلق

بدأوا بقياس التجهيزات , عاد العسكري ذا الشوارب الكثة يسد الباب بجسمه الضخم المشدود كحزمة خيزران يابس .

: امامكم عشر دقائق لتكونوا جاهزين لمحاضرة التوجيه السياسي وبعدها تتلقوا التعليمات بشأن التدريبات , عشر دقائق تنتهي بسماع الصافرة , مفهوم ؟!

قالها بلهجة حادة وحا سمة واستدار خارجا

00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000


كانت الأيام تمر مسرعة وصعوبة التدريبات في السا حة الترابية التي تحولت بفضل الأمطار المستمرة الى مستنقع طيني لزج ,لم تترك لنا مجالا للتفكير وربما هذا بالضبط ما خفف من وطأة المعاناة , في الحقيقة لم تكن التدريبات تتسم بطابع قتالي حديث , هذا ماقاله فوزي الذي كان يركن الى القراءة بكتاب باللغة الأنكليزية قبل النوم ويتجنب الأختلاط بالآخرين عدا اشرف

: في الحرب الأيرانية قتل اخي في( جزيرة الشلامجة) وكان قد حصل على الدكتوراه بالفلسفة , لم يكن جنديا , كان في الجيش الشعبي وقد اخذوه عنوة , تصور انه مات بأرض لم يسمع بها !

كان يحدث فوزي بصوت هامس وهو يجلس على حافة سريره الحد يدي , التفت نحوي

: اعتقد اني رايتك ؟!


: ربما !

كنت اغالب النعاس

: هل انت طالب؟

: كلا , انا اعمل ببيع الخضروات في السوق.

: نعم تذكرتك !

ثم غمز بعينه بتواطئ واردف

: حولك وباستمرار سرب من القطى!

ابتسم بخجل

: من الطبيعي ان يكون معظم من في السوق, لاسيما في الصباح , من الفتيات

كانت التمارين حركات حمقاء ربما تصلح لحرب بدائية كما شرحها لنا فوزي , كان شابا في الخامسة والعشرين في عينيه همّا يشرق احيانا بحزن يرسل ايحاءات بوجود ما يريد البوح به ولكنه يتردد بتحفظ الخائف , كان يؤدي التمارين بآلية ولكن باتقان متجنبا نظرات العريف المدرب لتحاشي شتائمه البذيئة والتي عادة لامبرر لها
تظل عيناه تغيمان حينما نتجمّّع مساء للأستماع الى محاضرة التوجيه السياسي ويبدو متضايقا حينما يردد المسؤول الحزبي اهمية الأنتصار بالحرب التي تنوي امريكا شنها على العراق بدعم من ألأمبريالية العالمية وجهاز الموساد , سالت فوزي ولكن ماهو جهاز الموساد؟!
حدق مباشرة في عيني وقال

: بالتأكيد انه ليس جهاز العروس!!

تضايقت بعض الشيء فقد ادركت انه يسخر مني

: لاتزعل انا مهموم , ياسيدي , هو المخابرات ألأسرائيلية

اندفع الدم حارا الى وجهي وسرت في كياني موجة خوف , ولكن يقينا تشبث في عقلي ان فوزي الحمداني ( موضع ثقة )


اما اشرف خريج الآداب فعلى العكس , كان يميل الى الهذر والمداعبة ولايترك مناسبة دون ان يعلق عليها بشكل مرح كما لم يكن يخفي كراهيته للمدرب ويختلق النكات حول تصرفاته,
احيانا ياخذ وجهه طابع الكياسة التي لاتخلو من لؤم فتتصلب عضلات وجهه وتبدو عليه ملامح قاسية

بخلاف اليومين الأولين لوجودنا في المعسكر حيث كانت لقاءات الأستراحة في المطعم تتسم ببهجة مرحة , كان وجوما مشوبا بالضيق يرين على الحاضرين جراء الأرهاق ولهذا اختفت التعليقات التي تعكس روح الشباب واصبحت حركتهم ملولة وفي نظراتهم تأملات عميقة وكأنهم يستشرفون مستقبلا مجهولا تثقل هواجسه على ارواحهم بقوة وحينما تعبر فوقهم بعض اسراب الطائرات ألامريكية يعلق فوزي بهمس : لن تكون الجبهة بعيدة !!!

ويرد اشرف وهو يغمز متلائما : لا , ستكون هناك جبهة عريضة !

واتساءل : اين ؟

فيقول بجدية وبفخامة : في منطقة شّله وأعبر!!

مجموعتنا تنقسم الى ثلاث فئات الأولى ممن لا يملكون ثمن الأمتيازات وهؤلاء هم ألأغلبية ولهذا ظلوا في المعسكر طوال مدة التدريب الأساسي ولم يسمح لهم بالنزول في اية اجازة لزيارة ذويهم وهم على العموم ألأكثر صمتا وفي عيونهم دائما نظرة شك ورغبة في العزلة وبالطبع فأنا منهم
اما الفئة الثانية فهم الذين يملكون القدرة على شراء الأمتيازات ومنها الخروج من المعسكر مساء والعودة في الصباح الباكر لحضور عملية التعداد وهذه المجموعة اكثر ثقة بالنفس ويتصرفون بشيء من التعالي وبحكم خروجهم اليومي فهم لايملكون علاقات وطيدة مع الآخرين
والفئة الثالثة وهي عموما ألأصغر عددا , من الذين يتعمدون الهروب ليلا كلما سنحت لهم الفرصة وهم يتمتعون بروح غير منضبطة وألاميل للدعابة والأكثر حضورا اذ يقدمون بين آونة واخرى الحلوى وبعض المكسرات في الليالي التي يمتنع عليهم سبل الهرب ويستعيضون عنه بخلق جو من المرح والغناء نضطر معه على الرغم من الأرهاق الى الأنصات وكنت اشعر بالراحة وانا مندس في الفراش حين يغني جرجيس ( كم يردلي ) بصوت ثابت ورخيم ولكن على نحو لايخرج من باب( الثكنة ) , وحين يردد (سمرة قتلتيني ) كنت احس اني اعود الى السوق والى النظرات الحيّة للصبايا وهن يقلبن الخضرة وانا اقلب الف فكرة برأسي المضطرب, فكر تخلقها احلام المراهقة وغموضها بفطرية عفوية فيما ينساب صوت الغناء بشجى تعمقه رنة حزن خفية ليخدر مشاعري فأغفو على التعب وكأني اغوص في مغارات مجهولة تسلب مني كل ماتبقى في الذاكرة .

تم توزيعنا على الوحدات ونقل فوزي الى ورشة اصلاح العجلات في ذات المعسكر وبالطبع فان مثل هذا الموقع يتمناه الجميع اما انا واشرف فقد تم تنسيبنا الى احدى وحدات المشاة قاطع العمليات الشمالية وتم منحنا اجازة قصيرة لمدة ثمان واربعين ساعة .

كان الربيع قد كسى التلال والوديان في (الموصل) خضرة بهيجة فتبدو وكأنها تبتسم بشئ من المرح العابث فيما تتمايل ازهار شقا ئق النعمان الحمراء الرقيقة بغنج وهي تلامس ورود البابونك البيضاء المبتسمة كعيون الأطفال وهم يتأرجحون في اراجيح العيد فيما تلتمع الحشائش المبتلة من زخات المطر من سحب عابرة أو بسبب الندى الذي يترك ايضا قطرات لؤلؤية تتشبث بالأوراق المتدلية حتى الظهر حيث تتدحرج الهوينا الى الأسفل, وعلى الشجيرات المتباعدة تختبئ عصافير فرحة بالربيع الجديد .

شعر وهو يجتاز شوارع المدينة بسكون غريب يملأ جوانحه بعد الأيام المجهدة في المعسكر والتي دفعته الى الأحساس بأن هذا العالم الصغير يتحرك مستقلا بذاته والمجندون يتصرفون بآلية وكأنهم مجموعة منفصلة عن المجمتمع الذي جاؤوا منه فقد بدا وكأنهم قد نسوا انهم لا زالوا يتمتعون بقدر محدود من الحرية , يسارعون منذ الفجر الى المطعم الصغير ليتناولوا كوبا من الشاي وقليلا من الخبز الجاف ومن ثم يتوجهون بآلية الى ساحة التدريب .

في الطريق النازل من الشارع العام الى كتف دجلة كانت المنطقة ورشة عمل فهنا وهناك تتكدس مواد البناء وتتصاعد ضجة العمال الذين يتحركون بعصبية وهم يقيمون جدارا او يحفرون اسس بناء جديد فيما تتحرك سيارات النقل مثيرة ضوضاء تملأ المكان و تترك آثارا على الطريق الطيني الذي بدت واضحة عليه التحولات الجديدة , احس ان الناس يهربون من المدينة على عجل الى منطقة جديدة ربما لم تؤشر بعد على خرائط الحرب القادمة بالتأكيد لن تكون قرية مستقلة لأن القرى يسكنها اناس يرتبطون بعلاقات عائلية وقد يكونون من (عشيرة ) واحدة اما هذه المنطقة الجديدة فستكون حيا آخرا , امتدادا للمدينة وسكانها من منحدرات مختلفة ففيهم الضابط الذي منح مكافآت متلاحقة ورجل ألأمن الذي جمع ثروة من التوسط لأطلاق سراح بعض المعتقلين الذين ربما هو من وشى بهم , وكذلك بعض الجنود من سائقي السيارات الذين دخلوا الكويت لنقل (الموجودات ) الكويتية مع اللجان المختلفة التي كلفت في حينة بالمهمة لصالح الدولة والتي اشرف عليها الحاكم العام للكويت , عرف منهم عبد المجيد الذي كان يعمل في السوق عاملا في مقهى الحاج أبو نزار ثم اختفى لأكثر من سنتين وعاد ليشتري مطعما قديما ويعيد ترميمه ولكن احدا لايعرف من اين جاء بالثروة !! كان كثير الحركة تدور عيناه بخبث وكأنه يحاول ان يخفي عن محدثه مايدور في ذهنه من افكار
لحظ ان الذين يوجهون العمال ويتخذون هيئة أ صحاب الملك من الشباب وربما لم يتجاوز اكبرهم سن ألأربعين وهذا مغاير لما كان يراه وهو يدفع بعربته الى السوق فقد كان المالك عادة رجل كبير في السن يوجه العمال بتؤدة ويتكلم في الغالب مع المقاول او مع ( أسطى ) البناء
وعلى العموم لم تكن حركة البناء تدلل على ان هناك اية موافقات رسمية اذ كانت تجري بشكل عشوائي فلم تكن المسافات محكومة باية ضوابط ولهذا بدت الأبنية على خط متعرج كما انها مختلفة بشكل صارخ فبعضها اقرب الى الفلل العصرية في حين بدت الأخرى كأكواخ بسيطة مما في المزارع لقضاء العطلات

شاهد بضعة ارانب خائفة تهرب بكل الأتجاهات تبحث عن ملجأ امين بعد ان كشفت مكائن حفر الأسس مخابئها , على الطريق كان ارنبا رماديا يتطلع بلا مبالاة كأنه يئس من الحياة وقررأن يستسلم بهدوء , مد يده اليه بحذر ولكنه لم يبدي اية ردة فعل خائفة كما هي الأرانب المذعورة دائما , كان الأرنب يتطلع اليه بعينين بدا انهما مغرورقتان بالدمع

: سنكون اصدقاء

مسح على ظهره وحمله الى البيت

بحث عن ابيه في الدار ولكنه لم يكن في غرفته يدخن انتقل الى الملحق الطيني الذي بناه بامتداد الدار الأصلية , غرفة واسعة في نهايتها , عند الشباك ألأزرق , سرير حديدي وفوقه كانت مرتبة من الصوف مطوية بعناية ولكنه فوجئ بحمامة تنفلت بسرعة وعلى افريز الشباك كانت بيضة وحيده موضوعة فوق حزمة من القش اجتهدت الحمامة بحياكتها عشا لصغيرها

في نهاية المزرعة كان ابوه يجلس مجهدا عيناه ساكنتان لاتعبران عن أي شيء وهو يرنو نحو النهر فيما عبرت طيور مهاجرة نحو الجنوب , بدا انه لم ينتبه الى سمير

: السلام عليكم

التفت ابوه , كان التغضن في وجهه ألأبيض الشاحب قد حفر اخاديد عميقة وبد ت لحيته اقرب الى اللون الأزرق المعتم

: اهلا , هل انتهى التدريب ؟!

: نعم وعندي اجازة ليومين
: وبعدها !

: سألتحق بوحدة مشاة

لم يسأله اين فالجيش سيحارب في كل مكان لأن ألأمريكان سيدخلون من ثلاث جبهات كما قال احد العسكريين المصريين في اذاعة (مونت كارلو )

: هل أساعدك ؟

: لا لقد انتهيت, هل ترغب ببعض الشاي!

: لا , لقد شربت في المعسكر مايكفي حتى الشهر القادم ! الشاي هو الوحيد المتوفر دائما

كان صوت مضخة الماء يصدر ازيزا مستمرا على نحو أشعره بالضيق وبالتوتر لأنهم مضطرون الى تشغيلها طوال النهار بسبب انخفاض طاقتها , لم يستطيعا شراء مضخة اكبر فألأسعار ارتفعت ومردود مبيعات الخضرة والبيض ولبن الماعز لاتكفي ولهذا كان دائما بدون متطلبات محاولا ان يخفف عن ابيه .
حين بدأ المساء هطل مطر غزير على الأرض الندية المشبعة بالماء وسرعان ما تكونت برك صغيرة , في الغرفة الحجرية الكبيرة اشعل ابوه حطبا جافا في (المنقلة ) الحديدية انبعث عنه دخان كثيف واصبح الهواء ثقيلا منهكا ولكن البرد الذي شمل الجزء الغربي من( الموصل)الممتد على دجلة والمفتوح على الجزيرة لم يترك لهما خيار فتح الباب واكتفيا بفتح الكوة الصغيرة في اعلى الجدار فاند فع الدخان الى الخارج كأنه يخرج من قمقم مسحور

: أين ستكون خدمتك ؟!

: في الفرقة 16لواء المشاة الثالث .

: اعني هل في الموصل؟

:اعتقد انها في موقع قريب لأنها في قاطع الموصل كما اخبروني

أجاب وهو يستشعر الراحة فقد انتهت التدريبات الشاقة والزحف في برك الوحل , انه ألان جنديا يمكنه ان يلبس الزي العسكري نظيفا وان يصبغ الحذاء ويحاذر من تلوثه بالطين في الطريق الى المعسكر , بدأ الهواء يصفو قليلا, كنت احلم , عدت ثانية الى أبي

: اعرف ان الوضع سيكون قاسيا عليك ولكن ادعو الله ان تنتهي الحرب بسرعة واعود لمساعدتك


: ستنتهي بسرعة !

قال ذلك وهو يتطلع الى سحابة من الدخان , كانت تتلوى وهي تخرج لتتبدد , وكأنه عراف يستشرف رؤيا تشخص امامه

ثم تابع : ان الله لاينسى عباده! ان نصف المنتوج ابيعه الآن في المزرعة لعمال البناء والساكنين الجدد والنصف ألاخر أبيعه بالجملة لمتعهد يعمل مع الجيش , العمل يشغلني عن التفكير ويوم الجمعة يمدني بالقوة بعد الصلاة في الجامع.

صمت وهو يتطلع نحوي , كانت اجفانه تتثاقل , اسند ظهره الى الحائط ومدد رجليه فأسرعت لوضع الوسادة وراء ظهره

قال : وانت هل بدأت بالصلاة ؟!

: لا , ربما في المعسكر ٍسأفعل ذلك

: يهديك الله!!

كان صوته متعبا

قلت : سأتركك لتنام وسأذهب الى غرفتي وغدا لدينا حديث طويل وستستمع الي وانا اعمل فقد اشتقت للأرض والى رائحة الخضار واصوات الدجاج , لقد حصلت على ارنب , كان واقفا على الطريق وكأنه بأنتظاري , هل تدري انه اعطاني فكرة تجارية , لماذا لا نربي ألأرانب , ان تكاثرها سريع ولها سوق في المدينة ؟!!

: لتنام الآن وغدا سنتحدث طويلا


الفصل الثاني



باصات وسيارات( المني باص) الخاصة بنقل الركاب تدخل الان الى مايقرب من ثلاثة ارباع الطريق الى الكتف فالمنطقة تشهد عمرانا سريعا وعلى طول الطريق كان هنالك صبية يتدافعون ويترا كضون بضوضاء وصخب في طريقهم الى المدارس فيما كانت بضع عربات لباعة اطعمة تأخذ مكانها عند تجمعات العمال الذين ينتظرون دورهم للذهاب الى العمل.

قال اشرف: واذا فقد جئت في الموعد , هذه علامة جيدة !

كان قد اتفق معه على ان يذهبا سوية الى المعسكر للأ لتحاق بوحدتهما , كان اشرف يساعد ابيه في خدمة الزبائن في المطعم الصغير الذي يملكه

: لقد ورث ابي هذا المطعم عن ابيه ولم يكن في هذا الشارع غيره وهو الآن يتمتع بشهرة واسعة بعض زبائننا يواظبون على شراء ( الباجة ) كل يوم جمعة منذ سنوات طويلة وبعض الموظفين يأتون مبكرا , ربما قبل الخامسة صباحا ليفطروا, ابي ينهي العمل في التاسعة صباحا, قد تتاح لنا فرصة اخرى لتتذوق (باجة ألحدباء)

قلت مشاكسا: لن أحتاج الى برهان انك موصلي !

ضحك بمودة وقال : سنكون اصدقاء

الربيع يغادر الموصل مبكرا فعلى طول الطريق الى المعسكر , كانت التلال تشهد استرخاء ازهار شقائق النعمان الحمراء على سويقاتها الرقيقة وكأنها تتطلع الى ألأرض باستحياء بعد ان كانت تقف بدلال فاتحة قلبها لندى الصباح , وبأمتداد تموجات ألأرض كانت الخضرة الزاهية تنحول ببطئ الى لون اشهب فيما كانت الشمس تتسلق الفضاء بقوة مؤكدة سلطة لاحدود لها على الأرض , كان والده يكرر وهو يرفع بعض الأعشاب والعوا لق من السواقي الصغيرة ليسهل تدفق المياه ,
( الشمس هي اصل الحياة ) وحين هبط في اعماق دجلة متشبثا بالطين باذلا جهده كي لايرتفع الى السطح كانت الظلمة فضاء ضيقا ومرعبا ولكنه لم يخف تذكر انه لن يستطيع ان يعيش مع (الجنية عروس الماء ) اذا اخذته معها لأنه لن يكون هناك شمس تتخفى وراء السحب ثم تظهر قوية لتمد الحياة بالديمومة, هو لن يتعرض للموت في ألأعماق والظلمة , وبدون الشمس , ربما سيتجمد , وقد يعود كأهل الكهف الذين تحدث عنهم معلم الدين , سيعود بعد سنين طويلة, لن يجد امه او ابيه ولا حتى معلم الدين !

قال اشرف : الكون متحرك بذاته !

لم يفهم شيئا ولكنه لم يسأله , وعلى سفح التلة شرقا انقض صقر بري على فريسته , وقف يتلفت ثم ابتدأ بالتهام حمامة رصاصية اللون تناثر ريشها

قال اشرف : هل جرجيس معنا ؟

: نعم ولكن لماذا تسأل عنه وليس عن فوزي ؟!

: لأن الليالي الطويلة تحتاج الى الصحبة المرحة

: ولكن جرجيس ليس مرحا

: هل هناك مرح اكثر من الغناء؟

لقد وجدت في اجابات اشرف القصيرة والدقيقة والمباشرة اسلوبا اخذت به وقررت ان اكون اكثر يقظة لأتعلم منه

: تقول انك تركت المدرسة وانت في الرابع ثانوي

: نعم

: لماذا؟

: لأن ابي يحتاجني في المزرعة , نحن نعيش انا وهو فقط فقد توفيت والدتي وليس لأبي اخوة وانا الوحيد , لم يقبل بالزواج , لم اتحدث معه بألأمر ولكني سمعته مرة يجيب صديق له انه لا يستطيع تحمل اعباء الزواج وانه يفضل ان يقبل بقسمة الله

بعد يومين في معسكر لواء المشاة شعرت بخيبة امل فالحياة هنا لا تختلف كثيرا عنها في مركز التدريب فالنهوض الصباحي المبكر والتدريبات اليومية تتكرر ذاتها وألأمر الوحيد الذي يجري التركيز عليه هو الندوات اليومية للتوجيه السياسي وألأصرار على اقناعنا بالأنتساب للحزب , قلت اني لا استطيع استيعاب السياسة ولا احب القراءة واني تركت المدرسة لهذا السبب ولكني مؤمن بالرفيق القائد حفظه الله ورعاه كما اني مؤمن اننا سننتصر على قوى الشر مهما كانت لا لأننا احسن منهم في السلاح وفي التدريب ولكن لأن معنا الرفيق القائد الذي وعدنا بالنصر , ضحك نائب الضابط عبد الستار الدوري الذي يحمل عينين نظراتهما توحي بالزيف ووجها مصفحا يبعث فينا برودة تصل الى التجمد, قال بارك الله فيك , كنت وانا احدثه على وشك البكاء حبا بالرفيق القائد!!
قال لي اشرف : وانا اقول بارك الله فيك ورعاك !!

بدأت الطائرات ألأمريكية تكثف طلعاتها فوق المنطقة وبدأنا ننشد في تمارين الصباح أغان في تمجيد القائد وأصر عريف حضيرتنا على أن نرفع اصواتنا بأقصى مانستطيع وان يترافق ذلك مع الضرب بأقدامنا على الأرض بقوة وعزيمة تثبت اننا رجال قلت لأشرف

: البغال تستطيع الضرب اقوى!

: لقد بدأت تتعلم بسرعة !!

قال اشرف ذلك وهو يميل نحوي ليهمس
: أنت شرير كبير !

ابتسمت معطيا وجهي انطباعا لامباليا وساذجا

: ولكن انتبه فهم قادرون على استخراج مصارينك للتأكد انها لا تحتوي على فايروسات ضارة !

أصيب اشرف بنوبة برد شديدة , طلب منه الموظف الصحي في ادارة الفوج ان يبقى في الفراش طوال النهار , شعرت بالملل اثناء التدريبات ولكني لم استطع العودة الى مهجع النوم بعد تدريبات الصباح فقد طلبوا منا ان نستعد لأستقبال قائد الفرقة وان نثبت اننا مستعدون لكل المعارك وان الطائرات والصواريخ الأمريكية لن تنال منا , كان أحد الضباط يوجه حديثه الى لواء المشاة الثالث بواسطة مكبر صوت يدوي وبجانبه ضابط التوجيه السياسي الذي كان يهز رأسه مؤكدا فيما يقف آمري ألأفواج في مقدمة وحداتهم رافعين رؤوسهم على نحو متصلب , المبدأ يقول الجندي الجيد هو المشدود دائما وبثبات مؤكدا انه مشروع استشهاد من اجل الوطن والقائد
كان قائد الفرقة يضع على كتفيه اكبر كمية من النجوم التي رأيتها في حياتي وعلى صدره نياشين ملونة لا ادري كم من المعارك الظافرة خاضها ليستحقها , كان حذاؤه ألأحمر لامعا وبدت شواربه الحمراء كأنها صناعية من دقة تنسيقها , يمشي في المقدمه وعلى مسافة خطوتين وراءه كان آمر الفوج الرائد صالح أبو العافية يضفي على ملامح وجهه انطباعا بالخضوع وابتسامة ذليلة, استعرض قائد الفرقة الفوج بعد ان ادينا تحية القادة وتطلع الى صفوفنا بكبرياء واقفل عائدا دون ان يبدي اية ملاحظة
في المهجع استلقى ارشد مهموما , لم يكن ذلك بسبب المرض فأنا اعلم انه لايحب ان يشاهد المسؤولين عادة
: كيف حالك ؟!

: لا بأس

كان في صوته رنة خوف غريبة استثارت فضولي

: هل المرض خطير!

: لا , ألأمر ابعد من ذلك

: كيف... ماذا حدث ؟

: مشكلة حقيقية لم تكن في الحسبان

: لقد اقلقتني !

: كنت اتناول بعض الجبن والخبز الذي وضعته امي في حقيبتي حين دخل نائب الضابط شلش من شعبة التوجيه السياسي ليفتش المهجع كعادته حين نخرج للتدريبات الصباحية وكمجاملة دعوته ليتناول معي شيئا من الجبن , شكرني ولكنه حدق طويلا بالجريدة التي كان الخبز والجبن ملفوفا بها, كانت الجريدة تنشر صورة للرفيق القائد في اعلى صفحتها الأولى

قال بنبرة استنكار : ماهذا ؟ هل بلغت بك الوقاحة ان تلف طعامك بصورة الرفيق القائد؟

أخذت على حين غرة وارتج علي القول فالتهمة بالغة الخطورة

قال : هيئ نفسك للجنة التحقيقية الساعة الخامسة مساء

لم ينتظر ردي واستدار خارجا , لم اكمل طعامي , اشعر ان مصيبة ما تنتظرني

: ليس الأمر بهذا السوء , سأغسل وجهي وبعد الشاي سنفكر سوية

شعرت ان ما أقوله مهم , مشيت بثقة الى المغسلة ثم الى ( الكانتين ) في الباحة ألأمامية وعدت بكأسين من الشاي ألأسود المغلي منذ الصباح

: انت قمت باستخدام الجريدة عامدا وعارفا بأن فيها صورة الرفيق القائد !

: اين الحل في هذا , انت تريد أن اختفي !!

: لا , صبرك قليلا .. القائد هو نعمة الله والخبز هو ايضا نعمة الله ولهذا فانت لم تدنس الصورة !

: ولكن هذه حجة ساذجة

: اعرف ذلك , ألا تقول دائما لكل مقام مقال , وارى ان المقام هنا ملائم تماما

كانت اللجنة تنظر بعض القضايا وحينما دخل كانوا يقرأون اوراقا امامهم

قال النائب ضابط : نعم اشرف

: نعم سيدي

: موضوع استخدام صورة الرفيق القائد

كان الجو العام في المعسكر ينذر بخطر يتزايد مع زيادة الطلعات الجوية للمقاتلات الأمريكية وتزايد حركة المقاتلين الأكراد على التلال المقابلة وقد أصبحت اوامر التدريبات اليومية تلقى علينا بلهجة متشنجة تنم عن نفاذ الصبر وغدت العقوبات شديدة القسوة ولأتفه الأسباب

اللجنة سيئة الصيت تتكون من ثلاثة اشخاص ملازم اول مسؤول التنظيم الحزبي وهو شاب متعجرف ومغرور , تكون لدي احساس بأنه لايحمل اية مؤهلات فكرية ويتدارى وراء ابتسامة بلهاء وصمت عاجز ونائب الضابط مسؤول ( قلم ) التوجيه السياسي في الأربعينات قاس جدا وصلف ويميل الى الحاق الأذى بمن يوقعه سوء الطالع امامه بقضية تحقيقية أما الثالث فهو مدني من تنظيمات الحزب في المنطقة يتطلع نحوي بعينين كابيتين وباردتين كأنهما عينا سمكة خرجت من الماء منذ بضعة ساعات في يوم صيفي حار , لم تكونا ماكرتين ولكنهما على درجة كبيرة من اللؤم , نحن في الموصل قليلا ما نأكل السمك وانا بالذات لم اتناوله ابدا , كنت في المطعم حين حضر رجل من الجنوب عرفت ذلك من ملابسه والكوفية المنقطة ,طلب صحنا مضاعفا واشترط ان ازيده بلسان على ان يكون محمرا بعض الشيء , كان يأكل بشهية , قال ( للمرة الثانية في حياتي احضر للموصل ) قلت له ارجو ان تعتاد الحضور , قال ان ولده مهندس مناجم في كبريت المشراق وقد احضر له من سمك العمارة , بني وكطّان.

:أنتم مولعون (بالباجة ) ونحن مولعون بالسمك!

: هل تصدق اني لم اذق السمك , اشعر وانا اتطلع اليه بالضيق وكاني على وشك الأختنا ق

اصر ان يعطيني سمكة , قال علي ان اشويها بالتنور ولكني رفضت بقوة

: ماذا تقول يا أشرف , لماذا فعلت ذلك ؟!

اعتقد اني بذلت مجهودا كبيرا كي اعطي لنبرة صوتي شحنة من الصدق والسذاجة

: الخبز ياسيدي نعمة الله والرفيق القائد حفظه الله ورعاه نعمة الله ايضا

تطلع الثلاثة نحوي , تحركت العينان الكابيتان اولا وابتسم الملازم ببلاهة ولكن النائب ضابط تقلص وجهه , شعرت بالخوف حد التعرق وخشيت ان يشم المدني مسؤول التنظيم الحزبي في المنطقة رائحة خوفي وان يستثيره ذلك تماما كسمك القرش حين يشم رائحة الدم في الماء

حين خرجت كنت اشعر بظمأ شديد

0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000

: كل مايجري جنون مطبق !

قال فوزي ونحن في مقهى جمال ابن الملا بعد ان قدم لنا اشرف وجبة (باجة ) مجانية وفاء لوعده بأن نتذوق باجة الحدباء

: الجنون حالة مرضية , ألا تعتقد انه يمكن معالجته ؟!

قال اشرف بلهجته التي يمتزج فيها الهزل بعدائية مأزومة بالأحباط ولكني لم استوعب ماقالاه كنت مأخوذابالكلمات التي تحمل ايحاء مواربا
كاسات الشاي يتصاعد منها بخار خفيف وفي الشارع بعض المارة ومقهى جمال ابن الملا لايزال ينتظر رواده وزبائن باجة الحدباء يحتسون الشاي في المطعم, اهتزت الطاولة وتموجت سحابات البخار حين عبرت السماء ثلاث طائرات على ارتفاع منخفض.

لم يطرأ تغيير كبير على المدينة وتواجد بضع عشرات من الشرطة المسلحة لم يكن غريبا يستدعي الأنتباه كما ان تزايد اعداد الحراسات لعناصر الحزب في الأزقة والشوارع لم يبدو غريبا لأنهم عادة ما يملؤون المدينة عند بوادر اية ازمة سياسية , ولكن الملفت للنظر كان في كثافة التحركات العسكريةعلى الشوارع الخارجية وكثرة التغييرات في مواقع الوحدات العسكرية

: ولكن هل سيشملكم النقل؟

قال أبي ذلك ونحن نتناول الطعام في الساحة الأمامية لمنزلنا

: ربما فقد وصلت اشاعة الى ان اللواء قد ينقل الى بغداد لتعزيز القطعات هناك ويقول فوزي ان المعركة الرئيسة ستكون في العاصمة وستكون معركة مدن حيث يتم التركيز على المشاة والقوات الخاصة .

لم يعلق ابي واكتفى بتنهيدة عميقة ونهض ليغير مجرى الماء

قال فوزي : قد لانلتقي مجددا ولهذا سنحتفظ بذكريات هذا الصباح الجميل وكرم اشرف والصحن الشهي لباجة الحدباء!

لم يترك لأشرف الأحتجاج على دعابته وتابع

: المهم ان تتذكروا ان الحرب هذه المرة مختلفة تماما وهي كما يقول ألأنكليز تذكرة لسفرة واحدة!
كما انها لن تكون في اسلوبها مشابهة لحرب الكويت , اما مايقوله جنرالات الهزائم العربية فهو مجرد لغو فالحرب غير متكافئة بكل المقاييس ونحن نعاني من خلل فاضح في هيكل الجيش نفسة كما ان الشارع لا يعكس حقيقة مشاعر الناس الذين لا يدينون بولاء الحب للقيادة وانما بولاء الخوف الذي سينتهي قطعا عند زوال الأسباب

شعرت بالخوف فقد كانت الكلمات التي اسمعها مثل زخات رصاص طائش , انكمشت وانا اتلفت بين الشارع الذي بدأت الحركة به وكراسي المقهى التي لازالت فارغة عدا الكراسي المرصوفة الى جدار المقهى
اتسعت عينا اشرف وبدا فضوليا ومهتما الى سماع المزيد

: هل هذه آراء الوالد؟!

كان ابو فوزي عقيدا في الجيش وحصل على الماجستير في العلوم السياسية من كمبرج بعد اعفائه من الخدمة بسبب خلافه مع مسؤول التنظيم الحزبي في وحدته حول رفضه السماح للجنود الحزبيين بألأعفاء من التدريبات الصباحية .

كاسات الشاي انتهت والأجازة القصيرة لاتغطي الفترة اللآزمة لأنجاز احتياجاتنا وعلينا ان نسرع الى دورنا

شعرت وانا في الطريق الى البيت اني قد تخلصت من كابوس قاس فقد كان حديث فوزي وايماءات اشرف خطيرة وكنت اغالب خوفا يقبض على قلبي , وامامي في مطعم الحدباء كان احد رفاق الحزب يتناول طعامة بتؤدة فيما تدور عيناه بكل اتجاة وشعرت انه قد يسحب القلم المعلق في الجيب الصغير في اعلى اليد اليسرى ليكتب تقريره الصباحي عن حديثنا( امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ) ثم تبدأ المعلومات وبعدها لن يكون لنا من أي أثر
قال والدي : هل ستظلون في الموصل؟

فكرت بما قاله فوزي ان الجبهة الشمالية لن تشهد حربا حقيقية بسبب موقف ألأتراك! ولكني لم اكن اريد الدخول بالتفاصيل التي اجهلها , لماذا لم توافق تركيا على السماح للقوات الأمريكية بالدخول , قال اشرف لاشك ان ألأمر خدعة كبيرة ! ولم افهم على وجه الدقة هل هي خدعة ام ان ألأنراك يتعاملون مع الأمر بأعتبارهم مسلمين

: حتى ألان نحن باقون !

: كنت ارغب ان تتزوج !

: لااعتقد ان هذا من الممكن ألان وعلى العموم هل سمعت ماتقوله الفتيات هذه ألأيام ؟

: عن ماذا ؟

: عن الزواج ... كن يتندرن فيقلن (( لو ملازم لو ملازم )) ولكنهن يقلن الان ( لو مدرس لو ماأعرس) انهن يرفضن الضابط ويطلبن المدرس لأنه لن يذهب للحرب وابنك لا ضابط ولا مدرس فهل تعتقد ان هناك من تقبل به ؟

ابتسم والدي وكانت هذه اشارة طيبة

: اخزى الله شيطانك ! كان الجميع يدفع بابنائه الى الكلية العسكرية كان الضابط لايتعب في ان يجد عروسا ... تغير كل شيء

صمت وهو يدخن ببطئ

: بألأمس جاء فريق من الضباط وكشفوا على الكتف صعودا الى الشلالات وبعد الظهر قامت الجرافات بتسوية الأرض وحفروا بضع مواقع بامتداد النهر وقد اخبرني احد الجنود العاملين وهو يشرب الشاي معي انهم سينصبون مضادات ارضية ومنصات لأطلاق صواريخ ارض - جو , من حسن حظنا ان المزرعة خارج هذا الترتيب

الخريف هذه السنه له نكهة خاصة فقد بدا مصرا على الحضور المبكر والرياح الشمالية كانت جافة وشديدة البرودة واشجار البرتقال بدت اوراقها كابية اما دوالي العنب التي لاتخلو منها البيوت والمزارع فقد نفضت اوراقها وظهرت اغصانها داكنة فيما كانت القشرة يابسة تتخللها شقوق كثيرة

في الليل كانت تسمع اصوات اطلاقات متفرقة واحيانا زخات من رشاشات ثقيلة وكأنها تؤكد وجود السلطة وعلى( الكتف ) كان الجنود يتطلعون الى دجلة بصمت واحيانا ينصتون الى بعض ألأغاني التي تخترق سكون الليل الثقيل وقد تضيع في صوت الرصاص المنطلق نحو الطائرات التي تعبر السماء على ارتفاعات شاهقه ويأتي صوتها متوعدا ينشر حزنا غامضا في الشوارع الخالية وفي البيوت التي يغفوا سكانها بانتظار عودة ابنائهم , كان الشباب اما في الخدمة العسكرية واما في مجاميع الجيش الشعبي يضغط الخوف والبرد والوحدة الموحشة على قلوبهم

كانت لقاءاتنا , فوزي واشرف وانا يشوبها الم ممض حين يبدأ فوزي بتحليل الوضع العسكري ويصمت اشرف وأحاول انا ان اتابع الحديث الذي بدأ يستهويني

قال فوزي : سمير اذا ما انتهت هذه الحرب العبثية على خير عليك ان تمتحن (خارجي )
ابتسمت بخجل فانا على يقين انه كان يحاول ان يرفع من معنوياتي

: ان شاء الله
قال اشرف : سأساعدك
شعرت بشيء من السرور

بدأت بعض الغارات المتفرقة على منصات اطلاق الصواريخ والمضادات الجوية وفي موقع قريب كانت ألأصابات مباشرة ولاحظت ان النائب ضابط في التوجيه السياسي كان منقبضا وفي عينيه نظرات حائرة وهو يحاول ان يعطي صوته شحنة من التعاطف وهو يتحدث مع الجنود الذين بدوا متشنجين امام هذه التحولات التي لااحد يعرف الى اين ستنتهي وعما اذا كان عليهم ان يظلوا على وضعيتهم الرخوه واللينة لأمتصاص غضب وخشونة جماعة التنظيم الحزبي في التعامل اليومي

قال أبي: يبدو ان الحرب قادمة وعلينا ان نبدأ بشراء المواد الغذائية فقد يتعذر الخروج !

كان فوزي يؤكد ان الحرب ستكون قصيرة وربما خاطفة لأن جيشا تبلغ نسبة الهروب به الى اكثر من اربعين في المئة لايمكن ان يصمد في حرب جدية لاسيما والعدو هو امريكا , تذكر ماأشيع عن الرئيس المصري حينما قال , دي امريكا ياعم

قال ابي : هذا قدر الموصل , لقد كان يحدثني جدك عن المجاعات التي تعرضت لها المدينه في تاريخها بسبب الحصار الذي كانت تفرضه القوى المهاجمه

كان اشرف يحدثنا متفاخرا بأن في منزلهم اكبر سرداب يكفي لنوم كامل العائلة في الصيف والى خزن كميات كبيرة من التموين , جرار الجبن ,اللحم المدخن , زيت الزيتون , البقوليات , فكرت ولكن اين سيخزن ابي المواد التي سيشتريها ؟! لو كانت امي على قيد الحياة لحفرت لنا سردابا في المزرعة , كم مهم وجود امرأة في البيت ! حسنا ان بيتنا بدون امرأة , ام ,اخت , زوجة أو حتى قريبة , سيكون بينا يفتقد الدفء , انها فتحة, في غيوم الشتاء الثقيلة, الى السماء الزرقاء الواسعة والبهية والواعدة بالشمس , قلت لكم انها الدفء ولا ادري كيف يمكن ان تنقضي ألأيام في بيت ليس به امرأة , سمير فكر بهذا جيدا وبالطبع يمكن ان يحل ابوك هذه ألأشكالية !!

قال ابي : لو كنت قد تزوجت لساعدتني امرأتك ولكنك رفضت

: واتركها وحيدة ! لماذا لاتستأجر عاملا معك سيما وان وضع المزرعة جيد ومعظم المنتج يباع مباشرة للسكان الجدد الذين يفضلون شراء الخضر مباشرة وهي طازجة

: وانا ايضا افكر بذلك فالمنطقة اصبحت عامرة وكل يوم تضاف اعداد جديدة من السكان , ولكن الغريب في امرهم انهم جيران غرباء الكل يتجنب الكل وكأنهم مثلي في مزرعة تأكل النهار حتى النسوة نادرا ما يتحدثن مع بعضهن , ربما غيرالزمن من طباعهن ! الحزن كالعليق يمتص الرغبة في الحياة

لم اعلق على حديثه كنت افكر بدعوة الغداء التي وجهها فوزي لي ولأشرف , في دارهم, وكنت مترددا في الذهاب لأني لا املك بنطالا وسترة وعلى الدوام كنت ارتدي ( الدشداشة ) وسترة سوداء اشتريتها من دعدوش أبو باله , ربما لايسمح الوقت بشراء بنطالا فمساء اليوم نفسه علينا ألألتحاق بوحداتنا, ولكنه قرر ان يحاول فالسوق قريب والنهار في اوله

: اريد بعض النقود لأشتري بنطالا فانا مدعو الى بيت صديقي فوزي وليس من المناسب ان اذهب بالدشداشة او بالملابس العسكرية

تطلع نحوه ابوه بشيء من الدهشة

: كم ؟

: خمسة آلاف !

فكّر انه لم ينتبه الى هذه المسألة , ان يرتدي بنطالا, لقد تركه منذ أن ترك المدرسة وكان قد شعر بالراحة حينها وهو يرتدي الدشداشة وكأنه يحقق رغبة ذاتية بالتحرر مؤكدا ان عهد المدرسة قد انتهى , ولكنه ألان يفكر بما قاله فوزي , لماذا لا يمتحن ( خارجي ) وبالتشجيع المباشر لأشرف وبالكوة الصغيرة التي ابتدأت تنفتح ببطئ في ذهنه على سماء زرقاء بدأت مشوشة في البداية ولكن صحبة ستة اشهر مع الصديقين عملت على فتح ممرات نحو فضاء مضيئ بخضرة غضة تمتد الى سماء بهية الزرقة , اعطاه فوزي بضعة كتب ليقرأها في ليل المعسكر الطويل , كانت في البداية قصصا وروايات عن اناس وعوالم لم يسمع بها استهواه الوصف الدقيق للعلاقات الأنسانية بنقائها وكأنه عالم الطفولة وهو في حضن امه حين كانت تحدثة عن ابنة السلطان التي احبت الخباز الذي كان يصنع ارغفة الخبز الشهية ويحملها الى بيتهم , ألف ليلة وليلة والعوالم السحرية الملونه التي تشرق على بغداد , وحين وقف عند حكاية ابو القاسم الطنبوري , قال اشرف مالها ؟ قال سمير , ليس من المعقول ان يكتب هذا المؤلف والسياسي قصة حذاء يتنقل في احياء بغداد بهدف الضحك !
ثم كتب التاريخ التي احب منها حكايات البطولة لأناس حاربوا الطغيان والظلم وتحدوا الشرطة وكل وسائل القمع , وكان فوزي يشرح له احيانا ويستمع هو بشغف حالم مأخوذ , ولكن من هو (نيتشة) فوجئ فوزي وقال له سيشرح لك اشرف من هو ( نيتشة) ! وان كنت اعتقد ان دور السيد نيتشة لم يحن بعد!! وحين تساءل ولكن لماذا نخوض كل هذه الحروب ؟ هتف اشرف ألان أنت على الطريق ! أي طريق ؟! قال مستفهما , المعرفة الحقيقية , قال اشرف , نحن ألان في طور التفاهم لأننا نتكلم لغة واحدة !

قال فوزي : ليس لدينا متسع من الوقت , لأننا يجب ان نلتحق بوحداتنا قبل السادسة مساء ولهذا سأنتهز الفرصة لنتحدث بما أردته من هذ اللقاء , كل منا يعرف ألاخر جيدا فنحن من مدينة واحدة وجمعتنا الصدفة منذ اكثر من ستة اشهر, توطدت فيها العلاقة بيننا ونحن مشتركون في نقاط عدة سلوكية وفكرية رغم بعض التباين وهو تباين طبيعي ولكن ألمهم ان كلا منا يمثل شريحة في هذه المدينة وهذه النقطة بالغة الأهمية فيما اتوخاه من حديثي !

قال اشرف : هذه مقدمة بعثية مرفوضة !

قام فوزي ليستلم الشاي من اخته التي لم ير غير كفها وسوا ر ا ذهبيا ثقيلا , نساء الموصل يعشقن الذهب ومن همومه انه لا يدري كيف سيؤمنه للمرأة التي قد يختارها مستقبلا , ربما ستكون قنوعة ! ولكن هل سيجد في المدينة كلها من ستقبل بسوار واحد , مديحة التي تحضر السوق احيانا حينما تمرض امها كانت تلبس ثلاث اساور , فهل ستقبل منه اسورة واحدة

قال فوزي : ما أقوله خطير لأنه يتعرض للسلطة , اني اعتقد ان أمريكا وحلفائها سيدخلون بغداد هذه المرة كما اعتقد ان المحتلين لايملكون اجندة واضحة أي انهم بدون خطة عمل لما بعد سقوط النظام وهذا سيخلق فوضى شاملة وسيحاول كل مغامر يمتلك مجموعة من المؤيدين التسلق لأستلام السلطة او نهب البلد , انتما تريان ان ألأمر بالغ الخطورة

حين صمت وهو يتطلع نحونا شعرت بمسار العرق البارد نازلا من رقبتي حتى قدمي , فهمت ان فوزي يطلب ان نشكل عصابة ونحارب في بغداد من اجل مكان ما في السلطة التائهة دونما صاحب!

قال اشرف بلهجة عملية : ماهو المطلوب ؟ فكرا ان أمامنا ثلاث ساعات لنكون في المعسكر !

قال فوزي: حسنا , اعتقد ان علينا ان نبدأ ببناء نواة لحركة سياسية منذ ألان وان ننشط في بلورة بيان سياسي تمهيدي لهذه الحركة مبني على مساواة العراقيين كافة في المواطنة وامام القانون وترسيخ ثقافة السلام والعمل على صياغة برنامج للتنمية الشاملة لكافة المحافظات على اساس مايملكه العراق من امكانات مادية هائلة وان نتعاون مع المختصين القانونيين في بلورة مشروع دستور ديمقراطي دائم , غير مطلوب منكم الرد ألان , عليكما التفكير بالموضوع وفي ألأجازة القادمة اسمع رأييكما !

شعرت ان فوزي في حالة وجدانية وكأنه ينشد تراتيل دينية تبعث فيه نشوة تجعل عينيه غائمتين بغموض فاتن وتعطي لهجته شحنة من الصدق والعفوية وكنت كأني اعرفه لأول مرة , قال اشرف ذلك وهما في الباص الى المعسكر
: هل تعتقد انه جاد ؟ وهل ستوافق على العمل معنا ؟

لم ينتظر اجابة سمير وكأنه يحدث نفسه تابع

: فوزي بطبعة جاد ويمتلك روحا قيادية كما ان لدية رؤية سياسية , وعلى العموم فان كل الحركات السياسية بنيت على المنوال ذاته وهي تحتاج الى الفكرة اولا والقيادة ثانيا والمؤمنين بها ثالثا وألأخيرة حصيلة جهود نظرية وعملية وستكون انت المعول عليه في هذه النقطة بحكم علاقاتك الواسعة في السوق وما سنخطط له من اشكال الأتصال بالناس , على هذه الشاكلة ستنمو الحركة, المهم ألأخلاص والجدية
كانت الطائرات المعادية تغير على اهداف قريبة فقد كانت اصوات الأنفجارات تسمع بوضوح وعبر فضاءات المساء الغائم كان وميض خاطف يعبر السماء ثم ينتشر دوي اصم شرس يمزق السكون المحاصر بالوميض المتوعد وبالدوي المدمر , قرأ آية الكرسي بعجلة الخوف من المجهول القادم بصلف.

قال السائق : سنقف بعض الوقت

قال مجند في آخر الباص : انهم يقصفون مواقع منصات الصوارخ السرية التي تم نصبها قبل يومين , يمكنك مواصلة السير لأنهم لن يستهدفونا فالحرب لم تبدأ بعد !

قال أشرف : وهذه اليست حربا ؟!

قال المجند : لا , انها تأمين الطريق للحرب !

في ساعات ألأستراحة بعد التدريب الروتيني الصباحي كانا يتبادلان الحديث حول( الحركة) وكانا قد اعطياها اسما اقترحه اشرف ( الحج الى مكة ) , قد تتحول ألأمكنة وقد تغيّر الكلمات معانيها ولكن هذا في الظاهر فقط

لازال الحشد ألأمريكي يتواصل وقد امتلأت مدن الخليج العربي ومطاراته بالعسكر القادم الى العراق ولازال التجاذب الأمريكي التركي حول الجبهة الشمالية محتدما دون وجود نتيجة قطعية وهذا ماجعل ابو فوزي يردد ان عدم استخدام الممر الشمالي سيضمن سلامة مدننا .

قال فوزي : لقد وضعت البيان ألأول للحركة التي سندعوها(الحركة الشعبية من اجل الديمقراطية )

قال اشرف : ألأسم يخضع بشكل فاضح لأسلوب السجع العربي في القرن السابع الهجري , كأنه من مقامات الهمداني , لماذا لا نسميها ( التجمع الديمقراطي )

قلت : هذا اسهل , ولكن ماهي الديمقراطية ؟!

قال فوزي : لابأس , نغير ألأسم , اما الديقراطية فهي شكل الحكم , الحكم الحالي ديكتاتوري أي حكم لا يهتم برأي الشعب , حينما حارب ايران لم يعود الى الشعب , وحينما دخل الى الكويت لم يسأل الشعب , وحينما قرر مواجهة العالم لم يسأل احدا , اما الديمقراطية فهي ان يعود الحاكم الى الشعب عبر المجلس الوطني المنتخب بحرية ليسأله

: ولكن لماذا يعود الحاكم للشعب وهو الذي جاء بمشيئة الله؟!

كان فوزي صبورا معي على الرغم من انه كان متعجلا ان نوافق على نص البيان بأعلان الحركة وبرنامجها ليقوم بطبعة ولنتولى توزيعه سرا

: لقد كلمت بعض ألأصدقاء في بغداد ممن كانوا معي في انكلترة وبعض المعارف هنا في الموصل وهم موافقون على الأنضما م للحركة

كان توزيع المنشور محفوفا بالمخاطر فقد كانت دوريات من الشرطة الراجلة والسيارة تجوب المدينة كما ان عددا من منتسبي الجيش الشعبي كانوا يرا بطون في مناطق متفرقة , وعلى الرغم من ذلك كله, تم توزيع المنشور بدسه من تحت الأبواب ومن ضلف الشبابيك المفتوحة كما تم لصق بعضه على واجهات المحال التجارية , كانت عملية ناجحة وفي الصباح كان حديث المدينة ومساء كان بعض الجنود يتحدثون عن عملاء الموساد وألأستخبارات ألأمريكية ألذين بدأوا نشاطا معاديا يعاونهم الشيوعيون وأقترح العريف (غازي) وهو بالمناسبة من اهالي الشرقاط ان يؤدوا جميعا صلاة جماعية ولافرق ان كان الجنود يضعون ايديهم على صدورهم او ان يتركوها ممتدة الى جانبهم لأن صلاة الدعاء للحكومة وللرئيس القائد هي واجب الجميع لكن احدا لم يأخذ ألأقتراح على محمل الجد وانشغلوا باحتساء اقداح الشاي المغلي وهم يتطلعون الى تباشير المطر القادم





الفصل الثالث



باصرار تابعت اللعبة, بل يمكنني القول اني ادمنتها, وكمن يبحث عن مجازات يعبر بها عن نفسه كنت اجد في دور المغامر في الليل الشتوي البارد والموحل امتدادا لما كنا نفعله ونحن صغار حين (نلعب حرامية وجرخجيه) , ننتخب اولا رئيسين للفريقين ويبدأ كل رئيس باختيار مجموعته , يبدأ الرئيس ( الجرخجي ) فيطلب أحدنا ولكنه يرفض والكل يفضل دور الحرامي واحيانا تفشل اللعبة لأن احدا لا يريد دورا مع ألحكومة والكل يقف في الجبهة المقابلة , جبهة العداء للسلطة , معارضتها والبحث عن المتاعب لها فهل كان هذا كما يقول اشرف سلطة اللاوعي في ضمائرنا, اللاوعي ألأجتماعي , وحين سألته ولكن ماهو اللاوعي , قا ل ضاحكا آه لقد نسيت اننا لم نبدأ بعد بالعم نيتشة ! وحسب الترتيب التراكمي لن نتحدث عن العم فرويد !

كنا نعتقد ان السلطة تمثل الشر كله وان الحرامية هم الانتقام الالهي منها , وحبنا لدور الحرامي هو انجذاب عفوي للمقاومة , من روبن هود الى أرسين لوبين كنت ألتهم القصص التي يعطيني اياها أشرف وعرفت لاحقا الطريق الى مكتبة القطان في( السرجخانه) حيث كنت استعير القصص لقاء 250 دينارا للقصة , لم يبدي ابي اية ملاحظة وهو يرى بعض الكتب في غرفتي أو وهو يراني اجلس تحت اشعة شمس تشرين الثاني المخاتلة متداريا بالحائط الشرقي لأقرأ مسترخيا للخدر اللذيذ الذي يبعثه الدفء المخادع

في الليل اخطط لتوزيع منشورات ( التجمع الديمقراطي ) عندما تحين ألأجازة , في ألأزقة الضيقة والمظلمة واستغرب احيانا من اين جائتني كل هذه الجرأة دون ان اشعر برعشة ألأرتباك وافكر ربما من عمق متاهات السخرية من كل هؤلاء المنتشرين في الشوارع يحمون (الحكومة), الذين أرى في عيونهم ومضات الخوف وهم يتدارون وراء ضحكات بلهاء يطلقونها بصوت مرتفع حين امر أمامهم ملقيا السلام بلهجة لا رنين لها انمحت منها معالم التعاطف و التواصل حتى اني احس انها شتيمة بذيئة, قال فوزي يجب ان تبتعد عن مثل هذه المشاعر , اننا نتوجه الى كل هؤلاء في المنشورات التي نوزعها , انها لهم اصلا ومثل هذه الروح الشريرة التي بدأت تتملكك تتعارض وما نريده.
كان البيان الرابع يتحدث عن الحكومة التي نريد , حين اتحدث بلغة الجمع اشعر اني متوازن اكثر لأني مع الجماعة اكثر استقرارا وأهمية والدوران في حركة متناغمة مع حركة منتظمة مخطط لها يعطيني شعورا بالحماية , تداول السلطة والتعددية والحل الديمقراطي للأقليات كانت مفاهيم عامة اتعبت فوزي بشرحها على نحو مبسط وكنت اود ان اتحدث مع بعض من ألتقيهم عن ألاليات الديمقراطية أو ان اشرح لعامل مطعم (باجة الحدباء ) الكردي ماهو الحل للقضية الكردية ليتركوا السلاح ونعيش سوية ولكني كنت اخاف ذلك جراء تحذيرات اشرف وعلى نحو اكثر دقة اجد اني غير مؤهل بعد لدور الداعية وان مايناسبني هو دور موزع المنشورات السرية, عبر ألشوارع المظلمة للمدينة.
كنت استطيع ان اسمع حفيف الكلمات السرية في اسرة دافئة وان اشم رائحة رجل الجيش الشعبي المتواري وراء مخلفات القمامة يشله الخوف والبرد والمجهول , فأخفي لفة المنشورات واصيح بصوت عال ((السلام عليكم )) , يفاجئ الرفيق المتخفي فيرد بصوت مبحوح مرتجف يقطعه شعور بالتوحد , اتجاوزه يداخلني احساس مرح بالتفوق , وفي الزاوية القريبه ارمي نسخا من البيان الرابع , ابتسم في وجه الليل الموحش , من اجل الديمقراطية والعم نيتشه !!

قال فوزي : مساء اليوم سننتقل الى مرحلة جديدة من بناء ألتجمع الديمقراطي , على كل منكما ان يأتي بهدية بسيطة على اساس انكما تشاركان في عيد ميلادي وان يكون الحضور في الساعة السادسة ,بالطبع هذه عملية تمويه لتلافي اية اشكالات غير محسوبة ..

سألته بسذاجة : ولكن ما هو عيد الميلاد ؟

قال : لدى بعض الناس عادة الأحتفال مرة في السنة بيوم ميلاد هم , ولهذا يدعون الأصدقاء الذين يجلبون هدايا ويقدم صاحب العيد (الكيك ) والحلويات , وبهذه المناسبة ستأكلون البقلاوة السورية والفستق الأيراني و أحلى كيك من صنع الوالدة

قال اشرف : هل سنكون وحدنا ؟!

: لا , نحتفل اليوم فعلا بعيد ميلاد( الحركة) بحضور ألأصدقاء الجدد وسيتم تحديد المسؤوليات عبر ألأنتخاب العلني والمباشر

: هل يعني هذا ان العائلة على علم بالموضوع ؟

: نعم وبمباركة الوالد !

كان جو الصالة في بيت فوزي احتفاليا فقد علقت بضعة بالونات ملونة وعلى الطاولة الكبيرة المركونة الى الحائط بعض اصناف الطعام وقالب كيك كبير مزدان بشمعة حمراء
في الصالة كان قد سبقنا الى الحضور اربعة اشخاص عرفنا عليهم فوزي

: السيدة تماضر مدرسة رياضيات , السيد رياض مهندس في كهرباء الموصل , الآنسة وداد طالبة جامعية واخيرا السيد حمدي, صف منتهي في كلية الهندسة .

قبل ان نبدأ اود التأكيد على ان تكون اجابتنا موحدة فيما اذا وقع ما لم يكن في الحسبان , انتم هنا للأحتفال بعيد ميلادي , الجميع يعرف على وجه الدقة ماذا يجمعنا , نحن نمثل الهيئة المؤسسة للتجمع الديمقراطي بهدف ان نشغل بعضا من الفراغ الذي سيحصل بعد سقوط السلطة ومن اجل اعطاء الحركة زخما في العمل علينا ان نحدد المسؤوليات على نحو علني ومباشر

أولا , امين عام الحركة !

تطلع نحونا مستفهما

قالت ألانسة وداد : فوزي
ابتسم فوزي : ما رأيكم ؟

قلت : فوزي , سيكون القائد المثالي للحركة , لننهي هذه النقطة

ايد الجميع المقترح

: المسؤول المالي ؟

قال حمدي : السيدة تماضر

أيده فوزي

: مسؤول ألأعلام ؟

قلت بسرعة : اشرف

لم يعترض احد


أ قترح المهندس رياض أن يكون حمدي مسؤلأ للتنظيم الطلابي

قدم لنا فوزي عصير البرتقال وقال : والآن جاء دور المسؤول الأمني في التنظيم , واعتقد من خبرتي بالجميع ان المرشح لهذه المسؤولية الأخ سمير

صدر البيان رقم خمسة وهو يحمل بشرى للشعب العراقي بتشكيل اللجنة العليا لحركة التجمع الديمقراطي وفي اسفل البيان كان الأسم الحركي لفوزي , ابو نزار ( وقد عرفت معلومة الأسم الحركي من أشرف)

لم يخرج الجميع سوية , استأذن اشرف وسمير.
قال حمدي : ولكن ألأخ سمير, يبدو انه غير متعلم .
قال فوزي : نحن نعلمه والمسألة المهمة هي العقل المتحرر والمستعد للأستيعاب ! ثم اننا بحاجة الى عنصر من وسط الجماهير بعلاقاته الواسعة وبقدرته على التمويه اذ لآ أحد يلتفت اليه عادة , الحزب والسلطة تركز على المثقفين لأعتقادها انها شريحة تشكل خطرا عليهم من جهة ولكون الرئيس القائد يكن كرها غريزيا لهم من الجهة الثانية , تتذكرون انه في الأجتماع الخاص باصلاح النظام الجامعي والذي عرض في التلفزيون كان ابن مدينتنا الدكتور الهاشمي يتحدث عن الضوابط ألأكاديمية لمنح شهادة الماجستير والدكتوراه وقاطعه الرئيس ليتحدث عن ضرورة العناية بالمرافق العامة في عموم كليات الجامعات العراقية وحينها نظر المجتمعون بعضهم الى بعض باستغراب ولكن ذلك دام لحظة خاطفة !فالقائد الضرورة يفهم عن وعي با لأشترطات الضرورية للأنسان المعاصر !!
: لماذا ؟
: من الخوف في نظراته الصارمة والمتوعدة !

في الطريق الى المعسكر فكّر بعيني وداد , انهما تبعثان على الشعور بالراحة , نظراتهما تجمع تناقضا شغله , وادعتان ولكن ذلك لم يمنع الأحساس بانهما تلتمعان بقوة غريبة وتعكسان ثقة تعبر عن ارادة تكمن في عمق التيارات الداخلية وهي تتفحصه تماما كتيّارا ت دجلة وهي تتراخى في مسيرتها باصرار عبر وحشة ليالي الخريف الى مدن قصية عند البحر , كم تمنيت ان اسبح في البحر , ان أغوص في مدياته المتناهيه , اتعرف الى عوالمه الخفية , ان استلقي محدقا في الشمس التي تمتد الى نهاياته الخفية وشطآنه حيث يتراكم رمل ناعم احمر , اعبث بالمحّار المنسي على جوانبه حيث يتصالح مع ألأرض ويبتعد عن السماء , كانت عينا وداد تختلف عن كل العيون التي شاهدتها , كانتا بين الرفض والقبول , محايدتان تماما , لايمكن ان تجد فيهما ما يلزمك بالتبرير , كانت امي تقول ان عيون الجن تقدح شررا اما عيون الملائكة فكلها طيبة وحينما كنت احدث النائب ضابط عضو مكتب التوجيه السياسي كانت عيناه كعيون الجن في حكايات امي ولكني لم المح الطيبة الا في عيون الأطفال.

ضربت طائرتان مكانا ما في المواقع المتقدمة ربما في( كلك ) وردت بضعة مدافع مضادة للطائرات بطلقات متفرقة ثم عاود الصمت الموحش نشر ظلاله وعاودت التفكير بعيون وداد, لم افكر فيها كفتاة اعني في الحقيقة كأنثى , كنت اشعر وانا قريب منها بهدوء غريب يتسلل الى روحي وبسكينة تبعث في استرخاء مسكرا ورغبة في ان اظل استمع الى صوتها المشحون بالحنان ينسكب في مسامعي كأيقاع حالم , قال ابي , لابد من القول انك قد تغيرت , الجيش يعلم الأنضباط وألأعتماد على النفس ! كنت اود ان اقول له , نعم لقد طرأ علي تغيير , اني ألاحظ ذلك ولكن ليس بسبب الجيش ولا علاقه له بألأنضباط , انه في اعماقي , لقد بدأ عقلي يتفتح وتغيرت لغتي ايضا , ما اقوله ألآن اكثر وضوحا وثباتا , وما افكر به ابعد من المزرعة والخضار وفتيات السوق , احلم ألآن وانا مستيقظ في دورية الحراسة أو في عنبر النوم بالجيش كله وبالمجتمع , السياسة تشغل فكري وأشعر احيانا اني طائر اسرع من الريح واعمق من الصمت الكلي الذي يلامس سطح دجلة في ليلة صيفية سماؤها صافية وقمرها يشع بخيلاء وهو يعبر السماوات , اسبح في الشعاع الذائب واحس ملمس الماء على جسدي العاري ينقلني من خدر الى آخر فتموت المسافات وأشعر اني اولد من جديد , بدأت مداخيل الكلمات تتفتح وانا استمع الى فوزي , مانريده هو الديمقراطية وبناء مجتمع متوازن جديد يتماشى ومقتضيات الحداثة واشتراطات العولمة , العولمة هي التي ظلت مشوشة في فكري اياما طويلة ممضة , قال حمدي المذياع من اليابان والقميص من الصين واشرطة الفيديو من تايوان والسيارة من فرنسا والتراكتور من البرازيل اما الغازات السامة فمن ايطاليا وهولندة والبنادق من روسيا هذه باختصار هي العولمة , العالم قرية صغيرة متشابكة ولايمكن ان يكون بلد في جزيرة , وما يؤكده أشرف عن الموقف من الأقليات وعن حق تقرير المصير , وانتقلت في قراآتي الى قضايا اكثر انشغالا بالسياسة وحين نصحني حمدي ان استمع الى ألأذاعات (الجادة ) بادرت لشراء راديو صغير أريحه الى أذني لأستمع في سكون الليل ألى المتابعات السياسية في مونت كارلو والبي بي سي البريطانية , بدأت اجد متعة في المشاركة بنقاشات التجمع الديمقراطي .
عند اعداد البيان السابع قلت

: ان البيانات السابقة كلها كانت تتحدث في امور نظرية ولم نتوجه الى المواطن العادي في السوق , في المدرسة , وفي دوائر الدولة !

قالت تماضر : فكرة جيدة

التمعت عينا وداد ببريق خاطف لشمس تهبط في دجلة متسارعة عند الغروب وعاودتا حياديتهما ولكني شعرت بان تباشير مطر ربيعي ستهل ثانية واني سأشم رائحة الطين وسأسمع صدى تغريد البلابل في الضفة ألأخرى لدجلة حيث تمتد حقول غضة الخضرة

000000000000000000000000000000000000000000000000000000

لم يعد هناك مجالا للشك بان الحرب قادمة فقد اكتملت الأستعدادات الأمريكية في الخليج ولكن ما خفف عنا بعض الشيء ان البرلمان التركي لم يوافق على قيام الحلفاء بالدخول من شمال العراق وكان هذا يعني ان ويلات الحرب هنا ستكون اخف عما هي في الجنوب ! كما اشار رياض ونحن نعد البيان الثامن , سيجعل مهمتنا السياسية في الموصل اسهل لأننا سنحتفظ بكامل قوانا ولن يكون الفراغ السياسي مدعاة لفوضى شاملة كما هو الحال في بغداد حيث ستواجه القوى السياسية وضعا بالغ التعقيد لأحتمال نشوء بؤر فاعلة متنوعة ومتعارضة

كنا بانتظار الزلزال نشخص نحو السماء لعّد الطائرات المغيرة على اهداف غير مرئية يتآكلنا حزن صامت متوحش ونحن نلمس بوضوح عجز دفاعاتنا الجوية عن منع الطائرات المعادية من تسيّد اجواء العراق فيما يستمر الضجيج الأعلامي , وراية ام المعارك تخفق كغول اسطوري ولكن من ورق , يصدر عنها حفيف القصب والبردي في متاهات ألأهوار الموحشة , وتنفجر قذيفة عند الفجر في موقع على محيط الموصل فيختلط اللحم الآدمي بحديد المدفع المضاد للجو ويندفع صمت اخرس لاهثا يبني قبرا لبضعة جنود لايعرف أحدا من اين جاؤوا.

ولكن الزلزال تأخر وهو يقطع الأيام باتجاه العراق الحزين ونحن نحلم بأن نرث ألأرض وأن نكون في المساحة الملائمة قبل الآخرين فيما الطائرات المعادية تقطع في فضاءات التواصل بين الضفة والضفة , الشتاء يمر بيننا يمسح وجه دجلة ويعصر الحزن مشاعره ولكنه يتماسك فدجلة لن تشيخ والموت عصي والشمس تظل تأتي باهرة تجدد الكون وتمنح الحياة للزهور البرية على امتداد سهول نينوى

قال أبي : ألأرض تباع الآن بالمتر والتعامل بالدولار , ما رأيك ؟

: لاتبع فقد تحول الكتف الى منطقة سكنية وكل يوم سيرتفع السعر, لسنا بحاجة للنقود !

: اعتقد ذلك ولكن على العموم ارجو ان تضع في حسابك اننا سنكون موسرين بعد تسريحك من الجيش وسنبدأ حياة جديدة !

الرجل الذي جائنا ليلا يفاوض على البيع كان يستخدم حاسبة صغيرة قال اننا سنتحول فورا الى اغنياء , يمكن ان نستلم ثلاثة ارباع المليون دولار , كانت عيناه دائريتان تتحركان بسرعة مريبة , فيما كان يستعين بكلتا يديه ليوضح حجم الثراء الذي سنتحول اليه, قلت لوالدي لن نبيع , نظر الي الرجل بغيض ولكنه غادرنا بهدوء
قال اشرف المدينة تتمدد الى الخارج كوحش كافكا والتحولات تغير في التركيبة الأجتماعية , ستتحول الى برجوازي جديد في زمن العولمة والتحولات الأمريكية الكبرى , هل سنظل أصدقاء؟ كنت افكر بوداد وبعينيها المحايدتين !

كان البيان التاسع مختلفا فقد توجه الى المرأة العراقية , يوم عيد المرأة العالمي على الأبواب وقد شرحت تماضر باسهاب اهمية هذا اليوم لتوعية النساء بدورهن السياسي والأجتماعي , كانت تتحدث وكأن المرأة كائن ضعيف مستهدف في حين اني كنت في السوق أعاني من النساء فقد كن ثرثارات ولجوجات , يتسكعن في السوق ويسألن عن كل شيء ولكنهن لايشترين الا المواد التي تركن البيت من اجلها , قال أمام الجامع انهن مخلوقات حمقاوات وناقصات عقل ودين وان الرجال قوّامون , كان ذلك ليلة عيد الفطر وأنا بجانب أبي نؤدي الصلاة , يردد عشرات الأمثال وبعضا من آيات القران , هناك لاحظت ان مجموعات من الشباب كانوا قد بدأو باطلاق اللحى ومعظمهم يرتدي دشاشة قصيرة , قال فوزي المجموعات السلفية تتكاثر بسبب البيئة , المناخ يخلق احيانا كائنات غريبة !! حاولت ان اناقش ولكن الجميع كان يرى في البيان فرصة لمخاطبة شريحة اجتماعية واسعة , قالت وداد , المسألة ابعد قليلا من الحالة التي عرضتها , الحقوق ألأجتماعية والسياسية للمرأة مغيبة ولكنها مسؤولة عن صنع الفرح للرجال , انه مجتمع الذكور والمرأة كائن محاصر كحيوان نادر, قلت اني مقتنع وسأوزع المنشور في مدارس البنات كافة! قال فوزي , هذا لايكفي ,يجب توزيعه في مدارس البنين أيضا , وافقت بسرعة

المعسكر تسوده الفوضي وقد توقفت التدريبات الصباحية بعد ان ارتفعت نسبة التغيب الى اكثر من خمسين بالمئة وشملت ضباطا من مختلف الرتب وبدا على مجموعة التوجيه المعنوي ارتباكا في حركاتهم وهم يعقدون اجتماعاتهم اليومية , كانوا بالغي العصبية حتى وهم يدارون بالصمت مشاعرهم المحبطة , هكذا يتعرض الطلاب الذين لا يملكون الثقة الكافية وهم يجلسون الى كرسي الأمتحان , قال أشرف , سيتخلون عن الوطن , كان بالنسبة لهم مشروعا وهو يغرق الآن, نوح ترك ابنه فأ بتلعه الطوفان , قال رياض ربما ستبدأ الحرب خلال اسبوع ! لم تنجح المظاهرات والأحتجاجات عبر العالم بالتأثير على التصميم الأمريكي بشن الحرب , قالت تماضر , المهم ألآن ماذا بعد الحرب والحديث عن المعارضة مناقشة بيزنطية , لم افهم ماتعنيه واصبح من عاداتي ربما السيئة ,السؤال , لم اكن لجوجا ولكن وللحقيقة كان الجميع صبورا معي , كنت قد ادمنت النظر في العينين المحايدتين وهذا لم يمنع ان اكون سريع الأستيعاب, ولكني توقفت طويلا عند خبر قيادة الممثلة رغدة لمظاهرة احتجاج ! كانت جميلة ولكني لم افهم ان تحتج من اجلنا وتنسى السوريين !

قال أبي : هل ستحاربون ؟

قلت : هل جربت السباحة في الطين ؟ !

قال أبي : وما العلاقة ؟ !

قلت : في الطين ستكون مقيد اليدين !

قال ابي : سمعت من الجندي في الموقع على الكتف ان الهجوم سيقع الليلة , كان محبطا ومستاء لأنه يعتقد ان القيادة تخوض باستمرار معارك خاسرة !

لم اعلق فقد قال أشرف ذلك ايضا ونحن نستمع الى اذاعة يأتي صوتها متقطعا , كان الليل حالك السواد وأضواء المعسكر مطفأة والنائب ضابط و ضابط الخفر يشربان من قنينة عرق جاء بها جندي من (هبهب ), كان الضوء في الغرفة خافتا والشباك الوحيد تم لصق اوراق الجرائد على زجاجه من الداخل والأثنان صامتين , الزمن في المعسكر مشوش وكأنه لآ يعني احدا, يعبر الليل الى فضاءات اخرى في كواكب لا ترى بالعين المجردة والترقب في الجانب ألآخر اكثر ايحاء بألأمل ولهذا فقد كانت الحركة على الهضاب البعيدة نشطة وفي الصمت الصدئ فوق المعسكر من جراء تعرضه للأنتظار في رطوبة ندى آذار الثقيل يسمع أزيز رصاصة تحذير وهي تعبر الأفق بشريط خجول من الضوء الكابي .

كانت الساعة الثامنة مساء حين تركت ابي لوحدته وفي العاشرة والنصف كنت في المعسكر , لم يدقق الجندي الخفر كثيرا , فتح البوابة وكأنه يلومني على الحضور , اشرف وصل قبلي , كان يستمع الى ألأذاعة المصرية وهي تقدم برنامجا عن عيد شم النسيم كان خليطا من ألأغاني الخفيفة والشروحات البسيطة لمعنى العيد , قلت ونحن , ألن نحتفل بعيد نوروز ؟ قال اشرف لا الحزب يوافق ولا السيد بوش يرضى , كلاهما يرغب في ان نقطع التماس مع العالم وان نعيش في عش الخوف بانتظار الفرج !

كانت التلال المحيطة بالمعسكر تتموج بخضرة يانعة وحينما تشرق الشمس تلتمع قطرات الندى بوميض ساحر , وعلى السفوح الشرقية المواجهة للأشعة الكسولة لشمس الربيع الخجلة بدأ بعض الشباب ألأكراد في تجربة ملابس العيد ولاحت على البعد الوان زاهية , هل سيأتي الفرح للعراق؟! قال رياض وأنا اصف لوحة ألألوان على التلال المقابلة , كانت ألأوامر ان لا نبدأ باطلاق النار وساد جو من الترقب الحذر كما كان يردد مذيع محطة المونت كارلو

الليل بطيئ , وحين تجاوزت الساعة المنتصف قررنا ان ننام فربما غيّر السيد بوش رأيه , شعرت بوحدة موحشة وانا اتمدد على السرير الحديديعلى الرغم من أن عيني وداد الماثلتان ملئ خيالي في ظلمة كاملة وسكون مطلق يسد الكون ولكنه يسد اذني ,ايضا , بهمس غامض وممض كأنه وشوشة عابثة تمتحن صبري على النوم , في المعسكر اشعر اني معزول تماما عن العالم واني مجرد مجند , مسمار في ماكنة عملاقة أصابها الصدأ وهي مركونة دونما حاجة لها أقاوم النظرات الفاحصة والمرتابة لأفراد التوجيه السياسي الذين توقفوا عن دعوتي للأنظمام للتنظيم , ولكن شعوري هذا يتبدل في ساعات اللقاء في بيت فوزي ونحن نناقش صيغة البيان الجديد , اشعر اني اصعد مع الموج الذي يتعالى وسط دجلة , الماء مملكتي حيث استطيع السباحة دون أن احرك عضلة واحدة واعرف اتجاهي وانا مغمض العينين , هنا اتحدث عن الحركة واساهم في بلورة التغيير , اشعر اني موجود بكليتي , لست طيرا مهاجرا , هنا اتنفس واتمدد في كل المكان واستمع الى لغة مفهومة تعطيني القدرة على التعرف الى خريطة وجودي , كان اشرف يمزح , ستتحول الى ثري , برجوازي على اطراف المدينة وستستطيع ان تتزوج من امرأة كالقشدة ولن يسألك احد عن المدرسة ! كنت افكر بوداد , حديثها ناعم لين ولكنه كشعاع الشمس يخترق الظلمة التي بقيت في اعماقي , منطقة مشوشة , انه لاينتشر بل يستقر , يدغدغ مشاعري بعبث طفولي , هل احب ؟!
تطلع الى ساعته الفوسفورية , كان عقربا الساعة يدوران حول الواحدة غير مكترثين ما اذا كان قرار السيد بوش سيقع ام لا أو أن استنفار القوات ألأمريكية في خليج العرب في حده ألأعلى ام لازال عند اللون البرتقالي فالحرب خارج حدود الزمن الذي تعدّه والوقت لاغيا في حساب المجانين .

حين يناقش خطة توزيع المنشورات يشعر انه قد تحرر من عقدة ألأحراج التي تجعله يداري نظراته حين يكون الحديث عابرا وتتعلق عيناها به تنتظر منه ان يتكلم , ربما لتمتحنه , لكنه يفقد القدرة على المواصله , يداخله شيء من الأرتباك وتهرب الكلمات في صحراء يسكنها صمت على مد البصر , في الغد قد تتغير مسارات على خرائط متداخلة وربما لن يكون موجودا , عاد ثانية الى مساحة الحلم الذي يرف في مخيلته حيث تقف بوجهها الوردي تشع منه براءة عذبة فيغض عينية , كانت امه تناديه (( قمر المدينه )) جعله ذلك يشعر باحساس دافئ بالرضا ولكن النظرات الوقحة والساخرة في عيون زملائه دفعته الى ألأنكماش , احتج ولكن امه اخذته في حضنها وقبلته , داخله احساس دافئ فاستكان, ظل يشعر بخجل وهو يتعامل مع الفتيات في السوق , سحب الغطاء على وجهه فقد تسللت الى عنبر النوم دفقات من هواء بارد , قال اشرف , هل ستنام ؟ الليلة لن تتكرر , انه التاريخ بكل عنفوانه ومآسيه وامجاده الأسطورية الكاذبة والحقيقية سيمر من هنا ولابد ان نكون مستيقظين لنراه فقد نكون شهودا على من يذهب وعلى من يأتي !
لم يرد فقد شعر بخوف يداخله ورجفة البرد تفزع طائر الحلم الذي ضاع في الظلام , ماذا يفعل أبوه ألآن ؟ اعتاد منذ سنوات ان ينام بعد صلاة العشاء ليصحو مبكرا يشغل( مضخة) الماء ويطعم الدجاج ويجني المحصول ويوضبه , تذكر وجه امه بعينيها المتفحصتين ولكن نظراتها كانت تفيض حبا , كانت تقول له وهو يستعد للذهاب الى السوق (محروس بسور سليمان من عين كل النسوان ) مما دفعه الى التأكد اولامن ان عيون المرأة التي تتعامل معه لاتحسد لم يشك يوما بعيون الذكور ففي اعماقه شك حذر من الأنثى لأنها تحمل في طبيعتها الحسد , كل ثرثرات النسوة وهن عند عربته عن زميلاتهن وتشوب أحاديثهن اما روح الحسد أو التشفي !!

في البيت وفي المزرعة كانت امه تدور بأيقاع يومي متكرر , يحمل ذات النهج , صباحا تجمع أواني ألأفطار, ثم تذهب الى حيث ابيه قد جمع الخضر, تغسلها وتوضبها ثم تذهب الى قاعة الدواجن الصغيرة , لم يهتموا بالقديد او بالجبن لأنهم بلا سرداب , في منتصف الصيف كان الوضع مختلف اذ يشتري ابوه كمية من القمح من الفلاحين على طريق الشرقاط لتنشغل به مصنعة الجريش والحبية, حيث لايخلو بيت في الموصل منهما, وفي الليالي الباردة كانت تشوي عروق التنور , ولكن ذهابها المبكر ترك غمامة من الحزن الدائم وانقطعت الحبية والجريش وعروق التنور ولم يذهب في الربيع الى بير البنات ولم يحضر الأحتفالات عند مرقد ألأمام قضيب البان

عبرت قطرات المطر الذي بدأ رذاذا الثقوب من الشباك الكبير عند سريره , قال اشرف , لقد انضم الى الحركة زملاء جدد وربما سيكون اجتماعنا والحرب تنشر الخراب , سنتوسع , الحركة نتاج طبيعي لوضعنا , انها تعبير عن ازمة حقيقية , لقد اعجبني تعبير فوزي وهو يشبه الحركة بصعود المد في انهار البصرة كلما تعالى القمر , حركتنا ستتصاعد كلما تكشفت المأساة اكثر وكلما ارتفع سخط الناس على هذا الواقع , لم يقل له ان هذا التنظير هذه الليلة ليس الا احلام نوم متقطع فهي لاتكتمل ولا تكشف النهاية , هل يسأله ماذا سيفعلون اذا ماوقع الهجوم الجوي الأمريكي , بالتأكيد ليس امامهم مهمات قتالية ! فالصواريخ لاتقاوم بالكلاشنكوف ولا حتى بالرباعيات التي تحيط بالمعسكر , قال مسؤول التوجيه السياسي , القيادة اعدت خطة متكاملة لمواجهة ألأعداء , ولكن ماهي ؟ وكيف ؟ , ربما سيتركون المعسكر فالمدينه الصغيرة المهملة على خط التماس مع ألأكراد بدت منذ اكثر من اسبوع فارغة والشاحنات التركية التي كانت تنتقل الوقود قد اختفت واصحاب الأكشاك والمهربون وباعة المشروبات الغازية لم يعد لهم وجود, بدت المدينة الصغيرة التي كانت تضج بالحركة مهجورة تسود اجوائها وحشة مترقبة والصمت يتمدد في الليل , حتى الجنادب لم تتكلم مع بعضها الليلة ولم تعبر السماء طائرات مغيرة , ربما سينطلق الجميع بحفل الموت القادم وسيمزق الفراغ المخيم تراكم الخوف الأنساني عبر شلالات الجنون والعبث ولن يكون الفراغ الذي شرحه فوزي كثرا مساحات فارغة بل سيكون ضاجا وفوضويا الى الحد الذي قد تمتنع فيه الرؤية وتتبادل المواقع ولايعود الحديث بهذا الصفاء الحالم برغم لهجة الصدق التي يتمتع بها فوزي عادة .

صرّ باب العنبر بأنين موجع وكأنه يستبق الزمن بنواح جنائزي وخطت ثلاثة اشبح لم اتبينها في العتمة بعد ان ابعدت الغطاء الصوفي الذي كنت قد جلبته من البيت والذي كان مركونا على صندوق خشبي في غرفة أبي , منذ ان بدأت استوعب ما في البيت ,كان هذا الغطاء بالوانه الزاهية ودفئه اللذيذ مفرودا على سرير والدي , قال ابي لقد حاكته امك في فترة الخطوبة , حين سألته ولكن هل امتدت طويلا , قال نعم , لقد أخذوني من الشارع مساء يوم صيفي قائظ الى معسكر الجيش الشعبي في فايدة, قال مسؤول القاطع انكم تدافعون عن اعراضكم التي ستتعرض للأنتهاك اذا مادخل الجيش ألأيراني .

توقف الثلاثة وسط العنبر وصاح القصير فيهم ليستيقظ الجميع , كيف تغمض عيونكم وجيش بوش اللعين سيهاجم الليلة ؟ اين غيرتكم العربية ؟ كان النائب ضابط في التوجيه السياسي وعلى الرغم من اللهجة ألأحتفالية كان صوته اجوفا كأنه صدى ينزلق على الجدار الطيني الذي يمتص منه مخارج الحروف

قال اشرف : الراحة تولد العزيمة ونحن منتصرون بهمة القائد !!
: بارك الله فيك !
قال صوت أجش خافت يحمل ايحاء بانه شخص مهم وانه لولا الضرورة لكان الآن في احضا ن دافئة مسترخيا
: يجب الأنتباه فالليلة يصنع التأريخ العربي طريقا جديدا للأمة

توقف عن ألأسترسال فقد دوى عصف وحشي هائج اجتاح سكون الليل والصمت المريب المتمدد في الكون حولنا
: الى الملاجئ
صرخ ضابط صغير كان قد دخل مرتاعا الى العنبر
قال أرشد : وهل ستحمينا الخنادق

ذياب الطائي
كاتب من العراق
fahad_altaye@hotmail.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: