سلام إبراهيم
سيد القوارير...حين تحكم الخرافة
28/01/2010
![]() |
غلاف الرواية |
عن الدار العربية للعلوم – بيروت-، ومسعى – الكويت – صدرت للروائي العراقي - حسن الفرطوسي – روايته الأولى – سيد القوارير - 2009، والرواية قصيرة من 80 صفحة مقسمة إلى أربعة فصول هي على التوالي؛ غواية مراكب السيد لوكا، علبة ثقاب، مزامير العتمة، رايات الجنون، مع ملحق فيه تعليق للكاتب عن الأسباب التي دفعته لكتابة الرواية وطريقة كتابتها مع سيرة الكاتب في نهاية الكتاب.
يتناول النص بعدا منسيا من أبعاد الشتات العراقي في خضم الحروب المتتالية والقمع زمن الدكتاتور إلا وهي حياة العراقيين الذين أشتركوا بأنتفاضة أذار 1991 في الجنوب العراقي والذين أضطروا بعد هجوم الحرس الجمهوري وسيطرته على المدن جديد فهربوا إلى السعودية عبر الحدود ليجدون أنفسهم محجوزين في مخيمين صحراويين هما الأرطاوية، ورفحا، سيدمجان لاحقاً في مخيم واحد هو – رفحا – وهو مادة النص مكانا وشخوصا وأحداثاً.
النص مسرود بالضمير الثالث، وبصوت الراوي العليم، لكنه يركز على شخصية محورية هي – علي موّات – وهي شخصية حيادية متأملة مسكينة لا تعرف كيف تورطت مع المنتفضين. كانت تظن أنها ما أن تنجو من جحيم العراق وتعبر الحدود حتى تجد الجنة، فتكشف هول الصحراء وحياة معسكر يشبه معسكر إعتقال. وستمر غالبية الأحداث التي يرويها الرواي من خلال عيني – علي موّات – مما ساهم من تخفيف مبني النص وغرضه الإيديولوجي الذي فضحه الكاتب في تعليقه الأخير – على تخوم الحكاية – ص81.
ينسج الرواي حبكة النص عبر حدث غريب يجلب أنتباه جميع سكان المخيم إلا وهو خيمة غريبة تنصب في مكان غير مخصص للخيم، ومن خلال عيني – علي – وذاكرته يعود بنا إلى العراق وتحديدا مدينة – الشطرة – وهي قصبة من قصبات مدينة – الناصرية -. فمن خلال تداعيات - علي - المتأمل نطل على طبيعة الحياة في تلك المدينة، الشاعر الذي نعته بالمسكين، كاظم نزال الذي شلّ بسبب سخريته من السادة نسل آل البيت، وطرفا من فوضى الأنتفاضة والقتل والنهب، مضاف إلى كوة صغيرة على الحياة الاجتماعية وطبيعة الخرافة المتحمكة بعقول الناس البسطاء، أم ماهود صاحبة الدكان، مرقعة أغشية البكارة، مجهضة الحوامل بالسر، والتي نسجت قصصا وطدت من تحكمها بالوسط الشعبي المحيط، كقصة حمل فتاة دون زواج، كونها منذورة – للمهدي المنتظر – بفبركة أدلة، هذه اللمحات الخاطفة كانت العمق الوحيد للنص وكائناته في مكانهم الأول قبل عبور الحدود. مما شكل من وجهة نظري إحدى أوجه قصور النص وشخصياته، فالمكان الجديد هو الطارئ أما الأول فهو الذي نسج هذه الكائنات وأعطاها وجودها الآني بكل محمولاتها الفكرية والنفسية المتصارعة في المعسكر.
رغم قصر النص لكنه محتشد بالشخصيات المختلفة والمحورية المشكلة لأطراف الصراع داخل المخيم. الشخصيات تتطور مع أول مَعْلَمْ عام يجمع سكان المعسكر – الجامع – إذ من خلاله يبني الكاتب نسيج العلاقات والصراعات اللاحقة التي تنتهي نهاية دموية مناسبة جدا لطبيعة الأحداث في العراق سابقا ولاحقا.
من خلال - الجامع - سينسج الرواي حبكة النص بترسيم شخصيات خيمة الجامع، الشيخ - فاضل - مجود القرآن والمحاضر الذي سيصبح شيخ الجامع، وخادمه سيد القوارير الذي سينقلب عليه لاحقا بإجتراح معجزة مفبركة عن فتح عيني أعمى يدعى أنه فقد بصره في معركة من معارك التي تنشب بين سكان المعسكر على أساس مناطقي، أو عشائري بمساعدة – المهدي المنتظر -. والطرف الآخر وهم العلمانيون الضعاف نسبيا سواء في المعسكر أو في العراق المعاصر، - حسين أبو الجريدة – الذي يصدر عددين من جريدة حائطية بخط يده ويطالب بمركز بريد فيضرب بفتوى من – سيد القوارير – وتمزق جريدته، وأصحابه الذين يقومون باضراب عن الطعام وتخييط حلوقهم احتجاجا على أوضاعهم اللاإنسانية، فيكفرهم – سيد القوارير – وهنا محور الحدث والصراع الرئيسي الثاني بعد الصراع الذي حسم مع الشيخ فاضل، النص مكرس لاحقاً لتصعيد هذا الصراع ليتحول إلى مذبحة في الفصل الأخير حيث يأتي - لوكا - ليصور جثث القتلى. مضاف لشخصيات ثانوية – محمد زيادة – الذي فقد يده اليمنى في الحرب العراقية الإيرانية.
كما يشير النص إلى العلاقات المثلية المنتشرة بشّدة في البيئة العراقية المغلقة صارمة التقاليد الشكلية، القامعة علنا كل شيء من خلال حب سلمان الشهوي – لظاهر – وهو سيد القوارير الذي كان يشاركه الخيمة لكنه صار حلما بعد أن تحول إلى ما تحول إليه.
النص مكتوب بلغة جميلة ومتينة وسلسة تمكنت من تصوير المشاهد بشكل دقيق ومناسب. فالمشاهد التأملية مروية بلغة منسابة تقترب من لغة الشعر حتى أن العديد منها يشبه الحكمة وكأنها مكتشفة من جديد كهذا المقطع الذي يـتأمل فيه المنفى معنى الوطن :
( الإنسان لا يدرك معنى الوطن إلا حين تطأ قدمه حدوده مغادرا أو عائدا، عندها يبدأ المرء بتأمل ذلك المفهوم المبهم والمعنى المشوش لذلك العشق الخفي الذي ليس بوسع أي إنسان أن يجد له تبريرا مقنعا لنيرانه المعتملة في قيعان الروح ) ص 12.
أما عند تصوي المشهد الدرامي فتتحول اللغة بجمالية نسج جملها السردية إلى مقاطع متوترة متفجرة تريك المشهد وتعيشك وسطه، كما هو الحال في وصف مشهد الجموع المذهول أمام باب خيمة – سيد القوارير – لحظة خروجه بصحبة الأعمى الذي أبصر بمعجزة المنتظر.. المشهد الممتد من ص 38 إلى ص48. ومن هذه الصفحات هذا المقتطع:
( اهتزت الخيمة بعنف، إرتجفت معها فرائص الصف الآخر الذي نأى بعيداً، أما الحشد فما زال غارقاً، سكرانا في دهشة طائر اللازورد..
توهجت كشافت الضوء وغمرت بنورها المحيط المقدس، قبل أن يزاح باب الخيمة، ليطل منها سيّد القوارير وهو يمسك بيد الشاب الأعمى الذي بدت بشارات الفرح تتقافز على محياه. افتربت الحشود البعيدة أكثر.. غص المكان بهم وتصارعت المناكب لإيجاد متسع ما، يكفي لنهل هذا البوح العظيم ) ص48.
وما يحسب للنص ويبرره فنيا هو قدرته خلق عالم روائي مشبع بشخصيات بدت حيه يشمها ويلمسها القارئ طوال صفحات النص، لكنه أي النص بني لهدف محدد إلا وهو فضح وكشف الخرافات الدينية في الجنوب العراقي التي ساهمت وتساهم بتعطيل العقل. وهذا الهدف أثر على بنية النص الكلية، إذ ركزّ على هذا الهدف مما أدى إلى أمرين الأول؛ هو أقتصار النص على حاضر الشخصيات دون بيئة النشأة والتكون عدا إشارت للشخصية المحورية – علي موّات – والثاني؛ عطل الرؤية الكلية للوضع البشري في أي بيئة فحتى هؤلاء المؤمنين بالخرافة هم بشر أيضا يحبون ويكرهون ويتزوجون وينجبون ويعملون، فمن المفترض أن يتعامل الكاتب بموضوعية تنحاز للإنسان وتبين عذابة وشجنه حتى لو كان شريرا. وهذا يتطلب الكتابة المجردة من كل الإيدلوجيات، ومن نقطة أسميها ناصية – الحياد الموضوعي التام – فليست القوى المتخلفة فقط تنتج فسادا وتدميرا للإنسان كما هو حاصل في القوى الدينية الحاكمة في العراق أو ما شابهه، فحتى القوى العلمانية أنتجت دكتاتوريات كالشيوعية والقومية، وهنا أعلق على تعليق الكاتب – على تخوم الحكاية – الفكري والنقدي.
مع كل هذه الملاحظات فـ – سيد القوارير – تعلن عن ولادة روائي عراقي سيسهم لو جدَّ وركز على الرواية في كتابة النص الروائي العراقي الجديد مع أسماء تبلورت في الفترة الأخيرة كأحمد السعداوي، ومرتضى كزار.
سلام ابراهيم
كاتب عراقي مقيم في الدنمارك
salamibrahim1954@yahoo.com



