الأربعاء, 8 أيلول 2010
   
في الذكرى السنوية العشرين لرحيل غائب طعمة فرمان               يفتح الروائي ملفا عن ادب هذا الكاتب الكبير وحياته وذكريات معاصريه عنه               ننتظر مساهماتكم في هذا الملف الذي نأمل ان يغتني ويتطور              
حصان القطيع/ فصل من رواية
عباس سايار- ترجمة: جلال فتاح رفعت
حصان القطيع/ فصل من رواية
عباس سايار

كانت برك المياه تنتشر هنا وهناك على السهل وتتضاءل المساحات اليابسة من الأرض شيئا فشيئا، تهب ريح هوجاء بشدة، وبرغم شدتها ما كانت تقوى على تحريك سيقان الأعشاب المتجمدة. بدا أن القسوة قد تولدت في قلب الأشياء كلها. انشق السكون بصهيل مدو تصادى رجعه مرارا في أرجاء السهل، فرفعت ثمانية أو عشرة جياد رؤوسها من حيث كانت ترعى بدون انتظام وعلى غير ذي هدى، وأدقت أذانها.
دنا جواد أحلس اللون إلى القطيع وهو يعدو ثم طاف حول الخيول التي كانت إلى ذلك الحين مبعثرة على شكل كتلة يصعب تحديد شكلها. فاجتمعت على الفور كرعيل كان ينتظر إشارة من قائده. وبعد أن أتم الأحلس دورة كاملة في طوافه حول القطيع اتجه صوب التلال القريبة إلى الجنوب فتبعته الخيول الأخرى.
كانت هنالك بضعة جياد قوية، مرنة الحركة بين خيول هذا القطيع شأنه شأن أي قطيع آخر يضم أحصنة وخيولا مختلفة، فيه الجواد الشاب وفيه الحصان الهرم، كما كان فيه أحصنة ولدت في البرية واعتادت على الحياة القاسية، ونادرا ما تجد بين قطيع كهذا فرسا بائسة رزحت سنين من عمرها تحت نير القهر ... هنالك نوعان من حصن البراري، بل ثلاثة أنواع حتى.. نوعان منهما مرغوبان لدى الناس.. أما النوع الثالث فهو ذلك الحصان الذي استنزفت طاقاته في الأعمال الشاقة حتى صار سقط متاع لا يفيد في أي شيء. هذا النوع من الأحصنة حينما تنتفي الحاجة إليه ولا يقوى على أداء أي عمل يذكر يطرده صاحبه إلى العراء في أي وقت، أي وقت لا يهم! أكان الموسم صيفا أم شتاءً.. يتركه صاحبه تحت رحمة البرية دونما تردد. في الغالب يظل هذا الصنف من الأحصنة ملازما لحدود القرى التي ترعرع وشقي فيها، حيث يظل يطوف بلا هدف يخرج مع الماشية إلى المراعي ويحشر نفسه معها حين يحل المساء، مرتضيا بقليل من التبن وحفنة من شعير توضع في كيس علفه. إحسان كهذا يكفي هذه الفصيلة بل ويزيد..ويكون الواحد منهم طري العود لا يحتمل الجور ولا القسوة لأنه اعتاد على حياة الإسطبلات الدافئة. هذا الصنف من الأحصنة لا يقوى على مقاتلة الوحوش الضارية فيفترس بسهولة، وتملأ أشلاءه حفرة ما أخيراً.. هذا الشعور بالضعف يجعل الحصان من هذا النوع أكثر احتراسا من غيرها من الخيول، فلا يبتعد عن قريته أكثر مما ينبغي، ولا يتجاوز حدود رائحتها من أجل درء المصائب عن نفسه.
أما الغالبية العظمى من خيول البراري فهي حصن لم تعتد على حياة الإسطبلات، حصن تعرف قراها ومالكيها. أغلبها في ريعان الصبا، والقليل منها جاوز إلى الكهولة. ممشوقو القوام كجذع السنديان، ذوو بأس وقوة. لا يترددون في خوض غمار المخاطر، لا يكترثون بالبرد ولا يهابون من مواجهة الذئاب. وعلى الأغلب يحظى هؤلاء بمالكين مترفين. حينما يحل موسم الربيع يحاصرون من قبل مالكيهم الأصليين من جهة والسماسرة من جهة أخرى.
- ذاك الواقف على حافة الجدول لم يبلغ عامه الرابع بعد. إنه يبهر كل من يراه. يفيد في كل الأشغال. سقه إلى أي عمل تشاء، وكيفما يحلو لك، أو كيفما يتوجب عملك. اربطه إلى عربة، إلى محراث أو إلى نورج لا يهم ...
إذا تمت المساومة بين المالك والسمسار يحاصر الجواد الهائج من أربع جهات ويمسك به. سيظل يقاوم ولا يلجم بسهولة، وإذا كان العنان ركيكا فإنه يقطعه ويهرب، بيد أن الأمر قد عجّم على مدى سنوات طويلة. كما يقال: "سارق المنارة يجب أن يهيئ جرابا ليخفيها " أو كما قالوا في الأمثال " لكل داء دواء". لقد اعتاد صائدو الخيول على ربط قوائم الحصان بحبل في نهايته مطرقة كبيرة ذات رأسين، ثم يتركونه طليقا ليتجول حينا من الوقت بين أصدقائه الجدد من الحيوانات الداجنة، فيتطبع الحصان اياه بعد مرور عشرة أيام ونيف وتثبط عزيمته، ويغدو سهل القياد فيذعن أخيرا لإرادة مالكه ويهب إلى العمل رغم أنفه.
أما النوع الثالث من خيول القطيع تمثله الفرس (دورو) ومن هو على شاكلتها ممن وقع تحت طائلة القدر ذاته.
ثمة خيول من الصنف الأول والثاني بين هذا القطيع الذي استنفره الجواد الأحلس القوي وجره صوب التلال الواقعة إلى جنوب السهل. كانت غالبية الخيول ممن هي في مقتبل عمرها وأواسطه، وهناك قلة ممن هم حديثي العهد بالانضمام إلى القطيع.
بدا (الأحلس) أنه يبلغ السادسة أو السابعة من عمره، أوسط القامة قصيرها، قوائمه متينة، ظهره رفيع وكفليه عريضان تبدو رقبته للرائي قصيرة بعض الشيء، يتمثل كرمز للقوة، تصغي إليه الجياد كافة ضخمها وقصيرها، وتمتثل لصهيله وتتابع ايماءآته ثم تتبعه.
جاء (الأحلس) بقطيعه إلى سفح تل ومن دون اكتراث أخذ يعبث بأعشاب (الجون). راقبت الحصن حركاته حينا ثم راح الواحد منها يتشمم صاحبه. تثاءبوا وظلوا ثمة بلا حراك. كانوا كأنهم هياكل متجمدة هذا الجليد.
خيم الليل على (دورو) وصاحبها وهما عند سفح آخر تل مشرف على السهل. كانا قد خلفا آثار الثلج ورائهما بعيدا، إلا أنهما كانا متأثرين من لسع رذاذ الثلج، فكان يلتصق بجلدهما ثم يذوب على بدنيهما. كانت(دورو) تشعر بنوبات من القشعريرة حتى لكأن البرد قد نفذ إلى رئتيها، فما كانت تتوقف عن الحركة، وتتجول بلا هوادة.
لقد طابت لـ (الأرقش) صحبتها، فكان يتبعها على بعد خطوات مأخوذا بها، تفيض مشاعره حبا إزاء كل حركة من حركاتها، وكان أن خلص إلى رأي : أن (دورو) ذات خبرة أكثر منه هو بالذات.
(الأرقش) هو الآخر كان قد قضى حياة بائسة، عانى خلالها من الظلم والإجحاف ما يفوق طاقته، عومل معاملة أقسى مما كانت تعامل به الحمير. جعلوه يجر المحاريث، ربطوه إلى نورج ثم إلى عربة. لقد كان مالكه إنسانا جاحدا، غليظ القلب، قصم ظهره بأعمال ما كانت تناط إلا إلى الحمير، فجرحت كرامته وأهين أيما إهانة، حتى شعر انه كائن في غاية الوضاعة وليس حصاناً. اعتاد أن يسير لوحده بعيدا عن الماشية في أثناء الرعي، ويتبعها من الخلف في الذهاب والإياب. كان أن قضى سنوات حرمان نسي إبانها شكل الشعير وطعمه، الأمر الذي أدى إلى انهيار قواه وبات لا ينفع في أي عمل.
أمضى ثلاثة مواسم يخرج فيها مع دواب القرية إلى ذرع الجبال والهضاب، وعندما بدأ الشتاء يطرق الأبواب ولم تتحسن حاله، أبلغ بالحكم الصادر بحقه، وهو: الطرد إلى البرية...
لم يبد أية مقاومة تذكر عندما بدأوا بتنفيذ الحكم الصادر بحقه. قطعوا الطريق عليه في ذات يوم بينما كان عائدا إلى القرية خلف الماشية التي عادت من الرعي. لوحوا له، هشوا عليه " أن عد من حيث أتيت" واصطنعوا أنهم يطاردونه، فعاد أدراجه و مضى لايلوي على شيء.
فالقرار لصاحب الشأن أما الجبال فهي للمغلوبين على أمرهم من أمثاله.
كان يتجول في البراري الموحشة لوحده أياما وأسابيع، حتى شعر أن نفسه قد طابت مذ خرج من القرية أحسن بكثير مما كان عليه وهو يعيش فيها. كان قد ألف قسوة الليل وتطبع على وحشته، وهو الذي دمغت حياته بالكد والتعب، كما خلف وراءه ماضيا خاويا ليس فيه من المآثر ما يجعله يشتاق لتذكره، أو أي ذكرى يحن إليها. لذلك فانه شعر كأنه يمتلك العالم برمته حينما التقى الفرس (دورو) وتخلص من الشعور بالوحدة، فضلا عن أن شريكه في هذه المحنة كان (أنثى).
ظلا يسيران طوال الليل سالكين طريقا تميل أكثر باتجاه الجنوب حتى وصلا إلى قلب السهل حيث تتفتق جذور الزرع بوفرة. ملاءا كرشيهما حتى شبعا. حالة الشبع هذه تدفع الكائن إلى التفكير بالحياة والتشبث بها أكثر من ذي قبل، فالارتواء والشبع طيبا الوقع على النفس ويغدران بصاحبهما..يقللان الحقد الذي يكنه الكائن ويشيعان الأمل والبهجة في نفسه.
انقطع دابر القشعريرة التي كانت انتابت (دورو) قبل قليل، وصارت حسية أكثر بعد أن شبعت. بدت علائم البهجة تتألق في السواد الغامق من عينيها فأقبلت على العيش منشرحة النفس، تزيد من تعلقها بالحياة، حتى إنها أصفحت عن مالكها (ابراهيم أوسيون أوغلو) من جانبها، وأخذت تفكر بتلك الحيوانات الكسولة القابعة تحت سقف إسطبل دافئ وتشفق عليها لما كانت تتنعم فيه بطمأنينة وهمية، لابد أنها ستزول يوما. كما ترى الآن أنها كائنات مذلة ومهانة، وإن أكثر ما كان يحز في قلبها هو بقاء مهرها هناك بعيدا عنها. تألمت من أجله لأنه سيظل عبدا مخدوعا بحفنة من الشعير والتبن طوال حياته.. طبعا لن يضيف أحد على حصته شيئا من العلف تقديرا لأمه التي خدمت البيت وكانت لها منزلة مرموقة في غابر الأيام. كانت لها مكانة لدى أولئك الناس بدليل أنهم طردوها إلى البرية حين تقدم بها العمر. وها هي ذي تتلفع العراء، ويتكدس نديف الثلج على تقعر ظهرها، وتنشب الريح سكاكينها تحت بطنها بقسوة متناهية..
تمردت على كل خواطرها " بلوغ حالة كهذه أفضل ألف مرة من... آه ليت مهري كان إلى جواري الآن.." ثم أودعت صهيلا فذاً مميزاً إلى فضاء السهل.
القوى الخفية التي جذبت (دورو) والحصان (الأرقش) معاً إلى السهل هي ذاتها التي جعلتهما يلتقيان الفحل (الأحلس) في الغبشة ليصبح لقاءً مأساوياً. قبيل انبلاج الصبح عاد (الأحلس) بالجياد التي كان ذهب بها إلى مكان ضليل عند التلال الجنوبية، عاد بها إلى السهل المنبسط مجددا فانتشرت بعشوائية، تتقافز وتصطنع الشجار وتترافس، يجمعها شعور واحد هو الاكتفاء والقناعة بأي شيء تقع عليه براطمها. كانت خيول القطيع تهتم بقائدها بقدر ما كانت تهتم ببطنها، لذلك تجد الحصان منها لايدع الفحل (الأحلس) يغيب عن ناظريه أو مرمى بصره.
تناهى إلى أسماع الفحل (الأحلس) صهيل غريب. كان صهيل أنثى... إصاتة مفعمة بالأنوثة. فانطلق إلى الجهة التي جاء منها الصوت. أسرع في الجري كالمحموم، يبحث عن صاحبة الصهيل، إلا أنه لم يرها. كان منطلقا في الاتجاه الصحيح بخطوات عنيدة، ويصهل صهيلا ترتج له أنحاء السهل كافة. جذبت انتباه خيول القطيع وجعلتهم يتوقفون عن الرعي ويرفعوا رؤوسهم. ثم أطلق الفحل الأحلس عدة صهلات أخرى أفسدت هدوء المحيط كله، إذ تنامى إلى الأسماع نباح كلاب من مكان بعيد جداً. تفجر نور صبح باكر على قرية ما بعيدة في عيني (الأحلس) فأبطأ ثم التفت إلى ذلك الاتجاه وصهل من جديد، ثم انطلق إلى الجهة التي جاء منها صهيل الأنثى فرأى حصانين على سفح أحد التلال المقابلة، فأسرع بخطى واسعة واقترب إليهما بهوج.
كان الحصانان واقفين جنبا إلى جنب يراقبان الجواد الهائج القادم إليهما. دنا منهما وراح يحمحم ويشم الفرس (دورو) وهو ينفث بخارا من منخريه. انتفض الحصان الأرقش فجأة، بعد أن أحرقت نار الغيرة شرايينه، فأطلق صهيلا وهجم على الفحل (الأحلس) منتصبا على قائمتيه الخلفيتين. كانت هذه الحركة بمثابة إعلان حرب. وهكذا ستكون هذه الحرب صراعاً بين قوتين غير متكافئتين.
ترك الفحل (دورو) وقام بحركة مرنة دفع بها قائمتي الأرقش الأماميتين اللتين وجهتا إلى صدره، ثم أطلق صهيلا مرعبا، وشب على قائمتيه الخلفيتين ثم طوّح (الأرقش) بضربة كانت من القوة بمكان أجبرته على التراجع من وضع الهجوم إلى موقع الدفاع عن النفس. انتشرت صهلات الخصمين إلى كل الأرجاء. راقبتهما خيول القطيع وأنصتت إليهما بشغف.
بضع ضربات ليس إلا كانت كافية لإلحاق الهزيمة بالأرقش ودفعه إلى الفرار من المواجهة. إلا أن الفحل لم يدعه يفلت بسهولة بل لحق به، وراح يهجم عليه من هنا ويعضه من هناك من أماكن متفرقة من رقبته وجسمه حتى شوهدت الدماء تسيل من رقبته. شعر بنار تشب تحت جلده، تحرقه وتؤلمه. فأفلت من جديد صهلات مكلومة تفصح عن هزيمة صاحبها، بينما كان الأحلس يرسل صهلات قوية مفعمة بالفخر تكشف عن غلبة صاحبها.
أجبر (الأرقش) على الدفاع عن نفسه فأراد أن يقاوم ثانية، إلا أن النتيجة لم تتغير. والأنكى من ذلك فإن الضربات التي وجهت اليه ازدادت ضراوة حتى صار يطلق صوتاً غريبا أشبه بالاستنجاد منه إلى الصهيل.
بعد ذلك ترك الفحل (الأحلس) غريمه (الأرقش) وذهب إلى (دورو) شم بدنها وأطلق صهيلا مطولا ثم مضى إلى قطيعه المنتشر على السهل. ظلت (دورو) متسمرة في مكانها مخذولة. أربكت الواقعة طريقة نظرها إلى الأشياء من حولها. التفتت إلى (الأرقش) الذي كان واقفا في مكان بعيد، ثم نظرت إلى الجواد (الأحلس) الذي كان يسير بخيلاء، وبدا أنه نسي أمرها، وربما لم يكن بحاجة إليها كأنثى... فتبعته. وهل كان يفتقر إلى فرس تكون خاصة له! وهي الهزيلة، مقصومة الظهر تبرز عظامها من تحت جلدها، أولا توجد أنثى غيرها في القطيع؟
تتبعته (دورو) تمشي مطأطئة رأسها إلى أمام. توقفت ثم ألقت نظرة إلى الوراء فوجدت الأرقش لم يزل واقفاً في نفس مكانه مدحورا، كأنه متسمر هناك. كانت (دورو) تضمر له الشفقة برغم شعورها بوضاعة شأنه، وقد وقع من نظرها فعلاً. في حين كان هو يتحاشى النظر إليها. لذلك فانه أشاح وجهه عنها حينما أومأت برأسها تدعوه للانضمام إلى القطيع... يبدو أنه كان موشكا على البكاء..ألم فضيع كان يقطع نياط قلبه. فهذا هو دأبه، ولم يزل هكذا .. ظل وحيداً في آن مفاجئ، إذ تهاوى الحلم السعيد الذي كان يعيشه قبيل قليل، فكيف يجرؤ على التطلع إليها. كانت قد آنسته في وحدته، وبعثت في نفسه الأمل والقوة للتشبث بالحياة. كان يخجل من نفسه، وحزيناً. ومن عظيم حزنه نسي آلامه وجراحه وبقي ثمة محني الرقبة، وقد اغرورقت عيناه بالدموع بسبب طول تحديقه في الأرض. كأن كل ما قاساه من عذاب طوال سني حياته ما كانت تكفي لجعله كائنا مقهورا، حتى جاءت هذه الإهانة لتصبح خاتمة كئيبة تتوج حياته البائسة. أيقن انه فقد حيويته وشبابه إلى الأبد. هذه هي خيبة أمل وضجر من الحياة. في لحظة كهذه إذا هجم عليه ذئب فانه سوف لن يبدي أي حركة، سيصهل" أن تعال وافترسني، مزقني وانهني.."
ظلت الخيول تراقب الحصان الوحيد الواقف هناك عن كثب، ثم طفقت ترعى العشب دون اكتراث.
طابت نفس (دورو) بين القطيع. ظلت لبعض الوقت تنظر إلى الحصن الأخرى بعينين بلهاوتين، ثم عادت إلى العالم الخاص بها. فلم تكن تفتقد وجود الأرقش أو بالشوق لرؤيته من جديد.
بعد أن خيم المساء على السهل وجاء معه البرد القارص سحب الفحل قطيعه ثانية إلى مكان ظليل ليتيح له فرصة للتناخس لكي تحافظ الخيول على دفء أجسامها.
أزجى (الأرقش) سحابة يومه يرنو إلى القطيع عن كثب، ولا تطاوعه نفسه في الانضمام إليه خشية أن تنشب معركة بينه وبين (الأحلس) من جديد، يوجعه النظر إلى الفرس (دورو) ويعتوره شعور بالخجل مثل سكين كانت تعمل في أوصال بدنه. رقبته ما فتأت تنزف دما، فضلا عن أن عذاب ليل البارحة كان جاثما على كاهله. وعلى الرغم من ذلك كانت تعتمل في نفسه رغبة خفية تجتذبه للانضمام إلى القطيع، لكنه أمضى ليلته في بحران من القشعريرة على بعد بضعة أقدام عن تجمع القطيع.
انفلت صهيل متواصل استنفر الجياد وجعلها تدق آذانها، وتجتمع على وجه السرعة. كانت أنفاسها مسموعة. سمعت عدة صهلات أخرى وئيدة أضعف من صهيل الفحل، ثم انتظم أفراد القطيع صفا واحدا باتجاه الشمال. كانت هنالك ثلاثة جياد في مقدمة القطيع. الفحل في المقدمة يليه إلى الخلف قليلا جوادان منتصبا الأذنين، قويا الأرجل يقفان على أهبة الاستعداد.
كان المطر يتحلب على السهل مصحوبا بالثلج، وقد تلاشت حدود الأفق شيئا فشيئا، وانحسر مجال الرؤية حتى تقلص إلى مئة متر أو مائتين. كانت أقرب التلال إلى مرمى البصر تزوغ ثم تظهر، والغيوم تهبط إلى الأسفل بطمأنينة وبلا خوف، وتنشر البرد القارص على الروابي وترتفع إلى الأعالي من جديد، فغمرت كل الأرجاء بالجليد والصقيع. جو كهذا كان متوقعا منذ أيام خلت. أما الليلة فكانت تنذر بما هو أسوأ من ذلك، فالريح قد بدأت تصفر، واضطربت السماء وغشيت الأفق. وكان من المتوقع أن تهطل السماء بجنون مطرها مصحوبا بالثلوج لتوحد الهضبة والجبال والتلال بلون عدالتها البيضاء.
بعد مرور وقت ليس بطويل بدأت الريح تعصف في أرجاء السهل برذاذ يعمي البصر كأنه حبيبات رمل. تنثره تارة في هذا الاتجاه وتعصف به أخرى في اتجاه آخر، وتضرب به أديم الأرض مرة، وترفعه إلى عنان السماء مرة أخرى. كانت ذرات الثلوج تتحرك على الأرض فتجعل التراب يتصلب إلى الحد الذي تُسمَعُ فيه طقطقة تكسره تحت قوائم الخيول. ثم ظهرت بقع بيضاء من رمال الثلج هنا وهناك في الأماكن الظليلة التي لا تؤثر فيها الرياح حتى أمسى الجو مروّعاً والظلمة أكثر حلكة. غضب الطبيعة هذا سيطول أمده هكذا إلى أجل غير معلوم. فالربّ وحده يعلم متى سيعود الوئام إلى هذا السهل.
أطلق (الأحلس) صهيلا ينذر خيوله فانتبهت إليه كلها ومدّت رقابها في جوف الفراغ المعتم أكثر قليلا من السابق، وأصاخت السمع. تناهى صوت غريب تردد رجعه في أتون صفير العاصفة. كانت هنالك بضعة ذئاب تعوي.
كم هو عددها؟ ثلاثة، خمسة.. أم أكثر؟ فالتكهن بأمر كهذا في غاية الصعوبة الآن، لأن الريح الهوجاء هذه تضخم الأصوات وتجعلها تتصادى أيما تصاد.
صهل الفحل الأحلس ثانية ثم أعقبه الجوادان فأطلق كل واحد منهما صهيلا مدويا واصطفا خلف قائدهما. مشيا خلف القائد مشية فيها قوة وتحد، قوة مذهلة في الاستعداد للقتال، وعزيمة في ردع الذئاب المفترسة. أما خيول القطيع التي كانت في المؤخرة فأنها شعرت بدنو الخطر لذلك ازدادت التصاقا بعضها ببعض. كانت (دورو) وسط القطيع تماما. الغريزة والعاصفة معا دفعتا (الأرقش) الذي كان يجر أذيال العار، إلى الاقتراب من خيول القطيع. لم يكن يرغب في الاقتراب إلى (دورو) أو الظهور أمام ناظريها، فارتأى أن يلوذ بنهاية الجناح الأيسر من صف الخيول. وقف هناك و أدق أذنيه و انتظر ما سيحدث.
لم تكن (دورو) تفهم أياً مما يجري حولها، ولم تكن قد خبرت شتاءً كهذا، ولا عاصفة كهذه. لقد قضت معظم حياتها في إسطبل دافئ، كانت تودَع فيه مع بداية موسم البرد. ويقدم إليها الكثير من التبن والشعير. ولا تسمع من مكانها في الإسطبل سوى أصوات القضقضة والطقطقة التي تثيرها الدواب، فكانت تتخيل أن هنالك طواحين عديدة في الجوار تدور رحاها لطحن أنواع من الحبوب. وفي أغلب الأحيان حتى الماء كان يجلب إليها لتعبه بكسل وهي جاثية في زاويتها بالإسطبل. لذلك تعوّد جسمها على الخمول وطاب لها الكسل. شتان ما بين الأمس واليوم. كيف ستتحمل (دورو) هذه القسوة؟ كانت تنتابها القشعريرة وتشعر كأن قطعة من الجليد تعلقت ببطنها... ومن أجل التغلب على البرد ظلت تراوح في مكانها دونما كلل...
غاب الفحل والجوادان في لجة العاصفة، بينما كان صهيلهم يصل إلى مسامع الخيول المرابطة في الخلف. اهتاجت في بادئ الأمر ثم انطلق رعيل منها مؤلف من خمسة جياد، وهي تصهل ملبية نداء قائد القطيع. وما تبقى من القطيع لم يكن سوى مجموعة من أجلاف الحصن ظلت في المؤخرة. (دورو) و (الأرقش) كانا من ضمن هذا الرعيل. أقل ما يقال عن هذه الحصن أنها دواب مهانة، نهمة آثرت أن تتخذ من العلف عدواً لها، فتركت لملاقاة مصيرها بعد أن صارت سقط متاع وهي حديثة عهد في البرية. تبادلت هذه الحصن نظرات حائرة بين بعضها بعضا، ثم تراهصت حتى التقت (دورو) مع (الأرقش) عينا بعين، فأشاح هذا برأسه عنها وانتقل إلى مكان آخر حيث لا يكون بمقدورها أن تراه، ولا هو يراها. كان الرعيل المتأخر يتقدم بتثاقل، كأن الجياد التي انطلقت إلى الأمام تجرهذه الأحصنة عنوة وبحبل غير مرئي.
كانت السماء كأنها تنخل الثلوج كالدقيق، أما الريح فكانت تزمجر وتذر ما ينزل من السماء وتجعله شذر مذر، تعصف به هنا وهناك ثم تغرزه في أبدان الخيول وتشكه في عيونها.
انتشر صهيل متفرق في فضاء السهل أعقبته عويات مطولة. الفحل (الأحلس) وظهيراه الباسلان كانوا منطلقين بوثوق ينطوي على رغبة عارمة في القتال لا مثيلها لها لملاقاة الذئاب، يدل صهيلها على مدى بأسها ووثوق خطاها ينم عن شعور عظيم بالاعتداد بالنفس. هذه الخيول كانت تهاجم ثلاثة ذئاب رمادية قد ظهرت من خلال ستار الثلوج المتطايرة. كانت الذئاب واقفة تحدج في الجياد المتقدمة. مط أحد الذئاب رقبته ثم رفع رأسه إلى السماء وأطلق عواء رهيبا أعقبه الذئبان الآخران بإطلاق عواء وتأهبا للاشتباك بالجياد.
حينما صارت الجياد على بعد خمسين مترا انطلقت الذئاب أيضا بكل ما أوتيت من قوة. اختار كل ذئب لنفسه هدفا من الخيول الثلاثة. إنه صراع التقت فيه قوتان جبارتان. اختلطت أصوات الصهيل والعواء بأصوات الارتطام الناتجة عن اصطدام هذه المخلوقات بعضها ببعض. كانت ثمة كائنات من لحم وعظام تتصارع فيما بينها بشراسة وغضب.
حمل أحد الذئاب على الفحل (الأحلس) ووجه مخالبه إلى صدره، فشب الجواد على قائمتيه الخلفيتين ثم اندفع بالهجوم على الذئب وجعله يتقهقر. أخذ الذئب يهر كالكلب. ثم عاود الفحل الكرة ثانية وانقض على غريمه فمال عنه الذئب جانبا، إلا أن الفحل استدار بحركة مرنة وفي لمح البصر طوح الذئب برفسة عاجلة مميتة هشّمت عظام فكيه، كما أسقطت أسنانه واقتلعت عينه اليسرى. إذ ذاك أخذ الذئب يهرّ ألماً ثم تهاوى على الأرض. تأكد للفحل أنه قد أنهى مهمته في بحر ثوان ليس إلا حين راحت الدماء تنبجس من فم الذئب المهشم، فهب إلى الذئبين الآخرين اللذين كانا مشتبكين مع الجوادين. كان كل واحد من الجوادين يصارع ذئبا. إنه صراع رهيب يزلزل صخبه أرجاء السهل، ويطغي على صفير الريح العارم، وينتقل مع رذاذ العاصفة من هنا إلى هناك حتى بلغ بعد وقت قصير إلى القرى النائية. فأدقت معظم الكلاب أذانها وأخذت تنبح في الظلام باتجاه مصدر الأصوات. وجرت العادة في القرى أن يتحدث الناس حول مواقدهم عن هذا الصراع:
- إذن اشتبكت الذئاب مع قطعان البراري.. إنها وحوش كاسرة لن تتراجع ما لم تبطح دابة عجفاء..
وفي الحقيقة لم يكن الأمر يجري على هذا المنوال!
إذ أن الذئبين الآخرين لم يكسبا سوى الخسران في صراعهما مع الحصانين.عندما تتدخل الفحل (الأحلس) تراجع أحد الذئبين ثم تبعه الآخر، ولاذا بالفرار في حين ظلت الجياد تطارد الذئبين لمسافة ما ثم عادت أدراجها خبباً. أخذ كل جواد يصهل على هواه بزهو وفخر دون أن يأبه بالعاصفة. ثم استنفر الفحل قطيعه ويمم به صوب النهر الذي يشق السهل فتبعته الخيول طواعية. من بعيد كان يسمع عواء الذئاب، بيد أن ذلك لم يعد يخيف الخيول البتة لأن الهزيمة التي منيت بها الذئاب زادت من ثقة القطيع بنفسه. فكان أن أفعم الجميع بشعور حب الحياة والإصرار على التشبث بها. ولم تبق (دورو) بمنأى عن هذا الشعور وحسب بل راحت تخب بين الجياد بخيلاء رافعة رقبتها، ناسية خمولها المعهود الذي كانت ملازمة اياها فيما مضى من الأيام.
وقف الفحل عند حافة الجرف المطل على النهر ريثما يصل باقي أفراد القطيع، فجاءت الخيول واصطفت أمامه على نحو لا اتساق فيه. وألقت نظرة إلى النهر الكائن في أسفل المكان بعمق يتراوح بين خمسة أمتار إلى ثمانية، وتفصله عن جدار الجرف أرض يبلغ طولها نحو عشرة أمتار. للوصول إلى النهر يتوجب النزول من هذا الجرف ذي المنحدرات العمودية في بعض الأماكن. أومأ الفحل (الأحلس) برأسه كأنه يريد القول " راقبوني وأفعلوا كما أفعل" ثم لوى رأسه إلى الخلف وهبط عبر المنحدرات الملتوية مثل من يتزحلق في المنعطفات. شاهدته الخيول جميعها، وبدت أنها فهمت مغزى كل حركة من حركاته. حمحم الفحل ثم عدل وجهته صوب النهر وكأن شيئا لم يكن على الرغم من هيمنة الصراع الجاحم بين العاصفة والليل على الأرجاء. بعد ذلك تبعته الخيول في نزول المنحدر وهي تشق الثلوج المتراكمة في الجانب الظليل من الجرف، وتذره بقوائمها.
كانت العاصفة الهوجاء تدوّي فوق رؤوس الخيول ولكنها لم تكن لتصل إلى الأسفل، فيما كان رذاذ الثلج يجتمع عند شفى الهاوية. أما النهر فكان مستكينا يغشاه الضباب. هناك عند النهر تناخست الخيول وكأنها بذلك تريد المحافظة على الدفء وعدم التفريط بنصف سعرة من الحرارة التي تتبخر من أجسامها.
أما من كان يصارع الليل ويقارع وحشية العاصفة فهو الذئب الذي جرح في أثناء النزال مع قائد القطيع، وتهشمت فكه وقلعت إحدى عينيه، ومازال موضع الرفسة مشوّها تسيح منه الدماء بلا توقف، ولم يبق ما يشبه الرأس على جسده. نهض بصعوبة بالغة ثم سقط من جديد، لأن أي جزء من جسمه لم يكن يطيع إرادته المحطمة.. حتى أنفاسه المضطربة المتحشرجة وهنت وتغلب عليها صفير العاصفة، ولم يصدف في حياته أن ألمت به كارثة كهذه ولن يصادف بمثلها بعد الآن.
لقد قاتل كلابا عديدة وفتك بقطعان مختلفة في هجمات لم يرجع من أي واحدة منها خالي الوفاض. فالحملان التي مزقها والكلاب التي أرعبها لا تعد ولا تحصى، وقد صرع جيادا حتى.. قبل سنتين أو ثلاث كان أن صرع جوادا برياً، وترك جثته في العراء لتتعاقب عليها بنات آوى والعقبان على مدى أيام عديدة. كانت تلك القصة من أكثر قصص تقسيم الغنائم سخرية. ذلك أنه بعد أن افترس الحصان وأخذ نصيبه ترك الفطيسة في العراء فعثرت عليها بنات آوى أولاً وبقيت تحكم قبضتها على خوان الوليمة لأن العقبان كانت ساهية لا تبارح أوكارها فوق قمم الجبال. وبعد يومين أو أكثر عندما صار الجو صحواً اكتشفت العقبان السابحة في السماء وجود فطيسة على مسافة غير بعيدة، حينئذ أسبل قائد السرب جسمه المغزلي إلى المكان حيث تتواجد الجثة. تبعته بقية العقبان وانقضت على الفريسة انقضاضا مفاجئا أرعب بنات آوى ففرت ذات اليمين وذات الشمال كأن رعداَ من السماء قد صعقها. فرت وهي تطلق أصواتا غريبة هي بين العويل والصراخ.
بينما كان الذئب واقفا على رابية تقع على السفح الشمالي للهضبة يتابع عن كثب حركات بنات آوى بكبرياء وانتشاء وهي تمزق فريسته. وأخذ يسخر من ثعلب مرتعب من العقبان فرّ باتجاهه دون أن يدري. لقد حز في نفسه فرار واحد من أبناء جلدته على هذا النحو. لم تكن العقبان قد ازدردت شيئاً من الفطيسة حين انطلق الذئب فجأة ليخيفها فاعتلت العقبان إثر هذا الهجوم المباغت، وأخذت تحوم في السماء قريبا من الأرض على ارتفاع بضعة أمتار فوق الجثة، والذئب واقف بكبرياء يذود عنها. فكرت العقبان لبعض الوقت في أمر هذا الدخيل. آنذاك أقعى الذئب ورفع رأسه إلى أعلى يراقب حيرتها.
قامت العقبان بهجوم مباغت لم يكن في الحسبان فأرتبك الذئب وشب على قائمتيه الخلفيتين كالحصان، وهو يزعق، وكان أن اعتلت العقبان بعد أن صدمته بجذوعها وأجنحتها، وعاودت الكرة ثانية. كان انقضاضها وطيرانها من جديد وضرباتها من السرعة بمكان لم يبق أمام الذئب خيار آخر سوى الهرب. فلاذ بالفرار وهو يجر أذيال الهزيمة ولم يجرؤ على الاقتراب إلى ذلك المكان لأيام عديدة. أما بنات آوى فقد بقيت تتفرج على العقبان ولم تجازف بالاقتراب إلى الفطيسة إلا باحتراس بالغ وحين يكون الجو غائماً. وهكذا اقتسمت تلك الوليمة بين العقبان وبين بنات آوى على هوى العدالة التي كانت تفرضها القوة والفرص التي تتيحها الطبيعة.
ذلك الذئب الذي صرع حصاناً في مقتبل حياته هاهو يختتم نهايته برفسة جواد قوي. فما زالت لديه من القوة ما تجعله ينهض ليقف على قوائمه، ويمسك بنفسه واقفا لبعض الوقت وإن كان بشق الأنفس. وفي الحقيقة لم يكن قد تبقى لديه أي شيء يذكر من القدرة على الوقوف باتزان على قوائمه. نقل خطوة أو خطوتين فانفرجت قائمتاه الأماميتين وراحت كل واحدة منهما إلى اتجاه مختلف، فتكوم كجثة هامدة.
كان الليل يدوس على رأسه المهروس بعقبيه، وتستل الريح سكينها و تطعنه بين فكيه المهشمين ثم تأخذ طريقها فتشق مجرى تنفسه و تغرز في رئتيه عملا في تفجيرهما. فجأة تجمدت قوائمه المنفرجة والتوى رأسه إلى الخلف على ظهره، وظل حيث سقط حتى ملأ رذاذ الثلج الفراغ الذي كان أمام صدره وفوق ظهره. وفي غبش الفجر عندما تبين الخيط الأبيض بدت ثلاثة أشكال من معالم جثته التي دفنتها الثلوج.


الروائي التركي عباس سايار

ولد ( نائل عباس سايار) في العام 1923 بمدينة يوزغات. بعد أن ينهي دراسته الثانوية يتزوج ويسكن باسطنبول، حيث تتاح له فرصة العودة إلى مقاعد الدراسة كطالب في قسم اللغة والأدب التركي في جامعة اسطنبول. ثم يتركها في مطلع الأربعينيات من القرن المنصرم ويمتهن التعليم في مدرسة ابتدائية كمعلم لبضع سنوات ثم يعمل في الطباعة ويتسنى له اصدار أول جريدة محلية خاصة بمدينة يوزغات باسم " بوزلاك"
نشر أغلب مقالاته وكتاباته في الصحف المحلية بـ ( يوزغات) مثل صحيفة (بوزاوك) و (أيلري) بعد ذلك انخرط في عالم السياسة وخاض معتركها الا أنه انصرف عنها مبكراً.
بعد زواجه للمرة الثانية رحل الى مدينة (آيواليك AYVALIK) واستقر هناك لينصرف للكتابة والرسم وأقام معارض شخصية له في انقرا، انطاليا، آيواليك و أزمير.
فارق الحياة في الثاني عشر من آب 1999 في مدينة أزمير.
بدأ الكاتب عباس سايار بكتابة الشعر في بداية حياته الأدبية وخلف من بعده نتاجا غنيا في مجال الشعر والرواية.

أعماله
نشر في الشعر ست مجاميع شعرية هي :
- ( قارب القلب- 1946)
- (رسائل الى نيكو- 1957)
- ( مثل - 1960 )
- ( شيء – 1966)
- (هبوب- 1969)
- جمعت كل أعماله الشعرية فيما بعد في كتاب واحد بعنوان : (الصوت المعلق بالفراغ- 1991) .
شعر سايار ذو معنى عميق ومؤثر يغلب عليه الشعور الاجتماعي و يتجسد فيه حب الانسان والطبيعة.
في الخمسينات ينتقل سايار الى الكتابة الروائية ويكتب أول رواية له في هذا المجال وهي رواية "حصان القطيع" الا أن نشرها واعادة النظر في صياغتها مجددا من قيل الكاتب نفسه لا تتم الا في العام 1970 حيث تنشر بعدها ويكتب عنها الكاتب التركي (اوكتاي اقبال) على إنها حدث مميز لتلك السنة فيمنح عنها جائزة التفوق التي كانت تمنح للمبدعين من مجمع الاذاعة والتلفزيون" TRT" في 1971، بعد ذلك أعدّت الرواية للسينما من قبل الفنانين حسين كراكاش و اونال كوبالي.

حصان القطيع
رواية حصان القطيع رواية بطلها حصان أو لنقل فرس أي (أنثى) تترك الى البراري بعد أن تمسي كائناً بلا نفع لصاحبها القروي الفض (ابراهيم أوسيون أوغلو) انها قصة يروي لنا كاتبها فصولاً من حياة حيوان يهمل ويترك في البراري تحت رحمة الطبيعة القاسية والوحوش الضارية، وفي الجانب الآخر من الأحداث المروية ثمة سكان القرى الذين يرفلون في ظل الفاقة والبؤس جنبا الى جنب مع اللاأبالية والكسل لما يدور حولهم. الا ان أهم ما يلاحظ في الرواية انه حين يجري الحديث عن الفرس (دورو) واحاسيسها كفرس تبعد عنوة عن مهرها نتصور ان الحديث انما يجري عن معاناة أم ينتزع منها وليدها وتطرد الى الأزقة لتبقى وجها لوجه مع قدرها في مواجهة الذئاب في مدينة عصرية، أو كأنها كائن بشري يقع تحت طائلة الإجحاف وتستلب ارادته، حتى ان كلام سايار عن الفرس (دورو) مرضها، معاناتها وذكرياتها أيام كانت في مقتبل العمر وصاحبها يقبل حافريها عندما كانت تفوز في مسابقات الجري أو حين يزهو بها وهو يشدها الى العربة أوحين يقدم لها العلف الجيد ويعتني بها أيما اعتناء ثم حين اعلانه لقرار طردها الى البرية لا يمكننا ان نمنع أنفسنا من الاعتقاد أن ذلك الكائن ليس مجرد فرس تلقى خارجا أو تطلق عليها رصاصة الرحمة، بل انها انسانة مستلبة تركها زوجها أو صاحبها أو طردها لتصبح نهبا للأوغاد في أزقة اسطنبول بعد أن نالت منها السنين. انها حقا قصة عن معاناة انسانية فريدة من نوعها ولكن بطلها حيوان (فرس).


جلال فتاح رفعت
مترجم من العراق- كركوك
jalalrifat@yahoo.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

تعليقاتكم
1. عاشت ايدك على الترجمة
محمد هاشم الصالحي | 22/2/2010 الساعة 14:10
لقد اطلعت على الترجمة الجميلة وهذا مجهود كبير في زمن صعب مثل زمن العراق. احييك استاذ جلال
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: