حسن السلمان
"حجاب العروس"...وخطايا السلطة
10/02/2010
![]() |
محمد الحمراني |
(حجاب العروس ) ، هي الرواية الرابعة والأخيرة للشاعر والروائي الراحل محمد الحمراني الصادرة عن دار المدى عام 2008 ، بعد ثلاث روايات : ( انفي يطلق الفراشات / دار ألواح / اسبانيا / عام 1992 ) و ( الهروب الى اليابسة / دار الشؤون الثقافية العامة / عام 2001 ) و ( النائم بجوار الباب / دار الشؤون الثقافية / عام 2003 ) ، كان من خلالها يبحث عن اسلوبه ورؤيته في السرد الروائي الحديث، متأرجحاً مابين هاجسه الشعري الذي أسفر عن مجموعتين شعريتين هما ( خطر ) و ( عواصف قروية ) حتى استطاع أخيرا ان يستقر بشكل واضح على اسلوبه في رواية حجاب العروس .
اذ خفت النبرة الشعرية العالية والعبارات الاستعارية ، والقصائد المنصصة ، والتشبيه ، وهيمنة الفضاء الشعري على إرساليات نصوصه الحكائية ، وحل بدلاً عن ذلك شعرية السرد بوحداته المتعددة من حكي ووصف وحوار وأمكنة وشخصيات متعينة وحبكة وغير ذلك مايدخل في تشكيل الفضاء السردي الروائي عبر تعالق الوحدات وتأثيراتها المتبادلة ، بالاضافة الى استخدام التوثيق للأمكنة ، والاحداث التاريخية ، وتفكيك الأنساق السوسيو ـ ثقافية ، للوقوف على سياقاتها المنتجة لمنظومة المفاهيم والتصورات وامتداد تاثيرات تلك الانساق الى صلب الثقافة الراهنة التي تتحكم بفئة او شريحة ما من فئات او شرائح المجتمع . وقد أحسن الراحل صنعاً حينما كتب عن أحداث وأشياء وفضاءات يعرفها جيداً ، فقد قيل ان تكتب عن اشياء تعرفها ، تحقق في نصك المصداقية والإقناع لشد القاريء وتفاعله مع أحداث وخطابات النص المختلفة .
تدور أحداث الرواية في بيئة ريفية وبالتحديد ضمن الرقعة الجغرافية لأهوار ميسان حيث عاش الراحل معظم ايام حياته القصيرة ، ويتمحور خطابها عن كيفية الوصول الى السلطة بوصفها أداة وآلية لبسط النفوذ والتحكم بالآخرين ، عبر خطين متوازيين يمثلان حكايتين لشقيقين يطمعان بامتلاك السلطة ، وهما ( مطر ) و ( رمضان ) . تبدأ حكاية مطر عندما اصيب بطلق ناري عن طريق الخطأ ، ويستدعى كاهن صابئي اشتهر بقدرته الخارقة على الإتيان بأفعال يعجز عنها البشر العاديون لمعاينته . فالشيخ جنزيل وهو اسم الكاهن : ( هو شيخ الصابئة في قرية الهدام التي نعيش فيها ، وان القرية بأكملها تخاف منه ، وتحفظ قصصاً عجيبة ومعجزات خارقة قام بها ، زادت من شهرته وتخوف الآخرين منه وكانت آخر معجزاته التي رددها أهالي قرية الهدام ، هي إعادتي للحياة ) هذا ماجاء على لسان مطر في نص الرواية . حيث يوشوش الكاهن بضع كلمات في إذن مطر الذي يستفيق ، لتهب أم مطر ابنها الى الكاهن إكراما وعرفاناً لكونه أعاده للحياة . وبالفعل يلتحق مطر بالكاهن الذي يعمده ويطلعه على الكتب المقدسة للطائفة ويلزمه بحضور أيام الآحاد التي تأتي فيها الطائفة للمندى ، أي المعبد ، لأداء الصلاة وإقامة شعائر العبادة وتلقي تعاليم العقيدة الصابئية ، ومن ثم يعزز الشيخ جنزيل مكانة مطر الذي حول اسمه الى نور ، بان نور هو خليفته في المشيخة سواء غاب او رحل عن الحياة . بيد إن نفس نور التواقة لمزيد من السلطة والاستحواذ تجعله ينحرف عن الاكتفاء بتلقين الطائفة التعاليم الدينية كمساعد للكاهن ، مستغلا حادثة سقوطه من على سطح المعبد ، وسردها على الطائفة بشكل أسطوري للإيحاء بأنه لايقل قدرة وكرامة عن معلمه ، حيث اخبرهم بأنه طار الى السماء والتقى هناك بالملاك جبرائيل الذي طلب منه ان يكون نبيا ولكنه لم يصمد امام النور الإلهي فسقط مغشيا عليه .. ومن ثم انتشرت هذه الحكاية الخرافية في القرية الى جانب الحكايات الأخرى، كمعرفته بالغيب والمصائر وراح الأهالي يتداولون هذه الحكايات دون أن يتسرب الى نفوسهم الشك ، وهذا يعود بطبيعة الحال الى الجهل وقلة الوعي عند الناس البسطاء الذين يعانون من صعوبة الحياة والقلق من المصير المجهول لعدم شعورهم بضمان ملموس لمستقبلهم وخصوصا الناس المعدمين حيث : (يزداد انتشار الخرافات كلما زادت ظروف الحياة صعوبة ، وزادت الأخطار التي تهدد كيان الجماعة ، أي ان الخرافات والمعتقدات الخاطئة تكثر وتعم وتنتشر بانتشار حالات القلق والاضطراب والشعور بالضعف والعجز عن مواجهة المشكلات الحياتية ومخاطرها. ) ولم يكتف نور بإطلاق الحكايات الخرافية ذات الصبغة الدينية ، بل راح ينهل من الكتب التراثية كألف ليلة وليلة ورحلات السندباد وغيرها ويولفها ضمن حبكة شخصية لتعزيز مكانته السلطوية وفق المبدأ البراغماتي الميكيافيللي ( نسبة الى الفيلسوف الايطالي ميكيافيللي ) الااخلاقي القائم على ان الغاية تبرر الوسيلة ، وان الاكاذيب اذا كانت محبوكة بقوة والأرضية ملائمة لتصديقها كما هو الحال في المجتمعات المتخلفة ، لها مفعول السحر في التاثير على الآخرين وإخضاعهم ، حيث استخدم نور الكيفية المعرفية القائمة على الخرافات والأوهام في تحصيل سلطته . بيد ان نور يذهب بعيدا في استخدام سلطته ويرتكب خطأً فادحاً ، يتمثل بإقامة ضريح للكاهن الذي توفي بالاستعانة بمعمار يهودي، فتثور ثائرة الطائفة بدعوى ان اليهود هم من طردوهم من ديارهم وقتلوا اجدادهم ، فيقاطعون نور ويتهمونه بالخيانة ، ومن ثم تتداعى الأحداث بإحراق المعبد من قبل مجموعة من الفلاحين المتعصبين ، ليفر نور الى ولاية العمارة بصحبة عائلة كردية ويستقر عاملا في معمل لصناعة الصابون مفلسا إلا من احلامه التي تبخرت مع طغيانه وهيمنته .
اما الخط الثاني ، فيمثله شقيق نور ، المدعو رمضان ، الذي يتخذ من الدين وسيلة للوصول الى السلطة ، فيذهب الى النجف ويدرس لأشهر معدودات في احدى المدارس الدينية في مدينة النجف ، متتلمذا على يد شخص مغمور ، لايفقه من علوم الدين سوى بعض المعلومات عن الحلال والحرام وارشاد الناس الى الطريق عبر مفاهيم ونصائح معروفة للجميع . ليعود رمضان بعد ذلك الى قريته بزي رجال الدين مزهواً بعمامته التي البسها إياه أستاذه ،ويستقبل من قبل أهالي القرية بالاجلال والاكرام ، ويقوم من ساعته بعقد المجالس ناصحاً ومحذراً الأهالي من الاعمال السيئة التي تؤدي الى النار ، والافتاء ببعض الامور بين الناس بغير علم ، وما ان يوطد اقدامه كرجل دين ، حتى تداعب قلبه شهوة السلطة . حيث يقوم ببناء قصر كبير له بجوار المسجد الذي بناه من قبل ، ويؤثثه بالفاخر من الأثاث ، ويجمع من حوله حاشية بقيادة السركال سعد المسعود ، ويخبر الفلاحين بان الحرب العالمية على الابواب وعليهم تخزين ما بحوزتهم من غلال ومؤن في قصره الآمن ، ومن ثم يقوم بتحريض الفلاحين على الانتفاضة بوجه الإقطاعي وعدم دفع الضرائب بعد شرائه لذمم البعض بالهبات والوعود بحياة كريمة مستخدما كيفيتين لممارسة سلطته في ان واحد ، وهما ( الكيفية التعويضية ) التي : ( تتمكن السلطة من خلالها من فرض إرادتها وإخضاع الغير لها عن طريق عرض مكافآت ايجابية ومنح شيء يتضمن قيمة ما للفرد الذي يتقبل الخضوع ... وكسب ولائه واخلاصه مقابل ما يتمتع به من منح وهدايا ، ومايقدم له من اغراءات مادية تصل الى حد شراء الذمم مقابل الخضوع والاذعان والسكوت عن ممارسات السلطة وخطاياها ) ولإخضاع الغريم الذي يرفض التنازل عن سلطته والمتمثل بالاقطاعي عبود وحاشيته ، يستخدم رمضان ( الكيفية القسرية ) التي تقوم على العنف والتنكيل اذ : ( يرتبط تاريخ السلطة القسرية بعلاقة وثقى بينها وبين العقوبة الجسدية .. والتمثيل بالافراد وتعذيبهم حتى الموت في كثير من الاحيان ) كما يستخدم رمضان الى جانب تلك الكيفيات السلطوية ( العنف الرمزي ) : ( وهو يقوم في احيان كثيرة على الحيلة والدهاء والتهديد باستخدام العنف المباشر ) حيث تشبه هذه الكيفية سياسة استخدام القوة الناعمة التي تستخدمها الدول الكبرى في إخضاع الدول الأقل شاناً والخارجة عن طاعتها ، حيث تمارس ضدها في الوقت نفسه سياسة الترغيب والتهديد . وبعد استخدام كل هذه الاساليب والكيفيات ينجح رمضان في تحقيق اهدافه مدعوما من قبل الجماهير الفلاحية ، التي تندفع بجنون لمؤازرته دون مراجعة او تريث وهي حالة حددها ( جوستاف لوبون ـ وهو فيلسوف ومؤرخ فرنسي متخصص بالحضارات الشرقية ) بـ ( سايكولوجية الجماهير ) : ( الذي يصف الجماهير في حالة تجمعها واندفاعها وحماسها ، بانها ابعد ما تكون عن التفكير العقلاني المنطقي .. وكما ان روح الفرد تخضع لتحريضات المنوم المغناطيسي ، فأن روح الجماهير تخضع لتحريضات وايعازات احد المحركين او القادة الذي يعرف كيف يفرض إرادته عليها ) تماما كما هو الحال في الانقلابات الثورية لخطف السلطة . وهكذا يتحول رمضان من رجل دين وداعية اخلاقي الى حاكم بعد ان رضخت لمطاليبه السلطات العثمانية ، ونصبته رسميا شيخا على منطقته ، مقابل استحصاله للضرائب والإتمار بأوامر سلطة الاحتلال بعد ان منحته الهبات والصلاحيات في تسيير شؤون الرعية . بيد ان رمضان ، وكما لو ان التاريخ يعيد نفسه بخصوص تنصل الحكومات الثورية بعد نجاحها من وعودها للجماهير بحياة حرة كريمة ، ينقلب رمضان على من ناصره وسانده وينكل بالجميع ، مانحاً حاشيته الصلاحيات الواسعة بالتصرف على هواها ، ومنها سلب وإحراق معبد الصابئة الذي كان يقوم على خدمته شقيقه نور بدوافع طائفية ، واثقال كاهل الفلاحين بالضرائب الباهظة ، ومصادرة اراضي الخارجين عن طاعة الشيخ ، وتكميم افواه المعارضين ، وغير ذلك من الممارسات الارهابية . وتحت اغواء السلطة يقيم رمضان علاقة عاطفية بابنة الوالي تنتهي بالزواج درءاً للفضيحة ، ليصبح رمضان بعد مصاهرته للإمبراطورية العثمانية الآمر الناهي في القصر السلطاني بعد ان ترك قريته ، وربط مصيره بمصير المحتل ، لتنتهي حياته نهاية مأساوية بقتله على يد قطاع طرق اعترضوا مركب الوالي الذي استدعي الى بغداد بعد اقتراب القوات البريطانية من العمارة ، وقتلوا حمايته من الجنود الانكشاريين واسروا ابنته واغتصبوها ، ليواصل الوالي رحلته مع ابنته بعد تخليه عن كل ما يملك للصوص مقابل استردادها ، مخلفاً وراءه رمضان وهو يتابع بعينين داميتين مركب أحلامه يمضي بعيداً وهو في الرمق الاخير . مما تقدم وعلى الاجمال ، نصل الى حقيقة مفادها ، ان كل سلطة تستحصل بالكيفيات اللاشرعية ، المستندة الى القوة الغاشمة والاساليب الملتوية كما مر بنا ، مآلها الفشل الذريع المخزي والنتائج المأساوية ، ولا توجد حتى الان سلطة تتسم بالنزاهة المطلقة ، ورضا الجميع ، وتتضمن سر بقائها وديمومتها ، واذا افترضنا وجود تلك السلطة القائمة على ( الكيفية التلاؤمية ) حيث : ( يتم تبادل الرأي ، وعن طريق الإقناع والتثقيف والالتزام بما يبدو طبيعياً وملائماً وصواباً يخضع الانسان لرغبة الفرد او الافراد الاخرين .. / حيث ان / السلطة التلاؤمية نتاج سلسلة من عمليات الاقناع العلنية والموضوعية لما يريد المجتمع من الفرد ان يؤمن بصحته ذاتياً في السياق الاجتماعي العام ) يتسرب الى نفوسنا الشك بامكانية قيام مثل هكذا سلطة مثالية .. اذ لم نسمع على مر التاريخ قيام سلطة خالية من الاخطاء او مقبولة من الجميع وبالتالي لاوجود لها على ارض الواقع ، وانما هي مجرد نظرية يوتوبية قيد التمني . اما ما يخص البناء السردي ووجهات النظر او زوايا الرؤية وطبيعة اللغة ، فقد قسم الحمراني مادته السردية الى فصول قصيرة حاصل مجموعها لايتجاوز المئة وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، يتناوب على سردها عدة رواة ومن وجهات نظر وزوايا مختلفة ، فهناك السرد المحايث / الذاتي الذي يقوم على عاتق الابطال ، الى جانب السرد الموضوعي المسند الى الراوي العليم ، بالاضافة الى استخدام آلية الميتافكشن ، التي جاء استخدامها موفقاً نتيجة لوجود الروابط الدلالية مابين شخصية المؤلف الحقيقي وشخصيات الرواية ، وعلى وجه التحديد رابط وقوع الاحداث وطبيعة السياسات في ازمنة الاحتلال من وتاثيراتها المباشرة والخفية على مصائر الشخصيات المبثوثة في الفضاء الروائي ، ومن ضمنها المؤلف ، وهو ماجعل وجود المؤلف نصياً ، وجوداً طبيعياً ، اذ ان هناك الكثير من النصوص التي يستخدم كتابها هذه الآلية ،ويبدو وجودهم نشازاً عندما يقحم اقحاماً ، او يفتقر الى الروابط الدلالية والعضوية مع باقي مكونات فضاء النص . اما على مستوى اللغة فقد جاءت خالية من البلاغة التقليدية ، والفخامة الادبية ، والألاعيب الشكلية ، كما تميزت بالحميمية والالفة لارتباطها الوثيق بالبيئة ومفرداتها الحياتية من انشطة وتقاليد ولهجة واعتقادات منحها بالاضافة الى الحميمية والالفة ، الخصوصية والتفرد.
حسن السلمان
ناقد عراقي
hassan_salman9@yahoo.com



