الجمعة, 10 أيلول 2010
   
عيد سعيد وكل عام وانتم بخير               عيد سعيد وكل عام وانتم بخير               عيد سعيد وكل عام وانتم بخير              
فضاءات مدينة / فصول من رواية
رضا صالح
فضاءات مدينة / فصول من رواية
رضا صالح


3
فإذا السر تجلى ؛
لاح طريق لا يطرقه السائرون ,
طريق , غير الطريق,
رجوع إلى المبتدأ؛
فكل طريق واصل
وكل خطو عابر؛
وكل درب بالغ
قصد المنى
فى طفولتهم ؛ تعود السيد ماجد أن يحكى لأبنائه عما يدور فى الدنيا من أحداث يعرفها ، كما يحكى لهم الطرائف التى عاصرها أو سمع بها ، قص عليهم قصة التهجير الذى كان مصاحبا لحرب هتلر ، وحكى لهم عن تلك الشقة الرحيبة التى كان يقطنها مع أسرته بشارع الجيش ، وعرفهم أن اسم الشارع كان يسمى شارع الأمير فاروق ؛ استأجر جدهم الشقة بمبلغ جنيهين ونصف ، وكان سعرها مرتفعا فى هذه الأيام ، قال السيد ماجد :
أيامها ؛ جدتكم خاصمت جدكم لمدة أسبوعبن أو شهر تقريبا ؛ بسبب ايجار الشقة الغالى ، وكانت دائما تقول لجدكم بعتاب :
ومصروف البيت والأولاد ؟
يرد عليها جدكم بأريحية :
ربنا موجود يابهية ؛ يدبرها الكريم ؛ ويبتسم ، ويقوم ليخرج الى عمله حتى لا تطول" المناقرات" بينهما .

---***---

حكى السيد ماجد لهم عن قصة الجنديين المحكوم عليهما بالحبس ، كان ماجد أيامها مجندا ، فى نوبتجيته وقف حارسا على السجن ، كان ينظر الي الحبيسين ، أحيانا يرى أحدهما وهو يخرج رأسه من فتحة التهوية التى تشبة الكوة الصغيرة ، كان ينظر الى أعلى ؛ ويتعلق بصره بالسماء ؛ يتأمل جمالها، ويبتسم ؛ يظل محدقا فى ذلك الاتساع الرهيب والنجوم اللامعة كل مساء ، ويتابع تلك السحب الرائعة تتهادى فى صمت مهيب ، ينتظر القمر ويتابع صحوه وأفوله كل ليلة ، ويزداد قلبه بهجة وطمأنينة.كان يدندن أحيانا ويقول:
دع الأيام تفعل ما تشاء .. وطب نفسا إذا حكم القضاء
ولا تجزع لحادثة الليالي .. فما لحوادث الدنيا بقاء*
أما الآخر ، كان يشعر بانهيار ، عندما يخرج رأسه من الكوة ، لا ينظر إلا إلى الأرض ، يركز نظره على طينها وقاذوراتها ، ولا يسأم من ذكر المطامع و الظلم والقسوة والسرقة ، يسب كل من حوله ، ويلعن هذا العالم البغيض .
فى نوبة الحراسة كان ماجد يتعجب من الاختلاف الشديد فى طبع الرجلين ، كان معجبا بالأول وتفاؤله ، وقال لأبنائه :
لقد تعلمت منهما الكثير ، بالرغم من أننى لم أكن أتكلم معهما كثيرا أو قليلا.

---***---

أما تلك القصة الحقيقية ؛ فقد حدثت بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة ؛ فى بداية تشغيل المخبز ، كان جدهم الحاج أبو اليسر يحتاج إلى عمال ؛ فضل أن يأتى بهم من بلدته بالشرقية ، تصادف أن حضر ثلاثة من الفلاحين ؛ قدموا من إحدى القرى التابعة لمركز منيا القمح-لأول مرة - الى المدينة ؛ استقلوا أحد التاكسيات القديمة بصحبة أحد أقربائهم ،كان السائق يتوقف بعد كل مسافة عند أقرب عمار ،لكى يملأ القربة بالماء ،استمر السير لساعات طوال ؛ وعند اقترابهم من المدينة , دخل بهم من طريق الزيتيات ، المؤدى إلى مصنع تكرير البترول الحكومى ، وشركة
شل المصرية الانجليزية ليمتد ، والمدرسة البحرية ؛ و القزق القديم ، حيث صيانة وإنشاء اللانشات وقوارب الصيد واليخوت ؛ بالقرب من كازينوالبوريفاج وشاطىء وكازينو ركس .
كلما اقتربت السيارة من العمران؛اتجهت أنظارهم، وتدلت رؤوسهم وأجزاء من أكتافهم خارج نوافذ السيارة ،كانوا يبحلقون ؛ لم يسبق لهم التجول كثيرا على الطرق الإسفلتية ؛ فما بالك بما يطالعهم من منطقة عامرة بالمصانع ؟ وهم بالطواقى الصوف والجلابيب ، و أعينهم تدور لمشاهدة ما حولهم ومتابعة المناظر التى يرونها للمرة الأولى فى حياتهم ، كلما اقتربت السيارة التى تقلهم من مصنع تكرير البترول ، ظهرت فى الأفق مداخن مرتفعة ، و لم يكن السائق يعرف شيئا عنالمدينة ، اقتربت الشعلة الخاصة بالشركة من مرمى البصر ، فجأة صاح أحدهم قائلا للسائق :
- وّقف هنا يا أسطى !!
اقترب السائق من بوابةحديديةضخمة، نزل الرجال من السيارة مسرعين؛ خرج من حجرة البوابة رجل نوبى ضخم ،وقد بانت على وجهه علامات الضجر ؛ سألهم :
- أى خدمة ؟
رد أحدهم متسائلا:
- هنا فرن الحاج أبو اليسر ؟
تبسم الرجل مستنكرا وقال:
- فرن أبو اليسر ؟
- أيوه..
رد الخفير الأسمر متأففا:
- لا موش هنا فرن أبو اليسر!
تساءل الرجل وهو ينظر الى المدخنة المرتفعة والتي يخرج منها اللهب النارى المستديم ؛ الخاص بالشركة :
- أمال دى مدخنة ايه؟
- دى مدخنة الشركة
- شركة ..شركة إيه؟
- شركة البترول ..شركة شل..
- أمال فين فرن الحاج أبو اليسر ؟
حك الخفير الأسمر فى جبهته قليلا؛ وقدالتمعت بشرته مع انعكاس ضوء الشمس عليها ، قال :
- ياحبيبى أدخل المدينةالأول ؛و اسأل هناك ...






4
قيل قديما:
" طوبى لمن وجد مع الظلم انتصافا؛
وفى طى الاعوجاج مديد استقامة ؛
ويا حظ من تجدد مع قديم الاهتراء".
دأب الحاج ماجد - منذ زمن- على زيارة ابنه نادر بالحلمية بمدينة القاهرة ؛ بالرغم من عدم اهتمام أمه به كما يجب ، كان ماجد يقول عنها :
ست مهملة سايبة ابنها فى الشارع طول النهار ..
إلا أن العند يورث الكفر كما يقال ، فى كل مرة كان يلقى رهقا ، سكت أخيرا عن محاولاته ، حتى تنتهى حضانة والدته له؛ ليشرع فى ضمه إليه فيما بعد ؛ ووكل أمره إلى الله..
بعدها جرفه سيل الحياة ؛ و انشغل بعائلته الجديدة ؛ سعد قلبه بأبنائه ، كما انشغل أيضا بعمله الذى ظل محافظا عليه - بالرغم من العنت الذى يصادفه من الجهات المختلفة - ليستمر فى نماء وازدهار .

السنوات التى نشأ فيها نادر ماجد أبو اليسر ؛ بعيدا عن أبيه ؛ وسط أقرانه فى حى الحلمية الجديدة بالسيدة زينب؛ فى بيت أمه ؛ تلك السنوات بالرغم من كونها أصقلت الفتى ، إلا أنها جعلته ينمو كنبات برى لم يلق من الرعاية سوى أدناها ، تزوجت أمه من نجار ، يظل مشغولا حتى المساء فى ورشة الاخشاب التى يعمل بها ، انجبت منه خمسة: ثلاثة أولاد وبنتين ، انشغلت برعاية زوجها وأبناءها الجدد؛ عمل نادر كخادم لهذه العائلة، لم يشعر يوما أنه فرد منهم .
أحيانا يهجم عليه زوج أمه لينهره بغلظة على خطأ بسيط ارتكبه أو ربما لظنه أنه أخطأ ، أو لمجرد الردع بدون أى خطأ ؛ دأب على معاملته بعنف ؛ وربما يخيفه بشاكوش أو أى قطعة من العدة التى فى يده ،لأنه أخفق فى تعلم الصنعة ، وكان يسميه:
الولد الفاشل ..
كانت سلسلة الإحباطات اليومية كفيلة بأن تخلق منه شخصا أنانيا ؛ لا مبال ،لا يهمه سوى نوازعه الشخصية ولا يعبأ سوى بشهواته ؛لا يشعر إلا بنفسه ولا يعطى أى التفات لشكوى ومعاناة وآلام الآخرين .

شب نادر وترعرع فى القاهرة ،حصل على الشهادة الإعدادية بعد رسوب عدة سنوات ؛ غادر المدرسة الصناعية التى التحق بها غير آسف عليها ؛ مكث فترة متنقلا بين وظائف دنيا ، لم يفز نادر إلا بقسط ضئيل من حنان الأمومة ، فلم يكن زوجها يطيقه؛خصوصا بعدما كبر ودخل فى مراحل الشباب قبيل حرب 1967
وجهته أمه للسفر الى مدينة السويس؛ قائلة له :
- روح اشتغل هناك ، أبوك أولى بك ..

لاقت هذه الرغبة موافقة من زوج أبيه الذى ساعده على السفر ، وقال له :
هناك سوف تقابل الريس تهامى؛ صديق الطفولة ؛ سيسافر معك ابن أخته ؛ ليلحقه خاله بالعمل هناك .. ربما يجد عملا لك أنت ايضا؛ أنا أعرف إن البلد فيها شغل كثير وخير كثير .
وأعطاه العنوان .
كانت معه حقيبة صغيرة وضعت له أمه فيها بعض الملابس و الغيارات الداخلية ، ولم تنس أن تجهز له بعض السندويتشات التى حشرتها وسط الملابس حشرا.؛غادر الفتيان إلى المدينة الساحلية فى قطار الفجر.
---***---
فى المدينة ، توقف القطار بمحطة الأربعين ، نصح زميله أن ينتظر للنزول فى محطة السويس ؛ فى محطة السويس شاهدا موقف الحناطير ؛ لوكاندة مارينا بالاس ، مبنى التلغراف الانجليزى وفندق بلير العتيق؛ و شارع النمسا وقهوة رواش ومحلات ومطاعم سان جيمس وغيرها ؛ وفنادق ولوكاندات كثيرة سمعوا عنها من ذويهم فى سنوات الهجرة مثل " لوكاندة مصر" وفندق " خليج السويس" وفندق" مكة" وغيرها .

استأجرا حجرة بأحد اللوكاندات الفقيرة ؛ فى اليوم التالى اصطحبه زميله إلى فندق بلير ، طلب نادر من موظف الاستقبال مقابلة الريس تهامى الذى سمع عنه حكايات كالأساطير ، وجههما النادل لينتظرا فى البهو.
---***---

فى جلستهما ، ألقى الشابان نظرات حولهما ، لم يكن هناك سوى سيدة طاعنة فى السن تجلس على فوتيه خلفهما ؛ بعد قليل شاهدا رجلا يهبط درج الفندق متجها اليهما ، كان طويلا ، يرتدى بنطالا أبيض وجاكت قصير الكم ، يضع على عينيه نظارة شمسية يلتمع زجاجها ويعكس الصور عليه، خلعها عندما اقترب منهما .
رحب بهما الرجل، قدم نفسه لهما , جلس الثلاثة على إحدى الموائد بصالة الطعام المجاورة لبهو الفندق ، استغرقهم الحوار فى الشغل وفرص العمل المتاحة ، نصحهما التهامى أن يعملا فى البحر وأن ينتهزا فرصة للعمل بالميناء
قال لهما :
ذهب ..ياقوت ..ألماظ.
قال نادرمتحيرا:
أين؟
فى الميناء...
حضر النادل ؛ طلب منه التهامى ان يجهز الغداء .
بعد قليل أخذ النادل يتردد على المائدة واضعا أمامهم مالذ وطاب
كانت عينا نادر تلتمعان ببريق خاص كلما اعتمرت المائدة بطبق من السلاطة أو الثوبيا أو الجمبرى الذى كان يسمع عنه فى منزل زوج أمه..جرى ريقه وانفتحت شهيته ؛ شعر فى هذه اللحظة ؛ كأنما مر عليه دهر دون أن يتذوق الطعام أو يراه.
---***---
اصطحبهما التهامى الى بورتوفيق ؛ حيث عرفهما بأحد أصدقائه الذى كان يعمل مستخلصا للبضائع بالميناء ، انتابت نادر مشاعر جديدة وغريبة ، أحس كأنما يولد من جديد ؛ فى كل صباح تنفد الى أعماقه أحداث جديدة وتجارب جديدة ، وكأنما خرج من سجن أو قمقم ظل حبيسا فيه سنوات ، مع الأيام تأكد له هذا الإحساس ، عندما يوجد بالعمل كان يلقى نظرة على البواخر الضخمة ، وعلى الميناء والاتساع من حوله ؛ يسرح بخياله مع هذا الجو الجديد بعجائبه ؛ محاولا أن يصل الى ماوراء البحر ؛ راوده سرور خفىلاكتشافه حياة أخرى غير التى تعود عليها ؛ جعله ينقم على أيام عمره
الضائعة ، لم يكن يصدق أنه كان يعيش وسط تلك الأسرة - مع زوج أمه العنيف ، وأمه التى انشغلت عنه تماما بحياتها الجديدة - كل تلك السنوات .
فكر أكثر من مرة أن يذهب لزيارة والده ..كان دائما يتردد ولكن زميله شجعه على زيارة أبيه ،احتفظ بالعنوان مكتوبا فى ورقة صغيرة استخرجها من محفظته التى يضع فيها بطاقته وفلوسه ؛ وقد أضاف اليهما- فيما بعد- تصريحا بدخول الميناء .
انقضت أسابيع قليلة على تواجدهما بالمدينة؛ وفى أحدى أمسيات الربيع ، قبيل الحرب، اصطحب نادر زميله وذهبا سويا ؛ ليبحثا عن منزل والده الحاج ماجد أبو اليسر .
---***---
5
و اعلم أن من لطائف التدبير
أن تعانى فى مبتدأ الأمر؛ مشقة الأحوال..
حتى يصير زمام الأمور
وتكمل لك منازل الفائزين

فى ذلك اليوم الحزين ؛ يوم النكسة ؛ كان صادق فى المرحلة الاعدادية ؛ على عتبات البلوغ ؛ عندما شاهد تجمعا بشريا حول الاذاعة المحلية ،التى انتشرت فى ذلك الوقت فى الميادين العامة ؛ أمام مبنى الاطفاء وقف مع الواقفين ، كانت شمس الظهيرة مبهرة ؛ يتخلل ضوؤها جنبات المدينة واطرافها ، سمع المذيع يقول : " اننا على عتبات تل أبيب ياعرب "؛ عاد مسرعا الى بيته ليخبر أهله ، وهبط - ومعه أخوه مؤمن- ليكونا معا بالقرب من ميكروفون الاذاعة المحلية المعلق بأعلى ناصية وحدة الاطفاء ؛ هنا تجمهر الناس ليستمعوا ويستمتعوا بأنباء النصر ، كلما نطق المذيع
عبارة هلل الحاضرون وصفقوا وهم يتابعون بشغف أعداد الطائرات التى أسقطناها " ثمانون طائرة " .." اثنان وثمانون طائرة ياعرب " .
بعد قليل سمع البعض يقولون كلاما ويتهامسون ، قبل أن يتفرقوا ..
بعد يومين تقريبا ، اتجهت أعداد من الناس الى ميدان المحطة ؛ سار معهم صادق ؛ كان مدفوعا بحب الاستطلاع .

فى محطة قطار المدينة ؛ يبدو ذلك المبنى الكلاسيكى؛بسقفه المائل ؛ المغطى بالقرميد ؛ يالقرب منه ، وفوق شريط القطار يوجد كوبرى مشاة حديدى قديم ؛ يصل جانبى المدينة ؛ الشرقى والغربى ، تتناثر على الجانبين محلات ومبان عريقة؛ معظمها من الخشب ، تسمى المساكن البغدادلى ، يرجع معظمها الى أوائل القرن التاسع عشر والبعض تم انشاؤه أيام الاحتلال الانجليزى

بالجانب الشرقى حيث شارع وميدان النمسا ، وموقف سيارت الأجرة والحناطير ،يتوسط الميدان مبنى مكتب الصحة العتيق؛ على الناصية – بالجانب الغربى من المدينة- يوجد بازار الهندى وبالقرب منه مطعم رواش ؛ كما يوجد ؛ بالشارع الموازى – شارع التحرير- فندق مصر بالاس ؛ حيث يوجد بأسفله بنك مصر ؛ وأمامه على الناصية المقابلة فندق بلير العتيق.

هناك ؛ رأى بعض الجنود العائدين من الميدان بثياب رثة ممزقة ، كانت أعداد كبيرة منهم تتوشح باللون الأبيض ؛ الماثل فى قطع القطن والشاش التى كانت تكسو أجزاء من أجسادهم ، ربما تميز به الجميع تقريبا ، ظلت أشكالهم البائسة عالقة فى ذهنه , وقتها كان يمرق من مراحل الصبا؛ ليطل على أوائل الشباب ، كان ذلك اللون الأبيض الذى رآه على أجسادهم ؛ مؤثرا بحق ؛ وقد التف على ساق أو قدم فى شكل جبيرة ،أو مكونا غلافا سميكا من الجبس؛ وقد ربط ذراعا أو ساقا مكسورة لأحد الجنود الفائزين بنعمة الحياة ، بعد أن رأى الموت بعينيه ، تمثل اللون الأبيض أيضا فى
رباط تدلى من رقبة أحدهم ليحمل ذراعه المصابة ، وقد أخذته الدهشة لوجوده هنا بهذه المدينة ..رأى البعض فى موقف الحيرة يزحفون ويجرجرون أقدامهم المتورمة عند النواصى ...كانوا يكثرون الوقوف والتردد... لم تكن لأحد منهم وجهة بعينها ،على وجوههم إعياء شديد ؛ اتسخت ملابسهم وبهت لونها ؛ أصابهم نوع من الغيبوبة أو فقدان القدرة على الالتحام مع العالم الخارجى ...أصيبت نفوس معظمهم بصدمات لا حد لها ، صناديق متحركة ببطء تحوى قصصا من أغرب؛ بل وأشرس ما فى الحياة من مهازل .. فى العراء تحت شمس سيناء بمساحاتها الشاسعة المكشوفة المترامية بكثبانها
الرملية ورمالها الصفراء ،وجبالها المتعددة الألوان ؛ فى وضح النهار ؛وأثناء الليل أيضا ,جرت أحداث تلك المأساة ... لم يكن انتقام الجيش الاسرائيلى انتقاما رجوليا ، ولم يكن أسلوب الحرب آدميا ، كان سلوكا- كما عرف فيما بعد - بعيدا كل البعد عن قوانين البشر ..بعيدا عن قوانبن الأمم المتحدة و المعاهدات الدولية أو أى منظمة إنسانية أخرى ، كان الانتقام دمويا ، ظهر ذلك جليا فى تلك النفوس المنكسرة التى عادت تحمل أثقالا ، أثقال الرغبة فى الانتقام من تلك الطرق الهمجية التى أتبعت معهم ،اقترب صادق من ثلاثة كانوا يتحدثون سويا ، قال أحدهم
بصوت ضعيف:
من الحفرة التى كنت فيها؛ رأيتمجموعة من الجنود والضباط المصريين الأسرى , تخّفى بعض الضباط فى لبس الجنود، وبدأ الجنود الإسرائيليون بربط أيديهم ، وألقوهم على وجوههم على الرمال فى عز الحر؛ اصطفواأمام دبابة سانتوريون إسرائيلية ، ، بعدها اختفيت فى الحفرة التى كنت أراقبهم منها عن بعد ، ولم أستطع ان أفتح عينى , فقط سمعت أصوات صرخاتهم تدوى فى السماء وقد اختلطت بقرقعة عظامهم وهى تتفتت، ؛ تحت جنازير وعجلات الدبابة .جسمى قشعر وفقدت الوعى ".
رد الآخر بصوت واهن :
ريقى ناشف ..
فى الحال أسرع صادق إلى مقهى مجاور وأتى بزجاجات ماء ، ليسقى الجنود .
---***---

كلما سمع أصوات انفجارات أو مدافع؛ تعود صادق أن يصعد خلسة إلى سطح المنزل ليشاهد مايحدث حوله فى الفضاء ، كان يرفع وجهه الى السماء ،ويتجه ببصره ناحية طائرة أو مجموعة طائرات ، بالنهار يعرف وجود طائرات مغيرة من أصوات المدافع المضادة ؛ والتى تصدر صوتا يشبه " الكركرة" ؛ أو كما يقول الحاج ماجد " الزغاريد" ؛ كان صوت الزغايد يستمر وراء الطائرة حتى تختفى ؛ وأحيانا يسمع صوتا مفاجئا بوووم!!! مرة واحدة أو عدة مرات ، فى المساء كان يصعد الى السطح ليرى الفضاء الشاسع وقد تحول فى لحظات الى بانوراما من الألوان المختلطة المفاجئة ؛ والتى تترى
نحو هدف واحد فى السماء محدثة خيطا متقطعا من النيران مع الأصوات المميزة للطلقات المضادة للطائرات .
كان يتعجب من الحرب ؛ ولا يشعر مطلقا بالخوف، دائما يشعر أنه فى حماية الله ؛ كان يوما مشهودا عندما أضاءت المدينة بالليل ،من سطح منزله كان يوجه بصره تجاه ألسنة اللهب المتصاعدة من ناحية شركات البترول ، سأل والده ، تأكد له أن قذائف الغدر أصابت صهاريج الزيت فى عقر دارها .. يالله ؟؟
وهل لا نستطيع أن ندافع عنها با أبى؟
ربنا موجود ياصادق ؛ حاول أن تهتم بدروسك الآن.
لم يستطع النوم هذه الليلة ،فى الصباح ارتدى ملابسه مسرعا وتوجه الى أبيه قائلا :
سوف أخرج يا أبى
إلى أين؟
أذهب مع مؤمن لنرى ما حدث..
لا تتأخرا
مشى الأخوان جوار نادى السويس الرياضى ، بالقرب منه توجد مستشفى الأمراض الصدرية ،على الجهة المقابلة ، وعلى بعد خطوات توجد مستشفى السويس العام ومستشفى الحميات .
فى الطريق ، بالقرب من أرض الملاحة ، وجدا قطعة اسطوانية من الحديد ؛ أثارت انتباههما ، مد صادق يده ليلتقطها ، انفجرت فجأة، لا إراديا انبطح الأخان أرضا ، رأى مؤمن خيطا من الدم يفور من مكان الإصابة ، كانت بأعلى الساق اليمنى ؛ لم يشعر صادق بألم ، فى الحال خلع مؤمن قميصه وضمد به الجرح ليوقف الدماء ، ساند أخاه حتى وصلا إلى المستشفى التي كانت قريبة منهما .
فى المستشفى فرح الطبيب لوصول الحالة مبكرا ..قال لهم منذرا:
الحمد لله جاء فى وقته؛ وإلا؟؟
وإلا ماذا ؟ تساءل الحاج ماجد الذى حضر مهرولا ..
والا كنا سنضطر إلى بتر هذه الساق
أشاح ماجد وجهه حزنا وكمدا ، وهمس :
الحمد لله ...الحمد لله...

---***---

إثر حرب الأيام الستة , وقبيل أفول نجم الزعيم جمال عبد الناصر؛ فى هذا الوقت العصيب؛ كان التهجير هو الحل الأمثل الذى ارتأته القيادة السياسية حتى تفرغ المدن للحرب ..
مرت الليالىوالأيام متخاذلة ؛ ومتباطئة ؛ حتى تأكد لدي الأهالى أن جنود إسرائيل مستمرون فى تواجدهم هنا بالقرب منهم- على الضفة الشرقية للقناة – كما يبدو أنهم لن يتزحزحوا بسهولة ؛ فى البداية أصر السيد ماجد أبو اليسر على عدم المغادرة ، لم يتخيل أن يترك مدينته ومصالحه ، ويذهب الى حيث يعلم الله ، كادت المدينة تخلو من البشر ، لم يعد هناك سوى أصوات القطط والكلاب وزقزقة الطيور الصباحية ، كان ينظر بين حين وآخر من أعلى سطح المنزل؛ يتحسر وهو لا يرى سوى الخواء ؛ على البعد لم ير سفينة واحدة تعبر كما كان من قبل؛ قال لابنه صادق ؛ وهو ينظر فى
الأفق البعيد:
إنهم يروننا ويراقبوننا ليل نهار ، فهم بالقرب منا ؛ لا أتصور كيف يحدث هذا ؟ كانت سيناء محرمة علينا من قادتنا , لا توجد بها قوات مصرية وخطوط دفاع كما يجب ، الآن صارت محرمة علينا وعلى قادتنا أيضا.

---***---
بعد أقل من شهرين تماثل صادق للشفاء ، الا أن الاصابة كانت فى عمق مفصل الفخذ ؛ عندما يمشى ؛ كان يستند الى ساقه السليمة ، وقد بدا عليه عرج خفيف ظاهر ، تميزت به مشيته. واستمر معه بعد ذلك طيلة حياته .
بعد هذا الحادث ، قرر الحاج ماجد أن يغادر المدينة مسرعا، خاصة بعدما تأكد أنه لا أمل من انتهاء هذا الوضع العسكرى ؛ وأن الحرب ربما تطول إلى أسابيع أوشهور عديدة لا يعلم مداها الا الله ... ،وهاجر مع معظم أهالى المدينة ، فأصبحت شبه خالية ،لا يسمع فى جنباتها الا نباح الكلاب الضالة ، وصياح الغربان و زقزقة العصافيرالتى دأبت عليها كلما انبلج صبح أو هبط مساء. أحس بحزن جاثم على صدره ، من الهزيمة والهجرة وإصابة ابنه ؛ تلك الاصابة التى حمد الله أنه مازال بعدها يعيش وسطهم حيا يرزق.

* من أشعار الامام الشافعى


د. رضا صالح محمد خليفة
روائي ورئيس قسم الأمراض الجلدية في مستشفى السويس العام بمصر
rdkhalifa@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: