الجمعة, 10 أيلول 2010
   
عيد سعيد وكل عام وانتم بخير               عيد سعيد وكل عام وانتم بخير               عيد سعيد وكل عام وانتم بخير              
ريمون روسيل ومتاهات اللغة
عدنان المبارك
ريمون روسيل ومتاهات اللغة
ريمون روسيل



كان ميشيل فوكو قد عمل إستثناءا حين كتب مونوغرافيا ريمون روسيل Raymond Roussel ( الموت والمتاهة : عالم ريمون روسيل ). روسيل كان موضع الإستخفاف والإهمال بل أضحوكة زمانه. السورياليون وحدهم كانوا معجبين بإستكشافاته اللغوية. لكن فوكو فسر هذا الإعجاب بكونه شبيها بإعجاب المصوّرين بالجمركي هنري روسو حينها ، بل قال أكثر : السورياليون تسلوا به و لم يدركوا بأنه كان من أهم المنجزات الأدبية وأبرزها في مطلع القرن العشرين.
بعدها أخذت بهذا الرأي جولي كريستيفا بقولها: لا أعتقد أن الحركة السوريالية نفسها فعلت شيئا أكثر من أنها أعطت بعض الأهمية لروسيل ونظمت ضجة حول عروض أعماله المسرحية.
بالطبع لم يسبر هذا الكاتب والشاعرالغريب الأطوار ( للأسف لم يتناوله كولن ولسن في أنثولوجيته المعروفة عن اللامنتمي ...) أيّ غور للاوعي ، كما لم يكن مغرما بكتابة السورياليين الأوتوماتيكية. فبرأيه : إن كل القرارات ،على وجه التقريب ، فيما يخص الكتابة تتخذها اللغة نفسها وتحت ضغط الطريقة كي تقرر نفسها ، في داخلها ، الحسومات فيما يتعلق بمجرى السرد وطابع المَشاهد والأخرى الطبيعية والصعوبات والتعقيدات وتبدّل المصائر ، والمغامرات. والآن أيّ طريقة هذه ؟ أحد النقاد وجدها في إستغلال ما يسمى بالهوموفونات homophones أي تعابير صوتية متطابقة لكنها تختلف كتابة ً ومنحدراً ومعنى ، والهومونيمات homonyms أي الجناسات التامة. ويقول روسيل إن هذه الطريقة خدمته جيدا عند كتابة إثنتين من أهم رواياته : ( إنطباعات من أفريقيا Impressions d Afrique ) من عام 1910 و ( المكان الوحيد Locus Solus ) من عام 1914. وكلا العملين كان موضع دهشة وإعجاب السورياليين رغم أن تأثير روسيل لم يكن كبيرا عليهم ، لكن لويس أراغون السوريالي حينها كان قد عيّن روسيل ( رئيسا لجمهورية الأحلام )... أما أندريه بريتون فكتب في المانفست السوريالي الأول من عام 1924 : روسيل هو سوريالي في النادرة anecdote . معلوم أن روسيل كان من ملهمي جماعة ( أوليبو OuLiPo ) و الطليعة الشعرية النيويوركية. وفي الحقيقة كانت مونوغرافيا ميشيل فوكو من عام 1963 إشارة البدء للإهتمامات الكبيرة بروسيل والتي تمثلت أيضا بكتاب الشاعر الإنكليزي مارك فورد من عام 2000 : ( روسيل وجمهورية الأحلام ). ونشاهد هنا إستعراضا بانورامياً لحياة روسيل الشاعر والروائي والكاتب المسرحي والموسيقي ولاعب الشطرنج والمبتكر لتقنيات فيه ، والنوراستي واللوطي والمدمن على المخدرات و .. المنتحر ، على أكبر إحتمال ، في ذلك الفندق الصقلي ...

كانت حياته مثيرة لأكبر فضول شأن عمله الكتابي النادر. وشأن مارسيل بروست إنحدر من عائلة ميسورة، و ورث عنها ثروة كبيرة. وقد وجد النقاد في أعماله صياغة formulaeوعمليات مخفية في ميدان اللغة. معلوم أنه لم يمل الى الطلائعيين والسورياليين رغم إعجاب هؤلاء به ( قال مرة إنهم خيبوا أمله تماما ...). وكانت ثروته قد سهلت عليه توفيرطباعة فاخرة لكتبه وتقديم عروض باذخة لمسرحياته .
وتبدت غرابة أطواره في أكثر من مساحة وسلوك. مثلا : كان يتناول وجبات الطعام الثلاث مرة واحدة ، الواحدة بعد الأخرى توفيرا للوقت. وفي حياته الجنسية كان مثليا رغم أن والديه جاءا له ب( عشيقة ) منذ مطلع شبابه ! وكان يسأفر بعربة من نوع الكارافان صنعت خصيصا له ووفرت له السكن بل العزلة. وفي عام 1989 عثروا على أوراق شخصية كثيرة تعود اليه. وقبلها أغرم به كتاب الرواية الجديدة Nouveau Roman أيضا. وقال ريمون كينو R. Queneau عنه : مخيلة جمعت بحران delirium عالِم رياضيات ٍ بمنطق ِ شاعر ٍ . ولدى ميشيل فوكو نقرأ: الأشياء ، الكلمات ، الرؤيا ، الموت ، الشمس ، اللغة تخلق كلها شكلا نادرا... لقد عرّف روسيل ، بطريقة ما ، هندسته geometry... أما الشاعر الأميركي جون أشبيري J. Ashbery فأسماه ( تجربة نادرة في الأدب ). لكن روسيل نفسه بالغ في سبر المستقبل حين قال : ستطغى شهرتي على شهرة نابليون وفكتور هيغو !
كان روسيل قد إخترع ماكنة للنصوص وظيفتها كشف ميول للغة كامنة . وتكلم عن ماكنته في السكيتش الذي ُنشر بعد رحيله بعنوان ( كيف ألفتُ بعض كتبي ). لكن بقية كتبه خضعت لشتى التأويلات والتفاسير...
معلوم أن روسيل غير مقروء على نطاق واسع بسبب كتاباته المعقدة رغم إنضباط هياكلها. مثلا قصيدته الطويلة المتكونة من أربع أغان cantos ( إنطباعات جديدة من أفريقيا ) التي تعدّ من أكثر الأعمال تعقيدا في تأريخ الشعر الفرنسي. إستغرقت كتابتها سبع سنوات (تتكون من 40 صفحة فقط ) وكرسها لأربعة مشاهد من آثار مصر. ورافقت النص رسوم غامضة إلا أنه إقترح تلك الماكنة لقراءتها... والصعوبة الرئيسية هنا هي تداخل علامات الحصرعلى عدة مستويات ومعها الإحالات المتضمنة خلاصات وإقتباسات وغيرها.
في عمر الخامسة عشرة أدخلوه مدرسة للموسيقى في باريس . بدأ حينها يكتب الشعر كخلفية لتأليفاته الموسيقية ... وفي عامي 1920 و1921 بدأت سفراته حول العالم . وقبلها ، في أعوام 1900 – 1914 نشر أشهرأعماله. وقبل رحيله في الثلاثينات ، واصل الكتابة لكن ثروته تبخرت وتقلصت إمكانيات النشر والعرض المسرحي. هكذا سافر الى باليرمو وإنتهت حياته بسبب الإفراط في إستخدام دوائه.
في اثناء حياته كان نقد أعماله سلبيا ً. وبقي منسيا لغاية خمسينات القرن العشرين حين أكتشفته جماعة ( أوليبو ) ، ومعها ألان روب – غرييه. وفي الحقيقة كان تأثيره الأقوى على آداب البلدان الناطقة بالإنكليزية ( مدرسة نيويورك للشعر خاصة ، وممثليها أمثال هاري ماثيوز و كينيث كوتش و جون آشبيري ). وهناك ناقد شبّه الثروة التي ورثها روسيل بالشرنقة التي قامت كعازل بينه والواقع . بالفعل كان اليومي غائبا في أعماله التي ليست هي بكل الأحوال أدبا ًيجذب الباحث عن وعي إجتماعي. لكن روسيل لم يكن معلقاً في فراغ أصم. فإذا كان أمثاله مسحورين بالألسنيات والممالك السرية للغة يكونوا قد عثروا على ( محيط طبيعي ) لهم.
تبدو رواية ( إنطباعات من أفريقيا ) التي نشرها في عام 1910 كأنها حكاية عن مغامرة يحلم بها الصبيان : جماعة من ركاب سفينة غرقى يقبض عليها ملك أفريقي إسمه تالو السابع. إحتجزهم كرهائن. وقبل أن يطلق سراحهم طلب منهم تنظيم عرض يؤدي أثناءه كل واحد دوراً وفق قابلياته. أما روايته الأخرى ( المكان الوحيد Solitary Place , Locus Solus فهي شبيهة برواية لويس كارول ( أليس في بلد العجائب ).
كانت جماعة أوليبو التي جاء إسمها من ( مشغل الأدب المحتمل
Ouvroir de Literature Potentiele ) الجهة َ الرئيسية التي بعثت روسيل من جديد. وهذه الجماعة تشبهه الى حد ما. إذ لها طقوسها وخاصة فيما يتعلق بقبول الأعضاء الجدد. وبين أعضائها علماء رياضيات ونحاتين ومؤرخي أدب وفنانين تشكيليين وكتاب بالطبع ، أمثال إيتالو كالفينو و جورج بيرتس وهاري ماثيوز. وهاجس الجماعة يأتينا من منجز روسيل الى حد ما : البحث عن صلات بين الأدب والرياضيات ، معارضة السوريالية وخاصة كتابتها الأوتوماتيكية ، الهجوم على الكتاب الذين يدينون بالفضل لما يسمى بالإلهام إذ وجدت الجماعة أنه لابد من فصل الفن عن الفعل الإعتيادي للكتابة مما يعني أن الفنان الكبير حقا هو الذي يتنبأ ، أي يتوقع ، نتائج عمله ولايسمح للمصادفة أن تقوم بأيّ دور، وكما قالت الجماعة : المهم الأخذ بنموذج معين والمضي الحازم بالإتجاه المختار ...
في كتابه الذي يكشف ويوضح بالتفصيل كيف ألف بعض كتبه نجد أمثلة كثيرة على إستخدام طريقته المعروفة. عدد من النقاد وجد أن تجارب روسيل تحمل صفتين : ألعاب صبيانية وإكتشافات لامعة . الظاهر أن هؤلاء لايتعاملون مع اللعب ، سواء أكان صبيانيا أوغيره ، كفرصة للإستكشاف و الإكتشاف أيضا ...
عن كتابه ( إنطباعات من أفريقيا ) يذكر روسيل أنه كان قد إختار كلمتين متشابهتين :billard أي لعبة البليارد و pillard أي الناهب ، عندما كتب جملتين :
-1 Les lettres du blanc sur les bandes du vieux billard.
-2 نفس الجملة أعلاه لكنها تنتهي بكلمة : pillard .
وفي كتابه هذا تبدأ القصة وتنتهي بجملتين متطابقتين عدا حرف واحد .
في الجملة الأولى يكون المعنى : الرسائل البيض على وثارات على طاولة البلياررد القديمة. وفي الجملة الثانية : رسائل الرجل الأبيض على جحافل الناهبين القدامى .
في الجملة الأولى يكون معنى lettres هو حروف أي علامات طوبوغرافية ، و blanc بياض لكن بمعنى أصبع طباشير، و bandes بمعنى حواش ، حواف . أما في الجملة الثانية يكون معنى lettres رسائل ، و blanc الرجل الأبيض و bandes عصابات أو جحافل محاربة .
و في كتابه ( كيف الفتُ بعض كتبي ) يطرح روسيل أمثلة كثيرة جدا على طريقته في الكتابة. وكلها تقودنا الى إستنتاج واضح : اللغة لم تتعرَ بعد عن أسرارها و( متاهاتها ). وعند روسيل أخذ يتكشف كل شيء من مسكه بتعدد معاني الكلمات. وفي الكتاب نلقى شروحات وافية حول المصادر والخواطر و والترابطات الذهنية التي إعتمد عليها في كتابة قصصه ورواياته وأشعاره ومسرحياته. ويكتب : في الأساس تكون طريقتي شعرية إذ أن الأمر يعتمد على حسن إستخدامها الشبيه بإستخدام الأوزان في الشعر.
كان روسيل بالغ الإعجاب برائد أدب الخيال العلمي جول فيرن ، وعبّر عن ذلك في هذا الكتاب أيضا . وكان قد إلتقى به في عام 1899 مرة واحدة فقط . وفي الحقيقة لم يكن لقاءا بل مجرد مصافحة باليد ...
لم يستفد روسيل من رحلاته عند الكتابة . فقد كان يؤمن ب( أن المخيلة هي كل شيء )...
كانت تجربة روسيل تملك ألقها لكنها لم تعثرعلى مفاتيح كثيرة للغة ، ولربما مفتاح واحد .. فكما يقول " الألسنيون الجدد " تكون اللغة هي العالم الوحيد القائم فعلا.. أما جان كوكتو فقال عنه بأنه عبقري في دولة خالصة. و آشبيري الذي يعبده قال عن أعماله التي تركها لنا بأنها شبيهة بمعبد ُمصان جيداً، وخاص بعبادة إختفت بدون أثر أو أنها شأن مجموعة كاملة من الأدوات التي من الصعب إكتشاف طريقة إستخدامها .. إلا أنه في كل الأحوال لن نكون أبدا قادرين على ( إستخدام ) عمل روسيل بالطريقة التي كان ينشدها: ( نحن نبقى معجبين بالجمال اللابشري ، وتهزنا تلك اللغة التي تبدو دائما على وشك أن تكشف سرّها ، وتدل على طريق العودة الى ( جمهورية الأحلام ) التي كانت شارتها موسومة على جبينه ).
في الحقيقة ليست هناك جمهورية واحدة للأحلام دليلها اللغة. بالطبع جهد روسيل وسعى الى فك طلاسمها لكنه دخلها من باب صغير. وفي مثل هذه البطاقة التعريفية لا يصح الوقوف طويلا عند اللغة . لكن لابد من الرجوع الى التأريخ الأول وفق هذا التراث وذاك. في ( سفر التكوين ) جاء الرب الى آدم كي يرى كيف سمّى الحيوان والنبات. وفي الهند قرنوا إختراع الكلام بالرب إندرا ، وسقراط يجزم ، في أحد حوارات إفلاطون بأن أسماء الأشياء حددتها الآلهة. وقصة بابل تشهد على أن مؤلفيها أدركوا القوة التي تمنحها اللغة للبشر في رباطهم مع المحيط ، وإعتبروا أن الرب معن باللغة وهو يمارس سيطرته عليها. بالطبع جهدوا أيضا في العثورعلى سبب هذه الظاهرة العجيبة ، ظاهرة أن الناس الذي يجاوربعضهم بعضا ينطقون بلغات مختلفة. بالطبع هناك أكثر من محاولة لمعرفة فيما إذا كانت هناك لغة أمّ للبشرية ولدت اللغاتِ الأخرى. ويصف هيرودوت كيف عهد الفرعون بساميتيخ الى أحد الرعاة بتربية طفلين لكن على شرط أن لا يسمعا أيّ كلمة منذ ولادتهما إلا أنه بعدها بسنتين ردد الطفلان صيحة الراعي الماكر ( بيكوس ! بيكوس ! : الخبز! الخبز! ) بلغة الشعب الذي قطن آسيا الصغرى في قديم الزمان. وهنا إستنتج الفرعون بأن هذه هي اللغة الأم للبشر. في أوربا المسيحية إستمر الإعتقاد بأن العبرية هي اللغة الأم طالما كتبت التوراة بها وخاطب الرب بها آدم وفيمابعد هذا وذاك. إلا أن التقدم المعرفي في منتصف القرن التاسع عشر عمل على نبذ مثل هذه التفسيرات. من ناحية أخرى فشلت كل المحاولات الهادفة إعادة تركيب اللغة الأم من عناصراللغات الكائنة. العلماء يقولون إن اللغة هي بعمر الإنسان ( و ليس المقصود هنا الإنسان العاقل homo sapiens وحده ). كذلك يجزم هؤلاء بأن منحدر اللغة لا يمكن قرنه بأصوات الحيوان أو صرخة الإنسان الفرح أو المتألم أو الحزين...
في كل الأحوال نحن لا نتلمس طريقنا في ظلام دامس. فثمة نقاط ضوء هنا وهناك. وفيما يتعلق بريمون روسيل فهو أراد ، بالتأكيد ، أن يشعل إحدى تلك النقاط...

عدنان المبارك
روائي وناقد ومترجم عراقي مقيم في الدنيمارك
iraqstory@mail.dk

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: