الجمعة, 10 أيلول 2010
   
عيد سعيد وكل عام وانتم بخير               عيد سعيد وكل عام وانتم بخير               عيد سعيد وكل عام وانتم بخير              
وقت للجنون/ فصل من رواية
سعد محمد رحيم
وقت للجنون/ فصل من رواية
سعد محمد رحيم




ليس أول هواء الخريف..
ليس أول غبار أيلول. وليس ذاك النعش المار، فوق سيارة مسرعة، وسط هرج الناس، أول القتلى. وبطبيعة الحال لا يفترض أحد أنه الأخير.
لعلّه أول أيام الحرب حيث كادت أن تكون واقعاً. لعلّه أول نذر الهول إذ ينبغي أن يكون الله عارفاً بعقابيله. ( ومثلما سنكتشف لاحقاً، يبدو أن حكو هو الآخر كان يعرف ).
البلدة في عجلة من أمرها، ترحل بأنفاسها وناسها. بحلمها وحسرتها. برغابها وأوهامها وحزنها. بقلقها ورعبها. بتفاهاتها وهذرها، وخيرها وشرّها، وحلوها ومرّها. بما تعدّه ثميناً له قيمة ما، ولا يجب التخلي عنه. بما تراه مقدّساً. بما تحسبه قد يعينها، هناك، في المرتقب والمجهول. بما تستطيع أن تحمل وتصطحب في مشهد الهرب الكبير. بما يسمح به الوقت. بما تحتويه النباهة المثلومة في خضم دوي القنابل الذي يقترب حيناً وحيناً يبتعد.
لا أحد يريد أن يترك حتى سقط المتاع. إلاّ ما لا يفيد، وما يضطر للتخلي عنه. وهكذا لا يتركون إلاّ القمامة، إلا ما يعجزون عن أخذه. إلاّ جثة البلدة الباردة يمثِّل بها مخلب الحرب.
نبرته مضطربة وكلماته تتلاحق سريعة مبتورة، يلقيها مع رذاذ بصاقه المتطاير في وجوه المنهمكين على جمع أغراضهم، العازمين على الهرب. لكن لا أحد يأبه له؛
ـ ليس من حقكم، ليس.. ليس من حقكم.. تتركونني وحدي، ليس.. ليس من حقكم.
يتنقل بين الأزقة والدروب بخطوات عجلى، يركض بقميصه الأخضر الممزق والمتسخ وبنطاله البالي الكامد اللون، المفتوح السحّاب، والمشقوق عند الركبة، بقدمين حافيتين.. يضرب بقبضته على أبدان سيارات البيك آب واللوريات المتوسطة والكبيرة الحجم، وهو على وشك البكاء وقد تحجرت الدموع في عينيه، يلهث ويشتم.. قال للحاج مرتضى؛
ـ أنتم تخونون.. الملح.. تخونون الملح.
ـ أنت لا تدري ماذا تقول يا حكيم؟. أي ملح وأي بطيخ؟
ـ بلى، تخونون.. خيانة.
ـ إنها الحرب والموت.. من الجنون أن نبقى. سنعود حالما تنتهي.
ـ وإن لم تنته.
ـ كل شيء إلى انتهاء.
ـ العمر ينتهي.. ينتهي.. الأعمار.. أعمارنا يا خالي الحاج.
بنفاد صبر وغضب متكتم، قال الحاج؛
ـ لماذا لا تأتي أنت معنا. لماذا ترغب بالبقاء؟
بصوت متهدج حاد، جعل ملامح الحاج تنقبض قال؛
ـ أخاف من أي مكان آخر.
ـ لسنا ذاهبين إلى غابات أفريقيا.
ـ أنت لا تفهم.. أدمغتكم حجارة لا تفهم.
هز الحاج رأسه بإشفاق، والتفت إلى حسن ابنه البكر؛
ـ هل كل شيء على ما يرام؟.
ـ نعم.
ـ لا تنس الأوراق الرسمية.
ـ إنها في الحقيبة الصغيرة.
سقطت على البلدة طوال الليلة الفائتة ثمان وستون قذيفة مدفع حسب ما يقول حسين الابن الآخر للحاج مرتضى؛ ( حسبتها واحدة واحدة ). أو أكثر من مئة قذيفة على ذمة وكالة الأنباء العراقية. هذه القذائف هدّمت ثلاثة عشر منزلاً وقتلت شاباً وامرأة وطفلين وحماراً وبقرة. وجرحت تسعة آخرين من البشر وخمسة حيوانات؛ ( خمسة أغنام سارع أصحابها إلى ذبحها على وفق الطريقة الإسلامية قبل أن تموت ويُحرم لحمها ). وأحرقت ما لم يحصه أحد من أشجار النخيل والحمضيات والتوت والتين والرمان والعنب، الخ، الخ.
قال حكيم لرأفت المضمد؛
ـ أنت بالذات عليك ألاّ تذهب.
ـ لا خيار أمامنا يا حكيم، سنفطس إن بقينا هنا.
ـ ألستم تقولون دوماً الأعمار بيد الله؟.
ـ ولا ترموا أنفسكم إلى التهلكة.
ـ تلوونها بحسب ما تشتهون.
ـ عليك أن تغادر، لن يبقى هنا غيرك، وأنت بحاجة إلى إبرة واحدة كل شهر على الأقل.
ـ لا أريد إبرتك القذرة.
ركض حكيم خلف سيارة السافيم ذات حمولة الطنين المنطلقة لتوِّها. وراح يلوِّح بكلتا يديه حين تهيأ له أن كميلة ابنة الحاج ذات العشرين ربيعاً لوّحت له خفية بأصابعها وهي جالسة، في الحوض، مع شقيقتيها، فوق الأغراض. استمر يركض ودموعه الآخذة بالتدفق تركت غشاوة على عينيه. وحين مسحهما بسمانة راحته كانت سيارة الحمل سافيم قد اختفت بين سيارات الأهالي الراحلة، والسيارات العسكرية الآيبة.
الآن دخل حكيم في الغبار والضجيج، صار مقطعاً اعتباطياً من مشهد الفوضى. وكاد يعثر ويطيح على الأرض. ثم لمّا بدأت أعضاؤه الهشة تخذله ارتكن وهو يلهث إلى جذع نخلة في الجوار... وجلس لا في موضع الظل، رافعاً رأسه إلى الشمس التي لم تكن قد استشرست بعد، وجفف دموعه هواء ما قبل ساعة الضحى.. استل من جيبه زجاجة الربع من عرق هبهب وكرع حد احتراق بلعومه، ثم أخذ يريل حتى تطامن العالم من حوله أو صار بعيداً جداً عنه. عن كل ما يمت بصلة إلى أمسه وذاكرته.
ابتعد حكيم، أو ولج عميقاً في ذاته. هو وضع أقرب ما يكون إلى الغيبوبة، وعلى مسافة ملتبسة من الموت. هذا ما شعر به؛ في البدد، إن صح القول.
استشعرت مجساته دبيب كائنات غريبة تتحرك بالقرب منه. فتح عينيه، رآهم في غلالة من ضباب أحمر.. كانوا ثلة من الجنود أحاطوا به.. خيل إليه أنهم في مشهدهم الرجراج هذا ليسوا سوى كائنات سرابية. دعك عينيه، ميّزهم؛ كلٌ يحمل معولاً أو مجرفة، ويعلق بندقيته الكلاشنكوف على كتفه، وفي وسطه جعبة عتاده.. تناهى إليه صوت بدا بعيداً بعداً غير معقول؛
ـ إنه مجنون.
قال؛
ـ أمك المجنونة.
علا صخب ضحك. والجندي الذي تورط بالكلام أصبح في مرمى سخرية الجنود الآخرين. وسمع أحدهم يخاطب رفيقه كما من أغوار كهف عميق؛
ـ لماذا لا تزوِّج أمك المجنونة منه.
التفت حكيم إلى صاحب الاقتراح وقال؛
ـ أفضّل أمك.
انفجرت القهقهات مرة أخرى وتوالت التعليقات.
جاء عسكري على كتفه أربعة خطوط سود متوازية، وصاح.
ـ دعوه.. قفوا في صفين.
اصطف الجنود في صفين.
ـ ثابت.. إلى الأمام عادة، سر.
بدوا له، وهم يبتعدون، مثل سرب من الأوز يمشي على أرض صحراء مفتوحة.
تناءى الدبيب، وغشاه هدوء فيما العالم المرئي الشاحب ينشطر أمام ناظريه إلى عدد هائل من الشظايا، تدور، كما في مشكال. مرّت في خاطره، في فجوة من الصداع الذي يمسك برأسه، صورة تلويحة مُلكية.. التلويحة تجلت له الآن أوضح وأطول وأرشق، مع ابتسامة لم يسعه تكذيبها.. تماهت الابتسامة مع حركة مماثلة لوجه أليف غير وجه مُلكية، وجه آخر توأم أو شبيه، ومضت قسماته كما اختلاجة برق في أفق غائر ومنسي من ذهنه. غمره شروق ساحر لوهلة فأخرج قنينة ربع العرق وارتشف قليلاً.. ارتشف ثانية وثالثة وهمس؛
ـ كميلة، قفي موديلاً سأرسمك الآن.
لدقائق استغرقته الصورة وتولته غبطة موشحة بظل أسىً، قبل أن يفجرها ويلاشيها عويل مباغت صارخ.. طائرة محلقة على انخفاض اخترقت حاجز الصوت، لاحقتها فرقعة آلاف الرصاصات وهي تطيش في السماء العريضة.
الأصوات هذه أيقظته، أعادته ثانية إلى حاضنة اللحظة؛ اللحظة الزلقة، المهلوسة، الفائرة. فغاب في ظلمة نفقها. انتفض واقفاً، في أهبة الاستعداد؛ إلى الأمام يا حكيم عادة سر.. يس يم، يس يم، يس يم.. عيناه محتقنتان، وجهه ضامر، ولحيته شعثاء خشنة، والعروق على رقبته نافرة.. مشى على حافة الشارع مقوساً جذعه إلى الوراء مبرِّزاً بطنه الصغيرة إلى الأمام بدلاً من صدره، لا يهتم لسخونة الأرض التي تلهب باطن قدميه، ولا للأحجار الصغيرة التي تجرحهما.. يس يم، يس يم، يس يم.. يمشي مئة متر أو أكثر قليلاً أو أقل باتجاه الخروج من البلدة، تمر به آخر سيارات السكان الهاربين ثم يعود؛ يس يم، يس يم، يس يم. مشيته عسكرية متكلفة، يرفع يديه الممدودتين المتصلبتنن، بقبضتيهما المضمومتين، أعلى من مستوى رأسه ويخفضهما بقوة.. الزبد عند طرف فمه.. خطواته سريعة وقصيرة على الرغم من طول ساقيه.. يعود وفي محاذاته تسير مركبات الجيش.. يهتف له الجنود ويقهقهون..
قذفه أحدهم بشيء أخطأه .. قذفه آخر بصمونة عسكرية يابسة أصابته في كتفه، أشعرته بالوجع.. وقف وقد تقلصت ملامحه، وقال، وقطعاً لم يسمعه الجنود الجالسون في أحواض المركبات الداخلة إلى البلدة والمتوزعة في أطرافها، وهم يصيحون به ( هووووووووو ) ويقهقهون؛
ـ أيها الحمقى، من سيضحك غداً؟، من سيضحك بعد سنة؟.
حمّى الشمس نفذت إلى يافوخه، وألهبت جلده. إنها الظهيرة إذن. وشعر بالجوع، وتوجه حالاً إلى جماعة من الجنود تحلقوا، بعد أن انتهوا من حفر المواضع الشقية، حول قصعة الطعام.. ناداه صاحب الرتبة العسكرية الأعلى بينهم، نائب العريف ذو الأنف الطويل والأسنان البارزة؛
ـ تفضل.
هز رأسه رافضاً.. ناوله آخر صمونة عسكرية، أخذها، شقها بأصابعه وأخرج أحشاءها ورماها في فمه وراح يلوكها، وناول الصمونة للجندي.
ـ خلِّ فيه تمن ومرق.
كان جلد الصمونة قاسياً تحت أسنانه النخرة غير أنه ظلَّ يقضمها، وأخيراً اكتفى بالحشو من التمن والمرق، ازدرده وطلب ماءً. صبّ له الجندي ماءً فاتراً من زمزميته في قدح بلاستك فارغ خاص بلبن علامة كانون.. شربه وتمتم؛
ـ هذه وجبة ستتكرر كثيراً.
جال في الأنحاء، بين قطعات الجيش، في الخلاء المحيط بالبلدة، كأنه لا يريد دخول البلدة وقد أمست خاوية على عروشها. كانت الساعة هي الثانية بعد الظهر، أو قبل ذلك بقليل. جاء إلى النخلة الوحيدة، تلك التي غفا قليلاً في ظلها ساعة الضحى. لمح في مهب الريح غرابين يلوذان من القيظ بالسعف، حيث تتهدل بقايا عثوق تمر من فصيلة الزهدي. وبعد سكون ران مثلما في مقبرة قديمة أقبلت عشرات الشاحنات وأحاطت به. وساعة بعد أخرى أنزلت دبابات من نوع T55و T62 وناقلات جنود مجنزرة من نوع BMB1راحت تنهب السهل المحروث من أجل موسم القمح.. حيّاه من فوق هذه الكائنات المعدنية الضخمة جنود أكثر تهذيباً من أولئك المشاة الأشقياء النزقين الذين ملأوا الأرجاء منذ الصباح الباكر. وألفى نفسه يستحم بالغبار, وفكر أنه سينزل بملابسه كلها في النهر غير أنه كان واهن العضلات، لا يقوى على اجتياز مسافة الألفي متر إلى النهر. وسمع دوي انفجارات بعيدة.
قدماه ممددتان، وظهره مسند إلى جذع النخلة، ويداه في حجره وقد غشيته غلالة من الوحشة والغرابة، فتحدرت على لحيته السوداء الخشنة المتسخة التي يتخللها بعض من الشعرات البيض، خيط من الدمع ولم يدرك أنه يبكي. واستمر منكفئاً في وحدته الموحشة، لا يعنيه ما يجري حوله. وخطر له في إهاب غامض، أنه في غير مكانه، في غير زمانه. كأن فاصلة من ألف سنة ضوئية تغرِّبه عن البارحة، وعن البلدة التي لن تكون مرة أخرى مثلما كانت. كأن الدبابات والناقلات المصفحة هبطت من السماء السابعة.. كأن بلدته غارت في جزء منسي من ذاكرة إله.. كأنه خرج لتوِّه من غيبوبة أو حلم مقبض.. كأنه طائر لقلق فقد سربه واتجاهه وظلَّ في الفلاة.
التقط عوداً صلباً مدبباً كان مرمياً على مقربة من النخلة. خط به على الأرض نصف دائرة، وفي موازاة القطر الافتراضي المقطوع رسم ستة خطوط مستقيمة، وقال؛ دبابة. وفوق نصف الدائرة وضع دائرة صغيرة، وقال؛ جندي. وأبرز من نصف الدائرة ما يشبه الأنبوب بانحناءة لا تكاد تُلحظ، وردد؛ بم بم بم بم بم.. ضحك، أرجع رأسه إلى الوراء وضحك عالياً حتى ارتطمت مؤخرة رأسه بجذع النخلة، حكّها بالعود الذي في يده.. رمى العود وأهال حفنة تراب على ما رسم، وقال؛ احترقت.
أغلق إحدى عينيه وركز نظره بالثانية على زجاجة ربع العرق. ثم خضَّ الزجاجة قرب أذنه. قال؛ جرعة واحدة باقية. ماذا لو لم يبق عرق في العالم؟ وما كان في الزجاجة عبّه في جوفه جرعة واحدة.
مسّد لحيته، وتنبه أنه في الشمس، والظل قد ابتعد مسافة قدم منه بيد أنه لم يتحرك. بعد دقيقة لوى جسمه واضطجع وأراح رأسه فوق ذراعه.. الرأس في الظل، وبقية الجسم في الشمس الحارقة. وظنِّ انه نام لكن، بعد لا يدري كم من الوقت أيقظته، قذيفة مدفع سقطت في الخلاء مصدرة دوياً مهولاً.. سمع رفيف الشظايا.. استقرت شظية في الجزء الأعلى من جذع النخلة. قال له جندي عابر كان قد تمدد على بطنه إثر الانفجار، وقام الآن ينفض التراب عن بدلته؛ عليك أن تحفر موضعاً شقياً ليحميك عند القصف. قال؛ والموضع هذا ، أيها الذكي كيف أحمله معي وأنا أتنقل. ابتسم الجندي.. سأل هو؛ ألديك سيجارة؟. ناوله الجندي سيجارة وأشعلها له بعود ثقاب.
ـ مارلبورو، أجل أفضل الروثمن اسبيشل.
رد الجندي متهكماً؛
ـ يعوزك أيضاً زجاجة ويسكي بلاك ليبل.
ـ عرق هبهب أحسن.
انشرحت أسارير الجندي وقرفص بالقرب منه في امتداد ظل النخلة وراح يدخن.
ـ ماذا تفعل هنا؟
سحب نَفَساً عميقاً من سيجارته وزفر الدخان؛
ـ هذه بلدتي، أنت ماذا تفعل هنا؟
ـ أنا جندي.. إنها الحرب.
ـ حرب، أجل، حرب، مع من، ولماذا؟
ـ مع إيران، أما لماذا فمن يدري؟
ـ مجانين. من المجنون، أنا أم انتم؟
ـ هششششششش. إذا سمعوك سيسلخون جلدك ويعطونه للدباغ.
ـ لماذا؟
ـ لأنك تسأل كثيراً؟
ـ هل عليك ألاّ تسأل؟
ـ أنا لا أسأل.
ـ وإن مت، اقصد في الحرب؟
ـ سيعدونني شهيداً.
دخن ما تبقى من سيجارته بأنفاس سريعة كأنه على عجلة من أمره. ورمى العقب بعيداً.
ـ ما معنى شهيداً؟ أقصد ما الفرق بين الشهيد وغير الشهيد؟. أنت فطيسة في الحالتين.
قام الجندي؛
ـ انت ورطة، مصيبة.. سأذهب الآن
ـ اعطني سيجارة أخرى.
ـ مارلبورو.
ـ ولو، أفضّل سومر.
وضحكا.. ناوله الجندي سيجارتين وعلبة الثقاب وابتعد تلاحقه قهقهات حكيم.
قبل الغروب مشى حكيم باتجاه البساتين، الممتدة في الجهة الأخرى من البلدة. غمرته رائحتها الرطبة الثقيلة فوقف ثمة يستنشقها بقوة وتصميم.. سار بمحاذاة الأسيجة، في شبه العتمة ولم يلتق بأحد على الرغم من أنه كان يسمع اللغط البعيد للجنود وهدير الآليات. لعلهم انتشروا بين الأشجار.. غير أنه لم يصادف أحداً من أهل البلدة؛ هل غادروا كلهم؟. مرقت جمهرة من الكلاب اللاهثة واجتازته، لا تلوي على شيء، وكأنها خائفة من أمر ما.. أحس بأنفاسها الحارّة لجزء من الثانية وبملمس جذع واحد منها على ساقه. ثم شاهد عدداً من الحمير غير المكترثة.. وحمار فتي يراود أتاناً عن نفسها، يحك رأسه برأسها ويعض رقبتها.. رغب أن يرى المشهد.. الأتان أكبر من الذكر سنّاً، يستدير الذكر ساعياً للقفز على مؤخرتها.. عضوه الضخم ينتعض ويرتعش.. الأتان تتحاشاه بعناد غريب، وبعد محاولات نصف مخفقة يقذف الحمار الفتي منيه على الأرض مكوناً بقعاً رطبة ساخنة.
ـ غبي.
قال وعاود السير، انعطف عند درب جانبي فألفى نفسه على الطريق التي ستفضي بعد عدد من الاستدارات إلى غرفته. فيما دنو المساء يخنق روحه برماد الكآبة، فتتقبّض خطوط وجهه. ماذا إذا كان الجميع قد هربوا؟ ماذا إذا رحل الجنود أيضاً، وتركوه وحده؟ من يتبقى له؟ ممن سيأخذ الطعام والسيجار والنقود؟ ذات يوم نهر شاباً اتهمه بالتسول؛ أنا لا أستجدي، أنا آخذ حقي من المجتمع؟.
فوجئ برجل يناديه من مدخل زقاق معتم؛
ـ حكيم، لِمَ لم تذهب معهم؟.
انشرحت أساريره؛
ـ لم تذهب إذن.. أنا قلت؛ هناك من لن يذهب.. عادل العصفور لن يذهب.
ـ لكننا سنرحل غداً يا حكيم.. اليوم لم أحصل على سيارة، بقيت عدة عائلات.. سنغادر غداً جميعنا. عليك أنت....
زفر بحرقة وقد عاودته خيبة الأمل؛
ـ عليّ أن أبقى.
ـ البلدة حدودية وخطرة، نحن في خاصرة إيران والحرب معهم بدأت، وهذه البلدة سيبيدونها الليلة أو ليلة غد بالمدافع، والله يستر.
ـ ألن يبقى أحد؟.
ـ أخشى أن لا أحد غيرك يا حكيم. عليك أنت الآخر أن تأتي معنا، سندبر لك مكاناً في اللوري.
ـ لا.
ـ اسمع.. ربما سقطت البلدة بأيديهم، عندها سيقتلونك أو يأخذونك أسيراً. البلدة موجودة كلها بناسها في المخيم.. الجيش عمل لنا مخيماً قرب كنعان.. ناسك هناك.
ـ والأشجار.. النهر.. البساتين.. والحمير والقطط والكلاب وبنات آوى والثعالب والطيور.. من سيبقى من أجلهم.
ـ سنعود يا حكيم، سنعود.
ـ إذن سأنتظركم.
وأسرع الخطو نحو غرفته.
غرفة حكيم كوخ عتيق يقبع متفرداً على طرف دالية الحاج مرتضى، أسكنه فيه الحاج لمّا قدم إلى البلدة قبل سنة وبضعة أشهر حال خروجه من المعتقل، أو من الشماعية.. سنتان في المعتقل وستة شهور في مستشفى الأمراض العقلية.. هو من أقرباء الحاج الأبعدين من جهة الأم، وربما لهذا السبب يناديه حكيم بخالي الحاج.. عرفه حالما رآه.. لم يخبر أحداً بصلة القرابة هذه خوفاً من رجال الأمن والحزب والقيل والقال.. غير أن حكيم ربما لا يتذكر الحاج، هو الذي أتلفوا له ذاكرته ودماغه. ليلقوا به إلى الشارع ذات ظهيرة في بغداد تاركين إياه لمصيره. ذهب إلى كراج النهضة، وصعد إلى حافلة وجهتها بلدروز، نزل في بلدروز ومشى على قدميه طوال ساعات باتجاه البلدة مثل مسرنم، أو مثل آلة تحكموا فيه عن بعد. لم يفهم الحاج مرتضى أبداً منه، على الرغم من محاولاته في استنطاقه إن كان يعي وضعه وأنه جاء بمحض اختياره، أو أنها المصادفات العجيبة التي انتهت به هنا، في هذا المكان النائي، على حدود دولة مجاورة بدأنا معها حرباً لتوِّنا.

سعد محمد رحيم
روائي من العراق
saadrhm@yahoo.com
saad.m.rhim@hotmail.com

مقالات اخرى للكاتب
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: