الثلاثاء, 20 تشرين الثاني 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
خمسة أرانب في سلّة مرتضى كَزار/عن رواية مكنسة الجنة
ضياء الجبيلي
خمسة أرانب في سلّة مرتضى كَزار/عن رواية مكنسة الجنة
مرتضى كزار



قيل عن الرواية أنها تشبه عملية صيد الأرانب! لكن لماذا الأرانب تحديداً؟ وهل يُعد هذا النوع من الصيد صعباً إلى هذه الدرجة، قياساً بأنواع أخرى يتمّ خلالها اصطياد النسور مثلاً أو حتى الثعابين.
ما لا شكّ فيه، أن كتابة الرواية ليست نزهة ممتعة كما يظنها البعض، إنها صنعة بالتأكيد أو كما نسميها أحياناً أشياء ملعونة نتحدث عنها بجرأة. أو ربما هي أكاذيب أو خدعة يحتال بها الروائي على الحياة، حتى يكون أكثر صدقاً من أولئك الذين لا يزال الكثير منهم متأثراً بأفكار تعفنت ومزقتها ريح العالم الجديد على حبال الغسيل المتهرئة. هذا يبيّن أن كتابة الرواية أمر صعب، وممارسة مؤلمة تكلف الروائي الكثير من الخسائر وعلى أكثر من صعيد، لكنها في الوقت نفسه تمنحه ربحاً في صياغة الجمال والقبح على حد سواء في عالم واحد هو عالم الرواية. وهي بذلك ربما تشبه قنص الأرانب إذا ما سلّمنا أن صيد الأرانب أمر صعب حقاً! وعلى هذا الأساس لا بد من وجود صياد ماهر يجيد الركض وراء الفرائس، ويستطيع التمييز بين ما هو غثّ وما هو أكثر من كونه أرنباً سميناً أو غزال جميل يُصنع من دمه الثمين مسكاً يسحر ربات الجمال!
هناك مقاييس لو اتبعنا أحسنها لاستطعنا تمييز الأرانب السمينة التي صارت في سلة مرتضى كَزار مؤخراً من خلال روايته " مكنسة الجنة " معوّلين بذلك على ما اصطاده من أرانب ( الأرنب هنا قد يكون ثيمة، أو تقنية، أو ربما شخصية ... إلخ ) تم وضعها تحت أضواء كاشفة ضمن خمسة ورقات وخاتمة :

أولاً : الحفيد الزنجي

وداد، مدين، حياوي، ملاية. أحفاد ثورة الزنج أو العبيد الذين شقّوا عصا الطاعة ونفضوا عن ظهورهم المتشققة ملح السباخ، وسياط بني العباس في ثورة عارمة هزّت عروش الخلافة : ( كما تنسدح قريبات وداد البعيدات في مشافٍ ومصحّات وسط الجمهوريات الأفريقية يتطببن من السلس والإيدز وتقرحات الاغتصاب بمعدات عملاقة – ص55 ) لقد ظلّت الرواية العراقية بمنأى عن استخدام هذا العرق المهم، إلا في ما ندر من الروايات، على الرغم من أن جذوره ما زالت تضرب عميقاً، سيما في تاريخ البصرة. ولو اطلعنا على الرواية الأمريكية مثلاً أو البريطانية، فسنرى مدى الفائدة الكبيرة التي حصل عليها الكتاب كونهم التفتوا إلى هذا المكون أو الجزء الرئيس من مجتمعاتهم، فاستلوا منه شخصيات مهمة رفدت كتاباتهم بنكهة روائية خاصة. والذي لمسناه في استعمالات " مرتضى كزار " إن إحضار هذه العائلة لم يكن اعتباطياً أو شيء يُذكر في الهامش ثم سرعان ما يسحقه المتن. أو بالأحرى لم يكن هذا الحضور امتداداً لعبوديات أشخاص سبقوهم وصوِّروا على أنهم خدم أو متخلفين. فمدين مترجم، ووداد رسام، الأمر الذي لم يألفه الواقع نفسه إلا في حالات استثنائية، إلا أن الرواية استوعبته أخيراً في " مكنسة الجنة " : ( عبد.. أنته شايف عبد يرسم! ص54 ) لقد ضخّ " كَزار " هذه الدماء ( الغريبة ) في جسد الرواية بمزيد من السحر والدعابة، فجاءت الأدوار أكثر من كونها رقصات " الهيوة " التي يتفنن بها المتأثرين بالفن السواحلي الأفريقي في ميادين " الزيران " في البصرة القديمة والزبير وأبي الخصيب والفاو!

ولعلّ " ملاية " الأم السوداء كانت أشدّ إلحاحاً على الروائي إذ كان احتجاجها على اللون واضحاً في ص 42 : ( أريد أن تجلبوا لي أفلام البوسكارت التي سرقتموها. لم نسرقها كانت صورنا. صوركم بلا تحميض. أمي تحبنا هكذا وجوهنا بيضاء وشعرنا أسود. كانت يجب أن تنتظر أمكم حتى أحمض الصور وينعكس البياض على السواد. ) وعلى الرغم من أن " مرتضى كَزار " لم يحقق أمنيتها بحصولها على أولاد بوجوه بيض، إلا أن المرأة كانت على مستو من الأهمية، بحيث أنجبت وداد الرسام ومدين المترجم.

ثانياً : رائحة المقابر

للمرة الثانية تفوح من عوالم " مرتضى كزار " رائحة المقابر، هذه الرائحة التي انتشرت بشكل جنائزي مفجع بعد زلزال التاسع من نيسان 2003. نلاحظ هنا أن الكاتب لم يستعمل أناس مجهولين أو ضحايا من عامة الناس، والمعني بذلك ضحايا إحدى المقابر التي تنتجها السلطات. لقد أدى هوس الكاتب بالمقابر إلى استدعاء اثني عشر رساماً لجداريات الرئيس السابق، مستغلاً بذلك حقيقة أنهم أناس غير عاديين. ولو كان الأمر خلاف ذلك لما تمّ إعدامهم دفعة واحدة ودفنهم في مقبرة واحدة أيضاً. والسؤال هو : ما الذي يمكن قوله في الرواية لو التفت " كزار " إلى مسألة استنطاق هؤلاء الرسامين ؟ ماذا يفعل لو جعل موت مجموعة رسامي الجداريات ثيمة مستقلة بذاتها؟ هل يكتب لنا رواية ثانية؟ ولو افترضنا ذلك، كيف سيتخلص من هيمنة " باموك " الماهر في " اسمي أحمر " على مكامن الحديث والاشتغال على الرسم والفن، سيما أن هؤلاء الرسامين تجمعهم ورشة واحدة تعنى أو مكلفة برسم جداريات للرئيس! لا شك أن وجود مقبرة الرسامين الاثني عشر في الرواية يُعدّ صيداً ثميناً واشتغالاً مجرداً من فجائعية ورومانسية المشاهد التلفزيونية، بالرغم من وجود الفتاة التي تحمل عظام جدها : ( كأنها تريد أن ترضعه، مزهوة بأمومتها المرتقبة – ص19 ) والمرأة التي رمت نفسها على هيكل ولدها ( وأخذ نحيبها يقترب في أحد مقاطعه من صوت الضحك – ص19 ) وفي كل مرة يترك " مرتضى كزار " هذه الثيمة تزدهر في مخيلة القارئ لوحدها، غير عابئ بأسئلته عما يمكن أن يحدث فيما لو طوّر تلك الثيمة، وأنتج منها شيئاً مختلفاً ذا نكهة تزيد من جمالية العمل، أو بالعكس، ربما تفسده! في الآخِر، لقد اكتفى الكاتب بوجد هذه الثيمة المغلقة على نفسها دون التفكير باللجوء إلى تريك الحيوات الجامدة بين طياتها أو استعادة كل شخصية على حدة أو الكشف حتى عن أسمائهم، مسلطاً اهتمامه على شخصيات أخرى لا تقل أهمية وذات طابع حياتي قلق، وغير مستقر عموماً في ظلّ أجواء كلما أوغل المرء في أنفاقها ازدادت ظلمتها دون أن نلمح في النهاية بصيصاً من الضوء.
إن الحلقة المفقودة في الرواية هي مجموعة الرسامين المعدومين، الذين اكتشف رفاتهم الدنماركيون في الرميلة الجنوبية، لكنها على ما تبدو حلقة مدمرة للرواية أو ناسفة لشخصياتها، أو هكذا فكر الروائي : أن لا يفتح ملف هؤلاء الرسامين، حتى لا تطغى قصصهم على أحداث الرواية، ولا يبقى مكان حتى لوداد وأفراد عائلته. وهو تصرف حسن في كل الأحوال، فالروائي دائماً يضحي بالكثير من أفكاره، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى المزيد من الذكاء في حال استخدامه مثل هذه الثيمة، بقدر حاجته إلى الشجاعة الكافية لكي يتخلص من كائناته الورقية، والغريب أنه فعل ذلك!

ثالثاً : جان جينيه العراقي

" رمزي " السارد : ( هذا الرسام المنكوح من كل ثقوبه الرقمية ) كما يصرح هو بذلك، والذي تفشت رائحة اشتهاءه " للعبيد " من الصفحات الأولى : ( إذ سرقت عصابة من العبيد حصان جندي انكشاري ) لا يتردد وهو يصور لنا مشهد ظفره بأحدهم وهو " وداد " في صفحة (8) وبذلك يتضح لنا أن شذوذ " رمزي " جاء على نحو يفوق توقعات القارئ، إذ يبدو أكثر من كونه رجل يحب الغلمان السود، أضف لذلك أنه شخصية مثقفة ورسام علاوة على أنه السارد. لكنه أيضاً لا يخفي ولعه بشريكه " وداد " منذ أن رآه للمرة الأولى في أحد مطاعم العشار، حيث كان يعمل هناك : ( ملكني ذلك العبد – ص 72 ) وقد بلغ الأمر حداً تماهى " رمزي " مع صوره المثيرة، فراح يصف الدربونة الزنجية، حيث يسكن عشيقه " وداد " بطريقة تتلائم مع اشتياقه لذلك الفتى : ( هناك.. حيث تنحني بيوت الأوادم بوضع لواطي مخجل – ص 14 ) مؤكداً بذلك عمق تعلقه بذلك العرق الذي اختاره بنفسه غريزياً وعاطفياً، إذ لم يكن تعلقه بـ " وداد " جسدياً فحسب، إنما صرح مرات عديدة بعشقه لفتاه الأسود، دون أن يفكر في إمكانية النوم مع " مدين " مثلاً مع أنه يحمل الدماء نفسها التي تجري في عروق شقيقه الأكبر. وربما أن " كزار " لم يستل " رمزي " من نموذج واقعي، إلا أن بوح هذه الشخصية، وحسه الإيروتيكي العالي يشبه إلى حدّ ما إباحية " جان جينيه " في يومياته وأعماله. إلا أنه – رمزي – لم يقع اختياره على فتى أسود من الشارع، إنما أحسّ بضرورة أن يكون عشيقه هو الآخر على مستو لا بأس به من الثقافة، وذاك هو " وداد " الذي بقدوره أن يرسم ويكتب ويتكلم الانكليزية مع قليل من الفارسية والمندائية!
لقد استغل الكاتب الفرصة لكي يقدم للقارئ شخصية مختلفة عن نماذج تمارس نفس الفعل في أعمال أخرى، بعد أن أعطى " رمزي " بعداً نفسياً وعاطفياً أكثر منه جنسياً متعلقاً باللواط، ويمكن تمييز ذلك من خلال فقرات تحدث بها السارد، مبدياً بذلك عن جملة المشاعر التي تجتاحه وهو يعيش حالة من العشق الذكوري الحاد : ( كان جسدي كله يخفق، وحبي لوداد بلغ شغاف الشغاف من قلبي – ص75 ) إنها علاقة غريبة، لكنها تحمل شيئاً خارقاً لعادة الكتابة عن الشذوذ، وبطريقة نأى بها الكاتب بروايته بعيداً عن عدم جدوى الحديث على هذا النحو.

رابعاً : صناعة الدعابة

بعيداً عن واقعية الروايات التي نقرأها، ينسج الكاتب دعاباته بحرفية، منتجاً بحسه الساخر نمطاً من الأسئلة عن الحياة والموت والحرب والصدفة. إذ تعمد أدوات الصانع إلى رسم المشهد بطريقة تختلط فيها تلك الأشياء في مشاهد لا نستطيع أن نقول عنها أنه طريف، كما لا نستطيع أن نصنفها على أنه مأساوية هذا من جهة، ومن جهة أخرى نرى أن الموت يسخر من " حياوي " أثناء الحرب مع إيران، عندما يقتل برمانته اليديوية خمسة ضفادع بشرية إيرانية دون قصد. وهناك أيضاً الجنود الذين يحتالون على الوقت بتعلمهم الشطرنج بالبساطيل. " وداد " ذو الستة أعوام الذي كاد أن يدس البطاريات في ثقب شقيقه " مدين " الرضيع ( ظناَ منه بأن هذا الكائن الجديد ما هو إلا دمية سوداء! ) " ملاية " و " حميد طبانة " ونيته في شراء حمار. كل هذه الدعابات وغيرها من السخريات تنتج نوعاً من المضادات الحيوية التي تنعش القارئ وتجعل من العمل أقل وطأة، وأكثر متعة. لقد استفاد الروائي من هذه الناحية وأتاح الفرصة للقارئ بأن يكون أكثر إعجاباً بصياغة هذا الكم من الدعابات فنياً، على الرغم من بلوغه حدّاً جعل من تقنية الرواية أكثر صعوبة على القارئ على القارئ العادي. إنه يصنع لنا هذا النوع من الدعابات لكي نستمرّ في القراءة، وهي خصيصة تتوفر في " مكنسة الجنة " بطريقة جديدة، أو ربما مختلفة تماماً عما نسمعه في الواقع، إذ يرتبط المشهد بحجم المعنى الذي تحاول الدعابة أن تصل إليه. فهي ليست نكتة تروى على لسان حكواتي هزلي، بل هي أشياء تبدو كأنها من نسج الخيال، لكنك ما أن تكتشف ذلك الحجم من الواقعية المشوبة بالسحر حتى تؤمن بضرورة أن يكون هناك شيء مسلّ، لكنه في الوقت نفسه كارثي وفنطازي تماماً، ككبح النسوة شهواتهنّ بالألغام!

خامساً : كمائن المكان

تمتاز الأماكن في الرواية برائحة خاصة، وروح تبعث على الانتشاء. والبصرة بوصفها مدينة حرب ونفط وفن، تستطيع احتضان أكثر الحكايات غرابة على الواقع، كما أنها مدينة أحداث وسرد، وهي بذلك توفر للروائي كماً من المشاهدات والأماكن التي تسترخي بقلم " مرتضى كَزار " على أسرّة سردية واستلهامات واقعية وصياغات تعتمد التخلص من براثن التفاصيل المؤرقة والبحث عن روح ليست باهتة تتشبث بالقارئ حتى يكون وقوفه بين جدرانها أكثر من كونه مروراً عابراً، إنما هو استنشاقاً لرائحة ذلك المكان والبحث فيه عن ذكرى مفقودة أو أثر لقدم رحالة مرّ من هنا ذات يوم.
يقع ضريح " الشيخ شوفان " في البصرة القديمة، محلة الحكاكة ( اتخذه عبيد البصرة مزاراً لهم، لأقامة " الميدان " وكانوا يعقدون له النذور ) ما يعني أن الروائي اعتمد النموذج التاريخي لهذا المكان، ولم يتخلّ عن كونه مكاناً تؤمه هذه الشريحة، إذ نقرأ في الرواية أنه " دربونة العبيد " الأمر الذي زاد من أهميته في الرواية، علاوة على امتيازه التاريخي. فضلاً عن أماكن أخرى وشواهد حضرت في الرواية، لتضفي على السرد متعة أن نعرف أو حتى نتخيل كم كانت بديعة " ساعة سورين " كمثال للشواهد التي لم تعد توجد إلا في ذاكرة المسنين.
إن المكان عند " مرتضى كَزار " ليس متخيلاً بقدر ما هو مسترد من عمق الخراب الذي لحق به، ينشئه بحرص، أو يعيد ترتيبه، كي لا يفقده الجانب الروحي المتعلّق بكونه مكاناً يجتذب القارئ، قبل أن يرممه بشذرات من مخيلته، كما يفعل الآثاري بعوالمه المكتشفة. وبقدر ما يشعره الاكتشاف بالمتعة، فإن السير في أزقة " العشار " مثلاً أو البصرة القديمة يمنحه فرصة عظيمة يتم من خلالها استرجاع أكثر الأماكن جودة، قبل أن يصوغها روائياً.


خاتمة

يمكنك أن تتذكر " مرتضى كزار " في الكثير من الأماكن والمواقف، منها وأنت في الحافلة، مع ركاب آخرين ضجرين ومستاءين يلهون أنفسهم بالمسبحات وألعاب الموبايل والاستماع إلى المذياع، بانتظار الراكب الأخير، في حين يبدو صوت السائق مزعجاً ومتشنجاً وهو يصيح " نفر واحد طالع " ! أو في أحد مقاهي العشار. أو ربما أمام أحد جداريات صور الرئيس التي استُبدلت بصور ورسومات علماء الدين. أو كلما رأيت عبر النافذة أحد آلاف الأضرحة الوهمية المنتشرة على طول الطريق من البصرة إلى بغداد!
أخيراً : هل أن صيد الأرانب أمر صعب حقاً؟!

ضياء الجبيلي
كاتب من العراق
deaa772002@yahoo.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

تعليقاتكم
1. الرواية صادرة لة ما صادرة
جمال | 13/3/2010 الساعة 14:07
والله ما افتهمنا الرواية صادرة ما صادرة شوكت صادرة منين صادرة شنو بالعراق محد يعرف يكتب مقالة صحفية
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث