الجمعة, 10 أيلول 2010
   
عيد سعيد وكل عام وانتم بخير               عيد سعيد وكل عام وانتم بخير               عيد سعيد وكل عام وانتم بخير              
الخطاب الروائي الكردي ومساوئ الادلجة
عبدالكريم العبيدي
الخطاب الروائي الكردي ومساوئ الادلجة
حسن سليفاني

في رواية "كولستان والليل" يفتتح الكاتب حسن سليفاني معجمه الوجداني بسحرية خداعة لاغواء المتلقي واصطياده بشباك منظمة خاضعة لخطاب أيديولوجي صرف. وبقدر ما تغدو ثيمة الحب بين "دلشاد" الحبيب الغائب وكولستانته الولهة والمشتعلة حبا في انتظاره سندا حكائيا متوهجا تبحث فيه الذات عن نصفها الثاني داخل منظومة يغمر العشق كل حمولاتها من وقائع أو مذكرات أو أشتات أحلام. الا ان مظاهر الاصطياد تتوضح تباعا رغم كثافة التزويق الاغرائي، حتى أن جملة "هيا تعال، تعال يادلشاد" تبقى ترددها الزوجة كولستان في ليالي انتظارها الباردة طيلة سريان الحمولة الحكائية ونسيجها التصويري، مما أحدثت أحيانا خدشا في الإيقاع أو مللا غبر مبرر.
وعلى أثر التداعي المستمر تغرق الزوجة في منولوجات حوارية إيحائية لإشباع أمنيتها الكبرى بعودة دلشاد المرتقبة.
" - إني أتحرق شوقا إلى شفتيك.. قبليني.
- أتريد أن تفضحنا.
- بالله عليك ياكولستان.
- لم يبق إلا القليل وسنذهب إلى البيت، لا يزال الليل طويلا.
- سأكون في حرب مستمرة هذه الليلة.
- سنرى". ص 33
ثم تتكشف شخصية دلشاد، الجندي "الكوردي" الذي عاد يوما من إحدى معسكرات التدريب ببذلته الخاكي المهلهلة وبيرته الكبيرة بحسب مخيال زوجته، ومن هنا تتكشف أيضا ميول المؤلف إلى تحريك الآلة السردية عبر مجموعة من الأدوات الإجرائية المسيِّرة للمحكي باتجاه أدلجة النص – أكردته - وتأطيره بالاشتغال على الواقع وتشخيص إشكالاته من زاوية "عين كوردية مؤدلجة".
- أنت لازم تتعلم عربي
- سيدي أنت هم علم كردي، كردي زين
- زين حسن اشكد ملاك المدفع
- والله آني ما عرف أنت أش كال!؟
كان حسن يردد لي حينما نكون وحدنا
- العسكرية لا تصلح لنا، هذه المرة سأجد لي حلا حينما أكون مجازا.. كيف سأعيش مع هؤلاء السلوقية.. كل يوم عشر مرات خذ التحية لابن عمشا السودة.. تعلم عربي..." ص 40
وهنا لا يغدو الجنوح للهروب من جحيم العسكرية عند "حسن الكوردي" مرده الخوف كما هو عند سائر الجنود العراقيين الهاربين، بل هو العودة إلى "الجنة الثلجية" كوردستان والانسحاب من أعباء غير مبررة "لدولة" لم يجن منها شيئا. بل أن هذا التباين في الرؤى يبدو أجلى وأكثر جرأة عند مرقد طيار عراقي قتل أثناء احدي الحملات العسكرية التي شنت على قوات البيشمركه في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي.
"نظرت إليه جيدا، درت حوله، قرأت ما مكتوب عليه: ضريح الطيار الشهيد الخالد في سبيل الوطن"..." الذي استشهد في حركات بارزان سنة1932.
رأسا قلت في نفسي: لعنة الله عليك أيها المتآكل الخامد. ما الذي أتى بك إلى ديار الكرد في بارزان لتلقى حتفك؟...
- اجل، لكن من يقول انه شهيد؟
- فقط البلاغات العسكرية تقول ذلك.. لكن الناس كلهم يعرفون انه قتيل عفن بلا قيمة تذكر!!.
- وما تلك القبب الأخرى هناك؟
- هم أيضا قتلى كردستان
- كم زلق الطيور وبراز العصافير يزين قببهم!!
حينما غادرنا حديقة القتلة... الخ– ص55/56"
المشتل السردي يكشف لأول مرة عبر تداعيات "كولستان" عن دلشاد كجندي قذف به في أتون الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي. وهنا تظهر أيضا إشكالية العلاقة بين الأدب والايدولوجيا، فدلشاد الجندي يصف معاناته لزوجته قائلا:" انه الثلج، كل شيء أبيض، ولا مساحة للسواد بتاتا غير الدخان الأسود المتصاعد من حقول النفط في مدينتنا التي ندعوها بمدينة الذهب الأسود "ترى متى ستعود إلينا ثانية يا كولستان؟" ص59.
تنزاح البوصلة السردية نحو متن المذكرات وفق تحول غير مقنع لبطلة الرواية. وتبدأ شخصية دلشاد وخطابه السياسي تتضحان عبر سيل من الالتقاط للهواجس والمعاناة تحت عباءة الحرب وشرورها، إلا أنها تعود وتلتصق قسرا بخطاب سياسي مؤدلج إزاء العديد من الانفعالات التي تتلبسه.
- يا للحيف، أن تكونوا أحفاد لولائك الشجعان، ماذا يفعل هؤلاء العربان في أرضكم؟ أجدادكم يموتون ثانية من قهركم.. كيف تتركوننا للأغراب؟ متى ستعودون ثانية؟" ص 88.
وبين التذمر والرفض والحنين إلى "وطن" تختم كولستان ليلها باستحالة عودة دلشاد القتيل واستحالة الاقتناع بمقتله من جهة، وانغماس شخصية الغائب بطور مضبب يحيل عودته إلى عودة "وطن" وانتصار "فكر" ونجاح "قضية" داخل التخييل الروائي وخطابه الذي يحسن الإنصات حين يتأهب للحكي عن الذات والآخر.
"كولستان والليل" همسات كوردية جميلة تدين الحروب وويلاتها، ولكنها تفترش معاناة "الأقليات" حلما ووجهة نظر مؤدلجة لا يسع المتلقي الناضج سوى احترامها.

عبدالكريم العبيدي
روائي من العراق
kalubaidi@yahoo.com
مقالات اخرى للكاتب
تعليقاتكم
1. الشوفينية
جمال | 12/3/2010 الساعة 00:19
كل عنصرية لا يمكن احترامها لا للناضج ولا لغير الناضج
2. صدور الرواية
جمال | 12/3/2010 الساعة 00:22
ملاحظة للكاتب، لما تكتب مقالة عن رواية يجب ان تزود القارئ بمعلومات ضرورية، مثلا دار النشر، سنة النشر، عدد صفحات الرواية، واذا امكن سعر الرواية كما تفعل الصحف الاجنبية
3. حق الرد
زبير حضير | 30/4/2010 الساعة 16:02
لقد قرأت الرواية وانهيتها على مضض، لكن لا باس بها باعتبارها اول وآخر محاولة روائية للشاعر الموهوب حسن السليفاني.
4. النقد المزدوج
عبدالكريم يحيى الزيباري | 1/5/2010 الساعة 15:20
مع احترامي للناقد الكبير عبدالكريم الخطيب ولكن على قارئ هذا النص أن يقرأ رأي العبيدي الذي نشره في جريدة الصباح بتاريخ 4 حزيران 2009 والصفحة الرابط http://www.alsabaah.com/200906 04/pdf/p10.pdf وهو يقول شيئا مختلفا بالمرة -العسكرية لا تصلح لنا، هذه المرة سأجد لي حلا حينما أكون مجازا.. كيف ساعيش مع هؤلاء السلوقية.. كل يوم عشر مرات خذ التحية لابن عمشا السودة.. تعلم عربي..." ص 40 وهنا لا يغدو الجنوح للهروب من جحيم العسكرية عند "حسن الكردي" مرده الخوف كما هو عند سائر الجنود العراقيين الهاربين، بل هو العودة إلى "الجنة الثلجية" كردستان والانسحاب من أعباء غير مبررة "لدولة" لم يجن منها شيئا. بل أن هذا التباين في الرؤى يبدو أجلى وأكثر جرأة عند مرقد طيار عراقي قتل أث
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: