الجمعة, 31 تشرين الأول 2014
   
صدرت حديثاً عن منشورات "مومنت كتب رقمية" Moment Publications في بريطانيا               رواية جديدة بعنوان "سلاطين الرماد" للكاتب العراقي سعد هادي، بطبعتين، ورقية والكترونية              
الجَنَقُو (مَسَامِيرُ الأرِضْ)/ رِوَايَةْ
عبد العزيز بركة ساكن
الجَنَقُو (مَسَامِيرُ الأرِضْ)/ رِوَايَةْ
عبد العزيز بركة ساكن



إهداء

(إلى روح الجميلة، النظيفة،النقية، الشفيفة، مريم بت أبو جبرين، أمي)














( الجَنْقُو مَسَامِيرُ الأرَضْ )
مقولة لمجهولين




وَدْ أَمْوُنَةَ
السِجِنُ والسَجّانُ




هذا ما تحصلتُ عليه مِنْ عدة حُكاة ورواة، من بينهم حَبيبتي ألمْ قِشْي، و الأُم، مُختار علي، الصافية وود أمُونة نفسه،مع بعض التدخل و قليل من التأويل و التحوير و الإلتفاف و التقويم و الإفساد أحياناً؛ لحكاية ود أمونة في السجن.
قرر بينه وبين نفسه ألا يغسل الأطباق بعد اليوم ولو أنهم نفذوا تهديدهم ورموا به في الشارع، لا يهم يستطيع أن يبقى خارج السجن ويمكنه النوم تحت الجدار الذي يقابل غرفة أمه، وسوف يأكل ما ترميه أمه له من أعلى السور، وهو أيضاً يعرف كيف يصطاد الطيور والفئران ويشويها، عن طريق المهارات القتالية التي اكتسبها من والدته، يستطيع أن يحارب الأشرار، قد لا يعرفهم الآن ولكنه سينتصر عليهم بمجرد أن يشرعوا في مهاجمته. كانت أمه أمونة تقول له دائماً:
( كَاَنْ جُوُكْ عِشْرين أو مِيَّة، إنت أَمْسِكْ وَاحْد بَسْ، وإن شاء الله تعضيهُ بسنونك، إن شاء الله تخربشهُ بأظافرك، إن شاء الله تَدَخِلْ يدينك في عينهُ، لكن ما تخلي حَقكْ ولا تبكي ولا تجري. الدُنيا دِي مَا بِيَنَفَعْ فِيها الضَعِيفْ.)
قطعت حبل تفكيره أنامل الشامة على رأسه.
تعال عليك الله فليني يا ود أمونة. -
هو لا يحب الشامة، بالذات:
( عندها ريحة في فمها أعفن من البول، رأسها كله قمل، ووساخة، وقالوا كتلت راجلها.)
قالت له الشامة
- أُمُك الليلة طلعوها خدمة في بيت المأمور، أنا ما عارفة المأمور دا عايز منها شنو ما عايز يخليها في حالها.

(ما حأغسل الصُحانة.)
قال ود أمونة مُصدراً أمراً لنفسه.

طباخ السجن النحيف صاحب الأصابع الطويلة واليدين الممسكتين دائماً بالكمُشَةَ أو المِفْرَاكَة، كان يرى في ود أمونة مستقبل طباخ ماهر.
( ود أمُونة يشبهني في أشياء كثيرة عندما كنت طفلاً كنت مثله وسيماً وسميناً وكسولاً وكثير الشجار مع الأطفال ولكني أيضاً كنت أحب أن أكون في صحبة النساء مثله تماماً)

أكثر ما لا يُحبه ود أمونة في طباخ السجن، بالإضافة إلى أطباقه التي دائماً ما تحتاج إلى من يغسلها من الويكة ودهن إدام القرع، أن طباخ السجن: ما كُويس.

بالأمس ، بعد أن فرغ ود أمونة من غسيل الأطباق ورصها بانتظام على دولاب الحديد طلب منه طباخ السجن أن يلعبا (طُرة كِتابة)، قال له طباخ السجن
- كان غلبتني، تديني بُوسَة، وكان غلبتك أديك بُوسَة.
وبصق سَفّة الصعوط جانباً قرب قدر كبير على الفحم، وبحركة بهلوانية أخرج قطعة عملة من الحديد الفضي، أطارها في الهواء، ثم تلقاها بكفه، وبسرعة البرق أغلق عليها بكل أصابعه واضعاً في نفس اللحظة ابتسامة على طول وعرض فمه الكبير، بين أسنان صفراء متفرقة بارزة، سأل ود أمونة
- طُرة ولاّ كِتابة؟
أطار بعض رذاذ البصاق في الهواء، سقط بعضه على وجه ود أمونة، مسحه بباطن كفه في قرف.
( أكثر ما أكرهه في هذا الشخص؛ شفاهه المبتلة دائماً بالبصاق ورائحة الصعوط.)
قالت له الشامة وهي تعيد نظم ضفيرة من الشعر المستعار على رأسها
- أمك حتجي بعد كدا،المأمور كَرّهها الدنيا.. إنت عارف ملابسه وملابس أولاده وبناته، وحتى جيرانه. والله أنا شاكة في إنو قاعد يأخد عمولة من الناس في الغسيل.. أمك لو بقت مكنة غسيل حتنتهي.. ولكن هانت.. باقي لينا كلنا السنة دي بس، أمك باقي ليها ستة شهور، هانت يا ولدي.
قال له ود أمونة، بصورة نهائية وقاطعة
- أنا ما عايز ألعب معاك طُرة كتابة.
- كويس، تعال أديك بُوسة.
- ما عايز، لا تديني بُوسَة ولا أديك بُوسَة.
- كويس، لمّان يجي الصول ويشوف الكُباية الكسرتها تعرف حاجة.
- حأكلم أمي.
قال الجاويش، طباخ السجن مستهتراً
- أمك تعمل شنو، خليها تقدر على نفسها.
ثم أضاف بلين.
- بطنك بتملاها من وين؟ تعال يا ود أمونة،أديني بُوسَة أو شيل مني بُوسَة زي ما تدور.

عندما ينتصف نهار السجن، تسمع طقطقة الزنك كأنها فرقعة عبوات رصاص صغيرة تقدح جماح العرق النسواني التعب المتبل بفطر إبطهن وعاناتهن، رائحة البلاط وزنخ شعر الرأس المُلبّكْ بالأسطبة والجورسي القديم، وطنين الزُبابات مختلطاً بقهقهة السجانين، نداء الجاويش المسجوع من حين لآخر
- مُوية يا بنات...... الموية.

أخرجت الشامة مكافأة صغيرة من مطبقتها وقدمتها لود أمونة نظير متعة التفلية وعربون خدمة قد تطلبها منه في يومٍ ما، العنبر الطويل يحتوى على عشرين سيدة، عجوزتان اتهمتا قبل عشر سنوات ماضية بحيازة جوالين من الحشيش، صبية جميلة رقيقة اعتادت سرقة الذهب والمجوهرات، أمه بائعة عرقي البلح وقد ضاعف قاضٍ غيور على الدين العقوبة عليها سبع مرات لأنها لم تقلع عن الفعل الحرام طالما جلدت مراراً، وغرمت تكراراً وسجنت شهوراً كثيرة متفرقات، الشامة اتهمت بقتل زوجها وتقول إنه شرب الصبغة مع عصير البرتقال من تلقاء نفسه غيرة عليها وأخريات، وأخريات،وأخريات. لكن ود أمونة كان لا يهتم بغير واحدة لا يعرف كم عمرها ولا يفهم طبيعة جريمتها، كانت قليلة الكلام، تغني دائماً بصوتها الشجي وتحكي له قصصاً طويلة تقصر عليه الانتظار الطويل بالسجن، ولو أنها كانت تقضي فترات طويلة، مريضة طريحة بلاط العنبر إلا أنها كانت الأكثر مرحاً، هادئة وطيبة لينة وصبور، أمه لا ترغب في أن يتقرب إلى العازة.
- يا ولد أخير ليك تختى الشرموطة دي.
وذلك أمام عازة مباشرة وفي حضرة من حضر، لا يهم، تضحك عازة وتجلس على الأرض، (طلب مني أن أركب في ظهرها وفي قفزة سريعة أركب، تنهض بي بالرغم من أرجلي الطويلة تجري بي في الفراغ الذي يقع بين العنبرين.)
وعندما دخل الجاويش فجأة المطبخ، ارتبك الطباخ ،أمر ود أمونة بأن يذهب إلى عنبر الرجال ويحضر الأواني الفارغة.
- بسرعة يا ولد.
وهرب ود أمونة نحو عنبر الرجال.

أدخل هدية الشامة سريعاً في جيبه ثم تحسسها بكف يده اليمنى ليتأكد من استقرارها هناك، باسته على خده قائلة
- أجري غسِّل يديك، عايز تاكل بيهم كدا.
عندما يضع هدية الشامة في علبة التوفير مع ما وفره من هدايا المسجونين والمسجونات وحتى الطباخ نفسه والعساكر، يكون قد تمكن من مبلغ لا يعرف قدره ولكنه يزداد يومياً، ببطء،ولكنه لا ينقص، حتى عندما يرسلونه إلى الدكان القريب أو السوق لإحضار تمباك أو علبة سجائر أو ما شابه ذلك ويطلبون منه الاحتفاظ بالباقي، فهو يبخل على نفسه بقطعة من الحلوى الكثيرة الشهية التي تطل عليه من بين الأرفف والطبليات وفي أيدي الأطفال الذين في عمره، كان يعرف أيضاً المساجين الذين في عنبر الرجال، قد تتغير الأوجه يومياً ولكن المساجين الجدد يُعرفون في اليوم الأول لقدومهم، بالاسم والقبيلة والجريمة والمدينة والقرية والشهرة، جمع بسرعة الأواني التي دفع بها السجناء خارج زنزاناتهم أو عنابرهم ثم أخذ ما يستطيع حمله على جسده الصغير ومضى به نحو المطبخ- كان الصول ما يذال هناك، وعندما رأي ود أمونة يترنح تحت ثقل الأواني صرخ في وجه الطباخ،
إنت عايز تقتل ود المرا دي ولا شنو؟-
فأسرع الطباخ في تناول الأواني من على كتف ود أمونة وهو يعتذر بهمهمة غير مفهومة.
قال لود أمونة بود
يلا أجري العنبر، أمك في انتظارك، تكون جات من الخدمة.-
قال ود أمونة للشامة
أنا ماشي لعازة. -
ردت له في شماتة
إنت ما عارف إنو دخلوها الزنزانة.-
عارف ووديت ليها موية قبيل، مسكينة عازة.-
قالت بصورة حادة
- ما مسكينة ولا حاجة،عازة دي مجرمة.
قال ود أمونة مستغرباً
-مالها، عملت شنو؟ قالت لي هي ما عملت أيّ شئ.
قالت الشامة
. لقوا عندها ممنوعات-
عندها استطاع أن يربط ود أمونة أحداث قبل الأمس، بأحداث يوم أمس بما سمعه اليوم من الشامة.

أحداث أول الأمس.

كانت عازة تحت الحائط الشرقي، لسنا بعيدين عن بُرج المراقبة، حيث كان السجان بريمة بين وقت وآخر يتبادل الكلمات مع العازة وأيضاً السجائر، حدثتني العازة عن أمانة تخصها عند امرأة في الحُمرة بأثيوبيا، وأن المرأة جاءت من هناك، وهي الآن في القضارف ولم تجد طريقة لإحضار الأمانة لها في السجن، لأنها تخاف من البوليس ولها سوابق كثيرة، ثم أضافت ضاحكة
سُمْعَتها سيئة. -
أحسَّ ود أمونة حقيقة بارتباك في تفكيره عند سماعه الجملة الأخيرة (سُمْعَتها سيئة)، ولم يفهم لهذه الجملة معنى محدداً ولكنه، ابتسم واقترح في نفسه أن لها معنى مثل جملة الطعام الفاسد، تجاوز ذلك، أو لم يستطع أن يتجاوز ذلك، قال لها:
يعني مالها؟-
قالت له
!! يعني-
و أحنت رقبتها الطويلة بطريقة عقدت المعنى، ثم أضافت
سجنوها كم مرة.-
زي أمي كدا. -
قالت بسرعة
. أمك مسكينة ما عندها حاجة غير عرقي بلح بس ولكن القاضي قاصدها-

قذف بريمة للعازة بعلبة سجائر برنجي، سقطت على حجرها مباشرة، وعندما نظرت إليه غمز لها بعينه اليُسرى، فضحكت وضحك، ضمتني عازة إلى صدرها بشدة إلى أن شممت رائحة إبطها وقالت لي هامسة
تساعدني يا ود أمونة.-
كيف؟-
تجيب لي الأمانة من ألم قَشي؟-
ألم قشي؟ -
- إنت ما قلت لي مرا من الحُمرة.
؟ أيوه، إنت ما عارف إنو ألم قشي من الحُمرة-
أضاف في استسلام
- وين ألاقيها؟
قالت وهي تحك بأظافرها سيخ الباب
. في موقف الشُواك -
وكيف أطلع؟ -
قالت لي مبتسمة
- ساهلة، لما يرسلك الطباخ للسجائر زي كل يوم، تقوم جاري لموقف الشواك وتلقاها هناك منتظراك، الكلام دا بعدين، بعد صلاة الضهر. زي كل يوم.
؟ لو ما رسلني الليلة-
قالت بثقة
. حيرسلك، دَخِّلْ الأمانة هنا-
- وين؟
. هنا، هنا-
ولا يدري، أحدث هذا صُدْفَة أم عِنيّة، ولكن استقرت كفها هنالك لوقت خبيث لا بأس به، وقبل أن تشرح له أكثر قرصته برقة فيه، رقة وحشية غامضة، رقة أكثر.
ما حدث بالأمس.
اعتاد ود أمونة أن ينام مع أمه في ذات السرير، أو هي كانت تصرّ على ذلك، ربما خوفها الشديد عليه له ما يبرره، خوفها من الجميع دون فرز، مسجونات ومسجونين، سجانين وعمال سجن، لم يكن هو الطفل الوحيد الذي في صحبة أمه بالسجن، بل كانت هناك ثلاث طفلات، ولكنهن رضيعات ولا يعرفن شيئاً، بل لا يمكن اصابتهن بمكروه ظاهر، لكن طفلها، ود أمونة، طفل التاسعة في خطر دائم من الجميع، لأسباب أهمها أن لإبنها جسداً أكبر من عمره وأنه رغم البؤس وسوء الطعام مع قلته، له جسدٌ سمينٌ وساقان طويلتان مما يجعله أكبر من عمره بكثير، وإذا أضافت إلى ذلك وسامته، فإن الأمر يبدو واضحاً وجليا.ًأمه، تعرف أن الطباخ منحرف، وأنه يتقرب إلى إبنها وقالت لنفسها
- إذا لمس الولد ده لمسة، لمسة حأكتلوا كتلة يتحدث بها الناس إلي يوم القيامة ولكنها تخاف عليه أيضاً من النساء ولو أنه لم يبلغ الحلم بعد ولكنها تعرف أنهن يعرفن كيف يستخدمنه.
ولقد خاطبتهن على ملأ
- أسْمَعنْ يا شراميط هيييي، اليوم الألقى فِيهُ ولدي دا مع واحدة، حأرسلها الآخرة.
ضحكن؛ غِظنها بقولهن إنهن سيفعلن، وإنها فرصة له ليتدرب، ولكنهن في باطن عقولهن،كن يعرفن أنها جادة في قولها وأنها ستفعل.

عندما استيقظت أمه استيقظ، في الحق استيقظ العنبر كله على جَلَبَةِ مصدرها عراك في عنبر الرجال، السبب البنقو.
؟ البنقو-
وكعادة السجانين أنهم يتبعون أقصر الطرق للحصول على الحقيقة وهي الضرب المبرح والقرص بالزردية، لذا لم يستغرق الأمر طويلاً، جاء جاويش يُسمى غلبة إلي عنبر النساء، أمسك بيد عازة، أوقِفَتْ، ثم صُفِعَتْ في وجهها بكف كبير قبل أن يقول لها غلبةُ:
. أرح وراي-
قال ود أمونة للشامة وقد استدرك الأشياء كلها، وربط بينها
. البنقو، مش كدا-
قالت له الشامة
. أيوه، البنقو-
سألها
جابته من وين؟-
قالت له
. أبت تعترف-
قال خائفاً
؟ وإذا دقوها حتعترف-
قالت له
. هم ضربوها ولكن العازة عنيدة، ولو كتلوها ما حتعترف-
جلس عند باب الزنزانة، كانت يدها على يده بين السيخ، قوية وواثقة ودافئة، كانت آثار الضرب واضحة على وجهها، اعتاد ود أمونة على هذه المناظر وما عادت تؤلمه كثيراً، فقد رأى أمه مراراً بوجه متورم وظهر متقيح بل شاهد ذات مرة الجاويش غلبة يتحرش جنسياً بوالدته وعندما أبعدته عن نفسها، قام بصفعها في وجهها عدة مرات.
قال بصوت ضعيف مرتجف
. حيقبضوني-
ضحكت العازة مؤكدة له أن الشئ الذي أحضره من ألم قشي ليس هو البنقو ولا شئ ممنوع وفتحت له كيساً كان قربها وأخرجت منه لفافة، هي ذات اللفافة التي أحضرها، مدتها إليه قائلة
. افتحها-
أبعد يديه في خوف
. لا-
. أقول ليك شوف فيها شنو، عشان تتأكد-
وعندما رفض وحاول أن يهرب، قامت بفضها، فلم يكن بها سوى قطن طبي، قالت له
- قطن، قطن تحتاج ليهُ النُسوان، وهو ممنوع في السجن لأن المساجين بيعملوا منه قنابل بالبنزين.
لم يقتنع ود أمونة ولكنه أحس براحة نفسية عميقة، قالت له
- أنا ما بعت أي بنقو للمساجين- ولا يحزنون- وما تخاف عليّ ولا على نفسك-
قبل غروب الشمس بقليل جاءت أمه، كان قد استحم وغسل جُلبابه الآخر وحذاءه البلاستيكي وانتظرها راقداً على السرير، كاد أن ينام، رمت عليه كيساً صغيراً به تفاحة وقطعة حلاوة المولد، ورغيف وطحنية.
- الليلة اشتغلنا غسيل في بيت المأمور، غسلنا ملابس ناس الحِلة كُلها.
(-------) -
قالت له أمه في حنية وهي تمسح رأسه بكفها
؟ كنت وين بالنهار؟ رسلوك للدكان والسوق-
. غسلت العدة للطباخ واتونست مع عازة، لو شفتي يا أمي دقوها دق-
قالت أمونة جملة واحدة ورمت بنفسها على السرير قربه
. تستاهل-
؟ ليه يا أمي-
؟ البت دي قليلة أدب شوية، الوداها تبيع البنقو شنو-
قال دون تركيز
. يا أمي هي عندها قطن مش بنقو-
قالت مستغربة
؟ قطن شنو؟ في قطن يبيعوه-
. والله أنا شُفتُهُ-
. إنت ما عايز تختى الزولة دي، أنا مش قلت ليك ما تكون معاها-
سكت ود أمونة قليلاً، بدأ يقضم جزءاً كبيراً من التفاحة، أكلها باستمتاع ظاهر، قال
. كل يوم جيبي لي تفاحة-
. كويس-
عندما نامت أمه، أخذ ما تبقى من الكيس ومضى نحو الزنزانة، كان الظلام قد بدأ يهبط ولكن الإضاءة الضعيفة عبر الممر دائماً ما تمكنه من التجول بسهولة في أنحاء السجن، كما أن الحرس قد اعتادوا عليه ولا يعترضون تجواله بل يرحبون به ويداعبونه ويرسلونه، على كلٍ، هو شخص محبوب هنا، رفضت العازة في بادئ الأمر تناول ساندوتش الطحنية الذي مده إليها ود أمونة، ولكنه عندما بدأ يبكي، أخذته منه، كانت جائعة جداً وبدت له شاحبة وهزيلة وأظهرتها الإضاءة الباهتة مثل شبح كبير حقيقي، ولكن كفها الدافئة تؤكدها باستمرار وتسري في نفسه بهجة وحباً، لأول مرة تسأله عن والده، قال لها
-أمي قالت لي أبوي يمني، وقالت رجع اليمن، كان عنده دكان في الحلة، عرس أمي وطلقها.
؟ ما عندك أخوان تاني-
. لا، أنا وأمي بس، أهل أمي في البلد-
وين بلدكم ؟ -
- والله ما عارفها، أمي قاعدة تقول البلد، والبلد دي وين؟ أنا ما شفتها.. أنا ولدوني في (الحلة) وما مشيت أي مكان تاني غير جينا هنا القضارف في السجن، دخلت مع أمي كتير.... قالوا من ما كنت برضع، ولكنها طلعت ودخلوها تاني
- أنا حأطلع قبل أمك.. لو أمك وافقت حآخدك معاي أنا عندي أهل وأسرة في القضارف هنا.. تعيش معانا في البيت لحدي ما تطلع أمك من السجن: كويس؟
قال لها في يأس
. أمي ما بتقبل.. لو علي أنا... حأمشي معاك طوالي -
حأحاولها، إن شاء الله تقبل... إنت لازم تمشي المدرسة. هسه عمرك كم؟ -
- تسعة سنين.. ما حيقبلوني في المدرسة؟ أنا حأمشي اشتغل مع الميكانيكيين عشان أطلع سواق وميكانيكي.
قالت بصورة مؤثرة
. لأ.. حتقرأ وتطلع دكتور-
قَدّمَ لها قطعة كبيرة من حلاوة المولد وهو يضيف
. وأمي قالت بدون شهادة ميلاد مافي ليّ طريقة-
قالت وقد رأى بريق عينيها عبر ضوء الممر الخافت
حأطلع ليك شهادة تسنين، وحأدخلك المدرسة.. أنا بعرف مدير مرحلة الأساس، قاعد يجي بيتنا في القضارف، وبعرف الزول البيطلع شهادات التسنين، ما عندك أي مشكلة، بس كيف أمك توافق.
مرّ بهما جاك طويلة، وهو شرطي نحيف طويل اسمه علي، يعرفونه بالجاك طويلة، شخص مرح ويُعْرَفْ بأنه متدين، ودائماً ما يؤم السجانين في الصلاة، قال مخاطباً عازة
. لقيتي زول تتونسي معاه-
ردت عليه عازة
. الله كريم-
قال وهو يمسك باب الزنزانة
. لاقيت أبوك اليوم الصباح-
طبعاً ما سأل مني. -
. قاللي لو طلعتوها من السجن، أخوانها حيقتلوها. أخير تكون قاعدة معاكم-
قالت بإصرار:
- مافيش زُول يقدر يقتلني.. والراجل يمد إيدو علي، وأنا حأطلع بعد شهر. ونشوف: الحشاش يملأ شبكته.
قال وهو يحملق في وجهها الذي ألصقته بسيخ الباب.
سافري من البلد، أمشي أي مكان تاني تعيشي فيهو، وإنت زولة متعلمة.. وعندك مهنة، -
قالت محاولة أن تبتسم
؟ الغُنَا دا كمان مهنة -
لييه؟؟ الفنانين ديل دخلهم دهب. -
- أنا حأشتغل أبيع شاي، وفي القضارف، وعارفه ما فيهم واحد راجل يقدر يلمسني كان أحمد ولا الصادق.
قال لها مغيراً مجرى الحديث
- المأمور قال بُكرة حيطلعك من الزنزانة للعنبر، ولكن حيكتبك إقرار عشان ما تقومي بأي عمل إجرامي هنا في السجن.
قالت
رَبُنَا أحسن منه. -
قال ضاحكاً
. إنت بس لو ختيتي بنات حي فوق ديل، مافي حاجة بتجيك-
قالت بضيق
- أنا يا مولانا ما عملت حاجة، يعني شنو لو لقوني في بيت عزابة؟ ولييه ما سجنوا العزابة؟؟
قال
. العزابة هربوا-
قالت بمرارة
- كلهم معروفين.. وقاعدين في القضارف، ولو عايز هسه أرح أمشي معاي أسلمك ليهم واحد واحد..... ومنو القال ليك هم عزابة؟
قال في صوت خفيض
- دي مسئولية المباحث والتحري والقاضي، أنا زول شغال في السجن هنا، يجيبوا لي أحرس، ما جابوا... ما عندي غرض بزول.
أيضاً لم يفهم ود أمونة ماذا يعني أن يقبضوا على امرأة إذا دخلت بيت (عزابة) اعتبر ذلك مثل الطعام الفاسد أيضاً.
عندما مضى جاك طويلة جلست معطية ظهرها للباب الحديد،وخلف السيخ كان ود أمونة يمشط شعرها بخلاله وهي تغني بصوت شجي عميق:
من طرف الحبيب جات أغرب رسايل
يحكي عتابُهُ فيها
قال ناسينُهُ قايل
قال ناسينُهُ قايل

هذه الأغنية لا تعجبه، تعجبه أغنية

ما هي دنيتنا الجميلة
شوفو دنيتنا الجميلة
بأزهارها بأشجارها ونخيلها

غنتها له، عندما دقّ جرس النوم، أي دوي الطرق على القضيب المعلق وسط السجن معلناً أن الساعة الآن التاسعة مساءً، تلمس ود أمونة الطريق نحو عنبر النساء، وهو في الطريق، لأول مرة يفكر في شيئين: أبوه والمدرسة.
وهما شيئان ما طرقا باب مخيلته من قبل، هو لم ير أباه في يوم ما، ولا حتى صورته بل لم تحدثه عنه أمه إطلاقاً، وما قاله للعازة ليس سوى بعض مما سمع من حديث لأمه مع جارة لها، قبل أعوام كثيرة ولم ينسه، أعمل فيه بعض الخيال وقاله لها.
أما المدرسة فلم يفكر فيها، كأنما هي شئ لا يعنيه على الإطلاق، وهي حلم كبير لا تسعه مخيلته، فقد دخل السجن في هذه المرة الأخيرة مع أمه منذ سنتين، أي أنه كان في السابعة من عمره وهو العام ذاته الذي التحق فيه أنداده من أطفال الجيران بالمدرسة، فهو لم يرهم يذهبون إليها ولا يعرف عنهم شيئاً منذ عامين، مازال يتخيلهم يلعبون في الخور وعند الماسورة المتعطلة أو يصطادون الطيور، الفراشات، الجراد والفئران، أو يلعبون دكاتره وممرضات مع البنات اللائى في أعمارهم، يجرون بترتاراتهم، يركبون الحمير السائبة وفي موسم الصمغ يذهبون إلى زريبة المحاصيل لخطف الصمغ من الحاجات وعند العصر يلعبون حرب حرب، ضد أولاد الحي المجاور، أما أن يذهبوا إلى المدرسة، فهذه فكرة لا يعرف إليها سبيلاً.
وجد أمه ما تزال نائمة ويعرف أنها لن تستيقظ إلا عند صلاة الصبح حيث يصلي جميع المسجونين في العنابر صلاة جماعية إجبارية في الميدان وسط السجن، الرجال في الأمام والنساء خلفهم، ود أمونة وحده خلف النساء، قرر بينه وبين نفسه أنه بعد صلاة الصبح سيسأل أمه عن أبيه ويطلب منها أن ترسله إلى المدرسة، وعندما نام، حلم بأنه ذهب إلى المدرسة، كان يحمل حقيبة كبيرة فارغة، قابله مدير المدرسة وهو طباخ السجن ذاته، ملأ له الحقيبة بالكتب والكراسات وقدّم له حَلَّة كبيرة مملوءة بالعدس والطحنية، وقال له
خذها إلى العازة، وقول ليها دي جنازة أبوك. -
فَجَرّ الجثة خلفه عبر ممرات الزنازين، إلى أن أوصل الفرس إلى عزة، ركبا الفرس ْ وهربا بعيداً، كان الأشرار يطاردونهما عبر النجوم والغابات، ولكنهما مضيا على متن سحابة كبيرة ممطرة إلى الأعلى.. الأعلى... الأعلى... الأعلى.
حدثهم جاك طويلة عن عذابات يوم القيامة، كأنما كان يخاطبهم فرداً فرداً، عذاب السارق، عذاب القاتل، عذاب اللوطي، عذاب الشرموطة، عذاب صانع الخمرة، شاربها، مناولها، بائعها، ناقلها والمنقولة إليه، عذاب من لم يطع الحاكم،السياسي، عذاب من يهرب من العدالة، من يحرض على الهرب، الكاذب، الغاضب، الذي يموت وفي عنقه دين، المتمرد، الزاني، المزور، الذي لا يصلي، من أفطر في نهار رمضان، ثم تحدث عن عذاب الكافر وذكر تحت هذا المسمى:
الشيوعي،
والشيعي،
والمسيحي،
واليهودي،
والوثني،
والأمريكي،
وناكح الفرجين،
وناكح الرجل،
والرجل المنكوح،
الساحر، تارك الصلاة،والخامسية،
والخنزير، شجرة الزقوم
وآكل الخنزير، وآكل الزقوم
وقاتل النفس البشرية ولكن بغير حق.
وآكل مال اليتامى.
ولكي لا يغلق الباب الذي فتحه الله للإنسان، أكد أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
(سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين)
اذهبوا إلى عنابركم يرحمكم الله.
قال لأمه وهو يُمسك بثوبها لكي تقلل من سرعتها، حيث أن الجميع يهرول من ميدان الصلاة هرولة الى العنبر،ليكملون نومهم.
أبوي وين؟ -
قالت مندهشة وهي تقف فجأة وتنظر إليه في استغراب كأنها تراه لأول مرة في حياتها.
الليلة من وين طريت أبوك؟ بسم الله الرحمن الرحيم، -
. بس عايز أعرف -
. أبوك في اليمن... طلقني ومشى اليمن، وإنا لسع ما ولدتك-
- مش حايجي تاني؟
أجابت متثائبة
؟ أنا نعسانة و عايزة أنوم. -والله ما عارفاهُ، لمّان تكبر تمشي تفتش عنُو في اليمن، كويس صمت قليلاً ثم قال
. أنا عايز أخش المدرسة-
- يا ولد، إنت جنيت؟ الليلة مالك؟ من الصباح دا قايم عليّ... كدي قول بسم الهб، وخلي الشمس تطلع، إنت قايل المدرسة دي ساي كدا.. حتقعد مع منو؟ حتأكل من وين؟ والرسوم والكتب، وشهادة الميلاد.... زول شهادة ما عنده!
قالتها بطريقة كأنها تحمله المسؤولية كاملة، هي عدم امتلاكه لشهادة الميلاد، ثم أضافت برقة.
- كدي خليني أطلع من السجن وأشوف لي شُغل، إن شاء الله فراشة بعد داك أدخلك المدرسة.
قال لها وهو يمسح وجهه بظهر كفه
لمّان تخرج عازة من السِجن بعد شهر أنا حأمشي معاها، هي حتدخلني المدرسة-
هي قالت ليك كدا؟ -
رد في تردد
. أنا قلت بَرَايْ -
قالت بصورة قاطعة لا تخلو من الحنق:
- حنطلع من السجن دا أنا وإنت في وقت واحد: سَوا سَوا، شيطان ما حياخدك مني.. إنت ولدي أنا، ود أمونة: فاهم.































تِسِكِع ْ وتِلِكِعْ  
جميعهم رجال. تهتف رائحة العرق المشوي بشمس الدَرَتْ الحارقة، شمس سبتمبر، تملأ الأنوف زنخاً لا يُحتمل. الجنقو يتشابهون في كل شئ، يقفزون في مشيهم كغربان هرمة ترقص حول فريستها، يلبسون قمصاناً جديدةً، ياقاتها تحفل بالأوساخ التي عمل العرق وعملت الشمس وريح السموم، التُربة الطينية السوداء على جعلها شاهداً على صراع مرير مع المكان والطقس، يفضلون الجينز ذي الجيوب الكبيرة والعلامات التجارية البارزة، المكتوبة بخطوط كبيرة مثل: كونز، وانت، ديوب، لي مان، ونستون وغيرها، لا يعرفون ماذا تعني، لكنها تعجبهم ويفضلونها على غيرها، ويدفعون لأجل الحصول عليها مالاً سخياً، يحيطون خصورهم بأحزمة الجلد الصناعي، فتبدو هيئاتهم كمخلوقات غريبة لا تنتمي للمكان، لكنها تقلد كل شئ فيه بالأخص كُلّيقَةْ السمسم المحزومة جيداً، أحذيتهم التي كانت جديدة، لامعة وأنيقة في أوآخر ديسمبر الماضي، الآن هي ذكرى تلك، مزق متسخة ذات أخرام وألوان يصعب تحديدها في الغالب، لا يهتم أحد بتهذيب شعر رأسه، فيما بعد حدثنا ود أمونة بأن عاناتهم كثة وأنهم يهملونها، يتركون شعر رأسهم الذي يميل للحمرة من فعل الشمس كثاً متشابكاً قصيراً أو طويلاً في مستعمرات للشرا.
للجنقاوي أو الجنقوجوراى عدة اسماء على مر السنة وشهورها و فصولها: فهو كَاتَاكَوْ، في الفترة ما بين ديسمبر إلي مارس حيث يعمل في مزارع السكر بكنانة، ومصنع سُكر خشم القربة، عسلاية أو الجنيد.
ويُسَمى فَحْامِي، في الفترة ما بين أبريل إلى مايو حيث يعمل أم بحتي؛ أي منظفاً للمشروعات الجديدة أو المهملة من الأشجار، ويصنع من سُوقها وفروعها الفحم النباتي.
ويُسَمى جنقو أو جنقوجورا، في الفِترة ما بين يونيو وديسمبر، أي منذ هُطول الأمطار، إلى نهاية موسم حصاد السمسم. أما خلال السنة كلها فتطلق عليه النساء إسم فَدّادِي. وبالمقابل يُسَمِي هو النساء اللائي يصنعن المريسة والعرقي فداديات، وعرفنا أيضا من بعض الجنقو الذين أتوا من الفاشر و نيالا، أنّ اسم الجنقوجورا هو المستخدم عندهم، للدالة على ما نُسميه نحن في الشرق إختصارا جنقو، بالتالي لا يطلقون لفظ جنقاوي للمفرد كما نفعل، بل جنقوجوراى.
هي ليست المرة الأولى التي نصطحب فيها بعضنا، أنا وهو، إلى مكان لا نعرفه ولن تكون الأخيرة، فمنذ أن طُردنا من وظائفنا للصالح العام، قبل خمس سنوات، تجولنا كثيراً في شتى بقاع السودان، شماله، جنوبه، غربه وشرقه، كان هو من أسرة ثرية، ويحتفظ بمال كثير لنفسه يمكنه من أن يتفرغ بقية حياته كلها للجري وراء متعة المشاهدة، كما أطلقنا على ما نقوم به من (تِسِكِع ْ وتِلِكِعْ) في بلاد الله الشاسعة. أنا فقير. لكني عازب ولا أتحمل مسؤولية أحدٍ غير نفسي، أخواني وأخواتي متزوجون، بعضهم خارج السودان، والبعض الآخر في الداخل، واتخذوا طريقهم المحتوم في الحياة، أمي وأبي متوفيان، هو يساعدني كثيراً في تحمل مصاريف السفر ومتعة المشاهدة، وأنا أوفر له الرفقة الطيبة، ويقول الناس عندنا: الرفيق قبل الطريق.
دندن في صوت مرح
رجال... رجال... نحن في حلم؟-
قلت له
. أنا شفت واحدة قبل شوية -
يبدو أن الشاب العِشريني الذي يجلس قربنا، الوسيم، الذي يحتسي قهوته، لم يكن منشغلاً بموضوعات الحصاد، الربح والخسارة، العنتت و القبورالكعوك وطيور أم عويدات وود أبرق، كما هو الحال عند الجميع وبمن فيهم صاحب القهوة البدوي الشاب كث الشعر، أو بما تقدمه له رشفات القهوة من متعة تبدوعظيمة، كانت أذنيه تتصيدا ما نهمس به، ربما ما نفكر فيه أيضاً، قال لنا دون مقدمات، بحماس عالٍ ساذج.
. إنتوا ما مشيتوا بيت الأم، معقول؟! لازم تمشوا بيت الأم -
قلتُ. أم منو؟ - بيت الأم؟
قال :
- أم الناس كلهم . نعم، بيت الأم.
سأله صديقي:
- بيت الأم؟
قال:
- أيوه، بيت الأم.
ثم أضاف باللغة التجرنة، وكأنما نحن نعرف كل لغات الدنيا : قَذاَ أَدَّيْ.
نهض مع آخر رشفة من قهوته، نهضنا خلفه، كان وسيماً متوسط الطول، له بشرة لامعة صفراء وشارب كث، شعره منسق وحديث الحلاقة، يبدو أن اهتماماً خاصاً قد صُب عليه، تتبعه رائحة طيبة ميزنا ماركتها بسهولة، كان شخصاً لا يشبه شخوص المكان، نظيفاً، أنيقاً، به ليونة بادية للعيان، في مِشيته وطريقة كلامه ووجهه النظيف.
قال هو ينظر إليّ
. أنا اسمي ود أمونة-
ابتسم وهو يضيف
- اسمي كمال الدين، لكن مافي زول يعرف كمال.. أمي أمونة. وهي تقول لي ود أمونة الناس لقوا الاسم ساهل، يلاّ... ود أمونة... ود أمونة. الناس يوم القيامة ينادوهم باسم أمهاتهم.
قال له صديقي:
. مافي مُشكلة الأم مافي زيها، يا ريت لو نادوني باسم أمي، كنت حأكون أسعد زول-
قال له ود أمونة فجأة.
أمك اسمها منو؟ -
. أمي مريم-
وإنت؟-
قال مخاطباً إياي:
. زينب، زينب أبّكَرْ-
قال:
. أمي اسمها آمنة، ولكن اسم الدلع أمونة-
وسألته
إذن بيت الأم دا.. بيت أمك أمونة.. مش كدا؟-
قال نافياً بشدة
لا، بيت الأم دا بيت الأم، قربنا نصل.-
ثم أضاف
إنتو من وين؟-
قلنا معاً بصوت واحد
. من القضارف-
صمت صمتاً طويلاً ثم أصدر هواءً من فمه بصوت محسور.
- سجن القضارف... شفتوا سجن القضارف؟ بالتأكيد تكونوا شفتوه، مش كدا؟! في ديم النور.
رد عليه
بالتأكيد... في زول في القضارف ما شاف السجن؟-
قال وهو يخطو بنا خطوات سريعات في عمق المكان
. أنا اتربيت فيهو-
سيعرف فيما بعد أن والدينا كانا يعملان في ذات السجن. سحبنا من بين قطاطي ورواكيب القش في أزقة طويلة لا تنتهي تتلوى كالثعابين، صاعدة هابطة على أرض وعرة عليها أخاديد صنعتها الوابورات واللواري وعربات الترحيل الخفيفة مثل اللاندروفرات والبربارات، تعم المكان رائحة البخور مختلطة بعبق المريسة، وبعض الخمور البلدية، على خلفية من ريح فاترة تهب جنوباً، دافئة وطيبة. دون أن نطرق باباً من الزنك على سور من القش والحطب، دخلنا بيت الأم أو كما يطلقون عليه بالتجرنة: قَذَاَ أَدَّيْ.

































امْرَأَةٌ اسْمُهَا أَلَمْ قِشِيْ








عَلَّمَنَا هذا المكان قيمة العمل.))
قالت لي بالتجرنة، المرأة النحيفة المتوسطة الطول، وهي تعبث بقدر عليها ماء على موقد صغير، ثم أضافت باللغة العربية، لغة الحدود.
. راجلي ضعيف زيك-
رفعت عينيها إليّ وكأنها تريد أن تتأكد من موقعي في القطية
بالله، راجلك؟ عندك راجل؟-
كان تعليقي محرجاً، وأحسست بمرارة ذلك في حركة سريعة قامت بها، حركة غير مخطط لها، عندما أتى صوت جميل يغني في الخارج، قالت منادية
. يا ود أمونة، عليك الله تعال دقيقة-
دخل ود أمونة، أنيقاً ووسيماً كما هو، في جُلباب أزرق نظيف، حياني قائلاً
- كييف؟
تمام.-
ثم نظر إلى المرأة فأجابت
. عليك الله ظَبِّتْ الشِيشَة لصَاحِبَكْ دا-
سألني وفي فمه ابتسامة كبيرة
-عادي ولاّ تُفاح؟
عادي.-
- عليها شُوَيّةَ سيجارة خضرا؟
. لا، مُعسل بس-
أضاف ولمّا تفارقه الأبتسامة بعد
. عندنا حبشي وإريتري برضو، وأبو حمار-
. شنو الحبشي وشنو الإريتري وطبعاً أبو حمار معروف-
قال مندهشاً
. الجن والكونياك-
قلت ضاحكاً
. بعدين، بعدين... شكراً يا ود أمونة-
خرج يتبعه عطر فهرنهايت مُدهش، قالت بفخر
. ولد ممتاز.... اتربى هنا معانا في بيت الأم-
قلت لها مراوغا
. ولكنه قال لينا أنا اتربيت في سجن القضارف-
قالت مجيبة
- صاح، لمّان كان صغير، دخل السجن بيرضع، ودخله بيمشي، وطلع منه مراهق، الذنب ذنب أمه أمونة، ومن ما طلع من السجن دخل بيت الأم هنا، إلى اليوم.
وفي هدوء النسيم دخل ود أمونة، وضع الشيشة أمامي في أدب جم وخرج دون أن يقول شيئاً، أضافت ماءً نقياً للقدر الكبير، هدأ فورانه، أخذت تجمع حاجيات القهوة من مكان خارج القطية، لم اعتد لباس الملاءة، لونها أبيض، مما أظهرني كحاج تعب أرهقه التطواف، أعرف أن صديقي قد يفعل في ساعة ما سوف يقوم بفعله شخص مثلي في يوم كامل، أعرف عنه أن ما من غامض يقف أمامه، أنه مغرم بفض غموض كل شئ، امرأة، حجرة، كل شئ، لم أشغل نفسي كثيراً به، الزقني الذي أحبه، بالشطة الدليخ أكلته بـ(القِيِّحْ بَربَري) لذيذاً طاعماً كان عبق قلي البن الحبشي، أثار فيّ ذكريات كثيرة كثيرة وفيما بعد ارتبط عندي بصورة مدهشة بكل ما يخص علاقتي بـألم قِشي.
كنت تعباً ومرهقاً كحمار عجوز. السفر إلى (الحِلة) بالمواصلات العامة وخاصة على ظهر (البربارا) يعتبره البعض نوعاً من الانتحار والمغامرة، و على أقل تقدير الطيش.
- الناس البعرفوا البلد دي، بيركبوا البص، البص أضمن وأسرع، البربارا موت أحمر عديل.
كانت تدلك ظهري بخليط من الحنظل،دهان أبي فاس، زيت الزيتون وعجين القمح، تتحدث بصورة مستمرة عن المكان والزمان وأديّ وود أمونة، البنك الذي سوف يفتح فرعاً في الحلة، شركة الاتصالات التي ستجعل الحلة قريبة جداً من العاصمة الخرطوم، بل يمكن الاتصال بأسمرا أو أديس أبابا حتى أمريكا ذاتها، كانت تقول عن ود أمونة إنه الرجل الوحيد والذراع الأيمن للنساء، هنا بالبيت، وفيما يشبه تقريراً قصيراً مقتضباً أفضت إليّ بأسرار المكان كلها، كانت ما فوق الثلاثين بقليل، تبدو عارفة بالحياة، خبيرة في كل شئ، تحيط بها هالة من القداسة، أو كما يبدو لي، مثلها مثل كل النساء جميلة وغامضة، و لديها ما تقدمه، وجهها يخبئ فرحة أو حزناً أو أنه يفصح عن الاثنين معاً في آن واحد. بحرفية وبراعة، سحبت رجلي اليسرى عكس دوران الساعة، ثم جذبتها إلى الأعلى في ذات اللحظة التي تناولت فيها يدي اليمنى جذبتها إليها بقوة، مما جعل جسدي يصدر صوتاً بائساً مثل كسر فرع لوسيانا يابس إثر ريح قاسية، ولو أن الأمر لم يتعد عدة ثوانٍ لصرخت. عندما تركتني، كنت أنعم براحة جسدية لا توصف وخدر لذيذ قالت لي فجأة:
؟ أنا ماشة البيت-
قلت مندهشاً.
- البيت؟
قالت
- أيوة.
ثم أضافت
- بشتغل هنا مع أدىّ ولكن أنوم في بيتي، عندي أولاد وراجل هناك، ثم أضافت بحرفية
- عايز واحدة تنوم معاك ؟
في الحقيقة لم أكن متأكداً من هذه الرغبة، حيث إنني والحق يُقَال لست ميالاً للممارسات الجنسية، وربما لم أفعل هذا الشئ سوى مرات قليلة في حياتي وبصورة استطيع أن أسميها غير كاملة، بل أن ذكرياتي في ذلك الشأن مؤلمة، أظن أنني كنت خجولاً عندما يتعلق الأمر بالمرأة ولكن فاجأت نفسي بالرد.
. عايز-
أجابت وكأنها تعد الإجابة مسبقاً
- ألم قِشي. ألم قِشي حتجي تنوم معاك الليلة، فاليوم هو يوم عملها، بت ظريفة وحلوة وحتعجبك.
ربما أرادت أن تقول شيئاً آخر، عندما اقتحم صوت أديّ الأم هدوء المكان. كان صوتاً متميزاً حاداً. به رقة طاغية وربما سببها الطريقة التي تختتم بها الجُمل القصيرة، التي تلقي بها هنا هناك. استأذنت للدخول وتحدثت إليّ مباشرة .
. صَاحِبَك دا أغرب زول في الدنيا-
لم أفاجأ لأنني أعرفه جيداً، هي لم تكتشف قارة جديدة، كما تشير الطريقة التي أعلمتني بها. قلت ببرود لم يعجبها كثيراً وربما أثار دهشتها لبعض الوقت
- أيوا، هو أغرب زول في الدنيا، عايزاني أمشي معاك ليهُ؟ ولا تجيبيهُ لي هنا؟ حيكون عمل مشكلة، أنا عارف.
قالت بطريقة استعراضية
. طردناهُ -
قلت منزعجاً، حيث إنني لم أتوقع أن يُطرد.
- ليييييه طردتوه؟ وين هو هسّعْ؟
بينما كنت أجمع حاجياتي وأتحرر من الملاءة البيضاء، تأهباً للخروج، كانت الأم تحكي لي قصة لم أسمعها جيداً، لكنني فهمت منها أنه طُرد قبل ساعتين كاملتين وأنه لا يمكنني معرفة مكانه إلا إذا مضيت خلفها وبسرعة و الآن.
- ليه ما قلتي لي من بدري، بعد ساعتين؟
قالت وهي تأخذ نفساً طويلاً من الشيشة
- كنا نحاول نعالج الموضوع.
تناولت خرطوش الشيشة بطريقة تلقائية
قلت منزعجاً وقد تحررت من الملاءة تماماً
وين هو هَسَّعْ؟ -
قالت وهي تطلق هواء الشيشة بعيداً في شكل دوائر صغيرة تتلاشى تدريجياً في فراغ القُطِية.
. أرح، تعال وراي-
انتعلت حذائي، بالتالي أصبحت بكامل هندامي. لم أكن قلقاً ولو أنها ألمحت ليّ بأنهم قد يقتلونه ويتخلصون من جثته في نهر بَاسَلام، إلا أنني أعرف أن لا أحد على الأقل بالحلة يستطيع أن يقتله، فهو من أولئك القِلة الذين لا يخطر ببال أحد أنهم سيموتون قريباً، بل دائماً ما يعطونك إحساساً بأنهم سوف يسيرون في جنازتك، يحفرون قبرك ويشيلون الفاتحة على روحك، متنطقين بابتسامة حزينة طوال أيام الحداد. مررنا أولاً أمام راكوبة صغيرة مضاءة بمصباح كهربائي يرسل ضوءاً ضئيلاً حوله، ولكنه يظهر بوضوح ود أمونة، يجلس على بَنْبَرٍ كبير متسع وهو يدلك قدميه بحجر خشن يستخدم لتنعيم القدم، تقف خلفه امرأة في عمر أديّ تقريباً، أربعينية طويلة ذات بشرة بُنِية تبدو داكنة بتأثير الإضاءة، ولكن ملامح وجهها تدل على أن لونها يميل إلى الإصفرار، كانت تستخدم الحلوى في التقاط الشعر من على ظهره، يتحدثان بصوت خفيض، توقفا عن الكلام تماماً عندما مررنا بهما، أنا وأديّ، خاطبتهما أَدْيّ بمرح
الولد دا شايلنُهُ الدلالة؟ -
ردّ ود أمونة ضاحكاً
. النظافة من الإيمان يا أديّ-
(بيني وبين نفسي قدرت أن ود أمونة ولد ما نافع، زول يشيل جسمه بالحلاوة، ويكرش رجله زي البنات بالحجر؟ وما معروف تاني بيعمل شنو، الله يعلم.)
عندما ابتعدنا قليلاً عنهما، قالت لي أديّ وكأنها قرأت ما يدور في خلدي
. ود أمونة دا أرجل زول في الحلة، أنا ربيته في يدي دي، تربية أديّ مية مية-
قلت لها محتجاً
. قال لي بلسانه إنه اتربى في السجن-
قالت ببرود
. سجن شنو يربي زول؟! أنا استلمته لا خلقة ولا أخلاق، ببصلة ما بينفع-
هززت رأسي إيجاباً ومضينا عبر طريق ضيقة تمر خلف القطاطي المثيرة الكبيرة، التي تبدو أحياناً مثل أشباح عملاقة تقبع في بحر من الظلمة، الأم تسير أمامي، سمينة قصيرة تتبعها رائحة صندلية التاج الأصلية، يُسمع لمِشيتها طقطقة يعطيها الليل سحراً خاصاً، كانت التحايا تصلنا من هناك وهنا، متسللة عبر سياج القطاطي وأبواب الرواكيب وسقوف القش.
. مساء الخير أديّ -
. مساء الخير أمي-
. أمي أديّ-
. أديّ-
تأتي التحايا مختلطة بوحوحة العاشقين وثغاء السكارى، وفحيح الفعل الليلي ونداء الأجساد الحية النشطة الشبقة، تستجدي ملائكة المتعة أو شياطينها، الأمر سيان.
قالت لي وهي تتحدث باستمتاع خاص.
. الدنيا لعبة وآخرها كوم تُراب-
هززت رأسي إيجاباً، بالأحرى بما يعني: فهمت. مررنا بصوت سيدة تستجدي عَلناً وبصوت عالٍ بائس أن يأتي من ينقذها، وأنها سوف تموت الآن إذا لم. كانت تسترحمه وتستجديه أن يتركها، أن يُخْرِجه، أن يخليها تتنفس، تتنفس لا أكثر، أن يرفع جسده الثقيل منها، أن يقذف بسرعة، إنها تموت.
وبشهامة معروفة عني، إنطلقت نحو القُطِية قاصداً فك الاشتباك، ولكن أديّ أمسكت بيدي بقوة قد لا تصدر من امرأة في عمرها، وخاطبتني قائلة
. ما تَصَدق النُسوان يا ولدي: من صَدَّقْ النُسوان؛ كَذّب الرُسُل-
ثم انتهرتَها بحزم، موبخة إياها
. يا بِتْ أخجلي.... عَيب -
فصمت الصوت صمتاً تاماً مضيفاً للمكان رهبة الموت، عبرنا نحو زقاق أكثر ظلاماً خارج مجمع أديّ السكني، كان السُكارى والعابرون يلقون علينا التحايا في كلمة واحدة سريعة.
. أديّ-
فتجيب أديّ بصورة ميكانيكية حنينة
. أهلاً ولدي-
. أهلاً بتي-
. أهلاً أخوي-
. أهلاً أمي-
. أهلاً حَوَيْ-
كانت تميز وجوههم السوداء المظلمة وجهاً وجهاً، تعلم أصواتهم المخمورة المخدرة المبحوحة وتراً وتراً، أشباحهم هيئاتهم، إيقاع مشيهم، أنفاسهم خاطبتني فجأة
صَاحِبَكْ دا أول زول ينطرد من بيتي. -
في أكثر من تلاتين سنة قَبلُهُ كان واحد بس، هو منقستو.
قلت مندهشاً
- منقستو؟
- أيوه.... منقستو هايلي ماريام، قبل ما يكون رئيس في الحبشة، كان فالول في غابة زهانة وخور الحٌمرة، كان زول صعب، الله يرحمُهُ.
سألتها
وين الزول دا؟-
قالت مشفقة عَليّ
. الله يرحمُهٌ.. مات زمان-
لم أقل لها أنا أقصد صديقي وليس منقستو هايلي ماريام،ولكني هززت رأسي إيجاباً.
يمكن سماع طقطقة شبشبها، في ظني، في كل البيوت المجاورة، مررنا بامرأة سوف تكون لها حكايات كثيرة في قادم أيامنا بالحلة، وهي الصافية، امرأة نحيفة سوداء كالعادة هنا حيث الظلام يصبغ الجميع ببهائه، تحمل شيئاً في يدها ويتبعها رجلان، تبادلتا التحايا بينما سكتُ أنا وصمتَ الرجلان، عبق العرقي البلدي مختلطاً بصنان نفاذ وعرق كادح: عبرا في وجهينا.
عندما ابتعدوا قالت لي أدي
- الليلة الجنقو نزلوا، ما شايفهم شايلين القُوقُو كيف؟
وتعني بالقُوقُو حقيبة صغيرة يحملها الجنقو على أكتافهم، يحتفظون فيها باغراضهم ويعتقدون فيها كذلك. سالتها ما إذا كانت المرأة أيضا جنقوجوراية، فأجابتني بأنها أشهر الجنقوجورايات في الشرق كله، من الحُمَرة الى أقصى صعيد القَضَارِفْ، من الحَواتة إلى الفَشَقَةْ، كل الناس يعرفونها، ثم أكدت لي أن جدودها و الشياطين هم الذين أفتتحوا هذه الأراضي، كانت تتحدث بيقين وعلم راسخ وتُقْسم بين الحين و الآخر بالله، بأن هذه الأنحاء مسكونة بالجن، ثم أضافت قائلة.
- و الكلام دا مذكور في الكتاب.
قلت لها مندهشا
- ياتو كتاب؟
قالت بسرعة
- كتاب الدين، في كتاب تاني غير كتاب الدين؟
هززت رأسي بما يعني: لا و الله.
بين حين و آخر أجد نفسي منشغلا بمصير صديقي ولكن أدي لا تترك لي فرصة للتفكير، فهي إما تتحدث، أو تسحبني خلفها بسرعة رهيبة في الظلام، هي تحفظ تضاريس الطريق و شعاب المكان و أنا كالسكران لا استطيع أن أمشي غير متعثرٍ، وكدت أن أسقط عدة مرات. مشينا مسافة قدرتها بالميل،ربما عبرنا صفين آخرين من بيوت القصب و القش و القطاطي الكبيرة،تهيأ لي أننا كنا نسير في زاوية منفرجة،حينما بلغنا ما إعتقدتُ أنه زاوية المثلث، سمعت صوته، عالياً، بل يكاد أن يكون صراخاً،وهذه أيضا إحدى عادات صديقي السيئة،وهي ليست علامة غضب ولكن دليل على أن الأمور تسير في صالحه،وبصورة جيدة.
كان يهتف قائلاً، إنه لا يدفع و لا قرشاً واحداً، ويكرر أن هذا مبدأ؟
كانوا داخل حوش كبير من القصب و الأشواك،في وسطه قُطية كبيرة وراكوبة،ترسلان ضوءً شحيحاً من عمقيهما،كانوا يجلسون و يقفون تحت ظل الضوء الشحيح، تبدو أشباح الرجال الخمسة جلية واضحة، طلبت منهم أن يتركوه، هتف فِيَّ أحدهم.
- انت منو؟
قالت لهم الأم أدّي، وفي وجهها البُني تتحرك عينان قلقتان كبيرتان تلمعان في الظلام كعيني قط يتربص فأراً.
. خلوه صاحِبُهُ دا حيحل معاه المشكلة-
قال مخاطباً إياي،بصوت محمول علي خدر الخمرة ولسان ثقيل
- أنا عايز أفَهِمْ الناس ديل الفرق بين الرذيلة والفضيلة، الفرق هو القروش العايزني أدفعها دي، القروش بتحول اللقاء الحار الإنساني البديع الخيّر المبارك الحصل بيني وبين الزولة الجميلة القاعدة جوه دي، (مشيراً إلى عمق ظلام القُطية) إلى نوع من الدعارة والشرمطة.
فجأة أتى صوتها من عمق سحيق مظلم قائلة ببجاحة
- أنا عايزة حقي يا زول، دا شُغُل!! أنا ما بتنفع معاي فصاحة الشوعيين الكفار دي، عايزة حقي، عايزة حقي، حقي وبس..... دُوُرين زَي السِمْ!! دورين يا ظالم وتقول لي شَرَمَطةْ!! دورين.. دلكة وعِصير رجلين وطقطقة أصابعين ومص وعض دا كلهُ مِلِحْ؟ أنا بعرفك من وين عشان أديك بلاش؟ لا حبيبي ولا ولد حِلتنا و لا أخو صاحبتي.
يبدو أن الحوار كان يدور بهذه الشاكلة لأكثر من ساعتين، كحوار الطرشان، في تجمعات صغيرة بين هنا وهناك يُرى الندماء قرب راكوبة باهتة، تحت فيما كان ظلاً عصرياً ابتلعه الظلام وتركهم، رائحة سمسم يُشوى، قرقرة شيشة قريبة جداً، سيدتان تضحكان بتحفظ، قال لي:
المره دي جابتك؟ -
قالت أدّي منفعلة
أنا أدْي مُشْ المره دي!! سامع؟-
انتهره أحدهم
. اتكلم مع أدّي بأدب-
قلت لأدّي متجاهلاً كل شئ
. أنا عايز أرجع-
قالت لي مندهشة
ترجع وين؟ -
؟ للقطية-
قالت
-عايز تَرِجّعْ قروشك؟
حيث إنها كانت قد رأتني أدفع (للمرأة) نقوداً كثيرة جداً
قال لي صديقي محتجاً
. إنت دفعت قروش؟! إنت زول داعر-
لم أرد عليه، قلت مخاطباً أدّي
-عايز أرجع القُطية.... ممكن؟
قالت بانشراح وقد فهمت ما أرمي إليه
. إنت زول تاني... ما زي صَاحِبَكْ -
خاطبني بسخرية
. نتقابل الصباح يا أبو الشباب، يا فالح -
هززت رأسي إيجاباً أو بما يعني: على كيفك يا بُنيّ.
عبر زقاقين قصيرين مظلمين قادني رجل كلفته أدّي إلى بيت الأم. حيث التقيت لأول مرة بامرأة انتظرتني طويلاً في القُطية اسمها: ألم قِشي.






































عَزُومَةْ الصَافِيَةُ


قابلناها في سوق القَنْذي، وهو سوق للملابس المستعملة الرخيصة، يُقَامُ على هامش السوق الكبير، قرب زريبة المواشي في مكان خجول منزوٍ حتى تُضمن خصوصية الرواد، البائع والبضاعة، يرتاده الجنقو بين حين وآخر، إما لبيع ملابسهم وأحذيتهم وما تبقى من زينتهم، استبدالها، أو شراء أخرى وذلك في شهور الفلس قبل موسم الحصاد أو عندما يقبضون على ما تحصلوا عليه من نقود نتيجة للعمل في الحصاد، ولا يمنع أن يمروا عليه كذلك للبحث عن ملبوسات خاصة قد لا تتوفر في مكان آخر غيره.
شاهدناها من بعيد تقف أمام البائع، تتفاوض في شراء جلباب، قال لي فيما يشبه الهمس: الصافية
- الصافية الرهيبة...... أنا عايز اتكلم معاها... يا صديق.

وكان يُطْلِقْ عليّ هذه الصفة عندما يشرع في الحديث عن موضوع يظنه بالغ الأهمية.
- المخلوقات البسيطة الصغيرة المهملة المرمية على هامش المجتمع والمكان، تجد فيها أسراراً لا حد لها، أن الله دائماً ما يستودع حكمته في نوع زي ديل.
أنا عايز أصل لأصل الحكمة فيها
قلت له ساخراً بذات اللغة التي تحدث بها
. عايزها مشروع حياة-
بالضبط، حتكون إضافة حقيقية لتجاربي الإنسانية. -
تصور لو عرفت كل تجربة مرت بحياتها، لو عرفت أحلامها وأحزانها وآمالها، لو عرفت كيف بتفكر الزولة دي، كل زول لاقيته في الحلة دي يحكي لي عنها حاجات أقرب للأساطير، كلمني عنها مُخْتَارْ عَلِيْ، أنا عايز أصل للحقايق بنفسي، وليس من سمع كمن شاف.
سألته
منو هو مختار علي دا؟ -
واحد عجوز مريض اتعرفت عليه أمبارح بالليل رجل طيب، بت معاهو في البيت. -
وبأسلوبه المباشر، المعروف، طلب منها أن تسمح له بدفع ثمن الجلباب، مانعت قليلاً ولكنها قبلت أخيراً، وشكرتنا الاثنين وتبعناها إلى سوق الكَجَيكْْ، دفع لها ثمن رطلين من السمك الجاف الكَجيكْ وكوم الكَوَلْ، الفَُرندو و ربع اللّوبة البيضاء، كُرَاعات الشَرمُوطْ، لفتين المُصران وربع رطل الكمبُو. قالت ممتنة:
- كدا تكونو وفرتوا لي قروش المريسة لأسبوع كامل، ووفرتوا أكل لخمسة عمال مساكين لأنه دا (الميز) بتاعهم... بعد يومين حنرجع الخلاء.
قال لي، وكأنه يهمس همساً
- ليه ما نمشي معاهم الخلاء؟! أنا عايز أشوف الجنقو في مواقع عملهم، في بيئتهم الطبيعية.. حتى ولو اشتغل معاهم. أنا عايز أدرس حياتهم، دراسة من شاف وعايش وعاش.
ضحكت من كل أعماقي، أنا أعرف أنه لا يستطيع فعل ذلك، وأعرف أنه لا يعدو كونه برجوازياً صغيراً متخماً بالمتناقضات والادعاء والأحلام الكبيرة، يحاول أن يقضي عطالته وصالحه العام في مكان يقدم له الدهشة والانفعال، المتعة والإثارة متعة المشاهدة أما أن يعمل في قطع السمسم، فهذا مستحيل. العلاقة بيني وبينه قائمة على الصراحة والوضوح، بالإضافة إلى أننا كنا نعمل في مؤسسة حكومية واحدة، طُردنا للصالح العام معاً، إلا أننا عشنا طفولة واحدة في قِشْلاقِ السجون بمدينة القضارف، ولو أنه كان يسكن في قِشْلاق الضباط حيث إن والده كان ضابطاً كبيراً ومديراً للسجن، ووالدي جندياً بالسجن، امتدت علاقتنا من المدرسة إلى الحي إلى البيت، ثم لم ننفصل عن بعضنا البعض منذ أكثر من ثلاثين عاماً، كلانا كان كتاباً مفتوحاً مفضوحاً أمام الآخر، حيث إننا كُوِنّا نَفَسِيّاً ومعرفياً بصورة تكاد أن تكون متطابقة، قرأنا في مدرسة ديم النور الابتدائية، لعبنا خلف البَيطري وعلى تُخوم مقابر المدينة معاً، تشاجرنا مع أطفال دَلَسَا وسَلاَمَةْ البَيِهْ جنباً لجنب، سَبحنا في خُور مجاديف وبِرَكْ مَكِي الشَابِكْ، ولعبنا جيش جيش في وسط غابة الحسكنيت على سفح جبل مكي الشابك، قرأنا ذات الكتب واندهشنا معاً باكتشاف جُبران خليل جُبران، ميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي، ومهرجان المدرسة القديمة، ونحن نكبر تدريجياً عرفنا معاً نيتشه والنساء، ودقات ريشة ڤان جوخ، ثم حفظنا أشعار أمل دنقل، ناظم حكمت، محمد محيي الدين، المُومِس العمياء، ماريا وامبوي، عشقنا البنات أيضاً معاً، في باكورة مراهقتنا أحببت أخته وأحب أختي، كأول مغامرات غرامية لكلينا، ولو أنني ما كنت أدري ماذا يفعل وأختي بالضبط حيث إنهما كانا يحرصان على إخفاء نشاطاتهما عني، إلا أنني، ولأن أخته تكبرني بعامين أو ثلاثة، كنا نعمل على اكتشاف جسدينا بصورة محمومة وممتعة، أختي تصغره بعامين، مما جعلني أفترض أن شأنهما قد يختلف، لأن البنات الأكبر سناً هن دائماً يبتدرن ما يخص الجسد وأنهن يعرفن كل شئ، ونسبة لصغر سن أختي ما كنت أظن أنها بمهارة أخته، دائماً ما أتخيلها بريئة مسكينة عويرة، على كل ليس فيها ما يُعجب ولداً ما، فهي في أحسن الأحوال مملة ومضجرة، وكنت لا أطيقها لحظة، لا تفلح في شئ غير فضح كل ما أقوم به عند أبي، ثم قرأت وإياه ذات الجامعة، ذات الكلية، ذات التخصص، وأول امرأة أجرينا معها فعلاً جنسياً كانت هي نفس المرأة محاضرة شبقة بالقسم. أقول كنت أعرفه تماماً، قلت له
.أنا مُشْ حأمشي معاك للخلاء حانتظر هنا-
قال ضاحكاً
مع ألم قِشي، مُشْ كِدا؟-
قلت له
. بالتأكيد-
قالت الصافية فجأة
. إنتو الليلة معزومين معاي في بيت أدّي-
قال فزعاً
- تاني بيت أدّي؟! من قبل قلعوا ساعتي الجوڤيال الأصلية وشالوا كل القروش الفي جيبي ولو ما ستر الله كانوا كتلوني عديل كدا.
قالت الصافية بثقة
. إنت حتكون ضيف عند الصافية-
قالت الجملة الأخيرة وهي تندفع أمامنا مثيرة عاصفة من الصُنَانْ مختلط بعرق المريسة أضافت.
أنا لازم أكرمكم، بِتِشْرَبُوا؟
قلنا معاً في آن واحد
. بِنِشْرَبْ-
ثم أضاف صديقي
. المستورد علينا-
قالت
. أنا عليّ أبو حمار-
ضحكنا ونحن نتوغل في أزقة الحي الضيقة، تحيط بنا القَطَاطِي وأصرفة الشُوك والقصب ورائحة المُشُك من كل جانب، يَمُر بِنَا السُكارى والعُشاق والأطفال، يحييون الصافية بكلمة واحدة
- الصافية.
فترد بكلمتين حنينتين تسعا الجميع
. أهلاً أبوي-
. أهلاً أمي-
فاجأتني الصافية قائلة
- قالوا إنت سِبتْ صَاحِبك للمجرمين، ومشيت لألم قِشي، كييف لو كتلوهُ؟
قلت مندهشاً
- منو القال ليك؟
قالت ببرود
. كل الناس بيعرفوا الموضوع دا، مافي شي هنا يندّسْ-
قلت لها مبرراً
. أنا عارف مافي زول بيقدر يكتلهُ-
أضاف ضاحكاً
- على الأقل قبل عشرين سنة، عندي مشروع ما بيخلص قبل عشرين سنة، بعد داك أصبح مستعد للموت.
سألتْ الصافيةُ في براءة
مشروع في الفَشَقَةْ؟ -
حاول أن يشرح لها معنى مشروعه العشريني، ولكنه فشل فشرحت لها أنا، فَهِمتْ، قالت
. ولكن الموت بيد الله-
قال
. نعم، ولكن الحياة بيد الإنسان-
قالت بيقين عميق
. الحياة والموت الاثنين بيد الله، الزول ما بيدُهُ حاجة-
قال مغتاظاً
- إذن الإنسان قاعد ساكت؟
قالت في هدوء
. والله ما عارفة، أنا بس بعرف إنو الموت والحياة دي بيد الله-
أعرف أنه اغتاظ قليلاً لفشله في كسب الحوار، وأعرف أنه لن يتنازل بسهولة، ولكنه الآن يوفر نفسه لمعركة أخرى في ميدان آخر، ظهرت طلائعها عندما همس في أذني
- عارف يا ولد، الصافية دي فيها أنوثة مجنونة عديل، أنوثة وحشية... أنوثة كلبة معوبلة، أنا شاميها شَمْ.
قلت له
. وإنت كلب عاير-
قال بسرعة
. تماماً.... تماماً.... كلب عرمان-
في حوش طرفي من بيت الأم حيث جلسنا، أنا وود أمونة وألم قِشي، وقد هيأ ود أمونة بخفة محترف كل شئ وجلس قريباً من الباب، كنت أحس برغبته العارمة في التحدث معي، ورغبته أيضاً في أن يتركني وألم قِشي وحدنا، وتحسست بميتافيزيقية رعناء رغبة ألم قِشي في أن تطارحني الفراش، ورغبتها في أن يبقى ود أمونة كما هو في موقعه. المهم حسمت الأمر بأن قلت لود أمونة جملة اعتراضية
قلت لي اتربيت في السجن مش كدا، أنا والدي يرحمه الله كان سجان بسجن القضارف؟-
أحسست حينها أن ألم قِشي وود أمونة كادا أن يطيرا من الشعور بالراحة، قال وهو يأخذ نفساً عميقاً من الشيشة:
. آهـ.... السجن، صاح.... اتربيت في السجن-


































وَدْ أَمُونَةْ مُتَبَلاً


عِطْرُ البَخُورِ الحَبشي يملأ القُطِيةَ، تأتي أصوات المكان مخترقة القش والأقصاب عَبْر الظُلمة للداخل، واستطعنا أن نميز غِناءً جميلاً رقيقاً يتلمس سِكَكَه عبر الليل نحونا، قال ود أمونة:
- دِيَّ بوشاي.
ثم واصل في حكي تفاصيل السجن، تحدث بتلقائية وبساطة، بهدوء ورقة لا تتوفر في شخص غيره، ألم قِشي تقاسمني الوسادة البيضاء المستطيلة على طول عرض السرير، تخلف ساقيها مع ساقي، وبين وقت وآخر تتعمد حَكّ أخمصَ قدمي بأحد أظافر رجليها، مُثيرة شَبَقَاً وحشياً تؤجله دائماً حكايات ود أمونة المدهشة في السجن، الليل كعادته في هذه الشهور دافئ مَرِح، عَنّتْ فِكرةٌ لألم قِشِي، عبرت عنها بنهوض مفاجئ من حضني قائلة:
. حَأعمل ليكمُ جَبَنَة-
هكذا يعبر الناس عن حبهم واهتمامهم بالآخر في هذه الأمكنة، بأن: يعملوا لك جَبَنة.
قال ود أمونة مواصلاً حكاية العازة، لم تستطع عازة أن تقنع أمه لكي تتركه معها عندما تخرج من السجن، وأرسلت لها الوسطاء من سجانين ومسجونين، وحتى مأمور السجن نفسه، ولم يقنعها سوى ما حدث لود أمونة في ذلك المساء: كنت في طريقي إلى عنبر النُسوان بعد أن عاد من مشوار كلفه به الشاويش خارج السجن، وعندما وصل ود أمونة الممر المؤدي إلى الزنازين وهو الطريق الأقصر إلى الجزء الغربي من عنبر النُسوان حيث مقام أمه، إذا بيد ناعمة قوية تُمسك بذراعه، وأخرى توضع في فمه، كانت تفوح منها رائحة البصل والثوم مما جعله يتعرف بسهولة على الطباخ، ثم همس في أذنه
. ما تخاف، دا أنا-
ثم سُحبت الكف عن فمه، قال له ود أمونة
- عايز مني شنو؟
قال الطباخ
- إنت بكره ماشي مع عازة، طبعاً حيطلعوها من السجن، وإنت حتمشي معاها، وأنا جيت عشان أقول ليك مع السلامة، طالما إنت ما بادرت بالوداع، مُشْ عيب عليك يا ود أمونة، ما تقو لي مع السلامة؟
قال ود أمونة متضايقاً
. كويس، مع السلامة، يَلاّ فك يدي-
قال الطباخ محاولاً أن يكون رقيقاً ومهذباً
- لا.... ما كدا.. مع السلامة دي عندها طريقة تانية، وفي حفلة صغيرة أنا عاملها ليك في مخزن المطبخ برانا، أنا وإنت.. جِبت شمع وعندي ليك هدية، ملابس جديدة وجزمة وكرة وحلاوة وحاجات حتعجبك.
قال ود أمونة وهو يحاول نزع يده
. إذا ما فكيت يدي حأصرخ وأمي تسمع وحتجي تقتلك-
فأدخل الطباخ يده في جيبه وأخرجها قابضة على نقود لها رنين
قال له ود أمونة
. أخير ليك تفكني-
بيد الطباخ الممسكة بالنقود، أعاد النقود إلى جيبه وبسرعة ومهارة فتح زرار بنطاله وأخرجه، شئ لم يستطع ود أمونة تمييز معالِمه في الظلام، ولكن عندما دفع به الطباخ إلى بطن و أمونة، أحس به ود أمونة قوياً وطويلاً، قال الطباخ:
. الموضوع بسيط، وما بِيَاخُدْ دقيقة واحدة، وأنا أدْيّك أي حاجة عايزها-
وعندما مَدّ فَمَه الذي تفوح منه رائحة الصعوط مختلطة بسجائر البرنجي، محمولة على عبق عَرَق العيش، بحركة رشيقة خاطفة أمسك ود أمونة بشئ الطباخ، كان مظلماً، كبيراً وأملس، أدخل ما يكفي في فمه وبين أضراسه الحادة نفذ وصية أمه بحذافيرها، الشئ الذي جعل كل من في السجن والذين يجاورونه والذين تصادف مرورهم في تلك الليلة بتلك الأنحاء، يقفزون رعباً في الهواء من جراء صرخة الطباخ العنيفة البائسة التي لم يسمع أحد في حياته مثلها ولن تتكرر في مقبل الأيام، صرخة أطارت العصافير الصغيرة النائمة في أشجار النيم في وسط السجن، جعلت السمبريات العجوزات الساكنات بالسنطة عند بِركة المياه جنوب السجن، تضرب بأجنحتها في ذعر، كانت الصرخات التي ألحقها بالصرخة الأولى، أقل أهمية، لأن أحداً لم يسمعها سوى ود أمونة، كانت أكثر بؤساً ورعباً. ثم سقط.
بصقت رأس الذكر من خشمي، كان شئ مقرف.-
قالت لي أمي بعدما صلينا صلاة الصُبح في الساحة
- إنت حتمشي مع عازة إلى بيتهم، أنا تاني ما حأخاف عليك، إنت بس حافظ على أسنانك، حأديك قروش تشتري بيها مساويك.
رائحة قلي البُن الحبشي تملأ رئتي عبقاً لذيذاً، وصوت بُوشَاي الحُلو يغني، فيأتي به الهواء الدافئ من حي العُمدة إلى قُطِيّة أدّي شَهياً، قالت ألم قِشي:
بعد دا كله.. الطباخ شغال لِسَعْ في السجن، سمين زي البغل.-
كنت أعرف هذا السجان، وقد سمعت بقصته هذه من قبل ولكني لم أعرف التفاصيل إلا الآن، ولم أحس ببشاعة الحدث و فداحته بهذا القدر، لقد كان هذا السجان يسكن في ذات القشلاق الذي كانت أسرتي تسكنه، فأبي يعمل بذات السجن،ويعرف الناس عنه غرابة السلوك، ولو انه لم يتحرش بأي من أطفال القشلاق، فلقد كان له رفقاء في عمره، لم أقل لهم أنني أعرفه، ولم أقل لألم قشي أن ما قالته عن استمرار عمله بالسجن و سمنته ليسا حقيقة، فلقد مات الطباخ بعد هذه الحادثة بسنة واحدة، لدغَه ثُعبانٌ في مخزن البقوليات بالسجن، لم أقل لهم أن هنالك صِلة قرابة تربطني به .
تحركت ألم قِشي وهي تحمل المِقلاة تطوف بالقُطية مقربة إياها من أنوفنا، فنستنشق المزيد.
قال ود أمونة
- طلعت من السجن وأنا عمري عشر سنوات، لكن تقول راجل كبير، كنت بعرف كل شئ، ما تفوت عليّ كبيرة ولا صغيرة.
أضافت ألم قِشي في زهو
. ما شاء الله.. ود أمونة دا... أصلو ما تقول كان طفل في يوم من الأيام -
صبّت البُن في الفُنُدك وأخذت تدق بتنغيم اتبعته بغناء بلغة الحماسين.
قال لي ود أمونة معتذراً
- معليش شغلتك بحكايات السجن والأمور الفارغة دي، أنا حأخليك شوية مع ألم قِشي وحنتلاقى، أنا قاعد في قُطية ما بعيدة من هنا.
بالغرفة سرير واحد ولكنه ضخم، يساوي سريرين كبيرين، مصنوع من السنط، له قوائم ضخمة ثقيلة، عليه مُلاءة بيضاء مطرزة بالكروشيه في شكل طاووسين كبيرين متقابلين بالفم، ويبدو النهج الحبشي واضحاً في فن الحياكة والتطريز،من حيث استخدام اللون الأصفر و الأحمر و الأخضر، كانت ألم قِشي كعادة الحبشيات تبدو في بشرة حمراء ناعمة وساقين طويلتين نحيفتين منتظمتين جميليتين، عليهما نقوش حناء باهتة ووشم على القدم غريب، بدأ لي كصليب أو خاتم سليمان، أو ربما وردة سحرية، على كلٍ، كان شهياً وطيباً وطازجاً.
لا أفهم كثيراً في ممارسة الجنس، في صباي، أنا وغيري من صبية الحي، في أيام مراهقتنا الأولى، أتينا الأغنام والدحوش وحتى العُجول ولم يكن ذلك ممتعاً، ولكنه مهماً حيث تبدو كبيراً وفحلاً أمام أصحابك وإلا لُقبت بـ المرا، وهذا لا يجوز في حق أحدنا، ولكن، تجربة شريرة حدثت لي قبل ذلك أي قبل البلوغ، كانت الأكثر إدهاشاً وأكثر بقاء في ذهني وربما مازالت توجه بوصلة الجنس في ظلماء نفسي، إعتادت خالتي التَاية أن ترسلني إلى المِطحنة عند الصباح الباكر، قبل الذهاب إلى المدرسة، لكي أوصل جردل العيش إلى هناك ثم أعود لأخذه في نهاية اليوم وأنا عائد من المدرسة، أي بعد أن يتم طحنه حيث تقوم بإعداده لصنع كِسرَة يوم غد، التي تبيعها في السوق الكبير، صاحبة المطحنة امرأة شابة ليس لديها أطفال، يعمل زوجها في سوق الخضار، وكعادته لا يعود إلا عند المغرب، وهي سيدة معروفة في مجتمع المراهقين بصورة جيدة وكل واحد منهم له معها قِصة، ربما أغرب من قصتها معي، ولكن ربما الشئ الذي يميز حكايتها معي؛ هي أنها كانت تضربني ضرباً مبرحاً، لا أدري لماذا في ذلك الوقت، ولكني فهمت فيما بعد بعض الشئ، عندما أعود لأخذ الطحين كانت تأخذني إلى داخل المنزل عبر باب داخلي للمطحنة، وهناك تخلع ملابسها وملابسي، في أول مرة شرحت لي وأرتني إياه، وخفت خوفاً حقيقياً عندما رأيته لأول مرة، كان لا يشبه كل التصورات التي رسمتها له و أصحابي، كن نظن أنه شيئاً جميلاً، جذاباً مثل الوردة، ولكن هذا الشيء الذي أمامي شيئاً آخر، إنه أشبه بفأر كبير على ظهره شعر أسود مرعب،له فم كبير وربما أسنان أيضاً، بل له رائحةٌ كريهة،لا أدري كيف خُدعنا به طوال تلك السنوات، فلم آلفه أبداً،ولكنها بخبرة المرأة المجربة التي تعرف كيف تُثير، أذالت مخاوفي، ثم عرفتُ كل شئ، أو ما ظننت أنه كل شيء، ولكنها كانت تطلب مني غير الإيلاج أن أقذف، بالأحرى كانت تأمرني قائلة:
. بُول … بُول..... بُول -
وأنا لا أعرف كيف أبُول هناك، وليس لدي بُول في مثانتي، فكنت أقول لها ذلك فتغضب فتضربني قائلة:
؟ بُول، بُول الرُجال، إنتَ مَاكْ راجل-
ولم أعرف بُول الرِجال هذا إلا بعد سنوات كثيرة، عندما جاءتني في الحلم هي ذاتها عارية، وبَحلق فيّ فأرُها المتوحِشُ، وضربتني عندما اشتد بها الشبق.
. بُووووووووول -
فبللت ملابسي بسائل دافئ، له رائحة اللالوب الذي كنت أكثر من أكله في تلك الأيام، خرج البُول في لذة و ألم مُدهشين. ثم لم أبل في سيدة بالفعل أبداً، حيث لم تتح لي فُرصة لذلك، أو أنني كنت خجولاً أمام النساء، ولم تصادفني من هي في جُرأة تلك المرأة، أو لست أدري ما هي حكايتي بالضبط، كل ما امتحنت به جسدي، كانت لمسات أخت صديقي الدافئة البريئة، إذن بعد خمسة وثلاثين عاماً هأنزا وجهاً لوجه مع امرأة، ولأول مرة في حياتي: امرأة فعلية مجربة وخبيرة وأنا رجل كبير في السن راشد وبالغ ولا خبرة لي في النساء، ولا أدري كيف فَهِمَتْ ألم قِشي ذلك، ولكنها قامت بكل شئ بنفسها، بدءاً من لِبسِ الواقي؛ انتهاءً بالبُول، بُول الرُجَال، كانت تسحبه من أعماقي بِجُنونٍ ولذةٍ لا يوصفان.

















































مُخْتَار عَلي، كُلّيقَةْ،
الجلابي سُماعين.

ثم واصل مختار علي الحكاية، يستطيع الآن مختار علي المَشي لقضاء الحاجة وحده، بل أن يذهب للدكان عند ناصية الطريق، ويشتري حجارة البطارية. قال
- لما قلنا كدا بسم الله ودخلنا السمسم، كَبّرْ الجلابي سُماعين ثلاث مرات.. الله أكبر... الله أكبر... الله أكبر...الله أكبر... لَمّنْ الخَلا كُلهُ صَنّ يَوُوُوُوُ.
ثم جاء الجلابي سُماعين بخروفين كبيرين أقرنين، كرامة وسلامة وطلب منهم أن يذبحوهما وقتما شاؤا.
عندما يكون السمسم جيداً، فتياً مرصوصاً كالدرر على ساق حمراء شامخة، يجبر الجنقوجوراي على الإنحناء لحصاده، حينها يصبح الحصاد مهرجاناً من الرقص، يغني الجنقو لحناً واحداً ثرياً، حلواً على إيقاع ضربات المنِجل، خشخشة ربط الكُلّيقَةْ ورميها بالخلف، متعة الانجاز:
كُلّيقَةْ
كُلّيقَةْ
كُلّيقَةْ
كُلّيقَةْ
تصنع (حِلة) و الحِلة، استطاعوا هذا العام أن يرفعوا سعرها إلى ثمانية جُنيهات، وهو ثلاثة أضعاف سعرها في العام الماضي، كل ضربة مِنْجَل هي جزء من ثروة كبيرة، كل ربطة كُلّيقَةْ، كُراع بوليس: هي بعض الحلم يتحقق، كل حِلة انجزت؛ هي ثمانية جنيهات تنضاف إليها ثمانيات أخريات، ثم ثمانيات أخريات، ثم تسلم إلى الخالة؛ بالحلة:
ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية +....
ث م ا، +
م، نيـ +، م
ا، ة + ث
نيـ، ث ـ ث + نية
ة، م + ة
+ نما، ن.. ية.... + + + نية
وأحس مختار علي برأسه ثقيلة، بيديه مشلولتين، رجليه؛ أين هي رجلاه؟
أحس أنه ينسحب، قليلاً قليلاً، ينـ.... سـ، حب،، من حقل السمسم، حقل الحياة،
أبّكر آدم ما لاحظ إنُهُ أنا اتأخرت، يمكن إلا عندما وقعت في الواطا تَبْ، حتين شافاني.-

أسبوع بأكلمه قضاه مختار علي مريضاً في التاية، وحيداً، حيث يذهب الجميع إلى العمل يتركونه مع الفئران، الزرازير، أولاد أبرق، عشوشاي وكلب الخفير.
- والله لمّان تقول جاتني نفسِيّات، كلمت سماعين الجلابي قلت ليهُ أنا يمكن أموت هنا في الخلا دا ساكت، وديني الحِلة، عندي أختاً لي هناك متزوجة، وديني ليها، وشالاني جاباني هنا، رماني رمية واحدة، بت عمي، أختي سافرت همدائييت، راجلها اشتغل هناك في التهريب.
لم يره الجلابي سُمَاعِين مرة أخرى، كأنما رمي بشئ قذر في وادٍ مهمل مهجور، كان قد وعده بأن يحضر المساعد الطبي أو يأخذه إلى المستشفى المحلي، أو حتى ينادي له الفكي علي ود الزغراد، وهو زول يده لاحقة، لكنه هرب منه هروباً، كما وصفه بعض الجنقو فيما بعد: هروب جبان.
ولكن بارك الله في الأخوات و الأخوان، علي رأسهم الصافية، وهي غزالة سوداء نحيلة، قل نحلة لأنها دائمة الحركة، لها رائحة متميزة، عبارة عن صُنان مختلط ببقية الليلة الماضية وعرق كدح دؤوب، هذه السيدة البسيطة الهزيلة، التي يتبعها لفيف من الجنقو كظل لها، المسالمة، من يحتفي بالأخوان ومجالسهم، الطيبة، هي ذاتها الحيوان الشرس الضاري في المشروعات الزراعية، الذي، عندما يقتحم حقل السمسم يرمي الحِلة خلف الحلة خلف الحلة خلف الحلة خلف الحلة خلف الحلة.
وكأنها تعمل بماكينة، ما شاء الله، ينجح الجلابي صاحب المشروع حتماً إذا نجح في أن يضم الصافية إلى فريق عمله، حكى مختار علي
قالت لي الصافية
. أنا حأدب ليكم سُماعين ود الحايل-
. حَأخَليهُ يَبْكي بِدِموعُهُ
جابت لي الممرضة، جابت لي الفكي علي ود الزغراد بنفسه، جابت لي القِضيم، جابت لي العدسية، جابت لي أم جَلاجِلْ وعِرْقَهَا المُرْ، سوت لي المديدة، الفيتريتة الحمراء وعصيدة الدُخُنْ، قاطعة الشايقي ؛ وهو كما يعرف الجميع جعلي، ولكنه ملقب بالشايقي لآثار شلوخ في وجهه
- قالوا الصافية دي فيها جنس مرا؟
وعضّ يده في ألم، ثم أضاف: لو كان بتنعرس، و الله أعرسها.
ضحك الجميع في آن واحد، ولو أن بعضهم يخالفه الرأي، بل يحتفظ في أضابير وعيه برأي عكس ما طُرح تماماً، لكنهم ضحكوا، تململ البعض، آثروا الاستماع، الكلام عن النساء وفيهن مثل أكل المُوليتة، مُرٌ، حارقٌ ولكنه لذيذْ، دائماً له طعم متجدد، ربما لأنه يحرك حنيناً منطوياً في ذواتهم عن أم جميلة فُقدت في موطن ما، أو أخت حنينة لم تنس تماماً ولكنها مختبئة في ركن غيب الذاكرة بعيدة قريبة في آن واحد، أو بنت استحال إنجابها، وربما زوجة، عشيقة، صديقة لم تتبين ملامحها بعد في موطن جاءوا جميعاً منه إلى هنا، ولكن ؛ أيضاً للصافية خصوصيتها، هنالك جوانب مظلمة في حياتها، خاصة فيما يتعلق بنشاطها الجسدي، وكل ما يدور في هذا الشأن ليس سوى اسطورات صغيرات يمْخِرن في أودية وخيران دافئة، تحت سنطات وسيالات عجفاوات، وعلى حوافر الثعالب والأرانب والحَلُوٌفْات أسطورات حالمات وديعات.
قال له مختار علي متحدياً، وقد نسي أم تناسى حكايته
إنت لقيتها وين؟-
قال أبّكر آدم
. لو ما لقيتها ما بكون سمعت بحكايتها مع وَدْ فُور؟! يا أخوي لو ما مُتنا؛ شقينا المقابر-
حسناً، سوف لا نتطرق إلى هذه الحكاية الآن، لأنها معروفة ومكرورة وقد يتولد لدى البعض بأننا نعرف كل ما يحيط بها، وهذا مجانب للحقيقة، فكل شخص في هذا المكان يحتفظ برواية خاصة به عن الصافية وود فور، حُكيت من قبل من قِبل عشرات الأشخاص، نساء ورجال وأطفال، وكل حكاية ما كانت تشبه الأخرى، وما جاءت به، ما يُشبه الندوة في بيت أدَاليا دَانيال يوم مريستها؛ كان شيئاً آخر.
الجناح الذي خصتنا به الأم من بيتها الكبير المتسع، يقع في آخر صف من القطاطي الملحقة برواكيب صغيرة ممتدة في شريط قد يصل طوله إلى مائتي متر، وهو موقع شبه مهجور، وربما خاص. اكتمل المزاج بالشيشة حيث برع في إعدادها ود أمونة الذي لم يحتمل بقاءنا بدون نساء يَحَلين طعم القَعَدَة ويكسبن بعض المال، ولم تعجبه فكرة أننا نكتفي بهذا الوحش - في نظره ـ الصافية، وذكر في أذني اسم ألم قِشي كلما وجد فرصة لفعل ذلك، لأنه لا يعرف عني زهدي في النساء، ظل يلاحقني، إلى أن لاحظتْ ذلك الصافية، فتحدثت معه بأسلوب غليظ، حرمنا من نكاته وملاحظاته الجميلة عن الحِلة وناسها وعن السجن، وحرمنا من نفحات عطر راقٍ يَنْسِمها. صمت، ثم، خرج.
قالت لنا الصافية من بين قرقرات الشيشة، وكأنها تمتص العالم كله في نفس واحد .
- البلد دي أسستا حَبُوبَتِي الصافية، أنا سموني عليها. لمّان جات هِنا، كان البلد ما فيها غير المرافعين والقرود والحَلُوٌفْ والجنون، البلد كُلها غابة كِتِر ولالُوب ونَبَكْ.
حَكَتْ لنا حكايات كثيرة ممتعة، عن المكان قبل عشرات السنين، عن سُجناء يهربون ب(الفِرو) من سجن الحُمرة بأثيوبيا، عن جنون يسكنون ويتزاوجون مع البشر،
عن بشر يتحولون إلى حيوانات وغربان، عن أناس يموتون ثم يحيون في شكل بعاعيت.
وعن أناس عندما يموتون ويحيون سبع مرات يتحولون إلى أبي لمبة. وعن بشر يأكلون البشر، وعن....... عن.-
إلى أن قاطعها صديقي سائلاً
- قولي لينا حكايتك شُنُو مع ود فور؟
أنا والحق يُقال، خفت ولأول مرة في حياتي أخشى ردود أفعال لا استطيع أن أتنبأ بها إطلاقاً، نهضتْ، مدتْ خرطوش الشيشة إليّ، دون أن تنظر إلى أيّ مِنَا، مشتْ نحو قُطيةٍ تبعد قليلاً عن مَجلسنا، القطية الأكبر حجماً، منذ أن غابت الشمس أضاءها ود أمونة مع بقية القطاطي الفارغة، حتى لا يتخذها الشيطانُ مسكناً، اختفت هناك، لم يُسْمَعْ لها حس، لم استطع أن أتفوه بكلمة، ولو أنني كنت في أشد الحاجة لكي ألومه، وأن أكرر ملحوظتي عن سلوكه الفظ، وطريقته المباشرة الفجة عند مخاطبة الناس.
. تعلم الكياسة، تعلم كيف تخاطب الناس-
لم اتفوه بكلمة واحدة، وضعتُ الخرطوش جانباً، نهضتُ، ناديتُ بأعلى صوتي
؟ يا ود أمونة -
وفي لمح البصر، وكأنما كان ينتظر خلف الباب مترقباً النداء، جاء ووقف أمامي في أدب وهدوء قائلاً
نعم ؟-
قلت له
. أرح... نمشي-
لم يَقُل إلى أين، ولكنه مضى أمامي ومشيت خلفه، كنا نهرول هرولة، دخلنا زقاقاً ضيقاً، أفضى بنا إلى زقاق ضيق، عبر صف من الرواكيب والقطاطي، عبرنا شجرتي نيم خلف زريبة، تبيناها من رائحة روث البهائم، تفوح منها رائحة (المُشٌك) ثم يتلوى بنا زقاق آخر، ليلفظنا خارج بيت الأم في طريق رحبة يؤمها السكارى والعاشقون ولفيف من خلق الله من الجنقو والجلابة وبعض عساكر الجيش. ومضى ود أمونة، ومضيت خلفه صامتا. إلى أن دخل بيت مختار علي، حينها قال لي
-إنت عايز بيت مختار علي، مش كدا؟
قلت له
أيوه.-
ولم أسأله كيف عرف ذلك، دخلنا، وجدنا مختار علي وقد خلد إلى النوم، استيقظ بمجرد أن ولجنا الحوش الكبير وصاح
- منو ؟
قال ود أمونة
. نحنا يا مختار -
- مرحبا، اتفضلوا.
قال لي ود أمونة مستأذناً
- أنا عندي شُغُل في بيت الأم، لو ما كدا كنت قعدت معاكم، الليلة في ضيوف كُتار في البيت،، نتلاقى الصباح.
ودون أن ينتظر رداً مني، ذهب واختفى في الأزقة التي حتماً ستسلمه إلى أزقة، التي سوف تلقي به في بيت الأم.
بيني وبين نفسي كنت قد فسرت هروب ود أمونة مني وادعاءه المشغولية بعودته السريعة إلي بيت الأم، كان يريد أن يشهد بأم عينيه ماذا سيجري ما بين صاحبي والصافية، سألني مختار علي بصوت نعسان مرهق عن صاحبي، قلت له
. تركته في بيت أدّي مع الصافية-
قال محتجاً وقد طار النعاس من عينيه
لييه ؟ -
قلت له في برود
. رغبته -
قال وقد جلس
لكن مع الصافية؟ -
قلت مؤكداً
. نعم مع الصافية-
قال لي
؟ ما سمعت قصتها مع ود فور-
قلت ببرود
. ولكن قصتها معك كانت مختلفة-
قال محتجاً
. الموضوع مختلف، معاي براو، ومع ود فور براو-
قلت له
هل أنت متأكد من أن قصتها مع ود فور صحيحة؟ -
قال مستسلماً
- في الحقيقة مافي زول متأكد من الحصل بالضبط لود فور، ولكن الناس كلها متأكدة إنو حصل ليهُ شئ، كويس؟ كعب؟ الله يعلم. المهم ربنا يستر.
قلت له وقد عاد واضطجع في السرير
- ما يهمني إنو ما حتقتله، لأنه ما بيموت بالساهل، وكل شئ غير الموت، هو تجربة مفيدة في حياة الزول، بتنفعه وما بتضره، كعب الموت بس.
ولكي ينهي النقاش سألني مختار إذا كنت أرغب في النوم داخل القُطِية مثلما يحب صديقي، أكدت له أنها رغبتي أنا أيضاً، وأنني معتاد على ذلك منذ صغري، طالما لم تكن لديّ رغبة في النوم، قلت لنفسي لأجرجرنه في الكلام ولو في الموضوعات التي يحبها كبار السن مثله.
ليك كم سنة هنا؟ -
انقلب على جنبه الأيسر ليقابلني وجهاً لوجه
- والله ما بتذكر أنا جيت هنا متين، أول مرة، لكن من ما كانت (الحِلة) دي بيت واحد كبير مزروب بشوك الكتر والسيال المرافعين والثعالب تحوم والشمس في نص السما، كان الجلابة البيزرعوا هنا، محسوبين على أصابع اليد الواحدة، والأرض المزروعة ذاتها كانت صغيرة وضيقة، كنت أنا وكيل مشروع، أكبر مشروع، ما بشوف التاجر الجلابي دا إلا يوم الحصاد وبس، كل البوابير والعمال تحت إدارتي أنا، ولكن نحنا ما فينا فايدة، الواحد بيلقى العشرة والعشرين في زمن القرش الواحد عندو قيمة، ولكن الواحد مننا يشيل القروش وينكسر في كنابي المريسة في (الحُمرة) في فريق قرش
دي حلوة
دي مُرّة
دي حامضة
دي فطيرة
دي خميرة
دي فتاة، ودي عزباء، دي شرموطة، ودي شريفة. لحدي ما يكمل الفي جيبهُ، وتاني يبدأ من جديد. أكثر من أربعين سنة بالصورة دي، يمكن حتى تقوم الساعة دا لو ما انتهى الواحد مننا في شجرة الموت، في فريق قرش، و تبقى سوء الخاتمة.
قلت له مندهشاً
شجرة الموت؟ تقصد سدرة المنتهى؟ -
- لا، دي شجرة الموت دي شجرة كبيرة في الحُمرة في فريق قرش، لمّان يكبر الجنقوجوراي خلاص ويقرّب من الموت أو يمرض مرض تاني مافي عافية بعده، يمشي وحده أو ترميه الحَبَشية صاحبة البيت في الشجرة دي حتى يموت، الأخوان ما بيقصروا منه يدوهُ الفيها النصيب كان طعام، كان قُرُوش، كان هُدُوم، كان شراب،كان تُمباك.
قلت له ثائراً
لييه ما يرجعوه لأهله؟ -
- مافي زول يقبل يرجع لأهله بعد العمر دا كله، يرجع ليهم زول موت؟ عيب والله؟
ثم حدثني أن الجنقوجوراي، أي جنقوجوراي، يأتي إلى هنا للعمل موسم واحد فقط ويقول لنفسه إنه بعد هذا الموسم سوف يعود لأهله، يبسط أمه وأخواته ويتزوج، فيعمل موسمه الأول، ولكن أولاد الحرام وبنات الحرام دائماً له بالمرصاد، فيشرب قروشه كلها مريسة وعرقي وينوم مع النسوان ويصاحب، ويقول السنة الجاية بعد حصاد السمسم مباشرة سوف أعود إلى أهلي، وهكذا، إلى أن يبلغ من العمر عتياً، فيمرض و يموت، قال ضاحكاً
. أنا في حياتي ما شفت جنقوجوراي واحد رجع لأهله!! إلا إذا جاء أهله وساقوه من هِنا-
؟ غريبة-
ثم أضفت وقد طغى على ذهني موضوع الشجرة الغريبة
؟ أنا أتمنى أشوف شجرة الموت دي-
. في حي قرش، شجرة مشهورة في الحُمرة، جنب بيت العُمدة دَوَدَةْ،هي مصير الزيّنا ديل-
قلت له مشفقاً
إنت أهلك وين يا مختار؟ -
قال في حسرة
- أنا ما عندي أهل، أنا حسي عمري فوق الستين، بعد دا في أم ولا أبو ولا أخوان بيكونوا موجودين؟ وأنا كنت أصغرواحد في الأسرة.
أولاد أخوانك وأخواتك وين؟ -
- لا أعرفهم، ولا هم يعرفوني. وقريتنا ذاتها في دارفور انمسحت بالواطا، ضربتها الحكومة. أنا مصيري بس شجرة الموت يا ولدي. وأنا ما ندمان على شئ، والله عشت زي ما عايز. واستمتعت بحياتي في شبابي، وحتى الآن أنا بعمل وبجيب دخل، وأنا مقتنع أنه أي إنسان ضاق نُسْوَانْ البلد دي، وشرب مريستها تاني ما بيفارق عيشتها، وأنا لا خليت نساوين ولا مرايس. من خشم القربة حتى فريق قرش في الحُمرة، ومن الحواتة حتى الفزرا، بس أنصحك يا ولدي؛ ما تفرط في حياتك.
قلت بيني وبين نفسي: والله فرطتُ وإنتهي.
قلت له
. الله يستر.... الله يستر-
استيقظنا مبكرين كعادة ناس البلد هنا، ينامون مع الدجاج ويستيقظون معه، ما عدا السكارى والعشاق، يسهرون إلى ما بعد منتصف الليل، ويستيقظون مبكرين، تركت له ما تبقى لديّ من تُمباك وقصدت بيت الأم مباشرة، كانت الشوارع تضج بالمارة القادمين من القرى القريبة في طريقهم إلى سوق الجمعة، البربارات مشحونة بالسمسم، القرويون يقتسمون ظهرها الضيق، مرّ أمامي لوري،ثمّ كارو لماء الشرب، ناداني الطفل الذي يقود الحمار باسمي، عندما التفت إليه معيراَ إياه كل انتباهي خاطبني قائلاً
. صاحِبك أُمبارح نجمتو الصافية-
قلت مندهشاًً
شنو؟ -
قال مكرراً في استمتاع خاص ولذة قوالاتية بالغة
. صاحِبك الصافية أُمبارح ورتُهُ نجوم الضُهر-
قلت بسرعة
- وين؟
قال وهو يطرق برميل الماء إعلاناً لمائه
. أمبارح، بعد ما مشيت خليتُهُ،وسبتُهُ إنت وود أمونة في بيت أدّي مع الصافية-




















سُوقْ القَنْزِيْ


افتقدت ود أمونة بمجرد دخولي إلى حوش بيت الأم، كان غيابه واضحاً
قالت لي ألم قِشي
ود أمونة قاعد يَعلِّمْ العروس. -
؟ يَعلِّمْ العروس؟ يعلمها شنو -
يعلمها الرقيص، إنت ما عارف إنه ود أمونة فنان؟ ورقاص وحَنّان وحلاق برضو؟ -
هززت رأسي إيجاباً و لكنني كنت أقصد بيني وبين نفسي: نفياً تاماً
أضافت في شهية
. بت أبرهيت، حيعرسها محمد عوض سَوّاق البربارا، يمكن سمعت بحمدو -
هززت رأسي إيجاباً بما يعني: إلى حد ما
قالت لي ألم قِشي
. ود أمونة لو ما الله ستر كان حيجي بت -
ضحكت وقلت
، وبيعمل عمل البنات. ظاهر عليه ما راجل-
قالت وهي تضحك
- مافي (مَرَا) جربتهُ حتى الآن، ومافي راجل برضو جربهُ حسب علمنا و معرفتنا. غير حكاية الطباخ الفي السجن لمّان كان صغير، تاني مافي شئ. حسي هو راجل عمره عشرين سنة، ولكن أبوه غير معروف.
قاطعتها
. قال أبوه يماني-
عشان لونُهُ الأصفر ولاّ شُنو؟-
. هو قال كدا؛ أمه قالت ليهُ-
قالت وهي تدلك رجليّ بِعجينة دلكة
. أي زول عارف قصة أمه-
حكت له أن أمونة عندما هربت من أسرتها قبل ثمانية وعشرين عاماً، وكانت أسرتها في قرية نائية في الغرب، أن سائق اللوري الذي صادفته في الطريق مارس معها الجنس، وأن المساعد الذي يعمل معه أيضاً مارس معها الجنس، وأن الجلابي صاحب العربة أيضاً، وعندما وصلت مدينة القضارف، صاحب الكارو الذي استقلته لحلة البنات أيضاً مارس معها الجنس، ثم اليماني صاحب الدكان، النذير شيخ الحلة، ود جبرين صاحب اللوكاندة وراجل المرأة التي استضافتها في الحلة،و الأستاذ زكريا المُعلم بمرحلة الأساس، ثم حبلت بود أمونة. وهذه الحكاية أنا سمعتها مباشرة من كلتوم بت فضل وهي أعز صديقات أمّونَة.
ولكن ود أمونة طلع يشبه منو؟-
- والله أنا الجماعة ديلك كلهم ما شفتهم، ولكن لونو دا لون أمه، إنت ما شفت أمه، أمه بيضاء وجميلة زي القمر، بالرغم من إنها كبيرة حسي، ولكنها جميلة
وين هي؟ -
- متزوجة من عسكري سجون في القضارف، ولدت ليهُ بِتْ،كان شُفت أمه الليلة تقول عمرها ثلاثين سنة، دلكة وخُمرة وحِنّة ودلال.
ثم أضافت
يمكن أمه هي الخربتهُ؟ -
كييف؟-
كان مُدلّع.-
. لكنه قضى معظم حياته في السجن-
- برضو في السجن كان مُدلّع دلعنهُ السجينات والمساجين والعساكر، تحت تحت الناس بيقولوا العساكر كانوا بيستعملوه.
الجو صحوٌ والسماء زرقاء وصافية، كنا نجلس تحت الراكوبة الكبيرة أمام القطية، وهي أجمل الأمكنة للونسة وشرب القهوة، ولا أظن أن أول من ابتكر الراكوبة كان يعني بها شيئاً آخر غير الموانسة، سألتني:
. وين صاحِبَك-
. مع مختار علي-
. صاحِبك دا زول غريب-
هززت رأسي إيجاباً
أضافت
. يوم حيكتلوه-
قلت لها:
. لا، مافي زول حيكتله، دا ما النوع البيموت مكتول-
قالت:
- والله في الحُمرة في فريق قرش ما بياخد عشرة دقايق، شفت العملية العملتها فيُهُ الصافية؟
قلت لها:
- الناس هنا يزيدوا الحكايات، وكل زول بيحكي الشئ البيتخيلهُ كواقع.
ثم أخذت تحكي لي القصة كما تظن أنها الحقيقة، وقاطعتها عدة مرات، محاولاً محاصرتها لكشف تناقض قد يبدو لي هنا أو هناك في الحكاية، ولكنها مضت في حكيها بثبات وثقة العارف المتأكد، ثقة من شاف، ولو أنها وغيرها لم يروا شيئاً، وهذا حسب ادعائي أنا أيضاً، لكنني فضلت عدم الخُوض في هذا الموضوع، خاصة بعدما انضم إلينا ود أمُونة، كانت تفوح منه رائحة الخُمرة والعطور النُسوانية البلدية، كان ناعماً لامعاً ونسوانياً أكثر مما رأيته من قبل، قال إنه مستعجل واشتكى من أن العروس شَتَرا ولم يستطع أن يرقصها إلا على الأغاني الحبشية.
- وحتى الأغاني الحبشية بالله ويامين، الدلُوكَة في جِهة والرقيص في جِهة، وووب علينا من دي شَغَلانَةْ.
خاطبني قائلاً
صَاحْبَك أُمْبَارحْ الصافية طَلّعتْ مَيَتِيِنُهُ.-
وأخذ يقهقه بالضحك إلى أن سمعنا صوت صديقي يلقي السلام
؟ شُنُو مبسوطين كِدا يا شباب -
استأذن ود أمونة مُدعياً أنه مشغول بالعروس. تناولنا وجبة الإفطار فيما يشبه الصمت وخرجنا إلى سوق العمال، حين وصلنا كانت هناك بوادر ثورة على الجلابة، وبدأ لنا أن الأمر جدير بالمشاهدة، فمثل هذه الحوادث نادراً ما تحدث، تركنا ألم قِشي في المنزل.
سوق العمال في كل سبت، عند الميدان الكبير الذي يقع جنب المركز الصحي الذي شيدته منظمة عابرة تسمى (كرستيان أوت ريتش Christian Outreach)، كمقر لرعاية الأمومة والطفولة، احتلته فيما بعد مؤسسة التأمين الصحي التجارية مشردة الأمهات والأطفال، فيعرف الآن بميدان التأمين الصحي، تحت شُجَيرات النيم الخمس، يقع سُوق (على الله) يؤمه العتالة، الجنقو، البناءون، النجارون والسماسرة، كانت لاندروفرات، باربارات، بكاسي ولواري الجلابة تصطف عند الجانب الجنوبي من السُوق، قُرب موقف الشُواك، حيث سُوق الميكانيكية والحدادين، الزيوت والإسبيرات. التجار الجلابة في جلاليبهم الكبيرة، أوجههم المنعمة، يتوسطون حلقات العمال يساومون، يفاصلون، يخادعون، يحاورون، يجادلون، يتاجرون ويسترضون. سألنا جنقوجورايةٌ جميلةٌ بُنِيّةٌ، اسمها بِتْ المَلاَيِكةْ، فشرحت لنا ما يحدث:
أول مرة يحدث في البلد دي يتفق الجنقو على سعر واحد، كلهم بدون فرز. -
كان واضحاً أنّ ثمّة أمراً قد تمّ ترتيبه وأن اتفاقاً ما قد وَقع بين العاملين، كانت وجوههم السوداء والبُنية، الغبشاء والتي يبدو عليها ما تبقى من ليلة الأمس واضحاً جلياً، تلك الوجوه المرحة المتسامحة غير المبالية، تبدو اليوم أكثر جدية وخطورة، تنطق جملة واحدة فقط:
. حِلة السمسم بتسعة جنيه-
يقول التجار بسعر ثمانية، ويشتكون بأن الثمانية التي يعطونها الآن مقابل أن يقطع الجنقوجوراي حلة واحدة من السمسم لا تطُاق، فكيف التسعة؟
يعلم الجنقو، ويعلم الجلابة أن السمسم هو صاحب الكلمة الأخيرة، وما هذه المساومات و الحجج التي تدور الآن سوى مضيعة لوقت الجلابي، وفعلاً، عندما ارتفعت الشمس في قبة السماء، هبت ريح شمالية حارقة، أرقصت المكان، سُمعت أغنيات السمسم موقعة على دلوكة ود أمونة في محاولاته البائسة في ترقيص العروس الشتراء، فتفتقت السنابل السمينة ممزقة ثياباً يريد لها الجلابي أن تبقى إلى حين أن يصلها المنجل، منجل الجنقوجوراي الحنين، الشمس الآن في برج السمسم بالذات، القمر الذي سوف يطلع عندما تغيب الشمس، بفعل المدّ والجزر، هذان الفعلان الشيطانان، سوف يفتقان فساتين السنابل، فيندلق الذهب منها إلى الأرض، يلتقطه نمل نشط لا يكل ولا يمل، فيحتفظ به في صوامع أمينة تحت الأرض لأيام الشدة، تحرسه بَرَكة الملكات الرؤومات، الجنقو متأكدون من أنهم سوف يكسبون الرهان، والجلابة أيضاً يعرفون أنهم سوف يخسرون، ولكن بعض الحوار قد يفيد، دخل الوسطاء، سماسرة، وكلاء مشاريع، داعرات شهيرات، أصحاب لكوندات، سائقو بوابير، تجار الكلام، واقترح البعض:
أن يأتوا بعمال من محلية الفشقة المجاورة، عمال مهرة ولا يكلفون كثيراً، و أن يتركوا هؤلاء الثائرين، وسوف يندمون.
ضحك الجنقو عندما سمعوا بذلك قائلين لبعضهم البعض.
هه.... الفشقة؟ يخلوا سمسم الفشقة لمنو؟ -
اقترح الجلابة لأنفسهم بصوت مسموع
نجيب عمال من معسكر اللاجئين. -
ضحك الجنقو قائلين
............؟؟ لاجئين-
أنتوا بتحلموا؟؟ اللاجئين في المعسكرات بقوا أغنى من المواطنين، يحمدوا ربنا الخلقهم.
وما في لاجيء فاضي لقطع السمسم.
اقترح الجنقو لأنفسهم بصوت مسموع
- أحسن نحن ذاتنا نسيب الشغلة بتاعة السمسم الما نافعة دي، ونشتغل مع شركة الاتصالات في حفر الكوابل.
قال جنقوجوراي بصوت عالٍ غليظ
. أنا لو أشتغل زي ود أمونة، ما بقطع السمسم بثمانية تاني-
قال الجلابة لأنفسهم بصوت عالٍ
. حنجيب عُمال من خشم القربة-
قال الجنقو لبعضهم البعض.
. إلا لو عايزين طَنَبَارة ومدرسين-
ثم هتفت الصافية قائلة
- أرح يا شباب نمشو، (القُوقُو) قال داير الحلة، أرح نكمل سَكَرة أمبارح، النسوان في انتظاركم يا أولاد.
وعندما تحرك فوج العمال نحو الحِلة، وعندما قاصد مباني البنك تحت التشييد، تحدث السمسم سراً لجيوب الجلابة فقالوا
. رضينا بالتسعة، وإن شاء ما تنفعكم وتبقى ليكم بالساحق والماحق والبلا المتلاحق-
قال الشايقي وهو يبصق سَفَّةِ تمباك كبيرة على الأرض.
. نحن قُروشكم دي عندنا زي قُروش الحرام، نشربها بالنِهار و نَبُولها بالليل-
قبل الجنقو ولكن ألا يذهبوا اليوم، بل غداً، لأن القُوقُو إذا اتجه إلى مكان ما، لابد أن يواصل مشواره، سيكملون سَكرة الأمس، فالقوقو يتجه الآن نحو الحِلة، ومخالفة اتجاه القوقو شؤم ما بعده شؤم.
في الصباح الباكر غادروا إلى المشاريع، ما عدا مشروع الجلابي سُماعين قالوا إن عليه أن يتأدب، مما أعاد الاعتبار إلي مختار علي، فبكى من الفرح.
ونحن راجعون إلى داخل الحِلة سألت .صديقي
شنو حكايتك أمبارح مع الصافية؟ -
قال لي وهو ينظر بعيدا:ً
حأحكيها ليك بعدين، حتعرف كل شئ.-
قلت له:
. قالوا فعلت بك -
قال مندهشاً
فعلت بي شنو؟-
- قالوا إنو الصافية عندها (موضوع) زي بِتاع الرجال، وأكبر شُوية، نُص حمار مثلاً. يعني قدر بتاع الدحش كِدا.
قال وهو يبتلع ريقه في ضيق بيِّن
- حأحكي ليك، الموضوع مختلف تماماً الناس هنا مغرمين بالأساطير، هو موضوع غريب، لكن ما عنده علاقة ببتاع حمار ولا بتاع كلب، ولا بُنْية العقل التناسلي.
جلسنا على قهوة في سوق العيش قرب الصيدلية، كان الجنقو يعبرون أمامنا إلى بطن الحلة جماعات جماعات، يتحدثون بأصوات عالية وبلكنات كثيرة مختلفة، يثيرون الأغبرة من مشيهم السريع حيث يسحبون أرجلهم سحباً على الأرض، يضحكون وهم يحاكون الجلابة، أخذ أصحاب المطاعم يغلقون أماكنهم ونساء الشاي والطعام يفعلن الشئ نفسه لأنهن يعرفن أن السوق قد (سَبّحْ وَرَبّحْ) وأن الجنقو لا يقنعهم الآن سوى مجلس الشراب، على النساء أن يلحقن بهم في الحلة لكي يبعن لهم العرقي أو يهيئن لهم المفارش فهذه الأيام هي أيام الحصاد والمحصول هوالجنقوجوراي، دَيّنه مضمون ونقده أكثر ضماناً، بس كيف يدخل البيت
فالنساء يتخاطفونهم من الشوارع.
اعتذرت لنا صاحبة القهوة عن تقديم أي شئ لنا قائلة بوضوح
- الرزق دخل الحلة، وعندي عرقي خايفاه يبور، أخير ألحق أبيع كُباية كُبايتين، ولا شنو يا أخواني؟ ربنا أجل سفرهم الليلة، فرصة، ولاّ شنو يا أخواني؟
هززنا رأسينا معاً بالإيجاب، ونهضنا في وقت واحد من (البنبرين) مظهرين رضاءً تاماً بقرارها، بل عن طريق حركات مقصودة وهمهمات طيبة، أكدنا لها أنها تفعل الشئ الأكثر صواباً، وربُنَا يكون في عونها، تمنينا لها ذلك بصدق وإخلاص، مما جعلها تترك لنا (البَنَبَرينِ) في الراكوبة طالبة منا عندما نغادر أن ندخلهما الحجرة ونغلقها بالطبلة، التي تركتها دون إغلاق.
؟ سَمِح يا أخواني -
رد عليها بحنّية
. سَمِح يا أختي.. سَمِح-
قلت لها
شكراً-
وقالت وهي تنسحب وعلى رأسها قفة المهمات
. أنا بيتي جنب بيت الأم-
ونظرت إلى صاحبي نظرة فيها معانٍ كثيرة وخٌيِّلَ لكلينا أنها ابتسمت، الشئ الذي أكدته لنفسي أنها لم تبتسم، رأيت وقع ذلك حزناً طفيفاً على وجه صاحبي، ذهبتْ وهي تترنم بأغنية بنات هابطة، قال لي: تقصد شُنُو الزُولة دي؟
قلت له دون مبالاة
. تقصد موضوعك الأمبارح مع الصافية-
قال
لابد من أن ود أمونة هو النشر الدعاية دي؟ -
سألته
-إنت عَمَلتَ شنو بالضبط؟
و أكدت له أن ود أمونة كان يُرَقّصْ العَروس في ذلك الوقت، بعد ما قام بتوصيلي الي بيت مختار علي، سمعت صوته يغني بـالدلوكة: اللُوليّة بسْحَرُوك يا لُولَة الحَبَشِيةْ.
وتقريباً ناس الحلة كلهم كانوا يسمعونه، صمت صمتاً طويلاً، وهي صفة يتسم بها أيضاً خاصة إذا كان يفكر في أمر شائك. لم أجد سبباً وجيهاً يمنعه من أن يخبرني بالحقيقة فبيني وبينه دائماً الصراحة والوضوح. وليست الحواجز والصمت.
مرّ أمامنا نفر من ضباط الجيش، يتبخترون في مشيهم كالطواويس، سألنا موظفون من شركة الاتصالات ما إذا كانت (بخيتة) موجودة، قلنا لهم إنها في المنزل. فذهبوا نحو الميس، كان صديقي يعرف بعضهم ومن بين هذا البعض مدير الشركة، مرّ بنا عمال يلبسون أفرولات زرقاء وسوداء وبيضاء عليها بقع من الزيت، تشهد الحلة هذه الأيام نهضة تنموية ينظر إليها الجميع بعين التفاؤل والتقدير، ويهتم الأهالي ويشجعون مظاهرها الخارجية وتنظم البنات الأغنيات عن المعلمين وضباط المحلية والشرطيين ومهندسي شركة الاتصالات، وحتى عمال طلمبة الوقود بشارع همدائييت.
سألنا رجل وهو يدخل نصفه في الراكوبة:
بخيتة مشت وين؟ -
قلت له: في البيت.
:فنظر إلى صاحبي نظرة فاحصة وقال
إنتو جُداد في البلد دي مش كدا؟ -
قلت له: نعم.
نازلين في بيت الأم؟
قلت له: نعم.
ابتسم ابتسامة عريضة، أظهرت أسناناً متفرقة بُنية بفعل التسوس والصعوط، فسّر صاحبي هذه الابتسامة بأنها نوع من السُخرية أو الشماتة، وحكى لي ما أسماه كل شئ حدث بينه وبين الصافية، حتى يغلق هذا الباب على الأقل من جهتي.




























سَبَعَهْ يُومْ عَوَضِّيهْ بَعِيدْ
























البلد، ويقصد الحِلة،لم يكن بها في الماضي سوى المرافعين، الحَلُوٌفْ، أبوالقدح والقرود والثعالب، وفي كل مكان تلقى الجنون، في الكرب وطرف البحر وحتى في باطن الحِلة
ساكنة مع الناس. الحِلة كانت عبارة عن بيت واحد كبير جداً مزروب بالشوك، بيت طوله حوالى ألف متر وعرضه أكثر من ذلك بكثير، ومحروس بالكلاب وهو بيت الصافية الحبوبة، في الداخل كان مقسم لبيوت كثيرة، كلها قطاطي من القش والقصب ورواكيب كبيرة من حطب الكتر والدهاسير، وفي المنتصف توجد مطامير الذرة والدخن وخمارات الكَوَلْ، كل الجُدد القادمين إلى الحِلة، يجدون لأنفسهم براحات يبنون فيها قطاطيهم داخل هذا الحوش الكبير، أما العابرون إلى جهات أثيوبيا وإريتريا، أو الصعيد، الذين أتى بهم الطريق، فإنهم يُستضَافون في ديوان الجَدة الصافية، حيث توجد زاوية الصلاة وسبيل للمياه والمستراح؛ وهو عبارة عن حفرة معروشة بالحطب القوي والقش تستخدم كمرحاض. وقد عبر بهذا الديوان حجاج جاءوا من تشاد، نيجيريا، النيجر والكميرون، وحتى مغاربة بيض الوجوه لهم ذقون ولحى طويلة شقراء، استراحوا هنا، وهم يمضون نحو باب المندب إلى اليمن ثم إلى مكة، كان بعضهم يقيم لأكثر من عام، فيتخذ لنفسه أرضاً، يقوم بفلاحتها وزرعها بالسمسم والدخن، وقد يتزوجون وينجبون الأطفال.
منزل واحد كان مركز الدنيا، وامرأة واحدة كانت سمعتها تملأ الشرق كله، وقد نقل سيرتها الحجاج إلى بيت الله الحرام بمكة، ولمّا رجعوا لأهلهم، حكوا لهم عنها كذلك، في الحقيقة، ما كانت الصافية الجدة هي مؤسسة هذا النزل، ولكنها الأشهر بين صافيات كثيرات عِشْنَ في هذا المكان، سُلالة جد جاء هارباً من سجن في الحُمرة، في سنة موسومة بسنة النَجَمة أم ضَنَبْ التي لا تظهر إلا في السنوات التي سوف تشهد أحداثاً عظيمة، كان نجماً كبيراً تبختر في السماء بذيله الطويل لأسبوع كامل، جدها أُتِهِمَ في أثيوبيا بسرقة بيت (القِشي) نفسه، وسيقتلونه بالتأكيد، ضرباً أو جوعاً، المسجونون في ذلك الزمن الغابر، يخرجون في مجموعات، يُرْبطون على حبل واحد من التيل، يُطَوّفون بالأحياء والأسواق والمطاعم، يأكلون البقايا ويسألون الناس الطعام والمال، التباكو والصعوط، وهي الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الحياة وتجنب الموت جوعاً، فالسجن ليس مسئولاً عن طعام المساجين، يكفي أنه يوفر لهم سَقفاً يقيهم المطر وحر الشمس. كان الجد عبد الرَازِقْ مع بعض أصدقائه في مطعم بالحُمرة، قُرب سُوق همدائييت، وهو سوق يؤمه لفيف من السودانيين للبيع والشراء، ولأنهم يأتون عن طريق همدائييت عابرين نهر سيتيت فسمي بهذا الاسم، كانوا يتناولون الزِقْنِي بـالأنجيرا، والشطة الدليخ وهي وجبتهم المفضلة في أثيوبيا، عندما رأى توأمه عبد الرزّاق مربوطاً من قدميه في حبل من التيل مع عشرين من المساجين، كانت حالته بالبلا ووجهه أصبح عظاماً من الجوع، تفوح منه رائحة كريهة، احتضنا بعضهما البعض إلى أن فرّق بينهما السجان والمسجونون المتعجلون حيث إن زمن البحث عن الطعام لا يمكن تضييعه في علاقات اجتماعية لا فائدة تُرجى منها، وتكلما بلغة تخص قبيلتهما، ثم أعطى توأمه طعاماً ومالاً ووعداً صادقاً.
يعرف عبد الرازق عن توأمه أنه خجول وعديم الحيلة، ولا يمكن أن يسرق شيئاً مهما صغُر وأُهْمِل، ويعرف أيضاً أن عبد الرزّاق قد يموت بالسجن إذا لم ينجده، الحبشة بلد غُربة، وهو لا يعرف رجلاً مسؤولاً أو وجيهاً أثيوبياً يستعين به، وحتى صاحبة البار التي كان دائماً ما يختلف إليها قالت له عندما حدثها عن محنة أخيه وتوأمه:
. لا، القشي حيقتلني-
وهو ليس لديه مال للرشوة، أمامه بديل واحد فقط، ومضى نحوه دون تردد، عليه أن ينقذ توأمه، مهما كلف ذلك. كان مختار علي يحكي لنا الحكاية كأنما حضر كل حادثة منها أو أنه أحد أبطالها، على الرغم من أنه يؤرخ لذلك بين حين وآخر قائلاً
. دا حصل من أكثر من مية وخمسين سنة

كنا نسير ببطء عبر الأزقة، لا نهدف لمكان بعينه، هي فكرة مختار علي، أن نتمشى قليلاً في شمس الصباح؛ لأن بها فيتامينات مهمة، وأكد لي أنه حتى الثعابين تطلع من جحورها لتأخذ منها قوة النظر، صحته بدت في تحسن ملحوظ اليوم، كان متفائلاً ويضحك لأتفه الأسباب، يتحدث بصوت عالٍ وهو ما ليس من طبيعته في شئ، وجدنا نفسينا ندخل زقاق بيت أداليا دانيال، التي فاجأتنا من أعلى صريف بيتها:
- يا مختار علي، إنت وصاحبك تعالوا جُوه، صاحبكم ذاتو قاعد هنا في بيتي، تعالوا أشربوا ليكم مريسة وونسوا خشم خشمين.
قبلنا الدعوة الكريمة شاكرين، فالدنيا صباح والمريسة أطيب ما يُستفتح، به وونسة الصباح هي مصيدة حكايات الليلة السابقة، سميتها وصديقي:جريدة الصباح، فالمريسة تطلق الخيال، الذي بدوره يطلق اللسان، فينفتح القلب للقلب مباشرة وتهبط ملائكة الحكايات الرائعة في المجالس فتحلو.
وجدناه يجلس على بَنْبَرٍ كبير، كشيخ أسطوري نُسِي من مذبحة العَنَجْ، على بَنْبَرٍ آخر، قربه العَجُوز، وهو أشهر مغنِ يستخدم أُم ْكِيكِيْ، في الحِلة والحلال المجاورة أيضاً، بالأحرى، لم ير الساكنون مغنياً يستخدم أُم ْكِيكِيْ غيره، ولم يسمعوا به مجرد سَمَعٍ، يبدو أنهما أنهيا فاصلاً ممتعاً من الأغنيات، حيث إنهما الآن يتحدثان عن مناسبة أغنية:

سَبعَهْ يوم
عَوَضِيّهْ بَعَيدْ
أبو اللّقَنَي
رُوَدَاي بقنيص.

فالتقطنا بقية كلام نطق به العجوز
- ناس الكَلَشْ هم أصحابها الحقيقيين، أنا جبتها من قيسان، وسمعتهم يغنوها في قنيص والكرمك، وحتى حي الزهور وفي يابُوس، وكل حفلات الروصيرص، لكن أنا أول زول يغنيها بأُم ْكِيكِيْ.
التفت إلى صديقي قائلاً في انشراح
- وين إنت يا أبو الشباب؟
ضحكَ، ضحكتْ أداليا دانيال، ضحكَ مختار علي وضحكَ هو في هستريا، قال لي
. إنت الوحيد البتضحك عن معرفة-
قالت أداليا وهي تهزّ صدرها الناهد فيما يشبه الرقص
، يوم ليك و يومين عليك. كلنا عارفين يا أخوي، الدنيا أصلها كدا-
أحضرت أداليا دانيال العسلية والمريسة، أحضرت الأم فِتْفِتْ بالشطة الخضراء والفول الدكوة، قالت
. عندي مُوليتة-
قال العجوز
. أنا أحب المُوليتة-
سألتها
-عندك أبُنْغَازَي؟
قالت وهي تشير بإصبع عليه خاتمٌ كبيرٌ من الذهب إلى الشطة.
. فيها، الشطة فيها أبنغازي-
قدمت لنا أداليا الكؤوس الأولى بيديها الناعمتين السوداوين، تبدو الحناء على أظافرها رقيقة ساحرة، شهية وأكثر سوادا، بمنزلها أيضاً قليل من الجنقو، حيث سافر الجميع في الصباح الباكر لقطع السمسم، كان مختار علي بين حين وآخر يذكر الناس بانتصاره على إسماعيل الجلابي.
. سُماعين ود الكِدِك، ما لقى جنقوجوراي واحد يمشي معاهُ-
ودون رد أو تعليق من الحاضرين، أخذ العجور يغني بصوته الشجي:

قيسان البعيدة...
قيسان البعيدة، عندي فُوقُو الحبيبة.
قيسان البعيدة، عندي فُوقُو الحبيبة.
ولأن كل أغانيه جماعية، يستحيل أداؤها بدون كورس، أخذنا نردد خلفه المقاطع الأولى من الأغنية، وليست تلك مهمة صعبة، حيث إن كل الأغاني معروفة لدى الجميع، أنا وصديقي غريبين، ولكن ترديد جملتين لحنيتين بالسلم الخماسي، بهما كلمتان من اللغة العربية وخمس كلمات من الأنقسنا ليس بالأمر العسير، ولو أننا قد نشتُر عن اللحن و الإيقاع أحياناً، ولكننا نغني خلفة بإصرار وحماس؛ مدتنا به عسلية ومريسة أداليا دانيال بجمالها ومذاقها الحلو، في الحقيقة لا يُوجَدْ غُرباء هنا في الحلة؛ بمجرد أن تنزلك بربارا أو يلقي بك بصٌ كئيب أو تهبط من ظهر لاندروفر أو يرمي بك لوري في الحِلة، أو بمكان ما في السُوق، تصبح أحد أفراد الحِلة المؤسسين، وتعرف كل شئ عن كل شئ، في ذات اللحظة وذات مكان الوصول.
رَقصتْ أداليا دانيال بصدرها المملوء باللبن بصورة رائعة، خلدت في ذهني إلى الأبد، تبرع جنقوجوراي شاب من قبائل المابان بالأنقسنا بأداء إيقاع الكَلَشْ السريع الصعب، بواسطة وعاء بلاستيكي يُستخدم لتقديم المريسة، عندما انتهت الأغنية، صفقنا جميعاً لأنفسنا، حيث كانت الأغنية من أداء الجميع، رقصت أداليا دانيال عنا بصدرها الناهد الوافر، مما جعلنا نطلب باقي المريسة (البايرة) عندها. لأن الجنقو الفدادة ذهبوا، وأعطيناها ثمن جردلين من المريسة لم نشربهما، بِحُرّ إرادتنا ووعينا، وحَشَر لها صديقي في فراغ ما بين النهدين في ما يُسْمَى بوادي الكَدايسْْ، ورقة نقدية كبيرةُ، همس لي مختار علي في أذني ونحن ننصرف
لو ما عملت كِدا كان تبيع مريستها الحامضة دي لمنو؟! وعسليتها البايرة؟ -
وضعنا سريرينا قُرب قُرب في المساء، كان الضوء الباهت يأتينا من داخل القُطية في شكل عمود ضخم، حكى لي عن أسرة الصافية كما طلبت منه.
الجدة ووالدها عبد الرازق، حدثني أن الجد جاء إلى هنا بعد هروبه العجيب من سجن الحُمرة وعلى رأسه (الفِرو)، وهو أول شَخص في تاريخ الحبشة يهرب بـالفِرو، وربما في إيطاليا ذاتها، لأن الإيطاليين هم الذين جاءوا بالفِرو إلى الحَبَشَة، وهو يُستخدم لتأديب الثوار واللصوص.
شربنا قهوة أعدتها لنا إحدى الجارات وناولتها لنا من على الصَرِيفْ، مُذكرة إيانا بأن اليوم هو عيد القديس يُوهَنِس، باركنا لها العيد وأعتذرنا على المُباركة المتأخرة لأننا ما كنا نعلم .
قالت لي الجارة
. ألم قِشي تسلّم عليك-
سألتها بسرعة
- وين ألم قِشي؟
قالت وبصوتها احتفالية جذلة
-هي قاعدة معانا هنا، عايز تشوفها؟
وجودنا في بيت مختار علي، حرمنا من حضور الاحتفال العظيم الذي أقامته أدّي في منزلها احتفاءً بعيد القديس يُوهَنِس، وحرمنا من وجبة الديوك الحمر والأم بَابَا، ولو أنه لم يكن هناك رقص وغناء نسبة لإنشغال ود أمونة بتعليم العروس الشتراء، إلا أن اليوم كما حُكي لنا لاحقاً كان
. خطير-
على حسب تعبير ألم قِشي، وأشير هنا إلى أن ألم قِشي هو الاسم الذي يلاحقني في هذه الأيام، وأنا وهي متهمان بأننا ننوي القيام بخطوة ما كانوا يتوقعونها، يقولون إننا سوف نتزوج في عيد الأضحى القادم، وأقل الأقوال تفاؤلاً بعلاقتنا هي أنني أحُبها حُباً شديداً، وهي أيضاً متأكدة من حُبي لها، مثلها مثل الجميع إلا أنا، لا أعرف شيئاً عن هذا الحُبْ، كل ما أعرفه أن ألم قِشي أول من أنهت عذريتي بصورة واضحة وطبيعية وأنها ؛ لحد ما كسرت حاجز الخُوف الذي بيني وبين المرأة؛ والحق يُقال أيضاً، كنت دائماً ما أتخيل نفسي بأنني سوف أفشل مع النساء حالما تُتَاحُ لي الفرصة كاملة، لذا كنّ يخفنني، كما أنني كنت مُقْتَنِعَاً بفكرة غريبة مفادها: أنني إذا فشلت مع المرأة الأولى، سوف أصبح عُنِّيناً بقية حياتي، ولم تنفع الشهادات الهشة التي كنت أستعين بها للدفاع عن رجولتي من حين لآخر، مثلاً ذكرى صاحبة الطحّانة التي اغتصبتني وأنا طفل، وذكرى أخت زميلي، ذكرى دَحَشَةٌ ومِعزة أتيتهما وأصحابي المراهقين، ذكرى كلبةٍ ألبسناها طَبقاً من السَعف حول عنقها و اغتصبناها، وأستاذة الجامعة الشبقة وغيرها من الممارسات غير السوية المقرفة، ألم قِشي هي التي أعادت لي ثقتي بنفسي بِحَرفية عالية، بذكاء بالغ، بمتعة مدهشة، وجدت نفسي أتعامل مع امرأة كاملة طبيعية وإنسانة. أتينا الفِعْلَ في ليلة واحدة ما لا يقل عن عشر مرات، أو قل الليل كله وعند الفجر وقبل وبعد الإفطار، أعطيتها أجرها بكرم سخي، ثم لم نفعل مرة أخرى ولو أننا تقابلنا وشربنا القهوة معاً وتلامسنا، أما مسألة الحُبْ والزواج وغيره وغيره، لم أعرف منها شيئاً، ولم أفكر فيها أبداً، وإذا صَدَقتُ القَول، أنا لم أحب في حياتي مطلقاً، وغالباً ما يصفني أصدقائي بأنني: بارد.
ألم قِشي سيدة طويلة، لها بشرة ذهبية ناعمة، بل قل حَمراء، لها عينان حبشيتان كبيرتان، يُحيطُ بهما ظل ثقيل يكسيهما سِحراً خاصاً بساكني المناطق الجبلية والهضاب العالية ذات المُنَاخاتِ المطيرة، فوق ذلك لم تكن بالسيدة الفاتنة فتنة ظاهرة صارخة،على الرغم من أن لها جسدٌ شهواني، وإلا لأصبحت عاملة بار ناجحة في الحُمرة أو قُنْدَرْ أو حتى أديس أبابا ذاتها، ولكن ما يبدو من فتنتها أبعدها، كما تقول دائماً، عن منافسة البَارِسْتَاتْ المحترفات شكلاً و مهارةً هنالك، وقادها إلى الأراضي السودانية الجديدة، حيث شِيِعَ وعُلمَ عن السُودانيين حُبهم للحبشيات وتفضيلهن على نسائهم الوطنيات وسبب ذلك، كما تؤكد ألم قِشي:
الطَهَارةَ وعَدَمْ الحِنيّة. وعدم الحِنِيّةْ سببه الطهارة برضو.-
قلتُ للجارة الطيبة
. قولي لألم قِشي مَبروك عيد القديس يُوهَنِس، وأنا حأجيها بعد شوية عندكم-
أصدرتْ الجارةُ صوتاً بباطن لسانها،وشفطت كمية من الهواء بفمها فيما يعني في هذه الأنحاء: حسناً.
ساعدتُ مختار علِي عَلَى الإستحمام، لأول مرة تقريباً يستحم، منذ أكثر من أسبوعين، أي مُنذ أن أُصيبَ، حيث نُصح بعدم الاقتراب من الماء، حتى لمجرد الوضوء للصلاة، عليه بالتيمم، نَصحهُ أفراد كثيرون أصيبوا قبله بـضربة الدم، وهو التصنيف المحلي لمرضه المجهول.
عندما فرغنا من الاستحمام، وجدناها في انتظارنا خارج القُطية، في الراكوبة مضجعةً على عَنَقَريبٍ عجوز دون لحاف، تُظهر عُري سَاقيها بصورة استعراضية إيروسية في غاية الإغواء.قالت طالما أنا رافض أن أزورها، فبادرت هي بالزيارة، ولكنها أكدت أيضا، أنها سوف لا تكرر هذه المحاولة: كُلنا عِندنَا عِزة نَفِسْ.
تشاغل مُخْتَار عَليْ بأمر ملابسه و نظافته الشخصية.
سأعترف هُنا، أن ألم قِشي أحَبتني، ولكن في ظاهر الأمر أنا الذي أغير عليها، لأنني طلبت منها أن تترك العمل مع أدّي كفتاة مَبيت، وتعمل طباخة في مَيسِ شركة الاتصالات الجديدة، قلت مُعلقاً ومحبباً الفكرة:
. عمل شريف-
قالت بِغنج وهي تحاول أن تخفي عري ساقيها بحركة أخرى أكثر إثارة.
عملي مع أدّي عمل شريف.-
قلت لها
. على الأقل أنا شايفه غير شريف-
قالت بإصرار
-أنا شَايفَاهُ عكس كِدَا، دَا شُغُل، العايز يدفع، وأنا بصراحة ما قاعدة استمتع بالرُجَالْ: شُغُل يَعْنِي شُغُلْ.
وأكدتها باللغة التِجْرِنة ( سَرِِحْ سَرِحْ بَيُوْ) ثم أضافت:
-العَيب فيهُ شُنُو؟

عرفتُ فيما بعد، بعد سنوات كثيرة، وذلك بعد أن قرأت كتاب( نَقْدُ الفِكرِِ اليَوَمِي) لمهدي عامل، أن العيب الذي فيه تربيتي أنا، القيم الخاصة بي كآخر أقيم في ظرف مختلف ونوع مختلف وثقافة مختلفة، تراني اعترف بأنها فتحت لي آفاقاً إنسانية فيما يخص علاقتي بالمرأة، وتراني استمتعت تماماً بالفعل الجِنسي معها، ولكنني رغم ذلك أنظر إلى الأمر كله بميزان الخطأ والصواب، وهذا فضح لرجل انتهازي يسكن في خبايا شخص مدعٍ آخر وهُمَا أَنا، هذه شزوفرينيا أعاني منها كثيراً، ولا أظن أن الأمر له علاقة بالدين أو السُلوك الشخصي، المسألة معرفة فحسب طالما كُنا، أنا وهي نُدرك أن الخير والشر و كل الديانات والكُفْر أيضاً من ذات المصدر، وأن العمل مقدس. ناداني ومختار علي في هدوء، خاطبني قائلاً
. تعال حأحكي ليك موضوع الصافية-
قلت له متعجباً
. إنت مُش حكيته لي أمبارح-
قال وفي فمه ابتسامة تعبة
-الحكاية القصيتها ليك قطعتها من رأسي، إنت حاصرتني وأنا حاولت أفوتك، تعال يا مختار علي كُون شَاهِدْ، هي حكاية على كل حال ظريفة، ولا رأيكم شنو؟
أشرنا برأسينا في وقت واحد إيجاباً وجلسنا على عنقريب وبنبر قربه.









































شَبَقُ المَرْفَعِينْ

















استيقَظَ على إثر نداء الصافيةِ له، كان قد نام على الكُرسي الذي تركتُه عليه، دخل القُطية الكبيرة، كانت شبه خالية من الأثاث، عدا سريرين من خشب السُنط مفروشين بلحافين لم يتبين تفاصيلهما، الإضاءة، لحد ما جيدة، طلبتَ منه أن يجلس في السرير الآخر، جلسَ
قالت له
-عايز تعرف حكايتي مع ود فُور؟
رد عليها بدبلوماسية ليست من طبيعته
. لو ما بزعجك الموضوع دا-
قالت وهي تأخذ نفساً طويلاً من الشيشة فتصدر صوتاً بائساً-
. كُويّس-
الخريف الفات كنتُ شغالة في مشروع الزبيدي، تعرف مشروع الزبيدي؟!
وقبل أن تسمع إجابته واصلت الحكاية، كانت هي المرأة الوحيدة بين عشرين رجلاً من الجنقو، وتستطيع أن تتذكر أسماءهم، اليوم، الشهر والساعة.
أنا وود فور كنا ماسكين مقاولة سوا في مشروع الزبيدي.-
كانا يعملان في فريق واحد، لاحظتْ أن ود فور في الآونة الأخيرة كان يتقرب منها كثيراً، و دائماً ما يضع نفسه في مجموعة العمل التي تضمها، ولاحظتْ أنه يتعمد الالتصاق بها ومداعبتها، وبغريزة المرأة التي لا تُخيب، عرفتْ أنه يرغب فيها، وعرفت أنها تريد ذلك ولأي مدى، إنها سوف لا ترفضه، إذا طلبها للزواج، فهو شاب ونشط ومسئول و الأهم أنه كان دائماً ما يحترمها، فهي ترغب في أن يكون لها أطفالٌ وبيت ورجل، وفوق ذلك كله، لها رغباتها التي يجب أن تُشبَعْ، لذا لم تدفعه عنها ولم تستمله إليها، تركته يقوم بالدور كاملاً، وهي طريقة تجيد النساء تمريرها للرجل الغبي المتعجل العاشق الأعمى، وهي صفات لحسن الحظ، يشترك فيها الرجال كلهم.
قلت لنفسي يا بِتْ خلي المسألة على الله.-
وبلع المسكين الطُعم، أطلق المبادرة تلو المبادرة، إلى أن نفدتْ حِيله الصغيرة المسكينة، التي أجادت الصافيةُ ادعاء تجاهلها.
- قال لي، والدُنُيا ليل ولكن القمر أبيض في السما وكل شئ واضح، قال لي:
يا الصافية أرحكي معاي للحفيرة نَوَنُسُو، أنا ما قادر أنوم شايفة القمرة بيضا كيف؟
تثاءب صديقي، شَرِبَ كَوباً من الماء كان على التربيزة جنبه، قفز على تفاصيل كثيرة كثيرة كثيرة، تحدث عما رآه فقط مهماً، قال: إنها أصرّت على أن تحكي تفاصيل تفاصيل، ما حدث بينها وود فور، ربما يكون هو الشخص الوحيد في الدنيا الذي يفهمها، إنها لم تحكها لأي كان من قبل، ما من أحد طلب منها ذلك، اكتفى الجميع بالإشاعة
قالت له بألم:
- أنا تعبت، تعبت من الحكاية دي، عليك الله اسمعها كلها وما تزهج.
وغرقت في التفاصيل. التفاصيل، التفاصيل. أكدنا له، أنا و مختار على أنه ليس مطالبا بأن يختصر، فالليل طويل و نحن ليس لدينا ما نفعله بما يتبقى منه، خُذْ راحتك.
قال قالت له
مشينا الحفير، طلعنا فوق الدُولَة.-
كان ذلك المكان هو الوحيد الذي لم ينمُ به عُشب الخريف، هي تخاف من الثعابين حصراً، ولا تخاف شيئاً آخر، طمأنها بأنه يمتلك ضَامِنْ عَشَرةْ مُجرب، وأراها له مربوطاً بصورة محكمة على ذراعه اليُسرى، سوياً مع سِكينته، فرشا برشاً صغيراً أتيا به، قالت لي فجأة، وقد علا شهيقها وزفيرها
؟ قام جاري -
قال لها مندهشا
- منو؟
قالت وهي تُمسك بيده بشفقة
. ود فور، قام جاري مني-
- لييه؟
قال محتجاً.
قالت بصوت عميق مخنوق بعبرة مُرّة
. جرى مني أنا، جرى ود فور-
ثم هدأت قليلاً وهي تقول
- كنتَ عايزاه، وبدأنا كل شئ، في الحقيقة كنتُ في حالة قريبة من الغيبوبة، ولكنه قام جاري، فجأة جرى زي المجنون.
أحسست أنها لا تستطيع أن تشرح أكثر من ذلك، من الأحسن ألا أطالبها أو أجبرها على الحكي، أحسست بالشفقة تجاهها، قررت في الحال أن أضاجعها، وذلك لما توصلت إليه من تحليل، متعجل بعض الشئ، وسريع لحالتها وهو:
أنها تفتقد الرجل في حياتها، الذين يحيطون بها لم يعرفوا المرأة فيها، ما عدا ود فور، ولم ينتبهوا إلى الإنسانة البائسة ولا يفهمون شيئاً عن حاجاتها الصغيرة الحقيقية. باختصار كانوا يعاملونها كرجل في ثوب امرأة لا أكثر.

صُدِمتُ لاكتشاف الحقيقة، أو ما أسميته بالحقيقة الأولى. وهي أن رائحة جَسَدَهَا لا تُطاق، وقالت صراحة في ذلك:
. معليش، ما كان عندي وقت لنفسي-
وقامت لأجلي بمسح جسدها بالماء، مُستخدمة مُلاءة قديمة من مُلاءات الأم أدّي، كانت لا ترتدي شَيئاً تَحتْ فستانها، وهذه فضيلة، لأنني لا أُطِيقُ رؤية ملابس المرأة الداخلية متسخة أو ممزقة، ولديّ فُوبيا سِرية منْ ذلك، فبمجرد رؤيتي لما ذكرت، أصاب بالعجز الجنسي التام، كانت تحتفظ بِعطر الخُمرة في القُوقُو، لم تستخدمه من قبل. قالت إنها اشترته من دلالية متجولة قبل عام، وأخذت تدلك أطرافها به، عطر قوي جداً، كان تافهاً، لم يَرقُ لي إطلاقاً، الأمر لا يحتاج إلى كل هذا المجهود من جانبها لأن الفكرة بسيطة، كما شرحتها لنفسي:
سوف أحاول الجسد إلى أن يستجيب وتصل ذروة نشوتها ثم ينتهي كل شئ. لا أكثر ولا أقل.الأمر في الحقيقة أقرب لمقاولة، وهذا في ظني ما تحتاج إليه الصافية، واحتاج إليه أنا لأقنع نفسي بأنني قدمت لها عملاً خيراً وإنسانياً كبيراً بل ونادراً، فعلاً حُرمتْ منه طوال حياتها، وأتمنى أن أكون مخطئاً في هذه الفذلكة، اقترحَتْ هي اقتراحاً آخر، وهو أن أتركها تستحم استحماماً كاملاً، وقُوبِل هذا الاقتراحُ أيضاً من قبلي بالرفض، الموضوع لا يستحق كل هذا التعب.

قَامَتْ، أغلقتْ الباب بصورة جيدة، ربما خافتْ أن يقتحمنا أحد الزبائن، أو يتلصص علينا ود أمونة، أو قل ربما أنها خَشيتْ أن يهرب منها كما هرب ود فور من قبل، ولو أنه رفض فكرة قفل الباب، ولكن يبدو أن ذلك حدث بعد فوات الأوان.
اقترحتْ هي أيضاً اقتراحاً آخر. وهو أن تبقى الإضاءة كما هي، وافق.
ثم طرحتْ عليّ بسرعة مجموعة من الإجراءات لم يكن هناك داعٍ لطرحها في ذلك الوقت بالذات، كل ما أرجوه أن ينتهي هذا الموضوع وبأسرع ما يمكن.

المفاجأة الأخيرة، التي لولا قُوة عودي وعزيمتي وصبري على المكروه لكانت القاتلة. قال إنه ليس بالسهل أن يصف لنا ما شاهد، بدا ذلك واضحاً من الطريقة التي أخذ يتحدث بها.
لا يمكن لشخص مثلي أن يتخيل ذلك مجرد تخيل، بل لا يمكن أن يخطر ببال شيطان رجيم، إذا كان للشيطان بال.
قالت بصوت حزين:
- مما ولدوني إلى اليوم، ما قطعت شعرة واحدة منه، قالوا حلاقتهُ تجيب النحس وسوء الحظ، وبرضو ما لقيت وقت، وقتي كلهُ للشُغُل، بعد دا، حأخلي بالي من نفسي شُوية
قلت لنفسي:
. الموضوع ما بيستحق، خلينا نخلص-
كنت مصمماً على أن أجعلها تدخل تجربة جديدة مثيرة في حياتها، تجربة لا تُنسى، بما يساوي نقطة تحول، قالت:
. قاعدة أنظفُهُ وأسرحو بالمشط كل يوم جمعة-
حكى لنا بالتفصيل المُمِل، في الحقيقة ليس مُمِلاً، بل مؤذياً وضاراً جداً، ثم أقسم وأقسم وقال:
.ْ الصافية انقلبتْ مَرَفَعِين-
قلنا بصوت واحد
-مرفعين؟
. مرفعين عديل كدا-
اللحظة التي وضع يده على عُري جَسَدها وبدأ يداعبها في أذنيها وأنفها الكبير، بدأ الصوف ينمو في جسدها، صُوف أسود غليظ خشن وقبيح، تماماً مثل صُوف الحِمار، كان ينمو بصورة مذهلة، بِسرعة رهيبة، ثم أخذتْ ملامحُ وجهها تتغير، برزت أنيَابُها، ثم أخذتْ تُصدر صوتاً غليظاً، ثم انقضتْ عليّ، كما لو كانت أسداً ضارياً، وأنا فريسةٌ بائسةٌ جريحة، حدث كل ذلك في ثوانٍ معدودات. لا أدري كيف تمكنتُ من الهرب، عبر الباب المغلق، أم عبر الشُبّاكْ الصغير،أو أنني قد اخترقت السياج اختراقاً، لا أدري ولكنني وجدت نفسي خارج القُطِيّةَ، خارج بيت أدّي، خارج الحِلة كلها، حدث ذلك في لمح البصر. خلع جُلبابه وأراهما خُدوشاً في ظهره وإليتيه: ضحكنا.


















أُغنية الفِرِّو، تَيرابُ البِنَيِّة،
بُوشَاي،
وأَشْيَاء أُخْرى.


ذات صباحٍ باكر، أرسلت لي ألم قِشي ود أمونة برسالة شفهية، فهمت منها أنها تريد مقابلتي في بيت أدّي: الآن.
المسافة ما بين بيت أدّي ومنزل مختار علي حيث أقيم وصاحبي، قريبة جداً وبعيدة جداً، يتوقف الأمر حسب العلاقات الاجتماعية مع الجيران و الوقت: ليلاً أم نهاراً، حيث يمكن استغلال ما يسمونه بباب الجيران لاختصار مسافة كيلومتر من الهرولة عبر الأزقة والطرق الجانبية، إلي ما لا يتعدى العشرين متراً، وشخص مثلي غالباً ما تكون علاقته جيدة مع الجيران، لذا دخلت منزل أول جارة وهي سُعاد، تبادلت التحايا وزوجها، ثم عبرت عرض المنزل إلى بيت الداية بِتْ البُرون، وهي امرأة عجوز طيبة بوجهها شُلوخٌ عريضة و ابتسامة دائمة، ليس لها زوج، ليس لها أطفال، بنت أختها التي تقيم معها، كانت نائمة في تلك اللحظة، تبادلنا التحايا، وعبر باب الشارع كان عليّ أن أعبر منزل الدينكاوية الحسناء أداليا دانيال ولم تكن بالمنزل، عَبَرتُ بيتها، لأجد نفسي وجهاً لوجه مع باب مُجمّع أدّي السكني.
وجدتُ ود أمونة قد سَبَقَنِي لبيت أدّي ولكي لا أموت دهشة، قال لي إنه ركب موتر مع الحاج البوليس الذي وجده صدفة يمر بطريق منزل مختار علي، وذلك بعد أن أخبرني برسالة ألم قِشي مباشرة. أومأت برأسي أن فهمت، بادرتني ألم قِشي معاتبة
. إنت ما سألت مني تاني؟ دا أسبوع كامل-
أضاف ود أمونة، بأسلوبه الخاص:
و حات ربي، ألم قِشي مما نامت مَعاك، تاني رجلها دي ما رفعتها لزول. -
قالت ألم قِشي بصورة مباغتة وهي تنظر في أم عيني
- أنا ما عجبتك ولا شنو؟
أضاف ود أمونة
- في زول ما بتعجبوا ألم قِشي؟
قالت ألم قِشي بغنج وهي تحرك صدرها بما يشبه الرقص
، مزاج ناس المُدن صعب يا ود أمونة، ديل متعودين على البَنات الفي التلفزيون؟ يمكن-
أضاف ود أمونة مخاطباً ألم قِشي برقة خبيثة فاجرة
-إنتِ مَا إدخّنتِ ليهُ ولا شُنُو؟
ادعت ألم قِشي الخجل، أما أنا فكنت محرجاً من كل شئ،مع وعيي التام بالشرك الذي أُصْطَادُ بِه، قُلتْ
. العفو، العفو، ألم قِشي جميلة.. ونظيفة.. كل في الكل-
أضاف ود أمونة
-أنا حأدخِنها ليك الليلة وأدلِكها وأبقيها ليك عروس عديل كدا، قصرت معاك؟
قلت له مجاملاً
. إنت ما بتقصر، ولو إنها كدا كويسة معاي-
قالت ألم قِشي
. كويس، عايزاك في موضوع تاني. موضوع الشُغُل مع ناس شركة الاتصالات-
-يعني خلاص وافقتِ على الشُغُل؟
قالت دون مبالاة وهي تهزّ صدرها بتلك الصورة المُدهشة
. قلت أجرِّب، يمكن ربنا كاتب لي رزق في مكان تاني-
تعرف ألم قِشي أن العلاقة بيني وبين موظفي شركة الاتصالات الوافدة حديثاً للمنطقة هي عبرصديقي، تربطه علاقة شخصية بالمدير، وقد طرح عليّ فكرة أن تعمل ألم قِشي طباخة في مَيس الشركة، إذ إن الموظفين لم يحضروا زوجاتهم بعد، في انتظار اكتمال البرج والتوصيلات الأرضية، وإحضار الأجهزة الإلكترونية وغيرها من الأشياء التي تؤكد استقرار العمل، قلت لها
. كويس، حأكلمهُ أقول ليه ألم قِشي وافقت-
طلبا مني أن أشرب معهما قهوة الصباح، إلا أنني تعللت بارتباطي بمختار علي وصديقي في البيت، وأننا سوف نذهب معاً كما اعتدنا أن نفعل في الأيام الأخيرة إلى العجوز حيث نحتسي عندها القهوة، وأنا أخرج من المنزل سألني ود أمونة إذا ما كنت سأحضر في المساء، أكدت له ذلك، فغمز لي بعينه اليسرى بما يعني ما يعني، ابتسمتُ، أومأت برأسي مباركاً مساعيه وشاكراً.
يبدأ صباحي كالعادة بكسل يتسم به العاطلون عن العمل ولديهم مصدر رزق يحول دونهم والموت جوعاً، وليست عليهم مسؤوليات أسرية، عبارة عن مَطَالِيقْ مثلي يبحثون، عن متعة المشاهدة لا أكثر، لدينا زبونة واحدة فقط نشرب عندها قهوة الصباح، شَمطاء، تستغل راكوبة بيتها لتقدم الشاي والقهوة للعابرين من الجنقو والعمال الآخرين، بيتها في أقصى الشرق على طريق همدائييت، حيث يعمل عدد من العمال على تأسيس طلمبة الوقود، ذهبت إليها وحدي إذ أن صديقي فضل دُخُولْ الحِلة، أما مختار علي فلبى دعوة جارة حبشية كريمة طلبت منه أن يشرب معهما هي وزوجها قهوة الصباح، وكما هو معروف لا يَرفض عيّنة هذه الدعوة إلا شخصٌ أهبل، فالناس يؤمنون هنا أن لا أحد يصنع القهوة بمهارة تفوق الحبشيات،أعدت لي العجوز قهوة وعليها كمية أكبر من الزنجبيل، وهي علامة أنني من مدينة كسلا، بينما أنا من مدينة القضارف، مرّ أمامنا شرطيان، يتبعهما شيخ الحِلة وبعض أعضاء اللجنة الشعبية، رموا علينا السلام ومضوا في عجلة نحو الطلمبة، قالت لي العجوز
. أمبارح واحد من عمال الطرمبة ديل طعنوه-
- طعنه منو؟
قالت وهي تحرك جمرة صغيرة بملعقة السكر
- أولاد من المعسكر.
معسكر اللاجئين القريب دا، كانوا بيلعبوا القُمار مع بعض واختلفوا، كلهم كانوا سكرانين لََطْ.
قلت لها:
-إن شاء الله ما اتعوق شديد؟
قالت بحسرة:
- مات قبل شُوية في مستشفى الشجراب، شالوه بلوري عثمان عيسى لخشم القربة لكنُهُ مات في السكة.
ثم أضافت
. إنت ذاتك بتعرفُهُ-
وأخذت تصفه لي، ولكني، وهي عادة سيئة عندي، عندما يموت شخص أعرفه معرفة غير عميقة، أقصد معرفة عابرة فإنني أنسى ملامحه، بل قد أتذكر أنني قابلته من قبل. الأمر الذي يكون سهلاً إذا مازال على قيد الحياة، لا أعرف ماذا وراء ذلك.
هو واحد من زبايني، أنت شفتو هنا في راكوبتي ذاتها-
قلت:
؟ الود البرناوي-
قالت ضاحكة:
يشبه البرنو، ولكنه مُوُّلد.-
وشرحت لي أن تسعة وتسعين في المائة من سُكان الحِلة ليست لهم أجناس. ليست لهم قبائل، كلهم مُولدين، أمهاتهم حبشيات بازاريات، بني عامر، حماسينيات، بلالاويات، أو أي جنس، وآباؤهم في الغالب إما غرابة: مساليت، بِلالة، زغاوة، فُور، فلاتة، تاما، أو حُمران وشكرية أو شلك ونوبة ونوير، وفي قِلة من الشَوايقة والجعليين، وكضاب الزول البقول عندو قبيلة هنا، ولا جنس ولا خشم بيت، قلت لها متحدياً
- كويس أداليا دانيال؟
قالت:
. أداليا دانيال أمها دينكاوية، أبوها أشولي وراجلها لكويا-
قلت:
؟ -إنتِ
قالت
-أنا أمي بازاوية، وأبوي أمو حبشية وأبوه مسلاتي وولدي متزوج من الحُباب من أسرة الكنتباي ذاتها، وأنت عارف الحُباب ديل ناس سَمحين، وكل الأجناس القلتها ليك دي هي مجرد أسماء ولكن في الحقيقة إنمحوا في بعض، بس الواحد فيهم بيتمسك بقبيلة الأب، وطبعاً دا كلام ساي، الدم كلهُ من الأم، والروح من الأم، والأبو دا عنده شُنو غير المُوية؟
ثم أخذت تعدد لي الأشخاص وكيف خُلِطوا، وختمت حديثها بما يعتبر من المسلمات
. أهلنا ديل يموتوا في الحبشيات-
وحكت لي قصة الحاج الذي ألهاه الشيطان عن اللّحَاق بركب الحج، حيث تمثل له في شكل فرج أنثى على فرع من شجرة لالوب شائكة استظل تحتها بمصوع، في طريقه إلى مكة، حيث أخذ الحاج يرمي العُضو بالحجارة لكي يسقط في الأرض يهتز العضو، ويكاد أن يَسَقُطْ ولكنه يبقى في مكانه، وهكذا ظَلّ الحاج يرمي الحجارة إلى انتهى موسم الحج ولم يحظ بالعضو الجَيّدْ، ولم يُحْظَ بالحج.
قلت لها:
-الصافية دي شنو؟
-جدها مسلاتي، أمها من الأمهرا من جهة الأم، فوراوية من جهة الأب، وبيتهم فيهُ البازاوي والحبابوي والقمراوي و الإنقريابي، والرباطابي وحتى الحلفاوي والمحسي والدنقلاوي.
قلت لها:
-كويس الجِنِسْ البينقلب مرفعين دا شنو؟
قالت بطمأنينة العالم العارف
. الحكاية كُلها في اللبن-
صبت لي فنجاناً آخر من القهوة وهي تكمل حديثها
الحكاية كُلها في اللبن، من جهة الأم، وخلط اللبن باللبن ما كُويس، الواحدة تخلي أطفالها يرضعوا هنا وهناك، وهي لافة من بيت لبيت وما عارفة الناس، فيهم تيراب البِنية البعاتي، وفيهم البنقلب غُراب، وفيهم البنقلب أسد أو مرفعين أو برطا برطا، وفيهم البياكل الناس عديل كِدا، وفيهم السَحّار، والبلد ملانة بالجن، تلقاهم في شَكل نُسوان ورجال وحمير وكَدَايِسْ وشَجَرْ، وربنا يكون في العُون. وحتى البُومة دي لو لقت طفل وحدهُ بِتْرَضِعُهُ، و ربنا يكرم السامعين: دا هو تيراب السَحَارين. اللهم أحفظنا وأحفظ المسلمين، آمين يا رب العالمين.
قلت لها:
، مُشْ كِدا؟ أسرة الصافية هي أول أسرة في البلد هنا-
قالت وقد بدأ عليها الارتباك قليلا:ً
- منو القال ليك أسرة الصافية، الصافية السكرانة دي ربيناها نحنا في أسرتنا تربية، أمها ولدتها ورمتها لينا هنا وفاتت مافي زول يعلم وين، وأنا السميتها الصافية على جدتي، الأسرة الكانت هنا، هي أسرتي أنا. ثم حكتَ لي الحكاية الحقيقية وما عداها اعتبرته تشويهاً دافعه سوء النِيّة والجهل و الحَسَدْ، عندما جاء أهلها إلي هذا المكان، لم يكن به سُوى الثعالب، المرافعين القرود، الحَلُوٌفْ، أبو القدح، الأرانب والصقور والحُبار، وأحياناً يرى الناس بعض النُمور، كانت هناك غابات كثيفة من شجر الكتر واللالوب والهشاب وبعض السَيّال وعند الخيران وبرك المياه تنمو أشجار السُنُطْ، أما في الكَرَب وعلى شاطئ النهر فالعرديب والتبلدي، ولكن البلد مشهورة بالجن وأبي لمبة، منذ أن تغرب الشمس يخرج أبو لمبة، كانت أسرتها في طريقها إلي مدينة القضارف بعد أداء شعيرة الحج، حيث إنهم قدموا عن طريق اليمن، باب المندب، مصوع، الحبشة ثم إلى هنا، وقد داهمهم الخريف في هذا المكان، فأقاموا وبنوا أول منزل، قطع جدها وأبناؤه الأشجار، نظفوا الأرض وزرعوا محصول الذرة والدخن والسمسم، قالت:
. دا قبل أكثر من مية، مية وخمسين سنة-
حكت لها بذلك جدتها عن جدتها عن جدتها، قالت جدنا الأكبر اسمو عبد الرازق وله توأم اسمو عبد الرزّاق، حبوبتي قالت، حبوبتها قالت ليها:
كانا يعملان في تجارة الحطب والمحاصيل الزراعية التي ينتجانها، حيث يقومان ببيعها إلى الحبش في الحُمرة وبحر دار وحتى نواحي قُندر، قد يسافران لأيام تطول، بينما يبقى أبواهما في المنزل مع أختهما الصغيرة وهي التي تسمى الصافية، حكت لها جدة عن جدة عن الصافية، كان عُمرها لا يتجاوز العَشر سنوات، في ذلك الوقت ولكنها تتذكر إلي الآن اللحظة التي جاء فيها أخوها عبد الرازق التوم على رأسه طُوق من الحديد، مربوط بشكل محكم، عيناه محمرتان وبارزتان إلى الخارج ولسانه خارج فمه مثل لسان الكلب، ورغم ذلك كان صامتاً، فقط يصدر صوتاً من صدره مثل نداء البوم، فهب إليه أبوها وأمها وأخوها عبد الرزاق، والذي خرج من السجن قبل يومين فقط، تذكر إلى الآن جملة واحدة وهي:
. أنا ممكون بالفرو-
وكان جسده كله يتصبب عرقاً، أخذ أبي يقرأ على رأسه أيات من القرآن ولكن عبد الرازق قال له
. المُبرد، المُبرد يا حاج-
وفعلاً أتى أخي عبد الرزاق بالمبرد وقاما بقطع الفرو، وكانت لحظة عجيبة جداً
كلنا أحسسنا بالراحة.-
وكأنما هو وُلِدَ من جديد في تلك اللحظة، ولم يهتم أحد من الأسرة إطلاقاً بالهواء العظيم الذي اندفع من دُبر أخيها عبد الرازق، في شكل دوي هائلٍ مدهشاً سكون هواء الخريف الثقيل، ناثراً عُفُونة إسهال حبيس بئيس.
ثم استفرغ، ثم نام.
أيقظه أبوه في منتصف الليل، حيث أطعم، ثم نام مرة أخرى تاركاً الأسرة كلها قابعة قرب رأسه ينظرون إليه مندهشين، وكان عبد الرزاق بين حين وآخر يردد
. أنا السبب، دا كله عشاني أنا-
ولكن أمه كانت تخفف عنه بالقول
. في النهاية أخوك، تكررها في قلق-
قالت لي العجوز وهي تحكي باستمتاع وقد نسينا فنجاناً من القهوة يقبع في صمت فتساقط عليه الذباب، قالت تحكي: كان المساجين في الحبشة وإلى وقت قريب، لا يطعمهم السجن، يربطوهم يشحدوا في السوق والاندايات، وأثناء ما كان عبد الرازق يتناول طعاماً في سُوقِ الحُمرة مع أصحابه التجار، إذا به يرى توأمه عبد الرزاق مربوطاً ضمن عددٍ من المسجونين يسأل الناس طعاماً، كاد أن يقف قلب عبد الرازق من المفاجأة: تومي عبد الرزاق؟.
أطعمه وأعطاه مالاً وقال له بلغة المساليت إنه سوف يأتي إليه يوم الجمعة في السجن، الجمعة التي بعد جمعتين كاملتين، يرتدي نفس الملابس التي يرتديها توأمه الآن، نفس الحذاء ونفس الطاقية، وسوف يطلب مقابلته وهنالك في السجن يتبادلان المواقع، وأضاف
-أنا بعرف بتعامل مع الجماعة ديل كويس، أنا بعرف ليهم، أنا عشت مع الشِفته والفالول سنة كاملة.
وبالفعل تبادلا المواقع في التاريخ المتفق عليه، ولكن في اليوم الثالث بلغ عنه المساجين الذين اكتشفوا الخدعة منذ اليوم الأول، بالرغم من أن عبد الرازق عبارة عن نُسخة أخرى من عبد الرزاق، كأنما الأول صورة للآخر في المرآة،ولكن طبيعة عبد الرازق تختلف بصورة جوهرية عن توأمه، حيث إن عبد الرازق كان يميل لنوع من الحياة لا يحبذها أخوه، حيث إنه كثيراً ما يختفي لشهور كثيرة باحثاً عن المغامرة والمتعة، الخمرة والنساء، مع قُطّاعْ الطُرق الأحباش في أحراش أثيوبيا، كان ملولاً، سريع الغضب وعنيفاً و يتعاطى كل ما حرم الله، ولم يصل أو يصم إلا في صغره، عكس عبد الرزاق تماماً، حيث كان طيباً مسالماً، ولو أنه ما كان ميالاً للعبادة إلا أنه كان لا يتعاطى المُسْكِرات ولا حتى الصعوط والسجائر.
- قدر ما قلت أقلد أخوي عبد الرزاق؛ ما قِدرت خالص خالص ما قدرت، فالطبيعة جبل كما يقول الناس. وأخبر عنه المسجونون إدارة السجن علهم يجدون وضعاً مميزاً أو على الأقل يتجنبون المساءلة إذا اكتشف أمره السجانون، بأنفسهم. فقامت إدارة السجن بضربه ضرباً مبرحاً، ثم خيروه ما بين الخازوق أو الفرو، وكلاهما يعني الموت ببطء وألم شديد، فاختار الفرو، فَرُبِطَ في رأسه بأقصى درجة ممكنة وقالوا له:
- لو ما جبت أخوك خلال نصف ساعة، حتموت، ومفتاح الفرو عندنا هنا في السجن يللا (قَلْتِفْ).
في الثواني الأولى من ربط الفِرو، تمنى لو أنه وجد أخاه ليسلمه للسجانين حتى يفكوا من رأسه الفرو، ثم أخذ بالفعل يبحث عنه دون تركيزدون خطة، دون أمل، كان يصرخ في الطُرقات وهو يجري في كل اتجاه باحثاً عن لا شئ، كان يهتف باسمه، لقد أُصِيب بهلع شديد وحالة من التشتت، ولكنه كان يمضي بعيداً عن السجن على أية حال، كانوا متأكدين من أنه سيعود، حتماً سيعود أو يموت، ويعرفون أنه لن يموت بعيداً عن السجن، يهمهم في الأمر الفِرو الذي لابد من إعادته للسجن، جثته سوف يرمون بها في البئر المهجورة عند سفح الجبل. بعد لحظات بقيت أوعى، حسيت بنفسي، وتذكرت كيف الفالول يتعاملوا مع الفرو. ادعى أن الذي يلتف حول رأسه ليس هو الفرو آلة الحديد القاسية المميتة؛ ولكن ثعبان، ثعبان قد يقتله بلدغة واحدة وقد يتركه في حاله إذا تعامل معه برفق وكلمه بالحسنى وأقنعه بالمنطق، ولأنه يريد أن يحيا ولا يرغب في الموت ملدوغاً من ثُعبان سام، عليه بسياسة النَفس الطويل، طولة البال، وأن يربط مهمة أن يخرج من الحدود الحبشية بترضية الثعبان، وأخذ يتلو نشيداً طويلاً بالتجرنة، كان نشيداً طويلاً يتكون من كلمات بسيطة قليلة:
لا أموت لا أموت
لا أموت لا أموت
لا أموت لا أموت
لا أموت لا أموت
سوف أحيا
سوف أحيا
سوف أحيا
ويستمر النشيد في كلمتين هما سوف أحيا، ولن ينتهي إلى أن يطلق الثعبان رأسه.
واتجه نحو الحدود السودانية، مهرولاً منشداً في اتجاه الغرب متجنباً طرق المشاة، السيارات، الحمارين، كل السكك المطروقة إلى همدائييت، اتجه جنوباً، قليلاً جنوباً، عبر غابة الطلح الصغيرة الواقعة على أرض حجرية صلدة حمراء، بها خوران وعران وبعض شجيرات الكتر الشوكية، تنبت ما بين هنا وهناك، يعرف هذا المكان جيداً، اشترى منه قبل عامين مائة قنطار من الصمغ العربي، مقابل عشر جوالات من السمسم الأحمر النادر من برهاني كِداني الحبشي الممسوخ كما يحب أن يسميه، وهو أحد أكبر الفَالول في نواحي خور الحمرة وغابة زهانة الأكثر وعورة ورهبة، اشترى منه الصمغ على علمه التام أنه لا يمتلك ولا رطلاً واحداً منه ولا يفهم في طَقْ الصمغ ولا لقيطه، وللمبالغة يقولون عنه إنه لا يفرق بين الطَلحة والكِترة، لكن ليس بإمكان المزارعين الفقراء البائسين أن يبيعوا صمغهم إلا من خلاله هو فقط، وبالسعر الذي يضعه، وكان غالباً لا يظلمهم ودائماً ما يحميهم من قُطاع الطُرق واللصوص الآخرين، إذا التقى به هنا سوف يساعده بدون شك في التخلص من الفرو، تبدو الشمس أمامه كبيرة حمراء مثل الدم تغيب الآن، يمضي نحوها، يعرف أنهم أطلقوه في هذا الوقت بالذات ليصعبوا أمامه خيارات النجاة، حيث إن الليل هنا عدو اللصوص أيضاً، في ذلك المغرب التقى بفالول وشياطين، فروا منه. وقبل أن يكتمل الغروب استطاعت ساقه أن تسلمه إلى البيت.

عاد الشَرَطِيان،توقفا قليلاً عند العجوز، سألاها عن فتى باسمه ولقبه واسم أمه مصحوباً بكلمة الشَرمُوطَة نِكايةً وغضباً عليه، قالت لهما:
. مشى زهانة، معزوم مع أصحابه كلهم عيد القديس يُوهَنِس-




































حوارٌ مَوضُوعيٌ وَكَرَميلا



أكدّ لي أنّ مشروع الصافية بالنسبة إليه لم ينته بعد، وأنه قرر أن يخوض المعركة إلى آخر طلقة، ولم يكن تصريحه هذا غريباً، فأنا أعرفه فيما يزيد عن الثلاثين عاماً من الصُحبة، القراءة المشتركة، السفر، الفشل، الإحباط، النجاحات الكبيرة، العمل والعطالة، سيكون تصريحه غريباً إذا قال لي إنه تنازل عما سمّاه بمشروع الصافية أو خاف،قال بثقة كبيرة.
أنا بحلل وضع الصافية بالطريقة دي:
امرأة عندما تُثار جِنسياً، ينمو الصوف في جسمها كله، تطول أظافرها، وأذنيها، تتحول ملامح وجهها إلي ما يُشبه ذئب كبير، أسدٍ أو حتى قرد، فتهاجم العشيق، فيهرب،وهي نفسها لا تكون واعية بحقيقة ما يجري لها. ثم طرح سؤالاً: الزول لو انتظر للنهاية حيحصل ليهُ شنو؟
دعونا نفكر في هذا الموضوع بجدية، دعونا نفكر كيف نتعامل معها، يجب ألا نتركها هكذا تعاني وحدها هذه الأزمة الإنسانية الفريدة، نحن شُركاء على الأقل في الإنسانية
نحن بشر، يعني، هنالك مسألة تخص الفرد، تخص الجميع، وما يخص الجميع يخص الفرد، مسألة مصير واحد، مآل واحد، ثقب واحد يجب أن نعبر به جميعاً نحو الحياة، أن يعثر أحدنا فيه، يعني ألا يمر الآخرون، وأخذ يهذي في كلام أعرف أنه يجيده والاسوأ أنه يؤمن به والأسوأ أكثر أنه سيفعله.
قدمت له نصيحة لا تفيده، وقد تكون طوق نجاة لغيره
. أتمنى أنك ما ترمي بنفسك في التهلكة-
قال بقلق:
. تقصد ما أتطفل-
قلت ضاحكاً:
. أيوه-
قال:
وجودنا هنا في (الحِلة) مُش نوع من التطفل؟! عندنا هنا شنو، غير ناس مطرودين من وزارة الصحة للصالح العام، كل يوم متطفلين على بلد من بلاد الله، وناس من ناس الله؟
فهمت أنه يعني فيما يعني أننا طالما تطفلنا على المكان، فنحن أيضاً تطفلنا على الإنسان، والأمر سيّان. كان دائماً ما يكرر القول إنه يجب أن يَتَرُك أثراً واضحاً، أينما يذهب، وأن يُدْهِشْ، وهذا الأثر وهذه الدهشة، لا يتأتيان ما لم يفعل ما لا يستطيع فعله غيره وهم العامة والخاصة معاً، ويختصر ذلك بالقول
اركب الصعب.-
أينما حللنا، كان يبحث عن الصعب والصعب فقط، يبحث عن الغرباء في الناس، في المجتمع، في المكان في كل شئ، كان يتصيد السؤال ولا يخشى التهلكة، بل يرمي فيها نفسه رمياً، قلت له
على العمل في ميس الشركة. إلم قِشي وافقت-
قال مبتسما:ً
شكرنا كثيراً، اعتبر قدومنا بألم قِشي لكي تعمل معهم في الميس، في هذا الوقت بالذات، عملاً إنسانياً كبيراً، بركة من الله ومساهمة في نجاح الشركة أيضاً
نحن نحتاج لامرأة نثق بها. نسوقها للشركة معانا-
أكلنا طعاماً طبخه هو ومختار علي من اللوبيا البيضاء والفرندو بالشرموط، اشترينا إنجيرا من بيت الأم، كان مختار علي دائماً ما يحتفظ بمخزون من الدليخ في قُطيته،
حضرت ألم قِشي، وصنعت لنا القهوة بالزنجبيل والهبهان، ذهبنا الثلاثة إلى مقر الشركة جوار زريبة المحاصيل، حيث وجدنا العمال مجتهدين في بناء المؤسسة، لكننا استطعنا أن نلتقي بالمدير، وكان رجلاً قصيراً نحيفاً مبتسماً قليل الكلام مرحاباً مضيافاً أنيقاً، بعينيه حول يسير، لكي تعمل معنا، امرأة نظيفة تحمل عبء بطوننا-
و أكد أن العمل قد يعزلهم عن المجتمع
. لولا وجودكم أنتم في الحلة، ما عارف كان نحنا نعمل شنو-
ولكني أحسست بمسحة غبشاء من الإحباط تعتري وجهه وهو يرحب بألم قِشي ويكيل لنا ولها الشكر، قالت ألم قِشي فيما بعد:
. كانوا عايزين بت صغيرة في العمر، على الأقل أجمل وأخف مني-
أضافت
. حيقتنعوا إنُهُ أنا أجمل مرا في الدنيا-
قلت لصديقي:
- ربما كان صاحبك عايز ملكة جمال في مكان في طرف الدنيا تحيط به الغابات والخيران الموسمية ومن سكانه الأصليين القرود، هذا المكان البعيد، الأرض المهمشة النشأت أصلاً من المطاريد.
تركنا ألم قِشي هناك ترتب أمر وظيفتها الجديدة وعدنا أدراجنا إلى السوق.
الساعة تشير إلى منتصف النهار، عُمّال البنك يعملون بجد ونشاط، سيدرك البنك الموسم الزراعي القادم، ويُشاع أن هذا البنك سيغير خارطة الثروة والسُلطة وعلاقات الإنتاج في المنطقة لمصلحة محدودي الدخل، صغار المزارعين والفقراء، وسوف يقدم قروضاً وسلفيات إسلامية غير ربوية لكل منتج ومزارع، وقد اجتهد البعض مفسرين كلمة منتج، بأنه سوف لا ينسى أحداً ويشمل ذلك فيما يشمل الاندايات الكبيرة، تجار الشنطة وبائعات عرقي البلح والفحامة، وفكر ود أمونة في بَارٍ صَغِيرٍ على شاطئ النهر، كذلك الذي يوجد على الضفة الشرقية من نهر سيتيت بالحُمرة، مطلاً على قرية همدائييت، يرتاده أصحاب المزاج والملاماتية ما بعد منتصف النهار، حيث يعبرون النهر سباحة، بالرغم من أنه يوجد داخل حدود دولة أخرى وهي أثيوبيا إلا أنه ليس لأحدهم جواز أو بطاقة ولا حتى ورقة تحمل اسمه، من جهة أخرى فإن السُلطات الأثيوبية لا تسأل عن شئ، سوف يُنشئ ود أمونة بَاراً يستقطب هؤلاء الفارين إلي الكيف العابرين الأنهار وسوف لا يضطرون الى المخاطرة بحياتهم غرقاً.
ويبدو أن فكرة التمويل لم تكن إشاعة، ولكن المحاضر الذي أوفده البنك يوم جمعة لا يُنسى قال كل ذلك، أو لم يقله، ولكن المؤكد أنه تحدث باستفاضة عن السَلَم، المرابحة والمشاركة، وأصّل لذلك بآيات وأحاديث وخطب وشهادات فقهاء وفتاوى وذكر فيما ذكر اسم عالم غامض لم يسمع به أحد في القرية وهو القرضاوي ربما إشتق إسمه من قرض: من يدري. لم يفهم العامة الشئ القليل من خطبته العصماء، ولكنهم فهموا المهم والذي يخصهم وهو:
أن هناك قروضاً للجميع بدون فرز، وحق للجميع، بدون ربا،على سُنة الله ورسوله.
كل هذا تفوه به الخطيب، ولم يجتهد الناس كثيراً في التأويل، وعلى بركة ذلك بادرت المحلية بتخصيص قطعة أرض مجانية للبنك لكي يُنشأ عليها، وسُمح باستخدام وابور المحلية لنقل الحجارة والرملة السفاية والطوب الأحمر بسعر رمزي يغطي تكلفة العمالة، وتحصل إداريو البنك المشرفون على إنشائه على وقود وكهرباء وإمداد مائي مجاناً ولوجه الله وحده ولأجل خاطر التنمية وابتغاء رفعة البلد، وللحاق بركب هذا العطاء المجاني سعى المقاول الذي يعمل بالتشييد بأن يحصل على عمالة مجانية للبناء من الجيش،طالما يجلس العساكر هنالك في ثكناتهم دون عمل، يلعبون الورق و الضالة، ينتظرون حروباً لن تقع في القريب العاجل، ولكن لسوء حظه أن قائد الحامية في ذلك الوقت كان جندياً يمتلك رأساً يُسمى في الخفاء: ناشفاً، لم يسعفه في تفهم التنمية والتطور ودور البنك العظيم المنتظر، فرد إليه طلبه مشفوعاً بتهديد شفاهي:
- احذروا و احذزوا و احذروا، الجيش دا قايلنوا شركة عَلى الله؟
سِوى هذا الصد الواضح، لم يجد البنك أية صُعوبة في الحصول على أي تسهيل ومباركة، بل أن مُعظم الناس كانوا يحسون بأن لهم واجباً ما تجاهه ولا يتأخرون في مدّ يد العون متى ما طُلب منهم ذلك، كان البنك بمثابة: مهدي المكان المنتظر. شربنا كركدي عند عزيزة الزغاوية، كان يجلس قربنا أثنان من السماسرة يتحسران لأجل سعر السمسم المنخفض في هذا الموسم مع أن الإنتاج شحيح، يتعجبان، لأنهما يريان أن انخفاض إنتاجية السمسم تؤدي مباشرة إلى ارتفاع سعره، هذا ما تعلماه من التجربة، الشئ الذي لم يحدث هذه الأيام.
. دا آخر أسبوع لحصاد السمسم، تاني ما تبقى الحته-
ولكن كان أحدهما متفائلاً بعض الشئ، لأن شركة السمسم حتى الآن لم تدخل السوق لشراء متطلباتها السنوية من السمسم لأجل التصدير
. حيرتفع.... حيرتفع أكثر من السنة الفاتت-
وهنا تدخل صديقي قائلاً
. السبب إنتاج الفول... الفول السوداني.... وبرضو عباد الشمس-
ودون أن يستأذنهما طرح من رأسه سيلاً من الأرقام مدهشة عن إنتاج الفول السوداني وعباد الشمس في هذا الموسم، ثم تحدث عن سعر رطل الزيت من الاثنين.. إنه ينخفض، وسوف ينخفض أكثر، وربط ذلك بالمستخدم من السمسم في زيت الطعام والحلوى وكيف أن الفول السوداني الرخيص حلّ محله وزيت عباد الشمس النقي الصحي منخفض الثمن المفضل لدى المصدرين أصبح إنتاجه ضخماً، ثم أسهب في الحديث عما أسماه بـ مستقبل إنتاج السمسم في السودان، هل سيصبح مثل مستقبل إنتاج القطن والصمغ العربي؟!
نظرا إليه باستغراب، سأله أحدهما بعفوية
إنت في الأمن؟ مما جعلنا جميعاً نضحك في وقت واحد.-
قال له صديقي:
. لا، أنا من القضارف-
قال الرجل هو يحملق في وجه صديقي
-نعم... عارف... إنت الزول العندك حكاية مع الصافية؟ لكن إنت شغال شنو؟
قال له صديقي وقد ظهر عليه بعض الغضب
. البلد دي غير القوالات والإشاعات ما فيها شي.. بلد نكد-
قال الآخر محاولاً الخروج من موضوع الصراع
. كدي أحسن نشوف موضوع السمسم-
وقطع الحوار صوت أبواق سيارات ونهيق ونباح بربارات ولاندروفرات مختلط بزغاريد نساء وصبايا، غناء وجلبة، ثم عمّ المكان الغبار المختلق من رفس إطارات السيارات على الأرض، قالت عزيزة الزغاوية مستنكرة
. دا زمن عرس؟؟ لسع الحصاد ما انتهى-
قال أحد السماسرة مقرراً أمراً قد يبدو معروفاً للجميع
-العريس دا قايلاه منو؟! دا محمد عوض، سوّاق باربارة البرناوي، ديل بيعرسوا في أي وقت.. طالما الخريف انتهى وانفتحت الشوراع، دي مرتو التالتة.

السيرة مكونة من عشرين باربارا، خمسة لاندروفرات، بص همدائييت وبص الشُواك، لوري الحفيرة، تراكتور بمقطورة يتبع لأحد التجار من زهانة، المغني المتفرد ود أمونة، يصدح بصوت نسائي عليه بحة خفيفة ربما نتيجة للسهر وتعليم العروس وشرب القهوة الكثير في بيت العرس، حيث لا تنطفئ نار القهوة لما يزيد عن الأسبوع، يتبعه كورس من الصبيات والنساء في حماس وإثارة.
علّق أحد السماسرة في ضيق
؟ الله يسخته... ما بتعرفو، مرا ولا راجل-
ضحكت عزيزة قائلة
. دا ود أمونة وبس.. هو كدا-
قال السمسار الآخر
. دا زول مُخنث ما نافع... والله لو ولدي كنت حأكتلو عديل كدا-
قالت عزيزة:
. مالك ومال الزول دا ربنا الخلقُهُ عايزو كدا-
ثم أضافت
-إنتو عارفين إتزوج منو؟
قلت:
. لا، بالتأكيد-
قالت:
. إتزوج زينب بت أبرهيت الفلاشاوي-
قلت مندهشا:ً
. الفلاشاوي... يعني من الفلاشا-
قال أحد السماسرة:
-أيوا.. وقالوا الفلاشا ديل يهود، همْ ذاتهم الباعهم جعفر نميري لإسرائيل، مُش كدا؟
قال جملته الأخيرة موجهاً كلامه إلى صديقي
قلت:
-ولكن هنا في فلاشا؟
قال السمسار:
. أسرة واحدة، هي أسرة أبرهيت ولدو إسحق-
قالت عزيزة:
. ولكن أبرهيت دا مسلم، قاعد يمشي صلاة الجمعة، كل الناس شافوه-
قال أحد السماسرة بثقة العالم العارف:
. اليهود ديل فيهم المُسلم وفيهم الكافر، زيهم زي الجن، فيهم المُسلم وفيهم الكافر-
ثم أضاف:
وفي مسلمين يهود عديل كدا، وديل الما بيصلوا ولا بيصوموا ويأكلوا الربا ومال اليتيم، ديل شُنو، مُش يهود؟ ثم أضاف فيما يعني أنه لو وجد أي إسرائيلي أو دولة تشتري منه الفلاشا، لباع لها أبرهيت وأسرته جميعاً ليغنى للأبد، ديل بيعهم مُش حلال؟! ربنا ذاته ما حرّم بيع العبيد، سيبك من الفلاشا.... مُش كدا؟
أومأت برأسي أن نعم، وكنت أعني بيني وبين نفسي أني: امتنع.
همس صاحبي في أذني، الذي كان يتتبع النقاش بانتباه كبير
-لازم نزور أسرة أبرهيت دي، أنا أتمنى أشوف وأحاور يهودي، فلاشا ولا أشكناز ولا سفرديم ولا أي يهودي تاني، حتى لو كانوا بَني قُريظة أو بني النَضير.
قلت له:
-أنا مُشْ حأمشي معاك، كِفاية العملية العملتها في الكنيسة الأسبوع الماضي مع الأم مَرَيَم كُوِدي راعية الكنيسة.
قال مُحتجاً وقد علا صوته فجأة:
-عملتها أنا ولا عملتها هي، أنا كنت عايز أقيم معاها حوار موضوعي عن الأديان، وقصدي شريف جداً، ولكن الأم مريم ما فهمتني واعتبرتني مُخرِّب، هي عايزة تتحاور معاي كمسلم عربي وأنا عايز أتحاور معاها كإنسان يتبنى كل التُراث الروحي للبشرية بما فيه الدين المسيحي نفسه، وكما تكلم زرادشت للفيلسوف نيتشه وكتاب الطبقات لود ضيف الله،غيرها من السرديات الكُبرى و الصغرى، قلت له.
. إنت طريقتك في تناول المواضيع هي المشكلة وليست نواياك-
وخوفاً من أن يُقال إني تركته في محنة جديدة وحده ذهبت معه.
الذهاب إلى بيت أبرهيت لم يكن صعباً، فالبيت كان متاخماً للسوق، وأبرهيت نفسه معروف ومشهور كما أن الذهاب إلى منزل فيه مناسبة عُرس كان أسهل الأشياء هنا، ونحن نطرق الباب، طلبت منا الصبايا وبعض النساء أن ندخل مباشرة، ومافي داعي لدق الباب، الشئ الذي أدهشهن، ونحن نرفض الدخول دون إعلان، فإذا بأبرهيت يأتي مبتسماً، طويلاً يلبس بنطلوناً وقميصاً نظيفين وربما جديدين، وبلكنة أمهراوية سَلّم علينا وهو يسحبنا إلى داخل ديوانه، ونادى بصوت خفيض لإبنته التي جاءت وفي يدها الماء والحلوى والأمبابا والابتسامة الساحرة تحلق في فمها الصغير الحلو.
انحنت الصبية العشرينية أمام كل واحد مِنا، وهي تصب الماء من وعاء زجاجي أزرق في أكواب عليها علم وأسد أثيوبيا الشهيرين: همس صديقي في أذني قائلاً في إثارة واضحة وانفعال باللغة الإنجليزية.
أسد صهيون. The Lion of Zion-
تجاهلت همسه حتى لا ألفت الانتباه، رحّب بنا مرة أخرى، فباركنا له زواج ابنته زينب من محمد عوض كاجوك سائق البربارا، وتمنينا لهما بيت المَال والعِيال وسترة الحال، قال
. الجبنة جاهزة، والفطور برضو جاهز-
اعتذرنا بأننا شربنا الجبنة مع عزيزة الزغاوية وفطرنا في المنزل، ثم دخل صديقي إلى الموضوع مباشرة ودون مقدمات وبوضوح تام عُرف به وتهور.
في الحقيقة أنا أُعْجِبتْ بالطريقة الذكية البليغة التي حسم بها أبرهيت الموضوع، في هدوء ورباطة جأش، وكأنه كان يعد الإجابة منذ أن وُلد قبل خمسة وخمسين عاماً خلت،و أنه أجرى عليها تجارباً كثيرة واختبارات صحة وخطأ في شتى أصناف البشر وأحوالهم، وربما الحيوانات والجن أيضاً للتأكد من مدى صلاحيتها، قبل أن يتبناها أخيراً كإجابة نموذجية تصلح رداً شافياً كافياً لكل المتطفلين والمتحشرين والمتسكعين الكسالى، الذين لا همّ لديهم سوى البحث عن الغوامض، مثيري الأسئلة، المتشككين، ضعيفي الإيمان، والمتطرفين من الناس والجن وهوام الأرض كافة:
قال بصوت واضح، بينما كانت عربات السيرة تدور في الخارج، وصوت ود أمونة يصدح بأغنيات بنات رائعات محفزات للرقص، وابنته العشرينية تضع مزيداً من الأمبابا على وعاء الحلوى وهي تتفحصنا بركن قصي من عينيها الكبيرتين، وتنصرف لتستقبل السيرة في الخارج:
. أنا مسلم-
تفحص وجهينا وابتسم ابتسامة بُنيّة قبل أن يواصل كلامه.
أنا مسلم، مسح وجهه براحة كفيه، قبل أن يضيف في حدّة،
وأشهد أن لا إله إلا الله،
وأن محمداً رسول الله
وأقيم الصلاة،
وآتي الزكاة،
وأصوم رمضان
وأحجُ البيتَ إذا استطعتُ إليه سبيلاً.
ثم أضاف في برود كالصقيع، بينما هو يحاول الاحتفاظ بابتسامة دائمة لئيمة:
- يلا مع السلامة، وقولوا لمدير الأمن أبرهيت ولدو اسحق يَسّلمْ عليك
وبذلك قال لي صديقي فيما بعد أكد أنه يهودي، ويهودي متطرف.
ونحن نخرج من الباب معتذرين خائبين، وناكرين لصلتنا بالأمن، إذا بابنته العِشرينية الجميلة على الباب مباشرة،كانت تصتنت للحوار الذي دار بين صديقي ووالدها، الحوار القصير جداً، حيث إن صاحبي سأله: هل أنتَ من يَهود الفِلاشا حقاً؟
كَانَتْ جَمِيلةٌ،فِي فِستَانِهَا الأبَيَضِ العَشَائِري، وَبِلِسَانِهَا الذي أَخْرَجَتَهُ إلينَا، فِي حَركَةٍ لإغاظتِنَا، بقعٌ صَغِيرةٌ سَودَاءَ، وَرَائِحَةُ حَلَوَى كَرَميَلا.















قَطْعَ الرَحَطْ
والدُخْلَةَ

جلس أمامي في بنبر كبير ود أمونة، كانت عيناه تشعان بهجة وغموضاً ويبدو أنه يود أن يقول كلاماً مهماً ولكنه يحتاج لمفتاح ما، وأعطيته إياه عندما سألته
- في شنو؟
قال وقد مد ساقيه النظيفتين وهما يلمعان في ضوء المصباح
-إنت عَارِفْ أنا طالبك كم؟
قلت له مشجعاً إياه على الكلام.
- كَمْ؟
قال وهو يستخدم أصابع يديه في الحساب بطريقة طفولية ويحرك عينيه في غواية نسوانية.
- ثلاثة جنيه ونص دي حطب الدُخان والطلح، سَمِحْ؟! سبعة جنيه ونص دي، حق الدلكة اشتريتا من أدّي، سَمِحْ؟! خمستاشر جنيه بتاعة الصابون و كلونيا الحمام،خمسة جنيه دا حق شُغُل الدلكة الأنا دلكتها ليها، حَقْ يديني ديل، ومد يديه بطريقة بناتية لا تخلو من غنج، خمسة جنيه دي، حقت شيل الجسم والله شلت ليها أي شعرة في جسمها خليتها تلمع زي القمر، وحتشوف براك، والجنيهين ديل بتاعة صُبَاع أمير، سَمِحْ؟
قلت مندهشاً
- صُباع أمير بتاع شُنُو ؟
قال وهو يضحك باستمتاع خاص
. حتلاقيه قدام، وحيعجبك-
قلت:
- إذن الحساب كُلهُ كم؟
قال مبتسماً:
- خمسين جِنِيهْ و بس، سَمِحْ؟
أعطيته ستينَ جُنيها، أعد بسرعة البرق الشيشة، طلب مني أن يدلك جسمي بالدلكة مجاناً، أو ينظف ملايني فاعتذرت بأدب، قام بتغيير الملاءات وأحضر لبناً وحساءً وعصير كركدي، أعد أدوات صُنع القهوة، أحضر مسجلاً كبيراً بسماعتين خارجتين، فعل كل ذلك بسرعة، بهدوء، بإتقان وحرفية قبل أن يقول لي:
. الحمام جاهز، الموية دافية، أخير تلحقها قبل ما تبرد-
ناولني بشكيراً جديداً، فرشة أسنان وصابون لوكس ومضى أمامي يُرَقِص ردفين كبيرين،
كان الحمام عبارة عن بِنَاية صغيرة من القَشْ، القنا وأعمدة أشجار السُنط، لا سقف له، بأرضيته حوض كبير من الأسمنت وبنبر من البلاستيك وجردل به ماء ساخن، بابه من الزنك يتم ربطه عند الدخول بحبل قصير على عمود من حطب السُنط، يوجد فانوس يعمل بالجاز يقبع في ركن بَعيدٍ عن مرمى الماء، بوعاء بلاستيكي صغير يسبح على سطح ماء الجردل أخذت استحم، أنا في العادة أطيل البقاء في الحمام، أغسل جسدي جيداً، مرات عديدة وألعب بما تبقى من ماء، أحب الماء، وعندما يكون دافئاً أحبه أكثر، اليوم كان دافئاً ومعطراً وساحراً، أحسستُ بفرح عظيم يغمرني عظيم يغمرني تجاه ود أمونة، ألم قِشي، بيت الأم، المكان... المكان كله. بعد أن غسلت جسدي جيداً، تجففت بالبشكير الأبيض الكبير الذي تفوح منه رائحة الصندل، ومضيت نحو القطية، وجدت القُطية غارقة في دخان الكَبَريتْ، تقف في منتصفها ألم قِشي التي لم أستطع تمييزها في بادئ الأمر، حيث كانت مغطاة تماماً بثوب القرمصيص، ولولا أنني شاهدت ود أمونة يقف أمامها مباشرة، لظننت أن الذي يلتف بالقرمصيص هو ود أمونة نفسه، وبمجرد دخولي، ضغط ود أمونة على المُسجل الكبير ليغرد فنان بناتي على إيقاع سريع راقص :
اللولْ
اللولْ
لولْ لِيّ
بسْحَرُوكْ يَا لُولَة الحبشية.
لولية إنت ما صعبة، في الخرطوم أنا مُغْتَربة، أنا بَحِبْ كسلا وأديس أببا.
وأخذت ألم قِشي تهتز مع النغمات والإيقاع، كفيها في وجهها، قال ود أمونة وهو يأخذ بيدي، يقودني نحو ألم قِشي
. تعال أقطع الرحط، وافتح وش عروستك-
دون أن أقول شيئاً مشيت مثل المنوم مغنطيسياً نحو ألم قِشي وأدخلت يدي بين ملابسها وفي وسطها وجدت حبلاً رقيقاً من السعف، قمت بقطعه وألقيت به في الأرض، التقطه ود أمونة وأخذ يلوّح به في الهواء و يزغرد مسروراً، وهو يجتهد ليجعل صوته منخفضاً بقدر الإمكان: أيوي.. أيوي..
وانطلقت ألم قِشي ترقص وهي تهز ردفيها وصدرها ويديها ورأسها، قدميها وساقيها وكل ذرة في جسدها، مما جعل القرمصيص الناعم يسقط من جسمها على الأرض، وتبدو واضحة أمامي، كانت ترتدي فستاناً قصيراً جداً بحمالتين عبارة عن قطعتين رقيقتين من القماش تمران على كتفها وظهرها، فستانها الأسود، المشغول بخيط ذهبي يشع ضوءاً وعيداً، رائحتها تملأ المكان عبقاً جميلاً، كانت تبدو مثل عروسٍ في خمسينيات القرن الماضي، تلبس في عُري ساحر، كنت أقف مندهشاً أنظر إليها وهي ترقص، ود أمونة يساعدها على الإداء بالتصفيق والزغاريد. قال لي ود أمونة بعد أن أكملت ألم قِشي رقصتها.
. مبروك يا عريس، الليلة يوم دُخْلتَك-
أوقف زر تشغيل المسجل، بدا لي غير راضٍ تماماً عن أدائي، لاحظتُ ذلك من حركة شفتيه، وما قامت به عيناه من مسح كامل شامل لهيئتي، وخرج. كل شئ مرّ كالحلم تماماً، لاحظت ألم قِشي أنني لا أبدو في كامل وعيي، لأنها أخذت تلاحقني بسؤال عن حالي بإلحاح كبير، بقلق أجلستني على السرير الكبير الذي أعده ود أمونة بإتقانه المعهود. وسألتني ما إنْ كنت أرغب في شرب القهوة، وقبل أن أجيب : لأ.
طوّقَتْ نصفي الأعلى بساعديها، غمرني عطر نسائي بلدي قوي مُنعش، مما جعلني أفيق فجأة، كانت تجربتي مع النساء قليلة، وكل ما عرفته عنهن في الواقع كان عن طريق ألم قِشي نفسها، في المرة السابقة، لكنني أحسستُ الآن عليّ أن ابدأ من جديد، وعاودني الخوف القديم من العجز، الحق يُقال، خفت من ألم قِشي وتمنيت أن يبقى ود أمونة، إنه شخص مرح ولو أنه عملي أكثر مما هو إنساني، إلا أنني كنت دائماً أحس معه بالطمأنينة على الأقل لأنني لا أتوقع منه أن يختبر مقدرتي الجنسية، إنه غريب وغامض ولكنه مؤنس وأشعر بأمان قربه.
قلت لها:
. أعملي لينا جبنة-
قالت:
. كويس-
نهضت من قربي، قالت لي
. قوم-
وأخذتني من يدي، قالت بصوت هادئ وقد جعلتني أقف في مواجهتها
-إنت خايف... مُش كدا؟
قلت مكابراً
-من شنو؟
قالت وهي تطوقني بساعديها من خصري غير مبالية بسؤالي
؟ من عروستك-
قلت وقد أحسستُ بأنني حُوصِرتْ
. بس-
قالت مقاطعة
عشان نحن عملنا ليك عرس؟ قلنا عايزنك تنبسط، وإنت....-
قلت لها مقاطعاً
. أنا مبسُوط-
قالت وهي تضع رأسها على صدري
. تعال ننوم سوا بعدين نعمل الجبنة، إنت مُش نَعسَان تعال أنومك-
أخذت البشكير من على كتفي ورمت به بعيداً على بنبر في أقصى القُطية، اطفأت النور. سألتني سؤالاً مباغتاً وهي تتحسس جسدي
-صاحبك وين؟
قلت لها:
. مع مختار علي-
سألتني
-لسع ما عايز يسيب الصافية؟
قلت لها:
. زول راسه قوي-
قالت لي وأظافرها تغوص في شعري
- وإنت، راسك كيف؟
ضحكنا، قالت:
-أنا بحب الراجل البيتجرس، وإنت واحد منهم.. عارف نفسك؟
قلت لها وأنا أدفن أنفي تحت ضفائر شعرها ما فوق أذنها
. أشرحي لي أكتر-
-عندنا هنا الرجال في الحلة دي بيتعاملوا مع النسوان زي ما بيتعاملوا مع السمسم. أمسك، أقطع، أجدع.. ولكن إنت راجل جرسة، بتصرخ.
ضحكنا قبلتها، ذابت في فمي مثل عجينة من الزبد والحلوى.
استيقظنا في الصباح الباكر على صوت ود أمونة منادياً ألم قِشي، فتحنا أعيننا في لحظة واحدة، كان يقف أمام السرير حيث إننا تركنا الباب مفتوحاً، كان يرتدي جلباباً أبيض نظيفاَ، وجهه حليق، شاربه كث في نظام ودقة، كان فرحاً ونشطاً وطليق اللسان كعادته، بارك لنا الدُخلة التي كانت من إنجازه، بل أحد أعماله الفنية، حيث إنه كان منتعشاً ونشوان، عرفت فيما بعد أن ود أمونة قد يصل إلى ذروة اللذة إذا أنجز عملاً بصورة يعتبرها كاملة، مهمته الأساسية هي أن يجمع امرأةً برجل وأن يستمتعا، خاطبنا قائلاً
- موية الحمام حتبرد، مُش عايزين تستحموا، أنا ما حأجيب ليكم شاي ولا فطور إلا بعد أشوفكم مستحميين نظاف وظراف زيي كدا، واستعرض ملابسه ووجهه، قالت له ألم قِشي بصوت ناعس وهي تتحرر من الغطاء برفسات متتاليات
خلاص، زح شوّية ألبس ملابسي.-
فادعى ود أمونة الإنشغال بترتيب بعض الأشياء بالقطية، فلبسنا ملابسنا وخرجت ألم قِشي خلفي نحو الحمام، تحمل بشكيراً كبيراً، الحمام خلف الراكوبة، ما يقل عن عشرة أمتار من القطية، دخلت خلفي وهذا ما لم أكن اتوقعه، ساعدتني في خلع جُلبابي، خلعت ملابسها بسرعة رهيبة، أشارت إليّ أن أجلس على البنبر، سألتني ما إذا كانت هناك امرأة حممتني من قبل؟ قلت لها أمي فقط، قالت إنها كانت تتوقع ذلك، عملت الليف في ظهري وأرجلي وفخذيّ وذراعيّ، شعر صدري الكثيف منعها من استخدام الليف فاستعاضت عنه بكفيها الناعمتين، كانت تغني بالأمهرا بصوت خفيض حِلو، قالت لي وهي تشير إلى مكان حساس في جسدي.
. حأكلم ود أمونة يحلق ليك-
فزعت من الفِكرة، ولكنها أكدت لي أن ود أمونة خبير في حلاقة هذه الأمكنة وهو حلاق قائد المنطقة العسكرية وعميد الشرطة أيضاً، وذكرت غيرهما كُثر، قلت لها أنا لا أحب أحداً غيري أن يقترب من تلك الأمكنة، ضحكت، كان الصباح رائقاً وهادئاً، المكان يخلو تماماً من أصوات الجنقو المعتادة، حيث إنهم لم يعودوا من المشاريع، كان صوت الأم تحكي شيئاً لود أمونة يبدو واضحاً وجلياً، بعض أسراب الطيور تذهب في جماعات نحو الشرق، تمتلك ألم قِشي جسداً أنثوياً مثيراً واعتبره بالرغم من خبرتي الفقيرة في النساء، جسداً مثالياً حيث إن النساء اللائي أحب النظر إليهن كثيراً ويثرن إعجابي، هن اللائي لهن أفخاذاً كبيرة، وأردافاً عريضة وألم قِشي بالرغم من نحافتها كانت واحدة منهن، قالت لي وأنا أحدث نفسي عنها في صمت.
أُمبَارِح كان يوم كويس ولا لا؟-
. كان أجمل يوم في حياتي، إنت رهيبة-
ابتسمت عن رضاء، ولم تقل شيئاً
في الحقيقة بعد هذا اليوم أصبحت مُحْترفاً في النساء، أو ظننت أني كذلك، ولكن ما يزال هنالك عيب فيّ، هل كل النساء يعرفن كيف يتعاملن مع الرجل الذي لا يعرف شيئاً عنهن؟! الرجل الذي دائماً ما يحسُ أنه عاجز عن ممارسة شئ ذي فائدة معهن، إذن.. هل بإمكاني أن أعرف امرأة غير ألم قِشي؟! أم أن خوف الفشل هو الذي سيبقيني سجين هذه المرأة العجيبة؟! قالت لي وأنا أحدث نفسي عنها في صمت: إنت راجل ما نافع.
















فَوائدُ مَا بَعد الحفل

تأقلمت ألم قِشي على الحياة الجديدة في سرعة فائقة، أحبت عملها ولو أن المبلغ الذي تتقاضاه مقابل القيام بإعداد الطعام وترتيب الميس لا يساوي نصف ما كانت تحصل عليه في العمل في بيت أدّي كفتاة مبيت، إلا أنها كانت كل مرة توجد لنفسها مصدراً آخر للدخل، مثلاً، طلبت من الموظفين ألا يأخذوا ملابسهم إلي الغسال، هي ستقوم بذلك وبصورة أفضل، لأنها سوف لا تخلط الملابس مع بعضها، ستغسل لكل فرد على حدة وذلك حتى لا يختلط عرق شخص مريض بشخص سليم، فتنتقل العدوى: وحتشوفوا الفرق.
ثم ابتكرت فكرة بيع الملابس والمصنوعات القطنية الحبشية المتميزة بالتقسيط المريح لعمال وموظفي الشركة وأصدقائهم، حتى يتمكنوا من أخذها إلى أسرهم عند عودتهم الشهرية إلى مدنهم، ومواطنهم الأصلية، ثم أخذت تبيع أشرطة الكاسيت الحبشية والزائيرية والأحزمة الجلدية الأصلية والجزم الإيطالية المهربة من أثيوبيا، ثم الجِنْ، البراندي، الأنشا، الكونياك، ثم الكوندوم والفياجرا وعقاقير فتح الشهية، ثم زاد دخلها بصورة ملحوظة عندما استضافت في بيتِ أدي، في خَميس بُنِي، كل العاملين في شركة الاتصالات وأصدقائهم من العاملين في تشييد البنك، ضباط المحلية، بعض قادة الجيش والشرطة، ثم نفراً من أعيان البلدة، وفرت لهم ما لذّ وطاب من شواء بالسمن والعسل، وشيشة معطون تمباكها بالاستيم، الذي يحل محل الماء كذلك، ثم فاجأتهم بالمغني العجوز آدم بلالة في صُحبة الأم كي كي ورفقة أجمل سبع بنات في الحي الشرقي، صفية إدريس، الملقبة بصفية ناسات، سنايت، وليس هناك أفضل من ساقي سنايت إذا رقصت، أميرة الدبابة وهي خِلاسية نجلاء ردفاء، مناهل سعيد، شهيرة بمناهل النوباوية، وهي فتاة تتصف بعنق طويل ناعم مصقول، أمها يمانية وأبوها من الحمس، أمونة بت خدوم.. وهي امرأة قدمت من مدينة القضارف مؤخراً في صحبة أمها الجنقوجوراية، ولكن لما تتصف به من جمال وفصاحة وثقافة أخذت موقعاً متميزاً بين نساء الحلة، ولا يمكن أن تنسى في مثل هذه الحفلة التاريخية، أستيرا كيداني بشير، وهي أيضاً من الذين قدموا حديثاً للحلة من الحُمرة، حيث إنها كانت تسكن فريق قرش، تماماً جوار شجرة الموت، وهي تعمل بارستا في البار الخارجي على شاطئ نهر سيتيت المقابل لهمدائييت، ولكنها اتهمت بقتل إحدى زميلاتها في العمل، فهربت إلى الحِلة، جميلة صريحة وواضحة، لا تتحدث اللغة العربية إلا بصعوبة، بوشاي شول، أبوها من الشُلك، أمها من
الحُمران، وهي مغنية لا تقوم لحفلة قائمة إذا لم يصدح فيها صوتها العذب، وقد قال فيها أحد صعاليك الحلة أغنية:

جَنَى البَابَايْ، إنتَ يا بُوشايْ
الحِلو زي مَنْقايْ، بَرِيدُو وَايْ..... وايْ... وأأيْ.

ولكي يكتمل الحفل كان لابد لود أمونة من أن يكون حاضراً، نظيفاً ظريفاً رشيقاً، تراه في كل مكان، لا ينجو أحدٌ من خدماته السريعة المتقنة، ولا من عطره القوي أو صوته الخفيض الهادئ. رقص، غنى، دوبى، مدح، وعقد صفقاتٍ سِرِيةًّ سَرِيعةً مع من شاء فيما يشاء، بدءاً بالخمور المستوردة انتهاءً بالبنيات وكل له سعره، الفتاة، العزباء، المتزوجة، الأرملة، المحافظة، الشرموطة، الجن الويسكي، الأحَجِبَة و التَمَائِمْ،المِحَايَة، الأنشا، البيرة، الكونياك وحتى عرقي البلح، المريسة، والعسلية مع خدمة توصيل الطلبات إلي الموقع، نسبة لما يتميز به الموظفون من عِفّة وتأفف وكثير من الخجل والحرص، يمنعهم من الحصول على الخدمات في مواقع إنتاجها، ولكن الله يخلي ود أمونة، حلال الكرب، لم يضايقه سوى طلب همس به أحدهم إليه في أذنه، وأكده بقرصة مباغتة في إليته، غمزة بعينه اليسرى وحركة لسان
. أنا عايزك إنت يا ود أمونة إنت في رُوحك دي يا ود أمونة-
قال لي ود أمونة فيما بعد، إنه أحسّ أن الدُنيا أظلمت في وجهه، بالرغم من أنه ليس هذا هو الطلب الأول الذي يقدم له في شأن نفسه، وليست هي القرصة الأولى، ولا الغمزة الأولى، ولا هي أول حركة لسان داعرة يُلوّح بها إليه، ولكن لا يدري لماذا أدهشه هذا أكثر، قال
. قلت ليهو تعال بُكرة في بيت أدّي هنا، تلقاني قاعد -
ولكنه لم يحضر، فسألت ود أمونة، ماذا كان سيفعل به إذا حضر، قال لي وهو يضحك، بطريقته الملتوية التي تجعله دائماً في موطن التشكك و الظن:
- بصراحة بصراحة.... الزُول دا عجبني، و الحمد لله انهُ ما جاء.
كان حفلاً جميلاً مرّ بهدوء،استمتع به الجميع، حضرناه مع غيرنا من مواطني المدينة، حيث أن من لم يدعَ رسمياً هنا، فهو مدعو عُرفياً وعن طريق العادة. خسرت ألم قِشي لإقامة هذا الحفل مالاً كثيراً، ولكن فوائد ما بعد الحفل كانت أجدى. قلت لألم قِشي ونحن في بيت الأم حيث اعتدنا أن نلتقي:
. تجارتك بقت كبيرة، وبقيتي غنية-
قالت مدعية البراءة
ناس المدينة يحبوا الملابس الحبشية.-
قلت بمكر
وتاني.-
قالت في مَكرٍ
. الأشرطة الحبشية والزائيرية-
قلت
- وتاني؟
قالت بتحدٍ
تقصد شنو؟-
قلت لها بوضوح
. البنات.. ما بيحبوا البنات؟-
قالت في بجاحة
-أنا وسيط، ما أكثر، وإنت عارف إنو أنا ما عندي ذنب، إنت ذاتك لو عايز واحدة حأجيبها ليك.
ولأول مرة في حياتي يصل بي الغيظ حد أن أتهور وأضربها في وجهها، إلي أن سقطت على الأرض، عندما نهضت، أخذتْ زجاجة جِنْ فارغة ورمتني بها، ولكني خفضت رأسي قليلاً، فانكسرت على الباب محدثة دوياً مرعباً، حضرت على إثره أدّي وود أمونة في لمح البصر، وحضر ما يمكن أن أسميه نِصْف سُكان الحي، أو جميع سكان الحي المستيقظين في تلك الساعة من الليل، هذا بالتأكيد كان من حسن حظي حيث إن ود أمونة وأدّي لم يستطيعا أن يرفعا ألم قِشي من على صدري أو يطلقا حنجرتي من كفيها القويتين، وصف لي ود أمونة فيما بعد حالتي بأنني: قرّبت أطلع الروح.
ولكن ألم قِشي قالت لي إنها ما كانت لتقتلني، ولكنها فقط كانت عايزة تهازر معاي شوية، ولكني على كل وعيتُ الدرس واعتبرت الحادثة أيضاً من فوائد ما بعد الحفل، اكتفى الناس بفض المشاجرة، لم يلمني أحدٌ، ولم يلمها أحدٌ، الملام في كل هذا هو الشيطان الرجيم، العنوا الشيطان، الناس هنا يفعلون المستحيل حتى لا يخسروا بعضهم، وتعجبهم اللمّة، فالناس بالناس والكل لرب العالمين.
- يا دوب ألم قِشي حتحبك بالجد بالجد، لأنها ضاقت إيدك، وعرفت إنك بتحبها لأنك بتغير عليها..... ثم سألني سؤالاً مباغتاً
إنت بتحبها يا ولد؟-
كنت مرهقاً، نمت، تركتهما يتحدثان عن بص همدائييت الذي نهبه الفالول بعد ظهر اليوم عند غابة زهانة، نمت يملأني العجب، كيف يصل الخبر عن البص الذي نُهِب في غابة زهانة بعد الحادثة بما لا يزيد عن نصف الساعة، والبص نفسه، كأسرع دابة في تلك البقاع، يحتاج إلى ساعة كاملة لكي يصل إلى هناك من الحلة؟! أليس صحيحاً أن الجن وحده هو المسؤول عن نقل الأخبار في هذه البلاد؟


































الجَنَقُوجُورَايْ
(في الدَرَتْ يَحَنِنْ وَفِي الخَريفْ يَجَنِنْ)

يوم الخميس هنا يوم عيد، يقضيه الجنقوجورا تحت شعار محفوظ ومعروف وهو:خميسك ولو تبيع قميصك، يهبطون إليه من المشاريع والتايات البعيدة والقريبة، عابرين مزارع الذرة والسمسم أو غابات الكتر والطلح الصغيرة المتفرقة بين هنا وهناك، مثيرين الرعب في الأرانب البرية والفئران والسحليات عن طريق دق أرجلهم الخشنة على الأرض الطينية السوداء، عن طريق أصواتهم التي تطلق أغنيات حصاد بائدة قديمة نشاز، في سماوات الفلوات الشاسعة، على ظهورهم القوقو متخماً بعروق الشجر ووصفات لعلاج مرض الصعيد ولدغات الثعابين والعقارب وحتى خادم العقرب الصغيرة السوداء المؤذية، وما استطاعوا جمعه من زينة إلي تلك اللحظة، وعندما يصفو لهم الجو أو يبلغ بهم التعب أشده يجلسون تحت شجرة لالوب أو طلحة رؤوم ويحكون عن أرباب العمل والنساء وحي قرش، وهم غالباً ما يتجنبون الحديث عن المال، هذا المخلوق الغريب اللّزج، الذي لا يستقر في جيب ولا كف ولا قوقو، الذي يأتي بالمريسة والعرقي، يأتي بالشيّة والمرس والكجيك وما لا يحلمون به من طعام، يأتي بالنساء في لمح البصر، الذي ـ ذاته ـ يعرف كيف يهين الرجال ويمرّغ أنوفهم في التراب، وينهي رحلة حياتهم بشجرة الموت في فريق قرش بالحُمرة. ولكنه في هذا الشهر، وطالما كان الجنقوجوراي في كامل صحته وفي تمام مقدرته على العمل ومواقعة النساء، فإن المال مهم لاكمال الزينة، وهي جزمة أديدس أو كموش،بنطلون جديد ويفضل الجينز البُوقِي بجيوب كبيرة وأحزمة،قميص أو قمصان جيدة، ذات ياقات كبيرة لها ألوان زاهية أو حارة، عطر البخور أو المنتخب،بطارية جديدة ماركة رأس النمر، الإنجليزية الأصلية، سويتر، منديل كبير مصنوع من القطن، علبة فازلين كبيرة تستخدم كحُقة للصعوط فيما بعد، مسجل كبير بسماعتين ملحقتين، والأجمل و الأكثر إثارة والذي يعطي وضعية اجتماعية أفضل للرجل هو ماركة سانيو بالذات أو انترناشونال المكتوبة بالفضي بارزة ما فوق علبة التشغيل، شنطة هاندباك كبيرة وهي ما يطلقون عليها تدليلاً: قُوقُو. نظارة شمسية سوداء اللون أو عاكسة للضوء، كبيرة تغطي نصف الوجه العلوي، تحب البنات رؤيتها هناك، ساعة يد كاسيو طالما لا توجد سيكو أصلية ولا ستيزن أو جوفيال، والبعض، وهم قلة يحتفظون بقلم بِك ونوتة صغيرة، وهما طالما يدُلان على معرفة بالكتابة والقراءة والثقافة، ويحددان موقع الشخص في منظومة العمل، حيث إنه غالباً ما يكون قد حُظي بوظيفة وكيل مشروع وهي غاية ما يحلم به الجنقوجوراي،وتلك هي فائدة العلم ودخول المدارس، ويستطيع أي جنقوجوراي مع بعض الاجتهاد أن يكمل زينته في فصل الدَرَتْ، في شهر ديسمبر هذا، ففي كل خميس يحاول العامل جهده أن يشتري بعضاً من هذه الأشياء وأن يستمتع فوق ذلك بخميس جيّد متميز يرفع من قدره وهو يحكيه في العودة، عند التاية وكنتوش اللقمة على النار، والأصدقاء التعابى يفترشون جوالات الخيش على الأرض، يطلقون عضلاتهم وأخيلتهم لسحرة الراحة يعبثون بها ما شاءوا، لا يميل الجنقوجوراي كثيراً للنساء، بل هم زاهدون في شأنهن، ولا يبطئون في إطلاق لقب هَوَانْ، على كل من فضّل مصاحبة النساء على معاقرة الخمر، المريسة هي المعشوقة النهارية الأمتع الأفضل، العرقي يشربونه بالليل حيث يبرد الجو وتتبخر سكرة المريسة، ويحتاج الذهن إلي مسكن يجعل العضلات المرهقة التعبة تسترخي وتنام، إنهم الآن في شهور الكسل،التي تبدأ منذ الخامس عشر من ديسمبر شهور ما بعد الحصاد، وهي عبارة عن استراحة محارب إجبارية، نزقة بليدة، مُرّة، طيعة، حلوة، شقية، مراوغة، تنبهنا لكل ذلك عندما أتى لمسامعنا الحوار الذي انسرق عبر صريف القصب من بيت خميسة النوباوية، بينها وأحد الجنقو، عرفنا أن اسمه عبدرامان.
. أنا غلطان يا أمي، سامحيني-
يا عبدرامان، إنتِ لسانِك حُلو، ولكن عملك شين زي الخرا.-
ثم دار حديث خفيض، فلم اتبينه، ولكن عندما طلب منها عبدرامان غرضه، كان الصوت واضحاً
- كويس، خلي قميصي الجديد دا معاكي، وأديني نُصِّيةْ واحدة، وبكرة لو ما جبت القروش ما تديني القميص.
ضحكت خميسة ضحكة مجلجلة
نفس حكاية المسجل... -
شربت خمسة شهور: عرقي، مريسة، عسلية، كاني مورو، بقنية لمّان شبعتِ تبْ، وبعدين جيت قلعت المسجل، لا قرش، ولا تعريفة، حتى البِتْ القُلت عايز تعرسها، غشيتيها، عروسي... عروسي، ولكن اليوم البدا الكديب، تاني عين تشوفك تنقد، إلا الليلة.. لمّان الدرت جاء وبقيت عاطل ما عندك شُغل.
قال في سرعة
البَتْ!! البَتْ يا أمي حَسِعْ نعرسيها، شوفي فكي علي الزغراد وين، حَسِعْ يشيل لينا الفاتحة.-قالت بصوت قوي وصارم
. منافقة ود أم تيظ -
وحَياة جِدِيْ بَرمبَجِيلْ!!. والله يا أمي ما نكضب، جَدْ جَدْ، وحَياة رأس أبوي جدْ جدْ -
أتى صوت رقيق من مكان قصي في بيت خميسة
- يا أمي أنا ما عايزاو... ما عايزاو... ما عايزاو... وتاني ما عايزاو. الجنقوجوراي يا أمي في الدَرَتْ يَحَنِنْ وَفِي الخَرِيفْ يَجَنِنْ.
قال عبدرامان ضاحكاً في انتشاء بيّن
. هييه كلتومة، أمسكي عليك لسانك، لمّن نعرسيك نوريك أدب المدايح-
دخل الحوار شخص آخر، تحدث عن بيت الحلال وحلف بالطلاق والحرام أن يأتي المأذون الآن ويتم العقد الآن، ويدخل عبدرامان على كلتومة: حَسِعْ دِيْ.
يأتي صوت كلتومة من عمق قصي في بيت خميسة النوباوية
. ما عايزاو.. ما عايزاو.. ما عايزاو-
يجيني لمّان يَفَلِسْ، إنت وين لمّان القروش في إيدك زي التُراب في موسم السِمسِمْ، إنت وين بعد قطع العيش؟ ما عايزاو.. ما عايزاو يا أمي... ما عايزاو.
قال بهدوء
- والله السنة دي معانا سنة كبيسة، أنا بعت فيها مُسجلي ونظارتي الإشتريتها من القضارف ويا دوب دا شهر!! شهر واحد دخل علينا، ما عارف يجي شهر ستة كِكيف؟
قالت خميسة النوباوية
. البِتْ قالت ما عايزاك-
- تسمعي كلام المرا، في مرا تابى الجواز، الشُخل الحلو دا بينأبى؟ ثم أضاف:
يا أمي خميسة كدي أدينا نُصِّيِةْ، نشربها على بال ما مُوسى ود محجوب يجيب الفكي الزغراد ويقرأ الفاتحة، ونَخُشْ على بِنيتك دي ونبقى لحم ودم.
. ما عايزاك، ما عايزاك. إن شاء الله نُصّك للكلاب-
أكدت أصوات أخرى على أهمية أن تَنَزّل الآن خميسة النوباوية نُصِّية إكراماً لزوج ابنتها المرتقب واحتفاءً بالمناسبة ومباركة للدُخلة العاجلة والخَمَرةُ ـ كما يقولون ـ زغاريت
السرير، أبشري يا كلتومة.
أكدت خميسة أنها لن تفعل، إذا أراد أن يتزوج من ابنتها عليه إحضار الرجال غداً بعد الظهر، وإحضار ماله.
- الرجال ساهلين يا أمي بخيتة، ولكن المال في دَرَتْ سُخُنْ زي دا، الله يعلم. ثم أضاف بصوت خفيض بعض الشيء وكأنه يحدث نفسه: أنا لو عندي مال كنت اشتريت النُصِّية شربتها ونمت مُرتاح البال، عزيز ومكرم، لا عرس ولا كلام فاضي، أنا حَسِعْ عايز أعرس ليه؟! مُش عشان ما عندي حَق النُصِّيةْ؟ قروش قُبّال مَا يَجِيْ موسم قَطْع القصب ولا أمْبَحَتَيْ ولا الفحم؟؟ والله إلا لو عندي جَان.. ولا شُنو يا جماعة؟
- ما عايزاو... يا أمي أنا ما عايزاو.. وتاني ما عايزاو.. جنقوجوراي مُفلس أنا دايره بيهُ شنو؟ وعايز كمان يعرسني عشان نُصِيَة؟ ما عايزاو ما عايزاو.
دار حوارٌ بعيدٌ عن مسامعنا وكانت تصلنا منه همسات مشوشة ما يشبه الطنين وحك الحناجر، يتخلله صوت كلتومة صارخة أو شاتمة، كانت ألفاظها المرّة الساخنة تتسلل عبر صريف القصب لتنتشر في المكان كله، تنخلط مع ثغاء السكارى، ووسوسة الوطاويط هرجلة الكلاب، وحوحة القطط وفحيح بعض الذين أووا لعناقريبهم يتجاسدون،وفجأة دوت الزغاريد شارخة ظلام الحي الشرقي الدامس، من وسط حُوش خميسة النوباوية. في الثواني الأولى، عرفت الحِلة كلها أن عبدرامان ود أبكر البلالاوي، قد تزوج كلتومة بت خميسة النوباوية، في تلك الثواني ذاتها علّق الناس أن عبدرامان يتزوج للمرة الرابعة في سنته الرابعة في الحِلة، وأنها لن تكون الأخيرة، إذا كان في العمر بقية، وأن كلتومة بت خميسة النوباوية قد تزوجت للمرة الرابعة كعذراء، حتى لا يسأل المأذون، ذات المأذون الذي عقد عليها في المرات السابقات، عن قسيمة الطلاق في كون أنها ثيب. وأكد الجميع للجميع، أن عبدرامان ود أبكر، سوف لا يخرج من هذه الزيجة: بأخوي وأخوك، سوف يحصل له ما حصل لأزواج كلتومة السابقين،أو أسوأ: واحد منهم في السجن إلي الآن، ثانيهم، مات مقتولاً في ذات البيت، ثالثهم، طَفَشَ لا أحد غير الله يعلم، أهو حي أم ميت. والسبب وراء ذلك أن خميسة لا ترضى الحقارة، وينتقم لها كُجور التِيرا عاجلاً وليس آجلاً. والجنقو حقارين. وعبد رامان يعرف، ولكن كما قال لنفسه: المَعَايِشْ جَبّارَة.
الناس هنا لا يتنبأون، ولكنهم يعرفون، يقرأون المستقبل دون لبس أو تشويش، بل يَروُنَه رؤية العين.



















وَصَتْنِي وَصِْيَتَا


الصافية، أصبحت مشروع حياته الآني، والآني هنا كلمة مهمة وذات دلالات غير محايدة، وسوف يغتاظ فعلياً إذا علم أنني استخدمها في هذا السياق، فهو متقلب المزاج، طائش، تطوف برأسه أفكار كثيرة وقد تكون متناقضة في ذات لحظة تولدها، ولكن الثابت أنه يتبناها ويشرع في تنفيذها مباشرة، تماماً كما يفعل طفل نزق في الحلم، أو فنان مجنون في لوحة، وهذا طبعه منذ أن تعرفت عليه في طفولتنا الأولى، وأعرف، طالما اختلق فكرة مشروع الصافية، فإنه سيصل إلى قاع الفكرة المظلم البارد وسيلقم من حصبائها المالحة، فما اعتبره تطفلاً يسميه هو مهام صعبة، وهذا ما يفرِّق ما بين شخصيتي وشخصيته وهو ليس اختلافاً في الدرجة كما يظن كثير من أصدقائنا المشتركين، فهو مشكل أخلاق وفهم للحياة، أنا أحب الآخرين، مع الاحتفاظ بمسافة وإن كانت متوترة بيننا، أما هو، فأول ما يفعله هو إلغاء هذه المسافة، لا يُوجد - حسب وجهة نظري ـ في الصافية ما يجذب رجل مدينة، شرب مفاهيم جمال عربية منتجة بدقة عبر المدرسة ومناهجها، عبر التلفزيون والراديو والجرائد، عبر الشارع والتربية الدينية وحتى مفهومات أسرية، وفي إمكانه، وبين يديه هذا الموديل، رهن إشارته، فهي خيارات متنوعة، سهلة وجاذبة في تناغم مع ذوق تنشّأ عليه، وهو أيضاً ليس مريضاً نفسياً، ولا رجلاً شهوانياً، وإن يكن أعرف بالنساء مني، ولكن دافعه الأكبر نحو الصافية كان دم المغامرة الساخن، الذي يغلي في عروقه فهو رجل لا يتحمل انغلاق اللغز إطلاقاً هذا ما أفهمه عنه،لذا لم أندهش عندما قال لي
. أنا عايز أحسم موضوع الصافية دا-
قلت له
سوف تموت .-
قال بثقة لا معنى لها
-أنا لن أموت مقتولاً، كلمتني قارئة فنجان وكف حلبية قابلتها في بورتسودان، أنا حأموت غرقاً وفي عمر كبير، ربما بين السبعين والثمانين.
كويس، هل قالت ليك حتغرق بكامل أعضاء جسمك وأطرافك عيونك مثلاً؟ -
ضحك وهو يغلق باب الشارع خلفه، ولكني تلمست في ضحكه خوفاً جيداً ومؤثراً، وقالت لي نفسي إنه سوق يلغي المغامرة. وهذا مؤكد: أنا العارف به.
كعادتها في الأيام الأخير أخذت ألم قِشي عندما ينتصف الليل، تغلبها الوحدة، حيث إن أدّي الأم خصصتها لي وحدي أو هي التي خصت نفسها بي، تأتي إليّ في منزل مختار علي، ونمضي معاً إلى بيت أدّي، طلبت مني ألم قِشي ولأول مرة أن أجعلها تحبل مني بطفلة، قالتها واضحة هكذا:
. أنا عَايزه كِدا!! عَايِزه بِتْ مِنّكْ!! بِتْ سَمَحَة تشبهك كِدَا-
راقت لي الفكرة، وشحنتني بحماس شبقي رهيب، سيطرت على لساني ومكامن اتخاذ القرار في عقلي وكأنما أنا صاحب الفكرة أو أنني كنت انتظر مبادرة ما منها في هذا الشأن بالذات، وحتى لا يُطلق على ابنتي بنت حرام، في مجتمع متخلف كمجتمع الحِلة هذا، قلت لها
خلاص، حأتزوجك .-
قالت في هدوء:
. طبعاً-
قلت لها:
. أمبارح اتزوج جنقوجوراي اسمه عبدرامان كلتومة بت خميسة-
قالت ضاحكة:
-عبدرامان حمّلها ثلاث مرات، كان ساكن معاهم في البيت، ياكل ويسكر ويصاحب بالدين. حيطة العوضة كلها شخوط. كان مصاحبها،
. أيوا، دا راجلها عديل، وهي بدونه ما بتقدر وهي تحبه زي عيونها
لكن عرسها أمبارح؟-
الجنقو ما بيعرسوا إلا لمّان يفلسوا، ويعرسوا النُسوان العندهم قروش .-
؟ وكلتومة دي عندها قروش-
-عندها قروش ودهب، أمها عندها شياطين وكُجور تجيب ليها أي حاجة عايزاها، عندها سُفلي كمان.
جاء ود أمونة في هالة من العطر في صحبة الفكي الزغراد وأدّي التي تلبس زي الحماسين القومي الأبيض الجميل، تحمل مذبة جميلة، حضر صديقي، مختار علي كان أبي ووكيلي، حضر نفر من الجيران والسكارى العابرين، تم عقد الزواج، باركنا الفكي علي وتمنى لنا ذرية خيّرة تزيد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، تبرعت لنا أدّي بسكن معها إلي ما شاء الله، أو أن نبني بيتاً خاصاً أيهما أقرب، تبرع ود أمونة بتجهيز ألم قِشي لي كلما أطلب منه ذلك ولكنه لم يفصح عما إذا كان ذلك مجانا أم نقداًً، وأقامت لي الجالية من موظفي الشركة والآخرين الذين جاءوا من المدن الأخرى أي الجالية، احتفالاً كبيراً، جاءوا بفنان من القضارف وكان له الفضل في إدخال أغنية:

وصتني وصيتا
قالت لي اترجل
خليك في الواقع
أصلو الفراق واقع
كان ترضى
كان تزعل

التي أخذ الناس فيما بعد يرددونها في حفلاتهم، حفظها ود أمونة عن ظهر قلب، غناها العجوز بـأم كيكي، بعد أن حوّر قليلاً في لحنها لتتماشى مع وترهِ الواحد وسلالمه الموسيقية العجيبة، في الحق هو الذي جعلها متاحة للجميع، ولجميع الأغراض، كأغنية سَيرة، وأغنية دلوكة، كأغنية كََلَش ودُمُك، كأغنية كيتا ونوّبة، كأغنية تُمْ تُمْ لترقيص العروس وقطع الرحط وحينما طلب منه كردفانيون حنوا فجأة لرمال بلدهم، غناها لهم بإيقاع المردوم، وغناها لعزابة من الشمالية يعملون في الطُلمبة بإيقاع الدليب، بالإضافة إلي أنه مكنها من أن تصبح أغنية الحمَّام المفضلة للجميع، ثم ظهر فستان وقميص وطريقة للبس التوب باسم وصتني وصيتا، بل سُميت بها طريقة لركوب الحمير، الشئ الوحيد الذي صعب على القرويين في الحلة هو ابتكار رقصة معينة محددة الملامح بهذا الاسم، وتم التاريخ لزواجنا بظهور هذه الأغنية في الشرق، وهذا ما اعتبرناه فألاً حسناَ، بالرغم من القصة الحزينة التي شِيِعَ أنها السبب في تأليف الأغنية، والمصير المأساوي الذي آل إليه الشاعر المسكين حيث إنه أصيب بالجنون بعد كتابة القصيدة مباشرة، ولم ينته الأمر هنا؛ بل أن الشاعر هام في فلوات الله الفسيحة وفي قرية على أطراف الخرطوم سقط في بئر مهجورة ومات شر ميتة، وليتها كانت هذه هي النهاية للمأساة ولكن حبيبته المسيحية الجنوبية الجميلة التي رفض والدها أن يزوجها له، عميت من البكاء، وشِيع أن أول قصيدة كتبها هذا الشاعر في حياته وآخر قصيدة هي وصتني وصيتا، ورغم ذلك، اعتبرنا ألم قِشي وأنا أن ارتباط زواجنا بهذه الأغنية فأل خير، لأن بها، في كلماتها جوامع وكنائس أجراس ومعابد وأهمها وجود المنجل، حيث إنه من الأشياء المشكورة في الحلم، هنا في الشرق.
في هذه الأيام تشكو النساء بأن:السُوق بارد. حيث تكسد المريسة وتبور وتضرّ بها سُخونة الجو، فتصبح حامضة وتفسد، يكسد عرقي البلح أيضاً، وقد يتوقفن عن صُنع العسلية إلا بالطلب، لأنها مكلفة وتفسد بسرعة، ويَقُل المال المتداول في الحلة، تنتعش روح المقايضة وتصبح مسؤولية كل ربة منزل هي أن تحافظ على تماسك أسرتها في هذا الفصل، الصيف، ما أمكن، فالمسألة مسألة حياة أو موت، والاعتماد على الرجل في هذا الموسم بالذات، ليس سِوى عملية تعجيل الطلاق أو إفساد هدوء المنزل، وقد يعرضها هي و أبناءَها للضرب.
كنت استمع باهتمام لألم قِشي، لقد أصبحنا من لحم ودم ونحن الآن مشغولان في إنجاب الطفلة، بنشاط وهمة وعمل دؤوب، وفيما يشبه استراحة المحارب، كنا نحتسي القهوة بالزنجبيل، كانت تحكي لي، بلكنتها الخفيفة المنعشة التي هي كرائحة البُنِ الحبشيِ التي هي كالصباح على شاطئ النهر، كتنهيدة حبشية تعشق، دعوني هنا امتدح الحبشيات قليلاً، دعوني أصف الهالة السوداء الساحرة حول أعينهن، هي ميزة تخص سكان الهضاب وحدهم،
دعوني أصف كتفها وهو يشبه كتفها وحسب، ربما، صُنِفتُ اليومَ من الرجال العِّنييَنين، وهم صنف من الرجال لا تفك طلاسم حزنه سوى امرأة ولكن أي النساء؟! تحررت من عنتي في ظل لمسات هذه الساحرة، في ظل صبر أناملها المجنونة الشبقة، في ظل ظليل من ذات صبرها، ذات معرفتها، ذات صُوفيتها، ذات جَنونها، ذات حِنكتها، سِكَتِها، ذات حبشيتها
ودعوني أقول: وأنا في هذا الجذب العنيف، دعوني أقدر أن النساء في الكون اثنتان إما حبشيات وإما أخريات، أما الحبشيات فحبشيات، أما الأخريات فشتى: فمنهن العاملات والعاطلات وذوات الجنسيات، اللاجئات، المغتربات، الجنقوجورايات، النحيفات، ذوات الأرداف، العالمات، المعلمات،النبيات، الطالبات، العاشقات، العشيقات، الطويلات، الجَدات، السكرانات، المحاميات، القاضيات، الصحفيات، ذوات الكعب العالي، الناكحات، العطشى، اللائي يضعن نظارات طبية سميكة، الناظرات، الضاحكات، اللائي يمشين كما يمشي الوَجي الوحِلُ، الراقصات، العاريات، اللابسات، الزانيات، العفيفات، الشريفات، النظيفات، التقيات، البائسات، الجائعات، الأمهات، الصديقات، الأخوات، البنات، الشاعرات، الكاتبات، اللات، السَامَاياَتْ.
كانت ألم قِشي تحكي لي، زوجتي وحبيبتي ألم قِشي، وهذا مقام ضد العِنّة، وتسألني عن خوف الرجال المميت من العِنّةْ؟
قال لي ود أمونة ذات مرة
. أنا حلمت كم مرة امرأة، وكنت فرحان جداً جداً-
ولكنني أنا أحب أن أكون رجلاً، رجلاً يضاجع النساء بقدرة وفعالية ويقذف في أرحامهن ويجعلهن يحبلن ويلدن، ولا أفهم كيف يرغب ود أمونة أن يكون امرأة، لأنه ببساطة، أن تكون امرأة يعني أن تتحمل الرجل وهذا أسوأ ما في الأمر، لعمري كيف يمكن تحمل مخلوق بهذه البجاحة والأنانية والعنطظة؟
قالت لي ألم قِشي إنها تزوجت من قبل، من رجل في همدائييت اسمه موسى حربة حربة، له أسرة تعمل في التهريب، إلا هو، فكان الجنقوجوراي الوحيد في الأسرة، كانا يسكنان الجِيرَةْ في بيت على شاطئ النهر مباشرة، ولأنه ليست هناك منازل للأثرياء وأخرى للفقراء، فكانا يسكنان كما يسكن الجميع، قطية كبيرة، أمامها راكوبة من القش والعدار، لها سور من أشواك الكتر وقصب الذرة، كانت تعمل في الصيف مثل كثيرٍ من النساء في صناعة الخمور البلدية، وفي كل ثلاثاء تصنع برميلاً من المريسة. هو لا يفعل شيئاً سوى لعب الكوتشينة تحت الأشجار الظليلة مع العساكر، أو، أحياناً يذهب في رحلة القنيص لصيد الأرانب، الحَلُوٌفْ، القرود والأصلات في غابة زهانة، مرّة مرّة يذهب لسوق الكترة شارياً أو بائعاً، اعترفت لي أنها أنجبت له بنتين، هما الآن مع أسرته في همدائييت، بنتان جميلتان تدرسان بالمدرسة الابتدائية، الكبرى في الصف السابع والصغرى في الصف الخامس، طلّقها في صيف ساخن جاف مغبر قبل ثلاثة أعوام، لا لسبب واضح سوى أنها قالت له:
-أبقى زي الرجال، خلي الكسل واشتغل في الجيش أو التهريب.
فأخذ البنتين إلي أبيه الثري بهمدائييت، عندما عاد، أقام مع امرأة مطلقة في حي السوق، ولكنه انتظم في زيارتها، مرتين في الأسبوع على الأقل عند منتصف الليل، مدعياً أن له حقاً فيها طالما لم تتزوج إلى الآن، ومن حقه أن يعيدها إلى عصمته وقتما شاء وأن يضاجعها وقتما أراد، طالما لم يُعطِها قسيمتها بعد، فهو شرعاً زوجها، وأكد لها:
. اليوم الألقى راجل معاك حأكتله وأكتلك-
لم يقف أحد في صفها، كان عليها أن تقبله كما هو، لأنه ليس استثناء، هي الاستثناء. والنشاز، هي نفسها، قالت ألم قِشي في حنان وهي تمد لي يداً بها فنجان قهوة يرسل بخاراً شهياً في الهواء:
-إنت زول تاني... ما بتشبه رجال البلد دي، عشان كِدا أنا حبيتك. وقلت أنت التستاهل تكون أبو بتي، لأنها حتاخد طبعتك، فهمت ولا ما فهمت.
ليس هناك ما أفعله في الحلة، كانت الأيام تتمطى مثل كلب كسول تحت زير ماء ندي، كلما يجب أن يقوم به رجل قد مضى أوانه، والآن أوان الكسل، مصاحبة النساء، الاستدانة عن طريق رهن الزينة، والبعض يعمل في تنظيف الأرض وصُنع الفحم، عنّت لي فكرة أن أمتلك أرضاً زراعية على تخوم خور مغاريف، وأقوم بخدمتها وتنظيفها بنفسي حتى لا يُقضى عليّ ضجراً، وأنا رجل لم اعتد على أن تقوم النساء برعايتي مقابل المصاحبة أو إشباع السرير، تبقى لي من التأمين الاجتماعي مبلغ يوفر لي أرضاً رخيصة وشاسعة، لم لا أغامر واترك، التِرقِدْ والتِجِدِعْ في البيوت.
استشرته في الأمر، ولكنه فضّل أن يقضي هذا الصيف في المدينة وربما سافر إلي أديس أبابا أو القاهرة، حيث أنه يود حضور معرض الكتاب الدولي في شهر فبراير، واقترح عليّ أن آخذ ألم قِشي إلى المدينة لأن الحياة لا تُطاق هنا في هذا الفصل، سألني سؤالاً مباغتاً
-ما سألتني عن الصافية؟
قلت له ضاحكاً
. الناس كلها تعرف تفاصيل التفاصيل-
يَعرفُ أنه قد أصبح من أسطورات هذا المكان، الأسطورات الأكثر إدهاشاً، يكفي أن يذكر اسمه؛ حتى تلهج الألسن بحكايته مع الصافية، التي يحكيها كل من شاء، كيفما شاء، أينما شاء، لمن يشاء.
ولكن أقرب الحكايات إلي الواقع والدقة هي الحكاية التي سوف أحكيها أنا، العارف به، كما أنني اعتمدت في حكايتي، كما ستلاحظون على كثير من المصادر وقارنت، وثقفت الأقاويل، بل أنني أقمت ما يشبه الندوة في بيت أداليا دانيال، يوم مريستها، بالسبت، وحضرها الفكي علي وهو رجل مشهور بمعرفة المستور وفضح النوايا الحسنة منها والسيئة على السواء، بل يستطيع التنبؤ بتاريخ موت الأشخاص وميلاد أطفالهم حيث إن لديه كتباً مثل:
الجلجلوتية وأصول الفقه.
شمس المعارف الكبرى.
أبو معشر الفلكي الكبير والصغير.
واضح البيان في استخدام الجان. وكتاب الطاسين المشهور.
وهو أكره الناس للخرافة وشطط القول، لأنه يستخدم العلم: علم الكتاب. كان صديقي معنا أيضاً، ولكن أحداً لم يعتمد روايته، حتى أنا نفسي لأنها كانت الأبعد عن الواقع، بل رأى الجميع فيها الكذب بعينه والخرافة بقرونها، وقد أقسم مراراً على أنه يقول الحق، وأنه يحكي ما حدث له بالضبط دون زيادة أو نقصان، إلا أن الناس فيما يُشبه الندوة في بيت أداليا دانيال يوم مريستها بحضور الفكي علي الزغراد، اتفقوا على أن يعتبروا كلامه كلام زُول سكران لا أكثر، وقد احتج على جملة الفكي علي، ولكنه لم يغادر الندوة، وأخذ يستمع في صبر إلى حكايته الصحيحة مع الصافية، يَقُصها المنتدون، يتحدثون بلسانه، يجرون حوارتٍ يُفْتَرضْ أنها وقعت بينه والصافية، بل إنهم يغرقون في تفاصيل ما حدث بدقة، بتأكيد وطمأنينة عظيمين، لم يحاول الاعتراض على شئ، لأن لا أحد سوف ينتبه له، كل ما يعتبره حقيقة يعتبره الآخرون تخريفاً، كذباً وتلفيقاً، وإتلافاً متعمداً لوقائع اعتبرها الناس: مِلْكَاً لهم، لا يختلف أثنان على أنه طرف في الحادثة ولكن الحادثة لا تخصه وحده، بل قد لا تخصه إطلاقاً، إلى أن انفض الجميع، حيث ذهب ثلاثتنا إلى منزل مختار علي، صلينا العشاء في جماعة، تعشينا، ناما، ذهبت أنا إلى قُطيتي في بيت أدّي حيث تنتظرني ألم قِشي في صحبة ود أمونة.

















الشَيَطَانُ، البنكُ...........،
سَجَمِيْ.

أُفْتِتَحَ البَنكُ في وقت حُسِبَ بدقةٍ ليواكب المَوَسِم ْ الزراعي لهذا العام. وجاء الموظفون ونزلوا في ضيافة شركة الاتصالات، إلى أن تكتمل اللمسات الأخيرة لميس خاص بهم، تَم بناؤه من المواد الثابتة وشبه الثابتة ليوائم المُناخ وطبيعة المكان، كان يدور حوله صريف من القصب والشُوك كغيره من بيوت السُكان، ولكن مَبَنِي الجزء الأسفل من القطاطي بالطوب الأحمر والحجر، الجزء الأعلى من القَشْ النال والقنا، كما تبتني القطاطي عادة في الحلة.. أول من تعرف عليه موظفو البنك كانت ألم قِشي.. كونها تعمل في ميس شركة الإتصالات، وعندما سألوا عن شخص يعمل معهم كمراسلة.. اقترحت عليهم ود أمونة بدون تردد.. كان الشخص الوحيد الذي بدا لها مفيداً، في هذه المِهنة، ولربما لمعرفتها التي اكتسبتها من معاشرة أولاد المُدن في ميس الشركة، ولمعرفتها لود أمونة، حيث أنه طيع وطائع وسهل التعامل، ويمكن إرساله لأي غرض مهما صغر، كإشعال سيجارة مثلاً، ومهما كَبُرَ كخطبة امرأة.. فلا يشكو أو يتبرم.. دائماً ما يُرى نظيفاً طلق الوجه، لا يسكر إطلاقاً بالنهار مهما كان الندامى، أما عند الليل فليس قبل أن يتأكد من أن لا أحد يحتاج إلى خدماته.. شخصٌ مثله نادراً ما يُوجَدْ، حيث السِمة العامة للرجال هنا هي الفظاظة والرعونة والرائحة النتنة: ود أمونة.. ود أمونة.. ما في غيره.. ظريف وسيم مؤدب طيع ومسكين ويترسل.
حدثتهم.. بأنه يعمل الآن في بيت الأم بأجر زهيد، وشرحتْ لهم الصفات التي اعتبرها بعضهم نعمة. لم يرفض، شَكَرَهَا، اشترى بنطلون وقميص وصتني وصيتا جديدين، وذهب للعمل.
في الحقيقة الأم هي التي أعطته المال ليبدو بمظهر يليق بمراسلة كان يعمل عندها منذ زمن طويل، ومثل أم رؤوم دعت له بالتوفيق والنجاح في مهنته المقبلة، وطلبت منه أن يبتعد من خِصْلةٍ وحيدة سيئة، رافقته منذ الصغر.
- أوعك من القُوالة والسُواطة.
وتقصد الأم: نقل الكلام من زول لزول.
أرسلت له أمه أمونة من القضارف، حيث تتزوج وتستقر، عندما عرفت بوظيفته الجديدة؛ حذاءً جديداً من الجلد الأصلي، دعت له بالخير والبركة وحذرته من خِصَلةٍ وحيدةٍ سيئةٍ فِيه، رافقته منذ أن أخذ يعمل عند الأم.
- أوعك من فَشْ أسرار الناس.
وتقصد أمونة: علاقات الناس العاطفية وعاداتهم التي يريدون أن تبقى سرية.
أهدته أداليا دانيال ساعة سيكو جميلة لها خلفية ذهبية كانت قد اشترتها من أحد الجنقو قبل موسم مضى، وحذرته من خِصْلةً واحدة سيئة فيه اتصف بها منذ أن عرفته.
-أوعك من التعرصة !!
وتقصد أداليا دانيال، عدم المقدرة على مقاومة الرغبة الجامحة نحو جعل كل فتاة جميلة، تنام مع رجل ما ويكون الفضل له في ذلك وحده، وعندما يتم مثل هذا اللقاء، يشعر ود أمونة برضى في نفسه ولذه لا تشبهها لذة أبداً.
أرسل إليه فكي عليْ طالباً أن يبارك وظيفته الجديدة، أعطاه حِجاباً يقيه من الحسد والغيرة وأولاد الحرام وبنات الحرام، وحذره من خِصْلة واحدة سيئة فيه، عرفها عنه الفكي منذ عامين ونيف.
- أوعك من النسنسة والدَسْدَسَةْ والخَسْخَسَةْ.
ويقصد الفكي عليْ، فِعلة كان هو طرف فيها، والطرف الآخر الشرطة، ولُقِّنَ فيها الفكي درساً لن ينساه.
طلبته بُوشِيْ، أهدته شريط أغنيات حبشية وقارورة عطر، وحذرته من خِصْلةٍ وحيدة فيه، إذا تركها فانه سيمتلك القلوب.. قالت له
-أوعك من الكذب.
وتقْصِد ما شهد به في ما يُشْبُه ندوةٍ بغيضةٍ عُقِدَتْ ببيت أَدّيْ الخريف الماضي، نُوقِشَتْ فيها حقيقة عذريتها.
أرسلت له العازة هدية من سجنها بالقضارف، وهي عِبارة عن شَالٍ من الصُوف، صنعته بيديها، و أوصته بأن هنالك خصلة واحدة فيه، عليه الحفاظ عليها، وهي: الوفاء.
وتقصد كما هو واضح وجلي، إلتزامه نحوها بدفع ما عليها من دِيّة، حتى يتم إطلاقها من السجن.
وطلبه كثيرون لأجل هدايا ووصايا، إلا أنه اعتذر في أدب جم، في أن الوقت سوف لا يسعفه وعليه الذهاب إلى العمل.
مضى وفي ذهنه وصيةٌ واحدةٌ همستْ بها نفسهُ إليه قائلة:
- أوعك يا ود أمونة تخلي الفرصة تفوتك.. أطلع فوق.. فوق.. فوق.. فوق.
بالتأكيد، حتي تلك اللحظة لم يكن في ذهن ود أمونة ولا في مُخيلته، او في مُخيلة أي مخلوق آخر، أن ود أمونة سوف يصعد إلى أعلى (أطلع فوق.. فوق.. فوق.. فوق) لدرجة أن يصبح وزيراً اتحادياً بعد عشر سنوات فقط لا غير، وهي قصة مُدْهِشة سيرويها صديقي في كتابه التوثيقي: ثَوْرةُ الجَنْقُوجُورَاَيَاتْ.
جاء إلى بيت الأم في الصباح الباكر ستة من الجنقو، في صحبتهم ثلاث جنقوجورايات أخريات ومعهم الصافية، عشرة في تمام حالهم وكمالهم، قابلتهم في الديوان، وهو حيث يُسْتَقبل الضيوف في بيت الأم، قالوا إنهم يريدون الذهاب إلي البنك طالما كان هذا البنك للفقراء والمساكين من المزارعين كما قِيل في خطبة جمعة قبل عام مضى، في الحق لم يحضرها أي أو أية من الحضور، حتى الفكي الزغراد نفسه كانت عنده حَضَرةٌ في ذلك اليوم من جن جاء على عجلٍ من بلاد الفِرِنجة، كما فسر سر غيابه لاحقاً.
أكدوا أنهم يريدون سلفية من المال، تمكنهم من شراء مشروع كبير ينظفونه بأنفسهم ويحرثونه بوابور يشتريه البنك لهم أيضاً، مزوداً بِمِحراث من ماركة جيدة تم تحديدها بدقة فائقة: موديلاً، ماركةً، صناعةً ولوناً.
إذا صادفت السلفية خريفاً جيداً كريماً معطاءً، سيعيدون أصل الدين في ذات العام.
. وتفضل لينا شُويّة حربَشَات نتقاسمها-
قال أبرهيت وفي فمه ابتسامة كبيرة جعلت شاربه يبدو طويلاً وعريضاً، ثم أضاف
-ونرّجِع للبنك الأرباح السنة البعدها، وبعد داك يكون البابور والدسك والمشروع ملكنا نحنا برانا، ولا كيف يا أخوانا؟
قلت له:
. كلامك في مكانه، ولكن زي ما عارفين، الموضوع دا يحتاج لدراسة جدوى-
سأل جنقوجوراي صغير الحجم. أنيقاً، يحمل قلماً ونوتة في جيب قميصه التترون، كان يجلس ما بين أبرهيت وإحدى الجنقوجورايات
شنو دراسة الجدوى دي؟ -
ثم تساءلت الصافية
يمكن نشتريها من سُوق القضارف، مهما كلّف؟-
طلبت منهم أن يمهلوني أياماً قلائل وبإمكاني إعدادها لهم
- تلاتة أيام بس.
كنت أرى أحلامهم بالنجاح والثراء بأم عيني تتطاير حولنا، تملأ المكان إنشاداً، بهجة، ووداداً قبل أن يذهبوا،انتحي بي أبرهيت جانباً و اعتذر لما بدر منه من رعونة، في موضوع صديقي، و أنه ظنه مرسل من قبل الأمن، حدثني عن بعض المصاعب التي مازال يُعاني منها من جهات كثيرة، أمنية و دينية متطرفة، نسبة لدوره المزعوم في ترحيل الفلاشا لإسرائيل عام 1985، وقَدّم ليّ نِيَابة عن المجموعة، هدية مرتجلة وهي زجاجة كونياك، قالوا فيما إنها مفيدة لرجل تزوج حديثاً من حبشية جميلة كانت تعمل في بيت أدّي، احتفلنا أنا و ألم قشي، احتفالاً صباحياً بالهدية، تناقشنا في فكرة الجنقو الخطيرة، سألتني ألم قِشي سؤالاً مباغتاً
-بتظن البنك حيسلفهم؟
قلت لها:
-ما عارف، ولكن نكتب ليهم دراسة الجدوى، بعد داك الله كريم.. يمكن.. ويمكن، مافي شئ عند الله بعيد.أما بيني وبين نفسي، فكنت أعرف النتيجة مسبقاً، واستطعت أن أتخيل تماماً منظر الجنقو وهم يُطْرَدُون من البنك شَر طردة، وأنا معهم أعتذر أو أتوعد، الأمر سيّان، ولكن عندما ردت ألم قِشي معلنة:
. الناس ديل وراهم الفكي علي الزغراد ذات نفسو-
وفكي علي كما هو معلوم لا يعمل بالقرآن وحده، ولا بالكجور وحده ولا بالشجر أو السحر الأسود، ولكنه يعمل بالكتب والقرآن، السحر، التنجيم وعلم الحرف، ولديه خُدام،وبإمكانه أن بفعل ما ينوي فعله، قالت:
. فكي علي يَدهُ لاحقة... فكي علي يرَوّب المُوية عديل كدا-
أنا أحد أصدقاء فكي علي، تعجبني حياته البسيطة، ثقته العالية في نفسه وعلمه وفعل يده، رائحة أثوابه وجسده الخليط من الصمغ والوبر وشئ من الجلد المدبوغ، تعطيه مسحة غموض وتؤكد فيما تؤكد تفرده في كل شئ حتى شميم الثوب، لديه فهم للدين، ليس متقدماً أو متخلفاً، ولكنه غريب، وخاصة في مسألة شُرب الخمر والتكليف، حيث يرى أن الناس عند الله ليسو مسلمين وغير مسلمين، ولكن نساءً ورجال وأطفال، فالأطفال والنساء غير مكلفين بالعبادة لأن لا مكان لهم في موضوع الثواب بالجنة، فالجنة للرجال وحدهم بالتالي عليهم دفع تكلفة ما سيجدونه في الجنة هنا في الدنيا، ويقول في الخمر إنها محرمة على السُفهاء والصعاليك فقط لأنهم يتخذونها لهواً، أما الخيرة والصفوة والمتأدبون من الناس بمن فيهم الحكام والفقهاء و القضاء،و الفُكَية، فإنها خير جليس لهم. وقال:
-أفكاري دي كلها كلمني بيها ابليس ذاته، ابليس دا كان واحد من الملائكة وأكثرهم
علماً وقرباً من الله، الناس ما تستهين بيهُ.
الكونياك الحبشي ألذ طعماً وليست له آثار اليوم التالي للشُرب من صُداع نصفي مؤلم، حرقان أو غثيان، كل ما يفعله بك أنه يجعلك تتبول كثيراً وتتشهى ممارسة الجنس، سواء كنت امرأة أو رجلاً، الأحباش يستوردونه، و يصنعونه أيضاً، أما الإريتريون فإنهم يصنعونه بإمكانيات محلية لا بأس بها في الغالب، أنا أفضل الحبشي.احتفينا عند منتصف النهار، وعند المساء في الحلم جاء إلينا الجنقو، على ظهور حُمر الوحش، تتبعهم أشجار السِمْسِمْ وعيدان قصب الذرة وعلى رؤوسهم تبيض السمبريات والعشُوشَايَاتْ، أخذوا دراسة الجدوى وتركوا لي حميرهم الوحشية، في معية خريف مطير طيني، و شمس حارقة كالنار.
أرجو ملاحظة أنني تجنبت تماماً كل التفاصيل التي ذكرها صديقي لي شخصياً عما وقع بينه والصافية؛ ما عدا تلك التي وافقت ما تحدث به الآخرون عنه وعن ود فور، ولكن اعتمادي الأكبر كان على المعلومات التي تدفقت في بيت أداليا دانيال يوم مريستها في سبت مضى عندما أقمت ما يشبه سمناراً أكاديمياً حول ما اُصطُلح على تسميته في تلك النواحي بـحكاية الصافية، وسيُلاحَظ تأثري بالوقائع التي اعتبرها الفكي علي حقائق ثابتة: أولها وأهمها أن الصافية تمتلك عضوين تناسليين، واحد يخص الرجال والآخر يخص النساء، والذي يخص الرجال مكتمل وكبير الحجم ويختفي تحت شعر عانة كثيف وشائك، أما الحقيقة الثانية التي لا يتسامح في شأنها فكي علي هي أنّ الصافية فعلت بالرجلين فعل الذكر بالأنثى، وأن ذلك مؤكد ولديه دليلان سوف لا يُذكران هنا.
هنالك أيضاً حقيقة يشك الفكي علي قليلاً في صحتها، ولكنه لا ينفيها، ورغم ذلك فقد حلف بجده لأبيه سليمان الزغرات السناري أن يزهق روحه في الحين والآن، أن للصافية بنتاً وولداً من امرأة بازاوية تسكن الآن في مشروع دُومْ، واسمها نِعْمَة مَشَاكِل، وهو يعرفها ويعرف أمها وأباها، وقد رأى البنت والولد بعينيه الكائنتين الآن في رأسه ووجهه، أما فيما يخص تحول الصافية إلى مرفعين إو أسد أو ما شابه ذلك من حيوان فهو جائز، والمسألة عنده تتمحور حول اللبن والمؤكد عنده أن تَيَراب البِنَيّة، يُورث عن طريق لبن الأم المُرضع ثم قاس على ذلك.
إذا نظرنا بدقة إلي حقائق وجوائز وتشككات الفكي علي، ثم قرأناها في إطارها الصحيح الذي هو مجموع قوالات وإفادات ومداخلات وما دار همساً فيما يشبه الندوة في يوم مريسة أداليا دانيال ببيتها، وما تطابق من شهادتي الرجلين اللذين خاضا تجربة واقعية وفعلية مع الصافية مع قوالات وحكايات وحقائق وجوائز وتشككات الناس والفكي علي، وحذفنا من حكايتيهما كل ما شذ عن ذلك مع الإهمال التام والمتعمد لمحكيات الصافية عن نفسها، لأنها لا يُتوقع منها أن تقول سوى الجانب المشرف من الحكاية، أي الجانب الذي يجعلها تبدو كضحية لقوى خارقة خارجة عن إرادتها وضحية لبني الإنسان. وأنها، كما يُقال، اعتمدت على بعض القوالات الدائرة في الحِلة واعتبرتها حقيقة، مما شوش تفكيرها وخلط عليها الواقع بالمتخيل مما صاغ الأهالي سهواً، وأنها.. كما قال الفكي علي الزغراد واصفاً حالها:
- تشابه عليها البقر.
قبل أن أحكي،حكاية الصافية؛ بالصورة النهائية التي اعتبرها الحقيقة الكاملة فاجأتني أداليا دانيال باعتراف خطير: حدث قبل أكثر من ثلاث سنوات، يوم كان الناس في عز الخريف والعمال مشغوليين بـكَديب العيش،وفحواه،مع بعض التصرف من جانبي، قالت أداليا: جاء التاجر فلان الفلاني، صاحب أحد المشاريع الكبيرة تخوم زهانة، ولم يكن اليوم يوم مريستي، يوم أحد، طلبت مني الصافية أن أحضر لهما عرقي وعسلية من الحِلة، مشيت لبيت أدّي، وأحضرت لهما كل شئ، وكانا قد أحضرا لحمة من السوق، إلا أنني عتزرت لعدم تمكني من طبخها، لأنني ذاهبة إلي الكنيسة وقد سبقني زوجي وولدي وابنتي إلي هناك، تركتهما يشربان ويطبخان في الراكوبة الكبيرة قُرب اللالوبة، بعد أداء الصلاة، عدتُ تاركة زوجي حيث إنه يعمل على خدمة بيت ربُنا إلي ما بعد المغرب أما ابنتي والولد الذي يصغرها بسنتين، هي في الرابعة عشر تركتهما مع الشباب الذين في عمرهما حيث أنهم غالباً ما يبتكرون برامج شائقةً تبقيهم مع بعضهم البعض إلي أن تغيب الشمس، كان بين بيتنا وبين الجيران باباً صغيراً غالباً ما نتركه مفتوحاً ولأن بيت الجيران هو الأقرب للكنيسة، دخلتُ عَبْره، ثم إلى الراكوبة مباشرة حيث وجدت الصافية تعلو جسد الجلابي الأسمر المستلذ،المستكين تحتها، منكفئاً على وجهه، صرخت أداليا في دهشة:
- سَجَميْ.
حينها فقط تنبها، فانتزعت الصافية شيئها من لحم الجلابي الذي بوغت حتى أحدث، وبدا عليهما خليط من القلق، الحزن، العرم، والخوف الشديد، وأخذا في الاعتذار وطلب السُترة.
وعلى الرغم من أن أداليا، حسب إفادتها رفضت المنحة المالية الكبيرة التي عرضها عليها الجلابي، إلا أنه أصر وأقسم وحلف بالطلاق وترك لها المال.
قالت أداليا:
- مشوا بيت الأم، الوقت داك ما كانت الصافية عندها بيت، وأنا من اليوم داك عرفت إنو الصافية دا راجل ومرا في نفس الوقت، وعملت حسابي منها.
ولم تخبر أداليا أحداً بهذه القصة غير الفكي علي الزغراد وهو بكل سرية وتحفظ حدّث بها الجميع، أكدت لي أداليا أن شيئها لم يكن طويلاً ولكنه قصير وسمين وأسود ومحشور وسط الصوف، أما الفكي علي فقد وصفه مستخدماً كلمة واحدة فقط:
- كبير!!
بالرغم من أنني لا أميل إلي نشر ادعاء صديقي الذي تبجح أمامي ومختار على بالقول بأنه أجبر الصافية على حلق شعرها فوجدها امرأة كاملة بل وعذراء، وأنه أول رجل في حياتها، إلا أن ذكر تلك الحكاية يفتح أمام الجميع نافذة للفهم والولوج إلى عين الحقيقة، وذلك إذا أضفنا جملته القاطعة:
أنا نجمتها، مُشْ هي النَجَّمتنِي .-
ربما أربك مشروع الصافية هذه مشروع دراسة الجدوى، لأن همّ الناس الآن وقضية ساعتهم هي إدراك حقيقة الصافية والبنك ملحوق، فما زلنا في شهر يناير، ولكن هناك دائماً من يشذ عن القاعدة وعلى رأس هؤلاء الصافية ذاتها، جاءت في وفد من ثلاثة رجال تسأل عن دراسة الجدوى، قلت لهم
. معليش أنا آسف، ما قدرت أكملها، كنت مشغول شوية-
قالت الصافية في جرأة
- في موضوع صاحبك؟
قلت مراوغاً
. في هموم كتيرة، ولكن بكرة الصباح بكون خلصتها-
قالت بصورة حادة وجادة أخافتني وهي تحمّلِقْ في أم عيني بمقلتين حمراوين شرستين.
-أحسن تشوف المواضيع الفيها فايدة، وتسيب القُوالات والصُواطات للشراميط واللوايطة والمُعَرَصين.
وقالتها بطريقة تعني تماماً أنني من هذه الفئات الثلاث والأخيرة بالأخص.
أبرهيت، الصافية، مختار علي، لام دينق زوج أداليا دانيال، الفكي علي ود الزغراد وأنا، حملنا دراسة الجدوى مكتوبة على ورق فلسكاب نظيف، استبدلناه أكثر من ثلاث مرات حتى يليق بمكانة البنك الراقية، ومضينا.
كان البنك مبنى فخماً متعالياً ومنتفخاً مثل فيل مغرور، على كل كلنا كنا نراه جميلاً وغريباً، كان مطلياً بالدهان الأخضر الداكن، وهو المبنى الوحيد في تلك النواحي الذي بُنِىَ من طابقين كاملين، واخذ الناس يتجادلون في كيفية الصعود للمدير وماهية السلالم أو المصاعد وكيف أنهم سوف يستخدمونها، وحسم التكهنات ود أمونة الذي عمل مراسلة منذ أيام بالبنك وانتهز فرصة أنه خالِ من مرسال ما لدقائق وأخذ يثرثر مع الجنقو خارج البنك، عن البلاط المزايكو والسلالم الإفرنجية ومعطر الهواء والمكيفات التي تعمل بالكهرباء والماء، وحذرهم بأنهم قد ينزلقون فتنكسر أيديهم أو أرجلهم ولا يُسْتَبَعَدْ أن يدقوا أعناقهم أيضاً، كانوا يبتسمون إليه في حذر. ثم دخل إلى البنك، ثم خرج ليطلب منا دخول الاستقبال، كان كل شئ نظيفاً ولامعاً، ما عدا الجنقو رغم أنهم كانوا قد عملوا المستطاع كي يأتوا في أبهى ما يُمكن، هم الآن الأكثر اتساخاً في المكان الذي عمل على نظافته منذ الساعات الأولى من صباح اليوم ود أمونة ومعه امرأتان غريبتان أتى بهما البنك خصيصاً للنظافة من مدينة الخرطوم، ولأن غريزة موظف البنك تعمل بنشاط عندما يحوم خطر على المال، انتهرنا الكاشير:
هي...... في شنو.... ديل عايزين شنو يا ود أمونة؟! أنا مُش قلت ليك ما تدخل الناس سَاي؟-
قلت له وقد تقدمت نحوه قليلا:ً
. نحن عايزين نقابل مدير البنك-
قال بذات اللهجة الجافة:
عايزين مِنّو شنو؟-
قلت له:
. عندنا موضوع معه-
قال في بجاحة:
عندكم مواعيد ولا لا؟-
قلت:
. لا-
قال:
هل ممكن نعرف الموضوع دا شنو؟-
قلت له بصورة قاطعة:
. لأ.. ما عدا مدير البنك-
قال بخبث:
-المدير عنده اجتماع، انتظروه بره في البرندة أو تحت الشجرة لمّا ينتهي من الاجتماع، ود أمونة حيجي يناديكم. ونظر إلينا محملقاً في وجوهنا منتظراً رد فعل ما، وعندما خرجنا، أحسست به يتنفسُ الصُعداء، ولم نكن قد مضينا بعيداً عن الباب سمعنا صوته ينتهر ود أمونة في قسوة، ولكن انتظارنا لم يدم طويلاً في البرندة حتى جاء ود أمونة مرة أخرى، ليقول لنا:
. موضوعكم لو مكتوب في ورقة؛ المدير قال حيقرأه ويرد عليكم-
قال له الفكي علي:
-إذا عايز يقابلنا، أهلاً وسهلاً، وإذا ما عايز يقابلنا برضو أهلاً وسهلاً.. نحن عايزين نأكله؟! نحن عايزنه في شُغل، أمشي قول ليهو الكلام دا يا ود أمونة.
لوى ود أمونة شفتيه في حركة تعني : أمركم، بالإضافة إلى: وأنا مالي، ولكنا فهمنا منها: أنتو ما قدر المكان دا.
وقرأ الفكي ود الزغراد جهراً تعاويذ وأدعية وطواطم بالإضافة إلى سورة قرآنية قصيرة ولم تقف شفتاه ولسانه من التمتمة إلي أن جاء ود أمونة وفي فمه ابتسامة كبيرة جعلت خديه الأملسين يلمعان، وقال:
. اتفضلوا، سيادة المدير عايزكم-
ومضى قدامنا يحرك ردفيه ويديه بصورة بناتية غنجة، ولأننا جميعاً اعتدنا على ذلك لم يثر انتباه أي منا، عندما دخلنا وجدنا شرطيين لم نرهما في المرة السابقة ولا ندري كيف دخلا، وهما معروفان بالنسبة لنا جميعاً، نعرف اسميهما واسمي ابويهما وأميهما واخواتهما وجميع أقربائهما، باختصار الشرطيان من الحِلة، تبادلنا التحايا باقتضاب، وبينما هما مندهشان قليلا،ً صعدنا نحو الأعلى إلي مكتب فسيح تفوح منه رائحة النقود، يتقدمنا ود أمونة مزهواً وهو يدندن بأغنية بنات شائعة.
رحب بنا مدير البنك مدعياً السعادة برؤيتنا معتبراً قدومنا إليه طبيعياً، ولكنا كنا نقرأ ما خلف ذلك بوضوح، كان يريد أن يعرف بسرعة ماذا نريد
. اتفضلوا، مرحباً-
قدمت إليه المجموعة فرداً فرداً، بتمهل، وقفت بعض الشئ عند الفكي علي، مشهود للفكي علي عمايل خير كثيرة، وألمحت إليه تلميحاً أن الفكي علي ود الزغراد بإمكانه أن يضرّ ضرراً بالغاً لمن شاء وقتما شاء وكيفما شاء، تحدثت عن دور البنك كما يفهمه عامة الناس هنا في الحِلة، ثم شرحت له الهدف من الزيارة وأشرت إلى دراسة الجدوى التي أعددتها. ابتسم وهو يسرق النظرات إلى الصافية وهي في ثوبها الجديد ماركة وصتني وصيتا ربما كانت رئتاه تمتلئان الآن بعطرها الرخيص ماركة بت السودان.
قال وهو يحاول ان يكون حاضرا و مركزا
-أدوني دراسة الجدوى، أقراها، وأعرضها على مُدير الاستثمار بعد داك أديكم الرأي، وأنا سعيد بزيارتكم للبنك وأتمنى أنكم تبقوا عملاء لنا دايمين، قالها بطريقة تعني بوضوح والآن اتفضلوا بره!!.
قالت له الصافية التي يبدو أنها لم تفهم شيئاً مما قال أو أنها الوحيدة التي فهمت
- يعني حتدونا سَلفية تراكتور ودسك ولا لأ؟
قال مبتسماً
. الموضوع يحتاج لدراسة وتحليل مخاطر-
تطوع الفكي الزغراد بشرح ما يرمي إليه مدير البنك للصافية، قائلاً
. يقصد نمشي ونجيهم مرة تانية عشان يدونا رأيهم-
أضاف أبرهيت بعد أن أعلن عن نفسه بتنظيف حنجرته متنحنحاً مرتين .
. من الأحسن نمشي، الفي القسمة نلقاها-
لم يقُل المدير شيئاً، فقط ابتسم وهو يتسلم مني دراسة الجدوى يقلبها قليلاً بصورة آلية ثم يضعها على صينية الأوراق. ونحن نخرج، همس الفكي علي في أذني
. أنا لو عرفت اسم أمه، حأعمل فيهو عمايل-
ثم أضاف بصوت أكثر وضوحاً
- ود الحايل، يتنهد زي الزول الما كويس.. مرة يقول أعملوا دراسة جدوى، لمّان نعملها يقول أمشوا وتعالوا.
كل مهارات الناس في اصطياد الإشاعات وصنع الأخبار وتقصي الحقائق فشلت في الحصول على معلومات عن مدير البنك، حتى ود أمونة لم يستطع معرفة اسم أمه أو برجه، لولا فكرة أبرهيت ليئسوا
. ألم قِشي-
. أيوا... ألم قِشي-
الموظفون الأغراب يتقوقعون في كبسولة واحدة، يتحصنون بأسلوب وطرائق وأفكار وسبل معيشة رتيبة ومكرورة ولكنها تصبح جيباً مجتمعياً معزولاً عن المواطنين والأهالي، فهذا حصن لا بأس به ضد الإشاعات والقوالات، ولكنه أيضاً سيظل هشاً في مقابل حكمة ومكر وجمال ورقة وإنسانية وألعاب أية فتاة تثق في نفسها، المغربون أضعف البشر، دائماً ما يتملكهم حنين إلي البيت والأسرة والمرأة أو البنت عندهم في رمز لاستمرار الحياة ودفء المكان، القرويات بالحلة لا يعرفن ذلك، ولكنهن يتصرفن وفقاً لذات الرؤية، فإنهن حين يهبن وحين يأخذن وحين يدعين وحين يتواضعن، يفعلن ذلك بشرف وكرامة وقدر من الخصوصية لا يُستهان به، انهن يقدمن أنموذج الأخت والصديقة والزوجة والحبيبة، وليست الداعرة السوقية المستهلكة أو الانتهازية، إنهن بنات بيوت ومشروعات صغيرة وحالمة لربات بيوت، يجدن فن الحب والعلاقات، أميتهن هي ثروتهن الكبرى، والتي لا تقيم بثمن، ذات الأمية هي مشعل وعيهن الاجتماعي الكبير. ألم قِشي، تعرف هؤلاء البُنياتحسناً، تمطى الفكي علي، أصبحت الكرة الآن في ملعبه هو بالذات
اسمه بلال حسن التركي، امه نفيسة بت عبد الله. -
جَمّعْ أولا الأرقام المقابلة لكل حرف مِنْ حروفِ الأسمين الأولين للإبن و الأم فقط، ثُمّ حدد برج المدير، وباستحضاره للصفات الجسمانية من لون وطول ونوع الشعر، استطاع أن يتتبع نقاط ضعفه بين أبواب وأسطر كتاب شمس المعارف الكبرى، ثم زاوج ما بين علم الحرف والفلك والشجر وما يُعرف بالسحر الأسود، ثم غمس قصبته في الدواية وكتب
لم يبدأ ببسم الله الرحن الرحيم، ولكنه بدأ كهذا: (براءة من الله ورسوله).
كتبها سبع وسبعين مرة، لفها حول عرق يُسمى عرق الهدهد ثم، أدخلها في قطاع من ساق الخروع المنظف جيداً، وجاوز الجميع بظفر طائر السِمبِر الذكر، ثم طلب أن يأخذها رجل نَجِسٌ يقوم بحرقه وذر رمادها في الهواء يوم الجمعة قبل أذان الصُبح، ومن ثم يقوم الرجل النجس برسم خاتم سليمان مرة واحدة على الأرض.
عندما مرّ أسبوعان على موعد الطمث الشهري لألم قِشي، تأكد لها بما لا يدع مجالاً للشك أنها حَبِلتْ، سررنا لذلك وأخذنا نعد العدة لاستقبال الطفل، ولم يكن همي أنا بالذات نوعه ذكراً أو أنثى، ولكني أريد مخلوقاً صغيراً جميلاً يبقى معنا في البيت ويؤصل لعلاقتي وألم قِشي، ولكن هذا لم يمنع من أن نختار اسماً مسبقاً، فقد اتفقنا على أنه محمد، إذا كان ولداً وأنها القنيش إذا كانت بنتاً، ولم نتفق على اسمي التوأم بعد، لأنها كانت تود أن تطلق عليهما اسمين أكسوميين معقدين، وكنت أريد أن أطلق عليهما اسمين عربيين، اختلفنا فأحلنا النقاش إلى حين، على كلٍ ألم قِشي تفضل المولود بنتاً وهي ذات الرغبة التي تزوجنا من أجلها، وهي ذاتها التي تجعل لتواصلنا الجسدي معنى ومتعة كبيرة، وكنت لا استطيع مقاومة قولها.
. عليك الله حَملني،عايزة أحمل-
هذه الجملة تشحنني بدفق من الحب والجِدية، وتجعلني ضحية بليدة لسلطة البقاء، فأحبها أكثر.... لقد اكتشفت أن الجنس عندي مرتبط بالإنجاب، لا شئ آخر، المتعة تجيئ مصحوبة بالفكرة، دائماً ما يكون في مخيلتي طفل وأنا على صدر ألم قِشي، كان صديقي يعتبر الجنس واجباً إنسانياً، وهو ضروري لكي يكون هناك إنسان كامل، وهو في حالة الصافية مسألة نفسية بحتة بل مسألة إثبات في المقام الأول.
كنت أقول له دائماً
. إذا لم تكن هناك فكرة خلق، تصبح المسألة نوعاً من اللذة الميكانيكية-
يقول ساخرا:ً
إذن أنت من أنصار قصة حب وراء كل ممارسة جنس؟ -
، ما فائدة الحب بلا أطفال في الخاطر. طفل.... طفل أيضاً-
قال ضاحكاً محاكياً لغة الأفلام المصرية:
. دا إنت رومانسي أوي-
نشأت بيني وألم قِشي علاقة حب قوية، عرفت ذلك من القوالات والاشاعات وما يشبه الندوات في بيوت الفداديات، وأظن أن ألم قِشي هي الأخرى تلمست ذلك، ولقد قيل لي علانية في بيت خدوم يوم الاثنين الماضي.
. الزولة دي بتحبك، وإنت عارف حُب الحَبش، تموت وتحيا معاك، مبروك ليك-
ولقد قالوا لها هي أيضا، وحدثتني قائلة
قالوا لي إنت سويتي للراجل دا شنو؟ -
بذلك أكون قد وقعت في الحُبْ لأول مرة في حياتي إذا صدق الناس فيما يقولون، أما إذا لم يصدقوا، فتظل العلاقة بيني وبينها تحتاج لتعريف، ولو أنها تمتلك آلية استمرارها، لا يهم المسمى أو التعريف، طالما كانت الطفلة أو الطفل يلوح بأنامله من داخل جسدينا ورغبتنا ولمساتنا من عمق قلبينا، في ذاتنا يقهقه. لقد تنبأ لنا الفكي علي بحياة زوجية طويلة وأطفال كُثر، والفكي علي رجل صالح، من أحفاد رجل من رجال الله اسمه سليمان الزغرات، ظهر لأول مرة ولآخر مرة في كتاب الطبقات لود ضيف الله.أما الفكي علي الزغراد فيعتبر الزغرات الذي ذكر في كتاب ود ضيف الله زغرات مشوه، لأن جده سليمان الطوالي ما كان يعمل بَابَكُولاً للمَرَاسَةِ، ولكنه كان أحد تلامذة الشيخ محمد الهميم جاء إليه من دار قِمر بأقصى غرب السودان، وكان جده فكي قاطع، باستطاعته أن يَرَوِّب الماء، أما إذا زغرت، فما من مُغلق إلا انفتح، ولا مشبوك إلا انحل ولا غائب إلا عاد، ولا بعيد إلا قرب، ولا عصية إلا طاعت، ولا كُربة إلا فُرجت.
في هذه البلاد يؤمن الناس بالله ورسله، بملائكته وشياطينه، جنباً إلى جنب مع الفكي الزغراد، لذا كانت تنبؤاته حقائق مستقبلية وكشوفات ربانية، وربما هذا ما أعطى لحياتنا قدراً كبيراً من الاستقرار، خاصة من جانب ألم قِشي لأن إيمانها بالفكي الزغراد غير مشروط. أما أنا، فكنت أفكر في الفكي علي الزغراد كشخص يمتلك مهارات لا تخفى في الإقناع، يعمل في منطقة مكشوفة من وعي مجتمع الحِلة، وله القدرة على التأثير في الآخرين وارجع ذلك لإمكانات دنيوية مادية بحتة، وهنا تكمن عظمة هذا الرجل النظيف النحيف الذكي الذي تفوح منه دائماً رائحة الصمغ العربي، وهو يفهم رأيي فيه ويحترمه وإن كان يرى في نفسه أنه يمتلك قوة روحية، وأن له خدماً من الجن ويحتفي بعلمه ومعرفته بأسرار النبات وعلم الحرف والكف والوجه وفتح الكتاب، ويقول فوق ذلك كله أو لذلك كله إنه من بيت النُبوة، وأنه من الأشراف.
سألته ذات مرة
من هم الأشراف؟ -
قال لي
. هم القرشيون عشيرة النبي-
قلت له
ولكن القبائل العربية الهاجرت للسودان كانت من جُهينة؟ -
قال مبتسماً
وعلي رضي الله عنهما. نحن أولاد الحسن و الحُسين أولاد فاطمة-
قلت له
. نعم... نعم-
وكان يدور في رأسي استشهاد الشابين أحدهما بيد يزيد بن معاوية والآخر بيد معاوية ابن أبي سفيان نفسه، في أزمنة غابرة بالجزيرة العربية والشام.




















أَحوَالُ ثَوَرَةُ الخُرَاءْ

نَحْنُ الآن في شهر مايو، نِهاية مايو، أقمتُ منذ أكثر من شهر في التَاية، استعداداً للموسم الزراعي الجديد، حيث إنني اشتريت أرضاً جديدة مقدارها عشرة أفدنة و تحتاج إلى تنظيف، تكثر بها أشجار الكتر، وقليل من أشجار اللعوت، وبعض الطلحات، كان معي عاملان، يساعدانني في أُم بَحَتي، حيثُ إنه ليست لي خبرة في شأن الأرض، أحدهما مُخْتَار عَلِيْ نفسه والآخر هو إبراهيم عثمان الذي يُلقب بالشايقي، ولكنه في الأصل جعلي وقام والداه بتشليخه شلوخ الشايقية عملاً بنصيحة بعض الأقارب، حتى يتجنب الموت، لأن كل أخوته الذين سبقوه كانوا يموتون وهم في عمر دون الخامسة، وقد نجحت الحيلة وعاش، وهو الآن على مشارف الخمسين، الأثنان جنقوجورايان نشيطان، عركا الأرض طويلاً، يفهمان في النظافة، الزراعة في الكديب والحصاد، إضافة إلى خبرتهما في الحيل المحلية على مقاومة الآفات بأنواعها، ولا يفوقهما في ذلك سوى الدَنَبَاريْ، كلاهما بدون أسرة.
كان مختار علي هو الأكبر سناً، حيثُ أنه في أواخر خمسينياته أما الشايقي فعمره فوق الأربعين بقليل، وهو شاب قوي البنية طويل، له بشرة حمراء وشارب كث، كلا الرجلين أمي لا يفك الحرف، عملنا في الأرض منذ مارس، وكنا نقيم بصورة شبه دائمة في قُطية وراكوبة، القُطية نخزن فيها طعامنا ومتاعنا ونأوي إليها إذا برد الجَو، الراكوبة للمقيل والونسة، أما مطبخنا فهو الفضاء الرحب، حيث نستخدم بعض الحجارة كموقد، وكل مكان لا يراك فيه الآخرون هو مرحاض.
كنا نحصل على الماء عن طريق الحمير من نهر سيتيت، عبر مُشْرع زهانة، لأنها الأقرب، ونحتفظ بها في براميل كبيرة من الحديد، وظل مشوارالماء هو ما يربطنا أسبوعياً بالقرية، حيث إن الطعام متوفر لدينا،:الكجيك، والشرموط، أم تكشو، الكمبو، الفرندو الويكة، والملح والشطة ولدينا كمية من دقيق الفيتاريتا، يكفي لشهور كثيرة، وإذا أضفنا إلى ذلك ما تجود به الغابة من لحوم طازجة شهية في شكل فئران، أرانب، طيور، أبوات قدح، حلاليف، أصلات، وغيرها، نجد أنفسنا في جنة صغيرة، بها كل ما يشتهي الجنقوجوراي. على كلٍ مسألة الطعام عند الجنقوجوراي سهلة، بسيطة لأن الجنقوجوراي يأكل كل ما ماطار وكل ما سَبَح، كل ما مشي على وجه الأرض ماعدا بني الإنسان . ومنذ أن قَرَرتُ أن أكون واحداً من هذا المكان أي جنقوجوراي؛ قَررتُ أن أحيا كشخصٍ حقيقي ينتمي إلى كل شئ فيه فكراً وممارسة، ولو أنني اتخذت أقرب الطُرق التي تربطني بالمكان والناس وهي المرأة، ولكن هناك مرارات اجتماعية عليّ ان أتعود عليها، وأهمها نظام العمل الشاق، استعنت أيضاً بالضمان الاجتماعي الذي تحصلت عليه في الشهر السابق، دفعت منه ثمن الأرض، وتركت ما تبقى من مال لألم قِشي لتدبر به حالها، بعد أن قللت من عملها بميس شركة الاتصالات، حيث إنها استخدمت امرأة أخرى معها للمساعدة على أن تقاسمها الراتب الشهري: في الحق كنا نحافظ على طفلنا لا أكثر.
الشايقي ومختار علي لا يكلفان كثيراً، بالإضافة إلي الطعام اليومي الذي نشترك فيه جميعاً، يحتاجان للسجائر والتُمباك والمريسة، والأخيرة يصنعها الشايقي بنفسه من بقية اللقمة والكِسرة مضافاً إليها بعض الدقيق من مخزون الميس، وهي نوع من المريسة الخفيفة والتي تسمى بَقَنية، وهي أقرب لـلعسلية، وهما لا يتناولانها في الحِلة، حيث تسمى بمريسة الفقرا، أنا لا أفضلها كثيراً، يعرفني الناسُ بحبي لعرقي البلح والمستورد، وذلك عندما يكون لديّ فائض مال، أما عندما أكون مفلساً فأنا من التائبين عن الخمر ولا أشربها بالدين مطلقاً.
تخلصنا من الأشجار الكبيرة جميعاً، وقمنا بصنع عشرين من كمائن الفحم الضخمة، كان عملاً متعباً ولكنه لا يخلو من متعة هي لذة الإنجاز، الإحساس بخلق قيمة من العدم، كنت قد أعلنت مسبقا على أنني سأتقاسم المردود المالي للفحم بالتساوي، بيني و مختار علي و الشايقي، مما سَرّع من العمل وجوّده، فبعنا ثلاث شحنات من الفحم إلي سماسرة الفحم بالقضارف وخشم القربة والشواك، بعناه تسليم مشروع، أرخص سعراً ولكنه يجنبنا إشكاليات الشحن والترحيل والجبايات الكثيرة والرشاوي والرسوم الطارئة التي يبتكرها الشرطيون بمجرد أن يروا عربة الفحم.
بدأت وفادة الجنقو للحلة تتكثف، حين أخذ هطول المطر في الحبشة يتزايد، وبدأ موسم الزراعة في الشرق عامة، ونتيجة للنقص في المال والرغبة في الزراعة واللحاق بالموسم برزت حكاية البنك مرة أخري إلى السطح، ويعرف الجنقو جميعهم أن البنك قام بتسليف كبار المزراعين من مدينة القضارف و مَحَليّة الفَشقة وحتي خشم القربة وكسلا، وقام بمدهم بتراكتورات ودساكي وأعطاهم نقداً قروضاً إسمها السَلمْ. كان الجنقوا يتساءلون، لماذا لم يبتِ البنك في طلبهم، لماذا التمييز ضدهم، وهم أعرف الناس بالأرض، هم الذين ينظفونهاْ يزرعونها ويحصدونها ويحاربون آفاتها، هم الذين ينتجون العيشَ و السِمسِمْ. لماذا لا يثق البنكُ فيهم؟ وأخذ الجنقو يتداولون الأمر في تجمعاتهم، كانوا في هذا الشهر البائس: مايو. يعانون من الفقر المدقع، حيث لا عمل بالتالى لا نقود، لا مهرجانات لشرب المريسة، التي ارتفع سعرها نسبة لإرتفاع سعر العيش،لكن كرم الفداديات يسع الجميع، فيمكن الشرب عن طريق الشخط في الحائط، أو عن طريق الأمنيات ورهن الزينة، من مسجلات أو نظارات شمسية أو قمصان أو راديوهات أو أي أشياء آخرى لها قيمة، لذا ما يزال الجنقو يتجمعون في بيوت الخالات، أدرنا معهم حوارات عميقة و طويلة عن البنك ودوره، و قد تحمس كثير منهم للفكرة، أن نذهب الى البنك مرة أخرى، ونطلب منه أن يقدم لنا قرضاً محدوداً وتراكتور بدسك و أن نقدم له ما نستطيع من ضمانات، وتبرع عشرون شخصاً يمتلكون بيوتاً مسجلة بأسمائهم ان يقدموها للبنك رهنا، و تبرعت أنا بمشروعي الزراعي الصغير.
ربما الذين تفاجأوا بتجمع الجنقو أمام البنك هم أداريو البنك ورجال الأمن فقط، ولكن جميع سكان الحِلة رجالاً ونساءً وأطفالاً، كانوا يعرفون أن الجنقو سوف ذاهبون إلي البنك يوم السبت.. وأن لهم طلباً واحداً.
- جربونا في مشروع واحد وتراكتور واحد وسلفية لاتتعدي خمسمية ألف جنيه..
قدرنا عددنا بمئة من الجنقو والجنقوجورايات وكثير من الأطفال، إنضم إلينا صغار التجار الذين حرمهم البنك من التمويل فهم أيضا كانوا غاضبين وقد افشوا لنا كثيرا من أسرار علاقة البنك بكبار التجار وأصحاب المشاريع الكبيرة، وقالوا لنا بالحرف الواحد، أن البنك يريدهم ان يبقوا عمالاً و شغيلة تحت إمرة المزارعين الكبار حتي يضمن عودة سلفياته التي قدمها لهم.
بالتأكيد لم يحاول مدير البنك الاستعانة بالشرطة ورجال الأمن لأنه لم تكن هنالك مظاهرة ولاتهديد باستخدام العُنف، إنما كانت مفاوضة قُدتُها أنا ومعي الصافية والبقية يسمعون وينظرون.. ويشاركون بالصمت والتنظيم وعدم إثارة أعمال الشغب.
كان لمدير البنك تحفظان، الأول هو أنه لا يستطيع أن يقدم سلفية لجماعة غير رسميةُ فلا هم إتحاد ولاهم شركة مسجلة، مجرد جماعة؛ حسب تعبيره: لا رأس لها ولا قعر.
أما التحفظ الآخر فقد كان أيضاً واضحاً
- أنا عايز ضمان.. ضمان أرض لها قيمة ومسجلة بأوراقها و مستنداتها، أو ضمانة مالية أو عقار ؟!.. دي سياسة البنك
قلنا له: لدينا عشرون قطعة سكنية بالحلة، و مشروع صغيرمن عشرة أفدنة، وليس لدينا عقارات في مدن و لا منقولات ذات قيمة مالية كبيرة، ولا أراضي أخرى، و إلا لما كان هذا حالنا، فقراء و صغار مزارعين، وووووو.
أكد ان البنك يدعم و سوف يدعم الفقراء وصغار المزارعين، ولكن بشروط أمان تضمن له حقه، و أنه لا يستطيع أن يتخطى سياسة البنك.ثم أضاف مراوغاً
- أنا حأنقل كل الحوار الدار بيننا إلى رئاسة البنك في الخرطوم، ونشوف الرد شنو بإذن الله.
قالت له الصافية التي كانت ترفل في صمت عميق منذ أن دخلت معي إلى مكتب المدير الفاره: يعني حتدونا السلفية ولا لأ.
قال لها المدير بريق ناشف
- حتى الآن لأ.
إلتفتت إلي الصافية قائلة
- قوماك نمشي، القاعدين ليها شنو؟
شكرته على حسن ضيافته لنا، حيث أنه أكرمنا بماء بارد، وزجاجتي ببسي كولا، أتى بهما ود أمونة، و انصرفنا، كان الجنقوا ينتظرون في الخارج في جماعات،وعند باب البنك أحاطوا بنا يسألون، ولكن أبرهيت وهو الشخص المسئول عن تنظيمهم، قال لهم، ودون ان يستشيرني.
- المساء في بيت أدي الحوش الخلفي، عايزنكم جميعاً.
عند طلوع القمر كان بحوش الأم الخلفي، حوش الحفلات، ثلاثمائة من المواطنين أطفالاً نساءً ورجالاً، بادر الحضور الفكي علي بتلاوة من الذكر الحكيم،وتوتر صوته عندما بلغ الآية الكريمة : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)
ثم أعقبه أبونا بيتر راعي الكنيسة في صلاة قصيرة قرأ فيها:
" ياهؤلاء جميعكم القادحين نارا،المتنطقين بشرار،إسلكوا بنور ناركم وبالشرار الذي
أوقدتموه. من يدي صار لكم كل هذا،في الوجع تضطجعون."
وكررها بالعامية كمايلي:
" يا أنتم المولعين نار، المتحزمين بالشرار، أمشوا بنور النار والشرار، بتاع إنتم،
كلو دا من يدي أنا ربكم، و الطريق كُله آلام"
ثم ما لبث الناس يتداولون في أمر واحد
- نعمل شنو ؟
إذا قاطعنا الزراعة، نحن الذين نموت جوعاً أولاً، إذا بقينا كعمال سوف لا نكسب شيئاً يأتي الموسم خلف الموسم خلف الموسم، ونحن من اليد إلي الفم والمستفيد هو الجلابي صاحب المشروع..
قال أحدهم
- نكسر البنك...
ردوا عليه أنهم لايريدون دخول السجن ولا المواجهة مع الشرطة التي قد تؤدي إلي فقد البعض وإصابة البعض بأذي جسيم، وقالت سُعاد يوهنس وهي والدة أحد الشرطيين
- يعني نقتل أولادنا البوليس أويقتلونا.. الخسران منو؟!
وفجأة تحدث صديقي، قائلاً:
- نحاربهم بالخَرَا..
سكت الجميع لأن الكلمة بدت لهم غريبة وغير مقصودة تماماً.. أو أنها ربما كانت كلمة أخري سمعوها على هذا النحو.
قال مؤكداً وبعينيه إصرار غريب
- بالخرا.... ما بتعرفوا الخرا؟؟؟
ضحكوا وظنوا أنه يعبث أو هي إحدي مغامراته العجيبة.. قال لهم..
- سمعتوا كلكم بالهنود.. الهنود ديل طردوا الانجليز الأقوياء بالخرا بس. و الناس الكبار في السن منكم مثل، مختار علي و الفكي الزغراد، و السيد أبرهيت و الشايقي، وأدي.. غيرهم وغيرهم عاصروا وهم أطفال المَهَاتِمَا غَاندِي، أها دا الزُول القاد ثورة الخرا.
قليلاً قليلاً،تفهم الناس الأمر، قليلاً قليلاً قبلوا به، قليلاً قليلاً حددوا المائة الأوائل الذين سوف يفعلون والآن... قليلاً قليلاً..حددوا الخمسين.. قليلا قليلا....حددوا الثلاثين، وتم ترتيب كل شئ.
في الصباح الباكر، عندما إستيقظ الموظفون في الميس، لم يستطع أي منهم الخروج للعمل، حيث كان البراز هنالك يقف عند الباب محتجاً، عفناً.. قبيحاً بائساً لكن بصمود عجيب. وعندما كسروا الصريف كان عليهم أن يصنعوا من قصبه جِسْراً يعبرون به إلي الشارع..ولما وصلوا إلى مبنى البنك وجدوه غارقا هو الآخر في بركة من الخُرَاءِ، ولا يمكن لكائن من كان أن يقترب منه، جيش الذباب الاخضر الضخم ذو الطنين الرهيب صار سيد المكان ومالكه الأوحد، ومديره العام.
إستعانت إدارة البنك بعمال الصحة، الذين أكدوا أنه لم تكن ضمن شروط خدمتهم خمَّ الخراء، إنهم عمال نظافة مواد جافة..
طلب مدير البنك من الشرطة أن تقبض علي الفاعلين وتجبرهم علي إزالة البراز ولكن النيابة ردت بأنه: " لاتوجد عقوبة بغير نص"، فالتبرز في العراء لم يُعتبر في يوم ما جريمة يعاقب عليها القانون، ولم يُوجد أمر محلي يمنع ذلك.. وكيف نعرف الذين تبرزوا من برازهم ؟!
وكانوا في قرارة أنفسهم يقفون إلي جانب الجنقو،لأن البنك كان محسوباً على مجموعة سياسية بعينها، ليسوا هم بعضها. ركب مدير البنك ومعه فريق عمل مكون من خمس أشخاص عربتهم اللاند كروزر دبل كبينة، وانطلقوا لا يلوون على شيء إلي القضارف..
في اليوم التالي تبرز مائة من الجنقو داخل الميس المهجور، بل داخل الغُرف وعلي السراير وحاويات الماء النقي المكرور، وضعوا كمية لا بأس بها من البُراز في الثلاجة والأدوات الكهربائية والأواني... وتركوا مخزوناً آخر في أكياس التسوق البلاستيكية وزن كيلو مبعثرة تحت الأسرة وفي المطبخ ومعلقة علي الأسقف...
في اليوم الثالث ذهب الجنقو جميعاً للعمل في نظافة مشاريع التجار بأسعار عمالة لم يفكروا فيها كثيرأ، كانوا يريدون الخروج من الحلة، بأية صورة كانت !
بعد أُسبوع من الحادثة رجع رجالُ البنك في معيةِ شاحنةٍ من الاحتياطي المركزي مسلحين بِرشاشات وقذائف مسيلة للدموع، عصي مطاطية، درق، سياط وعربة مطافيء.
حاولوا غسل المكان بخراطيم الماء المندفع بقوة من عربة المطافئ ولكن هيهات،فقد كان الشيء من الكثافة و التماسك بحيث لا يزيده الماء إلا اندياحاً إلى أمكنة و ساحات أخرى. ثم أقام الاحتياطي المركزي في مُخيم صغير مرعب قرب البنك لشهرٍ كامل ٍ، أما المَيس؛ فقد تم هجرانه بصورة قاطعة ونهائية، ولكن بعض الجيران ظلوا، كلما وجدوا الفرصة سانحة، يرسلون أكياس التسوق مملوءة بالشئ اللزج العفن من فوق الحوائط إلي الميس الجديد.
رجع الشايقي ومختار علي إلى التاية؛ رجع صديقي الى القضارف، ثمّ من هنالك الى الخرطوم، بقيت أنا في الحلة لبعض الوقت لمؤانسة ألم قشي،لم أر ود أمونة، سألت عنه ألم قشي، قالت إنه كان في القضارف، ولكنه عاداليوم لعمله بالصباح في البنك، و عند المساء سوف يأتي للعمل في بيت أدي، كان لا يضيع وقتاً بلا عَمَلْ، فسألتها لماذا يُرِهق نفسه بهذه الطريقة، ولا مسئوليات لديه وليس له مَنْ يصرف عليهم، بل حتى صلته بامه مقطوعة،قالت لي، إن ود أمونة يعمل بجد ويكدح من أجل العازة.
قلتُ مُنْدَهِشَاً
- العازه!!! العازة دي منو؟
فحكت لي ألم قِشي،ما يحكيه ود أمونة أو هي الحكاية الشائعة، وود أمونة، نادرا ما يتحدث في هذا الموضوع: عندما خرجت العازة من السجن؛ أخذت معها ود أمونة،وكانت قد وعدته ووعدت أمه أمونة التي تركتها في السجن وراءها، بأنها ستعتني به كما لوكان ولدها، و إنها ستدخله المدرسة، إلا أن العازة بعد خروجها من السجن واجهتها مشاكلُ كثيرة جداً من أسرتها، حيث أن أخوانها ووالدها كانوا يصرون على أن تلتزم بواحد من الإثنين، إما أن تتزوج أي كان و بسرعة، و إما أن تترك العمل الذي أخذت تمارسه بعد خروجها من السجن مباشرة وهو بيع الشاي والقهوة في سوق القُونِي، و أن تبقى في المنزل ولا تبرحه، لأن أسرتها كبيرة و أخوانها معروفون، بالتالي تهمهم سمعتها. لكن العازة رفضت كل العروض، وواصلت عملها في سوق القُوني، حيث كسبت مجموعة من الزبائن، و طورت عملها عندما ألحقت بمقهاها مطعماً تبيع فيه الأغذية البلدية، و أدخلت ود أمونة مدرسة خاصة في حي كرفس، واستأجرت لها بيتاً في حي الأسرى، لكي يكون قريبا من موقع عملها،والحق يُقال كانت ملتزمة أخلاقياً، ومحترمة لنفسها و لعملها، ولم يُعْرَفْ لها أي نشاطٍ مخالف للقانون ولم يتشكي منها الجيران، مع ذلك فإن أخوانها لم يرضهم كل ذلك، وخططوا لتخويفها و طردها من مدينة القضارف، لأية بلدة كانت، وكانت تعلم بمخططهم و تستعد لمقاومته، وفعلاً هاجمها إثنان من إخوانها في بيتها عدة مرات، وإعتدوا عليها بالضرب، وهاجمها في مكان عملها بعض البلطجية المأجورين،وكانت ترد في شراسة،ولكنهم فكروا أخيرا في استهداف ود أمونة، أستأجروا بعض الصبية المشردين و مدمني البنزين ليعتدوا عليه بالضرب في طريقه الى المدرسة و أينما وجدوه، ولكن بعض الشواذ منهم عندما رأوه فكروا في الأعتدء عليه جنسياً،وقد تخلص ود أمونه منهم بماتعلمه من أمه من مهارات قتالية، ثم أخبر العازة، التي قامت بعمل كمين لهم و ضربهم ضربا عنيفاً، بل أنها طعنت أثنين منهم بسكين إعتادت أن تحملها معها منذ أن خرجت من السجن، أصيب أحدهم بعجز مستديم، ومات الآخر، ودخلت السجن هذه المرة مدانة بالقتل العمد مع سبق الإصرار و الترصد، ومع أن أهل المتشردين الذين ظهروا فجأة قبلوا بالدِيّة، إلا أنها تعسرت في دفعها فظلت منذ ذلك الوقت الوقت مواجهة إما بالديّة أو المؤبد، حتى بعد أن قبلت أسرة القتيل بخمسمائة ألف جنيه فقط بعد مساومات من رجال و نساء خير كُثر، إلا أن المبلغ يعتبر كبيراً جداً بالنسبة لامراة وحيدة، و بالنسبة لأصدقاء فقراء؛ لم يتمكنوا من جمع سوى القليل، ثم إحبطوا فتكاسلوا، وهكذا بقي ود أمونة وحده يعمل منذ ذلك الحين مع أدي وغيرها،لكي يتمكن من تسديد الديّة حتى تنال العازة حُريتها.
قال لي قبل شهرٍ تقريباً إنه لم يتبق عليه سوي مائة جنيه فقط، لزا ربما كان ذهابه للقضارف بشأن أمر العازة، فهو دائماً ما يزورها في السجن.
عندما ألتقيت هذه المرة بود أمونة، تغيرت صورته في نظري الي بطل انساني عظيم، و بمجرد أن سألته عن صحة العازة، أخذ يحكي لي عنها، عن شهامتها، و كرمها، و إنسانيتها وكيف أنها ظلت تعاني عمرها كله من أقرب الأقربين إليها، وهم أفراد أسرتها، ثم تناقشنا فيما تبقي لها من ديّة، و سألته ما إذا كان قد ذهب الى مكتب الزكاة، ضحك في ألم وهو يحكي لي رحلة مرة مع البيروقراطية،قال إنهم أولاً طالبوه بشهادة فقر من المحلية، ثم بصورة من الحكم، ثم بالتأريخ الشخصي للعازة،و أخيرا قالوا له: إن المال المرصود لمصرف الغارمين لهذه السنة، قد تم صرفه و أن عليه أن يعود إليهم في العام القادم، وفي العام القادم بدأت الرحلة من جديد، و إنتهت بأن لم يرصد مال للغارمين في هذه السنة، نسبة لحاجة الناس للمال في مصرف آخر وهو مصرف المؤلفة قلوبهم، سوف يحاولون في العام الذي يليه، وقال لي ود أمونة إنه يعلم أن مكتب الزكاة قد قام بدفع الملايين لكبار التجار من مدينة خشم القربة تسديدا لديونهم في البِنُوك، بعد أن أقسموا أنهم معسرون، والناس تتحدث عن ممتلكات هؤلاء المُعسرين من وابورات، و شاحنات، وسيارات نقل ركاب، عقارات، ومغالق و توكيلات تجارية. حدث ذلك في نفس الأيام التي كان هو يستجدي فيها المكتب لدفع ولو خُمس الدِيّة.
سألته عن أمه، قال لي إنها خرجت من السجن قبل سنوات طوال، و تزوجت من شَرطي سجون، كان يعمل بالقضارف و تَمّ نقله إلى سجن شَالا بالفاشر، وسافرت معه الى هنالك، ونسبة لأن ود أمونة رفض السفر معها، و لأن زوجها نفسه لم ترق له فكرة إصطحابه معه، فقد قامت أمونة أمه بتسليمه إلى أدي، وهي صديقتها، وقد عاشتا ردحا من الزمن معا في أُمْ حَجَر بعد أن إعتزلت أدي العمل العسكري بعد التحرير، حيث كانت تعمل مقاتلة في الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا. لم يجد ود أمونة صُعوبةً في التأقلم و العَيش مع أدي، فهو قد ولد بالحلة، وقضى جانباً كبيراً من طفولته بها، وجد ألم قشي ببيت أديّ، ولها صلة بصديقته العازة، ومع أنه لا يدري مدى عمق الصلة؛ إلا أن ألم قشي رحبت به و إحتضنته، ولقد سالتُ ألم قشي فيما بعد عن صلتها بالعازة، فقالت: تجارة.
على الرغم من الظروف الصعبة التي أمر بها أنا نفسي، ظرف العطالة و الإستعداد للموسم الزراعي الجديد،والتجهيز لمولودي القادم، وبقاء ألم قشي بالبيت عاطلة عن العمل، إلا أنني، تبرعت لود أمونة، بنصف المبلغ المتبقي مِنْ الدِيّةِ.
إعتذر ود أمونة عن استلام المبلغ، لأسباب يراها موضوعية وهي أولا: هذه الأيام هي أيام الزراعة، و أنا أحتاج لكل مليم من أجل أرضي ولربما أنا لا أعرف مدى حاجتي للمال في هذه الأيام نسبة لعدم خبرتي في الحرث و الزرع، و الأولوية للأرض. والشيء الآخر هو أنه لا يمتلك النِصف الآخر من المبلغ، إلا بإنتهاء شهراكتوبر،لأنه دفع مبلغا كبيراً من المال في الأسبوع الماضي، تحصل عليه من (صرفة صندوق)، ولا يمكنه التحرر من هذا الدين، إلا مع نهاية شهر يونيو. بالتالي في كل الأحوال ستبقى العازة بالسجن إلى ما بعد إكتوبر، وقد إقترح عليّ أن استخدم المال في الزراعة و بعد ذلك الموسم أعطيه إليه، إذا توفر لي مرة أخرى، علي كلٍ شكرني ود أمونة شكراً أخجلني، ولم يأخذ مني شيئاً.
قبل أن أغادر إلي المشروع للعمل، جاء لقطيتنا في المساء، وحدثني بما إعتبره أحد الأسرار.
- أعمل حسابك من السِكة و ما تشيل معاك قُروش كتيرة!ما تثق في زول: الدنيا ما معروفة.
ولم استطع أن أعرف منه أكثر من ذلك، ووعدني بأنه سيبقى مع ألم قشي، في ذات القُطية، قد تحتاج إليه ؛ فتجده. وذلك الى أن أعود، ولكي يطمئنني أكثر أضاف: ألم قشي دي أختي.
انتظم المطر تقريباً بعد عاصفة منتصف يونيو، كان مطراً غزيراً؛ ولكنه، كما قال لي الجنقو العارفون بالمطر، لم يكن خريفا استثنائياً وقالوا: بداية عادية ولكنها مُبشرة.. إذا نجحت العَيّنَةُ الأولى سوف ينجح الخريف كله.
وَنُصِحْتُ بالبِدَايَة المُبكرة، اشتعلت المشاريعُ جنقوجورا يحرثون وينثرون السمسم وينشدون في صبرٍ وألمٍ، يصنعون الحياة الحَقة للملايين بعرق مُرٍ، ويحرمون أنفسهم من لحظة الحلم التي لا يعونها هم أنفسهم،لا يفكرون كثيراً ولا عميقاً في الأشياء، كما أنّ الثورة الخُرائية التي قاموا بها، لم تلهمهم أفكاراً أخرى أو مشروعات أو أية عملية إيجابية لاحقة، عَبَرتْ مِثل نُكتة سَخِيفَة، حُكِيتْ أضَحَكتْ ثُمّ تَلاشَتْ... وانشغلوا بعدها جميعاً بخلق القيمة بالعمل، ونسوا كل شيء خلافة، يريد الجنقوجورا المال، و الطريق الوحيد للمال هو العمل المتواصل، الذي يتنتهي غالباً عند شجرة المَوتْ في فَرِيقْ قِرِشْ بالحُمَرةْ، أو أية شجرة موت أخرى، إلى أن استيقظنا ذات صباح بخبر غريب، عن قُطاع الطُرق الفَالوُل أو الشِفِتة في خور عناتر المُعْشَوشِبْ الواقع وسط المشاريع الغربية، بين الشَقَرَاب والحِلة. ظَلّ هذا المكان آمناً، حتى في سنوات الحرب الأرترية الأثيوبية، وانفلات الأمن عند الحرب ما بين جيش الحكومة والمعارضة المسلحة في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم، لذا كانت دهشة الناس عظيمة عندما عَرفوا أن الشِفتة لم يكونوا من الفالول الأحباش أو الأرتريين، ولكنهم سودانيون، بل و من الجنقو، وعُرِفَ البعض باسمائهم، كانوا يحملون الأسلحة البلدية: فئوساً وحراباً وخناجرَ وسيوفاً أيضاً، كانوا لا يقلون عن عشرة من الرجال السُود الأقوياء، قاموا بنهب عربة بُوكس تعمل في نقل الركاب إلى معسكر الشقراب، أخذوا كل ما لدى الركاب من أشياء قيمة مثل الساعات والنقود وحتى الاحذية، الجديدة. وتحصلوا على مسدس كان يخص سائق العربة ويخفيه تحت المقعد مع كرتونة من الخمر المستورة، وفي نفس اليوم هاجموا نقطة التفتيش الواقعة في مفترق الطرق بين الشواك و الشقراب واستولوا على رشاشة كلاشينكوف وبندقية جيم 3 وهربوا في اتجاه غابة زهانة، مستخدمين عربة نقطة التفتيش التي وجُدِتْ معطوبة قرب قرية الجيرة. حَدَثٌ بهذه الضخامة، عندما يدخل الحِلة فانه يخرج منها أحداثا كثيرة بشعة، وهذا ما وقع بالفعل، حيث شِيِع أن الجنقو تمردوا جميعاً، والآن يهاجمون جيش الحكومة في حاميتي زهانة وهمدائيين بأسلحة تحصلوا عليها من أرتريا، وصدقتْ الإدارة العسكرية والأمنية الرواية الشعبية للحدث، واتصلت بحامية خشم القربة وحامية القضارف طالبة العون العاجل لأخماد ثورة الجنقو.. ولكن نسبة لخبرة الحكومة الكبيرة في الصراعات المحلية والثورات المسلحة لم ترسل جيشاً، ولكنها أرسلت لجنة تقصي الحقائق برئاسة مسؤول أمني في رتبة كبيرة، وقامت اللجنة المطوقة بحراسة مشددة على عربة مصفحة بزيارة مواقع العمليات، والتقت بالأشخاص الذين هوجموا وحققت مع الجميع، ثم كُونت لجنة مدنية حققت مع السكان.. ثم كتبت تقريراً أهم ما فيه:
" خمسة رجال من عمال المشاريع الموسميين يقومون بأعمال تخريبية لأهداف غير معلومة، ويُرجَّح أنها للحصول على المال، يتسلحون بمسدس وبندقية جيم3 ورشاشة كلاشنكوف واسلحة بيضاء أخرى..بعضهم جُنُود مسرحون من الجيش، لا يميلون للقتل أو سفك الدماء.. معروفون لدى كل السكان بالإسم وهم: طه كوكو نمر(عسكري معاش)، عبدالله خير السيد الطيب، برهاني تخلي ولدو، ونق مايوم أجانق(عسكري معاش)، ابراهيم عثمان الشايقي وهم الآن اما في مكان ما بغابة زهانة، أو أنهم عبروا نهر ستيتيت إلى مدينة الحُمَرةْ، أو أنهم يتحركون في هذا المجال من وإلى أثيوبيا".
ثم أوصى التقرير بحماية طُرق السيارات العامة التي تربط الحِلة بالشَقَراب وطريق همدائيين والجيرة، الحفيرة زهانة. وأن ينشأ طوق عسكري آمن يتحرك في غابة زهانة للبحث عن المجموعة، ونصح التقرير بصورة واضحة عدم اعتقال المواطنين أو الإضرار بهم، وتجنب الدُخول في صراع مسلح مع أي كان، مالم يبادر الخصم باطلاق النار أو نصب الكماين.
تركوا كتيبة كاملة من الإحتياطي المركزي جيدة التدريب، شباب غُبش، لهم عضلات مفتولة وأجسام رياضية، ورؤوس حَليقة بطريقة الكوماندوز، يَمشون في الطُرقات باختيال أقرب إلى الغنج، لولا قِلة النساء في شوارع الحلة وسوقها، لحدث إفتتان لا تُحمد عقباه. أطلق عليهم السكان اسماً سريعاً يحمل وجهه نظر حادة تجاههم.. سموهم: البُوم..
كأن أجدر بي أن أكون أول العارفين بخروج الشايقي في جماعة الشفتة، لقد ذهب دون أن يلمح إليّ بذلك مجرد تلميح، وكنت معه إلى آخر لحظة بالتاية، أذكر أنه كان يحس بالغبن الشديد تجاه البنك، ويعتبر البنك والحكومة نفسها يعملان على زيادة غنى التجار، وأنهم ضد الجنقو.. كلنا نفتكر ذلك ونعتقد في ذلك ولكن هل هذا يبرر الإعتداء على المواطنين وأخذ أموالهم وممتلكاتهم وتخويفهم، وما علاقة ذلك بالغبن تجاه البنك أو الحكومة؟ ومن يدري قد تقود بعض هذه الحوادث إلى زهق الأرواح ؟!!
إذاً ربما كانت هنالك حلقة مفقودة، تناقشتُ مع مختار على حولها كثيراً، وأخيرًا أحلنا الأمر إلى أن الشايقي ورفاقه أرادوا حياة رخية ومالاً سهلاً،فالعمل بالمشاريع عمل صعب و مردوده المالي لا يغطي إلا الإحتياجات الصغيرة التافهة، و لوقت محدود، وليس هنالك ضمان إجتماعي أو تأمين صحي و لا فوائد ما بعد الخدمة ولا معاش، إنه كما يقول مُخْتَار عليْ: عدم في عدم.
ولكنهم الآن يخاطرون بحياتهم، المال السهل يقود إلى الموت السهل. وقررنا أن نلتقي بهم لنعرف، على الأقل حقيقة أمرهم.












أَحْوَالُ ثَوَرَةُ ألمْ قِشِي

أرسل ليّ ود أمونة مع أحد الجنقو رسالة شفاهية، فهمت منها، أن ألم قشي مريضة، و علي أن أحضر بأسرع ما يمكن، فرتبت أمر التاية مع مختار علي، و ركبت لواري همدائيت الصباحية، إلي الحِلة.
وجدتها وود أمونة في المنزل، كانا يتناولان القهوة،بدت ليّ شاحبة بعض الشيء، سوى أنها كعادتها دائما جميلة و مبتسمة، ولكني لاحظت أيضاً خيبة أمل ما في وجهها، وكأنها ما كانت تتوقع حضوري، ذهب ود امونة لغرض ما أو ليتركنا منفردين، أخبرتني بأنها ما كانت ترغب في أن تخبرني بأنها مريضة، و أن ود أمونة قد تصرف بدون استشارتها، ثم أخذت تتحدث بصورة عدوانية لم أعهدها فيها، ثم فاجأتني قائلة
- أنا أجهضت، قبل يومين..عمر خمسة شهور.
في الحقيقة صُدِمتُ تماماً،وهذا هو الشيء الوحيد الذي لم يطرق على بالي إطلاقاً، و أحسست بألم بالغ في معدتي، و شعرت بالفشل، بفشلٍ مرٍ وبليد، لم استطع سوى أن أبحلق في بَطِنها، و كأنها ليست سوى خدعة حبشية خشنة،وكأنما الطفل ما يزال هنالك، كلما مرت الثواني ولم تتراجع ألم قشي من خدعتها، كان العالم يموت تدريجيا في ناظرى.
أضافت في حِدةٍ: لقد إنتهى كل شيء بيناتنا.
تمنيت لو أن مايجري الآن ليس سوى كابوس لئيم، ألم قشي التي أمامي هي ليست ألم قشي زوجتي و حبيبتي، قالت لي مرة أخرى، بذات اللغة
- كل واحد مننا حيمشي في سكته.
سألتها ماذا تعني بذلك، أخذت تكرر أنها لا ترغب فيّ بعد اليوم، فبدى لي للحظات ليّ أنها قد أُصيبتْ بمس من الجنون،قلت لها إنني أحبها و لن أتركها، أبداً، و أنني حبيبها وزوجها الشرعي، و إنها سوف تنجب مني طفلاً آخر، وإذا كان يؤلمها الإجهاض فإنه يؤلمني أكثر، أحتضنتها، لكنها كانت باردة كالجليد، جامدة كصخر، تكرر، في آلية مؤلمة:
- إنتهى.....إنتهى كل شيء.
قلت لنفسي لأتركنها الآن، تتخطى الصدمة،يوم يومين و تعود المياه إلى مجاريها كما يقولون، ولكني كنت قلقاً و متردداً وتائهاً، فلم أستطع أن أصبر على رأي، فبحثت عن ود أمونة، ووجدته سريعاً كما هي العادة، حيث أن ود أمونة يُوجد حيث تَريد، تناقشنا في شأن ألم قشي، وقال لي إنها على هذه الحال مُنذ أن أجهضت، و إن الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يجعلها تتراجع هي أَديّ، فعليّ بها، و حكينا أنا وود أمونة كل شيء لأديّ، تعاطفت أدي معي أو معنا، و كانت قد ساعدتها و هي تعاني آلام الإجهاض من قبل، وهي أيضا تعرف الكثير عن ألم قشي، شعابها و تقلباتها، و طلبت منا أنا وود أمونة أن نذهب نتمشى أينما شئنا و أن نأتي يعد ساعة من الزمان، تريد أن تتحدث مع ألم قشي على إنفراد.
تغيرت ألم قشى للأحسن قليلا، و تراجعت أيضاً قليلا، و قبلت بي كذلك قليلاً، بعد أن انفردت بها أديّ، ولكن ظلت العلاقة بيننا في توتر متزايد، لم يكن لأحدنا يد في أن يُجْهَض الطفل.. كنا نولي حملها الأولوية في التفكير.. لم تحملني مسؤولية الإجهاض ولم أفعل أنا، لَمْ ألمها.. ولكنها كانت تتصرف تجاهي بعداونية غريبة .. أنا لا أتحدث عن العض والرفس وتعمد تلويث ملا بسي بالأوساخ، ولكنها راحت تشين سمعتي بين الناس متهمة إياي باستغلالها وسرقة ذهبها ومالها.. قال لي الفكي على الزغراد : دا مس من الجنون.
لكن أدي كانت دائماً ما تطلب مني أن أصبر، و لم تخف قلقها بأنه ربما قام بعض الحاسدين بكتابتها، و الناس هنا قد يفعلون ما هو أسوأ. قلت لنفسي ربما أن ألم قشي تعاني من إحباط حاد، أصابها نتيجة للإجهاض، من يدري؟ قررت أن آخذها إلى الخرطوم إلى مستشفي تجاني الماحي بأمدرمان. هكذا تشعبت بي طُرق التفكير و الأحزان، و افتقدت صديقي، فلربما أسعفني بحل دونكيشوطي مجنون.
من جانبي فعلت كلما استطيع دون فائدة، وكان خط دفاعي الأخير هو أن تحبل الم قشي مرة أخرى حِبلاً ناجحاً وأن تنجب أطفالاً، فكنت أحبها حقا وليست لدي الرغبة في أن أتركها تشق دروباً أخرى في هذه البلدة الصعبة، هنا النساء أما أن يعملن كجنقوجورايات، و إما كصانعات خمور بلدية، و إما كعاهرات أو أن يمارسن أكثر من مهنة في وقت واحد، وكلها لا تجدي مع ألم قشي، قبل أن تتزوج كنت أراها تنفع لذلك كله، حتى العهر ولقد مارست معها ذلك، وكانت تعجبني كَبغي تعرف كيف تقدم متعة الشئ للرفيق. وكنت أعرف أنها في وقت ما عملت كصانعة للعرقي كما عملت كجنقوجوراية في أكثر من موسم، ولكنني الآن أراها بريئة هشة بل خجولة لا تعرف ماذا تريد أن تفعل، أراها طَفَلة لا تنفع في عمل شئ، أماً مسكينة تتقطع بها سُبل الحياة، إذا تركتها يعني ذلك نهايتها تماماً.
أقمت معها خمسين يوماً في البيت بالحلة لا أغادرها، كنا بين بين، تبدو طبيعية أحياناً، تجن في كثير من الأحايين، تتملكها مرات كثيرة رغبة و حَشية في أن تحبل، و لكنها ما تلبث أن تفقد هذه الرغبة في مرات أخرى، قضيت شهرًا مجنونا متناقضاً، مؤلماً، ولو أنه لا يخلو تماماً من الإمتاع، ثم أستأذنتها في العودة إلي المشروع، وبقيت هي مع ود أمونة و أدي.
ما كاد ينقضي شهرٌ واحدٌ فقط حتى أرسل ليّ ود أمونة رسالة شفهية مع أحد الجنقو فهمت منها أنّ ألم قِشي حُبلى مرة أخري، لأنها لم تحض هذا الشهر، و الشيء الآخر إذا لم أحضر بسرعة فإنها سوف تسافر إلى همدائييت لزوجها السابق، فهي ترغب في العودة إليه. طبعاً أول ما خطر في بالي أن ألم قشي قد جُنت بالفعل في هذه المرة، و الحل الوحيد هو أخذها إلي الخرطوم بأسرع ما يمكن، ورتبت أمري مع مُخْتَار عَلِيْ، بحيث يستعد لخوض معركة بقية الموسم و حده، و تركت له ما يكفيه و الرجال من طعام و مال، و ركبت بص همدائييت مرة أخرى إلى الحِلة..
حكي لي ود أمونة الذي قابلني في موقف السيارات بسوق الحِلة، فور وصولي، بكل شيء بالتفصيل الممل، و قال لولا أدي وهو، لذهبت ألم قشي إلى همدائييت، و أكد لي أنها ليست بمجنونة،بل هي بكامل وعيها، وعلي أن أتعامل مع الموضوع بحكمة. كانت قد استقرت على رأي واحد، هو أنها سوف تذهب إلي همدائييت، و أنّ عليّ أن أطلّقها، لأنها تريد أن تعود إلي والد بنتيها، وقالت إنها أرسلت له بهذا الشأن، وقَبِل الفكرة، و هو الآن في انتظارها، وقالت مؤكدة:
-إذا رفضت برضو حامشي ليهو في همدائييت..
قلت لها:
-ولكنك حامل !!
قالت بكل ببرود:
- لمّان أِلدْ حَ أرسل ليك جناك هنا..
طبعا اقتنع الجميع أن في الأمر يداً شيطانية، وأن الحاسدين فعلوا فعلهم مع الفُكَيَاِ، وأتهم البعض الفكي على الزغراد نفسه، ولكن على الزغراد حلف بالنبي وبالشيخ محمد الهميم وبالطلاق وبجده الشيخ سليمان الزغراد، أن لا يد له في الأمر، وأكد أن الأمر جنون واذا قبلت فانه سيقوم بعلاجها، ولكنها رفضت مدعية بأنها متعافية وأن الآخرين هم ا لمجانين طلبت منها أن تخبرني بالسبب الذي جعلها تتخذ هذا القرار، قالت السبب هو أنها تريد أب طفلاتها، و تريد أن تعيش مع بناتها، و لا شيء غير ذلك.
قلت لها:
- وأنا......؟؟
قالت:
- بطريقتك؟ النسوان كتيرات، اختار التعجبك.
تكون سريعاً فريقٌ ( للجودية ) من ناس الحل والربط، رجالاً ونساءً، لَهُم كلمتهم في المكان.. تحدثوا عن العلائق الزوجية والإجتماعية، وتحدثوا عن الشيطان واولاد الحرام و بنات الحرام، والحسد وأيضاً تكلموا عن القِسمة، التي من صفاتها أن تنتهي..
قالت :
-أنا عايزه أرجع لأبو بناتي..
- لكنك متزوجة ؟..
-عايزاه يطلقني..
-أنا مش حأطلقك.. أنت حامل.. ألدي أولاً..
قالت:
-أنا حامل لمّان ألد حارسل ليهو الجنا.. لو ما... وقع زي أخوه..!!
وتجادلنا في حوار يبعد أو يقرب من هذا النسق..أقلقتني عبارتها الأخيرة، كنت لا أرى فيها غير شخصٍ مجنونٍ لا يعرف ماذا يُريد بالضبط، لا منطق له، ويمكن أن يفعل أي شيء، بامكاني أن أطلقها إذا كنت قد اقتنعت بأن تلك هي رغبتها الحقيقية وليست نتاج مرض نفسي أو جنون.. ولو أن فريق الجودية اندهش لرأيي الأخير إلا أنني أرجعت ذلك لعدم مقدرتهم على فهم وُجهة نظري، فجأة خَطرت لي خاطرةٌ، قلتُ لهم:
-أنا حأخليها تمش همدائييت وتبقى مع بناتها.
بُوغِتْ الجودية بوجهة نظري، و لم يستطعوا فهمها.
قالوا:
- أبو بناتها هناك.
قلت:
- هو عارف انها غير مطلقة والأمر متروك للإثنين هو وهي..
- لكنها في عصمتك.
- دا موضوع تاني.. يحسمه القانون..
واختلف الناس اختلافا كبيراً، فظهر في السطح ما سُمي ب "حكاية ألم قشي ".. وتدخل في الأمر مدير شركة الإتصالات والقاضي المقيم ومدير المحلية ونفر من رجال الخير والبركة وأجبروا ألم قشي على عدم الذهاب إلى همدائييت وأُلزمتُ أنا بعدم العيش معها في المنزل، أن أسكن كما كنت عازبا مع مختار على إلى أن تُحل المُشكلة، وكان هذا شرطها هي.. أنا وافقت.. هي أيضا وافقت على مضض..
تركتها في المنزل الذي أعطتنا إياه أديّ، على أمل أن استفيد من هذه الهُدنة في عِلاجها وقررت أن أبدأ مشوار العلاج من همدائييت.. أن أذهب لزوجها واستشيره في الأمر.. وكنت حقيقة آمل في أن يساعد في الحل..
صحبتُ ود أمونة، لأنه أبدى رغبة كبيرة في أن يذهب معي، و كنت حقيقة أحتاج إليه، صحيح أنه شخص أصغر مني عُمراً، و لكني إعترف بأنه أنضج مني إجتماعياً،وركبنا بص همدائييت، وهو عبارة عن لوري تمت إعادة تصنيعه ليصبح ناقلاً للبشر.. له مقاعد ضيقة من الحديد الصلب، ونوافذ حديد، مشرعة صيفاً خريفاً وشتاءً.. يحمل الناس في بطنه وظهره وعلى يمين وشمال السائق، منطلقاً على الأرض السوداء، قافزا فوق الحفر والخيران مثل ثعلب عجوز يهرب من مُطَارِديهِ، كان زئيره يُسمع من مسافات شاسعة عبر أشجار السافنا الفقيرة، تصتنت له الأرانب والفئران و القردة معاً والجنقوجورا المرابطون في التايات البعيدة المنتشرة في عمق المشاريع الزراعية يكدحون. وما ينفك سائقه ينبه من يريد السفر إلى الجيرة، الحفيرة، همدائييت أو الحلال الأخرى؛ أن ينتظره في طريقه الوحيد، الذي يتلوى كثعبان عبر غَابة زهانة، بين أشجار الطلح والكِتِرْ، ويعلو دخانه كثيفاً خاصة في هذه الأيام، حيث الأرض لينة وتنتشر البرك الطينية ويكثر الوحل.
كان الجميع يتحدثون عن الخريف والمطر والزراعة المبكرة وغيرها من المواضيع الحيوية ولا أدري لماذا كنت أنا افكر في الصافية ولماذا في الحقيقة كنت دائماً ما اعقد مقارنة في وعيي ما بين ألم قِشي والصافية والفرق بين المرأتين ليس كبيراً. ألم قشي تجد نفسها تقوم بأفعال وأقوال لا تعبر عنها في واقع الأمر.. قد تكون حالة مرضية وقد تعني هي ذلك. الصافية وذلك حسب النتائج التي خرج بها ما يشبه المؤتمر في بيت أداليا دانيال الصيف الماضي.. لها شخصيتان، شخصية ظاهرة وهي الشخصية التي نعايشها يومياً، وهي الغالبة وشخصية أخرى لا تظهر للأعيان فيما يبدو إلا إذا أثيرت عاطفياً فقط، لأنها حتى في لحظات الغضب لا تبدو عليها أية تحولات شاذة أو غريبة.
لكل من المرأتين شخصيتان، إذا صَحّ أن نُطلق على الصافية لقب امرأه.. إلا إذا أخذنا بإفادة الرجلين وافادة الصافية نفسها، حدثني ود أمونة، وهو في الحقيقة نادرا ما يصمت، عن شيء لم يخبر به أحداً من قبل، وهو مشكلته مع صديقي،قال إن صديقي إنفرد به ذات يوم، بعد ما حدث بينه و الصافية، و قال له إنه يريد أن يتحدث معه في موضوع، و لكن بصراحة ووضوح، و يريد أن يسأله بعض الأسئلة، و عندما أبدى له الموافقة، بادره سائلاً
- هل إنت شاذ جنسياً؟
قال ود أمونة، قلت له: لأ.
قال لي محتجاً.
- كويس؛ حدد موقفك، لأنك غير معروف بالنسبة للناس كلهم: إنت مرا و لا راجل.
قال، قلت له محاولاً إغاظته
- أنا لا مرا ولا راجل، بعمل عمل النُسوان و بعمل عمل الرُجال! يعني أنا مرا و راجل!!! ثمّ قلتُ له ما كان يقوله لي أحد أصحابي في القضارف: أنا وكسي مابين وَلَدْ وجكسي.
قال محتارا:ً
- وضح أكثر، شُنُو عمل النُسوان و شُنُو عمل الرجال، شُنُو وكسي و شُنُو جكسي؟
قال ود أمونة، قلت له: إنت جاهز لعمل النسوان أم لعمل الرجال؟ عشان أشرح ليك عملياً.
وفجأة صمت ود أمونة عن الحكي، لأن البص توقف فجأة، بصورة دفعت جميع الركاب إلى الأمام، كدنا نطلق السباب على السائق ونشتم أمه و أباه، لولا أننا شاهدنا الرجال الملثمين الذين أحاطوا بالبص في سرعة البرق.. وهتف صوت جهوري يعرفه الجميع..
-أنزلوا واحدْ واحدْ.. بدون كلام وبالصف.. النسوان يقعدو قَبَلِنْ وبرضو الأطفال.. كل راجل ينزل شنطتو معاو..
نزلنا جميعاً، كان هنالك جذع شجرة ضخمة موضوعاً في طريق البص، على مطب ضيقٍ، رغم أنهم ملثمون إلا أننا عرفناهم جميعاً، ماعدا بضعة أفراد يحملون بنادق رشاشة يقفون بعيدا،ً ليشكلوا حماية لأصحابهم لم نتبين من أمرهم شيئاً، وكنا نعرف أنه يجب علينا الإدعاء بعدم معرفة الناهبين، وأن نطيع وأن نعطي وألا نثرثر وأن نخفض رؤوسنا وأن لا تلتقي أعيننا بأعينهم أبداً.
قال رجل منهم،يعرفه الناس باسم طه كوكو
- نحنا عايزين من كل راجل نصف القروش المعاو.. وعايزين من سَواق اللوري كل القروش المعاو، والقروش بتاعت التاجر آدم إدريس البلالاوي المرسلنها ليهُ من القضارف.. بسرعة..
ونفذنا الأوامر في سرعة رهيبة، قال ويبدو أنه هو المتحدث باسم المجموعة
- نحنا ما شِفْتا.. نحنا ناس مظلومين وعايزين حقنا.. تاني ما ح نشتغل عبيد والـــ... حنقلع حقنا قلع.. كلموا التجار الكبار الماصين دمكم مص.
تَمّ أخذ المال، ثُمّ سحب الجذع، تَمّ إطلاق سراحنا،كل ذلك في لمح البصر ثم اختفوا في الغابة بل تلاشوا كان لم يكونوا..
قال لي ود أمونة بعدما ذهب المسلحون:
- ما قلت ليك، ما تثق في زول ولا تشيل قروش كتيرة معاك. شايف صاحبك الشايقي؟؟؟
هنالك ملحوظة مهمة، وهي أن الجنقو كانوا جميعاً مسلحين برشاشات كلاشنكوف، وأنّ عددهم لا يقل عن العشرين، وأنّ بعضهم يرتدي ملابس وأحذيةً عسكريةً تخص جيش الحكومة.. لكن الأهم، أنهم كانوا مطمئنين تماماً ويعملون بترو وليست هنالك أي علامة للإرتباك أو العجلة، وتاكدت صِحة المعلومات التي تداولناها فيما بيننا بالبص، عندما وصلنا همدائييت.. كان الناس جميعاً يتحدثون عن الدورية الحكومية التي اختفت علناً بالأمس وعن تمرد الجنقو الغريب، لم أهتم كثيراً بأمر الجنقو.. سألته عن أبناء ألم قِشي وزوجها السابق، فهو خبير بالأمكنة كلها، بكل يسر وسهولة قادني ود أمونة إلى البيت.. كانوا يقيمون مع جدهم، وهو رجل عجوز ثري كثير الكلام، البنت الكبرى جميلة تشبه والدتها ولو أنها كانت فارعة القوام، الصغيرة أيضاً تشبه والدتها، كانتا جميلتين و رقيقتين، أُستقبلت وود أمونة بحفاوة أكتر عندما علمتا أنني زوج أمهما، وسألوا عنها وعن صحتها وقالوا انهم لم يروها منذ أكثر من عامين. حضر بعد ذلك بقليل حضر زوج ألم قشي السابق ووالد البنتين، تركنا الجَد.
تناقشنا في شأنها ولكن ما أدهشني حقا و أدهش ود أمونة أكثر، هو أنها انفصلت عن زوجها السابق بذات الطريقة التي تتبعها الآن معي، تحدث زوجها السابق منفعلاً..
- قالت هي كرهتني.. شلت بناتي أديتهم لأمي وأبوي وطلقتها.. مشت عرستك انت.. المرا دي ما مفهومة.. عندها مشكلة في رأسها..
قال له ود امونة، إنه يُقال و يُعْتًقَدُ، بين الناس في الحِلة، أنه هو الذي هجرها و أخذ بُنَيَاته منها.
قال متأثراً: و الله لم يحدث هذا إطلاقاً، يشهد الناس بزهانة، لقد وسطت لها الدنيا و العالمين، ولكنها رفضتني، تركت لي البنات هربت، فنصحني الناس حتى لا تكون في عصمتي و تقوم بفاحشة تُحْسَبْ عليّ؛ أن أطلقها، فطلقتها.
قلت له محتاراً: ما العمل؟
قال لي بثقة
- طلقها، طلقها بأسرع ما يمكن، دا الحل الوحيد.
قلت له صادقا:ً
-أنا ما عِرِفْتَ مَرَا قبلها ولا بعدها..
قال وكانه لم يسمعني:
- طلقها يا زول.
قلت له:
-هل ح ترجعها انت.. ح تتزوجها تاني..؟
قال بكل صراحة ووضوح:
- أيوا ح أعرسها.. هي أم أولادي.. وإذا أبتني تاني وطلبت الطلاق ح أطلقها ليك انت تاني.
ما كنت أظنه يعني، أو يعي ما يقول، ولكنه كان يتحدث بجدية مبالغ فيها، كنا أنا وهو وحدنا،ود أمونة كعادته خرج خفيفاً، عندما أحسّ أن الموضوع يحتاج أن يُناقش بين إثنين، لا أدري إلى أين ذهب ولا متي، قبله كانت البنتان قد خرجتا مع الجد.
قال لي مؤكداً: مرّة ليك انت ومرة لي أنا.. كله بسنة الله ورسوله.. لو ما عايز كِدا شوف مرا غيرها. ثم أضاف فجأة .
- إنت العاجبك فيها شنو، ماسك فيها قوي كِدا.. النسوان يا أخي زي ضَنَبْ الضَبْ: تقطعوا، يقوم غيرهُ تقطعوا، يقوم غيرهُ .. عِشرين مرة.
قلت له: أنا.. ما عارف والله....
قال مقاطعا في إلحاح
- طلقها يا زول.. المرا حتكتلك إذا ما طلقتها..وتفر تدخل الحبشة، تاني شيطان مش حيعرف مكانها. أنا بعرف الحبشيات ديل.. اما قعدوا معاك بإخلاص أو سابوك نهائيا.. ما عندهم نُصْ نُصْ..
-ولكن ألم قشي مريضة..
-أنت المريض.. المره دي عايزة عيالها وعايزة أبو عيالها.. انت مالك باقي ليها عارض.
قلت له:
-هي حامل مني..!!
قال ببساطة وهدوء مسيخ
- عارف كِدا..لمّا تلد وجناك يكبر شوية نديك ليهُ.. أنا لما سابت لي بناتي أديتهم لأمي.. أنت أدي جناك برضو لأمك أو خالتك أو أي واحده من قريباتك تربيه ليك، ولمّا تكرهني ألم قشي.. عرسها تاني انتا.. الموضوع بسيط ما يحتاج لقومة نفس أو زعل.
رغم أن منطقه يبدو كمنطق المجانين لا يقوم على عُمد معقولة، وأنني كالذي في كابوس، إلا أنه أقنعني، وخرجت منه وقد صممت على طلاق ألم قشي.. على الأقل، قلت لنفسي.
- حتكون في أيد أمينة و تعيش سعيدة مع زوجها وبناتها..
شكرني وطمأنني انه بمجرد أن تكرهه ألم قشي، سيرسلها لي، وفي يدها ورقة طلاقها.
قلت لألم قشي كطلب أخير وهي تمشي نحو البص
- حافظي على الزول الفي بطنك.
قالت مبتسمة ولأول مرة منذ بداية الأزمة:
- حأحافظ عليهُ..
وتحرك البص في حراسة الجيش والإحتياطي المركزي، وهو المظهر العام الذي صار يتخذه بص همدائييت والجيرة والحفيرة في الآونه الأخيرة..
كانت أجمل ما تكون المرأة، تشع من عينيها سعادة غامرة، ولا يُخفى همس الجنون الذي يحيط بها.. هالة زرقاء مرعبة، ألم قشي هي المرأة الوحيدة في حياتي، ولقد أحببتها بالفعل وعندما أقول المرأة الوحيدة، أعني أني أُكتشفت فيها وأنها أول امرأة تحمل بأطفالي، وهذه قيمة إنسانية لا تضاهي: أن تجعل نفسها تحبل منك..
وهنالك صفة لا أظن أن امرأة أخرى تشترك فيها مع ألم قشي؛ وهي أنها أجادت مخاطبتي باللغة التي أفهمها بالذات، وبالكلمات والموسيقى التي تتوافق معي.. ولكني انخدعت في تصوري للمستقبل، وما كنت أظن أنّ النهاية هي ذات النهاية التي أكابد آلامها الآن، وإلى آخر لحظة.. بعد أن تحرك البص، كنت أظن أنها سوف تغير رأيها ولكن عندما لوّحَتْ إليّ بكفها مودعة؛ عبر نافذة البص.. كان الفراق قد تأكد تماماً.. شيعني الناسُ بنظرات إشفاق وجاملني البعض بكلمات ظنوا أنها سوف تخفف عني وأكد لي البعض في سذاجة:
- حترجع ليك ... ما حتلقى أحسن منك..
ولكن أرحم عزاء قُدم لي كان من قبل الأم وود أمونة، حيث أنهما هيئآ ليّ - لولا حالتي النفسية المتردية- ما كنت سوف أطلق عليه ليلة العُمر..فاجآني بالعجوز في صحبة أُم كيكي وبوشي وهو اسم دلع لبوشاي الشلكاوية المغنية، وهي فتاة في غاية الجمال.. أمها من الحمران وهي إحدى القبائل العربية بالمنطقة وتعرف أديْ أنني أحب صحبتها و...
في القطية الكبيرة، بعد أن أخذا عنها جميع المنقولات، تم فرشها بالسباته ثم فُرشت عليها بُسُطٌ من البلاستيك رخيصة ولكنها جميلة وناعمة.. ولها عبق حميم..
الام نفسها هي التي قامت بغسل ظهري في الحمام بالصابون والليف وقامت بدلك بشرتي بعجينة الدلكة العطرة، ثم تركتني للعجوز وبوشي وبنيات ثلاث يغنين لي وسط هالة من دخان الصندل والكَبَرَيت.. قلت لهم
- غنوا لي أغنية: وصتني وصيتا.
سقتني بوشاي الجن الأحمر الحبشي، الذي أفضله وسقيتها وشرب العجوز، سقينا البنيات البيبسي والإستيم، ورقصنا جميعاً، سُكارى وغير سُكارى، على صوت المغني الحبشي تمرات من مسجل الأم.. غنينا بالأمهرا والتجرنه والعربي ولغات أنقسنا قديمة، لا نعرف أن كانت للوطاويط أم البرون أم القُمُزْ .. وغنت بُوشاي أغنية للشُلك اشتهرت بها المغنية الحسناء فيفيانا.
عند العاشرة ليلا همست الأم في أذني: ماهي أمنياتك الليلة، قلت لها: لليلة دي بس ؟
- ايوا الليلة بس.. العشاء ليس من الأمنيات لأنه جاهز.. بعد شوية حيجي..
وأغنية سبعة يوم عوضية بعيد، برضو خارج الأمنيات وما أظنك تحتاج لوصتني وصيتا؛ قلت لها مراوغاً.
- خلي العجوز يتمنى لي.. حتى لو أغنية: وصتني وصيتا.
قال العجوز ضاحكاً
- أتمنى ليك أحلام سعيدة.
قالت الأم
- كويس نشوف بوشاي تتمنى ليك شنو.
قالت بوشاي وهي تبحث عن غطاء رأسها..
- أتمنى ليهو يشرب باقي الجن دا براو.
قالت الأم للصبيان وهي وبوشي تضحكان
- في واحدة عايزة تتمنى ليهو حاجه ؟
ضحكن وأخذن يغنين: سبعه يوم عوضيه بعيد.
قلت وكنت صادقاً أم سكرانَ لستُ أدري.
-أتمنى أن تحكي ليّ الصافية حكاية من حكايات الجنقو..أو يحكي لي ود أمونة عن السجن. قالت الأم وهي تضحك فيهتز صدرها الكبير: الصافية في مشروع الزبيدي ترش السمسم. وود أمونة هرب وقال هو تعبان.
أنا حأحكي ليك قصة حياتي.. والله حتلقاها أجمل من قِصة حياة الصافيه..-
تعشينا جميعاً، عندما سَكرتُ جداً، تركوني وذهبوا: نمت، حلمت بأن الصافية جاءت من مشروع الزبيدي على جمل ضخم أسود اللون قالت لي: صديقك نجمتهُ !! وحأنجمك إنت برضو !!

















حَول مِحْنة أدَالِيا دَانيال

في بيت اداليا دانيال عشرة مسجلات بسماعات كبيرة خارجية ملحقة، تحتفظ بها في صندوق كبير من الحديد الصلب، كان يستخدم لحمل الذخيرة في الحرب العالمية الثانية، اشترته من كرن، بالصندوق أيضاً عددٌ كبيرٌ من النظارات الشمسية، وأحذية أديدس كبيرة الحجم، وعشرين راديو ناشونال بثلاث موجات، وأشياء أخرى صغيرة تافهه. ولكن لها قيمة أبقتها في الصندوق. تسمي أداليا دانيال الصندوق: خزنة الأمانات. وهي في الحقيقة ليست أمانات بالمعنى الواضح للكلمة، ولكنها دخلت الصندوق كأمانات ثُمّ تَمّ شَُربها تدريجيا أو أكلها، وفي القليل النادر جداً قبض بعض قيمتها نقداً، ويحدث هذا عادة في أشهر الصيف ونهاية موسم حصاد العيش، حيث يكون الجنقوجوراي قد إستهلك آخر مالديه من مال، وبدأ في أكل زينته التي حرص على جمعها في شهور حصاد السمسم وقطع العيش. أي في إكتوبر ونوفمبر وأوائل ديسمبر وهي كما يسميها الجنقوجوراي:الشهور السمينة..
أداليا دانيال مثلها مثل كل صانعات العرقي والمريسة تحترم الأصول، فعندما يقول لها أحد الفدادة: خلي المسجل دا معاك. تبدأ مباشرة في تحديد سعره، ثم على الحائط تشخبط ما شرب الفدادي من عرقي ومريسة، وما أخذه نقداً، إلى آخر كأس، والجنقوجوراي الأصيل ود القبائل لا يسأل من أمانته مرة أخرى، إلا إذا وفر ثمنها، وهودائما مايفضل شراء زينة جديده في الشهور السمينة ويتبع الموضة السائدة، أما الجنقوجوراي الحريف، الذي يجيد اللعب هو الذي يصاحب صاحبة العرقي، لا يهم فارق السن بين الإثنين وهو غالباً ما لا يُوضع في الإعتبار، لا يهم جمال المرأة او قبحها، فالرجل الناضج الذكي يرى كل النساء جميلات، و من الحكم السائدة في هذا الشأن أن كل امرأه لديها ما تقدمه للرجل، بغض النظر عن سنها أو جمالها أو لونها أو قبيلتها، وأن كل النساء جميلات بالقدر الذي يجعل الرجل يصل ذروة نشوته، ويختصر الفدادة القول في: الفحل مو عوّاف. ولكن الأهم من ذلك بند في عقد المصاحبة غير المكتوب، هو أن يصاحب الجنقوجوراي الواحد امرأة واحدة فقط وأن تكتفي الفدادية بجنقوجوراي واحد، وهذا إلتزام صعب، وغالباً ما يفشل الجنقوجوراي في الوفاء به، حيث أن الكسل الذي يصيب الجنقوجوراي في هذه الأيام والتسكع والتلكع، والوجبات الدسمة التي توفرها له صاحبته، غالباً ما تحرك شياطين شهوته، والنساء يصبحن أجمل في ديسمبر، يناير، فبراير، مارس وأبريل لأنهن لا يعملن في هذه الأشهر، في أم بحتي أو قطع قصب السكر في المشروعات المروية، حيث يكتفين بالحياة المنزليه البطيئة، يوفرن خبزهن عن طريق بيع الخمور، بيع العُطور البلدية، بيع الشاي والقهوة في الأسواق نهاراً أو في أركان المنازل مساءً، قليل منهن يمارسن الدعارة فضلا عن كونها لا تجلب مالاً لأن الرجال جميعاً لا مال لهم في هذه الأشهر، حيث تسود المقايضة.. اذا أضفنا ندرة الرجال أنفسهم في هذه الأشهر، حيث يهاجر معظمهم إلى مزارع السُكر في جماعات للعمل في الكاتاكو، وتحتد المنافسة بين النساء الجميلات الكسولات في مواسم راحتهن، وتفرغهن للحب والمصاحبة والزواج، الكثيرات على العدد المحدود من الرجال، الذين قرروا البقاء بالحلة اعتمادا على تسليم زينتهم كأمانات غير مستردة، أو الزواج والمصاحبة كنظام معايشة الى أن تنقضي الشهور الصعبة ببداية موسم الكديب، و الرجل الجنقوجوراي الذي يعتمد على المصاحبة في عيشه يُسمى: بالهوان.
ثم يأتي موسم الحصاد، وهي الفترة التي غالباً ما يتم فيها فض الشراكة، منها الطلاق. أداليا دانيال متزوجة من رجل قوي الإيمان، ينتمي للكنيسة الكاثوليكية، هي أيضا مؤمنه، تصلي لربها وتعمل مع الأخوات في الكنيسة.. إبنها وولدها أباب وتوني، صغيران ويمارسان الدين إلى الآن كنمط من محاكاة الكبار والتطلع إلى النضج الحقيقي والسريع. وتعلم أداليا خطورة أن ينمو طفلاها في بيت يرتاده السُكارى، حيث أنهم يتحدثون بألفاظ لا يقبلونها كثيراً في موقد الأخلاق ولا يكترثون للذوق العام أو ما يجب وما لا يجب، يتحدثون عن نسائهم فاضحين ما يستره الليل في القطاطي والرواكيب، ولا يتحرجون في نقل تجاربهم في المضاجعة وخبرة النسا ء، ويضحكون في متعة قد يظن الطفلان أنها المتعة الحقة التي لا يوفرها سوى هذا النمط من الحياة، لذا كانت أداليا دانيال تتعامل معهما بحزم ولا تتسامح في بقائهما قريباً من مرمى حديث السُكارى، أو أن يسلك سلوكهم، وهذا هو سر الإلتزام بالكنيسة، وربط الأطفال بأنشطتها حتى يتسنى لهما قضاء أكبر وقت خارج المنزل خاصة يوم مريستها كل سبت. وإذا عادا مبكرين؛ ترسلهما مباشرة إلى منزل خالها عبدالله ماجوك الذي يعمل محاسباً في زريبة المحاصيل، يتغديان هناك ويعودان قبل المغرب بقليل، حيث يجدان المنزل قد خلي من الفداده، ويجدان نصيبهما من المريسة محفوظاً، يؤديان صلاتهما.. يشربان مريستهما قبل أن يخلدا للنوم.. ولكن هذا البرنامج التقي المستمر لا يمضي كما تشاء أداليا دانيال ويشاء زوجها، لأن زوجها له رأي آخر في تربية أطفاله.. تنازل عنه لأداليا.. ربما لقوة شخصيتها.. ربما محاولة منه لتجنب الخلاف الذي قد يؤثر على حياة الطفلين.. ربما تمشياً مع الأخلاق المسيحية كما يفهمها: التسامح المستمر وإعطاء فرصة أخرى للآخر..
أداليا دانيال تفهم وجهات النظر هذه جميعهاً، ولكنها تنطلق من مبدأ أن تربية الأطفال من مسؤولية الأم وليس الأب الذي عليه النضال خارج المنزل لتوفير المال.. ليس إلا.. ولو أنه فشل في ذلك ففشله لا يسقط واجبه المفترض كأب لطفلين ولا يحمله مسئولية لا تخصه وهي تربية أباب وتوني..ولكن هل حقاً كانت أداليا دانيال بهذه الصرامة ؟!
حسناً،هنا، دائماً ما يَعْرف الآخرون عن الأشخاص أكثر مما يعرفونه هم عن أنفسهم، فالنظرة من خارج الشئ هي الأكثر موضوعية وشمولية، وحكمة المكان تقول إن الآخرين كثر وأنت واحد.. أيهما نصدق ؟.. للآخرين ألف عين وخمسمائة قلب وآلآف الأصدقاء وألف أُذن وخمسمائة فم وألف رجل ومثلها يد.. وأنت واحد.. أيهما نصدق، لا بل أيهما أقدر على تقصي الحقيقة واختبار الكذب والتلفيق ؟! فيما يشبه الندوة في يوم مريسة خميسة النوباوية تأكد الجميع من صحة الحكاية التالية : في اليوم الذي تزوجت فيه كلتومة بت خميسة النوباوية من عبدارامان الجنقوجوراي، بعد العقد مباشرة بدأ الحوار حول المتعة، كان طازجا فجاً بسيطاً كأحر ما يكون، في الحق لم تبدأه ألم قشي ولم تكن الملحوظات التي أبدتها في هذا الشأن هي الأصوب، أو الأكثر إثارة للجدل.. ولكن لا أحد يستطيع أن ينفي أنها كانت ذات باع طويل في كل ذلك، ولكن.. بالأمس.. في يوم مريسة خميسة النُوباوية وفي ما يُشبه الندوة، تحدثت النساء عن أول مرة، كما سمينها، تعرف فيها أداليا دانيال أن هنالك أموراً مهمة في حياتها كامرأة لم تصب هي منها شيئاً، ورمينها بإدعاء براءة لا تليق بامرأة في زواج مستقر منذ عشرين عاماً أنجبت خلالها مرتين. ولكن أداليا دانيال أكدت.
- الشئ البتتكلموا عنو دا والله ما حصل لي ولا مرة واحدة..
ثم أمطرنها بوابل من أسئلة رجيمة
- راجلك تمام؟
- (.............. ) ؟!
- قاعد يصل بسرعة.. ينبح زي الكلب ؟
- كم دقيقة؟
- قاعد يطول ولا لأ ؟
- قاعد يلعب معاك شوية ولا طوالي ؟
ثم حكين لها تجاربهن مع رجالهن، وأوحين لها بما يعني أن المشكلة كُلها في لام دنق، وليست المشكلة هي عدم ختانه فحسب، ولكن في تعجله وتعامله مع الأمر كواجب.. هكذا توصلن إلى نتيجة أراحتهن كثيراً، وأحسسن بالعطف والشفقه على امرأة لم تتمتع بالميزة الأساسية التي تجعلها أعظم من خلق الله: أن تكون أنثى..
قلن لها بما يعني
-أنت ضائعه..
دارت الندوة في الواقع ما بعد هذا الإكتشاف المثير، يوم مريسة خميسة النُوباوية، بعد عام كامل، رصد العقل الجنقوجوراوي فيها كل صغيرة وكبيرة عن أداليا دانيال.. قررت أداليا أن تصبح كصويحباتها اللائي يستمتعن حقاً بحياتهن كنساء، وأن تعرف اللحظة التي تحدثن عنها بأوصاف محفزة ومدهشة:
- مابعرف نفسي في الواطا ولا في السما..
- تجيني حاجة زي الخدر وما خدر.. زي النعاس وما نعاس.. زي الحلم وما حلم.. حاجة تتمنى تدوم ولكنها تنتهي فجأة.
- نوع من الوجع.. الوجع اللذيذ..
- يا اختي دا شئ ما بيتوصف.. إلا تجربيه.. دا شئ من ربنا..
- بري.. بري.. يا بنات أمي.. بري..أنا ما بحب بتكلم في الحاجات دِي!!
حاولت مع زوجها لام دنق ولكن دائماً ما تنتهي اللعبة بأن يدفق ماءه مصدراً صوتا غليظاً، ثم يشكر الله في صلاة سريعة وينام.. في الماضي كانت لا تهتم لأنها ما كانت ترجو أكثر من اللذة التي تحدث نتيجة لفعل الإيلاج والنزع المتكررين.. ولكنها الآن ترغب في أن تصل إلى نتيجة أبعد رسمتها لها الصديقات وشهينها فيها.. أصبحت أداليا لا تطيق لام دينق، ولو أنهما كانا لا ينامان معاً إلا مرة في الأسبوع، وأحس لام دينق و أرجع ذلك إلى تقلبات النساء التي تحدث عنها الرب كثيراً في الكتاب المقدس.. وسمع أيضاً من بعض المسلمين أن الرب تحدث عنها مرة أخرى في القرآن كذلك. لام دنق رجل قصير سمين له عينان ذكيتان ثاقبتان، لا يتحدث كثيراً، يعمل في كمائن الطوب في فترة الصيف عند شاطئ النهر، وله خبرة كبيرة في ذلك، يعتبر الرجل الثالث في الكنيسة بعد الأب بيتر والأم مريم كُوِدي وهي عذراء جميلة وتقية جدودها من جبال النُوبة، ويُقال في ما يُشبه الندوات أنها حازت على مرتبة عليا في مسابقات الجمال في كينيا، قبل أن تهب نفسها للكنيسة كلياً وتُرسل إلى هذا المكان البعيد..
لام دنق اعترف للأب بيتر أن أداليا دانيال زوجته غير طبيعية.. لأنها طلبت منه أن يختن نفسه..
- هي مُش عارفه إنو الختان دا عند اليهود والمسلمين.. ونحن خلقنا على صورة الرب.. ولا يمكن أن نشوه أنفسنا..
- هي تعرف ..
ولكن السبب شنو ؟! عايزة تبقى مُسلمة ولا شنو ؟-
-لا.. هي متمسكة.. كويس بالدين.. ولكن أنا ما عارف الحاصل شنو.. الموضوع غريب..
كُلفت الأم مريم كودي بمعالجة الموضوع مع أداليا دانيال يوم الأحد القادم، فهي صديقتها وهي أيضاً امرأة، ويسهل التفاهم بين المرأتين...
فيما يُشبه الندوة في يوم مريسة خميسة النوباوية.. يوم السبت.. أُكِد ما يلي:
عَرِفَ صديقي بما سُمي فيما بعد بمحنة اداليا دانيال، وكعادته نَصّبَ نفسه مهدياً جديداً وقال لي :
- أنا حأكون أول من يخلي أداليا دانيال تحس بأنها امرأة.. حأخليها تصل قمة نشوتها..
قلت له ساخراً
- بس ما تبقى عليك حكاية الصافية..
قال جاداً
- دا بَرَاو.. دا براو !
كانت أداليا دانيال تفوقه طولاً، وحجماً، فهو نحيل طويل بعض الشئ، قال إنه بعد غزل ومناورات كان لابد منها استطاع أن ينفرد بها في إحدى قُطيات أديْ .. قال لي مزهوا:ً
-اكتشفت في الدقيقة الأولى كَذب كلما يُشبه الندوات التي يقيمها السُكارى والنساء الفارغات، فمبجرد أن قبّلتها.. وصلت أداليا دانيال إلى ذروة النشوة، هَرّتْ مثل قِطَةِ بِكْرَةْ وانكمشت ثم تمطت، حملقت في وجهي بصورة مرعبة ومضت.. في يوم الأحد لم يكن هنالك شئ تقوله أداليا دانيال للأم مريم كُودي.. غير أنها تنازلت عن موضوع الختان وأن الأمر ما كان أكثر من فِكرة طائشة: ولكن؛ مَنْ هُو الغَبِيُ الذي يُصَدّق رِوايتهَ هَذِه ؟؟؟






























السَارِقُونْ الرحماءَ

انتظم العمل في المشاريع، أكثر ما يميز هذا العام هو تدخل البنك كممول للمشروعات الكبيرة وكمزارع عن طريق موظفيه الذين بسلفيات من البنك زرعوا أراض واسعة بالسمسم والذرة ومدير البنك نفسه زرع ألف فدان ذرة في المنطقة الخصبة ما بين خور مغاريق إلى غابة زهانة، وعُرفت بمشروع ناس البنك، عمل الجنقو في كل المشاريع بصبر وأناة، طالما كانوا يدفعون لهم بانتظام وطالما كانوا في أشد الحاجة للمال، والحق يُقال أن وجود البنك أنعش ركود الإقتصاد المَحَلي، وظهرت أنشطة جديدة اوجدها موظفو البنك الذين بسلفيات من البنك قاموا باستيراد الأبقار الفريزيان الهجين ومزارع الدواجن البيطرية، هذان النشاطان وحدهما استخدما عمالة لا تقل عن الثلاثين شاباً عاطلاً عن العمل، وقللا من سعر البيض الذي أصبح أحد المواد الإستهلاكية، حيث خَلقَتْ له الدعاية والتقليد سُوقا رائجة وأيضا أصبح سعر رطل اللبن نِصف جنية، فقط وهو أكثر جودة لأنه الأنظف والأقل ماءً، ويتم حفظه في آنيه كبيرةً تغسل في اليوم مرتين،.. وابتكر موظفو البنك نظام تسليف عُرِفَ بين الأهالي بالكتفلي وهو أن يقوم موظف البنك الثري بتسليف شخصٍ بواسطة ضمين معروف ووصل أمانة، مَبلغاً من المال يساوي عدداً من جوالات الذُرة أو يتم مقابلته بعدد من جوالات الذُرة وضربها في إثنين، ويتم استرداده بسعر الذرة في وقت إسترداد الدين الذي غالباً ما يتضاعف إلى أكثر من ثلاث مرات خلال شهور رد الدين وهي مايو، يونيو ويوليو و أغسطس. بالتالي يرد المدين الدين مضروبا في أربعة، وحسنوا أيضا من مستوى المواصلات، لأنهم أحضروا إلى المنطقة لأول مرة حافلات الركاب المُريحة، ثلاث حافلات تعمل في فترة الصيف، ما بين الشُواك وعبودة والحِلة، يمتلكها موظفان بالبنك، طبعاً فسر الناس ذلك بأنه، إلى أن يثق البنك في المواطنين العاديين، فإنه يقوم بتسليف موظفيه وكبارالتجار فقط، بدلاً من أن يبقى المال بالخزائن دون فائدة، وكثير من الناس قَدّرَ موقف البنك هذا، بل وثمنوه، طالما دفع الحياة البائسة الراكدة بالمكان، حيث تمكن أي مواطن منتج من بيع سلعته لموظفي البنك، حتى الفحم وحطب الوقود بل حطب الطلح الذي تتدخن به النساء، خزنه الموظفون بكميات هي الآن ترتفع عشرات الأمتار فوق سطح الأرض..
- كنا نودي الفحم الخرطوم.
بلصات ورشاوي لا أول لها ولا آخر في الطريق.. الليله صديق العوض أو أحمد البدوي أو المدير نفسه الذي يعطي مقابلاً من المال لكل شئ له قيمة؛ ريحونا من التعب دا كله.
ولكن رغم هذه الفوائد الجمة التي يعدون منها ولا تعد، إلا أن الناس الذين لا يملأ أعينهم سوى التراب، يعيبون على البنك تدخله في حياتهم الخاصة مباشرة أو بطرق غير مباشرة، ويحفظون له حوداثَ كثيرة في سجلٍ قبيحٍ، وقدعُقدت ندوات وندوات في نقاشها ومحاولة البحث عن حقائقها. ففي ما يُشبه الندوة في منزل أبرهيت، يوم الإحتفال بعيد غامض يطلقون عليه تجاوزاً عيد سُليمان أو النبي سُليمان، نُوقِشَ موضوع المبلغ الذي خصصه صِدّيقُ العَوَضْ موظف البنك لأمول أجانق.. اذا دخل الإسلام، وكان أمول أجانق نفسه من الحاضرين، ولقد أدلى بشهادة لم تُعط من الإعتبار إلا أقله، حيثُ اعتمد الناس بصور أساسية الرواية التي أدلى بها صديقُنا مختار علي، الذي أكد بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ صدّيق العَوضْ، قد استلم مبلغاً كبيراً من المال من أحد الناس ذوي الذقون الكبيرة، وقال لولا أنّ أسامة بن لادن مختبئ هذه الأيام في طُورابُورا، لقُلت: دا أسامة بن لادن ذاتو.. زول طويل.. سمين.. قوي.. أبيض.. عندو دقن كبيرة.. عندو شعر كتير.. عندو مال كتير.. عندو حرس..جاء القضارف وقابلو صديق هنالك، وحلف بربه وبالنبي أنه رآه وسمعه.. ثم أخبرت الأم عن محاولة يائسة معها للأخبار عن الجنقو الذين يحملون السلاح في غابة زهانة، ومعرفة من معهم ومن ضدهم.. أشار ود أمونه عن عرض زواج عُرْفِي من مدير البنك إلى بوشي، وربما قد تم ذلك الزواج؛ لأن لا أحد اعتمد رواية بوشي التي أنكرت الواقعة جملة وتفصيلاً قائلة بشكل قاطع وحاد
-إن شاء الله أديهو للكلاب وما أديهو للزول المتكبر الحرامي دا !!
قالت أداليا دانيال:
-أبيت أبيع ليهم مسجلاتي.. أدوني سعر رخيص جداً.. ولا الخسارة الخسرتها فيهم.. واضافت.. بعد أن ضحكت ضحكا يشبه الهيستيريا.. قل إنه نُوع من البكاء.
- هم القالوا ليّ خلي راجلك يتطهر. (تقصد يتختن)
ولكن ما أدلى به أبرهيت المتحفظ دائما، المتشكك فيما حوله الغامض الذي لا يغلط على أحدٍ، كان المدهش، قال موجها حديثه لي:
- هم الخربوا بيتك.. هم الضيعوا ألم قشي.. أغروها بالذهب والمَال.. أنت شخص غير مرغوب فيه هنا.. عايزنك تفوت أو تموت أعمل حسابك، لأنك أنت المتهم بتحريض الجنقو، ودفع صديقك الشايقي على الخروج عن القانون.
ولأول مرة تخرج ندوة بلا شئ لأنها خمنت بما يشبه التقرير عن أنشطة البنك ملخصه: مالم يقل الفكي كلمته فان لا حقيقة يمكن إعتمادها.. لكن على هامش الندوة دار حديث سري مفاده إن الفكي على هو الذي مكنهم من الناس، هو الذي سخر شياطينه وآياته ومِحَايَتِه وعروقه وكتبة الصفراء وجلجلوتيته وشمس معارفه الكبرى وتِبيانه وسحره الأخضر والأحمر والأسود.. لمصلحة موظفي البنك لأنهم يدفعون له أكثر.. لأن الفكي على بإمكانه تدميرهم جميعاً، وخاصة أن ألم قشي عرفته بأسماء أمهاتهم جميعاً عن طريق مهارات استخدمت فيها مَكر النساء، دهاء الرجال وخبث ود أمونة، والجميع يعرف أنّ الفكي علي ذهب ألى مدينة باسُوندا وقضى أسبوعين كاملين بها، وباسُوندا هي المدينه التي يُوجد فيها خَزَنَة أَسْرَارِ عِلمِ الشَجَرْ في الكون كله؛ أو مَا يُسَمَى بالسَحِرِ الأخْضَرْ، وهي المدينة التى قِيلَ في شَأنِها هنا في الشرق: إذَا نَاسْ بَاسُوندا أَبُوكَ؛ نَاسْ التُرَبْ نَادُوكَ.











وَدْ أَمّونَةْ وَحدُه الذِي يَلّمُ
بأطْرَافِ القُوَالاَتِ.



ود أمونه المراسلة بالبنك وحده الذي يلم بأطراف القوالات والحقائق، وربما كان أحد صانعي الأحداث الكبرى في الحلة، كان الموظفون يولونه اهتماماً بالغاً، بل يصل لحد التدليل، وما ذلك إلا لقوة المعلومة وسلطة المَعْرِفَة النادرة التي يتمتع بها، أو ما يحلو للبعض أن يطلق عليه: المعرفة السريرية. كانت أمه أمونة في بِداية حياتها، عندما قَدمت من القضارف، التي جاءتها كَمَا يَقولون من أقاصي غرب السودان؛ تَعْمل في المشاريع مع الجنقو.. كانت تأخذه معها وهو صغير إلى المشاريع، و مثل أطفال صديقاتها، تتركه تحت ظِل ضيق من القصب والعدار، فارشة له على الأرض ملاءة قديمةً عليها بعض البلح أو قطعة حلوى يُشاركه فيها الذباب والنمل، وقد تعلم ود أمونه منها درسه الأول:الصبر من النمل والخِسة من الذُباب، في بلد يكبر الأطفال فيها سريعاً، إذا لم يموتوا وهم دون الخامسة أو في بطون أمهاتهم، تربى وسط ثلاث بنات كلهن اصغر منه عمراً، أخوات امه، لحقن بها بعد أشهر قليلات من إقامتها بالحلة، استقر المقام بِهن في المملكة العربية السٌعودية، لقد بهرن بجمالهن و شبابهن و نضجهن، قاماتهن و لونهن، امرأة تعمل بالكرنتينة بِجِدة،تجيد استثمار الصبيات، ولو كن قاصرات، ولكن التاية أقنعت أمونة بأن من مصلحتهن أن يكبرن هنالك،وهي تعرف كيف تصنع منهن ربات جمال وهن في هذا العمر،التربية الجيدة في الصغر هي ضمان النجاح في الكبر، وأن يكبرن على عز ورفاهية خير من أن يعشن في هذا الذل ليوم واحد آخر، وسوف تجد لهن العمل المُريح الشَريف الذي يتناسب مع أعمارهن، بالتالى حالما غادرن الأسرة و لم يُسمع لهن صوت، ولسوف لا يسمع أصواتهن ود أمونة؛ إلا بعد سنوات من سفرهن أي عندما يتم إفتتاح شركة الأتصالات رسمياً بالحلة. إذاً يمكن القول إن ود أمونه لم يعش بصورة متواصلة إلا مع أمه وجها لوجه. أمونه امراة جميلة من كُردفان، وهو المكان الذي دائماً ما تطلق عليه هي: أقصي الغرب. ليس من السهل أن نصدق كلما نسمعه ويحكى عنها وعن أصلها، ولا يكن القطع عن المهن التي تنقلت إليها، و لا الرجال،ولكن عرف عنها أنها مترددة سجون، ويترصدها بعض العسكر الذين يرجون منها وطراً و تصدهم، وهي أيضا امرأة شرسة، و شجاعة: ألم نقل أنها جميلة أيضاً؟. ومن المؤكد أن ود أمونة لم يرث من أمه شيئاً، سِوى لون بشرتها، هذا إذا لم يكن أبوه هو اليماني، ويقول الناس من المفترض أن ينمو ود أمونة نُمواً رجولياً بَحتاً، نِسبة للظروف القاسية التي عاشها مع أمه في السجن و في المشاريع، ولكن لله في خلقه شُئوون، ولكن ووفقا للحكمة القديمة القائلة.. النَار تَلدُ الرمَاد، فإن لا أحد يَسْتَبَعَدْ أَحَدٌ أنّ أمُونَةْ هِي أُمْ وَدْ أمُونَةْ !!
قبل عمله في البنك كمراسلة؛ كان يعمل بمنزل الأم أدى في مهنتين، خدمة الأم والنساء العاملات معها في المراسيل السريعة.. مثل جلب الدقيق من الطَاحُونة.. شراء رطل سكر وبن من الدكان..خدمة الزبائن و الضيوف، تسخين الماء وجلب الحطب وأيضاً كان يعمل في هوايته المفضلة هي: عُواسة و صُنع الكِسرةِ، وهي مهن شريفة إذا قِيست بطريقة أو أخرى.. ولكنه أيضاً كان يعمل في مهنةٍ ليست شائعة، و في تقدير كثير من الناس ليست شريفة وهي، نظافة الملاين لكبار الموظفين والتجار والنساء الثريات.
كان وسيماً نظيفاً أنيقاً في ملبسه البسيط، له شاربٌ كثيفٌ شديد السواد، وذقن حليقة باتقان تام. تجده في كل البيوت في المناسبات وفي غير المناسبات ويعتبر الفرد الوحيد الذي يحق له دخول أي منزل في الحلة وقتما شاء، كان خفيفاً كالروح؛ طيباً.. مسالماً،مغنياً بارعاً و خاصة لأغاني البنات، يجيد رسم الحناء للنساء،وترقيص العروس وذلك منذ أن كان في السادسة عشر،له ابتسامة لا تفارقه دائماً. كان يعرف كل صغيرة وكبيرة عن كل صغير وكبير، ولا يَبْخل بِسِرٍ ولا يَحَفَظُ سِراً ولا يُخْفَي عليه سِرٌ، بالأمس الآن وربما في المستقبل. إستلطفهُ البَنْكِيون فأُستخدم لخدمتهم في البنك كمراسلة بترشيح من ألم قشي.
أما الآن فود أمونة شخصٌ مختلف قليلاً عنه قبل الوظيفة، وربما لطبيعة العمل الجديد وانه يقضي ثمانية ساعات يومياً طالعا نازلاً سلالم البنك، حيث اصبحت له اهتمامات أخرى إضافية، مثل التلصص على حسابات العُملاء ومعرفة : من يمتلك كم.. سحب كم.. ورد كم؟ وهي لشخص غير ود أمونه تعتبر مهمة صعبة، ولكن لشبه الأمي هذا، الذي لم ينل من فصول العلم سِوي شهور ضئيلة يسرتها له العازة في أيام حريتها القلائل، من الحيل ما يمكنه دائماً من اشباع طُموحه للمعرفة التي يحتاج اليها في ونساته الليليه في بيت الأم او مع النساء في بيوتهن أو حتى لتحلية نظافة الملاين لرجل ما، حيث أنّ العمل غير شائق، فلابد من تسويقه بحيل مدهشة:
-عارف الليلة الجلابي حسين خت كم في البنك ؟
ولكن ود أمونة شخصٌ ماكرٌ، فإنه يعرف متى تصبح معرفة رصيد العملاء تجارة رائجة، ويعرف مَنْ بإمكانه دفع مبلغٍ كبيرٍ في الحصول عليها، كالدائنين و أقارب الأثرياء، أما المعرفة التي تجعله يشعر بمتعة الونسة وعظمة وسلطة المعلومة ويهبها مجاناً ويستطيع أن يدفع مقابل أن يُصتنت اليه باهتمام، وأن يُعلّق بإعجاب على كلامه... هي المعلومات السريرية.
- فلان وفلانه..
وكم اشترى مريسة وعسلية للفدادة، وكم علبة سجائر برنجي قُسمتْ للنساء، وكم من المشويات بُذِلتْ في سبيل قَعْدَةٍ وونسة حلوة يستعرض فيها ود أمونه بمعلوماته السريريه النادرة، التي قد يقع أحد المستمعين يوماً ما ضحية لها.. قد يكون مكان وزمان الونسة فيما يُشبه الندوة، ولكن هكذا يقول الجميع: الونسة علاج الزهج. ولكن الصفة غير الحميدة حقاً؛ هي القطيعة و النميمة،وهي من صفات ود أمونه التي لا يُحسد عليها، وهي أيضاً بمقابل، حيث يدفع الرمَالِيون والوداعِيون والفُكيا الكذبة، مبالغ كبيرةً في سبيل الحصول على معلومات عن مرضاهم، ماذا يدور في أذهانهن، من الذي يَشكون أنه سبب مرضهم.. ما هو تصورهم للعلاج، بل ما هي وُجهة نظرهم في المُدَاوي نفسه.
مازال ود أمونة رغم انشغاله وفياً لأدي، ويقدم لها خدمة نظافة ملاين شهرية مجانية، كان كان كثي يردد أن لأدي أحلى عبق مَلاين وخاصة ما بين الساقين، حيث أنه دائماً ما يفرق بين الناس بما تفرزه ملاينهم من روائح ويقول:
-الزول ريحته منو و فيهو.. و الريحة الحلوة قسمة من الله.
ظهرت مهنة تنظيف الملاين مع ظهور البنك وشركة الإتصالات وقدوم موظفي طُلمبة المواد البترولية وانشاء محلية حديثة وتوظيف عدد من خريجي الجامعات القادمين من المُدن الكبرى كضباط إداريين، ثم توسيع حامية الحِلة ومدها بِضباط حربيين في رتب كبيرة.. حدث ذلك في بحر العشر سنوات الأخيرة، كانت مِهْنة سِرية ابتكرها ضابطٌ إداري مُنَعَّم، قدم من أمدرمان، قابل ود أمونه صدفة ذات يوم في منزله يضع حلوى تنظيف الشعر الزائد لزوجته من السُكر والليمون والقَرَنَفُل، وهي خلطة اشتهر بها ود أمونة في تلك الأنحاء من الشرق. ومنذ النظرة الأولى لمظهر ود أمونة الخارجي، وطريقة كلامه ولو أن شاربه ينبئ بذكورية بغيضة، إلا أن خبرة الضابط الإداري، استطاعت أن تنفذ إلى ما وراء الرموز، وبكل شجاعة طلب من ود أمونة، عندما يكمل صُنع الحَلوى أن ينتظره في الديوان، ثم عند الديوان حكى له عن عبده زهرة، الذي كان يقدم له وللمسؤولين الكبار والوزراء وأصحاب الشركات التي هي الآن ملء السمع والبصر، بل لرؤساء سابقين أيضاً، خدمة لا تُقدر بثمن، وأنه افتقده الآن في: البلد الكَُرور دي، بلد إذا ربطوا فيها الحِمَار؛ يقطع الحبل ويهرب..
وتفهم ود أمونه سر العلاقة ما بين اسمه وعبده زهرة الذي ربما يكون اسماً آخر، ولكن حوَّره الضابط الأداري الذكي لكي يقرّب مسافة الفهم لود أمونة، شك ود أمونة في باديء الأمر في نوايا و مقاصد الرجل، و ظنه يريد خدمة سَرِيريّةٍ مُريبة،ولكن بحمد الله تَمّ إلتقاط الفكرة، إلا أنّ ود أمونة لم يقم بهذا العمل من قبل.. فأنَّى له !!!
- حأعلمك.. دي مهنة تجيب الدهب.. وهي برضو مِهنة شَريفة.. زي عمل الحلاق وتحتاج لفنيات بسيطة..
ثم أخذ الضابط التنفيذي يصطاد الزبائن لود أمونة، حتى يخلق له سُوقاً تجعل المهنة مُستدامَة، لها جمهورها وسُوقُهَا، حتى لا ينصرف عنها .


















صَيْدُ الحَلُوٌفْ

أصبحت الأعشاب عالية، كأعلي ما يكون، الخريف في هذا العام كان مكتملاً، والأمطار غزيرة، توقفت المواصلات من وإلي كل المدن و القُرى، مما خلق ندرة في موارد الغذاء، حيث كنا نعتمد علي اللواري السفرية في مدنا بما نحتاج إليه من دقيق يرسله لنا الأصدقاء أو التجار، ولكي لا نموت من الجوع، إتفق الجنقوجورا الذين معي في التاية بأن نقوم بصيد الحَلُوٌفْ، وهو الخنزيز البري،المتوفر في تلك الأنحاء بكثرة، اللذيذ اللحم، ويعتقد الجنقو أن كبده يقوي النظر، على الرغم من صعوبة وخطورة صيده، إلا أن كل جنقجوراي يدعي أنه الأكثر مهارة في ذلك، و يحفظ من الحكايات ما يبرر إدعائه.
كان معي بالتاية خمس من الجنقو، أنا ومختار علي وعبدرامان البلالاوي الذي تزوج قبل شهور من كلتومة بت بخيتة النوباوية، ومازلنا ندعوه بالعريس، ورجل كان يعمل بالجيش سنوات طويلة وهو الآن بالمعاش نسميه حِمْرِيطِيْ نسبة للونه الذي يميل للحُمرة، و امرأة شابة اسمها حواية بت الملايكة، أنا الجنقوجوراي الوحيد الذي يعترف بأنه لم يحصل لي شرف صيد هذا المخلوق أو أكله، بالتالي لم أكن طرفاً في النقاش الحاد الذي دار بين الجنقو بما فيهم بت الملايكة، عما إذا كان الحَلُوٌفْ يَدَخُل ويخرج من حفرته برأسه أولاً أم بمؤخرته؟ و احتد النقاش لدرجة أن وصف بعضهم البعض بصفات مثل:هَوانْ وتعيس وود البُقُسْ.
شربنا ما توفر لنا من مريسة أمبلبل،وحملنا فئوسنا و سكاكيننا، و توغلنا في الغابة. الحَلُوٌفْ حيوان ضخم، قد يكبر إلي أن يصبح في حجم عجل البقر مع قوةٍ و قِصَرٍ في القوائم، له حوافرٌ قويةٌ صلبةٌ و نابان معكوفان حادان بارزان، كأنهما قرنا ثور، في زاويتي فمه، يستعملهما دائماً في الدفاع عن نفسه، حيث يمكن بضربة و احدة من أي من النابين أن تقتل الضبع بشق بطنه إلي نصفين، لذا تتجنب كل الحيوانات الدخول في معركة مع هذا الحيوان الشرس ذي اللحم اللذيذ المُمتَنَعْ. عدوه الوحيد هو الجنقوجوراي الذي يبتكر شتى الحيل للإيقاع به. ولكن الجنقو في ذلك اليوم كانوا منشغلين بإثبات أحد الأمرين أكثر مما كانوا منشغلين بالإيقاع بالحَلُوٌفْ في الفخ. الكل يُريد أن يبرهن بأنه الأعرف بالحَلُوٌفْ، عداي، فقد كنت أريد لحماً يكفي لإطعام فريق العمل لأكثر من أسبوع، إلى أن تجف الأرض وتستطيع اللواري السير، وظللت أنبههم بين الفينة والأخرى إلى أهمية التركيز على صيد الحيوان، لكنهم كانوا جميعاً قد أتفقوا على أنهم سوف يصطادونه علي أية حال، ولكن بعد أن يتأكدوا من كيفية دخوله لحفرته، لأن الأمر أصبح موضوع كرامة وتحدٍ. ووجدنا حفرة الحَلُوٌفْ. علّقَ الجنقو العارفون به: إنه خارج حفرته، ولكنه قريب جداً منها، أثره و رائحته يدلان على ذلك وما عَلق من صوفه على الشُجيرات الشوكية القريبة، يدُل على أنها الأنثي، مما يعني أن الذكر قد يكون بالداخل . هذا كان متفق عليه من الجميع، ودون مغالطات أو تشكك أو حتى احتمالات. طلبوا مني أن أبقى بعيداً، ويستحسن أن أصعد شجرة لالوب قريبة،أي أن أبقى أبعد ما يكون حتى لا يصيبني الحيوان الشرس الغبي، فإصاباته بالغة في كل الأحوال، توزع الجنقو الثلاثة بطريقة مدروسة حول الحُفرة، و طلبوا من بِتْ الملايكة أن تبحث عن الحيوان متتبعة رائحتة و أثره، وعندما تجده ما عليها سِوى أن تقف في الأتجاه المعاكس لحفرته و أن ترميه بحجرٍ من على بَعدٍ كافٍ، كي يهرب عائداً مباشرة إلى حفرته، وهنا يتنظره الجنقو، ليتأكدوا من الطريقة التي يدخل بها إلي حفرته، أبرأسه أم بمؤخرته؟ ثمَ بعد أن يدخل؛ سوف يعالجون مَسأله صَيده، ولو أن صيد الحَلُوٌفْ لا يتم بتلك الطريقة؛ كما أخبرني مختار على وتعلمتُ فيما بعد، أنه يتم بأن يُسَدْ مدخل حفرته بحجارة وأشواك و أحطاب ضخمة، وعندما يأتي مندفعاً لدخولها، فإنه يُفاجأ بأن مدخلها مسدود، فيتردد ريثما يعيد ترتيب أموره أو يحدد وجهة أخرى يهرب إليها، هنا يهاجمه الجنقو ضرباً بالفؤوس، إلى أن يموت.
بينما كنا صامتين، متوترين، مترقبين قدوم الحلوفـ،خَطَرتْ فِكرة لا يعلم أحدٌ ما هي؛ إلى ذهن عبدارمان البلالاوي، وسوف لا يعلم أحد كنهها فيما بعد. على مرآى من الجميع تحرك من موقعه الكائن خلف شجرة تنضب كبيرة، تقع وراء حُفرة الحَلُوٌفْ، مشي نحو مدخلها، كأنما كان يريد أن يتأكد من شيء؛ قال البعض إنه ربما أحَسّ، بِحركة الحلوف في الداخل، لأنه كان أقرب الناس إلى الحُفرة، كما أن موقعه كان أعلاها، ولكن الشيء الغريب الذي حدث هو أنه في اللحظة التي قاصد فيها عبدرامان البلالاوي مدخل الحُفرة، خرج الحَلُوٌفْ الذكر مُندفعاً في جنون، صدمه برأسه القوي الضخم، أو أخذه: سيختلف الجنقو في هذا الأمر كثيراً. و انطلق به نحو الغابة في سرعة مرعبة، وبدون تفكير، إندفعنا جميعاً خلفه، في محاولة لإنقاذ عبدرامان المسكين الذي لم يجد الوقت حتى ليصرخ، لقد فاجأه الحيوان مفاجأة تامة، وكنا نتوقع أن يسقط من رأسه في كل لحظة، إلا أننا ظللنا نجري في أثره إلى ما يُقارب الساعة، كان أثر الحَلُوٌفْ على الأرض بيناً نسبة لأن الأرض مبتلة و العُشُب كثير، وأن الحيوان الثقيل يلقي بالعشب تحت قدميه وهو يمضي بعبدرامان،ورغم أننا أرهقنا تماماً،إلا أننا واصلنا جرينا خلفهما في إصرار، إلى أن إنقضي اليوم كله، وكادت الشمس تغيب و قد ابتعدنا كثيراً عن التاية بإتجاه الغرب، إلى أن وجدنا أنفسنا على مشارف جَبل عِسَير. هنالك أوقفنا جنقوجوراى عجوز لا نعرفه، وجدناه صدفة يتجول في تلك الأنحاء. وعندما عَرِف مقصدنا نصحنا بأن نعود، وأن ننسى موضوع عبدرامان المسكين، وذلك من أجل سلامَتنا نحن،لأن الحَلُوٌفْ لابد قد صعد به إلى الجبل حيث أسْيَاده، وعندما سألت أنا بسذاجة وجهل عن ماهية أسْيَاده، غمزني الجنقو أصحابي، العارفون بمصائب الدهر وأسراره، فيما يعني: أسكت !!! إنهم ناس بسم الله الرحمن الرحيم.
وعرفت فيما بعد أنني كنت الوحيد الذي يجهل أن الجنقوجوراي العجوز، الذي ظهر لنا فجأة و نصحنا بالعودة، كان هو نفسه من ناس بسم الله الرحمن الرحيم، فلقد جاء متنكراً في تلك الهيئة.
في طريقنا إلى التاية، كان الجميع يتحدثون عن مصير عبدارامان المحتوم، الذي يشبه مصائر كل أزواج كلتومة بت بخيتة النوباوية، لقد تأسفنا كثيراً لفقده وترحمنا على روحه.
ولكن الغريب في الأمر أن تلك المأساة لم تله الجنقو عن النقاش حول كيف يدخل الحَلُوٌفْ و يخرج من حفرته، حيث أقسم مختار علي، أنّ الحَلُوٌفْ قد خرج من حفرته بمؤخرته قبل أن يعتدل في لمح البصر ليخطف عبدارامان بمقدمة رأسه ويجرى به إلى حيث لا يعلمون. ويصر جنقاويان على عكس ذلك، بِتْ المَلاَيِكَةْ وأنا و الحَقُ يُقالْ : لم نر الحلوف أصلاً، لا وهو يخرج من حفرته، و لا هو يخطف عبدرامان ولا غير ذلك، لقد كانت بِتْ المَلايِكةْ بعيدة تبحث عن الأنثى بين شُجيرات الكِتِرْ، و أنا كُنت منشغلاً بأحزاني الخاصة، سابحاً في حلمِ يقظةٍ عَصي، على شجرةِ لالوبٍ عملاقة نُصِحتُ بِتَسَلُقها.
اكتفينا بسلحفاة صغيرة، وَرَلٍ عجوز، قليلٍ من الجراد ساري الليل وقِطَين بريين شحيمين إصطادهم الجنقو.
































بُوشَايْ








بعد المعارك الطاحنة التي دارت بين الجنقو وكتيبة من الجيش ترتكز بحامية زهانة، انتبهت الحكومة المركزية لخطورة ما أسمته بالشِفْتة أو النَهب المُسَلّحْ، وجرى الحديثُ عن القوى الخارجية التي تريد أن تطيح بالحكومة الوطنية واجهاض (المشروع الحضاري للدولة)، تحدثوا عن المعارضة، جبهة الشرق، الأسود الحُرة، مؤتمر البجا، حركة العدل والمساواة وغيرهم وغيرهم ثم حٌشِر اسم أرتريا، وللتَحَليةِ أو الواجب القومي وتوحيد الجبهة الداخلية؛ ورد اسم دولة إسرائيل كجوز للتميمة لابد منه، ولكن نسبة لخبرة الحكومة المركزية الكبيرة في مجال الحرب الأهلية، كان أصحاب القرار. يعرفون أنّ تمرد الجنقو ليس خلفه سِوى الجنقو أنفسهم، وأنّ اخماده لا يتم باسلوب قتل باعوضة بقنبلة نووية.
كان الخريف قد أجهز على عيناته الأُوَلْ جميعهاً، بل ومضى إلى ما بعد المنتصف، ونمت الأعشاب عالية، في طول أشجار الكتر والطلح، بل أصبحت بعض أعشاب العدار أطول من قُطيات التايات، ولأن المطرَ غزيرٌ هذا العام، فقد دمر معظم الآفات التي تشكل خطورة على المحصول في مراحله الأولى،مثل الفأر وبعض أنواع الجراد، وهي في تشققات الأرض التي انسدت تماماً بفعل السيول، وتصعب الحركة كلما ازداد المطر هطولا وتشربت التربة الطينية الخصبة السوداء بالماء، الجنقو يعرفون المكان كجوع بطونهم.. العسكريون لا يعرفونه.. الجنقو يستطيعون دخول الأراضي الأرترية او الأثيوبية، اذا تركوا سلاحهم بمكان ما ولو داخل أحراش إحدى الدولتين، ولكن جيش الحكومة لا يستطيع. الجنقو يحاربون لأنهم يحسون بالظلم والغبن ويريدون المال، والعسكر لا يعرفون لأجل من يقاتلون؟ لذا كانت المعارك غير المتكافئة غالباً ما تنتهي بانتصار الجنقوجورا أو بإيقاع خسائر كبيرة في جيش الحكومة، أما النصر الدعائي الذي تفتعله الحكومة فغالباً ما يُضِعفُ الروح المعنوية للمواطنين،ويصيب الأطفال بذاكرة مشحونة بالكوابيس و الأسئلة الصعبة عن قيم الحياة والموت، ولكنه لا يخفى حقيقة الهزيمة الشنيعة التي تتكبدها. وهذا اليوم شاهدٌ على ذلك، حيث استيقظنا في الصباح الباكر على صوت بروجي وعزف مارش عسكري بغيض، وخرجنا مع جميع السكان إلى الشوارع وهي في الحقيقة ليست سِوى أزقة تحددها أشواك الكتر التي تحفظ أحواش القصب والبوص من الأغنام و الحمير. ثم، كما لو أن هنالك جهازًا سريا يقود أرجلنا، توجهنا إلى الميدان العام قُرب الهلال الأحمر السوداني، حيث عُرضتْ جُثا قتيلين، معلقتين على صليبين كبيرين من الخشب، الرجلان معروفان لدى جميع السكان، حتى الأطفال: الذي يرتدي زي الجيش الحكومي ذو الجثة الكبيرة المنتفخة المزينة بالذباب والرائحة الكريهه هو أبكر هبيلا طليق حلوم الزغاوية أما الآخر، في جُلبابه المتسخ ولباسه الكبير، المنتفخ في هذه اللحظة، النحيف في ما مضى، الصامت الحزين الآن.. المرح في الماضي.. صانع النِكات في السابق.. هو عبدالله الحردلو.
قالوا لنا بالميكرفون، بعد أن كَبَّرَ آدم لحَساَتْ المُلقب بأم الشهيد،سبعاً.
- كل يوم حنجيب اتنين من الجنقو الكلاب ونعلقهم هنا..
وسُمِيَتْ الساحة في التو بساحة النصر. أطلق جنود سُكارى ومسطولون منفعلون الرصاص على الجثتين. كانت الروح المعنوية للجميع متردية في مهاوٍ عميقة مُرة ومظلمة. عدنا إلى بيوتنا نخمن ما سيكون عليه الحال ؟
فيما يُشبه الندوة في يوم عسلية أم جابر بالجمعة، توصلنا بسهولة إلى أنّ الأمر ليس سِوى انتقامٍ وتخويفٍ، واتفقنا على أنّ الرعب قد تملك الموظفين الأثرياء، وربما ذَكر رجلٌ أو رجلان أنّ الفكي علي يفكر في مغادرة الحِلة نهائياً، وانه قد ابتنى له بيتا في الخرطوم بالحاج يوسف، وانه سيرحل إلى هناك نهائياً، ونُقِلَ عنه قوله: " السُوق هناك أحسن.. ناس الخرطوم تعبوا من الدكاترة والمستشفيات الخاصة.. والفُكَيَةْ هناك شَغالين زي المكنات.. قروش زي التُراب..علاقات زي السِمْ..... ونحنا قاعدين هنا.. يومياً فلان كتلوه.. فلان صَلبوه.. فلان طردوه للحبشة"!!
شَيَّلَنِيّ صِدِيقْ العَوَضْ أردبين من الذُرة كتفلي، وألمح لي بدبلوماسية باردة أنه بالرغم من علامات الإستفهام الكثيرة حولي وحول صديقي الذي هرب إلى الخرطوم،إلا أنه، عملاً لله، شَيَّلنِي الكتفلي، حتى أدفع لعمال الحصاد،وحتى لا أخسر مالي الذي أنفقته في الزراعة، إدعيتُ عدم الفهم،بل وتَبَالَدتُ وأنا أوقع باسمي على وصل الأمانة بثلاثة أضعاف الذرة التي أخذتها فعلياً. ليس لديّ خَيَارٌ آخر.
طِوال هذه الشهور التي قضيتها بدون ألم قِشي لم أنسها أبداً.
كان مُختار علي قد خصص وقته كله من أجلي، ووافق بعد لأي ان نكون شركاء في المشروع الصغير الذي ظللنا نعمل فيه معاً منذ بداية الموسم، قبل أن يمضي الشايقي فضل ليعمل في صفوف ما اسمتهم الحكومة بالشفته تارة و بالمتمردين تارة أخرى، وقد جلب لي المشاكل ومراقبة الشُرطة، واستدعيت أكثر من خمس مرات للاستجواب بمكاتب الأمن في حي فلاتة، بل حدثني ود أمونة ذات مرة أنني وُضِعتُ في القائمة السوداء!
علاقتي ببوشي تميزت بامورٍ ثلاثة، أولها أنّها كانت معجبة بي كشخص يعرف أشياءً كثيرةً، بتعبيرها هي: كُل شئ. وكانت، كما قالت لي أكثر من مرة، تتمنى أن تكون مثقفة و ملمة بأشياء مختلفة في الكون، على الأقل أن تتخرج في الجامعة، ولكنها وهي في الرابعة عشر، تركت المدرسة، نسبة لعدم مقدرة أسرتها على دفع الرُسوم المدرسية وخاصة ملابس المدرسة فهي ترى فيّ حلمها الذي لم يشاء الله له أن يتحقق.
أما الأمر الآخر فهو حكايتي مع ألم قِشي، فقد كان يعجبها فِيّ، حُبي ووفائي لزوجتي و حبيبتي السابقة، وهذا حسب ما ترى: نادر الحدوث.. الرجال في هذا الزمن قلوبهم طايرة، لذا هي ترغب بشدة و إن لم تصرح به، أن تحل محل ألم قشي.
أما الأمر الثالث فهو أنني ضعيف جداً أمام النساء السوداوات جداً والنساء البيضاوات جداً، وخاصة ذوات القامات العالية والسيقان الطويلة الممتلئة، أنني أحبهن أكثر إذا كُنّ يجدن الغناء أوالرقص، أو أية موهبة كانت، ولو طريقة متميزة في الكلام و المشي. بوشي هي أنموذجٌ مثالي لهذه المرأة.. أكثر من ألم قِشي.. على أن ما يميز ألم قشي عن كل النساء عندي هو أنها أوّل من طلبت مني من نساء الدُنيا أن: أحَمّلها ببنت، ولم استطع أن أحقق لها أمنيتها التي أصبحت فيما بعد، أمنيتي أنا أيضا.. الأهم من ذلك الصدق الذي تتكلم به.. عذوبة النطق وسحره، كأن جسدها كله يتكلم، الهواء من حولنا، المرقد، ألم قشي امرأة لا كما النساء: حاجة تانية.
ولم تعرف بوشي حقيقة أن ألم قشي ( حاجة تانية). و أنّ محاولتها حَلّ محلها عبثٌ لا طائل من ورائه، وأنّ البحث عن مكان مجاور ربما كان الأقرب للتحقق، فقد كنت معجباً ببوشي وإن كُنت أتعامل معها بحذر شديد، خوفاً من فكرة الإلتزام، وأنا شخص يفي بالتزامه مهما كلفه ذلك، ولكن، في الحقيقة، لم أحس إلى الآن على الأقل، بحاجة لامرأة تشاركني الفراش. أزمة ألم قِشي ما زالت مستفحلة، وما زلت أحبها؛ أُحبها حُباً شديداً، و أحلم بها كل ليلة، وأتذكرها كل ثانية، وأظن، بيني وبين نفسي، أنني سوف أفشل لا محالة مع بوشاي، بل هذا مؤكدٌ، وكنت لا أصدق ما قاله لي أبرهيت، في أنّ ألم قِشي قد تآمرت ضدي مع البنكيين أو غيرهم، وكنت اكتفي بأن لا تفسير مقنع لما فعلته معي. وقد قالت ليّ الأم إن حالتي تسؤ كل يوم عن ذي قبل. لكني في الحقيقة، أتعامل مع النساء وفق شروط نفسية معقدة، وربما وراء نفسية،غير أن العلاقة بيني و بينهن تمضي سَلِسَة وطيبة، بل واستطيع أن أقول خالية من العقبات الكبيرة، مثلما كانت ألم قشي تأتيني لتؤانسني عند منتصف الليل، كانت بوشاي تأتي أيضاً لتغني لي كي أنام، تغني بلغة الشلك والباريا، وتحفظ أغنيتين بالأمهرا، وذلك بالتأكيد يعجبني جداً.
عمرها بالتمام سبع وعشرون سنة، وهي في الواقع، تكبر هذا العمر بعشرين أو ثلاثين أخريات، فطبيعة الحياة التي عاشتها تجعل حساب اليوم في حدودٍ أربع وعشرين ساعة، مُفارقة بائسة، وسيندهش الكثيرون، بل أنا نفسي اندهشت، إذا عرفوا أن بوشي تعيش في أسرة من شخص واحد هو بوشاي ذاتها! حدث هذا منذ أكثر من عامين. كان لها أخَوان هما: علي وألالا و أخت صغرى اسمها أبوك. والدها من الشُلك، وقد انضم لجيش الحركة الشعبية، تحت قيادة القائد عبدالعزيز الحلو، واستشهد في معركة على مشارف همشكوريب. أمها توفيت بعد ذلك بزمن قليل.ألالا هاجر إلى استراليا عن طريق مصر، عَليْ لا أحد يعرف أين هو،آخر مرة رأته فيها قبل عامين. أهل والدتها لا يحبونهم لأسباب عرقية، ولو أنّ والدهم كان مُسلماً. أبوك أخذتها التاية للسعودية وهي ترسل أخبارها بانتظام.
وجَدَت بوشاي نفسها وحدها، فقبلت التحدي، وعملت كما تعمل النساء الفقيرات في صناعة الخمور البلدية، ولكنها لم تقم علاقة تذكر مع رجل ما، على الأقل لم يتسن لود أمونة معرفة ذلك، ولم تستطع ندوة ما كشف أية علاقة لبوشي برجل من الجنقو أو غيرهم، غير أن هذا لا ينفي أن لبوشي عشاقٌ، وأنها تصطفي من تشاء، ولكن خارج بيتها، لأسباب تعلمها.
كان الجميع يتعاطفون، مع بوشي وكثيرات من صديقاتها يتطوعن للمبيت معها في بيتها، وقد رفضت عرضين للزواج وعرض للمصاحبة. والآن الناس يتحدثون عن زواج عُرفي بينها ومدير البنك تركاوي، ويتحدثون عن الموبايل الذي أهداه لها، كأول موبايل في الحي الشرقي. وقدر الأهالي أن علاقتي معها ليست إلا لقضاء وقت من جانبي، ومحاولة فاشلة لزواج من رجل عُصامي من جانبها هي. كان كلانا يجد العزاء في الآخر، ولكني، كما قُلت: مُعْجَبٌ ببوشاي كفتاة عصامية تكد طُوال الوقت، لتوفير قوت يومها، بل أبعد من ذلك حيث أن بوشاي هي أول من اشترى جهاز استقبال قنوات رقمي في الحي الشرقي كله. لم يكن ذلك اعتمادا على ما ترسله أبوك لها من السعودية حيث أنّ أبوك في الواقع لا ترسل شيئاً، إذ ما زالت تناضل لتغطي تكاليف سفرها واقامتها في السعودية، وهي مدينة بذلك للتاية. وألالا أيضا لا خبر منه في أستراليا، ولا أثر له، ولا تعرف حتى كيف تتصل به. كانت تبيع المريسة، والعسلية و ليس هذا بالعمل السهل، لأن التعامل مع السُكارى يحتاج لطولة بال وسياسة، فان السُكارى يبدأون هادئيين وطيبين، يحكون عن الحَلُوٌفْ، ويتغالطون فيما اذا كان يدخل بيته برأسه أم بمؤخرته. ويقصون مغامراتهم مع أبشوك أو المرفعين الذي يحبون لحمه لقيمته العلاجية الرفيعة، حتى خُرائِه، فإنهم يستخدمونه في علاج الأزمة وضيق النفس. ويقيمون ندوات القطيعة و النميمة. هذا في الساعات الأولى، إذا لم يكن من بين الندماء رجلاً مدمناً سريع السُكر من أول كأس ويبدأ برنامج الشجار مبكرًا، مما يعكر صفو الجلسة و صاحبة البيت، وقد يكون سبباً في استقدام الشرطة أو بوار المريسة، أما إذا لم يكن هذا المدمن موجوداً، فإنّ الساعات التالية تتسم بمحاولة السُكارى الإستمتاع بالطرب، يغنون لأنفسهم مستخدمين آنية المريسة الفارغة كادوات ايقاع، هذا إذا لم تتوفر دَلّوُكَة أو يُوجد شَتَمٌ صغيرٌ بالبيتِ، والبعض وهم قلة يقومون بتسلية أنفسهم بالتغزل في صاحبة البيت أو بناتها أو يديرون معهن مجرد أحاديث عامة عن الزواج والحب والأسرة. ولكن أخطر ما في هذه الساعات الوسطى أنها تزداد خلالها الرغبة في معاشرة امرأة ما، الأمر الذي قد يؤدي للإسصطدام برجل آخر، زوج، أخ أو عشيق، صاحب او حتى رجل قانون،ثم يبدأ العراك الفعلي؛ وقد تستخدم فيه الأسلحة المحلية ببراعة وشراسة وعدم رحمة أو مسؤلية. صاحبة البيت المدربة الذكية العاقلة هي الأمهر في إدارة هؤلاء الناس المنفلتين، وهي تمثل بذلك أمهر الإداريين مطلقاً، طالما تستطيع أن تعمل في وسط يُعْتبر حقل ألغام وكوارث كبيرة مثل: طَعنة سكينٍ، تليبة في بيت جار، كسر يدٍ بعصى، تدخُل الشرطة، مصادرة أدوات العمل وقد تصل العقوبة لسجن طويل.
تعلمت بوشاي سياسة إدارة السُكارى من جامعة السُكارى أنفسهم، حتى كانت تعرف طبائع الزبائن كلهم، المدمن الذي يبتدر الشجار، والمدمن الذي ينام من أول كأس على البنبر، والمبتدئ الذي عندما يسكر يتبول على ملابسه مثل الطفل أو يبكي وينوح متحسراً على حياته كلها، الفدادي الشِرِّيب المتزن الذي يسكر فيكتفي بالغناء أو أخذ عكازة والمضي إلى بيته، أو فرش عِمّته على الأرض في مكان جانبي، والذهاب في نوم عميق. تعرفهم بالإسم والصفة، وتديرهم بنمط إدارة شخصي، بوشي، في الحق لا تميل للجنقو كرفقاء سرير.
- وسخانين.. ما بيهتموا بنظافة ملابسهم ولا جلودهم وريحتهم ترمي الصقر من السما.. ديل ناس ساي!!
كان يتعين على بوشي فوق ذلك،أن تعمل بدبلوماسية أيضاً في جبهة أخرى، وهي جبهة البنك، ذلك الغول الذي تدَّخل في كل تفاصيل الحياة اليومية. قَصّ عليها التركاوي-عبر ود أمونة- كثيراً جداً حِكاية امرأته غير الجذابة التي تعشق المال فقط، ولا تهتم به كرجل، وقد تزوجها دون حب يُذكر، فقط لأنها بنت عمه: ( وانا دخلي شنو ؟)
حسناً، صنع الخمور البلدية يجرمه القانون، وبامكان الشرطة والمباحث تخصيص قليل من وقتهما، فليكن الظهر لوقف هذه البلاوي؛ التركاوي يستطيع بإشارة منه أن يمنعهم،كما ويستطيع أيضا أن يأتي بهم! فكل مشاريع ضباط الشرطة والمسؤلين الكبار هي بتمويل من جيبه شخصياً، أو من البنك وتركاوي كما وضّحَ لها بنفسه: رجل تقي ويخاف الله، لذا هو لا يرغبها بالحرام، وأيضاً ليس بالفضائح على حساب سمعته، لذا عرض عليها الزواج العرفي وأصّل له بنصوص قال إنها شِيعية. ولكنها كرهت فيه العجرفة والإدعاء، ورائحة الصُنان النفاذة التي زكمت أنفها يوم أن قابلته أول مرة، لن تنساها أبداً.
-أنا ما عايزة اتزوج لا بالعلن ولا بالعُرفي ولا بالحرام ولا بالحلال!
ولكن الذي يعرف التركاوي يدرك أنّ المعركة لن تنتهي هنا. قابلته مرة واحدة فقط. جاءها متنكرا في شكل جنقوجوراي، ثم ما لبث أن أفصح عن نفسه.. ولكن اللقاء اليومي بينهما تواصل عبر ود أمونة. كان بارعاً في نقل الكلام كما هو، وكأنه جهاز تسجيل ألكتروني أو كتاب، وذلك تلبية لطلب التركاوي نفسه. وكان ود أمونة هو الذي رَشّح بوشاي لمدير البنك، بعد أن شكى له الأخير حاجته لامرأة ينام معها لكن بسرية تامة وبدون فضائح، و أن تكون نظيفة و جميلة، وليس حولها رجالٌ من الأقارب أو عشاق غيورون، قد يسببون له مشكلة. ففكر ود أمونة ودبّر، وانتهى إلى بوشاي، و تَمّ الإستغناء عنه عندما عَملت شركة الموبايل العملاقة، حيث استطاع التركاوي أن يتحدث إلى بوشاي مباشرة وفي أي وقت أراد، وبما أراد، الشيء الذي لا يستطيعه مع ود أمونة، لأنه يعرف أن ود أمونة لا ينقل كلامه لبوشاي وحدها، ولكن للحي كله، وكان مجبراً عليه.
وعندما عجز التركاوي عن إقناع بوشاي بالزواج العرفي، أو بممارسة الجنس بمقابل، طلب منها طلباً وصفه بالإنساني، أن تمارس معه الجنس الشفاهي عن طريق الموبايل، وشرح لها كيف يكون ذلك، فرفضت ولكنه ألح وألح، فرضخت فى النهاية، وهذا ما يفسر المشهد الذي لم يجد له ود أمونة تفسيراً، و مازال يُدهشه إلى اليوم، حينما دخل ذات يومٍ على بُوشاي، ووجدها جالسةً على بَنْبَرِهَا تطبُخ شيئاً في الراكوبة؛ وهي توحوح، وتصدر أصواتِ تَوَجُعٍ وألمٍ و تشهقُ في غِوايةٍ لا يمكن أن تصدر إلا من امرأة علي فِراش رجلٍ. وشاهد ود أمونة الموبايل على فمها، لمّا راتهُ، ارتبكت،ندت عنها صرخة، وأغلقت الموبايل، ثُمَ أخذت تضحك في هستيريا، وعندما سألها عما كانت تفعل، قالت:
- مافي حاجة، مافي حاجة، إنتَ سِمِعتْ شُنو؟
قال لها ود أمونة ضاحكاً:
- ولا حاجة!
الكلامُ عن الحرب هو كلام الساعة، والكلام عن إعدام طليق حلوم وعبدالله مهدي و صلبهما و رميهما بالرصاص بعد ذلك، طغى على أخبار الخريف ومكائد البنك التي فسرها الكثيرون بأنها انتقام من ثورة الخُراء، التي ما عاد أحدٌ في الواقع يذكرها، لقد كانت دخيلة على هذا المجتمع، وتَمّ اسقاطها تدريجيا من السجل اليومي للقُوالات وما يُشبه النَدوات. وذكر كلمة خُراء نفسه يعاني من اشكالية جمالية هنا في مجتمع يحتفي بالطهر والنقاء.
بعد مقتل الجنقوجورايين على يد جند الحكومة انحسرت أخبار الحرب قليلاً، وقِيل أنّ الجنقو قد انسحبوا إلى تخوم مدينة تِسَني، ليقضوا الخريف هنالك مستفيدين من ثمن الأسلحة التي استولوا عليها من قوات الحكومة وقاموا ببيعها للزبيدية في جبهة الشرق، وكان ذلك في الحقيقة مصدر دخل كبير جداً لهم إذا استثنينا العائد من تجارة الخمور، حيث كانوا يهرِّبون الخمور المستوردة من إرتريا وأثيوبيا إلى داخل مدينة خشم القربة، ثم عن (طريق الهَوَا) عبر البُطَانَةْ إلى الخرطوم وعطبرة. وربما شرب سُكارى عاشقون الأنشا الأثيوبية اللذيذة، في نواحي دنقلا العُرضى ووادي حلفا و أبي حمد ونيالا.
زارني الشايقي وبعض أصحابِه في التاية منتصف ليلة مظلمة مطيرة، عواء ذئابها يطيّر القلوب شظايا.. احتفلنا باللقاء العزيز، وذبحت لهم تيساً من الأغنام التي احتفظت بها في التاية تحسباً لظروف شظف العيش، أو أعطاب الطريق، شربنا الشاي والقهوة، وأخذوا يحدثونني عن مغامراتهم وقتلاهم، عن انتصاراتهم و بعض هزائمهم. وعندما تذكرنا يوم بص همدائييت، وكيف تغابوا فيّ المعرفة، ضحكوا وقالوا لي:
- قروشك ياها دي معانا.. هاك ليها..
وأَخذتُ مالي، وسألوني أسئلة كثيرة جاوبتها بصدق وقالوا لي: نحنا حالفين نأدب ناس البنك.. نوريهم نجوم النهار.. لكن ما هسع.. لمّان يجي وقتهُ حتعرف، ونحن حنكون في أرتريا إلى أن يَجِي اليوم داك . فتذكرت ما قالته لي أداليا دانيال مرة: الجنقو اتعلموا طبيعة الحبش.. ما بيخلوا حقهم بالساهل.
ثُمّ حاولوا أن يطيبوا خاطري في شأن ألم قِشي، ولكنهم أثاروا غضبي حينما وصفها أحدهم بالشرموطة، فدافعت عنها دفاعاً مستميتاً. قُلتُ فيها ما لا يقوله الرجل عادة في هذا المجتمع:
قلتُ لهم: إنني أحبها؛ أحبها حباً شديداً، ومهما فَعَلتْ، فإنني أجد لها العُذر.
قلتُ لهم: الشرف و الطهر في الروح وليس في الجسد.
قلتُ لهم: ما لم يقبل الرجل برزائل المرأة وهي قليلة، لا يُحظى بِفضائلها العظيمة وهي كثيرة.
قلتُ لهم: امرأة داعرة أشرف من رجلٍ عابد.
قلتُ لهم: (:).










صديقي الثائرُ

عاد صديقي إلى الحِلة بعد فترة غياب طويل قضاها في الخرطوم أو ربما في أي مكانٍ آخر راق له، ولكن بدا واضحاً أنّ الحِلة قد أصبحت المكان المفضل لديه، وقد قال ذلك لأكثر من شخص: هنا أجمل مكان..
كان يرى ما قام به الجنقو من حمل للسلاح وقطع للطرق وحرب للجيش الحكومي لن يستمر طويلاً، ولن يقود إلى أي نتيجة؛ مالم يسنده تنظير سياسي وتحليل إجتماعي، وهدف محدد بدقة، يمكن تحقيقه في مثل هذه الظروف، وقرر أن يكون هو حادي ركب التنظير، ولا يتم ذلك إذا لم يواكب الجنقو، ويعيش معهم في غابات الكِتِرْ والخيران المتوحشة، تحت تهديد نيران كتائب الحكومة، في الخوف، الجرى،الإقبال، الإدبار، الجوع، الحرمان، الهزيمة والنصر.. كان يقول:
- التنظير بدون معايشة الواقع، مثل طباخة الإدام على النار مباشرة بدون وسيط، يُفْسَدُ الإدام النار معاً.
وطلب مني أن أدله على المكان الذي يختبئ فيه المسلحون من الجنقو، فنصحته بأنه قد لا يستطيع أن يعيش كما يعيشون، ولو أنه يأكل كل شئ تماماً مثل الجنقو، لكنه في النهاية، ود مدينة وعلاقته بالمكان لا تتعدى السياحة الخشنة، وأن الخطر الكبير الفعلي هواحتمال تعرضه للأسر، و الأسر هُنا يعني الموت البطيء المؤلم، أو الإصابه، أو ربما القتل.
قال، كعادته عندما يُخْشَى عليه من الموت: أنا ما حأموت قريب.. عارف كدا. والإنسان بموت بارادته، وإذا ما كان مستعد للموت، مافي شئ يقتله!
أعرف أنه لا يُحَاج، وأنّ مبرراته حاضرة دائماً، لكنني أعرف الصعوبات التي سيواجهها، أقصد التي سوف تهزمه شر هزيمة. وذَكرته بعاقبة مغامرته مع الصافية، وكيف انتهت بتوريثه سُمعة سيئة؛ ومغامرته مع أبرهيت ولدو إسحق، والنهاية المأساوية التي أفضت به إليها، حيث شَمّتَ علينا طَفْلَةٌ عِشرينيةٌ، مَدّتْ لنا لساناً أرقط تفوحُ منه رائحة الكرملا، كما ذكرته بنقاشه البيزنطي مع الأم مريم كُودي راعية الكنيسة، حيث كاد يقتلنا المؤمنون لولا أن ستر الله، وبما جرى بينه و بين ود أمونة أيضاً من حوارٍ فاشلٍ، كسبه الأخير، وبغير ذلك من مغامرات صغيرة فاشلة تافهة خاضها بعناده هنا وهناك، على أن ذلك كله هين، سوى أن الأمر الآن قد يصل للموت وهنا تكمن الخُطورة الحقيقية!!
لكنه رَدَّ عَليَّ قائلاً: أولاً، هنالك مبدأ أؤمن به، وهو أن الرجل الناجح هو الذي يفشل ليستثمر فشله، أما موضوع الصافية دا موضوع مصنوع من خيال الجنقو والجنقوجورايات لا أكثر، ومستحيل امرأة تغتصب ليها راجل، يا راجل!
قلت له ضاحكاً:
- حتى لو كان عندها موضوع وصفه الفكي على الزغراد بأنه كبير.
قال محتجاً:
- وين شافو الفكي الزغراد.. وكيف ؟
ثم راح يفند ليّ كل ما ذكرته من فشل، محيلاً إياه إلي إنتصارات، بل فتوحات باهرة. أخذته إلى التاية معي وبقي هنالك خمسة أيام، قبل أن يأخذه الشايقي إلى تخوم إرتريا.
ظللنا نسمع أخباره من وقت لآخر، تأتينا مَشُوكةً بالكِتِرْ والحَسَكَنِيتِ، ملوثةً بطين سبتمبر الّلزج، وعليها خَوفُ الناقل و حِرصُ السامع وهَوهَوةُ الريحِ الجنوبيةِ الرطبةِ، تأتينا أخبارهُ مرةً باللغةِ التِجِرِنّةِ، ومرة بالأمهرا، وأحياناً بالبَنِي عَامِر، أوالبجاويت، أو العربية المُكسرة، عربي الجنقو، بالرندوك أو بلهجة البدو الرشايدة الزبيدية.
كان يبعث إلي برسائل كثيرةً، مع أقرب زوار أو أصدقاء مشتركين، وكنتُ أرد عليه،ولكن بحذر شديد، طلب مني مرة، أن أرسل إليه ما أسماه الجدول الزمني اليومي لحركة موظفي البنك، كتقرير بعد مراقبة لصيقة لأسبوع واحد فقط، ثم لأسبوع آخر بعد مرور اسبوعين من الأول، ثم مراجعة الجدول كل ثلاثة أسابيع لحساب معدل الإنحراف بصورة دقيقة، وفعلا قمت بالعمل على أكمل وجهٍ، مستعيناً بود أمونة، ولكن ليس بطريقة مباشرة، لأنني مثل الجميع، لا أثق في ود أمونة، و لربما أشك في انه قد يكون عميلا مزدوجاً، ومستفيدا من معلومات ظللت استخلصها من بُوشاي نفسها، حيث أنّ مدير البنك، مازال يضاجعها على الهواء، بالموبايل. كانت تعرف قليلاً عن نظام حياته، ومع ذلك فالفائدة التي كنا نجنيها من علاقتها بالمدير كانت كبيرة، لأن بوشاي إذا طلبت منه أن يحضر إلى منزلها في أي وقت، فانه لا محالة قادم متنكراً دون أن يعلم أحدٌ بتحركه، مما يتيح فرصة التصرف فيه كما يَشاء الجنقو المقاتلون. في الحقيقة لستُ أدري ما يُريد الجنقو أن يفعلوا بالبنك وأهله على وجه التحديد، لكنني كنت متأكداً من شيء واحدٍ، هو أنهم كانوا ينوون بهم شَراً، ربما يُمْكن وَصفه بأنه: مُستطيرْ.






















فَتَاةٌ مِنْ أَسْمَرا

جَرَبَتَهُ، ويُظَنُ أنها كانت أول من حاول معه، زينب إدريسيت، القادمة من القَرْقَفْ. صبية صغيرة معجبة بنفسها عاشت في أسمرا ما لا يَقِل عن سبع سنوات عَرِفَتْ فيها حياة الحُرِية ِوالرفاهية ونظافة الجسد والمكان والروح. هربت من الخدمة الوطنية الإلزامية في بلدها، أقامت بالقرقف اسبوعاً كاملاً، إلى أن أرشدها بعض فاعلي الخير إلى الحِلةِ، ثم أُقتِيدَتْ إلى بيتِ الأم، وعند الباب قابلت ود أمونة، ولم تخف إعجابها به حين أعلنت وهي في دهشتها الأولى.
- هنا برضو في رجال حلوين ونضاف بالشكل دا.
قلن لها: بالتأكيد.
ولم يفْصَحْنَ أكثر، حيث احتفظن لأنفسهن بإجابات كثيرات أخريات، لكن بَعضهنِ سألن بَعضهنِ في صمت: لماذا بالفعل لم نفكر في ود أمونه كرجل ؟
لقد ظل عالقاً في أذهانهن كصديق، كأخ أو كخادم طَيّع وربما في بعض الأحيان: كعَرَّّابْ ؟
شرحت لها أدي وضعية ود أمّونة في البيت، وأنّ بامكانها الإستعانة به في كل شئ، وأنّ عليها أن تعامله برفق ولا تثقل عليه.
-هنا نحنا كلنا نعامله كدا.
تَمّ تصنيفها كفتاة سرير جيدة، بالتالي حُدِدَتْ لها شروط الوظيفة وأخلاقياتها وقيمها. كان لها طلبان. الأول.. ألا تفعل شيئاً مع أي كان إلا بعازل جنسي، وعَرّفَتَهُ بالإسم كوندوم. الثاني أنّ لها الحق في أن تقبل الزبون أو ترفضه، ولا يجب أن يجبرها أحدْ:
- حسب مزاجي أقبله أو أقول لأ.
ثم أضافت عبارة جعلت أدي تضعها في مصاف المحترفات،عبارة كشفتْ كذبتها المركزيةِ، بأنها ما قَدمِت إلا هروباً من الخدمة الوطنية الإلزامية، حيث قالت وهي تلوي فمها يُمنة ويُسرة في مزاجية عجيبة:
- السُمْعَة الطيبة المعروفة بها أدي، خلتني ما أناقش مسألة القُروش؛نصيبها كم، ونصيبي كم؟
ولأن أدي في حاجة إلى دماء جديدة، وافقت على كل الشروط، وكُلّفَ ود أمونه بالذهاب إلى سُوق الكِترة وشراء كرتونة كبيرة من العازل الجنسي الكوندوم، بالمواصفات التي قدمتها زينب إدريسيت، مرفقة باسم الشركة، وسنة الصُنع زودته بعَيّنة للمقارنة، حتى لا يخدعوه بعينة قديمة انتهت صلاحيتها. وبقيت محتفظة في حقيبتها بكمية كبيرة من أجود الأنواع . قالت لها أدي:
- ود أمونة، إعتبريه أخوك.
واعتبرت أدي أنها قلّدَتْ زينب تميمة تحمي بها ود أمونه من أي نوايا سريرية قد تفكر فيها، فقد نُقِلَ لأدي تعليق زينب، بعد تكييفه محلياً بتفاسيره الملحقة. لم تُعّلِقْ زينب بت أسمرا، هزّت رأسها إيجاباً، وابتسمت. فيما بعد قالت زينب لود أمونه :
- إنت أجمل راجل في الحِلة دي كلها.
قال خجلاً حيث أنه أول مرة في حياته يَسمع تعليقاً واضحاً عن نفسه وصريحاً
- معقول ؟
قالت وقد صارت اكثر صراحة ووضوحاً.
- كلهم عفنين ووسخانين وريحتهم ترمي الصقُر من السما. الرجال في أسمرا يشبهوا الملايكة.. إنت مفروض تعيش في أسمرا.. تشتغل بارستا في أي بار أو فندق هناك، تكسب دهب عديل.
ثم أخبرته عن المكانة الكبيرة التي كانت تشغلها في أسمرا، وكيف أنها كانت نجمة عالية في سماء المدينة، سمعتها تطبق الآفاق، لولا التجنيد الإجباري، آه.....آه، أنا ما بحب الحرب ولا الموت ولا بحب أشوف الدم.
أخبرها عن رجال مختلفين ومثقفين جاؤوا من الخرطوم، مدني، القضارف، كسلا وبورتسودان، الأبيض.. يعملون في البنك وشركة الإتصالات، طُلمبة البترول، الأمن،الشرطة، سُوق المحاصيل وفي المحلية أيضاً، هنالك ضباط جيش وبعض الجلابة أصحاب المشاريع الكبيرة وأولادهم أيضاً، شرح لها أنّ الحِلة بالنهار ليست الحِلة بالليل، وأنّ معظم من ذُكِرَ، يأتون للعشاء الفاخر في منزل أدي ليلاً، وبعضهم يأتي لتناول وجبة الإفطار، حتى معلمو الثانوية العُليا، وأكد لها بأنه وأدي سوف يُخَصِصِانِهَا للرجال من الطبقات العُليا وليس الجنقو. أشارت له أنها تحس أنّ بينه وأدي شئٌ غريب، فحلف لها بربه أنّ ذلك لم يكن.. وأنّ أدي لا تمثل له سوى صاحبة المنزل.. فالمهنه تقتضي ألا تخترق حدود الأم. ولما اطمأنت: راودته عن نفسه. حَسناً، سوف يقض آخر طلبات ادي ويعود إليها، ولكنها فقط عندما طلعت شمس اليوم التالي، تأكد لها بما لا يدع مجالاً للشك أنه لن يعود، نامت!

















قََسَمُ الشَيَخِ العَربِيْ

الأراضي التي زرعها البنك وموظفوه قُدِرَتْ بثلاثة ألف فدان أو أكثر بقليل. في الواقع كانت هذه الأرض بوراً؛ تنموفيها أشجار الكِتِرْ، الطلح والسَيّال وبعض الأعشاب المُوسمية التي تخضر مع موسم المطر؛ مثل البُوص والنَال والعَدَارْ. وقد حُجزت هذه المساحة مُنذ عصر الإستعمار الإنجليزي كمراعي للماشية، حَيثُ يُحيط بتلك المنطقة، وبأعداد كبيرة، بدو الحمران واللحوييين، الذين يعتمدون في حياتهم على الرعي. وما كانت فدادين البنك لتثير اشكالية ما، لولا أنها كانت كَلما تبقى من أراض غنية بالأعشاب للرعاة، حيث أنّ كِبار التجار ظلوا يستولون على أراضي الرعي بشراهة في السنوات العشرين الأخيرة، مما دفع الرُعاة إلى الهِجرة إلى ما حول المُدن والتجمعات السكنية، وقد تخلص كثير منهم من حيواناته واشترى عربة بوكسي وبيت وفتح دكاناً أو مطعماً وعمد على حياة المدينة، ولكن الكثيرين منهم إستعصموا بماشيتهم، وهؤلاء هم مَنْ أثار المشاكل.
دفع الرعاة بوثيقة قديمة، مُنْذُ عهد الإنجليز، تخصص المكان للرعي، ترسمه، تخططه، تحدد معالمه بختم وتوقيع الحكومة. كان يحتفظ بها أحد شُيوخ اللحويين في جُراب من جلد الماعز، محشورٍ في شنطة حديدية كانت تُستخدم لتخزين الذخيرة من بقايا حرب الطِليان والإنجليز. كانت تفوح منها رائحة وبر الشياه وعبق عشرات المواسم المطيرة، ووهن الأزمنة التي تنسحب متباطئة كسولة، وعفونة طازجة لخياناتِ مختلف الحكومات الوطنية، وشتى الحكام الوطنيين، كانت تنتظر في صبرٍ حذرٍ، كفتيلة لُغْمٍ قديم صدئ.
طرح الشيخ العربي الوثيقة على الأرض مباشرة، على الرغم من المحاولات المميتة من قبل أعضاء اللجنة لإقناع الشيخ العربي بوضعها فوق طاولة كبيرةٍ من الصاج، كانت تتوسط جمهرة الخصوم والمصلحين. قُرِأَتْ على عَجَلٍ، وكأنها محفوظة مدرسية. ثم حلف شَيخُ العرب بالطلاق على أنه إذا لم يتنازل موظفو البنك عن الأرض بما زرعوه عليها؛ إنه سيفعل ما لا تُحمد عُقْبَاهُ، مؤكد أنه لا يخشى الحكومة اطلاقاً، طالما كانت عصابة من البلطجية والسُفهاء تقلع حقوق الناس نهاراً جهارا،ً وختم حديثه قائلاً:" السَوَّاي مُوْ حَدَّاثْ!!".
ودون أن يستمع لما قيل بعد ذلك.. طَوَى وثيقته في رفق وأناة، وخرج تبعه في صمت سَبَعة من أولاده، وكبار عشيرته، ووصل إلى مسامعهم بعد يومين؛ أنّ مدير البنك علّق قائلاً:
- وَرَقته دِيْ خَلِيهُ يَبلّها ويَشّرَبْ مُويتها.. هو قايل الإنجليز لَسّعْ قَاعِدِينْ ؟! ظاهرعليه من ناس أهل الكهف .
أعضاء لجنة المصالحة زعموا،بحكم مالهم من معرفة وثيقة بأمزجة العرب، نا بعة من معايشة لصيقة، أنّ بعض المال و الإعتذار سوف يبطل ثورة شيخ العرب، ويحولها، في الغالب إلى تكبيرة فرح، وبالفعل، حُدِدَ مبلغٌ من المال كبير، أُضِيف إليه وعد بهبة إلى شيخ العرب مقدارها مائة جوال من الذرة بعد الحصاد، وتَمّ ارسال المبلغ والوعد مع وفد الصلح رفيع المستوى، حيث أكرمهم شيخ العرب، مُبدياً رَفضاً ضَعيفاً للمَالِ والوعد، ولكنه سرعان ما عَادَ واستلمه جبراً لخاطرهم!.
فيما بعد فسَّر أحد أعضاء الوفد أنّ قبول الشيخ للمال بهذه السهولة، يعني أنّه أخذه كحق، لا كرشوة، وهذا يعني أنه مازال على موقفه الأول. لم يصدقه أحد، فالبعض مشائيم تسيطر عليهم روح التشكك. و شيخ العرب بنفسه أكّدَ على أن إكرام الزائرين لا يتم بأقل من قبول وساطتهم، وذاك إرث قديم يحرصون على صونه. وإذ قال شيخُ العربِ فإنه: يعني ما يقول.
قال العضو المتشكك:
- ولكنه حلف بالطلاق!.
قالوا ساخرين
- العربي لو ما حلف بالطلاق في اليوم ثلاثة مرات يكون مريض!.
كانت في نفس المتشكك خيوط منطق واهنة أخرى، لكنه فَضّل الإحتفاظ بها حتى لا يصنف طابوراً خامساً، كما وأن به رغبة صميمة في أن تستمر علاقته بالبنك مزدهرة وسالمة من عوارض الزمان والمكان: مالك وموضوع شيخ العرب.
قالوا إنّ البنك عندما صَنّفَ أعداء التقدم والمدنية بالحلة، الموسومين بتهمة خلق المشاكل، وإثارة النعرات القبلية وادعاء المعرفة، أخذت أنا وصديقي مواقعاً في رأس القائمة، فليس غريباً إذن، أن يستجوبني مكتب الأمن في بناياته المرعبة خلف السوق. وكانوا يطالبونني بالإجابه على سؤال واحدٍ، داروا حوله كثيراً، وقد كانوا بدأوا به أيضاً، وخرجت منهم دون أن أُشبع شهية السؤال فيهم لأنهم انتهوا به كذلك!.
- لماذا جئت إلى الحلة ؟
أنا ذاتي لم أسأل نفسي هذا السؤال، وكان حَريٌ بي أن أفعل، لقد زرنا أنا وصديقي أماكن كثيرة: قرىً مُدناً ومفازات. ومنذ أن طُرِدنا للصالح العام، قبل خمس سنوات، ما استقر بنا الحال في مكان، أكثر مما استقر بنا بالحِلةِ. حيث تزوجت أول امرأة أحبُها وأعرفها في حياتي، وهي ألم قشي وللمرة الأولى فلحتُ الأرض، وصار لي بيت وأرضٌ خاصتي. وأظنُ ذلك من بعض حكمة خلقنا: إعمارُ الأرضْ.
لا أذكر كيف كنت أجاوبهم، ولكنني ذكرت إسم ألم قِشي أكثر من عشرين مرةٍ، على الرغم من أنهم لم يطرحوا علي ولو سؤالاً عرضياً عنها، قالوا أنهم يعرفون عني وعنها كل شئ،ولكنهم لا حاجة لهم بهذا الذي يعرفون،إنهم يريدون معرفة شيء واحد فقط: لماذا جئت إلى الحِلة ؟!
بيني وبين نفسي أعرف أنّ هذا السؤال هو المفتاح السحري لدائرة إبليس عند طَواسين الحلاج، إذا قبلت به، دخلت الدائرة اللّعينة التي تحتوي في بطنها على أخرى، كلما انغلقت واحدةٌ انفتحت واحدة، بالتالي يستحيل الخروج إلا للدائرة السابقة فقط، لذا كنتُ بغريزة ميتافيزيقية أنزلق على سطح الدائرة، ولا أحفر فيها حذرالولوج، وهو ما يَعرِفَهُ الأمنيون بالزوغان من الإجابة، وغالباً ما يُعالجُ هذا المرض الخطير بالضرب في الرأس مباشرة، لكنهم لم يفعلوا، ظنا منهم أنّ الوقت تجاوز هذا الإسلوب، أنّ فضرره أكثر من نفعه.
































جهنم...جهنم عديل!

إنتصف شهر إكتوبر تماماً، وذلك يعني ضمن ما يعني ، أنّ المزارعين فرغوا من حصاد السمسم وأنّ العيش استوي تماماً، جَفّتْ أقصابه وقناديله واستدعي حاصديه، وراجت دعاية بأن البنك أستورد عدداً كبيراً جداً من الحاصدات الآلية الحديثة، لكي تقوم بحصاد العيش والسمسم، والحاصدة التي تحصد مئة فدان في اليوم لاتحتاج لغير ثلاثة من العاملين الفنيين القادمين مع الألآت من المدينة وعاملاً واحداً غير ماهر، يقوم بالعتالة. لقد أحضرت هذه الحاصدات في وقتٍ ينتظره الجنقو طويلاً ، وهو الشهر الأخير من موسم الحصاد، حيث يرتفع سعر العمل إلي أعلي مستويات، وهاهم الجنقو الآن فرادي وجماعات يتفرسون في الألات الشيطانية وهي تقوم بالعمل نيابة عنهم، وترميهم في جُبْ العطالة دون رحمة، وتضحك عليهم بتعتعة معدنية حامضة ممقوتة تهتز لها الأرض. كان ملاكها موظفو البنك أيضاً. وقد قللت سعر العمالة للربع تقريباً. ولكي تطلق طلقة الرحمة علي هؤلاء الجنقو المحبطين الآن، نُوقشت في ندوة غاب عنها المغني العجوز في منزل أداليا دانيال، موضوع المبيد الكيماوي الذي لايترك قَشة أو نبتةً طُفَيّلية واحدة تنمو، وينوي البنك إستيراد هذا الشيء في الموسم الزراعي القادم، بل سياتون بماكنة تتولى استئصال الأشجار الكبيرة و الصغيرة على السواء، فيما لا يزيد عن ربع الساعة، بدلاً من عملية أم بحتي اليدوية، التي تأخذ فيها الشجرة الصغيرة وحدها ما يُقارب اليوم بكامله،دون أن يأمن المزارع ألا يظل منها باقٍ في جوف الأرض. ماكينات و آليات لم تطف يو ما بكوابيس الجنقو ،ولكن هاهم الآن يسمعون بها كما الأحجيات، وقد رأوا منها آلة حصد السمسم العملاقة، ذات الأذرع المرعبة التي تتلوى على الأرض مثل ثعبان جريح، و يُسمع صرير سُيورها و خِوار عادمها على بعد مئات الأمتار. وكان الجنقوا يتجمعون بصورة عفوية من التايات القريبة و الكنابي و الحلال المجاورة ليتفرسوا في هذا المخلوق الذي يبتلع السمسم ابتلاعاً، ثم يلفظه في لحظات معبأ في جوالات الخيش، و يرمي بأقصابه دائخة علي الأرض السوداء الجافة. لقد رأوا حاصدات عَيش الذرة من قبل، ولكنها لم تنجح كثيراً في هذه الأنحاء، نسبة للخيران الكثيرة و الغابات وتكلفة صيانتها العالية، ولكنهم يقولون إنّ هذا المخلوق صنعه الصينيون خصيصاً لمواكبة طبيعة الأرض في الشرق،ومواجهة ندرة الوقود و غلاء العمالة اليدوية. وكلما سَمع الجنقو بميزات هذه الحاصدات الجديدة، كلما ازدادوا احباطاً، وقد عَلّقَ أحدهم قائلاً:
- الناس ديل ما لقوا آلة تَحَمِّل النُسوان كمان، عشان نَشُوف لينا شَغَلة تانية في الدنيا دي ؟!
لقد كان أثر هذه الآلات، والدعاية المصاحبة لها، عميقاً في كل نواحي الحياة، ليس في الحِلةِ وحَدُها، ولكن في الجِيرة والحَفيرة، خُور مَغاريف، الفَشقة،الهَشابة، زَهانة، هَمْدَائِييتْ، جَبل عسير، في الحُمَرة نفسها، في تِسِنَي وضواحي القضارف، علي تخوم سَمْسَمْ، الجَنّة بَره، اللّية،حجر العسل، الحُوري، أم سَقطة، العرديبات، المقرن،المفازة، الحَواتة، دُوكة، وريفها إلي أعالي نهر الدندر ومشروع غنم، عرديبة كُرسي، عرديبة تجاني،...
أُصِيبَ الجنقو بخدر في الروح بارد ومُرْ،الحِلةُ تمثل مركزاً لهم دون منازع، لذا كانت الفجيعة هنا أكبر، والتغيير واضحاً، مثال لذلك العطب الذي أصاب بيت الأم، قلَّ زواره من الجنقو وصغار المزارعين، وشردت داعراته وعاملاته، كثير منهن هاجرن للمدن المجاورة خاصة خشم القربة، كسلا، القضارف بل ذهبن حتى إلى الخرطوم ، وعمل بعضهن على جانبي الطريق القومي بائعات للقهوة، الشاي،الشيشة والأطعمة لسائقي الشاحنات السفرية، حتى ود أمونة، يُقال إنه يتدبر أموره للإنتقال إلى الخرطوم نهائياً، و يثرثر الناس بأنه قد اُستلطف من قِبل شخصية مرموقة و أن الحظ قد يبتسم له ابتسامة كبيرة جداً.
حدث هذا في أقل من شهر واحدٍ، ولكنه شهر تقوم عليه شهورُ السنة الأثنتا عشر كلها، وفيه تكتمل زينة الجنقوجوراي، وربما إستطاع أن يَضع أمَنيِّةً كبيرةً من المال عند صديقاته من صانعات الخمور البلدية أو أديَّ، اللائي يمثلن بنوكاً شعبية صغيرة، أمينة رحيمة: طيبة، وغير ربوية. في ذات هذا الشهر تخزن النساء حاجاتهن من العيش الذي يشترينه من صغار المزارعين رخيصاً، و قد يحتفظن بجوال من السِمْسِمْ، للإستفادة من فرق السعر لاحقاً عندما تُفْتَحُ زريبة المحاصيل لإستقبال انتاج الموسم الجديد، أو عندما تدخل شركة السمسم كمشتري، أو تحدث كارثة ترفع سعر السمسم. ولكن الأيام تمضي سريعاً، البعض يحصد المال الوفير سهلاً ، ويقف الجنقو وصغار المزارعين والنساء يتفرجون، وقد هرب الكثيرون، وعلي رأسهم الفكي علي الزغراد. ومدير البنك بعد أن حاول إغتياله رجال مجهولون، وسافرخلق كثير من الجنقو إلي أقاليم أخري علي مشارف الحواتة وضواحي القضارف مؤكدين للجنقو هنالك أنّ البنكَ: قادمٌ إليهم قادمٌ إليهم. ومن الأحسن أن يبحثوا عن سُبل للعيش أخري.. وأنّ الدعاية التي يسمعون هي الحقيقة عينها.
إمتلأت الحلة بالعسكر: بوليس وجيش، إحتياطي مركزي ودفاع شعبي، شرطة شعبية و أمن عام، أمن إيجابي و أمن إقتصادي. وظهرت حملات تجنيد مذعورة للشباب والشابات أيضاً وحتي العجزة أدخلوا الدفاع الشعبي. وبدا واضحاً للجميع أنّ هنالك علة ما، قد لا يدرون كنهها على وجه الدقة.. ولكنهم يفهمون مَنْ ورائها، علي الأقل يستطيعون ترشيحه بكل سهولة : المال.
كانت الحِلة تمر بلحظةَ ميلادٍ جديدٍ قاسٍ، ميلاد يقتل ويحيي،هي نفسها لحظة إكتشاف الذهب في الأرض الجديدة، والماس في بريتوريا والكيب تاون، والقطن في السودان.. إنها لحظة إكتشاف المال السهل، نوع من الحمي غريب، حمى المال.
الصافية تحمل علي ظهرها القوقو مشدوداً عصاه من حطب العندراب، يتبعها خمسة من الجنقو الذين دائماً ما يشكلون معهاً فريقاً واحداً، نزلوا عندنا في التاية، في الصباح عملوا معنا في الحصاد وسكب القصب في آنٍ واحد، كانوا سُعداء وهم ينشدون أغاني الحصاد الجميلة التي كادت أن تيبس علي أفواههم. مُنذ أسابيع كثيرة توقفوا عن العمل نتيجة لمنافسة الآلات الرخيصة السريعة والأكثر دقة. كانوا يعملون بشهية كبيرة ومتعة لاتحدها حدود، ثم جاء إلينا فريقٌ آخر بقيادة تور مُراح مرسال وفي رفقته ثلاثة من الجنقو، ثم إنضم إلينا فريق وورل أجانق ثم محمد ود النوايمة، ثم الصادق آدم عباس، ثم.. ثم.. ثم .
كانما دُعي الجنقو عن طريق الإذاعة التي يسمعونها طوال الوقت، وملأت الأغنيات سماء المكان الصافية الزرقاء، وأقمنا أجمل الليالي هُنا، لأن قطعة الأرض التي اشتريتها بقصد الزراعة، وعملت على نظافتها مع الشايقي ومختار علي، لا تتعدي مساحتها العشرة فداناً، ففي خمسة أيام فقط تم حصادها، وقطع قصبها، وجمعه في كوم واحد كبير، وزربه بالشوك حتي لاتصيبه الحيوانات أو تعبث به القرود. وافق مُختار علي أن نترك للشايقي نصيبه لأنه غير موجود الآن وأن نقسم الباقي مع الجنقو بالتساوي. وهو مارفضه الجنقو تماماً، ولكنهم وافقوا علي أن تخصص خمس جوالات عيش من الفيتريتة للمريسة، وأن تُسلم لبيت الأم. نقلنا العَيش بلوري الخط إلى الحِلة، وكان أول عيش يتم جَلبهُ، وشاء القدر كذلك أن يكون آخر عيش يصل الحِلة في هذا الموسم الحافل.
بعيداً عن رأيي أنا الخاص في ما حدث، أخير هو أم شر، أريد أنْ أؤكد علي شئ أساسي، أنني كنت بعيداً عن مجريات الأحداث، أولاً لإنشغالي بحصاد الأرض التي زرعتها مع الشايقي ومختار علي ، ثانياً لإنشغالي باخبار ألم قِشي. في الحقيقة أخذ هذا الشئ الأخير الجزء الأكبر من تفكيري، ولم يترك لي وقتاً لأعرف تفاصيل الجنقو المسلحين، ولا من أنضم إليهم من رُعاةٍ حانقين، منذ أن زارني الشايقي قبل شهرٍ مضي، وردَّ لي المبلغ الذي أخذه مني في حادث بص همدائييت؛ أقصد أنني ما كنت متفرغاً، بصورة أو بأخري، لِمَا يُشْبِهْ الندوات الكثيرة التي أقامها الجنقو في التايات و الكنابي المجاورة، وربما حتي تلك التي عُقدت مؤخراً في الحِلة. وكان لبعد ود أمونة عني، و إنشغالة بالبنكيين وقد كثُرت زياراته إلي الخرطوم، وزاد إنشغالي بالمفازات، أثر في افتقاري لما يملأ فراغاتي المعلوماتية، وينبه غفلتي. ولكنني لم استطع أن أسامح نفسي على أن أفاجأ مثلي مثل الهوام والبهائم، بالحدث العظيم. ففيما يشبه الندوة الفجائية أو في الحقيقية الندوات التي تفوق المائة، الطارئة، التي انعقدت في شوارع الحلة، وفي بيوتها، فجأة، كالنبت الشيطاني في لحظة واحدة، كان الكلام يدور : عن النار! حسناً دعنا نلتقط بعض الأوصاف التي يطلقها الناس، يصفونها لأنفسهم، لأنه ليس هنالك شخص ينتظر أن يسمع شيئا من آخر، وصفا أو تفسيراً: جهنم.... جهنم....... عديل.
قالت امرأة عجوز، تحاول جهدها أن تسمعني صوتها:
- يا ولدي دي شئ ما حدثت إلا لقوم سمود.
قالت الأم مريم كودي للأطفال المرعوبين الذين استجاروا بالكنيسة يصلون: الرب يَسُوع يكون في عونهم. ورسموا خلفها شارة الثالوث المقدس، دعوا لأصحاب المشاريع الصغيرة بالعوض الجزيل: آمين.
ثم وقع الحدث العظيم، عند الساعة الواحدة بعد منتصف اللّيل. حينها استيقظ الناس علي ضوءٍ حريق هائل في عمق المشاريع. وكان اللهبُ الجبارُ يتشابى إلى عنان السماء الصافية الزرقاء، كتنين أسطوري يحاول أن يلعق الأنجم بلسانه الناري. اندلعت في البداية، بضعة حرائق هنا وهناك، ثُمّ الأرض كُلها اشتعلت ناراً، قُل أذرعا مجنونة تلعب في الفضاء لعباً. كان عُرساً من الجحيم لا يمكن وصفه، وتبع ذلك مُوسيقي تصويرية بائسة من صراخ الأطفال الذين صحوا مذعورين وولولة النساء المرعوبات، وهترشة السُكاري. ثم علا عزيف زخات الرصاص من أعماق غابةِ زهانة، وتحركت كتيبة من الأحتياطي المركزي والشرطة تتخبط دون هدي حول الحِلةِ، حيث لا يمكن الخروج لمكان آخر. فالنار هناك دائماً و الحِلةُ هي المكان الوحيد الآمن. كانوا يصنعون تشكيلات عسكرية عبثية لا معنى لها في الغالب، ومع شروق الشمس؛ فَضّتْ النارُ احتفالها، مخلفة أرضاً سوداء كحناء علي أطراف عروس هائلة، دافئة، وأسطورية في ، تَهِبُ جَسدَا بآلاف الأفدنة، قُرباناً للريح.

































نَشِيدُ الجَسَدْ













لا يعرف الناس شيئاً حقيقياً عن الأم،لإفتراضهم الخاطيء بأنهم يعرفون عنها كل شيء، بالتالي لم تُحك عنها حوادث أو أشياء مُدهشة، ولم أسمع أحداً يتحدث من قبل عن حياة أدي، ماضيها، أسرتها، بلدها ولا حتى أسمها الحقيقي، فلقد كانت مثلها مثل كل الأشياء المعتادة كالماء و السماء و الليل و النهار. قال لي ود أمونة وكنا في ذلك الحين نحكي عن ذكريات سجن القضارف، أنا كأبن سجان، وهو كسجين صغير في صحبة أمه، حينما انحرف بنا الحديث إلي سيرة أدي.
- لو ماتت أدي فجأة، لا قدر الله ؛ منو الحَيَرِثاَ؟؟
وما كان ود أمونة يرجوا اجابة مني، بل كان يكمل رأياً أدلى به في بداية حديثنا عن أدي، كانت مقاتلة في الحركة الشعبية لتحرير ارتريا، منذ أن كان عمرها لا يتجاوز السبعة عشر عاماً، ود أمونة وغيره من الناس يعتبرون ذلك من المسلمات والبديهيات،و يؤمنون بأنها كانت محاربة شرسة و شجاعة و جميلة و أنها قائدة ميدانية بارعة وأنها هُزِمت كثيراً و انتصرت كثيراً شأنها شأن كل الأبطال، ورأت موت الرفاق و الأصدقاء، وجُرِحَتْ و اُسِرت وهربت من الأسر. وأنها كانت قبل الثورة صديقة لمنقستو هيلا مريام، عندما كان فالولاً في تخوم الحدود السودانية الأرترية الحبشة، ويُظَنُ أنّ أحد والديها أرتري والآخر أثيوبي،أو كلاهما أثيوبيان أو أرترييان. كل هذه المعلومات الواضحة التناقض، هي المعرفة الجيدة و الوحيدة المسموح الإيمان بها و تصديقها هنا في الحِلة. لم تسمح لي فترات جلوسي معها و مقابلاتي القصيرة لها، بالتأكد من صِحة هذه المعلومات، حيث كانت الأم دائماً مشغولة بشأن يخص البيت، أو أحد الزبائن، أو البُنَيات وود أمونة. الوقت دائماً للعمل. قال لي وهو يمسح وجهه الوسيم بكفه.
- إنتَ مَا بِتَعرفنِي كُويس، مُشْ؟
اندهشت في باديء الأمر. كنا في بيت أدي صبيحة هروب حبيبتي ألم قشي مني إلى زوجها و طفلتيها، ولقد فَرّغ َود أمونة نفسه لتسليتي. شربنا مَعاً بعض كؤؤس العسلية المنعشة، قلت له بعد تردد قصير.
- والله........ لحد ما.
قال ضاحكاً محاصراً إياي
- من القُولات و النَدوات في بيت المَرايس وبس، مُشْ كِدا؟
قلت له معترفاً بتقصيري في خجل
- تقدر تقُول كِدا، لأننا ما لقينا وقت نقعد فيهو مع بعض زي القعدة دي، حتى الأم زاتها أنا معرفتي بيها طشاش طشاش. وفي حاجات قلتها لينا أنا و ألم قشي، عن السجن و الطباخ و أمك و العازة وشوية حاجات تانية ما أظني متذكرها.
قال بتأثر:
- أنا ما لاقي زول اتكلم معاهو عن نفسي، عني أنا بالذات، أنا عندي حاجات كثيرة زاماني في صدري، عايز زول صاحب أحكيها ليهُو، عشان يوريني الصاح شنو و الخطأ شنو.
قلت له، وقد أحسست أني في ورطة، لأنني في الحق لا أعرف الصحيح من الخطأ في السلوك الإنساني، وهو يريدني الآن حكماً.
- أنا بحب أسمعك، ولكن أنا ما بقدر أقول ليك دا صاح ودا خطأ، ولا في زول في الدنيا بيعرف الصاح من الخطأ، لكن على كل حال، أنا عايزك تحكي لي كصديق و كأخ ما أكتر.
حرك الهواء على جمر الشيشة بهبابة صغيرة من السَعَفْ، فبدى الجمر محمراً بعد أن تطاير الرماد في كل الإتجاهات، وكأن ذلك يعني الكثير لود أمونة، لأنه قال لي مباشرة بعد ذلك:
- حياتي زي الجمرة دِيَّ، أنا ما ارتحت لحظة .
ثمّ هتف فجأة وهو يحملق في وجهي:
- أنا بِتْ وللا ولَدْ ؟
ولأنه ما كان يريد مني اجابة بعينها، واصل حديثة بهدوء شديد، شرح لي كيف أنه اكتشف نفسه وهو في حوالى الثامنة عشر. كانوا مجموعة من الشبان يسبحون في نهر باسلام، وهو أحد ميادين اللعب التي يواظبون عليها، و يؤدون بعض الألعاب المعروفة، مثل التمساح و الغطاس ولعبة العود وغيرها. وكانوا يتلامسون في كل هذه الألعاب بأجسادهم، وهو شيء عادي ولا غرابة فيه، ولكنه ذات يوم أحسّ برعشة قوية كادت أن تغرقه، عندما إلتصق جسده بجسد ولد آخر بينما هما يلعبان لعبة التمساح و الغطاس. كان دائماً ما يعجب برشاقته و مهاراته في الصيد، ولكن ما حدث في ذلك اليوم كان شيئاً غريباً جداً. قال لي:
- قلت في نفسي، ربما أكون لمست البَرَدَةْ.
وهي نادرا ما تتواجد في تلك المياه، كان هذا هو التفسير الوحيد المتاح لود أمونة في ذلك الوقت، ولكن ما حدث له مع الرجلٍ الغريب الذي جاء لبيت الأم ذات درت، يعتبر نقطة التحول الفعلية في حياته. كان رجلاً ناعماً رقيقاً، يبدو في أوآخِر خمسينياته، رشيقاً،وسيماً ويتحدث بلطف وهدوء كبيرين. كانت النساء يتكلمن معه في كل شيء دون حرج، بل و كأنه واحدة منهن، عندما رآه ذلك الرجل، ناداه، أمسك بيدية، وجذبه قريباً من وجهه، كان له عطر أصبح عطر ود أمونة الأساسي منذ ذلك اليوم ، قربه أكثر، إلى أن أحسّ بأنفاسه في وجهه، قبّله قُبلتين في خديه، ثُمّ همس في أذنه برقة، وهو يمسح بيده الأخرى علي شعره.
- اهتم بنفسك، إنتَ أميرْ.
وسمعها ود أمونة:إنتِ أميرةْ.
كان يرتجف في نشوة مسحورة و هو يستنشق كلمات الرجل وقبلاته بكل ذرة من جسده. وسافر الرجل في اليوم التالي، ولم يره منذ ذلك الحين، إلا أنه أصبح يهتم بجسده، ومظهره الخارجي، بِمِشيته، حركة يديه وردفيه بصورة مُدهشة، و كان يرى في النساء النموذج الأسمى للإهتمام بالجسد، بل قال لي بصورة واضحة، إنه يتمنى أن يكون امرأة، و أنه يكره تلك المذاكير التى تتدلى بين ساقيه، ويتشهي نهدين بارزين، وخصر رهيفٍ، ووجه أنثوي جميل. وقال- فيما معناه- إنه يرغب بشدة في أن يرى دم الحيض يسيل من تحته. وقد لاحظت أمه أمونة فيه تلك الميول الأنثوية منذ فترة مُبكرة، و لكنها دائماً ما تقول له:
- خليك راجل يا ود أمونة، خلي حركات البنات للبنات.
وكان يغتاظ من تعليقها، لأنه في ذلك الحين ما كان يحس بأنه يتشبه بالبنات،إنما يتصرف بسجيته، وقد يتشاجر معها كثيراً في هذا الشأن. قال لي فجأة وهو يدفع بكلتي يديه في الهواء :
- أنا جُوَايَ بِتْ!!.
عندما نطق تلك الجمله أحسستُ به وكأنه قد تَخلّص من حِملٍ ثقيلٍ كان يقبع على ظهره، ثم تحدث كيف أنه يحس الآن بتأنيب الضمير لما فعله بطباخ السجن، و أنه لو يعود الزمن القهقرى، لِما تردد لحظة واحدة، في أن يمّكنْ الرجل من نفسه، قال في حَزَنٍ:
- المسألة ما كانت تستاهل العنف دا كُلهُ.
قلت له عندما هدأ قليلاً، كلاماً لا أدري مدى صحته:
- كل راجل جُوَاهُ بِتْ، وكل بِتْ جُوَاهَا وَلَدْ.
قال وفي فمهِ ابتسامةٌ قلقةٌ:
- لأ، أنا جُوايَا بِتْ حيقية، بِتْ مجنونة، وعايزة تطلع، بأي شكلٍ كان.
كنت أحس بصدق كل كلمة ينطق بها ود أمونة، وهو يكبر في نظري بصورة اسطورية، أجد نفسي صغيراً جداً أمامه، لأنني لا أستطيع أن أقدم له أية مساعدة ولو نصيحة هزيلة، وبالرغم من أن ود أمونة بدى قوياً و متماسكاً، إلا أنه كان يريدني أن أجاوب على سؤاله المركزي: ماهو الخطأ فيه؟ ثُمّ سألني، ما إذا كان صحيحاً ما يُقال إنّ في أمريكيا بإمكانه أن يتخلص من مذاكيره بدون آلام، و قد يتزوج ويعيش ويعمل . أجبته أن ذلك صحيحاً. سألني
- المَشي لأمريكا ساهل؟
أجبته، لقد كان هذا أكثر الأسئلة سُهولة لَديَّ.
- عن طريق اللوتري.
قال لي ببراءة
- اللوتري دا شُنو؟
فشرحت له فكرة اللوتري، ثم سألني أكثر من عشرين سؤالاً آخر، وعندما أحس أنه قد أرهقني بالأسئلة، قال لي معتذراً:
- أنا حشرتك في مشاكلي الخاصة، وجننتك بالأسئلة البايخة، و انت بَرَاك عِندك مَشاكِل قَدر الجبال.
بالتأكيد كان يقصد مشكلة ألم قشي، فأكدت له سعادتي التي لا توصف بقلبه الذي فتحه لي على مصراعيه، وطلبت منه أن يحكي لي المزيد، كنت أريد أن أعرف هل حدث له أن التقى برجلٍ، لقاءً حميمياً، ولكنني لا امتلك شجاعة صديقي في طرح الأسئلة و تحمل نتائج الإجابات. ولم يحدثني بذلك من تلقاء نفسه، ولكني كنت متأكداً من أنه فعل. وكأنما قد قرأ ما يدور بذهني، قام بتغيير مجرى الحديث، قال:
- أنت عارف إنو الأم دي أكثر إنسانة سعيدة في الدُنيا، بالرغم من أنو ماعندها عِيال و لا عِندها أسرة، حياتها ما اتزوجت ولا ولدت.
قلت له
- السعادة الحقيقة هي لمّان يكون الزُول عندو هدف في الحياة. في ناس هدفهم الأسرة و العيال، في ناس هدفهم المتعة اليلقوها من الناس من حولهم، من احترام وحب و صداقة، وفي ناس هدفهم البحث عن كل شيء، كل شخص يعرف كيف يكون سعيد.
قال ود أمونة متحدثاً عن نفسه
- أنا بَحس بالسعادة لمّان أخدم الناس و أخليهم مبسوطين.
تحدثنا كثيراً وجميلاً، حدثته عن أسرتي و أسرة صديقي، عن القضارف و السجن، بعين ابن سجان. حدثته عن تجاربي في الحياة القليلة الفقيرة مقارنة بحياته العميقة الصاخبة. و أسرّ لي بنيته في السفر إلى الخرطوم و العمل هناك. و أنّ رجلاً بالبنك وعده بأن يعرفه بشخصية مهمة جدا،ً كبيرة جدا،ً غنية جداً، واصلة جدا ًوشبقة جداً. وأنه إذا توافق معها ستنفتح أمامه بوابات العالم كلها، وأكد لود أمونة قائلاً:
- إنتَ تساوِي وزنك دَهَبْ، لكن في البلد دي لا تسوى بَعَرة.
لم أعلق تعليقاً مفيداً على ذلك، ولكن كنت أحس بأن هنالك شيئاً من المبالغة، ولو أنني لم استبعد ذلك تماماً، و بعد أعوام كثيرة، عندما أرسل لي صديقي رسالةً ألكترونية، ملحقاً بها كتابه التوثيقي، الموسوم بثورة الجنقوجواريات، لم استغرب أن يصل ود أمونة إلى ما وصل إليه من معرفة و درجة و ظيفية رفيعة.
عندما أراد ود أمونة أن يغادرني إلى بعض مشغولياته، قال لي جملة لم أفهمها جيداً إلى الآن
- صديقك مُدهِشْ؟
قلت له بسرعة
- تقصد شنو؟
قال وهو يقف عند الباب وينظر إليّ في وجهي مباشرة، وعلى فمه ابتسامةغنجة.
- أقصد مُدهش وبس.
قلت له
- انت في البص يوم ماشين همدائييت، تذكر يوم أخدوا قُروشنا ناس الشايقي، قلتَ لي حاجة عنهُ. ولكن ما تميتها.
قال ضاحكاً
- وانت ما سألتني تاني، مافيش بَبْبَح!!
وخرج يتبعه عطره الجميل، في مِشية تنم عن كبرياء وثقة في النفس لا تحدهما حدود.
























خَاتمُ النَبَي سُليمَانْ
بالتأكيد ما كان لرجل عاقل مثلي أن يبقى بالحِلةِ دقيقة واحدة أخرى. فبينما ينعس الناسُ الساهرون بالأمس مع مهرجان النار الذي أتى على كل مزارع الذرة، هربنا أنا و صديقي مختاروالصافية، وكثير من الجنقو الآخرين، إلى الحُمرة بأثيوبيا. كنا قافلة صغيرة مرعوبة و خائفة، تقودنا الأم التي كانت لا تحمل شيئاً سوى صُرةٍ صغيرةٍ ثقيلة، بها كل ثروتها في شكل ذهب، ولكنها كانت تبدو مرهقة، نسبة لسمنتها وبعد عهدها بالجري والهرولة. مضى أكثر من ثلاثين عاماً، منذ أن ودعت ميدان المعركة و اعتادت على نمط عمل مريح. ورغم الخوف الذي يتملكنا جميعاً، لم نتركها خلفنا. بل نحيط بها و نساعدها على حمل ثروتها. فلها عَليّ وعَلَى كل واحد منا فضائل كثيرة. عبرنا النهر سباحة. فالجميع يجيد السباحة بما فيهم الأم، حيث أنها تسبح في خفة و مهارة قد يفتقدها كثير مِنا. هرولنا على أرض صَخرية قاسية، ولكنها رحيمة و طيبة. تنكمش في عطف تحت أرجلنا لتقرب لنا المسافة إلى الحدود الأثيوبية التي هي مقصدنا و خَطْ الأمان الأول. كثير من الجنقوا يحملون هواتفاً نقالة، وقد اتصلوا بأصدقائهم وأقاربهم، وعرفوا أنّ الجيش يتعقبنا ولكن على أرجلهم، فآلاتهم القتالية و عرباتهم لا يمكن أن تعبر النهر. و قالوا لنا هنالك احتمال أن يستعينوا بطائرات مقاتلة من القضارف أو كسلا، لذا تحتم علينا أن نسابق الريح فعلياً نحو الحدود الأثيوبية، وفعلنا، وفي اللحظة التي دخلنا فيها خُور الحُمرة، سمعنا ضجيج الطائرة الهليكوبتر خلفنا. كُنا نظن أن الطائرة لا يمكنها أن تطلق علينا قنابلها ونحن في الآراضي الأثيوبية، إلا أنّ الأم وجهتنا للإحتماء بالأشجار و الكهوف التي تكثر بالخور، كانت تحلق الطائرة فوق هامات الأشجار، ويثير هواؤها عاصفةً غباريةً كثيفةً تحجب عنا الرؤية و تشتت أفكارنا، ترمي كثيرا من الرجال الجوعى صرعى، ترعبنا وتحاصرنا حصاراً محكماًً، و كما لو كانت تريد الإحتفاظ بنا في الخور لحين وصول الجنود. وحين تتركنا للحظات، ربما للمناورة، كانت الأم تعيد ترتيبنا. وقد نبهتنا مرة بأن نهرب نحو عُمق الحدود في ذات الخور ولكن متفرقين، لذا عندما عادت الطائرة مرة أخري، لم تجدنا هنالك، ولكنها لم تتوغل معنا في داخل الحدود الأثيوبية، فتركتنا وعادت.
وبعدما تأكد لنا أن الطائرة لن تعود، تجمعنا مرة أخرى عن طريق المناداة و الصياح بصوت عالٍ، كنا خمسة وعشرون جنقاوياً، حيث أنني قمت بعدهم بعدما عبرنا النهر مباشرة،الآن أربعة وعشرون، ولم يكن صعباً أن يتبن الناس أن الشخص المفقود هي أدي، و تفرقنا في الغابة و الخور بحثاً عنها، ناديناها بأقوى ما تستطيع حناجرُنا أن تصدر من أصوات، تتبعنا المسالك التي مررنا بها، عُدنا للموقع الذي حاصرتنا فيه الطائرة،ثمّ إلى المكان الذي شُوهدت فيه آخر مرة، لم نجد لها أثرًا، و ظَنَّ بعض الجنقو أنها تتبعت طُرقاً تعرفها إلى عمق أثيوبيا، فالمكان ليس غريبا عليها، حيث أنها كانت فالولاً قبل ثلاثين سنة، تتصيد السابلة على مشارف الحُمَرة و تِسِنَيْ. وقال البعض إنها ربما خشيت أن يستولى الجنود الأثيوبيون على مالها، وأدلى كل بدلوه. ولكن ظلت الحقيقة غائبة إلي أكثر من أسبوعين، إلى أن أخبرنا ضُباط الرعاية في مُعسكر اللاجئين، أنهم وجدوا جثتها متعفنة على بعد خمسة أميال شرق خُور الحٌمرة، تحت شجرة سَيّال، ويُرجّح أنها قُتلتْ، ولم يجدوا معها أي شيء من المال أو العتاد.
قابلنا الأثيوبيون رسميين و شعبيين، بعد نصف ساعة على مشارف الحُمرة، عسكر و فريق طبي، موظفون أمميون و منظمة الهجرة الدولية، قاموا بالتحقيق معنا والتأكد من أنه ليست معنا أية أسلحة غير بعض الفؤس و الأسلحة البيضاء الشخصية، ثُمّ فُحِصُنا طبياً و قمنا بطلب اللجوء السياسي، وهو المُصطلح الذي لم يَسمع به كثير من الجنقو من قبل. تمّ حَصُرنا، وقام المسؤلون بتحديد موقع لأقامتنا، وأُعطينا أرقاماً بدلاً من أسمائنا و قَدّمَتْ لنا منظمة وطنية مجهولة بعض الطعام والماء. بتنا ليلتنا تلك في خيم ضيقة، ثم أخذت الأمم المتحدة في صنع مباني أكثر راحة ملحقة بمراحيض وحمامات و عيادة صغيرة. كُنا مرهقين وجائعين وتعابى ومتسخين، ومفلسين. أنا بالذات لا أمتلك ولا قرشا واحداً،فقد كان أملي في العيش الذي حصدته، و تركته في بيت أدي، التي تركته بدورها في الحلة واختفت الآن في مجاهل اثيوبيا، وكل الجنقو مفلسين مثلي، لأنهم ما عملوا في هذا الموسم عملاً حصلوا منه على مال، لولا الطعام والشراب والسكن الذي يقدمه لنا المُحِسنُونْ الأمميون: لمِتْنَا. ثمّ ما لبث أن انضمت إلينا أُسَرٌ أخرى وجنقو آخرين وفدوا من همدائييت و القرقف و زهانة.
بعد ثلاثة أشهربالتمام، أي في بداية شهر يناير، أرسلتْ ليّ ألم قِشي ما يُفيد أنها قد تنجب طفلاً في الأسبوع القادم، وعليّ أن أحضر السماية في همدائيت إذا كنت أضمن سلامتي. كنت في الخيمة وحدي،عندما جاءني مَنْْ عرفت فيما بعد، أنّ اسمه إسحق المَُسلاتي. غالباً ما أكون وحدي في الآونة الأخيرة، فصديقي مُختار علي، بعد أسبوع واحدٍ فقط قضاه معنا في المعسكر، ضَجِر، رغب في الخروج من المُعسكر، الذي لم يعد يطيقه، و يود الذهاب إلي فريق قرش؛ لديه أصحاب هنالك. طلب مني أن أصطحبه. وقال لي إنه يمكننا العمل في الحصاد مع المزارعين الأحباش كعمال يومية، أي كجنقو، وهو يعرف الطريق إلى مواقع العمل تلك؛ ولكن البقاء في المُعسكر مثل الشحاذين تحت رحمة الخواجات، هذا لا يروق له ولا يقبله. وحينما رفضت فكرته، وحاولت أن أثنيه عن الذهاب؛ إلى أن نتبين مُجريات الأمور ونتفهم الواقع، هربَ ألى فريق قرش مع الصافية و جنقوجورايين آخرين. قال لي الجنقوجوراي الغريب. الذي عَرّفَ نفسه بسرعة،إن ألم قِشي بصحة طيبة، و أنها سعيدة جداً في بيت والد زوجها، وأنهم يحبونها جداً، ويحبون أطفالها. بقدر سعادتي بأنها ستنجب قريباً طفلاً يخصني، كان حزني كبيراً وإحباطي أعظم، بمعرفة أنها سعيدة، وأنّ أسرة زوجها تحبها.. ألا يعني ذلك أنّ فرصة طلاقها، أصبحت هزيلة، بل تكاد تكون معدومة؟! قال لي الجنقوجوراي عندما قرأ حزني في وجهي:
- في فريق قرش نُسوان كُتار.. جميلات وحلوات زي السُكر وصغار.. أمشي شوف ليك واحده اتزوجها.. بلالاويات وفلاتيات وظبرناويات بازاوايات وجعليات ودينكا وتكرونيات، وطبعاً الحبشيات دي بلدهم.. البلد كُلها نساوين دي أجمل من دي.. ودي تقول لدي إنتِ شُنو.
قلت له بصوت يخرج من بطني مباشرة..
- ما زي ألم قِشي..
قال بتحد.
- في أجمل منها كتير..
قلت محاولاً تنبيهه إلي جوهر القضية.
- ما مسألة جمال.
قال بسرعه
- مسألة شُنو.....؟ في نُسوان في الدُنيا عِرْفَنْ الموضوع دَا أكتر من نُسوان تانيات؟ في نسوان مخلوقات من طين ووحدات من نار؟ أنا عايز أفهم ؟
قلت له محاولاً أن أجعله يفهم
-المسألة ما مسألة موضوع..
قال ساخراً
-يعني حُبْ ؟.. مافي مرة تانية تحبها؟.. معليش عايز أفهم..
قلت له محاولاً أن أجعله يفهم.
- في.. في كتير.. ولكن..
قال لي محاصراً مقاطعاً، بطريقة غريبة، مدهشة وغير مفهومة
-آها.. شُنُو الفي ألم قِشي، ومافي مرا تانية غيرها؟!
قلت له محاولاً باحساس العاجز عن الشرح.
- ما عارف.. حقيقة ما عارف.
قال لي بيقين راسخ وأعصاب باردة..
- أنا عارف.
قلت له بسرعة
-قول لي ليه.. أنا ما عارف..
قال لي وهو ينظر للبعيد وكأنه يتحدث مع الفراغ الشاسع حولنا.
-ألم قشي دِي جِنيّة.. امرأة من الجِّن..
قلت مستعجباً و مستغرباً ومندهشاً
- جِنيّة ؟
قال وهو يضع يده على كتفي في حركة غريبة.
- أيوا.. جنية راسو عديل جات من البحر دا.. البلد كُلها جنون ساكنين مع الناس وما في زول عارفهم..
كان طويلاً، أسمر، له بشرة لا معة، ووجه حليقاً نظيفاً
- وإنت كيف عرفتها ؟
قال بنفس قصير وهو يبتلع ريقاً جافاً.
عرفتها.-
ولأنني لم أر هذا الجنقوجوراي من قبل، أتاني إحساس غريب، بأنه فرد من الجِّن، وجدتني أنظر إلى هيئته، رجليه وأصابعه، متحرياً العلامات التي يُقال إنها تفرق ما بين الجن والبشر، وهي الأقدام.. الجِّن دائماً ما تكون أقدامهم أقدام حَمير والقِلة كِلاب، للرجل قدما بشر، وهيئة إنسان سَوي ولا غَرابة فيه إطلاقاً، غير أنه نظيف بعض الشيء و فصيح وله ثقة متزايدة عن نفسه. قال لي:
- أول شَخصٍ عَرِفَ ألم قشي في البلد دِي كُلها: أنا إسحق المُسلاتي القِدامك دا. وجاتني في تاية الجلابي عثمان عيسى هرون في الهَشابة جنب الكبري، وقالت لي إنها شردت من سجن الحٌمرا.. وقعدت معاي أسبوع كامل.. وكنت حأصدقها، لوما شُفت بعيني دي خِتِمْ الجان في ضهرها في آخر الضهر وجنب الصُلب، في شكل ختم النبي سُليمان ورسمه لي في الأرض. شفت الختم دا ولا ما شفته ؟
قلت له باستسلام:
- في شي، لكن هو ختم ولا وشم ولا شامة خِلقة والله ما فكرت فيهُ ولكنه قريب من الشئ الرسمهُ إنت على الأرض.
كان في الواقع هو نفس الشكل الذي رسمه الجنقوجوراي، كان واضحاً، بل بارزاً بيناً لا يُخْفَى. ولكني كنت أضع مساحة لنفسي من أجل المراوغة. أضاف:
- يا أخوي.. دا خِتم الجن.. واليوم السألتها منه، اختفت تاني ما شُفتها.. إلا في الحِلة معاك، وتاني قابلتها في همدائييت الأيام الفاتت دي وقالت لي: أسترني يا إسحق.. أسترني.. لكن أنا حبيت أوريك، عملاً لله!
قلت له:
- ومن وين عرفت إنتَ خِتم الجِنْ ؟
قال لي:
- أنا عُمري كُله قضيتهُ في البَحر هنا، بين هشابة، الجيرة، الحفيرة، همدائييت، الحمرة، زهانة، حتي خشم القربة و المنطقة دي فيها أكبر مملكة جن في العالم، ديل جماعة سيدنا سليمان.
ختم كلامه..... قائلاً، فيم يشبه نظرية أو قولا منزلاً: عن أن الشخص الذي ضاجع امرأة من الجِّن لا يذوق بعدها طعماً لأية امرأة أخري. وأكد لي بصورة قاطعة أنه مُنْذ أن عاشر ألم قشي قبل خمسة عشر عاماً،وإلي الآن لم يلمس أية امرأة كانت.. وسألني بصورة مباغتة:
- هل هبشت إنت مرا بعد ألم قشي؟
وقبل أن أجيبه، أضاف بصورة درامية، في الحقيقة أقرب للكومديا السوداء.
- أنا مُشْ حأخليها... حترجع لي.. حترجع لي... وأنا... ما حأموت قبل اليوم داك أبدا.ً
قلت له ساخراً:
- يعني إنت في الصف معاي ؟!
قال بجدية، مما جعلني أشك في سلامة قواه العقلية.
- مُشْ أنا وإنت فقط.. يفوتوا الألف ألف ألف من الرجال... في الدنيا كلها منتظرين.
ولم أقل له كلمة أخرى، بل تمنيت لو ذهب الآن، وغرب عن وجهي للأبد، ما كنت أرغب في أن أراه مرة أخرى.
تمنيت لو كنت في حلم، ولكن للاسف كنت أعايش واقعاً فعلياً، يمكن لمسه، سماعه، رؤيته، والتحدث إليه. بقي معي إلي ما بعد مُنتصف اليوم، يتحدث عن ممالك الجان وأوطانهم وأسمائهم وحلاوة نسائهم، وأنهم يتواجدون في كل مكان في كل أشكال الأشياء، ويمكن أن تكون نصف الأشجار التي حولنا الآن من الجَّان، ويمكنهم التحور في شكل حشرات، طيور، حيوانات أوبشر، وفيهم المسلم والمسيحي واليهودي والكافر، وفيهم الذكي والبليد، المستقيم والشقي. وأكد لي مرة أخرى،أنّ الجِّن الذي يسكن الشرق كله، من خدم النبي سُليمان الذين تفرقت بهم السُبل بعد موت الملكة بلقيس حبيبة النبي سليمان.
ذهب مخلفاً ورائه غابةً من الأسئلة و الأحزان.
عندما خرج، جاءني جنقوجوراي شاب إسمه أبو النجا سعيد، وهو من خشم القربة، بادرني قائلا:ً
- الزول دا كلمك عن الشياطين... مُشْ كِدا...
قلت له مستغرباً
- كيف عرفت !!
قال لي : الزول دا مُصَاحِبْ جِنيّة... والناس كلها عارفاه... ساكن جنب البحر في الحفيرة... مُشْ قاليك إسمو إسحق المسلاتي؟ قلت بدون إحساس بما أقول
- أيوا..
قال لي وهو ينظر إلي أم عيني مندهشاً
- أنت مالك؟ خايف ولا شنو؟ قال ليك شُنو الزول دا أصلو؟! الزول دا أكتر زُول كضاب في البلد دي،أوعك تكون صدقتُهُ؟ قال ليك شُنُو؟؟
قلت محاولاً أن أكون طبيعياً...
لاشئ... لاشئ.-
في الصباح الباكر نُويتُ أن أذهب إلى همدائييت مهما كلفني ذلك، فهي لا تبعد كثيراً عن الحُمرة، مسافة عشر دقائق بالمواصلات المحلية، و ما يُقارب نِصف الساعة بالأقدام. ولكن المشكلة الكبرى هي كيف يمكنني التسلل من المعسكر و العودة إليه مرة أخرى دون أن يعرف ذلك ضباط الرعاية الأجتماعية، وأنا الآن شيخ المعسكر وزعيمه و الناطق بإسم اللاجئين، وغيابي ساعة واحدة سيبدو ظاهراً للجميع. والمشكلة الأكبر هي المخاطرة بحياتي إذا تم القبض علي في همدائيت، سوف يتم إعدامي في ثوان، تماما كما أعدم عشرات الجنقو الذين تأتينا أخبارهم يومياً.
كانت المعارك بين الجنقو و الحكومة مازالت مُستَعِرة، و الناس يتحدثون عن إنضمام شباب اللحويين والحُمران إلي مُسَلحي الجنقو، قدروا عددهم بالمئات وأنهم الآن يتدربون علي السلاح في تخوم تسني بأرتريا، ولكي يبدو الموضوع في غاية الخطورة أضيفت إسرائيل إلي الحكاية ويُقسم البعض على أنهم رأوا الصهاينة رأي العين، وهم يقومون بالتدريب، بينما نفي البعض الآخر أنّ اللحويين أو غيرهم من الأعراب، قد أنضموا لجيش الجنقوجورا،ولكن الخبر المؤكد ان الحكومة بالخرطوم عن طريق وساطة اقليمية تتفاوض مع المسلحين، ويتحدث الناس عن اتفاقية سلام أخرى تخص الشرق،أنا لست منشغلاً بالحروب، كنت منشغلاً بخزعبلات رجل إسمه إسحق المُسلاتي، عبارة عجيبة تفوه بها، أبت أن تغادر صحوي ولا منامي قال لي :
إنت واقع في سِحْر جِنيَّة.-
تتملكني رغبة عارمة في أن أرى طفلي، ولو للحظات قلائل،رغبة لا يضاحيها سوى إلحاح مسألة ألم قشي بأكثر مما كانت عليه من قبل أن إلتقي بهذا المُسلاتي المَخَبول،أنا لا أريد أن آخذ منها الطفل على الأقل في الوقت الراهن، إلي أن يكبر قليلاً و يتم فطامه، ولكني أريد أن أراه لا أكثر. صارحتُ تسفاي ضابط الرعاية الأجتماعية بموضوع طِفلي، فحذرني، وحكى لي حقيقة ما يدور الآن في المنطقة الحدودية ما بين قبائل العرب و الجنقو والذين بدأوا يطالبون بحق الشرق في السُلطة و الثروة ومن الجهة الأخرى الحكومة، و أنني إذا نجوت من طرف قد لا أنجو من الآخر. و اقترح عليّ أنه من الأفضل أن تحضر لي ألم قشي الطفل لكي أراه في الحُمرة في منطقة الجمارك أي عند البار، وهي النقطة المتاخمة للنِهر الذي يفصل ما بين الدولتين، وهذه البُقعة لا تبعد عن المنزل الذي تقيم فيه ألم قشي مع بناتها و أبيهم أكثر عشر دقائق مشياً بالأرجل، وقال لي أيضاً إنّ ذلك سيكون آمناً و برعاية الجمعية الدُولية للصليب الأحمر، و إنه سَوف يبلغهم عندما يحين الوقت، وهم الذين سيقومون بإحضار ألم قشي و طفلها إلى هنالك، بالتالي لا داعي للمخاطرة بحياتي، ما عليّ إلا أن أحكّم عقلي وأصبر، فقبلتُ بما إقترحهُ. بالفعل صبرت حتى جاءني ضابط الرعاية ذات صباح وطلب مني أن أكون مستعداً لأنني في الغد سَوف أرى ابني الذي أكمل شهريه الأولين، وهو بصحة جيدة، ويمكنني رؤية أمُه أيضاً. كانوا يعلمون أنّ ألم قشي قد إنفصلت عني بإرادتها، و يعرف تسفاي الحكاية كُلها، لقد قَصّهَا عليه كل الذين هربوا معي من الحِلة، كلٍ بطريقته و أسلوبه الخاص. كنتُ وحيداً، كعادتي في تِلك الأيام، أحس بحزن عميقٍ، بل بضياع تام، وربما أصبحت سريع الغضب لحد ما. وقد تشاجرتُ مع امرأة من الجنقوسرقت تُمباكاً من أحدهم، جاءوا بها إليّ للفصل في الأمر. وكانت لئيمة وغاضبة، وحمّلتني كل ما حلّ بها من تشرد وضياع. كل ما قالته يُغْضِبُ،ورغم أن سرعة الغضب ليست من طبعي، كما أنّ موقعي كشيخ للمعسكر يتطلب مني الحكمة و الروية، وليس الغضب و التسرع، إلا أنني بادلتها ذات الألفاظ البذيئة التي عبرت بها عن غضبها وكرهها لي، تألمت كثيراً بعد ذلك.
أتت فجأة الصافية،التي ارتبط مصيرها نهائياً بجيش الجنقوجورا، و اصبحت لها أهداف أكبر من العمل و الأكل و الشُرب،اسرت لي أنها تريد أن تقرأ في الجامعة و تتخرج محامية، وهذا ليس ببعيد عند الله، فود أمونة قد وجد أخيراً من يرعاه ويهتم به في العاصمة، وقد يصدق ما قاله لهم صديقي عن النصر القريب، وأنهم سوف يحصلون على وضع متميز في الخرطوم بعد الإتفاقية. ثمّ حدثتني عن مختار علي الذي قد أصبح مريضاً جداً، و صحته تتدهور يومياً، وأنه ذهب إلي شَجَرةِ الموت بكامل إختياره. وقدرما حاولوا هي و أصحابه، و حتي الشايقي الذي يأتي أحياناً إلى فريق قرش، لم يستطيعوا إقناعه بالعدول عن رأيه، وقد تركته الآن هنالك وجاءت إلىّ هنا مستعينة بي لإنقاذه، قد حَمّلها وصيةً لي وهي:
(أن أعود مباشرة إلي القضارف حيث أسرتي، وألا أبقى ثانية واحدة هنا في الشرق، لأن مصيري سيصبح كمصيره و مصير كل الجنقو: شجرة الموت، وهو لا يرجو لي هذا المصير التعيس.)
ولكن عندما أصبحنا وحدنا قالت لي، إنّ صديقي هو القائد الفعلي لجيش الجنقو و العرب وليس الشايقي، وهو الذي بعثها إليّ، و أنه يطلب مني أن آتي و أقابله في فريق قرش، لأمر تظن أنه ضروري، وهو أن إنضم إليهم، تمالكت نفسي لأطلب منها أن تعود إليه و تبلغه: بأنني ابن آدم مدني، وسأظل كذلك، أخاف من البُندقية، ويرعبني إسم الحرب ولا استطيع قتل الإنسان مهما اختلفت معه أو أساء إليّ.
أرسل لي معها بعض المال، الطعام المُعلّب والملابس.استلمت منها كل شيء، لأنني كنت بالفعل في حاجة بالغة لذلك، علي الرغم من أن تسفاي ضابط الرعاية الإجتماعية،كان قد فاجأني بهدية ومعها بعض المال من أجل طفلي وزوجتي - سابقاً- ألم قشي، لعلمه بأنني أعدم القرش الواحد. و سأكون محرجا أمام طفلي و أنا أراه لأول مرة، و أتركه دون أن أقدّم إليه شيئاً، كان يعرف أن ذلك محزنٌ جداً.
صباح اليوم التالي، استيقظتُ مبكراً، غسلتُ نفسي جيداً، لبستُ الملابس الجديدة التي أرسلها ليّ صديقي، و أخذتُ المال و الطعام المُعلب وهدية تسفاي آملاً أن أقدمهم لأم طفلي، و مضينا في لاندروفر ون تن نحو الحدود السودانية.
في الطريق كانت تطوف برأسي أفكار شتى. لم أكن أفكر في ألم قشي وولدي وحدهما، وهو الأوجب و ما يَظُنُ الأمميون أنهُ ينبغي أن يحدث، ولكني كنت أفكر في أمور مختلفة، وأناس شتى، وعلى رأسهم ود أمونة، وكنت قد عرفت من بعض الجنقو الذين إنضموا أخيراً لمعسكر اللاجئيين بالحُمرة، أن العازة أُطْلِقَتْ من السجن،بعد قضاء زهاء العشرة أعوام به،وذلك عندما عرف ود أمونة السبيل إلى مَسئول كبير في الخرطوم، قدمّ له ود أمونة خدمةً خاصة جداً، ولكن أكثر الأخبار إدهاشاً عن ود أمونة، وصلتني فيما بعد وأنا في المِهْجَرْ؛هي أنه أصبح وزيراً اتحادياً باسم كمال الدين اليماني، كيف حدث ذلك ؟ تلك قصة سوف يحكيها لكم أي فرد من الحِلة، فيما يُشبه الندوات يوم مريسة أية سيدة جميلة كانت، أو تجدونها في كتاب صديقي الذي أشرت إليه سابقاً.
طاف بذهني أيضاً: الفكي علي، أبرهيت، أديّ، بوشي الجميلة، عالم لا أول له ولا آخر، إلى أن توقفت العربة اللاندروفرعند البارالذي يقع على الضفة الشرقية من نهر سيتيت،مواجهاً الضفة الغربية التي تقع في السودان، كنت أعرف هذا البار، فقد قدمت إليه مرات كثيرة، ولي فيه ذكريات حلوة ومُرة أيضاً، حيتني البارستات اللائي قد تعرفن عليَّ، حيتني القنيش صاحبة البار، فيا طالما سَكرنا معاً، وتشاجرنا، كم سبحنا معاً في النهر، سُكارى وعراة كما ولدتنا أمهاتنا. كانت ابتسامتها التي استقبلتني بها تحكي كل ذلك. وكنت أبحث عن ابني وألم قِشي في كل من ألتقيه، إلي أن قادني تسفاي و موظف اللّجنة الدولية للصليب الأحمر إلى غرفة خلفية صغيرة، وجدتها مليئةً تماماً بألم قِشي و طفلي الذي سميته مباشرة محمد وهو إسم أبي. كانت ألم قشي في أبهى حالاتها،أرق، أحلى، أشهى، أنضر و أروع ما تكون المرأة، يفوح منها عَبقُ عِطِر جَسْتِسْ الذي كنا نفضله دائماً، و مقلتاها النجلاوان مكحولتان بدقة تعرف بها. طَلبتُ منها طلباً لا أرجو له إجابة، ولكن لمجرد أن أشعرها بأنني ما أزال أحبها،لأنني حقيقة أحبها حباً لم يُنقصه صدها، هجرها وجنونها مثقال ذرة. أن تأتي لتعيش معي في المُعَسكربالحُمرة، نربي طفلنا معاً إلى أن نجد لنا مخرجاً.
قالت لي بالتجرنة و هي تبتسم، وتعبث برأس الطفل، في خجلٍ: أنِىْ نَقَمؤ مَفِي.
إلى الآن لا أصدق ما سَمعتُ،أبداً لم أكن أتوقع أنها جاءت لتبقى معي،كم هو مُدْهش حقاً عالم النساء، بل كم هومُحير ومُجنون!.
و لا أستطيع أن أعبر عن إحساسي بتلك اللحظة حتى بعد خمسة عشر عاماً، حينما بدأت في كتابة روايتي الأولى الموسومة بعنوان: الجنقو مسامير الأرض. و كنتُ و ألم قشي و أبناؤنا الثلاثة بالمهجر في ولاية فلوردا الأميركية.
في طريق عودتنا للمعسكر، بعربة اللاندرفر، كنتُ أحملُ طِفلي الجميل محمد و بجانبي تجلس ألم قشي، تنظر إلي بين الفينة و الأخرى وتبتسم. كنت أسعد رجل في العالم. وبينما أنا أتفحص طفلي، وأبحث في ملامِحِهِ عن تفاصيل أسرتنا، إذا بي أرى أسفل ظهره، شَامةًً صغيرةً زرقاءَ. تَبُدو في ضَوءِ الصَبَاحِ السَاطعِ، كما ذلك الرسم الذي خَطّهُ لي على الأرضِ المُسْلاتِي المُريبْ: خَاتَم النبي سُليمانْ.


ديسمبر2004 إلى 12- يناير- 2009
خشم القربة

عبد العزيز بركة ساكن
روائي سوداني
baraka.sakin@googlemail.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

تعليقاتكم
1.
AWAD | 1/7/2010 الساعة 06:30
رائع جدا يابن بركه
2. بركة ساكن روائي شاب من الطراز الأول
احمد أبوعبدالله | 14/7/2010 الساعة 07:20
في الحقيقةاعجبت ايما اعجاب برواية الشاب بن بركة وللحق يقال انه نقلني الي عهد الصبا عندما كنا ننهل الادب من امهات الكتب. طاف بي الخيال الي الادب الانجليزي وروايات كانتربري والروائي الاشهر دانيل دوف . ساكن له المقدرة سكب عصارة جهده في مقاطع لن تستطيع الفكاك منه حتى تفرغ من قراءته . انه عمل رائع وجميل ومنسق كما قرأت له قصة قصيرة الموسومة ب(مجروح) وهي قصة اعتقد انها مزيج بين الخيال والحقيقة . وان تنبأ بمستقبل باهر له.
3. تحية وتقدير
محمد عبد الحليم مختار | 7/9/2010 الساعة 07:31
بشكر الاخ بركة ساكن ع الرواية الجيدة والاسلوب الجيد وله الشكر والتحية
4. ميه ميه
عماد | 14/11/2010 الساعة 15:14
روعه
5. ابداع السوداني
ابو احمد الشايقي | 6/12/2010 الساعة 07:07
ارحام السودانيات حبلي بلمبدعين وليشهد العالم بهذة الرواية لك الشكر يابركة.لاتحرمنامن الاباداع معاحياة المهجر
6. beboelsadig@gmail.com
بابكر الصادق | 12/12/2010 الساعة 18:32
كل الأنظمة المُتسلطة في العالم كلما رأت شعاعا" للنور سارعت بنعنيمه حتى لا تُشرق شمس الحرية على هذا العالم المُظلم المُضئ ببركة ساكن...
7. إفتخار وطني
محمد دنيانا | 3/1/2011 الساعة 11:04
أفتخر بأني وآخرين وجدنا راوياً عبدالعزيز، نقلنا أحياء إلى تلك الديار وتلك الشخوص المتوارث تواجدها وحياتها حتى الآن. ومن المؤسف أنك قُدتنا بكل روعة في جنبات تحكم الدول في حياة البشر وإضطهادهم.
8. تقدير
ابوعبيدة الطيب | 30/1/2011 الساعة 23:13
لقد مكثت بالقضارف لسنوات كثيرة وبمنطقة قلع النحل يسكن اهلى وعشيرتى وللحقيقة فان هذه الرواية ان صح التعبير نهمتها بشراهة فقدتها ذمنا طويلا, فلك منى كل التقدير استاذنا بركة وشكرا على ارجاعنا الى مكان وذمان ومفردات كادت ان تنمحو بفعل مشاغل الحياة واللهث وراء العيش. هذه القصة اخى حفزتنى الى زيارة بعد خمسة من الاغتراب الممل وسوف اذهب عن غريب حتى لا ينتهى بى المنتهى تحت شجرة الموت
9. تقدير وشكر
مدثر النور | 21/4/2011 الساعة 06:31
رواية غاية فى المتعة والامتاع لقد ابحرت به وتمتعت وانا أقراءه رواية غاية فى المتعة فلك الشكر ايها الاديب المبدع
10. الجمال
ثابت | 21/4/2011 الساعة 12:02
رواية جميلة و حقايقها كتيييييييييييييرة عشان كده محظورة
11. روايةجرئية
رينا عسلاية | 21/5/2011 الساعة 06:54
رواية الجنقو ملحمة جرئية وصادقة لحياة هولاء الفئة من العمال الذين رايت جزء منهم في مشاريع قصب السكر مصنعي عسلاية وكنانة زات الشباب الاقوياء البوساء الذين لا يخافون من اي كان حكومة ادارة يعيشون في جماعات ياكلون الذرة الفتريتة ويلبسون نفس الملابس الموصوفة في الرواية ماركات عالمية جريئين كلما مروا بمكان به نساء يصرحون باعلى اصواتهم ويقولون عبارات بذئية لا يستطيع شخص عادي التفوه بها
12. روايه قممممممه فى الأدب الروائى السودانى
ود التلب | 30/6/2011 الساعة 03:43
انا سعيـــد جدا اعلق على روايه زى دى ف قمه الجمااال والابدع ده ابداع ابدااع
13. أدب رفيع وصراحة مجروحه
جني الوزيين | 26/7/2011 الساعة 13:57
ما كان لي أن أتعامل مع الروايات لولا ذلك الأستاذ الفلته الذي نقلني إلي هذا العالم البهيج...شدني أكثر هذا الإسلوب الجزل الجزاب لود ساكن المتحرك في خلجات الوجدان السوداني...خاصة وأني تكوين جنقو خالص من بعد الخلق الرباني لكن الصراحه الزائدة في الإسلوب والمجون الصارخ أخرج الرواية من ثوب عفاف الأدب السوداني المحتشم ليس المحجب وللا المنقب نحن أولاد جنقو أولاد بلد نعرف ماذا تعني(قللت الأدب) هل توافقني يابركه...؟
14. ابداع في زمن الرعاع
عبدالله ادريس محمد | 5/8/2011 الساعة 04:13
اكتب اروي احكي قص علينا احسن القصص ولا تبالي
15. لا أدري ماذا أقول
محمد كافي | 7/8/2011 الساعة 10:29
تسلم يا رائع ، رواية جميلة جدا ولقدسمعت عنها كثيرا ولم أجدها لأنها ممنوعة بأمر (السلطات) ولن تصدق إن قلت لك بأني قرأتها بواسطة الهاتف المحمول ،‏ وهكذا هم أبناء الهامش السوداني يمتلكون عقول جبارة ومتفتحة ولكن ديدن الحكومات الديكتاتورية في السودان مصادرة الإبداع ومحاولة تزييف الواقع ولكن لك التحية أينما كنت وطوبي لك والموت لهم ، وانا شاب من منطقة جبال النوبة وأتخذكم أنتم مثقفي الهامش السوداني كغدوة لي، وأتمني أن نتواصل شخصيا عبر الfacebook ‎لكي نتعرف أكثر ، وهذا هو رقم هاتفي:249923053152 وموقعي علي الفيس بوك:‏www.kabe tio kafi@yahoo.com/faceboo
16. انت الروعه بى زاتا
ايهاب عمر الخليفه | 19/9/2011 الساعة 15:05
انا بستعير منك جمله.... ياهولاء جميعكم القادحين نارا المتنطقين بشرار...اسكلوا بنوركم ناركم وبالشرار الزى اوقتموه من يدرى صار لكم كل هذافى الوجع تضجعون شكرا شكرا جميلا... على هذا الجمال
17. بدون كلام
الاصم | 22/9/2011 الساعة 01:39
نحن عطشي كلما قرانا ابداع بركه ساكن احتجنا الي المزيد
18. بركه ساكن الذي يحرك البركه الساكنه فينا
اسعد الاصم | 22/9/2011 الساعة 01:52
واسع الحيله والمعرفه مثقف لا يشق له غبار ملم بالنفاصيل قادر علي الامساك بذمام الغه الثره يمتلك حصيله لغوبه مدهشه وفنتازيا اشبه بما من يفك الشفره...............
19. سكنت الوجدان بهذه الروايه الرائعه
المنا | 26/9/2011 الساعة 05:49
يا ايها الساكن اسكنت في دواخلناهذا السرد الروائي المتميز قل ان يجود به غير ضليع في الرواية سدد الله خطاك على نهج الكبار فأنت أكبر مما نقول
20. السودان - كوستي
عمار علي البشير | 7/10/2011 الساعة 08:54
الم قشي وانت والجنقو مسامير الارض كل اشياء في غاية الدهشة؟؟
21. رواية عالمية
بن غربة | 11/11/2011 الساعة 14:04
رواية تزهب بك الى عوالم بعيدة لك التحية ابن مدينتى الرائع
22. عليك ان لاتنسي اولئك الناس
فخر الدين عثمان | 8/12/2011 الساعة 03:59
قد اجزلوك دروسامجانيه عن كيفيه العيش بصدق وقوه ارتباط الذات بكل ماهو غريب ومتداول ولك ان تقيس اذ كنت لم تنقلب علي نمط حياتك فهل كان هذا الابداع يوما -خالص ودي
23. يارائع
ود القضارف | 17/1/2012 الساعة 18:04
رواية مدهشة تشدك الى عوالم سحرية وفضائت رائعة شكرا بركة ساكن
24. رائع
فرح علي | 11/2/2012 الساعة 20:39
لقد عشت أيام جميلة مع شخوص الرواية كانت جديرة بأن تعاش لقد استمعت جدآ باللهجة السودانية الجميلة.. روائة ثرية بالمفرادات والمعاني..استفدت منها كثيرآ.. تحية للكاتب عبدالعزيز
25. امثالك قله في بلدي
عبد الرازق عبدالله الحمري | 13/2/2012 الساعة 02:10
لولاك لما عرفت لما يدور هناك صراحتا . لبعد المنطقه اقليميا عنا .فوصفك وثردك اثار في دواخلنا تسأولات جمه . بالله عليك تعدنا بالمزيد . وان لا تنسي من ذكرتهم فلهم عليك حق وانت ليس بالذي يذكر .( التحيه لالم قشي لانها مربط الفرس ) قول لها في واحد عايز بتك لو ما فيها خاتم سليمان
26. منتهى الابداع
محمد عبد السلام | 18/2/2012 الساعة 10:43
سمعت برواية محظورة اسمها الجنقو ولكني لم اتصورها بهذا الابداع ودمت استاذي بركه
27. امكن اكون بت الصافيه
بت بادى | 2/3/2012 الساعة 05:05
لاشى ولاكلمه يمكن ان توصف روعه ودقه الاسلوب البسيط جدا.لقد قراتها اكثر من مرة وذلك لان,,,,,,,,,,,,,, احساسى بانى عايشت القصه نابع من انى من منطقه الشواك واعرف كل شبر مما وصف فى الروايه وواكد انها حياة كانت موجودة ب الفعل لوقت قريب؟ اجمل مافيها انا واقعيه فى سردها دون تكلف وجريئه ...... لك الشكر استاذى لانك انتشلتنا من التلبد ورا الاقنعه والتكلف الى مواجه زاتنا. اتمنى ولى عظيم الشرف ان تضيفنى على صفحه الفيس بوك لديك hewudabadi
28. قمة الروعة
محمد بابكر الفادني | 16/3/2012 الساعة 21:58
عندما سمعت برواية الجنقو مسامير الارض الممنوعة من النشر قادني الفضول للبحث عنها و معرفة خباياها و لكني لم اكن اعلم بأنها في هذه الروعة و الجمال عبد العزيز بركة ساكن لك التحية و التجلة و انت تبحر بنا في عوالم من الدهشة و فضاءات من الألق الجميل الجراءة في سرد الاحداث هي السبب في حظر هذا الإبداع
29. إبداع لاينكره إلا حاسد ولا يعتم عليه إلا مكابر
ود جبرالله | 10/5/2012 الساعة 06:13
ليس لي ما اقوله في هذا الإبداع الواقعي الذي عندما تبدأ القراءة فيه لا تنفك منه أبداً إلا بالوصول إلى نهايته. آمل من القائمين على أمر الثقافة في بلدي أن يفكوا أسر هذه الروايةالجميلة والجريئة.
30. قمة القمه
ود سعد الله | 14/6/2012 الساعة 17:36
الله لم اكن اتخيل من بين هاؤلا الغبش من يستطيع ان يلامس سماء الابداع تشكر علي حلو الكلام
31. وجهة نظر خاصة جدا
وائل عبدالرحمن | 25/8/2012 الساعة 13:49
حقيقي مع عدم انكاري بالمجهود الذي بذلته في الجنقو مسامير الارض الا ان هنالك الكثير من اللقط يدور حولها وذلك من (وجهة نظري الشخصية) اولا أستخدمت فيها لغة ليست بحصيفة مما يجعل كل من يقراها يحس بحداثة كاتبها مع انك استغرقت وقت قد يكون طويلا جدا في كتابة هذه الرواية وثانيا بانك ادخلتها في جوف المحلية مما قررت لها بان تموت مسجونة في بؤرة وطن ضيق لن ترا بعده ومضة عالمية ثالثا شوهت وقبحت عناصر معينة بطريقة مقصودة ومبتذلة مع انك تحاول اخفاء ذلك بذكر النقيض في كثير من الاحيان رابعا النزعة العنصرية التي دسستها كما يدس السم في الدسم خامسا اظهرت كثيرا من افكار واراء الكاتب وعكستها كما انها حقائق قطعية سادسا عدم ترك مساحات لخيال القاري معكوسا في رسمك الدقيق لكل التفاصيل وخاصة في النهايات ومع انك استخدم
32. لك اللتحية
نسرين | 28/1/2013 الساعة 06:03
لقد بزلت مجهود كبير وواضح الماده بالروايه لوحه بها الكثير من القراءات ولكنك وبعلمي البسيط لهذا الكيان انك حصرت تراجيديا لا تثير الا ذاك الكيان ( القضروفي ) لانك بالفعل نقلت كل مادار هناك بالتفصيل بل واطلت الشرح في تلك ( الدعاره غير المغننه ) وكأنك توصف تمثال او تاريخ امة .
33. بجد قمة الروعه
نسيبه | 16/5/2013 الساعة 10:38
تسلم اناملك ياعبد العزيز وجد اتمنيت بعدد خروووووووف الروايه ان اتعرف علي الراوي
34. سلامات ساكن
مروان | 22/5/2013 الساعة 05:26
وصف دقيق ليس فقط لحياة الجنقو وانما للحياه في كثير من ربوع السودان ؛ روايه صريحه شفافه ليس بها شوائب ولا اخفء حقايق واللا مبالاه الصريحه ، والحكى عن الجنس بطريقه وقحه جميله ونقل بسيط لواقع حقيقى مسكوت عنه . اما من ناحيه نقد ادبى فانا لا اعرف عن النقد شيئا ولكنى انظر لنفسى فاجدنى افضل ناقد واقل بقليل من اديب لذلك من وجهة نظرى الشخصيه والتى يفترض ان يؤمن بها الجميع اجد الروايه فى مرتبه واحده مع(( موسم الهجره الى الشمال))
35. لولا الكلمات الاباحية
محمد ود سنار | 18/6/2013 الساعة 03:30
لقد طفت بنا في عالم قريب من حياتنا في سنار لكن لولا العبارات الاباحية التي استخدمتها مثل ذكر الفاحشة باسمها المحلي لوجد فرصة افضل واوسع للإنتشار بصورة إجتماعية
36. علي المستوى العالمي والعربي والمحلي .. لايوجد روائي مبدع.
متوكل كسلا | 8/7/2013 الساعة 10:26
هذا الزعم الذي تضمنه العنوان تؤكده الشواهد .. فعلاً ... لا يوجد راوئي مبدع .. بل هناك رواية مبدعة.. الإبداع صفة النص وليس الكاتب .. والشواهد تؤكد ذلك ... فكل روائي مبدع عالمياً أو عربياً او محلياً لا يظهر الحس الإبداعي في جميع رواياته،،، بل تعجب أن ترى له أعمالاً باهتة.. وإذا دققت النظر في سبب شهرة هذا الروائي تجده يعود إلى نص أو نصين كانا سبب شهرته..هذا يؤكد القول بأن لايوجد روائي مبدع ولكن رواية مبدعة.. هذه الرواية المبدعة هي التي تكون سبباً في شهرة كاتبها .. والا ما رأيكم ؟!!
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث