الأربعاء, 18 تشرين الأول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
بارتلبي وأصحابه/ فصلان من رواية
ترجمة وتقديم: عبدالهادي سعدون
بارتلبي وأصحابه/ فصلان من رواية
غلاف الرواية
صدرت عن دار سنابل في القاهرة رواية (بارتلبي و أصحابه) للروائي الإسباني أنريكه بيلا ـ ماتاس بترجمة قام بها الأديب العراقي المقيم في مدريد عبدالهادي سعدون. وجاءت الرواية بـ 193 صفحة من القطع المتوسط. فيما يلي مقدمة الترجمة مع الفصلين الأوليين من الرواية:

عنوان هذه الرواية ( Bartleby y compañía) يمكن أن يترجم بأكثر من صيغة كلها تصب في الهدف نفسه وهي: بارتلبي وشركاؤه، بارتلبي و رفاقه، بارتلبي وصحبه أو ما فضلناها نحن (بارتلبي و أصحابه)، فالغرض من العنوان هو الإشارة لأصحاب رحلة بارتلبي أو أشباهه في تاريخ الأدب والكتابة وهي الفكرة الرئيسية التي يصب فيها عمل الروائي الإسباني أنريكه بيلا ـ ماتاس الذي نقدمه للقارئ العربي للمرة الأولى مترجماً من الإسبانية. الواقع أنها الرواية الأولى المترجمة للعربية، فعلى حد علمي (وعن طريق المؤلف نفسه) لا نجد في المكتبة العربية أية ترجمة لهذه الرواية أو رواية أخرى من كتبه التي تعدت الـ 12 رواية حتى الآن وأغلبها حازت على جوائز مهمة في أسبانيا و أوربا وأميركا اللاتينية، بل يعد الروائي واحداً من أربعة أصوات روائية هي الأهم في خريطة الرواية الإسبانية المعاصرة من قبل القراء و النقاد على حد سواء. رواية (بارتلبي و أصحابه) نشرت للمرة الأولى عام 2000 وحصلت على جائزة أهم رواية معاصرة في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا على التوالي (جائزة مدينة برشلونة 2001، جائزة بريكس فرناندو أغيري 2002 و جائزة بريكس ميلر ليبر لأهم عمل أجنبي في فرنسا وإيطاليا). كما أنها جاءت بالمركز الثاني ضمن أفضل عشر روايات إسبانية في العقدين الأخيرين والتي قامت بها مجلة (كيميرا) الأدبية ضمن إستفتاء شمل آراء أكثر من مائة شخصية أدبية إسبانية.

يعد أنريكه بيلا ـ ماتاس (برشلونة 1948)، واحداً من أهم الروائيين الإسبان المعاصرين، وبلغ بنتاجه الروائي مكانة متميزة وضعته في مصاف كتاب ذوي باع طويل سواء في الرواية المكتوبة باللغة الإسبانية أو غيرها من نتاجات الروائيين الأوربيين. ترجمت أعماله لأكثر من 18 لغة عالمية، وقد حاز على أغلب الجوائز الأدبية المرموقة في إسبانيا وأميركا اللاتينية وأوربا. نشر أكثر من ثلاثين كتاباً من الأعمال الروائية والقصصية والنقدية واليوميات والرحلات منذ العام 1973 حتى اليوم. من أهم أعماله الروائية والقصصية نذكر هنا: التاريخ المختصر للأدب المتنقل 1985، بيت للأبد 1988، انتحارات مثالية 1991، الرحلة الشاقولية 1999، مساوئ مونتانو 2002، دكتور باسبينتو 2005، منقبوا الهاوية 2007، و آخرها روايته على منوال دبلين 2010. منذ عام 2001 حتى اليوم حصل عن كتبه المتعددة على أهم الجوائز الوطنية والعالمية من بينها: الجائزة الوطنية للأدب 2003، جائزة النقد في تشيلي 2003، جائزة هيرالدي الروائية 2003، جائزة أكاديمية اللغة 2006، جائزة لارا 2006، وجائزة الأدب الدولي الإيطالية 2009.

إن رواية (بارتلبي واصحابه) التي نقدمها للقارئ العربي هي جرد كامل لأصحاب هذا المرض المزمن المتمثل بهجر الكتابة ولعنها، كتاب الـ(لا) على حد وصف مؤلفها الإسباني أنريكه بيلا ـ ماتاس. رواية شيقة ما بين المتن الحكائي للبطل المنعزل عن عالمه و بين متابعته وتقصيه لآثار مماثليه في الآداب العالمية. رواية تقرأ بمتعة وبمعرفة، رواية تداخل وتقرب لكتاب معروفين هجروا الكتابة ومحاولة فهم مغزى ذلك في حياتهم وأعمالهم.

إن الرواية إضافة لمتنها الحكائي، وهي الحياة الخاوية المنعزلة لبطلها، فهي من جهة أخرى يمكن قراءتها كإنسكلوبيديا قاموسية بتتبع حيوات ونتاجات العديد من الكتاب والفنانين الذين قرأنا لهم ويمثلون جزءاً مهماً من تاريخ الآداب والفكر العالمي، وهم مع ذلك لهم خصوصية متميزة، يستخلصها هنا الروائي بيلا ـ ماتاس ويركز عليها صبغة وحدث الرواية: نعني بها، ان أغلب الأسماء الأدبية الواردة في العمل الروائي قد أصابها ما يسميه البطل (بداء بارتلبي). و كما نعرف فإن شخصية (بارتلبي) مستلة من رواية قصيرة للكاتب الأمريكي هرمان ملفل، يتحدث فيها عن شخصية إنعزالية تنأى عن العالم الخارجي وليس لها من غاية وهدف في الحياة سوى التواجد في مكان عمله، طوال أيام الأسبوع، بما فيما أيام العطل ونهاية الأسبوع. هذه الشخصية الرافضة لأداء أي شيء، هي النقطة التي ينطلق منها بيلا ـ ماتاس في روايته، ليتخذ منها حجر الأساس لبناء الشخصيات الإنعزالية الرافضة، ولكنه يركز وحسب على الشخوص الأدبية، سواء الكتاب منهم أو الشخصيات الحكائية المبتكرة في متون الأعمال الأدبية المعروفة منها لنا أو غير المعروفة. أنها رواية سيرة للأدب من أبوابه الخلفية، أي البحث عن الكتاب الذي رفضوا الإستمرار بالكتابة أو الذين لم يجدوا في الأدب والفنون عموماً أي مغزى أو وسيلة، مما جعلهم يرفضون رفضاً قاطعاً المساهمة في أي فعالية من فعالياته.

ستدهشنا الرواية بالتوقف عند محطات مجهولة لنا، عن كتاب و كتب نعرف عنها، ولكننا لا نعرف أسرارها ولا ظروف كتابتها ولا عن مراحل حياة أصحابها. هي سجل للتقييد عن هؤلاء وأثرهم في حياتنا وآدابنا (او هي دفتر تدوين ملاحظات هامشية، حسب رأي بطل الرواية). هذا الدفتر وهذه المعاينة التي يمر بها بطل الرواية، هي سنارة صيده الشخصي ليقنع نفسه بضرورة العودة للكتابة بعد أن هجرها هو بدوره، وعن طريقها ليكتشف لماذا ضاق الآخرون ذرعاً بالأدب وعوالمه. بالطبع هي حيلة الكاتب لكتابة روايته أيضاً عن طريق البحث في الشخصيات الرافضة والمعلنة عن خيبتها من الأدب وعوالمه. يذكر الكاتب أنه بهذه الرواية أراد إنتشال نفسه حقاً من هاوية الفراغ القاتم اللون والذي لم يعثر فيه لوقت طويل عن بصيص ضوء يقوده لصفحة الكتابة البيضاء.

على الرغم من أن الرواية تقوم أساساً على شخصيات مهمشة، لكنها في واقع الحال مرور متأن في البحث عن جدوى الحياة والأدب، منذ العصور الأولى حتى اليوم. فصول كاملة تحية لأسماء غابت وأندثرت واخرى أرادت لنفسها الإندثار والغياب. صفحات تمضي بتمجيد الكتب والكتابة حتى وإن كان عن طريق هؤلاء الكتاب والفنانين الرافضين للكتابة. فعن طريقهم والحديث عنهم، يتم الحديث عن البوابات الأخرى لعالم الأدب الكبير. يذكر بيلا ـ ماتاس في إحدى المقابلات بأنه لم يشأ الحديث في الرواية عن أولئك الكتاب الرافضين للكتابة، بل كان في الواقع يسعى للتركيز حول بشر تركوا خلفهم الحياة ولم يعودوا يبالون بماهيتها ولا السير في خطوها، تماماً مثل (بارتلبي) شخصية ملفل، الرافض والعنيد والمنتظر يوماً بعد آخر وبإصرار نهايته التي تخيلها والتي لا يحيد عنها حتى ختام أيامه.

أخيراً تعد هذه الرواية الجزء الأول من ثلاثية عن (عالم الكتب والكتاب) بالإضافة لروايتيه (مساوئ مونتانو) و (دكتور باسبينتو)، على الرغم من رفض الكاتب لهذه التصنيفات عموماً، ذلك أن من قرأ روايات بيلا ـ ماتاس يعرف أن الكاتب منذ أعماله الأولى (خاصة: تاريخ مختصر للأدب المتنقل و الرحلة الشاقولية) قد جعل من الأدب وشخصياته الأدبية محوراً أساسياً في أغلب أعماله. يمكن عد أعمال بيلا ـ ماتاس الروائية بمثابة ميتا ـ روايات، لأنها تغوص بعوالم الأدب وتستفيد منها كمتن بشكل دائم. إن عوالم بيلا ـ ماتاس الروائية تقدم لها نمطاً حكائياً ساد في الآونة الأخيرة في الأدب الإسباني (وربما آداب عالمية أخرى) بالتعكز على موضوع روائي هو الآخر، عن طريق شخصية أو أكثر، ظاهرة أدبية أو محور سردي، ليشيد عبرها عوالم تخييلية تساهم بدورها بمنح تلك الشخوص والظاهرة ثقلها الحقيقي. إنها الطفرة الممكنة للسعي نحو رغبة التكامل مع الآخرين، الآخرون أولئك الذين نشعر بأننا جزء منهم بشكل وبآخر عبر القراءة والتمعن وفي مرات أخرى عبر التماهي والتقمص والتداخل الكلي.




1



"أن مجد أو جدارة بعض الأشخاص يتمثل في الكتابة الجيدة؛
أما الآخرون فيتمثل في عدم الكتابة."
جان دلا بروغييه


لم أكن محظوظاً بالمرة مع النساء، لذا أتحمل وزرها كحدبة موجعة، كل معارفي المقربين ماتوا، أنا أعزب فقير أعمل في مكتب مغبر. عدا هذا، فأنا سعيد. اليوم اكثر من أيام أخرى، لأنني أبتدئ ـ 8 حزيران من عام 1999 ـ هذه اليوميات التي تشكل بنفس الوقت دفتر هوامش في أسفل الورقة تتضمن تعليقات على نص غير مرئي، والذي أرجو أن يبين قدرتي بتتبع الشخصيات الـ بارتلبيه.
منذ خمس وعشرون عاماًَ، عندما كنت ما أزال شاباً، نشرت رواية حول أستحالة الحب. منذ حينه، ولسبب صدمة أنتابتني سأشرحها فيما بعد، لم أعد للكتابة، فقد رفضت بصورة قاطعة ممارستها، تحولت إلى بارتلبي، لهذا السبب يعود أهتمامي بهم منذ زمن طويل.
كلنا نعرف الـ بارتلبيين، هم هؤلاء البشر الذين يتقمصهم رفض عميق للعالم. يتسمون بهذا الأسم نسبة للمكتبي بارتلبي، شخصية الموظف في قصة هرمان ملفل (Herman Melvilla) الذي لم يرَ يقرأ ولا لمرة صحيفة ما، وفي توقفات طويلة، يظل محنطاً ناظراً إلى الخارج من خلال النافذة الشاحبة التي تقع بالخلف من الستارة، وجهة حائط من الآجر في وول ستريت. لم يشرب بيرة قط، لا شاي ولا قهوة مثل الآخرين. لم يمض أبداً إلى أي مكان، لأنه يعيش في المكتب، حتى أنه يمضي فيه أيام العطل، لم يقل أبداً من هو، ولا من أين جاء، وإذا ما كان له أقارب في هذا العالم؛ وعندما يسئل أين وُلد أو أن يطلب منه عمل شيء أو أن يحكي شيئاً ما عن نفسه، يجيب دائماً قائلاً:
ـ أفضل أن لا أفعل ذلك.

منذ زمن وانا أتتبع هذا القطاع الشاسع في الأدب ممن يعانون من وعكة بارتلبي، منذ زمن أعكف على دراسة هذا المرض، العدوى التي تصيب الآداب المعاصرة، النبض السلبي أو الميل إلى اللاشيء الذي يغدو ديدن العديد من الكتاب، هذا مع العلم أنهم يمتلكون وعي أدبي متشدد (أو ربما بسبب هذا حتماً)، لم يستطيعوا الكتابة أبداً. أو يكتبون كتاباً واحداً أو إثنين وفيما بعد يعرضون عنها. قد يكتبون بدون أدنى معضلة عملاً مهماً، ثم يبقون، ذات يوم، عاجزين أدبياً وإلى الأبد.
إن فكرة الخوض في أدب الـ لا، عن باتلبي و أصحابه، ولدت الثلاثاء الماضي في المكتب، عندما تهيأ لي أن سكرتيرة المدير تقول لأحدهم عبر الهاتف:
ـ السيد بارتلبي في إجتماع.
ضحكت لوحدي. بدى لي من المستحيل تخيل بارتلبي مجتمعاً مع أحدهم، متهامساً، مثلاً، في فضاء مجلس الإدارة. لكن ليس من الصعب ـ وهذا ما أريد أن أطرحه عبر هذه اليوميات أو الملاحظات أو الهوامش ـ أن أجمع كل هؤلاء البارتلبيين، أعني كل هؤلاء المصابين بالمس، بهذا النبض السلبي.
من المحتمل أنني سمعت إسم (بارتلبي)، حيث من المفروض أنني سمعت لقب مديري، وهو قريب الشبه. لكن هذا الخلط في الحقيقة جاء مناسباً، ذلك أنه حرضني وبضربة واحدة على الشروع بالعمل، بعد خمس وعشرون سنة من الصمت، أقرر العودة للكتابة أخيراً، الكتابة حول مختلف الأسرار الأخيرة لحالات مبدعين تثير الإنتباه كانوا قد اعلنوا القطيعة مع الكتابة.
أشعر بقدرتي على المضي في متاهة الـ لا، في الشعاب المهلكة و الشيقة لنماذج الأدب المعاصر: هذا الإتجاه الذي نعثر فيه على الطريق الوحيد للخلق الأدبي الحقيقي؛ هذا الإتجاه الذي يتم فيه طرح التساؤل عن جدوى الأدب وأين يكمن والذي يحوم حول إستحالة الحالة نفسها والذي يعبر عن حقيقة الوضع الخطر ـ والذي هو في المحصلة محفز قوي ـ لآداب نهاية القرن.
عن طريق هذا النبض السلبي فقط، عن طريق الـ لا هذه فقط، برزت الكتابة التالية. ولكن كيف تكون هذه الكتابة؟ منذ فترة، سألني أحد زملاء المكتب عنها بشيء من الخبث:
ـ لا أعرف ـ قلت له ـ. لو كنت أعرف، لعملت الشيء نفسه.
لنرى إن كنت قادراً عليه. أصبحت متأكداً أنه عن طريق البحث في متاهات الـ لا وحسب، من الممكن تلمس الطرق المفتوحة للكتابة التالية. لنرى إن كنت قادراً على بعثها. سأكتب هوامشاً تعلق على نص لا مرئي، وهذا لا يعد منه نصاً غير موجود، إذ من المحتمل أن ينتهي هذا النص الشبح بكونه سقوطاً تاماً في أدب القرن القادم.





2


لقد عرف روبرت والسر( Robert Walser) أن تكتب ما لا تستطيع كتابته معناه أن تكتب أيضاً. ومن بين العديد من الأشغال التي امتهنها ـ بائع في مكتبة، سكرتير محامي، موظف بنك، عامل في مصنع لمكائن الخياطة، وأخيراً مدبر منزل في قصر سليسا ـ، كان روبرت واسلر يعود بين حين وآخر إلى زيورخ، إلى " دائرة الكتابة للعاطلين " (الإسم على الرغم من أنه حقيقي، إلا أنه قريب من عوالم والسر)، وهناك، جالساً في مقعد عتيق، مساءً، على الضوء الشاحب لفانوس نفطي، يقدم خدمته ككاتب خط، يعمل ناسخاً، يعمل كأي بارتلبي.
ليست هذه الحالة فقط (كناسخ) بل كل خبرة واسلر تجعلنا نفكر بشخصية حكاية ملفل تلك، عن المكتبي الذي يمضي الأربع وعشرين ساعة من اليوم في المكتب. روبرتو كالاسو Roberto Calaso)، في حديث له عن والسر و بارتلبي، يعلق بأن في هذه الكائنات التي عليها سيماء البشر المتحفظين والناس العاديين، لديهم بلا شك، جنوح صاخب لرفض العالم. جنوح أكثر راديكالية منه كوجهة نظر تحذيرية، تلك النفحة المدمرة التي تمر بلا أدنى ملاحظة من قبل الآخرين الذين يرون في البارتلبيين كائنات رمادية مستكينة. " بالنسبة للعديد من الناس، والسر مؤلف جاكوب فون غونتن (Jacob von Gunten) و مخترع المعهد البنجاميني ـ يكتب كالاسو ـ يعد شخصية عائلية قريبة و من الممكن التوصل ايضاً من قراءة نصوصه العدمية إلى كونه برجوازي و سويسري طيب. لكنه على العكس من ذلك، شخصية نائية، سكة موازية للحياة، خيط بالكاد يرى. إن خضوع واسلر، مثل عدم تنازل بارتلبي، مما يعنيه قطيعة تامة (...) ينسخان، يعيدان كتابة يمران بها وكأنها كارت شفاف. لا يعلنان عن شيء خاص، لا يحاولان التعديل. لا أتطور، يقول جاكوب فان غوتن، لا أرغب بالتغيير، يقول بارتلبي. بولائه يكشف عن التعادل ما بين الصمت والإستخدام التجمييلي للكلمة."
من بين كُتاب الـ لا، نستطيع ذكر قسم خاص بالكتبة من أكثرها غرابة، ذلك أنه ربما قد أثر بي أكثر. وهذا لأنه، منذ خمس وعشرين عاماً، جربت شخصياً الإحساس بالتعرف على ماذا تنطوي مهنة النساخ. و كنت قد أضيته بشكل سيء. كنت آنذاك شاباً وكان يتنازعني شعور بالزهو لإصداري كتاب عن إستحالة الحب. أهديت نسخة منه لأبي دون أن أدرك مغبة ما سينالني منه. بعد أيام قليلة، أجبرني أبي ـ لأنه فهم أن جزءاً من مذكرات الكتاب يضم تجديفات ضد زوجته الأولى ـ على كتابة إهداء على نسخة بكلماته. قاومت بكل ما استطعت لقبول فكرة كهذه. كان الأدب تحديداً ـ مثلما حدث لكافكا ـ الوسيلة الوحيدة لشعوري باستقلاليتي عن أبي. دافعت مثل مجنون فكرة ما أراد أن يمليني إياه. لكن في الختام انتهيت بالرضوخ، شعرت برعب التحول لناسخ يعمل بأمر دكتاتور إهداءات.
هذه الحادثة تركتني منكفئاً على نفسي بحيث لم أكتب شيئاً طوال خمس وعشرين عاماً. منذ زمن، أيام قبل أن أستمع لتلك الجملة (السيد بارتلبي في إجتماع)، قرأت كتاباً ساعدني على أن أصالح نفسي بصفتي ناسخ كتب. أعتقد أن المتعة و السرور اللتان زودني بها قراءة معهد بيير مينارد (Instituto Pierre Menard) ساعدني على تهيئة الأرضية لقراري بشطب صدمتي النفسية القديمة والعودة للكتابة.
معهد بيير مينارد رواية روبرتو موريتي ( Roberto Moretti) مبنية في أجواء معهد يعلمون فيه قول كلمة (لا) بأكثر من ألف وسيلة، من تلك الأكثر تهوراً حتى الأكثر طرافة والتي من الصعب رفضها. هي عبارة عن رواية فكاهية و باروديا مدهشة عن معهد بنجامينتا لروبرت واسلر. عليه، من بين طلبة المعهد نعثر على والسر نفسه و الكاتب بارتلبي. في الرواية بالكاد يحدث شيء، ما عدا أنه بانتهاء الدراسة، يتخرج جميع طلبة معهد بيير مينارد وقد تحولوا إلى نساخ سعداء و معتدون.
ضحكت كثيراً مع هذه الرواية، وما أزال أضحك حتى الآن. الآن مثلاً، أضحك بينما أكتب هذا لأنه قد أوصلني لإقتناع بأنني كاتب. لعل من الأفضل بدل التفكير و التخيل، أن أمضي بنسخ جملة لا على التعيين لروبرت والسر، الأولى التي أعثر عليها ما أن أفتح أي كتاب له: " في المرج المعتم يسير رجل وحيد". أنسخ هذه الجملة وفي التو أسعى لقراءتها بلهجة مكسيكية، فأضحك لوحدي. فيما بعد أتذكر حكاية الناسخين المكسيكيين: حكاية خوان رولفو (Juan Rulfo) و أوغستو مونتيروسو( Augusto Monterroso) حيث عملا ككتبة في دائرة معتمة واللذان ، حسب علمي، كانا يتصرفان مثل أي بارتلبي نقي، كانا يخافان من رئيس عملهما، لأن هذا كان بدوره يشد على يد العامل كل يوم بعد انتهاء العمل. رولفو و مونتيروسو، الناسخان في مدينة مكسيكو، كانا يختبئان خلف عمود لأنهما كانا يعتقدان بأن الرئيس لم يرد توديعهما بل الإستغناء عنهما إلى الأبد.
هذا الخوف من الشد على اليدين يذكرني الآن بحكاية تحرير رواية بيدور بارامو (Pedro Paramo) الذي كتبها خوان رولفو، والذي يشرحها بهذه الطريقة، كاشفاً عن شرطه الإنساني كناسخ: " في شهر مايس من عام 1954 اشتريت دفتراً مدرسياً ودونت الفصل الأول من رواية كانت قد تشكلت صورتها في رأسي منذ سنين(...). أجهل حتى الآن من أين خرجت كل تلك التهيؤات التي ضمتها بيدور بارامو. كان كما لو أن شخصاً ما كان يمليني. بغتة، في وسط الشارع، كان تخطر لي فكرة فأدونها في وريقات خضراء و زرقاء اللون".
بعد نجاح الرواية التي كتبها كما لو كان ناسخاً، لم يعد خوان رولفو لكتابة شيء يذكر طوال ثلاثين عاماً. دائماً ما قورنت حالته بوضعية رامبو (Rimbaud) ، الذي يعد كتابه الثاني، بعمر تسعة عشر عاماً، هجر كل شيء ومضى خلف المغامرات، حتى موته بعد عقدين.
خلال فترة، و الهلع المسيطر عليه من أن يطرد جراء شد رئيسه على يديه، جعله يعيش بخوف من الناس ما أن يقتربوا منه ليسألوه أن ينشر كتباً أخرى. عندما كانوا يسألونه لماذا لا يكتب، اعتاد رولفو الإجابة:
ـ لقد مات العم ثيلرينو، الذي كان يقص لي الحكايات.
عمه ثيلرينو لم يكن اختراعاً. لقد عاش حقيقة. كان سكيراً يكسب قوته من تعميد الأطفال. كان يرافقه رولفو في مرات عديدة وكان يستمع لحكاياته التي يقصها عن حياته، أغلبها مخترعة. كان عنوان كتابه السهل الملتهب على وشك أن يعنونه بقصص العم ثيلرينو. لقد هجر رولفو الكتابة بوقت قصير قبل أن يموت العم. إن عذر العم ثيلرينو واحداً من أكثر الأعذار أصالة مما أعرف عن كتاب الـ لا لتبرير تركهم للأدب.
ـ لماذا لا أكتب؟ سُمِع رولفو يقول في مدينة كاراكاس في 1974 . ذلك لأن العم ثيلرينو قد مات، وهو منْ كان يلقنني القصص. كان يمشي معي وهو يتحدث. كان كذاباً كبيراً. كل ما كان يقصه لي كذب خالص. واحدة من الأشياء التي تحدثت معه هي حول حياته البائسة. لكن العم ثيلرينو لم يكن فقيراً بالمرة. لقد كان نتيجة لسمعته كرجل محترم بشهادة الخوري، تم تعيينه لتعميد الأطفال، من قرية لأخرى. تلك كانت أراضي خطرة و الكهنة كانوا يخافون من الذهاب حتى هناك. رافقت العم ثيلرينو في رحلاته مرات عديدة. في كل مكان نصله، كان عليه تعميد أحد الأطفال والقبض لقاء خدمته. كل هذه الحكاية لم أكتبها، ربما هذا ما سأفعله يوماً ما. كم كان رائعاً ونحن نجوب، من ضيعة لأخرى، لتعميد الصغار ومنحهم بركات الرب وأشياء كهذه. فوق هذا، ثليرينو كان ملحداً.
لم يلجأ خوان رولفو لحكاية العم ثيارينو لتبرير هروبه من الكتابة، أحياناً يذكر مدخني الماريجوانا:
ـ اليوم ـ يقول ـ حتى مدخنوا الماريجوانا ينشرون كتباً. لقد صدرت مؤخراً كتباً غريبة، اليس كذلك؟ أنا أفضل أن أبقى صامتاً.
عن الصمت الأزلي لخوان رولفو، كتب مونتيروسو، صديق مقرب في دائرة النساخ المكسيكيين، خرافة رقيقة بعنوان الثعلب الذكي. فيها يتحدث عن ثعلب كتب كتابين ناجحين جعلته قنوعاً بمضي السنين ولم ينشر بعدها شيئاً آخر. عندها بدأت الهمهمات والتساؤل عما جرى للثعلب، وعندما كانوا يلتقونه في الحفلات كانوا يقتربون منه ويسألونه أن ينشر أكثر. لكنني نشرت كتابين، كان يرد الثعلب بكسل. وهما كتابان جيدان، يجيبونه، لهذا عليك أن تنشر آخر. الثعلب لم يقل ذلك، لكنه كان يفكر في الواقع أن الناس تريده أن ينشر كتاباً شيئاً. ولأنه كان ثعلباً، لم يجاريهم بطلبهم.
بتدوين خرافة مونتيروسو، توصلت للتوافق التام مع نفسي وكوني ناسخاً. الوداع للأبد للصدمة التي سببها لي أبي. أن تكون ناسخاً ليس مرعباً بالمرة. عندما ينسخ أحدنا شيئاً، فهو ينتمي لطبقة بوفارد و بوشيت ( شخصيتا فلوبير Flaubert ) أو لطبقة سيمون تانر ( مع مؤلفه والسر walter في الظل) أو مع الموظفين المجهولي الهوية في المحاكمة الكافكوية.
أن تكون ناسخاً، إضافة لذلك، أن يكون لك شرف الإنتماء لكوكبة بارتلبي. بهذه السعادة طأطأت رأسي للحظات و شرعت للدخول في هوة أفكاري الأخرى. كنت في بيتي ولكني نائماً نصف نيمة و كنت قد انتقلت حتى دائرة نساخ مدينة مكسيكو. مكاتب، طاولات، كراسي و مقاعد. في العمق، نافذة كبيرة بدل أن ترى، كانت تترك مجالاً لسقوط أشلاء من كومالا. وفي مكان أبعد عمقاً، بوابة الخروج مع ريس عملي وهو يشد على يدي. هل كان رئيسي في مكسيكو أم رئيسي الحقيقي؟ ارتباك مقتضب. أنا، كنت أبري الأقلام، انتبهت أنني لن أتأخر كثيراً لأختبئ خلف العمود. هذا العمود ذكرني بالحاجز الذي كان يختبئ خلفه بارتلبي عندما كانوا ينقلون أغراض الدائرة في وول ستريت اثناء عيشه فيها.
كنت أقول لنفسي فجأة بانه إذا ما اكتشفني أحد خلف العمود ورغب معرفة ماذا أفعل هناك، سأجيبه بسعادة أنني الناسخ الذي يعمل مع مونتيروسو، وفي الوقت نفسه يعمل لدى الثعلب.
ـ و مونتيروسو هذا، هل كان أيضاً مثل رولفو، من كتبة ألـ لا؟
كنت قد فكرت أنه في أية لحظة من الممكن أن يوجهون لي سؤالاً كهذا. لذلك كنت متأهباً للجواب:
ـ لا. مونتيروسو كتب مقالات، أبقار، خرافات و ذباب. يكتب قليلاً ولكنه يكتب.
بعد قول هذا، استيقظت. كانت لي رغبة عارمة سيطرت علي لتدوين حلمي في هذا الدفتر. سعادة الناسخ.
اكتفي لهذا اليوم. سأستمر يوم غد بملاحظاتي و هوامشي. مثلما كتب والسر في جاكوب فون غوتن:
" من الضروري ترك الكتابة اليوم. لأنها تهيجني جداً. الحروف تشتعل و ترقص أمام عيني ".



عبدالهادي سعدون
روائي عراقي مقيم في مدريد
ahsadoun@hotmail.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

تعليقاتكم
1. نقد ادبى
sakar ali | 9/12/2010 الساعة 06:21
جاءت الرواية فى غياب العقل النقدى وخارج السياق السيميائى للواقعية الاسبانيةان اهم مايميز هذة الرواية الحبكة الدرامية
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث