الجمعة, 24 تشرين الأول 2014
   
صدرت حديثاً عن منشورات "مومنت كتب رقمية" Moment Publications في بريطانيا               رواية جديدة بعنوان "سلاطين الرماد" للكاتب العراقي سعد هادي، بطبعتين، ورقية والكترونية              
موسوعة السرد العربي جهد أدبي استغرق 20 عاماً/حوار مع د. عبد الله إبراهيم
حوار: جهاد فاضل
موسوعة السرد العربي جهد أدبي استغرق 20 عاماً/حوار مع د. عبد الله إبراهيم
عبد الله ابراهيم



الدكتور عبد الله إبراهيم من الأكاديميين العرب المرموقين، باحث وأستاذ جامعي من العراق، متخصص في الدراسات السردية والثقافية، وله خمسة عشر كتاباً، وأكثر من أربعين بحثاً نقدياً مطولاً في كبريات المجلات الأكاديمية العربية. شارك في عشرات المؤتمرات والندوات والملتقيات النقدية والفكرية. عمل أستاذاً للدراسات الأدبية في الجامعات العراقية والليبية وفي جامعة قطر. باحث شارك في موسوعة كامبريدج للدراسات الأدبية العربية. وعندما يذكر الدكتور عبد الله إبراهيم في المنتديات الثقافية العربية تتداعى فوراً إلى الذهن إسهاماته المتميزة في دراسة السرديات العربية، وفي نقد المركزيات الثقافية.
تمثل موسوعته عن "السرد العربي" الصادرة حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت جهداً أدبياً غير مسبوق. وقد استغرق العمل فيها نحو عشرين سنة، وهي تتبع السرود العربية منذ نشأتها الأولى، وتكشف المحاضن الدينية والشفوية التي انبثقت منها، وتقف بالتفصيل على أنواعها الكبرى القديمة منها والحديثة، ثم تتقصى أبنيتها السردية والدلالية بداية في المرويات السردية الجاهلية وصولاً إلى الرواية العربية في العصر الحديث. ولا يقل في هذه الموسوعة أهمية كتابه الآخر: "المطابقة والاختلاف: بحث في نقد المركزيات الثقافية" صادر عن المؤسسة العربية أيضاً، والذي يعرض فيه الدكتور عبد الله إبراهيم الروايتين الغربية والإسلامية حول الذات والآخر، مؤكداً على فكرة أساسية هي أن المركزيات تصاغ استناداً إلى نوع من التمثيل الذي تقدمه المرويات الثقافية (الدينية والأدبية والتاريخية والجغرافية والفلسفية والانتروبولوجية) إلى الذات المعتصمة بوهم النقاء الكامل، والآخر المدنس بالدونية الدائمة.
وللدكتور عبد الله إبراهيم إسهامات ثقافية وفكرية كثيرة، تتسم بالعمق والإحاطة، ولكن إسهامه في حقل السرديات وفي نقد المركزيات الثقافية، إسهام متميز يتضمن إضافات جديدة إلى ما كتب عن هذين الموضوعين من قبل. وربما لهذا السبب اخترت أن ينصب حوارنا التالي معه عليهما. وقد بدأ الحوار بالسؤال التالي:
- كثيرون من المؤلفين يكتبون حول مسائل كثيرة، ولكني لاحظت أنكم كتبتم أكثر، ما كتبتم حول مواضيع محددة بالذات في طليعتها السرديات العربية القديمة والحديثة. فهل لديكم ما يمكن تسميته "بالمشروع"؟
الدكتور عبدالله إبراهيم: هذا التشخيص في مكانه. في واقع الحال، أنا أتردد في أن أصطلح على ما أعمل بأنه مشروع، لأن المشروع هو نظام فكري له هدف كبير يقوم به مفكر ينتدب نفسه لمهمة كبيرة. وأظن أن على المرء أن يتحسّب قبل أن يندرج في منطقة الغرور. لكن من ناحية واقعية، فإن عملي بأجمه يدور حول محور أساسي. وقد مر بمرحلتين: المرحلة الأولى هي أنني أعددت نفسي إعداداً أكاديمياً للدراسات السردية. وأصدرت عدداً من الكتب في هذا المجال الأكاديمي الذي يهدف إلى استنباط النظم السردية للنصوص الروائية والحكائية والقصصية والخرافية. إلا أنه منذ أوائل التسعينيات بدأ لدي اهتمام مواز لذلك الاهتمام، وهو نقد المركزيات الثقافية، سواء كانت مركزيات دينية، أصولية، أو عرقية، أو مذهبية، أو ثقافية. وخصصت لهذا الأمر مجموعة من الكتب نقدت فيها المركزية الغربية نقداً تفصيلياً منذ الإغريق إلى مطلع القرن العشرين. ثم انتقلت إلى نقد المركزية الإسلامية، وتتبعتها خلال القرون الوسطى حيث كان العالم ينقسم إلى دار الإسلام ودار الحرب. وكان التصور آنذاك أن الحقيقة توجد في دار الحرب. وينبغي مد الإسلام ليشمل العالم بأجمعه. نقدت هذه الفكرة بقسوة في كتابي "المركزية الإسلامية". ثم دعمت هذا الكتاب بموسوعة كبيرة اسمها "عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين"، وفيها نشرت النصوص الأصلية التي تتضمن هذه النظرة، وتعبر عنها عند المؤرخين والرحالة والجغرافيين والفقهاء وسواهم من الكتاب الذين صاغوا الوعي الإسلامي في القرون الوسطى. وهكذا وجدت نفسي أمضي في مسارين، وفي نهاية التسعينيات شعرت بنوع من التمزق الفكري بين إعدادي الأكاديمي الصارم في مجال الدراسات السردية، وبين اهتماماتي الثقافية التي طرأت، وأنتجت فيها عدة كتب، إلى درجة شعرت وكأنني أعمل في لا مكان، فتوقفت لأنني اعتقدت بأنني فقدت البوصلة الموجهة في الكتابة. فلا أدري إن كنت ناقداً في مجال السرديات، أو باحثاً في مجال المركزيات الثقافية. وإذا كنت أنا شخصياً لا أعرف، فأين يضعني المتلقي والقارئ؟ ولهذا توقفت.
- أفهم أنك موزع بين مشروعين ثقافيين: المركزيات ثم السرديات.. أليس من الممكن التعامل مع أحدهما على أنه هواية، ومع الثاني على أنه مهنة؟ من شأن هذا التعامل أن يحل المسألة برأيي..
الدكتور عبدالله إبراهيم: في نهاية التسعينيات، كما ذكرت، بدأت أشعر بأنني منقسم ومنشطر، وأمضيت سنة في هذا الإحساس بالحيرة إلى أن اكتشفت عبر سؤال ذاتي هل هناك صلة بين السرديات والمركزيات الثقافية أم لا؟ وهذا السؤال اعتبره من الأسئلة الكبرى التي أعادت تركيز ثقافتي الشخصية والفكرية. وبدأت أفكر بالصلة وأعتقد أنني منذ سبع سنوات اكتشفت الصلة التي لم أكن أعرفها، ولم أنتبه إليها. وهي أن كل مركزية تقوم على الأخذ والإيمان بسرد مخصوص. فلو أخذنا على سبيل المثال المركزية الإسلامية، فإنها قائمة على الأخذ بالرواية الإسلامية للتاريخ. ولو أخذنا المركزية الغربية، نجد أنها قائمة أيضاً على الإيمان برواية الغرب لتاريخه. وعلى هذا تبين لي أن كل مركزية قائمة على سرد مخصوص، والأمثلة كثيرة على ذلك،، وذلك قادني إلى الربط بين السرد والتمركز ربطاً غاية في الإحكام، فكل تمركز، وتعصب، وغلواء، وتطرف، يقوم على الأخذ بسرد معين والإيمان به، وترويجه وتدعيمه، وأحياناً فرضه بالقوة. وهكذا حلت المشكلة الفكرية لدي، وأشعر الآن أنني أكثر انسجاماً بكثير مما كنت عليه قبل عشر سنوات حيث لم أعد فقط أبحث في هذين المكونين المترابطين، وهما السرد والمركزيات الثقافية، إنما أعدت النظر بكتبي التي كتبتها قبل أن أكتشف هذه الصلة. وهكذا، ومن هذه الناحية، لك أن تقول بأن لدي مشروعاً فكرياً. لكنني أتردد قبل أن آخذ بهذا الوصف كي لا أعتقد أنني صاحب دور لتغيير شيء، فهذا ما لا أدعيه. فأنا أحلل، وأفكك أنظمة ثقافية وأدبية ودينية واجتماعية، وأتطلع إلى أن أغير مسار التلقي لهذه الاتجاهات. ولكن هذا لا يعني أنني منذور أنا شخصياً لتغييرها. ومكلف بذلك، ولطالما حذرت من هذه النظرة النبوية للتاريخ التي يأخذ بها كثير من المفكرين.
- أشعر كما لو أن لديك احتجاجاً على مثل هذه الحتميات التي حصلت. أي على الانغلاق داخل كل مركزية من المركزيات، وكأنك تدعو إلى حوار، أو إلى تعددية..
الدكتور عبدالله إبراهيم: لا أدعو فقط إلى حوار بين المركزيات الثقافية، وإنما أدعو أيضاً إلى تفكيكها، وتخريبها وأذهب في هذا الأمر مذهب المفكر الإيراني"داريوش شايغان"الذي أصدر كتاباً بعنوان"هوية بأربعين وجهاً". ومؤدى هذه الفكرة أن الإنسان لم يعد يكتفي بهوية، أو بعقيدة، أو بفكرة. إنه يحتاج الآن إلى أربعين هوية لكي يتفاعل بها مع عالم متعدد الهويات. لا يمكن القول الآن إنني أنتمي انتماء أعمى، أو أرتبط ارتباطاً مطلقاً بهذه العقيدة الفكرية أو الإيديولوجية أو حتى الدينية أو بتلك، لا بد من فتح النوافذ برأيي بين الثقافات والحضارات والأديان. وهذا هو الذي يجعلنا نقترح باستمرار أمر تهشيم الأسوار الدوغمائية التي تحول بيننا كنوع بشري نتفق في النوع، ولكن لدينا اختلافات في الدرجة. الاختلاف في الدرجة ينبغي أن لا يجعلنا نحبس في أطر ضيقة ومغلقة وننتج نوعاً من التعصب للأديان والهويات والأعراق، كما يحصل الآن حيث أصبح العالم رهينة تفسيرات مغلقة للظاهرة الدينية أو الظاهرة العرقية أو الظاهرة الطائفية أو المذهبية. على الفكر العقلاني أن يتصدى بصرامة لشيوع هذه التفسيرات المدرسية المغلقة للظاهرة الدينية، أو الظاهرة العرقية حيث الإنسان لم يعد ينتمي إلى عرق ودين، وإنما ينتمي إلى تفسير مخصوص لعرق ودين. نحن الآن ضحايا التفسيرات، أكثر مما نحن ضحايا العقائد. وعلى الفكر العقلاني أن يقف بصرامة لتحليل هذه الظواهر لأنها ظواهر مختلفة وقائمة على أسس ضيقة ونظرات مغلقة تبحث عن صفاء في الهوية، وصفاء في الانتماء. وهذا يحول دون فتح المسارات بين الشعوب، والمجتمعات، والثقافات، بل إنه يكرس تفسيراً مطلقاً للتاريخ. ومن ضمنها فكرة النهايات التي كانت تأخذ الطابع الدوري في الأساطير القديمة، وفي الأديان، والآن بدأ إنتاجها من خلال الأيديولوجيات الكبرى كالماركسية التي تقول بنهاية التاريخ ضمن عالم ينتهي فيه الصراع الطبقي. هذه الرواية انتهت الآن وانهارت. لكن ظهرت أيضاً فكرة نهاية التاريخ عند "فوكوياما" الذي قرر أن التاريخ ينتهي أيضاً حينما يعم العالم نظام الليبرالية الغربية الرأسمالية، هذه المقولة لو تفحص فحصًا نقدياً، فإنها لا تختلف في الأيديولوجية الماركسية، أو أية أيديولوجية دينية حيث هناك الفكرة الأخروية التي ينتهي إليها البشر جميعا. هذا الأمر ليس خاصاً بي وحدي، فهناك عدد كبير من المثقفين والمفكرين النقديين الذين يعرفون حق المعرفة أن الإنسانية في تطور خطي وليس في تطور دائري، وإن العودة الى التاريخ الدوري، أو النهايات، مجرد وهم أيديولوجي أو نفسي أو ديني، وهو لا يصمد أمام حركة التاريخ الصاعدة التي انطلقت بالبشرية من نقطة واستمرت في تصاعد. والظواهر المعرقلة كالحروب، والأيديولوجيات المتعصبة، والكوارث الطبيعية، لن توقف المسار الصاعد للإنسانية على الإطلاق. وهذا المسار لا نهائي. لن ينتهي. إنه مسار صاعد عبر التاريخ وهو عابر للأزمنة.
- أود أن تلقي نظرة ناقدة على المركزية الإسلامية. إلا ترى أنه كانت هناك انفراجات في هذه المركزية؟ كانت هناك تيارات محافظة وتقليد فيها كما كانت هناك تيارات اجتهاد وتأويل. على الدوام كان هناك نزوع للخروج من الأطر العامة أو المرسومة.
الدكتور عبدالله إبراهيم: نعم. كل هيكل عام لثقافة أو حضارة يتضمن ما ينقضه. وهذا يتجلى الآن فيما يسمى بالمركزية الغربية أكثر ما يمكن تجليه، ذلك أن الغرب ليس بإطلاق كتلة صماء جامدة متمركزة حول نفسها. هناك شيء داخلي. نجد شوبنهاور، نجد نيتشه، نجد هابرماس، نجد ميشيل فوكو، نجد جاك دريدا، هؤلاء وسواهم حاولوا نقض المركزية الغربية. لكن أنا أتكلم عن الهياكل الكبرى بحيث تتبدد أحياناً الأعراف والمواقف والتحليلات الشخصية من النظام. هذه الفكرة الآن لو انتقلت بها إلى سؤالك حول المركزية الإسلامية، ينبغي القول أولاً ما المركزية الإسلامية؟. هي، فيما أرى، ذلك الشعور العقائدي المهيمن في دار الإسلام والذي ينطلق من الفرضية القائلة بأن كل ما يوجد داخل دار الإسلام هو حق. فهذه دار حق مطلق. وكل ما يوجد خارج دار الإسلام فهو باطل باطلاق. العالم إذن منقسم إلى قسمين: حق وباطل. وما دام المسلمون هم حاملي الحق، فينبغي عليهم إيصاله إلى دار الباطل. في الدين لا تكتمل رسالة دينية بوجود ناس ما زالوا على ضلال، ولهذا فإن المؤمن يحمل رسالة إصلاح العالم والكون، لكي يعيد التئام شمل العالم في وحدة دينية وأخلاقية وقيمية. لكن من ناحية واقعية لا يمكن أن تعمم عقيدة على الكون بأجمعه. حركة الواقع تفرض الثنائية. لكن الإيمان الديني يهدف إلى الوحدة فيحصل نوع من التنازع لا ينتهي، وهذا عاشته المسيحية واليهودية والإسلام. إذن المركزية الإسلامية هي الاعتقاد بأن الحقيقة المطلقة توجد في دار الإسلام وعليها أن تصل على دار الحرب. هذه الفكرة التي رسخها الفقهاء، منذ منتصف القرن الثاني الهجري ثم استمرت(والآن يعاد إحياؤها فنتكلم عن العالم الإسلامي وعن دار الإسلام) الترويج لمصطلح العالم الإسلامي أمر لا يحتمل على مستوى المعرفة، فاستعماله يدفع بالآخر إلى اختلاق عالم يهودي، ومسيحي، وبوذي...الخ. علينا أن نتحرز من المصطلح كي لا نقع ضحية الاصطلاح. لكن الفكر الإسلامي شهد خلال عشرة قرون شخصيات نقدت هذا الاتجاه، وحاولت أن تحرر مفاهيم التمركز من الأسوار المغلقة، لكن لو أعدنا النظر لوجدنا أنها كانت أفكاراً جزئية لم نتمكن من تطويرها بحيث تفكك لنا نظام التمركز بكامله. لقد ظلت ومضات انبثقت في سياق معين، لكنها لم تلتقط وتطور لتصبح هي الأصل. ظلت على هامش الفكر الإسلامي. الثقافة العربية الإسلامية في ضوء المركزية الدينية صيغت صياغة فيها توجس من الآخر، فيها اعتقاد أن الحق معنا، وأن الآخر على خطأ. وآن الأوان بفعل مكتسبات الحداثة، والعلوم، والتواصل في العصر الحديث، وانفتاح الثقافات، أن نتحرر من هذه الحدود التي اصطنعها اللاهوت في القرون الوسطى. اللاهوت الذي هو تفسير أيديولوجي للدين حيث تستبعد الظاهرة الدينية، ويهيمن التفسير الأيديولوجي للدين الذي يخدم الطبقة، أو نظام سياسي، أو جماعة مهيمنة.
- وكيف تروي تجربتك وخلاصة عملك في مجال السرديات؟
الدكتور عبدالله إبراهيم: خلاصة عملي في مجال السرديات ظهرت في( موسوعة السرد العربي) وهي كتاب كبير أخذ مني عشرين سنة، يتضمن دراسة الظاهرة السردية باعتبارها ظاهرة ثقافية، وليس ظاهرة أدبية فقط. وأعني بذلك أنها ظاهرة قامت بتمثيل للخيال العربي منذ العصر الجاهلي إلى نهاية القرن العشرين. أي أن الظاهرة فيما يبدو لي، هي إحدى الظواهر التي شهدتها الثقافة العربية، وهي لا تقل على الإطلاق لا عن الظاهرة الشعرية، ولا عن الظاهرة الدينية. وقد قامت بتمثيل المخيال العربي في إنتاج صورة خاصة للذات وإنتاج صور الآخرين. وقد تتبعت هذه الظاهرة منذ العصر الجاهلي مروراً بالإسلام، وموقف الإسلام من السرد، ثم العصور الإسلامية الوسيطة كالعصر الأموي والعصر العباسي، وانتقلت إلى القرن التاسع عشر حيث اقترحت في الموسوعة تفسيراً ثالثاً لنشأة الظاهرة السردية الحديثة، وبخاصة نشأة الرواية العربية في محاولة لإعادة النظر بالتفسير الشائع الذي يقول أن الظاهرة الروائية إما أنها استعيرت من الغرب، أو أنها طورت عن المرويات السردية العربية، ثم انتقلت بالموسوعة إلى القرن العشرين وحللت نحو ثمانين رواية عربية من ضمن آلاف الروايات العربية التي ظهرت خلال العصر الحديث. وكنت أريد، أن استنبط القواعد الكبرى للسرد العربي الحديث من خلال هذه النماذج الثمانين هذه. تتضمن هذه الموسوعة ما أعتقد أنه خلاصة جهد نقدي تحليلي يقوم على رؤية ثقافية للظاهرة السردية. وفيها أيضاً حاولت أن أبين كيف يتشكل النوع الأدبي ثم يستقيم ويهيمن ثم كيف يتحلل، ويتفكك، ويتلاشى، وينبثق نوع جديد في أعقاب النوع القديم. ومن الطبيعي وأنا أعالج هذه القضية أن أقف على هذه الظاهرة القرآنية وأبعادها وظروف ظهورها في القرن السابع والصراعات التي خاضتها الظاهرة الدينية مع المرويات الجاهلية ومع المرويات الشعرية وموقف الإسلام من السرد، والإسرائيليات، والخرافات وموقف الإسلام من الخرافة، لأنني لم أكن أتقصد، ولا أقر، بعزل السرد عن السياق الثقافي الذي انبثق عنه.
- وما هو الاقتراح الذي قدمتموه حول نشوء الرواية العربية الحديثة؟
الدكتور عبدالله إبراهيم: جاء الاقتراح في سياق إبطال مسلمة طالما كنت أنا أحد ضحاياها، وهي أن الرواية العربية نبتة مستعارة من الغرب، وقد زرعت بفعل الظاهرة الاستعمارية في أوائل القرن العشرين ممثلة برواية "زينب" التي نشرت سنة 1913م. وهناك الرأي الآخر، وهو أقل شيوعاً، الذي يقول بأن الرواية العربية هي استمرار للمرويات العربية القديمة كألف ليلة وليلة والسير الشعبية وما إلى ذلك، وأنها تطورت عنها. منذ بداية التسعينات بدأت اعيد النظر في هذين التفسيرين حينما شعرت أن هناك خطأ ما في هاتين الفرضيتين، وأن التفسير الذي أخذنا لتفسير نشأة الرواية لم يكن صحيحاً. كان مجتزأ، وخاضعاً لمصادرات الفكر الاستعماري لأنني أعمل ضمن ما يعرف الآن في النقد بحقبة ما بعد الكولونيالية. وهذه الحقبة بدأنا نعيد النظر في المفاهيم التي كانت شائعة في العهد الاستعماري، وهي عاجزة عن تحليل واقع الثقافة والمجتمعات. إنها مفاهيم استعيرت من الغرب لتفسير ظاهرة غير غربية. وهذه الحركة النقدية، حركة ما بعد الاستعمار، هي أكثر الحركات أهمية الآن في النقد الهندي والباكستاني والأفريقي وفي أمريكا اللاتينية. وبدأت تغزو الجامعات الأوروبية أيضاً. انتقى لنا الفكر الاستعماري نمطاً من الأدب يستجيب للمفهوم الغربي للأدب. وكل ظاهرة أدبية لا تمتثل لهذا المفهوم، تعتبر بدائية ومعيبة وليس لها أهمية. وطبقاً للأخذ بهذا المفهوم، فإن كل ظاهرة لا تنطبق على قواعد الرواية الغربية ليست سرداً تستبعد. وأنت تعلم أن الأدب الشعبي، على سبيل المثال، يعاب على المتخصصين أن يدرسوه في الجامعات إلى يومنا هذا. يعتبر الأدب الشعبي معيباً لأنه غير قادر أن يرتقي إلى مستوى الأدب.
- إنه أدب ركيك بنظرهم..
الدكتور عبدالله إبراهيم: ليس ركيكاً بذاته. إنه ركيك بمعايير الفصاحة المدرسية أو شروط النوع الذي جاء من الغرب، لكنه أدب قام بتمثيل الوجدان العام .شعرت بقصور هذين التفسيرين، وبدأت أفكر بإمكانية إعادة النظر بهما، وصولا الى تفسير يعبر عما جرى، وتبين لي أن الظاهرة السردية العربية التي كانت شائعة في القرون الوسطى، ومثالها الأكبر السير الشعبية، والحكايات الخرافية، والمقامات...
- والملاحم..
الدكتور عبدالله إبراهيم: نحن ليس لدينا ملاحم بالمعنى الدقيق للنوع الملحمي. لدينا سير شعبية كبيرة، مثل: سيرة سيف بن ذي يزن، وعنترة بن شداد، والظاهر بيبرس، والأميرة ذات الهمة، والسيرة الهلالية. هذه سير شعبية تتمحور حول أشخاص، حول أبطال. وجميع هذه السير تشتغل على محور السيرة النبوية التي تتمركز حول الشخصية الاعتبارية للرسول. التفسير المقترح يجد أن هذه الظاهرة السردية الضخمة التي تطورت، وتراكمت، وتضخمت، في القرن التاسع عشر بدأت تتفكك، وتتحلل، وتتفتت، فتجمع ما اصطلح على تسميته بـ"الرصيد السردي" الضخم في الثقافة العربية الذي ليس له نوع، أو هوية. ومن خضم هذا الرصيد، انبثق النوع الجديد وهو نوع الرواية. ولدينا الآن، طبقاً لإحصاء ذكرته في "موسوعة السرد العربي"، أكثر من مئة، قبل ظهور زينب. وبعضها قبل ظهور التعريب. فالنصف الثاني من القرن التاسع عشر هو قرن ظهور الرواية العربية بامتياز حيث أن هناك أكثر من مئة رواية ظهرت منذ 1859 إلى 1913 وهذه جميعها الآن لا يكاد يعرفها أحد، أي أنها لم تدخل في الوعي العام. والقراء لا يعرفون إلا أن الرواية العربية المعاصرة بدأت "بزينب"..و"بزينب" بدأت الرواية المحاكاتية التي تحاكي الرواية الغربية. لكن علينا أن نتنبه إلى أن النوع الروائي في الغرب نوع غير ثابت. فهو يتطور باستمرار، ومازال إلى هذه اللحظة يتطور. أمضيت 20 سنة في البحث دون أن أعثر على نظام معياري، لأقول أن هذا هو النظام الروائي بصورته النهائية. الرواية تتجدد باستمرار، فالرواية اللاتينية غير الرواية الفرنسية، وغير الرواية الفرنسية الجديدة. والرواية الفرنسية الجديدة غير الرواية الإنجليزية، وغير الرواية الروسية. إنها نظم سردية متحولة وتتفاعل مع المرجعيات يوماً بعد يوم. والقول أن هذا النظام الروائي هو النظام الثابت قول ليس في محله. وحتى في الغرب. إن "زينب"هي لحظة من لحظات تطور نوع، وليس جذراً له. جذر النوع، فيما أراه، هو انبثاق من المادة السردية المترسبة في قعر الأدب العربي، التي افتقدت للحدود والملامح والأشكال والأنواع، ومنها انبثق النوع الجديد. من الطبيعي أن أقرر أن هذه الكتلة الروائية الضخمة التي ظهرت في بلاد الشام. لم تظهر لا في العراق ولا في مصر. وحتى في مصر عندما ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر كانت من قبل "الشوام" الذين ارتحلوا نتيجة السياسات العثمانية والحرب الأهلية في لبنان سنة 1860 وقد لاذوا بمصر حيث توفر فيها مناخ ثقافي مناسب فيه الحرية والطباعة والنشر، وهؤلاء نقلوا معهم الرواية إلى مصر. ولا نجد إلا اثنتين أو ثلاثة في مصر ممن كتب الرواية، إلى أول القرن العشرين. كانوا هم من خلفيات اجتماعية شامية. وظاهرة الشوام في مصر ظاهرة من أخطر الظواهر الثقافية، وينبغي تتبعها منذ حملة نابليون إلى الثورة المصرية سنة 1952. وقد قدم إدوار سعيد في مذكراته الشائقة "خارج المكان" وصفاً لهؤلاء الشوام الذين ينتمي إليهم، وكيف تحللت الظاهرة مع مجيء عبد الناصر. القول بأن الرواية العربية هي انبثاق عن رصيد سردي لا يعني أنها لم تتأثر بالرواية الغربية، ولا يعني أنها انقطعت عن المرويات السردية القديمة. لكنها مختلفة عنهما. وهذا هو التفسير الثالث المقترح الذي هو ينبثق من بين تفسيرين شائعين..وقد عرضته بالتفصيل في (موسوعة السرد العربي) وخصصت له كتابا كاملا في الموسوعة.
- وهل لديك خطة لمتابعة هذا البحث وعلى أي أساس؟
الدكتور عبدالله إبراهيم: طبعاً الظاهرة السردية العربية ظاهرة كبيرة، ومن الإدعاء القول أن هناك باحثاً أو ناقداً يستطيع وحده أن ينهض بهذه المهمة الجليلة. لابد أن تشاع أولاً قيمة الدراسات السردية ثم يعاد النظر إلى الثقافة العربية من هذا المنظور، وبدون ذلك ستبقى الظاهرة السردية ظاهرة مختزلة ومستبعدة من الوعي العام. الفرد له طاقة محدودة. في موسوعة السرد العربي أزعم أنني وضعت العمود الفقري للاتجاه العام فيما يخصني كباحث. لكن هناك مئات الثغرات التي تحتاج إلى ملء من الآخرين. وأنا الآن أخطط لإصدار الطبعة الثانية من "الموسوعة"، وفيها إضافات كبيرة. مثلاً لم أتوقف عند الرواية التاريخية لأنني لم أستطع الإفاضة فيها. لم أتوقف عند فن الخبر، وهو أهم الظواهر في الأدب السردي القديم. ولم التوسع في دراسة الرواية النسوية، وهنالك موضوعات كثيرة أعمل عليها الان، وأحاول في الطبعة الثانية من "الموسوعة" استكمال النواقص. اعتقد أن هذه "الموسوعة" يمكن أن تكون بذرة ليعمل عليها عشرات الباحثين،لا يمكن الإدعاء، بأن هناك شخصياً يستطيع لوحده أن ينهض بالدور كاملاً. لابد من عمل جماعي يقدم وجهات نظر متنوعة حول هذه الظاهرة. لأن هذه الظاهرة متنوعة ومركبة ومتعددة المستويات وتحتاج إلى عدد من الباحثين المختلفين بالمرجعيات الثقافية حول الظاهرة النقدية، والمنهج النقدي.
- نشرت دار"عين" في القاهرة مؤخراً رواية لأمير الشعراء شوقي نشرها عام 1980 في مصر بعنوان"عذراء الهند" كما أن له روايتين أخريين يجري تحقيقهما تمهيداً لإعادة طبعهما من جديد. وهذا جانب كان مجهولاً تقريباً في سيرة شوقي..
الدكتور عبدالله إبراهيم: هذا صحيح والكثير من الشعراء والكتاب في لبنان ومصر بدأوا بالروايات التاريخية. والرواية التاريخية العربية ختمت ببدايات نجيب محفوظ، فمنذ منتصف القرن التاسع عشر ظهرت هذه الرواية. ونجيب محفوظ بنقله الرواية إلى المستوى الواقعي المعاصر، هو الذي أنهى دور الرواية التاريخية، وأنا على بينة أن شوقي كتب هذه الروايات وفي الإضافات التي ستظهر في الطبعة الثانية من "الموسوعة" إشارة إلى ذلك.
- قرأت قبل فترة لأمين معلوف رأياً غريباً يقول فيه أن الرواية التقليدية المعروفة التي بموجبها ينصرف القارئ إلى قراءة كتاب معين وهو في غرفته، هذه الرواية هي الآن في طريقها إلى الاندثار تحت وطأة الثورة الإعلامية الحديثة، أي وسائل الاتصال الحديثة..
الدكتور عبدالله إبراهيم: هذا الرأي ليس خاطئاً بإطلاق، كما أنه ليس صائباً بإطلاق، فشكل الكتاب يأخذ صيغاً متعددة عبر التاريخ. كان الكتاب شفوياً في مرحلة ما، ثم دوّن، ثم كتب مباشرة. والآن يتحول إلى المرحلة الرقمية. الثقافات نفسها أيضاً تترحل من حقبة إلى أخرى، من الحقبة الشفوية، إلى الحقبة الكتابية، إلى الحقبة الرقمية. فنحن إذن إزاء ثقافة تتحول. وربما بعد قرن أو قرنين، تصبح هذه الكتب التي نكتبها الآن، عبارة عن مخطوطات كما كانت مخطوطات الجاحظ أو التوحيدي أو ابن الأثير وسواهم.. إذن هذا وصف خاطئ لمعلوم. وهو أيضاً وصف صائب، لأن الرواية غادرت، أو ستغادر قريباً، حقبة الحكائية المتخيلة. الرواية الآن انخرطت في عمق المشكلة الإنسانية والاجتماعية، وأصبحت بحثاً. أصبحت أداة بحث. أي أنها تبحث في المشكلة الاجتماعية والثقافية والدينية والأخلاقية. أنظر الآن إلى كاتب مثل إمبرتو إيكو حيث الرواية لديه عبارة عن بحث في اللاهوت، وصراعات البابوية مع الدولة، أي بين البابا والملك. أنظر إلى دان براون في "شيفرة دافنشي" حيث يصبح تاريخ المسيحية موضوعاً لرواية. فالتاريخ الكنسي يقول أن السيد المسيح صلب وصعد إلى السماء، ولم يترك نسباً، والكنيسة تقول أن الآباء الكنسيين هم الذين يتولون تدبر أمر العالم في ظل غياب الأب. ويتبادلون هذه الأدوار. وعلى هذا الأساس رسخت الكنيسة ورسخت المسيحية. يأتي دان براون ويجعل من هذه القضية موضوعاً لرواية، فيقترح تاريخاً موازياً، يلغي فكرة عدم استمرار نسل السيد المسيح، ويجد أنه تجلى عبر الايقونات والرسوم ، وهنالك حافظة لهذا السر، وأن هذا النسل موجود. وسوف يعلن في مطلع الألفية الثالثة. لست في وضع أحكم فيه إن كان هذا التاريخ صحيحاً أو غير صحيح، لكن من المهم أن أقول أن هذا الموضوع لم تكن الرواية قادرة على التفكير به قبل قرن. لقد أصبح الآن موضوعاً روائياً. والرواية هذه أهميتها جاءت من أنها تقترح تاريخاً آخر. ولو جئنا إلى نموذج أكثر قرباً، وهو آورهان باموك، فهو يقترح قراءة جديدة لتاريخ تركيا الحديث التي ورثت الإمبراطورية العثمانية ومشكلة الأرمن، والتشكيلات الداخلية، والصراعات بين العسكر والإسلاميين والنظام الليبرالي.. هناك حيث تتشكل هوية تركيا، تتشكل رواية تعنى بموضوع الهوية أيضاً. هذا هو مستقبل الرواية الآن حيث تهجر الرواية الأطروحة القديمة، كونها تقف عند حكاية متخيلة، فيها أشخاص متخيلون، لتنخرط في عمق الواقع، في عمق المشكلة: مشكلة الهوية، مشكلة الانتماء، مشكلة الاستعمار، مشكلة الدين، مشكلة الأصوليات. وكل هذا يدل على حيوية الرواية. من هذه الناحية، أوافق أمين معلوف على أننا لن نجد رواية نسترخي ونقرأها قبل النوم. سنجد رواية أخرى حيث ننخرط في تفكير، وفي تحلل أبعادها. والرواية، كما عند صنع الله إبراهيم، وعلاء الأسواني، أصبحت تقريرا مباشرا عن واقع اجتماعي وسياسي. تلاشت الحبكات الفنية لصالح الوصف المباشر.

مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث