الخميس, 2 تشرين الأول 2014
   
صدرت حديثاً عن منشورات "مومنت كتب رقمية" Moment Publications في بريطانيا               رواية جديدة بعنوان "سلاطين الرماد" للكاتب العراقي سعد هادي، بطبعتين، ورقية والكترونية              
سبعة أودية/رواية
عبد الحميد عبّود
سبعة أودية/رواية
غلاف الرواية الجديد - تصميم المؤلف



الواد الأول
وادي الحيرة الصعب
تنبكتو

العيادة أو مصبّ النيل والفرات والعاصي

في البدء كانت إهراء حبوب يخزنها فيها مالكها سيدي الوافي، ثم آلت إلى خان للغرباء الذين رمتهم الأقدار الغريبة في هذه الدشرة الغريبة، فقبل سنتَين ظهر في شوارع تنبكتو رجلان أجنبيان : غجري سوري يحمل حقيبة سمسونايت وشاب عراقي، جاءا من نيامي من طريق نهر النيجر، وانقطعت بهما السبل بعدما تعطل محرك المركب عند مرفأ "الكابارا "، تعرف إليهما الوافي واندهش حين اكتشف ان صندوق السمسونايت هو عيادة أسنان متحركة، فأثناهما عن الهبوط إلى بلاد بِنْبارا وأقنعهما بالإستقرار وأجَّرهما المخزن المجاور لدكانه فحوّلاه إلى عيادة ثابتة، فيما بعد انضمّ إليهما ساكن ثالث هو المصري سرحان، مدرّس التَاريخ والدين واللغة العربية في المدرسة الليبية
من بعيد، لا شيء يميزها عن بقيّة دكاكين السوق الصغير : تخشيبة لا تتعدى مساحتها العشرين متراً مربعاً، حيطانها من الطوب الأحمر، وسقفها من جذوع الشّجر وألواح الزنك، عن كثب تبدو لأعيننا يافطةٌ صدئة كُتب عليها بخط يدٍ مرتعش "عيادة دكتور عصري، جرّاح وطبيب أسنان، خْروج جامعة حمص، طبيب بيطري ختانة وحجامة وتجبير، وشريكه الدختور حاتم عبد الصاحب، خريج جامعات بغداد، رقية وحجب ومندل "وبما أن اليافطة لم تعُد تتسع لمواهب أكثر فقد أُضيف على الحائط تحتها :"نعالج الصرع والبلهارسيا والإسهال والإمساك والغنغرينا والسعال الديكي والفلاونزة والعنوسة والعقر ومكر الحماة وعرق النساء وحبّ الشباب والطحال والحمى المالطية والزائدة الدودية والدّودة الشريطية "
إذا ما اقتربنا اكثر نقف أمام مصطبة وعتبة تمنع الرمال من الزحف، وبابٍ منجور عن خشب البلبال، إذا ما ولجنا إلى الداخل نجد أنفسنا في وكر للسَّحرة والحواة، بين أربع حيطان مزيّنة بحذوة حصان، ويد فاطمة والعين الكاشفة في مثلّث وسورة الفلق و"رأس الحكمة مخافة الله " و "عين الحسود تُبلى بالعمى"، لو تمعّنا النّظرَ في الغجري يطالعنا رجلٌ ستّيني يجمع من الشيب وقارَه ومن الشبيبة نزقَها، فيه ملامح هندية على إيرانية على عربية على قفقاسية، فوق رأسه يفاجئنا ملصق يتنافر بفظاظة من ماهيّة العيادة الروحانية : مارلين مونرو ممسكةً بحواشي تنورتها المتطايرة، ولو حانت منا التفاتة إلى العراقي لرأينا شاباً ثلاثينيّاً، في وجهه المجدور أنف معقوف وعينان مكحلتان وكل أمائر القلق والهم، لو رفعنا بصرنا قليلاً لرأينا فوق مكان نومه ملصق سبط الرسول الحسين معلّقا في الجدار، ولو تأملنا المصري نرى شابا ينمّ وجهه عن بشاعة واضحة، إذا تفرّسنا فيه بشكلٍ أعمق تكتشف أنه أقرب إلى بشاعة الجمال، من زاويته تلفت نظرنا صورةٌ ضخمة للقذافي جلبها من المدرسة الليبية، ولو حرّكنا أنوفنا فإننا سنشم رائحة غريبة هي خليط بخور كندر وجاوي وتتن مورتاني وروثمان وجبص وعقاقير بنج ومرهم أبو فأس وبعر ماعز، على الأرضية نرى حصيرة من ألياف الحلفا وطبقاً نحاسياً هو في الوقت عينه سماط للغداء وطاولة شغل لتحضير الاسنان وميدان للتبصير ولعب الشدة، ونرى كذلك حقيبة السمسونايت ومسجلة وكاسيتات وحجر جلخ ومجمراً ومصحفاً ومبخرة وطاسة رعبة وعصاً مطلسمة وثلاث أطقم كوتشينة وقطرميزاً يحوي ثعبانا مخللا وكتاب " تعلم السحر في خمس أيام" وكتب أخرى مُسجَّعة العناوين مثل " حل الرموز لفتح الكنوز" و " أصول المراسم في فك الطلاسم " و "الصارم البتّار في التصدي للسحرة الأشرار" و "خير المواقيت لرؤية العفاريت " و "تسخير الشياطين في وصال العاشقين" و "الافصاح في فنون النكاح" ... نلحظ بإحدى الزوايا شنط ثياب موضّبة عاموديا وعليها ثلاث فُرُشْ إسفنجية محزومة فوق بعضها ومستورة ببطانية، في الزاوية الأخرى التي تُسمّى "ركن المطبخ" نتبيّن بعض الأدباش والمواعين وبابور بريموس وقصعة وطنجرة ألمنيوم ومحقنا، وجرّة من فخار يحفظ فيها ماء الشرب، وطشت للغسيل والاغتسال، وقصرية ... نعم قصرية، فعصري غالباً ما تنزرك مبولته ليلاً ويتكاسل عن السير نحو المرحاض العمومي، إذا ما اقتربنا من النملية نجد صحوناً وإبريق شاي وكؤوساً، إذا ما قرّبنا أعيننا اكثر نكتشف بطحةَ عرقْ مخبئة بعناية، آنئذاك لا يخامّرنا شك بازدواج شخصية التخشيبة : عيادة نهارا، خمارة ليلا

مريض حقيقي في عيادة مزيّفة

ُسمعت طرقات على الباب، خبّأ عصري ورق الشدّة تحت المصلّاة، نزع البرنيطة الغجرية عن رأسه ووضع الطاقيّة البيضاء المخرّمة، تحولت شقلبة حبّات السبحة بين أصابعه إلى تسبيح، مهّد البصّار العراقي لحيته وحاجبَيه المقوّسين وتنحنح في لبوس جدِّ لاستقبال الزبائن .
دخل رجلٌ ملثم يحمل جبيرة، ، قال وهو يتحاشى النظر إلى البصّار : " اتْحَلْ ألمعقود يا شَيْخْ ؟
سدّد العراقي نظرةً عميقة للزبون، عرف من عينَيه اللامعتَين تحت التملغوست أنه طارقيّ، قال مصطنعا المهابة : " أجَلْ، آني فتّاح فال، طلسم شكستن، طبابت روحاني كردن كل مشكلة آكو إلها حل بقدرة من القداير ، شسمك عيني ؟
صعر الزبون التارقي خده ككل التوارق حين يُسئلون عن إسمهم : " بوبكر أق عثمان أق عمر أق ساموري أق سني من زعزاع أق تيمنل أق سدور أق مزلان أق مسير أق مكسليت أق ديقوش أق جاجال أق الغوث، من مسّوفة من صنهاجة حِمْيَر من ولد تبّع …
احتد العراقي : " بَسْ كافي حجّي باقر، ضوجتني، ماكو لزوم لشجرة العيلة، أريد إسمك واسم والدتك الحجّية "
" بوبكر ود عيشه "
ازاداد غيظ البصّار العراقي ( من الأسماء) تفرّس في هيئة المريض، رمقه بنظرة تسعى إلى فحص إمكاناته المادية، نوّس ضوء الفانوس في الكوّة وأشعل أعواد النّد والصندل في المجمر، وبخَّر أركان العياده، ثم تناول عصاه المطلسمة، وتربّع فارداً يديه على فخذَيه، فلمعت في أصابعه سبع خواتم عليها فصوص من الأحجار الكريمة المنسوبة إلى الكواكب السبعة : العقيق اليماني الرّامز إلى القمر، الحيّة الملتفّة الرّامزة إلى المشتري، الياقوت الأزرق الرامز إلى التوباز، النّسر القابض على نجمة خماسية، الشمس والزبرجد، وأخيراً الزمرد وعطارد، حرك يدَيه وأصابعه العشر، وبرقت عيناه المكحّلتان بوهرة راسبوتينية صارمة، قال متلاعباً بأوتاره الصوتية وهو ينظر إلى صورة الحسين : " يا بن بنت رسول الله خذ بيدي، يا مَدَدْ على والشافعات، يا قوى المملكة كوني تحت قدمي اليمنى، سبحان من لا ُيخفى عنه شيء في الأرض أو في السماء، أحضر يا نصير فنون الشفاء، أيها الجني الصالح "وَهَبْ " بموجب العهود السليمانية التي بيني وبينك "
ضرب الرمل بالعصا ثم حرّر الأشكال، رسم خطوطاً وكتب الفاتحة معكوسة، أضاف بأبهة العرّاف العالم دون أن يرفع عينَيه عن الطلسم : " الرمل إتكول إنّو العطب موجود في أهلك ، معمول لها سحر لا تحبل ولا تجيب، أكو فد جنّي كافر يقتل الجنين في الأحشاء .
شدّ التارقي لثامه على وجهه خشية تسلّل الأرواح الشريرة إلى فمه وأنفه : "يستر مُلانا ! كُلْ آسُوفْ ألْمَسْتَترين فْ عفنة مَنْت عمّي !
طمأنه البصّار بقوله أن "مشكلة العقم بسيطة كالزكام ودواها يرهم" وأخرج قلماً أحمرَ، كتب بعض أبيات مهزوزة الوزن من الجلجلوتية، وكتب على ورقة أخرى آيات من "سورة الجن "، حذف منها الآية 20 ووضع مكانها الآية 101 من "سورة البقرة "، ثم بخّر الورقتَين بالمجمر، طوى إحداهما وقال بصوت الكهّان العميق : " هذا دواك وعند الله شفاك حجّي، وأريدك تقرأ الفاتحة سبع مرّات في اليوم لمدّة سبع أيام، وتسمع سورة البقرة مرّتَين ويُفضَّل أن تكون بصوت عبد الباسط، تأكل سبع تمرات عجوةً على الريق ويستحسن أن تكون من تمر المدينة المنوّرة، في ليلة الجمعة تجامع أهلَك وهي مبطوحة على سيفها وبطنها للقبلة فإنها بالقدرة والقداير تحبل ويجيها ولاد على الميعاد (ناوله الورقة الثانية ) هذا دوا الحجيّة، حجاب حصن الحصين ضد أعين العائنين، تشيله تحت سرتها فإنه يثبّت الجنين في بطنها، ويكون لها أمان من جميع العكوسات ونشالله ينطيك مرادك صبي، ونفرح وياك بطهور المحروس .
حفّ إصبعيْه بوجه الزبون : " هات بيِّض فالك، الكشفية الفيزيتا بالعجل، ناوشني بياضك حجّي، ميتين درهم، وابوك الله يرحمه .
نظر التارقي للحجابَين نظرةً يشوبها الشّك، فنهره العراقي :" امصخّم انته ما تصدق كلام الله ! الله الذي وهب الولد لإبراهيم وسارّه بعمر 150 سنة
ابتسم الزبون فظهر سنٌ ذهبي في فمه، أخرج من صرة جلدية بصدره ورقة نقدية ونقده، ثم همّ بالانصراف إلى دكّان الوافي الملاصقة، فاستوقفه البصّار : " حجّي باقر وين رايح، لسّه عندك حمى مالطية بفمك، ألا تدري أن كل رجل معافى هو مريض بالكمون !
التفت إلى شريكه المتظاهر بقراءة القرآن : " دورك دختور عصري، آني أخرجت شمفروش من بطن الحجيّة، بس آكو فد جنّي شمروخ لابِد بين أسنان الحجي .
قبَّل عصري المصحف ثم وضعه جانباً وعبث بأرقام السمسونايت، أخرج كماشة وميبرة، طالباً من الزبون أن يزيح الشاشية ويفتح فمه، فشدّ الطارقي اللثام على أنفه وفمه، وصرصر أسنانه قال باستحياء مبالغ فيه: "ولاه ولاه مانِ منحيه أُلانِ فاتح فمي، شَيْن ذَ عند أتارقي ".
أصر الغجري :" إذا لم تفتح تمّك فإن شمروخ رح يسبّبلك فلوزنة وكنكرينا، ولن سوف يجيك ولاد على الميعاد، يعني مرتك لم حبلت مْنوب، لَمْ مِمْكِنْ تجيب.
راوغ التارقي كي يُفلت، سدّ فمه، ثم انضبع بنظرات الطبيب، أزاح طرف الشاشيّة عن فمه، عاين عصري السنّ الّذهبي وأدخل الكلّابة نكش أسّه بالميبر، وفكّ القلاووز الغارز في اللّثة، اقتلعه، أمسكه بين أصبعَيه عاينه بعين خبيرة : " يا لطيف جنّي كافر، عيار أرباوعشرين قيراط، يا ستّار يا حفيظ يا رزّاق يا كريم .
تثاءب التارقي، هز العراقي رأسه بدهشة مصطنعة : " اعوذ بالله من سوء منقلبْ، ومن شر غاسق إذا وقب، هالجنّي خرج من فم الحجّي وكام ختل بالجنطة، إلزموه .
رفس الطبيبان جبيرة التاسفرا المملوءة بالتّتن، ارتبك الزبون، وتشبث بالحجب والتعاويذ المتدلية من رقبته، نط كأرنبٍ مذعور، شهر سيف التاكوبا لصد الروح الخبيثة، بقفزة واحدة قفز من المدّ الخشبي إلى الباب، أزاح الدرباس وخرج تاركا جرابه ونعاله، واندفع كطلقةِ في اتجاه السوق الصغير . ضحك الطبيبان وتقاسما كيس التّتن، أشعلا سيجارتَين، عاين عصري سنّ الذهب : " طلّعت لقمتي من تِمْ السبع .
قبّل حاتم ورقة المائتي درهم: " استفتاحه مباركه .
ثم التفت لشريكه : " هاي ينرادلها حضرة، عيني أبو ميلاد، لا بد من سكرية .

"أنا الخمّار للخمرة عَصِرها"

بدا عصري خلف طاولة الشرب مُدجّجاً بالرعونة والطيش والهمشرية الرفاقية ، أمالَ البرنيطة الغجرية، وفرد ذراعَين موشمتَين بالكحل والسقبان، فظهرت على زنده رسمة الغزالة الملتفتة وصورة زوجته "سفرجلة"، صبّ لنديمه كأساً طافحاً، بلع محتواه دفعةً واحدة وبعطشٍ كربلائي . سأله هل يريد كأساً أخرى فقال العراقي وهو يلف سيجارة من تنباك التارقي : " مَيِنْراد لها سؤال ! أسكب يا مْعَوَّد، أحسن خمس أشياء بالدنيه ثلاثه، التِّتن والعَرَقْ .
صبّ عصري من البطحة وأضاف ماءً فتحلب المشروب وقال لنديمه : " تدلل أبو دلال، عيش شبابك ، فَرْفِشْ ، ساعة البسط لا تفوّتها .
بدا حاتم من جيل عصري الذي بعمر أبيه، وهو يسترجع ذكريات الحرب والخدمة العسكرية والرجل الضرورة والحطامات والخراب وحلبجة، اختلط في وجهه المُنهك إنكسار عراقيّ، بذلّ الطريد، بآثار تطعيم ضد الجدري، نفث الدخان ودمدم : " يا شباب ! خرا بحظي، عيشة كلاب عايشينها، صرت بشيخوخة الشباب .
زهزه عصري، شدّ شيّال البروتيل: " محسوبك مبصوط زماني، صار عمري ستّين سنة، لِسَّاني بشباب الشيخوخة .
جرع حاتم كأسه دفعةً واحدة، ثم مدّها فارغةً : " لخاطر الله، خلِّ دنشرب على حب النبي العدنان، أيوباه إشكد صارلي ما شربت، من مْبَارح .
امتعض عصري :" يواش يواش، هذا حليب سباع مو ماي، العرَقْ دَسّاسْ، الشرب إلو أصول .
احمرّ أنف حاتم، وبظّت عيناه ونتأت تفاحة آدمه، برقت عيناه بإشعاع مخيف، رمى القدح بعدوانية، خلع حذائه، أفرغ كل نبرات التحدي بوجه الغجري: " صبّ بالقندره ولَكْ أبو العيوره ".
ارتجت القنينة بيد الغجري تطلع اليه باستغراب :" شه شه شه ، شوبك أبو الغضب هسترت شو الظاهر اليوم إربعا ، جدبتها حمصية ؟
قرب العراقي الحذاء وقال بلهجة أشد حزما : " صب لو أنيش ربك .
انضبع عصري دلق بالحذاء وزَوَر نديمه كأنه يراه لأول مرة : " يا أهل الشقاق والنفاق ، بتزودها بكلشي حتى بالمنكر .
لغوص حاتم شاربيه بجوف الحذاء شرب حتى آخر نقطة ، أحّ أحة طويلة ارتخى والتفت لصاحبه : "سامحني بابا تره مو قصدي ، بس انته لو تدري بالوجع العراقي، الذات العراقية الجريحة، الإنسان العراقي مقهور.
ثمل الغجري ودخل في هلوسة الانتشاء والمشاركة، صبّ في حذائه وحذاء شريكه ، رشفا من الحذائين في صحّة حمص والناصرية ونهرَي الفرات والعاصي والكندرجييه والبويجيه، ضحك عصري حتى بانت أسنانه الذهبية، امتلأت عينا حاتم بأسى عراقي ارتعشت مقدّمة موّال حزين بين شفتَيه : " يا يوم يا يوم يا يووم ...
ُسمعت دقَات على الباب فنزع عصري البرنيطة الغجرية ولبس الطاقية المخرّمة وتربّع قرب سجادة الصلاة : " يِهْ زبون تجرّصنا، هات مصحف أوام ، خبّي البطحة، بخِّر، وبسرعه دوّر المسجلة على عبد الباسط .
انتبه حاتم إلى النقرات الثلاث المُتَّفق عليها بين سكّان العيادة ففتح الباب، دخل سرحان المصري، وقف هادئا كالنيل، في وجهه كل أكسسوارات المثقف الريفي، الغليون المعقوف والقوة الشاعرة وأعراض داء التفكير والسّرَحان، تربس حاتم الباب ورائه ابتدره مرحِّباً : " هلا مليون هلا عدد نخلات العراق، بك يحلو السمر، الجدر يتركب على ثلث مناصب .
حرك سرحان خيشومَيه :" أنا شامم ريحة وحشة .
" إي دانشرب على صحة باقر وِدْ عفنة، زوج عيشة مَنْت آكلة الأكباد .
" الله ! وإيه ده البصطار على الطاولة "؟
" هذا جرن المعمودية استاذي ".
" والحليب الأبيض اللي جواها ! ده دموع العدره "؟
ضحك عصري وهو يداعب أصابع رجلَيه : " على شوفة عينك إستاز، حضرة قندريّة بيناتنا أنْتيمْ، اشلح من رجلك ومالحنا بشي قندره (للعراقي ) صبّ لأخوك سرحانوف كاس .
" لاء وحياتك، بكرة عندي دوام بدري، يعني ما ينفعشي أروح الصفّ سكران .
قال عصري وهو يشقلب حبّات السبحة : "إي لِفَّا بأى، إلك تلتين الخاطر، إذا ربعك سكروا عقلك ما بينفعك، يا ضيعان علمك خايف من كاس ! شحّو المْعَوَّد أبدلال ما فات جامعه طِلِعْ سكرجي من كعب الدست، بالقندره .
تناول العراقي كأساً فارغا وصبّ وناوله : " هاك كيَّف عيني، عرك بلاش قاضي يشرب،تاليها موتة وكومة عظام، والله وداعتك، فاضية ماكو بيها غير كاس وكيس وكس، آخر إنته إلويش كابضها جد ومضيّع شبابك بكتب وناموس ؟
قال سرحان :" لاء والنبي بلاش فضايح، تمبكتو إنتو عارفينها، بتاعة كلام "
أصر العراقي وهو يمد الكأس " إش علينا منهم خلّ يحجون، زين آني ما أفتهم اشلون هاي تمبكتو جابت ثلاثميه وثلاثين ولي ما يصير بيها تْلَت سكرجيه "!
ورفع عصري صوته من الطرف الآخر: " بدّك تشرب غصباً عنك، وحق قبور الأجداد لو ما شربت مالك نومة بالعيادة (وخفض صوته) سايرني لك إبني، سكرة والسّلام، ذاتن السكر جماعتن حسناته أكتر ".
صعّد العراقي لهجته :" مَيصير لو يجي الله لازم تشرب، لَعَدْ شلون شاعر عدمي وما تسكر، أشو نفع طاعه مع إلحاد "؟
نزع المصري الغليون من فمه ووضعه في جيب القميص، مزمز الكأس الأولى ببطء، وأخذ يفكّر بحجج يلقيها في وجه مدير المدرسة، فهو يعرف بحكم التجربة أن السهرة ستمتد حتى الصّباح، وأنه سيحرق دوام اليوم التالي، أفرغ الكأس الثانية في جوفه كعتاة السكارى، تلاشت رصانة المدرّس عن ملامحه وغمغم : " لو كان النيل كلّه خمر لما أسكرني، صب يا معلمين، أنا عاوز أخمر ف موعد الصلاة، عاوز أفسق ف ساعة الجهاد، عاوز أكسر كل حد م الحدود .
وصُبَّت له الكأس الثالثة، جرعها بشربة واحدة أطاحت به فعتَّب : " وقلّي عَ لولد اللي شرب تسعة وتسعين كاس ولما سألوه قال انا لسّه عطشان .
ضحك عصري وقال وهو يملأ له الكأس الرابعة : " حيوو على هالصوت، بينزّل الطير من السما، داوودي بالطرب مالو متيل، خاصة لمن بيفوت بهالنغم حجاز كار الصبا، وبيطلع من هنيك بقى سيدي على فرح دار .
سرّح سرحان عينيه بين المصحف وصورة الحسين ويد فاطمة والعين الكاشفة و"سورة الفلق" انفجر في زخّة جُمَل جاهزة : " إفلاس لا مثيل له، منتهى السّلبية ، طاعون أخضر، إله بائس قهّار جبّار منتقم، خازوق ممتد من طنجة إلى جعكرته، مليار، شي عبيد وشي بترودولار وشي خاضع للإستعمار .
ضرب عصري كفاً بكف : "خلص، اشتغل مفعول الفول وحليب السباع، كل إرْبَعا وإنتو بخير .... مِنْحَقه سرحان بيك إنت إستاز تاريخ "؟
" أستاذ، حقيقة ومجاز، أستاذ تاريخ وفي التاريخ أستاذ، أنا، سرحان الكافر الحادي عشر، الروح التي تنكر كل شيء، لألعن أبو شيخ الأزهر، لأبزق في وشه أولاً، وأنتف له دقنه تانياً "
رأى حاتم أن المصري قد أتى وحده على ثلاث أرباع البطحه فقال له : " عجبا مُلّا سرحان، ما داخ راسك، الساعة بالتناعش، إنته مو عليك دوام باكر ؟
رمى سرحان حقيبة التدريس على ملصق الزعيم الليبي : " طز في القدافي، اليوم خمر وغداً أمر، إسهروا يا جدعان، لا نامت أعين الصاحين، إسكر باسم ربّك الأعور ( للقنينة) لعن الله ديناً يفرق بيني وبينك يا ويسكاية (لعصري ) أسكب تاني وبحبح يبو العم، أغثنا يا أبا الصعاليك، صب من طيبات ما رزقناكم وحيّ على المدام، من الأحسن ان تكون أوّل الذاهبين إلى الجحيم من أن تكون آخر الذاهبين إلى الجنة .
صفن حاتم : " ما دا أصدّق نفسي إشلون صعيدي يصير دينسز في زمن صارت تتحجّب فيه الرقّاصات " !
جاوبه المصري :" أنا خط الوعي، لم أتهافت على خطب العجالة والإجماع التي فرضوها على الغوغاء بل اجتهدت لأتعرف إلى الخطب التي أغمطوها، الله هو الفكرة الوحيدة التي لا أسامح بني البشر على اختراعها، الدين هو المحطّم الأخطر لإرادة الحياة وقد ظهر عندما التقى أول نصّاب بأول أحمق .
تضايق عصري من التجذيف فنَكّت ليغيّر الموضوع : " هلّق فهمت ليش الصعيدي الزغير أذكي من الكبير ... لأنو ماصار لو كتير صعيدي ".
عقّب العراقي : " اكو واحد صعيدي كلّش غشيم سياسة، راح يشتغل بالسعوديه، في المطار جاتله صحفية قالتله هلو هريدي، شدقول في فهد، قاللها خوش حيوان سريع، انمسك راح بيها خمس سنوات سجن، راح إلسوريا كالوله "هلو شدقول في الأسد ؟ قال غير حيوان متوحش، هَمْ أكل بيها خمس سنين، قام رجع مصر كالوله شنو رأيك فى مبارك ؟ قال أنا حرّمت أجيب سيرة أي حيوان ".
شخط سرحان بصوته الأنفيّ :" قديمة وبايخه، ويكون في علمك إنو الصعايده طلع منهم أنبغ الشعراء، طه حسين والعقّاد وأمل دنقل والأبنودي والبارودي والطهطاوي .
" لكان ليش إنت وحدك طالع حماررر ؟ قاطعه عصري
هز حاتم راسه بإتقان مسرحي : " يا ليت شعري، أستاذي، تسمعنا فد قصيدة من المشعلقات السبع .
وضع سرحان الغليون في طرف فمه الأيمن وأمسك جرنه بيسراه أسند، علت وجهه معاناة الشعراء الذين لم يتحققوا بعد، تناول كرّاس الاشعار، فتحه عشوائيا فوقع على قصيدة "الانتحار"، نقل الغليون إلى طرف فمه الأيسر وأمسك جرنه بيمناه، رتّل :
" كلما انتحرنا بوهم الباب، كي نصدق أنه موصدٌ كجدار، نعود فنتذكر بأن ثمة أشياء جميلة تُغري بالمغامرة كان علينا ان ننجزها قبل ذلك، فينتابنا بعض الندم ونحاول ان نتراجع متداركين أمراً يكاد يكون تداركه مستحيلا، وحالما نعود عن انتحارنا نكتشف ان أحداً غيرنا قد بادر في تولي ذلك عنّا، عندها لا يعود لوجودنا مثل انتحارنا معنى "
وضع عصري يدَيه على فمه وعفط له : " هشع ، يقطش اللي معك ويخلّي اللي معنا، والله الشعير والشعيرية أحب لبطني من شعرك، تلحس طيزي ".
هب حاتم يهنئ الشاعر : " أحسنتْ، لا فضّ فوك، عاشت إيدك، خوش شعر من بحر قفشتا، آني أهنيك، إن أهم ما تتميّز به قصيدتك هو إنك تقرأها من اليمين أو من اليسار نفس الشي، تقرأها من الأعلى أو من الأسفل نفس الشي، ما تقرأها على الإطلاق هَمْ نفس الشي، وآني أهنّيك ".
عوجَ عصري البرنيطة وعوج فم بابتسامة ساخرة : " مِنحَقَه إستاز، إنّو الإنسان المُسَكَّفْ يُمارِسْ الغرامَ بِرَأسِه ؟"
" بيقولوا كده ".
" وأنا كده شايف، تضرب بهالبوز متل عقال الدّروز، حاق من وجهي وْلا، طانْطْ، محسوب عالرجال بالغلط، من عَمْنّوَّلْ صارلك بالمدرسة ما ظبطتلَّك شي معلمة حلوة ؟ أي عليم بالله لو أنا محلّك لأعمل عمايل ما عملها عنتر ".
رمشت عينا المصري بطريقة تفضح غشوميّتِه في أمور النساء ( كلّ النواقص التي يحاول إخفاءها تطفو أثناء السكر رغماً عنه )طأطأ راسه كتلميذ لم يحفظ درسه ودمدم :" كلهن محجّبات وهّابيات"
انبرى له حاتم: " أشبيهن الوهّابيات ما يشتهين العير، ولاّ الماينوش العنقود يقول حامض "!
شقلب عصري بسرعة حبّات السبحة، منتفضاً في وصلة ردح طويلة : " شهاداتك بتشهد عليك، الله يعدّمني ايّاك، أنا بعمرك كنت جد، بقى شو ناقصك يمخ ؟ اشمعنى صار عمرك تلاتاوتلاتين سنه ولِسّاكْ عازب، لا تزوجت ولا خلّفت !
مطّ حاتم كلماته في وجه الغجري : " كلمن ودوره بالحياة، مو لازم يخلّف ولاد، يكفي أنه شاعر جاب قصيده، والّلي ألَّفْ ما مات (للمصري ) لا تزعل أستاذي، تره هذا كاولي جاهل بحياته ما خشّ مدرسة، وعنده إحساس نقص تجاه أصحاب الشهادات."
سألهما الغجريُّ " دخلك ، إنت وهو شو معكو شهادات ؟
فأجاب المصريَّ " ماجستير آداب، باكالوريا زائد اربع سنوات "
وعقّبَ حاتم : " آنه أوقفت دراستي عند الثانوية ، يعني بكالوريا ناقص اثنين "
شد عصري على خصيتَيه : " خمسة بعيونكو، أنا معي بكاروليا زائد سبعة وعشرين، زيد عليه بيضتين وأربع شهايد، شهادة تطعيم ضدّ الجدري، شهادة فقر حال، شهادة محكوم عليه، وشهادة لا إله إلاّ الله ".
عاد ينظر إلى سرحان بريبة :" المسألة فيها إنَّ، لتكون عندك ميول يا بُشْتْ ّ! تره القرقور الزّغير اللي جابته نعجة سيدي الوافي فيه مخايلك ".
بلع حاتم رشفة بيرة وقال للمصري : " هات هات، إحجيلنا عن مغامراتك بالصعيد، اشلون جنت تضرب جُلُقْ ، ما تستحي عيني، ولست وحدك . "الجلق"، " الإستمناء"، "العادة السرية"، " العادة اليومية" أسماء مختلفة لرياضة قومية واحدة، تره هاي هي قضيتنا المركزية، مو فلسطين ".
تناول عصري حقيبة السمسونايت، عبث بأرقامها فانفتحت، أخرج مجلّة بورنو، قلّب صفحاتها على لقطات مهيّجة : امرأتان تتساحقان، رجلان وامرأة، امرأتان ورجل، نساء ورجال في نكاح جماعي ... توقّف عند صبية وحيدة تداعب فرجها ، شنّق شرابية السبحة : " أحلى كدلوغ سكس، تبارك الله أحسن الخالقين، لحم هبر أمريكاني مال تكساس ".
مدّ حاتم عنقه وصفّر لحنا بين أسنانه : " ويلاخ شنو هالمناظر المحترمة، أيُباه ، فد شي منتوف لا شعرة ولا صوف، باوِعْ باوِعْ عيني، عنبر مبارك يتوهج كالنحاس، نضيف مو وهابي متزمت، الله يطعمنه زيارته قولوا :آمين ".
قرّب عصري الصورة من عينَي سرحان : " شوف بِلْ ريقك، بُخُشْ نظر عَ السريع، إسحب سحبه من كس قحبة، شَعرة منه بتسوى كل شِعرَك .
حدّق الصعيدي بحيادية فلسفية ثم بشهوة، وأرجع رأسه ليتأمله بانورامياً، ابتسم عصري ولمعت أسنانه الذهبية بطريقة توحي أن السباب في قاموسه نوع من المزاح تناول علبة سجائر "روثمان" واضعاً سيجارةً في فمه والثانية في فم المصري، لفّ ذراعه حول عنقه في تضامن أبويّ : " سامحني أبو شكيب، قلبٍ حبّ ما بغض، منشان مصلحتك، بِدّي ايّاك تكون زكرتي متل عمّك عصرييف، تعيش حياتك وبعدين تتفلسف (نكع العراقي ) قوم أبو الغضب إعتزِر من الإستاز شنَّك جرحت شعوره، هادا شاعر كتير حسّاس وبياخد على خاطرو ".
ومجّ عصري من قنينة العرق مباشرة، فاختلطت في وجهه بهرجة الغجر ودروشة الحماصنة وفنطزية السكارى، طابت له همشرة الصحبة الأبيقورية، سرّع حبات السبحة بين أصابعه (يُستدلّ على مزاجه من وتيرتها : حين تدور منتظمة يكون لا مبالياً، حين تُسرع فهو منفعل، وحين يشنّك الشرابية فإن خاطراً جنسياً قد خطر في باله) تمترس خلف طاولة الشرب كسيّد القعده ومدبّر طقوسها، رفع القنينة ورفع صوته : " انبسطوا شباب، وحق من جمعنا سوى عهالنعمة، السهرة للصبح، أنا الخمّار للخمرة عَصِرها ".
غمز حاتم المصريَّ ثم خاطب الغجريَّ : " أحلى عالم أبو ميلاد، هات بابه احجيلنا عن مغامراتك العاطفية ابحمص ".
شَنَّكَ عصري شرابّية السبحة، قال بصوت رنّان منسجم مع سمنته : " سقالله هديك الأيام، كنت شب شبابليك، صبايا مدرسة القلبين الأقدسين كانو يتوحّمو على شوفتي، بزماني صاحبت شاديه وفايزة أحمد وسميرة دوفيق ووردة، بَعِجْبَكْ حَبّيبْ حياة سَهِّير، في ليلة واحدة كنت أبلع خمس قناني عرق، أفوت على أربع أبكار، وألحِّن تلات أغاني وآكل خروفين (تحسّس خصيَتيه) ألا ليت الشباب يعود يوما لأخبره بما فعل الآر بي جي ".
طبطب حاتم على كرش عصري : " يا آر بي جي ! قلاوجي، إنت أبو كوليسترول ما تقدر تشوف عيرك من كبر كرشك، خربان كلش ما بيك حيل ".
" فشرَ، سِكتِرْ، النيك كاري وصنعتي، حشاة الدّكر كنت أحرق الأخضرين، أنا أبو ميلاد الجضم قبضاي جومرت، عليم بالله كنت شدّ سيارة الميكب بشَعري من حمص لحماة ".
" عجايب ! كنت وحدك تشيل هالأثقال وعشرين مليون سوري ما يقدرون يشيلون بشّار أبو ستّين كيلو عن كرسي، دالغجي، هات إحكيلنا اشلون كنت تطبل بالأعراس !
احتد الغجري :" ضبّ لسانك أبو حلموس، إخص عليك أدَبْسِزْ مخ ديوس " (التفت نحو المصري ) بيرجع مرجوعنا أبشكيب، وين حطنا الجمّال؟"
" كنت بتحرق الأخضرين يعمعتريس ".أجابه المصري وهو يقلب صفحات الكاتالوغ
" لكان، محسوبك زَلَمة اشكدار، كنت أفرض خاوه ع َتجّار خان الزهراوي، خُشْ هيك على الشّبَنْدَر حامل ميزان بكفته صابونة وكفن : زكاتك يا بيك، حرمة مقطوعه عطتك عمرها، عيلة مستورة ... حاصلو آخد ساحتو يقوم يتبرع بورقة أم خمسمية بكفة الميزان التانية، بقى سيدي عمّك عصري عوض ما يطلع طلوع على جبّانة باب هود، ينزل نزول لوين ؟ عَ الميماس ...
أسدل الغجري خصلة شعر فوق جبينه، سرّح وجهه في تطليعة لبعيد وأكمل : "رزق الله عمْنَوَّل، كنت زنكيل إلعب لعب بالبشالك، هالأرض البَعْل من التكية لباب السباع للرستن إلي مِلك طابو، كنت وّقّفْ بالجامع النوري أوِر هالمجيديات على أمة لا إله الا الله، خلي الشعب الحمصي ياكل، لَكَان خيّو عصري زادة قشر البصل، شيخ شباب حارة البيّاضه، ابن ريّس الريّاس، عيلة اكابر .
" يا أكابر ! قشمرجي، أنتم معدان كاولية زط مكدين سرسرية، مهراجا هندي راد يتخلص من شركم ودزّكم للأهوار مع طبولكم .
" كول خرأ وْلا كاجو عراقي متعجرف." صرخ عصري ثم التفت إلى سرحان ماداً ساقه، مشيراً إلى ندبة بسيطة عند الركبة :" شايف هالجرح إستاز "؟
" يا بوووي ! ده جرح خطير، ربنا ستر!، قول يا أبيض الوجه قول . قال سرحان دون أن يرفع عينَيه عن صور السكس
" الله يبيّض وجهك ابن أخي، هاد يا سيدي بحرب تشرين لمّوني باللّمة الجبرية، تسلحت بالتفك وصفّ الفشك وفردين بَرَبِلّلو قلّاب، تقول جبخانة بحالي، وصلت خط النار، ما شوف إلا طابور عسكر ألف نفر، افتكرتن ولاد عرب أتاري دشمن، وعينك تشوف عمك عصري ماسك الجبهة وَحْدُو، الله أكبر، طاب الموت يا غجر طاخ طاخ طاخ بووم، احراج علّلي بيكذب عملت مدبحه، قتلت اللي قتلت وأسرت اللي أسرت، بالعشرات بالميّات، وانقطعت بالجولان مع هاليسارى، لك صفينا بلا أكل، اخترت يسير بالقرعة شويته وطعميتون، تاني يوم شرحو، يشهد الله أسبوع كامل على إشوي وكول حتى وصلنا القشلة سالمين، يومها الموشيرية عطت أمر بترفيعي من أونباشي بشريطتين ليوظباشي بنجمتين، علقتلي نيشان همايون ورفعتلي المعاش ليرتين دهب ".
قهقه العراقي :" بابا حنّا نريد نسمع بطولاتك إنتَ مو بطولات جدودك بحرب عصمنلي ومسكوب، هات احكيلنا اشلون كنت تقلع أسنان ذهب من أفواه الجنود المقتولين "؟
" ورصاص اللي يخلع رقبتك، اضْحَك يا فاش كيري، السبع إذا شاب بتضحك عليه الواوية، الكاس ما بينشرب مع مين ما كان .." .
تغير مزاج عصري وتقلص لأبعاده الانسانية، تلاشت البهرحة والفخفخة الشطط الفنتازي في غوران العينين، وغضونٍ كثيفة على الجبين، في صفنة عميقة بالغربة وانكسارات الشيخوخة وعاهة إبنه حوشب وخيانات زوجته، مد يده إلى جيب الصداري أخرج ثلاث صور مهترئة بالأسود والأبيض، في الأولى حنتور يجره بغل ناتئ الضلوع مهدّل الخصيتَين على خلفية خربوش النَّوَرْ، في الثانية أبناؤه يتوسطهم ابنه المعوّق حوشب الذي يغرق رأسه بين منكبَيه، وطفرت دمعته في انتفاضة شوق، سحب الصورة الثالثة، زوجته سفرجلة، تخيل ردفيها يتمايلان تحت تنورة مزركشة فاقعة الألوان، ثم وهي تشمّر عن ذراعيها وتبقّل خبيزة على ضفاف العاصي، ثم وهي تشمّر عن فخذيها بسوق الفيصل وتختلي مع أحد التّجار في المستودع الجوّاني، اهتز شاربه القوقازي بوخزة زوج مخدوع في صميم رجولته : " شو بدي استفكر منّك يا سفرجله، كل لقمة بغصّة، فات وقتي خَتْيَرِتْ ".
ُسمعت من مكبّر صوت الأوردةُ الممهّدة لأذان الفجر آتيهً من صوب مسجد "سيدي يحيى"، فوضع عصري الكأس من يده احتراماً، قام مدردخاً وأفرغ مثانته في الزاوية، ثم لاحظ أن قصرية البول تبدو أكبر من العادة، وانتبه إلى أنه يبوّل في جرّة الشرب، ابتسم وأفرغ مثانته حتى آخر قطرة، ثم تمدد في زاويته على فرشة اسفنج ،
وتمدد المصري في الزاوية الاخرى، بعد أن شحنته الصور المهيجة بِتوَتّرٍ شبقي لم يعرف كيف يتحرر منه، اندس تحت لحافه ودس يده تحت السروال وبدأ يتعامل مع "قضية العرب المركزية" بيده اليمنى وعينه على فخذي مارلين، وتخيل الممثلة الشقراء بين يديه وأسرف في التخيل، ثم تراخى وأسبل رموشه وبدأ يشخر
بقي حاتم صاحياً يستفرد بما تبقى في قناني الخمرة في سكرة سولو.

العينان الزبيبتان بين الرصافة والجسر ونهر النيجر

أحس حاتم بعينين تتلصصان عليه من الملصق المعلق بالجدار ، عينان زبيبتَان تشع منهما قوى غامضة، اهتزّ قدح العرق في يده وتحسس حجاب البازبند في زنده، تعوّذ من القرائن والتوابع، تلا شيئاً من سورة الدخّان التي تقرأ في الأزمات والكوارث، أطفأ الفانوس فتحولت العينان إلى جمرتين شريرتين، إنحرف قليلاً لليمين فلاحقتاه، إنحرف للجهة الأخرى وما انفكتا تحملقان به، فرك عينيه ولبث صامتا ريثما ينجلي الصبح ... إنها هي الأيقونه، أيقونة الرجل الضّرورة، فرعون العراق، لا ينام، درجة انشغاله بالعراق وبه تمنعه من إغماض عينَيه، الوجه مليء بالصرامة، بين الأنف والذقن شامة، الصفنة المحتقنة تشفّ عن دماء وفيرة، في انقباض العين نوازع خداعه تخلط أمجاداً زائفة بعقد حقيقية، وبما يوحي أن الإسراف في القتل ليس إلا تشفّياً من طفولة شقيّة، لقد حفط تفاصيله كنشيدٍ وطني، كان يتلصّص عليه في شوارع الناصرية، رافعاً يده اليمنى على ضفاف الغرّاف والفرات والساحات العمومية، في الصف كان ينظر إليه من أيقونة معلّقة فوق اللّوح، كان يزور الجبهة بعد كل معركة، يحملق فيه هو من بين المجنّدين، يوسمه بنوط الشجاعة، يطبطب على كتفه ويقول له بنبرة نابليونية: " عسكريتك لسّه ما خلصت أبو خليل " ثم يرسم إشارة الثلاثة بثلاث أصابع، يكمل بصلافة اللّهجة التكريتية: "العراق بيه صبطاعش مليون، خلِّ يبقى فيه ثلث ملايين، ميخالف". أي رجل هذا الرجل ! إمبراطور روماني أعتى من قياصرة المسقوب وشاهنشاه القاجار، أرخى عينَيه الزبيبتَين في أثره حين فرّ من الجبهة إلى كردستان، وأرخى له الحبل من أربيل إلى عمّان حتى نيامي ليشدّه على رقبته في تمبكتو، هل يهوّس له ويؤدي التحية العسكرية ؟ أم يفر منه ؟ أين يفر منه ؟ جواسيسه كثر ووشائجه القومية قوية مع التمبكتيين، علاقاته الدبلوماسية متينة مع المورتان والسودان وكل الدول المصنّعة للأسلحة وخصوصاً تلك التي تدافع عن حقوق الإنسان، وهي كذلك وطيدة بالعالم السفلي وخصوصاً مع خدّامه الجنّي وهب، له عينان في قفاه يبصر بهما إلى الوراء ، عينان تخترقان الجدران والسجف، مجالهما البصري يمتد من الرصافة إلى الجسر إلى نهر النيجر، هل يشهر السكين ويفقأهما ؟ لا يضمن النتائج، كثيرون قبله حاولوا وفشلوا، سيخوزقه ومعه كل حمولة عبد الصاحب وعشيرة بني ركاب، هل يدير له ظهره ويتظاهر بأنه لا يراه ؟ ولكنه موجود على الجدار المقابل وفي كلّ الجدران، يراقبه من العين الشّاعة من المثلث من سورة الفلق، ينظر إليه من عيون مرلين، وخاصة من ملصق الوجه الملثم، ومن ثقب الباب، ومن دكان الوافي ومن عيون مُصَلّي الفجر، العين لا تقاوم المخرز، وبالأحرى أن يجتر خوفَه العصابي ويتصالح معه ،فهو على دمويته ليس ضاراً لهذا الحد، ويسيء إليه بنيّة حسنة، مدّد خدمته العسكرية إلى سبع سنوات ذوداً عن الوطن، وزج بالألوف المؤلّفة من الشباب في الجبهة كيْ يتيح لهم فرصة الإستشهاد في سبيل الله، ثم أنه جاء ضمن إرهاصات زمنه لحسم تناقضات العراق، كرده وعربه، شيعته وسنته، معدانه ومثقفيه، قسوته تتناسب مع جلافة العراقيين، وجلودهم تنسجم مع كرباجه، الأيدي المصفّقة له هي أيديهم، الوجوه الموشومة على أذرعهم هي وجوهه، في كل بيت له ضحايا وشركاء وأشباه ومريدون، وهو على ساديّته رحيمٌ إذا قِيسَ بالحجّاج وزياد بن أبيه، وقد يكون صحيحا زعمه بأنه من سلالة حيدر الكرّار وثالثعشر الأئمة المعصومين ! ولا يعقل أن تغلط في حبه كل تلك الجماهير الغفورة في أقاليم العروبةٍ كلها وفي أنطاكية وسائر المشرق، الصحافيون المستكتبون بالقطعه في بيروت ، المتسابقون في ماراتون القاهرة ، رجال الطرق الصوفيه في موريتانيه، كلهم يهللون له، يبايعون ضرورته لولاية خامسة وهو في منتصف الولاية الرابعة، الممثلون كذلك لم يسلموا من لوثته، بوسي ونجلاء فتحي وسولاف وحمدي غيث، يوقّعون له بالدم، وحتّى هذا المصريّ المتشدّق بالحرية الوجودية كان يربد له في المربد، ثم يا لعتمه ذاكرته، كيف نسي، كيف تناسى أنه هو ذاته حاتم عبد الصّاحب، ضحيته طريده وعدوه الطبقي والتاريخي والوجداني، اضطر مرّة أن يذب له جنجلوتيه بعيد ميلاده في مسابقة الخطابة التي نُظّمت على مستوى المدارس الثانوية للمحافظات الجنوبية، صحيح أنه فعلها عن "جَفَيان شَرْ " أكثر منه عن "قناعة" لكنه فعلها وأدبيات البعثية الصّفراء تشهد عليه، في يوم 28 نيسان وقف على المنصّة، تحت الأيقونه، أمام جموع المدرَّسين المحشودة ،قال له وبعالي الصوت :
أيْ يَرَبْنَه مِنْ عُمرْنَه لِعُمْره زِيدْ أُوبارِكْ بِيهْ بارِكْ بِيهْ يَرَبْنَهْ
يَلِّ إمْشارِجْنَه حُزِنَّهْ وفَرَحْنَه يَلِّ إمْشارِجْنَه أجِلْنَهْ وشُرِبْنَه
يَلِّ إمْشارجنه كْعودْنَهَ ونومْنَهْ يل مشارجنه همومْنَهَ وأَهِنَّهَ
والله لو انْتَه يا حيدَرْ الكَرّارْ جَانْ ريح الفُرْسْ كَشَّتْ عَرْبْنَهْ
إنْتَه ما عِشِتْ إبْكَصِر جمهوري إنْتَه أبونَهْ عِشِتْ بْنُصْ بيتْنَهْ .....
وقف حاتم على رؤوس أصابع رجليه، فشخ فشخةً واحدة من زاوية المنامة إلى زاوية " ركن المطبخ" تناول طاس الرعبة وعبئها ماءا من الجرة وشرب فوجد طعمها مراً كطعم الرّصاص الثقيل، نظر إلى صفحة الماء فرأى العينين الزبيبتّين تحملقان فيه من القاع، انقلب إلى فأر مذعور، داهمه الكابوس عنوة، كمش عصاه المطلسمة وانهال على الجرّة، سال الماء وبلّل الفرشتين، استيقظ صديقاه ، سأله الغجري عما حدث فتمتم :"العياده مسكونه" .
" يووه، معلوم مسكونه ! مو احنا التلاته ساكنينها "!
" قصدي ساكنينها الجان يا معوّد، الجان، أبو ضروروة قاعد يِصَّنَّط هالصوب، يندار من ذاك الصوب
وصفن سرحان في أرجاء العيادة : "هو فين الجنّي الضرورة بتاعك ؟
" ذاك هو بالملصق، هرب من الجرّة، دايباوع بيا .
نظر المصري إلى قناني البيرة الفارغة، ثم إلى العراقي والصورة " إنت شربت كتير، ضرورة إيه وجني إيه، ده القدّافي بتاع ليبيا جبته معايا من المدرسة الليبية.
شخط المصري وهو يشير إلى الألقاب الكثيرة تحت الصورة : " ده ولي النّعمة، البتاع الكبير، الثائر الأممي، أمين القومية العربية، الأخ القائد المفكر والمعلم العقيد أبو منيار، قائد ثورة الفاتح والثورة العربية الإسلامية العالمية، واضع الكتاب الأخضر والنظرية الثالثة، مفجّر عصر الجماهير، إمام المسلمين، مؤسس الإتحاد الافريقي، مهندس النهر الصناعي، قائد النصر والتحدي، فارس الصحراء ...
غمغم العراقي : " خوب هلگواد أخ الگحبة عامل حاله الله، ليش ما يكملهم عالتسعة وتسعين .
واستعد في وضعية قتالية، صرصر أسنانه وانهال على الملصق بضربات متلاحقة : " أخرج يا مُهين العراق، أخرج يا صانع أحزان العراقيين .
ولْوَلَ عصري : "هستر دكتور داهش إجته النوبة، الكريزة، دخيلك إستاز إقره عَ راسه ياسين وقُلْهُوَلْ والجنجلوتية .
" بلاش جنجلوتيه وبتنجان، الواد سكران، إدّيله حتّة عرق يصحصح على طول .
فتح عصري الشبّاك واطمئن برؤية نور الصباح، أقحم شريط عبد الباسط في المسجلة، رش الملح في الزوايا، فوق الخابية المهشمة وشقوق الحيطان وأواني الطبخ وهو يتمتم : " أشتاتاً أشتاتاً، دستور يا ملايكة الله لا بتأذونا ولا منأذيكم .
اقتلع سرحان بقايا القذافي في الملصق وجعلكه ورماه في القمامة، سدد على حاتم نظرة شكاكة : " أتحداك، أتحدى أي واحد شايف جن، ده خزعبلات ".
"مو خزعبلات، رد حاتم : ماورائيات، تره الجن يراكم ولا ترونه، يتكون من 77 قبيلة وكل قبيلة تتكون من سبع أرهاط، خوب هاروت وماروت قبيلتي الجن إبّبابل، هذا كلام الله مو لعبة بكيفك، خلق الجان من مارج من نار، خوش لَعَدْ إنت ما تصدق سورة الرحمن بالقرآن !
" فبأي آلاء ربكما تصدقان، أنا لا أصدق ولا أي سورة من القرآن، أنا لا أصدق إلا ما أشوفه بعيني "
بدا الذهول على عصري المُصَدّق بالأرواح والجن، تناول من النملية بطحة العرق الفارغ نصفها، هزهز رأسه: " عم قول وين عم يختفوا العرَقات ! آمنت بالله العياده مسكونة، صارت وكر لإياهم، دستور من خاطرن .
ومد حاتم قدحه فارغا نحو الغجري : " هاليوم معنوياتي موزينه، وداعتك صبّللي كاكا عصري، آكو شوية عرق" ؟
" طويلة على رقبتك، ماكو ".
" ليش ماكو لك أبو مزيقه طبّال زمّار "؟
" شِنّك ما بتعرف أصول الكاس، كل ما تسكر بتسبب لنا مشكل مع الجماعه إياهم دستور من خاطرون "
" أنا اللي دفعت حق المشروب ولك كاولي، أساساً إنت ذاتك داتشرب ع حسابي .
" روح تضبضب أبو حلموس، ما بيكفي آويتك بالعيادة بلاش ! "
" اشلون آويتني بلاش ولك نمرود أبو العيوره، آنه أدفع تُلْتْ الكراء، سرحان يدفع الثلث، إنت تدفع الثلث، خرة بربك، العيادة قشمر مال أبوك "!
ابتسم عصري :" دخلك بدّي إسألك قديش تلت التلاتة، وإذا ديك سيدي الوافي باض عِنّا بالعيادة لمين بتكون البيضة ؟(عبس وعوج البرنيطة السوداء) أنا ريّس العيادة غصباً عن راسك، مو عاجبك روح شوف لك وكر تاني، بلا مطرود .
" صب عرك لك أبوسوريا لو أبلّغ عنكم سيدي الوافي ، جيب البوطل جيبه، كس إمها بنتي دلال لو تريد تورثني .
" فنّيص، لا عندك بنت تورثك ولا عندك شي ينورث، نوري اندبوري، مافي عرق يعني ما في عرق .
" الشغلة بيها كسران رقبة يعني بيها كسران رقبة، صب ولك دليمي مصلاوي وصخ . قال العراقي وانتصب مهدّدا بالعصا المطلسمة، ارتاع عصري فدلق على مضض :" تبلعس سم الهاري، عراقي مخشخش عَ السكين .
أفرغ حاتم محتوى القدح في جوفه، ثم خطف القنينة من يد الغجري : " آني عراقي وأقلع عين اللي ما يعجبه، العراق يسيل بعروقي، آني حاتم أبودلال، آني دولة بنفسي، وحق الله والمصطفى المختار لأسقط سبع حكومات .
تفحّص جيوبه باحثا عن سيجارة جاهزة ثم خفض صوته بنبرة حسرة : " بس شيفيد لو نام البخت، جنص ماكو، تتن مابقالي
استدار نحو الغجري خاطبه باستكانة : " برخصتك كاكا عصري آكو فد شكاره روثنام، نشربها وْيَه الكاس غير ".
قال الغجري وهو يخبّئ العلبة في جيب الصديري: "ماكو، خسارة فيك الروسمان، تَوتِن من زبل أبو طارق".
مدّ حاتم يده خلسةً واختلس من دخان المصري سيجارتين وضع إحداهما خلف أذنه والثانية في فمه، نظر للمسروق بازدراء: " شعّار مال نهود وقدود وجوارب مهترئة، إذا إنت مصري من ستلاف عام فأنا عراقي من ثناعشر ألف عام،
مج من السيجارة وجرع جرعة ثم هب في صاحبيه معاً: "خوش نكتة، صعيدي وحمصي، وِلكم ما تستحون عَ دمكم، تكتبون عني تقارير للسفاره !
حدجه عصري بنظرة مائلة : " ليش مين حضرتك ! شقفة بصّار أونطجي طالعة ريحتك ما بتسوى فرنكين "
علّق سرحان وهو يعض على الغليون : " الواد أكيد عنده شزوفرينيا، مصاب بعقدة جنون عظمة او بعقدة اضطهاد او بالعقدتين معا .
" انضب لك أبومصر، حزبي عفلقي بغيض بعثي جبان، عربان كلكم عك عك، عربجة وصخين، أنعل موتاه داير حبل شبلي عيسمي وساطع أبوحصيري، هدوله ليش ما يجربون الوحدة مالتهم على فئران المختبرات قبل ما يجربوها على العراقيين، حسافة على ثورة العشرين، يا ثورة أعقبتها ندامة الثوار، كان أحسن إلنا تحكمنا مسز بيل ولا تحكمونا إنتو، سرسريه لصوص موجهنين، تحبون العراق وتكرهون العراقيين، دانعل أبوكم على أبو ضروره مالكم، خل يعجلون شوية هذوله المارينز، يخلصونا من شره .
ظل المصري هادئاً وهو يناكفه : " على حد علمي الطاغية منزلش من السما، لكنما نبت من الارض بين الجهلة والمتزلفين، يحكم بأسم الله الضرورة، من مخلفات القبائل الضرورة !
" انطم أبو مربد، شاعر فاشل تغرف من كل المعالف، يوم تمدح يوم تسب حسب الدفع بالجنيه لو بالدولار، بمصر إنت من شعراء الرفض إببغداد تصير من شعراء البلاط، ولي نعمتكم هو، كان يبقششكم كل شاعر بمية دولار ،إتفو عليك وعللي اخترع الشعر .
تأفف عصري : " حاجي عاد خيّو، أستر علينا الناس نايمة، صوتك أعلى من طبل النَّوّر، بهدلتنا، يعني بتريد الوافي يزعبنا من العياده ؟
" أي بلي أريدها من الله، آني هسّع بنفسي رح أبلِّغ عنكم سيدي الوافي، تريد تسوي خباثة ع َالناصرية ! إحنا أسياد القصب، الحضارة اللي اخترعت أول ملحمة فلسفيه، آني سومري بابلي آشوري ساساني كردي فيلي ، آنه بلقاري أرميني كرجي عجمي ، كلمن تريد، بس آنه مو عربي، يا عرب !يا طنبورة !
عض سرحان الغليون ليكتم غيظه، تمدد السوري على جنبه متكئاً على راحة يده شقلب حبات السبحة، رأى حاتم أن صاحبيه قد سكتا فرفع عينه إلى صورة الحسين، رتّل بصوت رخيم يشبه نحيباً مكتوما : " نعل الله من قتلك وظلمك وحال بينك وبين ماء الفرات، ألا نعلة الله على حمص والصعيد وآل سعود وشبيلات والفلسطينيين والجزائريين والتوانسة وأهل العوجة والأنبار والتكارته والمصالوة، تسقط الوحدة العربية، لا للحرية لا للإشتراكية، أمة عربية فاجرة، ذات رسالة عاهرة "
ثنى إبهامه ومد اصابعه في وجه الغجري : " أنتم الكاوليه إشجابكم تسكنون مع هاي المعدان الحقيرة، ما كان أحسن تبقون هناك بالهند والسند" ؟
قال عصري : " خيّو إحنا الغجر كمالة عدد، ما منتدخل بسياسة، عتبك علّي بيعرف لون العلم السوري، الحيز الأحمر فوق أو تحت "
رمق العراقيُ شريكَه وفكر بالقدر الغريب الذي جمعه به في النيجر وساقهما إلى تمبكتو ونسيهما فيها منذ عامَين وزجره : " لو الله ما مْشَوّفني ايّاك يا أبو سنان، كان آني هسّه واصل كفرهاغن ، مْكّيّف ويّا العلجيات الشُّقر
ضرب رأسه تشوشٌ مباغت فقذف كأسه صارخاً : " بعد ما أسكر وياكم، لو يجي الله، ماريد هاي آخر نوبة، زهقت من صخامكم ومن عرق ابو الكلبجة، أريد أشرب ويسكي مع ناس محترمه بفندق الكولمب .
تحسس ذقنه النابتة، وما بقي في جيبه من مال، خاطب الغجري بنبرة مسالمة :" آنا غريق إحسانك، كاكا عصري، آكو يلتقى بجيبك ألف درهم سلف." ؟
أجابه الغجري بهزةٍ سلبية من رأسه فشال حاتم خاتمَ التارقي وعرض عليه شرائه فعاجله الغجري : ـ خليه بصوابيعك ، أصلا أنا ما بشتري مال حرام .
التفت العراقي نحو المصري : " أقول ... عيني أستاذي تقدر تسلف أخوك حاتم قرشين، والعبّاس أبو راس الحار رح أسدّك ياها حين ميسرة .
تردّد سرحان بحكم تجربته معه ومعرفته بوعوده الكاذبة، لكنه فكر أنها مناسبة سانحة للتخلص منه فأخرج من محفظته ورقة نقديه ودسّها في جيبه .

سائح مزيّف في فندق حقيقي

شعر بالرهبة وهو يرى الفندق من الداخل، قطعةً من أوروبا بقلب الصحراء، انتحى مكاناً قصيّاً عند المشرب وانبهر بالسائحات السافرات والأضواء المنخلية الساطعة من السقف والموسيقى الأجنبية، مزمز البيرة على مهل وبدأ يتغلّب على عراقيته وخجله، أخرج كيس التّتن لفّ سيجارة ودسّها في فمه، تحلّب ريقه كحلق العندليب وهو يرى قناني ويسكي ونبيذ ومارتيني وروم وكونياك وفودكا وجين تونيك، رفع عينَيه فوق البار فوقع على صورة زنجي منتفخ الشدقَين ينفخ في سكسفون، أحسّ بوخزة في قلبه ( يمقت الصور حيث تختبئ العينان الزبيبتان ) هبط بصره، تأمل وجهه في المرآة العاكسة رأى ألا بأس بشكله (كان أمضى وقتاً طويلاً في العيادة يتأنق، تحمم بليفة قرع، حلق ذقنه مرتَين ونتف الشعيرات الزائدة في أنفه وأذنَيه وحفّ شاربيه، ثم صفف شعره بالسُشوار، وبخّ كثيراً من العطور المزوّرة ) تحسّس تسريحة شعره، مَيّل خدود وجهه الراسبوتيني بزهوًّ وخيلاء وقال لنفسه ...خوش شخصية أبو دلال، كل ما لا يُؤنَّث لا يُعَوَّل عليه ... انتبه إلى وجود سائحتين ترميان عليه نظراتاً كثيفة، شقراء شكلها بوهيمي، أخرى فارعة متلفعة بساري بلون الزعفران، ظن أنهما تسخران من هندامه النشاز، ارتد طرف عينه لاشعورياً إلى قميصه اللاكوست المزوّر، رأى أن التمساح الأخضر يبدو أكبر من العادة ويفتح شدقَيه بشكل مبالغ فيه، شدّ أطراف سترته إلى صدره حتى أخفاه، رشف البيرة بعصبية، استدار مع الكرسي الدوّار وأعطاهما ظهره، ثم لمحهما في المرآة تنظران له بحنان مضبوط كما ينظر صيّادان إلى طريدة، بنظرات اشتهاء لا سخرية، استدار نصف دورة وبادلهما النظرات، ركز بصره على الشقراء وهي تمرر إصبع أحمر الشفاه على شفتَيها، رأى لها ردفين كردفَي فرس مدلّلة، وعليها رداء كوكو شانيل قصير لا يستر اللحم وإنما يضفي عليه غموضا وعبقرية، من نضارتها حسب أنها أربعينيه، ومن عروق يدها أنها خمسينية، لكنه بقرار حاسم قرر أنها تُشتَهى، شد على أسنانه وعلك ليبدّد اهتياجه، ابتسم ليُخفي خجله فابتسمت الشقراء أيضاً، عرَّض بسمته فضحكت، ضحك فقهقهت، قال في سرّه ... خوش بداية مشجعه ... نقر بخواتمه على زنك المشرب قال للنادل من دون أن ينظر اليه :"ويسكي بليز "
تساءل لماذا اختارته، وهو العراقي الأصلع من دون السياح ؟ ثم أقنع نفسه أن الأوروبيات يخترن فحولهنّ من بين ذوي العاهات العور والكتعان والمعطوبين، هكذا من أجل ان تأخذ الشهوة أبعاداً غير حسية (حاتم خبير في الحريم، له تجارب عاطفية مع أرامل الشهداء ومع الكاوليات في كرخانة "الفوّار" حيث كان يَتَوَنّسْ في كل إجازة عسكرية ) تحرك شيء بين فخذَيه، فتيلة اللحم التي كانت في العراق رخوة وزائدة، مجّ نَفَساً عميقا وسرح مع دوائر الدخان وهو يفكر بتكتيك الهجوم.... هل يبدأ بطرق باب الأحزان فيلعب دور بطل مهزوم ومأزوم ؟ أم يلج قلبَيهما بحديث عن المنفى والذات العراقية الجريحة، ويبهرج أيام محنته الشديدة بقليل من الدموع والأكاذيب ؟ أم يعترف أنه روحاني من أنصار الطب البديل يفتح للبائرات، ويعالج العنوسة والعقر ومكر الحماة ؟ أم يقول أيّ شيء يسير على لسانه : سلامات الله بلخير يمه، هاوْ آر يُو، شلونچ ، خوش طقس تمبكتو، الحرارة ربيعية بفصل الشتاء، الدشرة هذه أسطورة، أسطورة أنجبت 330 ولياً، كلهم عرب ماكو بينهم زنجي واحد، أرجوا ألا تكونّن عنصريات مع العرب كما هم العرب مع الزنوج، مرحباَ بكن على أي حال، أيلزم بوي فرند يا مدام، آني رهن الإشارة...
انما لا ينبغي أن ينفرهن فوراً، والأفضل أن يترك مسافة كافية معهن فيقول ... إني هَلْبْ يا مِسِزْ، أيَم أنْدَر يور ريكويست، برسم الخدمة، أيلزم آمنير لجولة سياحية في مسجد "سنكوري" و"جنجربير" ومكتبة "أحمد بابه"، فلو خرجتن وحدكن فسوف يجرّصكن صبيان الزنوج تيبابو تيبابو ..
رأى أنه بالغ في المراوغة وأطال مطال التخمين، عنّت له فكرة أقلّ كلفة من المواجهة المباشرة : طلب من النادل أن يقدّم لهما مشروباً على حسابه . وامتثل الأخير وقام بالمهمة فابتسمتا وهزتا رأسّيهما شاكرتين، فرك يديه تنحنح في قعدته، تجدّب ليفرّغ فائض الطّاقة اللاسعة، مرر أصابع يده بما تبقى من شعره تهيئ للمواجهة، ربط أزرار سترته السفلى ليُخفى قضيبه المنتفخ، زرّر العليا ليخفي تمساح اللاكوست، حمل الكأس ومشى إلى الطرف الآخر من المشرب، دعم معنوياته بجرعة ويسكي وتقدّم بجرأة فلسفية تقارب الإستفزاز، خطى أحرج خطوات في حياته، وفي اختبار الحرّية الأول ( لم يسبق له أن اّتخذ قراراً بمحض إرادته، في الجبهة كان يسير خلف الضابط مأموراً، في الناصرية كان يمشي مع القطيع بغريزة القطيع، في كردستان كان يمشي مع الكرد في اتجاه الريح، في العيادة تمشّيه أوامر عصري بحسب ردود الأفعال ) رأى نفسه واقفاً أمامهما بحياء أخرق، خرج صوته كنقيق ضفدعه : " هالو، مي حا حاخا، دكتر هاتم "
استقبلته الشقراء بابتسامة هوليودية، أفسحت له مكانا، عرفت بنفسها " مادلين" . وأشارت إلى صديقتها "فيوليت " .
رفعت الطويلة نظارة سوداء إلى صدغها، صفنت في وجهه : "خا ها هاتيم خاتيم آتيم مهامتيم ... قل لي بالله كيف يلفظ اسمك ؟
" دكتر هاتم، هاء مثل كاميرون دياز، ألف مثل جينيفار لوبيظ، تاء متل تينا لولوبريجيدا، ماء متل …
" مثل موميا لورين، أوكي أوكي سافا ... وير آر يو فروم ؟
" دكتر هاتم ... هاتم إيراكيان ... فروم إيراك ".
" قريتك إيراك أين تقع من تنبكتو ؟ "
" لاع، إيراك.... ميزابوتاميا، أشور بنينعال، بابل، جلجامش ونبوخذ نصر . قال ثم بلع كلّ ما في الكأس، شعر أنه ارتكب غلطة، ما دام أنه يكذب فلماذا لم يُكبِّر الكذبة ويدّعي أنه إيطالي وأن اسمه جوفاني أو عنطونيو، جرع جرعة ويسكي معتبرة ذوّبت جليده النفسي، تشجع وسألهما ماذا تفعلان بتنبكتو؟ أسندت الطويلة حنكها إلى راحة يدها، أنزلت النظّارات إلى عينيها وقالت أنهما مختصتان في ال "بيجو إتْنيكْ" وجاءتا للتعرّف إلى زينة الطارقيات، سألته عن اختصاصه في الطب فأجاب وهو يفرد أصابعه المزورقة بالخواتم السبعة : "سبريتشوال ميديوم، سوثساير، أسترلوغ، أسرار طبيعت ونفس عارف أست، أعالج بسر الرقم سبعة ".
ضحكتا وسايرهما في الضحك، وقرر أن أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم، طلب من الطويلة أن تُضمر رقماً في خاطرها فضمرت، وطلب منها أن تضرب العدد المضمر باثنَين فضربت، طلب منها أن تزيد ستّة على حاصل الضرب فزادت، طلب منها أن تقسم حاصل الجمع على إثنَين فقسمت، ثم طلب منها أن تطرح من ناتج القسمة الرقم المضمرَ فطرحت، ثم طلب منها أن تزيد أربعة إلى بقيّة الطرح ففعلت، سألها عن النتيجة فانفرجت أساريرها : " سَفِِن سَفِن مادجيك نمبر passez muscade ، سِتْ اكزاكتمان، يا للمصادفه العجيبة أنا نفسي ولدت يوم السابع من شهر يوليو، لعام سبعة وسبعين في مدينة Séte .
زاودت الشقراء : " أولالا ... وأنا ايضاً ولدت في مدينة Troyes لو تروا مارس ترانت تروا .
قال بصوت الكهان العميق : " ومن عجائب هذا الرقم أن الأودية سبعة، والكواكب سبعة والبحور سبعه، ...
نادت الطويلة على النادل وطلبت قنينة "جوني ووكر" مقترحةً الإنتقال إلى البهو الداخلي للفندق، حملتا أغراضهما ومشت مادلين أمامه متعمّدةً أن تحرّك مؤخّرتها في حركة خليعة مموسقة، راقبها بعيونٍ جائعة وقال لنفسه "خوش قفّة" جلسوا عند منضدة بامبو تتحلقها كراسي خيزران، رفعت الشقراء كأسها : " نخبك دكتر خايتن، خا ها كا مهاتما مهاتيم هاتيم خاتيم هايدن .... ما رأيك أن نسمّيك طومي "؟
هز رأسه موافقاً (في أربيل كان حاتم، في العيادة صار أبو دلال، أسماء مستعارة تقوم حجاباً بينه وبين عيني "الرجل الضرورة" الزبيبَتين) أفرغ قدحه في بطنة دفعة واحدة وسألهما كيف صارتا صديقتين ؟ قالت مادلين :" بالصدفة، التقينا في "بايروت"، فنحن الاثنتان من عشّاق المعلم ريشار، ريشار فاغنر .
قالت الطويلة :" نحن نتفق موسيقياً، لكننا نختلف فلسفياً، فأنا نيتشوية ومادلين روسويّة
ثم سألته بالفرنسية : " On donne du Wagner à Bagdad ?
مسح فمه بكمّه أجاب وقد خدرته الخمرة : " شنو رشاد ! شنو فاخنر ! نفاخ نار ! خره بربّ بغداد، بصحتكن يا معوّدات دوستكام ".
عدّلت مادلين موقع كرسيها، قرعت كأسها بكأسه اقتربت منه، حرّكت خياشيمها وأحست نفحات جسده نفّاذة رغم العطور المزوّرة، تأملته بولهٍ حقيقيّ مستشِفّةً في وجهه أسرار الشرق ونزواته، انقلب في عينها إلى رجل بداءة متوحش، جسّت عضلاته وقالت بصوت به بحّة النساء الشبقات : " لوبون سوفاج، فونتين دو جوفانس، جيغولو
وناولته يداً طرية طالبةً منه قراءة طالعها . نظر إلى خطوط راحتها، شعّت عيناه بوهرة الكهّان، وراقب اختلاجات الوجه والخدّين في محاولة لاستشفاف إمكاناتها العاطفية، حملق فيها حملقة ذئب شرس في نعجة ضائعة، تحاشى النظر إلى فخذَيها (كي لا تتوتر اعصابه أكثر ) رأى أن رقبتها رخامية، بشرتها تتجاوب مع حمرة شفتَيها ومع الشبق الظاهر في عينَيها، لمح اللسان القرمزي يتسلّل بين شفتين صاديتين ... وتخيَّله انطلاقاً من الفم الشهواني والشفتَين مجرّدا من اللانجري ومن غشاء البكارة (الفرنسي يستثقل هذا الشيء ويتخفّف منه مع أول عابر سبيل ) تعمّد أن يقول بالفارسية : " زن خوش طبعى وطينت وطالع، عاشق معشوق هست، عاقبت بخير بودن .
أرخت الطويلة أهداب الشال الكشميري، سحبته من حضن صاحبتها، ناولته يدها وطلبت منه أن يبصّر لها، أخافته شخصيتها القوية، قال لها : " فووليط إنتِ خوش مرا، لكن فيك سرّ يقهر الرجال، قلبك مثل الباستيل ".
" نو طومي، قلبي بالأحرى مثل خط ماجينو تراه منيعاً من بعيد ولكن بمجرد الاقتراب منه يسقط بلا مقاومة ".
أحسّ بقلبه يسقط، اشتدّت نزوته عليها، عليهما، تخيّل المشهد الفظيع : رجل بداءة سومري مع سيّدتين متحضّرتَين، فأدار يدها على ظاهرها وقبّلها بطقوسية، وشعر بتراخيها وثقل ذراعها، ارتسمت في عينَيها رغائب صامتة، ارتفع صدرها وهبط، انضبعت بنظراته الجائعة وعيَنيه المكحلتَين انقادت له انقياد النهر للبحر، رجحت رغبتها على حيائها، فرمت ذراعيها فوق كتفه ضمته بقوة وهي ترى السعادة شاعّة من عينيه :
Quel regard engageant, vient la chair est faible le désir est ardent : tant pis pour mon mari :
انزوى في حضنها متل كنغر صغير، تلوي بين أضلاعها صامتا خاشعا كطفل ضاع دهرا وآب لاحضان أمه، لزّت به الشقراء من الخلف وحشرتاه بين صدرين وأربع نهود، أحس بقطيعة مع ماضيه وأن ذاك الحاتم الذي سبقه بتسعة وعشرين عاما ليس إلا قريناً مأساويا وأخذته غبطة إشراقية أعنف من كل الملذات، أربكه الحنان المفاجئ والصيدُ السهل والإنسانية والنظرات المعبرة والضمة الحانية، وانسلّت يده إلى حمالة صدر الشقراء وما تحمله ثم تحسست قفتها، هابطةً نحو السّرة قبل ان تسحل إلى الثمرة المحرّمه، سحب يده مصّ أصابعه، خرج من بين أيديهما بشعر منفوش وعينَين زائغَتين، لم يتسع قلبه لكلّ هذا الحنان بعد عيشة ضنك أمضاها في الخوف والتخفي والحرمان ... لكن لماذا تأتي الأفراح متأخّرة دائما وبعد أن تتكلّس الروح ؟، لماذا لم تأتيا قبل عشرين عاماً لتخلصاه من ذاك الكوكب الآسن ؟ لماذا لا تدعانه يطلب لجوءاً عاطفيا إلى صدريهما فينسى العراق و"الرجل الضرورة "والأيقونة .؟...
شدّ عضلات وجهه ليكتم رغبةً بالنشيج، تسلل الانفعال إلى أهداب العينَين فارتخت، هطلت الدموع حقيقية حارقة،
ضمته مادلين إلى صدرها قالت بحنان حقيقي: " وفّر دموعك لمناسبات أجمل، لايف إز شورت، إمرح، إغتبط، بي هابي .
داعبت الطويلة عقدا برقبتها من حجر السبتنيس قالت بنبرة نرجسية مستهلكة: " أفهمُ حزنك، العدوان وشيك على بلدك، ليس التعذيب ما يخيفني ولا سقوط الجسد النهائي إنما هي اللامبالاة العمياء لعالم فاقد الإحساس " .
لم يفهم هذا الحزن الفائض على شيء لا يستحقّ أن ُيحزن عليه، وتصنّع الحزن لا على العراق والعراقيين بل تضامناً مع حزنهما، سحب سيجارة من علبة سجائرها وناقض نفسه قائلاً أنه ليس ضد الحرب بل ينتظرها بفارع الصبر .نتأت تفّاحة آدمه في عطشٍ كربلائي مدّ القدح فارغا :" لخاطر الله خلّ دنشرب، إنت صُبّي يمه، سْقوني سْقوني
خطف قنينة الويسكي وعبّ مباشرة، وانتزع نفسه من أيديهما، خلع حذائه دلق الخمرة به، ثم أفرغها في مصارينه ومسح فمه بكمّه تحت أبصار الفرنسيتين المذهولتين، تعكر مزاجه، أربدت ملامحه، دخل في حالة النكوص والإرتداد، توترت حواسه، ازدرد لعابه وأجفل أحس أن ثمة من يراقبه، عينان زبيبتان سوداوان جارحتان كعينَي صقر، انشالت عيناه نحو المشرب رأى الصورة المعلّقة فوق البار : زنجي منتفخ الشدقين ينفخ في سكسفون وعيناه مغمضتان تماماً ... مرّةً أخرى الطارئ اللّجوج الكلّي الحضور، هي يقيناً الأيقونة المرعبة في تحوّلاتها، الرجل الضرورة في خفاشياته الليلية قد تجسد بشكل عبد نوبي، جاء ليعكِّر عليه خلوته مع خليلتَيه ...
نكس بصره تراجع إلى الخلف، شتم الصورة :"اخرج يا صانع أحزان العراقيين "
أمسكته مادلين : " ماذا بك طومي هذه مجرد صورة .!.
وطلبت من النادل منه ان يسجل كل شي على حساب غرفة 13، اقتربت من سيارة التويوتا قالت لصاحبتها :
Partons à l’aveuglette, désorgansisons nos vacances. Conduis jé suis ivre .
أحجمت الأخرى عن السياقة بحجة إنها سكرانه أكثر منها، تطوّعت مادلين للإمساك بالمقود .


أرابيك نايتس أو مملكة الحواس

أدركت السائحتان المخمورتان أنهما لا تختلفان عن الشّاب العراقي المسحوق بفراغ ماضيه إلا بماضيهما الثقيل، زادت مادلين السرعة وانطلقت دافعةً السيّارة إلى تخوم الصحراء (هذه الصحراء ليست أي مكان، بل هي ردهة داخلية للصميم الفرنسي الكولونيالي، لها سحر خاص في عيون المستعمِرين)، لذا أحنت فيوليت رأسها بخشوع مبالغ فيه حين مرّوا قرب المقبرة الفرنسية وغمغمت : " Y’a d’la france partout "
أخرجت علبة ناشوق برونزية منحوت عليها حرفا M M وقالت أن لها قيمة تاريخية ومعنوية كبيرة فهي من مخلفات سلفها العظيم الكومندانت ماكسيمليان مارولز الذي أخضع الطوارق وفتح صحرائهم الرهيبة وحكمها بكتيبة مهاري، وسقط في ميدان الشرف "بور لا فرانس " بعد إصابته بحمى المستنقعات المعروفة ب" الليشمانيوز "
وقف حاتم المترنّح متشبثاً بقضبان الحديد، مستمعاً بأُذنٍ واحدة ( لا يعنيه هذا التاريخ إطلاقاً، بل لا شيء يعنيه الآن سوى التاريخَين المسطّرَين بين الأفخاد الأربعة، كما لا يهمه من كل هذه الصحراء الخاوية سوى هاتين الواحتَين الغامضتَين المكوّمتَين أمامه، وكل تلك الفتوحات التي قام بها السلف العظيم لن تساوي شيئا إزاء الفتح المبين الذي سيُقدم عليه )
أقحمت فيوليت شريطاً في المسجلة فخرجت موسيقى كلاسيكية، اأصغت بهوس ديني :
Tanhauser quelle harmonie vaporeuse ! C’est un opium. un summum! le chef d’œuvre musical, le Cantique des cantique, l’âme germanique de l’ancien temps.Grandiose, céleste, prodigieux Je voudrais remercier ma mère de m’avoir élevée au lait et à Wagner
والتفتت إلى الوراء نحو العراقي : " إكوت طومي إسمع بقلبك، القلب هو حاسة السمع .
أنصت حاتم لا بأذنيه ولا بقلبه، لكن بقضيبه وسألهما إلى أين هما ذاهبتان، فتمايلت فيوليت مع الموسيقى وقالت معزِّزةً كلامها بيدَيها :
Loin, bien loin de la civilisation des autres, de la pollution universelle
حرّك فاغنر اللعابَ في غددها الصمّّاء ورمى حجراً في بركة رغائبها، فهزّت قبضتها في بادرة ميلومانية وتقمّصت دور قائد اوركسترا، رطنت : "
Oh, cette mélodie me donne la fièvre. Elle englobe toute l’anatomie de l’amour charnel. C’est l’art total. Quand j’entends trop de Wagner, j’ai envie d’envahir la Pologne ! Il y a de la folie dedans. Une névrose
ليَّل الليل أكثر، ولمعت النجوم أكثر، تجلّت الصحراء ملاذاً إيكزوتيكياً، صرحاً غير واقعي مكرّس للفانتازيا، ردّت الصحراء إلى مادلين شبابها وجعلتها تحسّ أنها في العشرين، وفتّحت قريحتها :
Mille et une nuits Imposante. Surnaturelle ! Féérique ! où rien ne bouge dans un monde où tout va très vite.! Quelle confusion des sens, être barbare et civilisé ! J’ai l’impression d’être ailleurs d’avoir fait un recul subit dans le temps antérieur
ابتسمت لأشجار الطلح والكثبان الرملية والقمر المضيء، أشعلت سيجارة وتجدّبت : " أنا متّفقة تماماً مع جان جاك بأن الطبيعة خير وأن المدنيّة شرّ، وأن جميع الناس متساوون أمام الطبيعة .
جرعت فيوليت من قنينة فودكا بطعم الخوخ وعارضتها : " أما أنا فأؤمن مع فريديرك بأن الطبيعة وراء الخير والشر، وأن الناس طبعاً غير متساوين .
ثم نظرت إلى حاتم خلفها باستعلاء مبطّن بالبراءة ناولته القنينة : " وأنت طومي معها أم معي ؟ مع روسّو أم مع نيتشْ ؟
" على الحياد دارلنغ، معكن الثنتين، رُصّ ونيش ".
ثملت الطويلة، غارت في المقعد مادةً رجلَيها الطويلتَين فوق التابلوه خلعت الساري ورمته من السيّارة، نزعت حمّالة صدرها رفعتها برؤوس أصابعها رمتها فوق الرمال والسيارة تسير، رفعت ساقَيها رمت بفردتَي حذائها، أزاحت سترنغ شفاف أحمر ثبتته في أصابع قدمها اليمنى تحركت برشاقه راقصة باليه على إيقاع الموسيقى، غرزت رأسها في المقعد الجلدي، رفعت السترنغ برجلها وقرّبته من وجه حاتم ودسّته في فمه، فعضه ككلبِ مسعور وشمّه وغالب رغبة قويّة في ابتلاعه، ركنت الفرنسية العارية رأسها على باب السيارة الأيمن، تمدّدت على المقعد، حوّطت بساقيها خصر السائقة وجرّدتها من ثيابها الداخلية، مرّرت أصابع رجلها المزيّنة بالورنيش الأحمر على الحلمَتين وتضاريس الجسد العاري نزولاً إلى المنطقة المحرمة، أدخلت إبهام قدمها ثم أخرجتها، انكمشت كأفعى، قرّبت قدمها من فمها برشاقة يوغي ولحست أصابعها بطقوسية ماجنة، تراخت مادلين وأرخت المقود، داست على البنزين وغرزت لسانها في حوض صاحبتها، وانجذب الفمّان إلى بعضهما في قبلة نزقة، دلق حاتم الفودكا على وجهه، بعثر نظراته على المهبلَين ببلاهة طفل يشاهد الدنيا من وراء صندوق الدنيا، وغضَّن جبينه يستجمع صفاء العالم الطافي، العالم الذي لم يكن يحلم به في أوقح أفلام البورنو، ولولا الفودكا القويّة لأصابته الصدمةُ نفسها التي أصابته في عراقه وانكمش قضيبه بسبب الحريّة الزائدة كما كان ينام بسبب الخوف الزائد . شعر بنشازه وهو لابس بين عاريتين كأنه عارٍ بين لابستين، نتعت فيوليت سترته مع القميص ورمتهما، بحركة عصبية خلعت سرواله الداخلي وعرّتهً كبزاقة قرّبت رأسها من مستوى خصره، دلقت عليه فودكا لحست حشفته، غرزت مخالبها العشر به، أزاغت عينيها بخشوع حقيقي، بفناءٍ صوفي : " Un seul dieu tu adorera
أهملت مادلين السياقة، طاولت رقبتها ومدّت يدها، أطبقت عليه من جهتها والسيارة سائرة خبط عشواء في المدى الممتدّ، وعزفت الأيادي الأربع على وتر واحد، داست مادلين على دوّاسة السرعة وأرخت المقود بلا خوف فكل الصحراء أمامها طريق، مرّرت فيوليت يدها فوق المناطق الحساسة فكل ثنية في الجسد دعوة إلى الانزلاق، انطلقت التويوتا وحدها مسحورة، تجرها جياد خفية، سارت في مسار قوسيّ وتوقّفت فجأة مثيرةً ناعورةَ رمال، نزل حاتم وأنزل معه صندوق الخمرة، قفزت فيوليت كلبوة مهتاجة، نزعت فلينة قنينة شمبانيا، سددت الرغوة الفائرة إلى وجهه وأعطت إشارة البدء بصرخات حيوانية :
" Hourra !! Buvons sans modération, assouvissons nos désirs, rentrons dans l’enfer du plaisir, libérons-nous de la pesanteur de l’existence ,
أطبقت الطويلة عليه وأطبق هو على الشقراء مبحراً في تضاريس وخرائط اللذة، بلاد ما بين النهدين، زقّورة بابل، أرض السواد، نزولا لملتقى النهرين عند شط العرب، حملق في تفاصيله بفضول بحاثة أركيولوجي، لعق ضفّتيه، متنه وحواشيه وبراريه المترامية في العمق، قبَّل سقفه وحيطانه، استطعم مذاقه الحامض كالثمار المبكرة، ورائحتَه الزكية كضوع غابات الارز، مرّغ أنفه في الثنيات الأرجوانية.... محراب اللذة، مغارة على بابا بكنوزها وأسرارها، مومسات "الفوّار" الكاولية لم يكنَّ ليسمحن له بهذا الترف الأساسي، كنَّ فقط يشكلن ورقة الخمسين ديناراً بحمّالة الصدر ويضغطن على ظهره ويجبرنه على الإهراق السريع ... تشنج فكّاه وأوداجه، تحرك لسانه في تيه ميتافيزيقي، في نزوعِ نحو إطلاقة الشهوة وديمومتها، في رغبةٍ هستيرية لبلوغ القاع، قاع القاع، تخشّبت عروق رقبته، غلب عليه الوجد والشبق، تشققت شفتاه فارتد صادياً مرغياً مثل جمل لائب حول حوض ماء، بسلاحه الأمضى اقتحم بوّابة أوروك ذات المزاليج السبعة، غرز يديه وخواتمه السبعة في دهن إليتها الوفيرة ( لم يعرف إلْية أي واحدة منهن ) التحمت البداوة بالحضارة، والكبت الشرقي بالفجور الغربي، الإبن الضال بالأمّين الضرورتَين، حرارة الشباب ولهيب ما قبل الإنطفاء ، تدفّق الدم في اندفاعة إيروسية ، وانضخّ في الشرايين والعروق والمسامات ونضح من الغدد الصماء ومن أوردة الرئة الصدئة ومن صمامات القلب المسطومه، خرج من المجدلية ليفوت في البنفسجة، ثم من البنفسجة إلى المجدلية، عرّج من المنطقة الترفيهية لمنطقة الصرف الصحّي، شبقية طليقة ، عبقرية وفوران الجسد، أتون الرغبات، وفنون الكوماسترا، اندفاعات إيروسية، نكاح عظيم ومضاجعة محمومة ، أخذته في لحظة الأحتدام أحاسيس مفارقة : ظمأ لا يروى في الشرايين، كبت في الروح لا ترويه فروج الأرض قاطبة، ، التوت الثعابين الثلاث في توتر سيمفوني، ارتفع صوتها، صوتهما، مثل عواء ابن آوى " أوه طومي، أعصرني بعضلاتك القوية، مون بتي أراب، فجّر إرهابك في جسدي " توحّد بها، بهما، أشدّ أشَد تقلص وجهه بانكماش الرعدة الوشيكة، تكاثفت انكسارات العينَين إلى ضراعة الخشوع، وحفن بقبضتيه حفنتي رمال في فورة جامحة، وبات على وشك، على قاب قوسين أو أدنى، خطوات قليلة تفصل الطائر الأعمى عن سدرة المنتهى ، وفي ذروة انخطافه شخر إنكي بخيلاء الثور الهائج وملأ الفرات بالماء، وبالرّعشة الأكثر بلاغة، وأضاءت أعماقه المظلمة لحظة كثيفة ارتسمت على محياه التماعة نشوى وفرح وأحساس مثير بأن الكون مخلوق له وحده وان كل ما سواه أكذوبة ، انسلّ صوت ناي ناعم كخيط ماء رقراق، ثم صوت طبول صارخة ،كمنجات فيولنسل قيثارات صناجات، صراخ الباريتون في ذروة الماسأة الفاغنرية، سمع كلاماً غامضاً في هلوسة المشاركة الوجدانية، امرأتان تتناجيان بلغة لا يفهمها ، وهو في عصمتهما مجرّد محظيِ ما أو جارية ذكر ، كلمات يسمعها للمرّة الأولى، بحدة درامية كالنجوى، كفيض الخاطر، عانقته الطويلة بباتيكية " جو تي ايم طومي "
ناجته الأخرى " ميرسي شيري "
شعر أن من واجبه أن يقول شيئاً فحرك شفتيه بارتخاء " أحبچ فووليط، مووضلين أحبچ

فاغنر في تمبكتو أو لو جاردان دي سوبليس

فتح عينَيه فرأى نفسه عارياً، وبقايا أسنان مغروزة في رقبته وصدره وحتى على قضيبه، شمّ رائحة عطر نسائي وحيامن وخمرة، نظر باحثاً عن مكان مستور يبول فيه ثم فطن إلى أنه عارٍ فبالَ في المكان نفسه وأهال الرمل ... كان قد حارب على جبهتَين، معركة أم المعارك، قام بالواجب، أخذ وأعطى وصولاً إلى نقطة الاتّزان .... ورآهما ممدّدتَين عاريتَين كتمثالَين إغريقيَّين مترهِّلَين، مدّ إصبع رجله وأدخلها في شقّ مادلين، فتحت عينها وتمدّدت على بطنها، أسندت حنكها بكفَّيها، واتكأت على مرفقَيها، غمرت رأسها بحضنه في غبطة إشراقية: "ساكري طومي كِلْ سانتيه ، ثلاث مرّات أوصلتني إلى قمّة جبل الأولمب، من أين لك هذه القدرة"؟
هزّ رأسه بإعجاب ذاتيّ، قال وهو يحاول تطويل قضيبه المتراخي: " قدرة ربّانية يا معوَّدة، العراق والعرق والكبت العريق والتمر واللبن والتمّن والمرق وفتاوي إبن باز وحوزة وشمس وحرارة وفيضانات (تثاءب وتجدّب) والثلوج لما تتراكم بجبال أرمينيا تتحوّل لأمواه زاخمة في النهرين، فيضانات تجرف المشاحيف والجواميس والأبلام والصرائف".
نهضت فيوليت، نفضت رمالاً عن إليتَيها، تناولت علبة سجائرها، تمطّت بنشوة ما بعد المضاجعة، وأعلنت أن السيجارة بعد النكاح هي أعظم شيء في العالم، شغّلت المسجّلة فصدحت موسيقى فاغنر، أخرجت آلة التصوير الرقمية، وصوّرت شجرة الطلح والسيّارة والرمال وصديقتها، أمطرته بزخّة سريعة متتالية، تمدّدت وقضمت لوحاً صغيراً من الشعير المعقود بالكاكاو. أمسكت قلماً في يدها ووضعت نظّارات شمسية، استلقت على ظهرها واستسلمت إلى الخمول والشمس والكلمات المتقاطعة، بعدما وضعت كاسكيت على رأسها، ومسحت جلدها بدهنٍ واقٍ.
مدّ يده واختلس سيجارة "غلواز" من دخان مادلين، ثم فتح قنينة بيرة بأسنانه، مزمز وهو جالسٌ يراقب دوائر الدخان تتصاعد بشكل حلزونيّ... منذ سنتَين وهو يحاول مع صاحبيه إيجاد سرداب سرّي إلى أوروبا، الطرق كلّها كانت مسدودة، ها هي الفرصة: يطلب يد إحداهما أو كليهما، يمتّعهما بزواج متعة لشهر أو لشهرَين، ويعبر عليهما جسراً إلى قارّة الهناء والسعادة، ينسى العراق والعينَين الزبيبتَين...
وضع جمرة السيجارة في راحة يده، همس للشقراء بصوت تعمّد أن يكون حنوناً: "موووضلين دارلنغ"!
التفتت نحوه فاستأنف: "إذا جاء شاب ما يوماً، ولنقل عمره ثلاثين سنة، جاء لامرأة لنفرض أنها في الخمسين، أراد أن يقيم معها علاقة، علاقة ما على المدى الطويل، فهل من حرج ما في هذا الزواج "؟
"على الإطلاق طومي، وأنت تعرف جيّداً أنه في عهد غابر كان ثمة نبيّ، خمسيني أيضاً، تزوّج بطفلة عمرها تسعة أعوام، فأين العيب في اقتران امرأة خمسينية بشاب ثلاثيني"؟
أنزلت النظّارة إلى عينَيها، تأمّلته بإمعان، أيقنت من احمرار خدّيه أنه جادّ، ضربت صدرها: "أوه لالا مون ديو، سي فارسيسك، أنت تمزح طومي، لو أنني أنجبتُ لكان ابني في مثل عمرك".
"أنا أعني ما أقول موضي، السنوات العشرون ماهي إلا أرقام، من يحبّ لا يعدّ".
بحلقت في ذراعَيه المفتولين ثم في عروق يدها النافرة، كامرأة مجرّبة رفضت بحزم: "نو طومي، أنا امرأة واقعية آخذ حظّي من متع الحياة، الحدّ الأقصى من اللذّة في الحدّ الأدنى من الوقت، بليز دعني أتشمّس".
استدار إلى الفرنسية الأخرى، رفع رأسه ببطء وانكسار، قال برنّة عاطفية خاصة: "وأنت فووليط دارلنغ، هل ستظلّين طول عمرك مطلَّقَة"؟
كانت الطويلة تحدس أنه سيتّجه نحوها ويكرّر الطلب معها فاستعدّت للمواجهة "أنا لست مطلَّقة أنا مطلِّقة خلعت زوجي (ورفعت صوتها) نو مبرت كوا ، تريد أن تحشرني مع حريمك في خيمة واحدة، وبعدما تملّ مني، تردم فارق العمر باللكمات والشتائم".
"من قال لك إنني لن أملأه بورد جوري"؟
"وقاحتك وجسارتك على طلب يد صديقتَين في دقيقتَين. آنْفان طومي. إنك ترى فينا كلّ ما ليس فيك: المال، الحرّية، الانتماء إلى أوروبا. ونحن نجد فيك كل ما لم يعد فينا: العنفوان والشباب والجنون، لنظلّ كما نحن أصدقاء عابرين في علاقة عابرة".
وانقبضت أساريره خيبةً، انتفض وناح: "داخل على الله وعليكن لا تتركوني وحدي، خذوني ويّاكم، خدمة بسيطة، أتزوّج واحدة منكم، تنفعني ولا تضرّ نفسها".
"كم ناقة ستدفع مهري"؟ هزّت الطويلة رأسها عابثةً.
"كل نياق الناصرية بشارتك".
"وأنا كم برميل نفط سيكون ثمني"؟ سألت الأخرى
"ينابيع الزيت البصراوية كلّها فدوى لعيونك".
اصطنعت فيوليت الغبن، قالت وهي تدخل أصابع رجلها في أحشاء مادلين: "لأنها بكر عذراء مهرها البترول، ولأنني ثيّب مهري قطعان الإبل؟ غشاء البكارة على ما يبدو غالٍ عندكم، ألهذا السبب تفضّل نساؤكم الزانيات الإيلاج في الدبر"؟
تأمّلته بتعالٍ ونفخت الدخان في وجهه: "دعك طومي من هذه الترّهات، الزواج قيود وأخاف أن تمنعني من نكاح غيرك، أنا امرأة طائشة أغيّر عشّاقي مثلما أغيرّ ثيابي، أنتم المهامتان تعاملون المرأة كأحطّ من دابّة".
"تقصدين الوهّابيين المتزمّتين السعوديين، لكن أنا عراقي، عراقي راقي، مسلم مسالم معتدل، عروبة لايت".
"القنافذ ليس بينها الأملس، والمسلمون ليس بينهم المعتدل، كلّكم كيفكيف . صرخت فيوليت هرست عقب السيجارة في الرمال وصرخت أقوى : " أنا امرأة حرّة بالمعنى الفرنسي للحرّية، هل سمعت بجورج صاند ودوبوفوار وصافو؟، أتقبل أن أعاملك كأنثى؟ أيناسبك الزواج من سحاقية"؟
"أنت امراة سحاقية وأنا رجل مسحوق، خوش، أتزوّجك زواج مؤقّت، زواج متعة".
"مونشير واضح أنك مهتمّ بالزواج أكثر من الزوجة، لمَ لا تلعب معنا طرة نقشة"؟
نكّس رأسه بحزنٍ كوميديّ،شهق وخبّأ وجهه في ذراعه، خنَّ ببكاء كربلائي من دون دموع، حدس بأنّ معاناته ستكون جواز سفر إلى فؤادَيهما، فادّعى أنه كان أصغر سجين سياسي في العراق وقامت "منظّمة أمنستي أنترناشونال" بحملةٍ لإطلاق سراحه، وخرج بعد خمس سنوات معطوباً، وادّعى كذلك أن اثنَين من إخوته سقطا في الحرب، والثالث أُعدم، إنه هو نفسه محكوم إعدام غيابياً لأنه فرّ من الجبهة، أشار إلى ندوب من بقايا التطبير على أنها آثار تعذيب، حلف يميناً أنه قام بمحاولتَي انتحار،ثم جرع ما في القنينة ورماها على الرمال وغمغم في تمثيل مسرحي: " وين حقوق إنسان مبادئ الثورة الفرنسية؟ حرّية حبّ حنان"!
تناول سكّينة الزبدة، قرّبها من شرايين ساعده مهدّداً: "لو تاخذوني ويّاكن أو أنتحر. خرا بالله ، ملّيت".
قالت فيوليت وهي تفرك زندَيها بمرهم: "حاول جهدك ألا تكون محاولة فاشلة كالمرّتَين السابقتَين".
نقر بطرف السكّين الثخين على ساعده كأنه ينقر بريشة على أوتار عود، وخبّأ وجهه في راحتَيه، تهاوى، عفّر الرمال، لطم وجهه، ثم هدأ وسحب قنينة بيرة وفتحها بأسنانه واختلس سيجارتَين، ثبّت واحدة خلف أذنَيه وأشعل الثانية، وأخذ يدخّن ويكرع بيرة ويبربر بجمل مبتورة غير مفهومة، لمح تعاطفاً في عينى الشقراء، قال مُسترحِماً: " سأحبّك للأبد دارلنغ، بديني بمذهبي بمقدّساتي، والمرتضى والسبطين والحمزة أبو حزامين ".
"وأنا شيري هل ستحبّني إلى الأبد"؟
"وأنت فوليط، وحقّ شط الفرات والدجلة والغرّاف، عهداً علي سأحبك " .
"معادلة صعبة جداً، هل لك قلبان طومي، هل يتّسع حبك لاثنتَين"؟
"موضلين فووليط! لاكت يا معوّدات! على علمي انتما كيان واحد، روح واحدة في امرأتَين، فيوضلين".
وتعجّبت الطويلة من بداهته، زفرت بنبرة توحي أن تغيّراً طرأ على موقفها، قالت : " يا لك من ثعلب! لمستَ وتراً حسّاساً، مكمن هويّتنا، أنت على ما يبدو حقيق بالصداقة ولا يليق أن ندعك بين همج تمبكتو".
وأردفت بعد أن رمقت صاحبتها بنظرات مبطّنة: "نتزوّجك بشرط أن تقبل بجنوننا هذا النهار".
ارتجّت في بدنه لذّة خبيئة وأعلن قبوله بلا قيد ولا شرط، قالت فيوليت: "تْري بْيِينْ، لكل لعبة قواعد يُقال لها: قواعد اللعبة، الجنس خضوع للعبة الحياة والموت، نحن كما تعرف مبتليّتان بفاغنر والسحاق والشبق، الإنسان الطبيعي لا وجود له وإن وُجد فالفارق بينه وبين العصابي هو بالدرجة لا بالنوع، لذلك سننطلق بحرّية أكبر، نتبادل الأدوار، نجرّب قوامة النساء على الرجال، نلعب لعبة أسياد وعبيد، نكرر تجربة 120 يوماً من سدوم وعمّورة،
دندنت بصوت درامي:
Si tu ne m’aimes pas, je t’aime ; si je t’aime, prends garde à toi!
تغيّرت ملامحها إلى متسلّطة وأمرت صاحبتها أن تضع في المسجّلة شيئاً من ريشار (في العلاقة الفصيحة بين المرأتَين، فيوليت هي الطرف المسيّطر الفحولي ومادلين تلعب الدور الأنثوي الخاضع) كبست الشقراء زرّ المسجّلة فارتفع صوت أوبرا "داس غولدراين"، أخرجت من شنطة جلدية لانجري النكاح والسحاق، تعصّبت كقرصان بعصابة سوداء تخفي العين اليمنى بينما أخفت الطويلة عينها اليسرى وانتعلت كل واحدة جزمة سانتياغ ٍ، امتشقت كرباجاً من جلد كركدن ولبست ثياباً جلدية مشدودة إلى الخصر، وضعت الشقراء في فمَها مصّاصة سكاكر حمراء بشكل قلب. بدت كأنها كائن آخر، وهي تقرّب الأصفاد منه: "هيّا يا خنزير أدخل يدَيك، وما بكيت منه في العراق ستبكي عليه الآن".
مثل بين أيديهما في استجابة المعذَّب للمعذِّب، بانصياع، بامتنان، برضى، ثبتتا بعنقه ساجوراً جلدياً كالذي يوضع في أعناق الكلاب، ربطتاه من حوضه بسلسلة حديد ومررتاها فوق الشجرة ثبتتاها في مقدّمة التويوتا، رفعتاه قليلاً،، فَحَجَت الطويلة وعلى صدرها صليب مقلوب ككبير كهنة القدّاس الأسود، ثم دارت حوله بطقوسية، دقّقت فيه باستعلاء إمعاناً في ضبعه في أوالية السيطرة والخضوع، رفعت حنكه بمقبض الكرباج، وقالت : " الفظاظة أَجَلّ من أن تُعتبر عيباً، وهي الانطباع الأول الذي طبعته الطبيعة فينا، الطبيعة أوجدتني أنثى ومع ذلك أريد أن أقهر الذكور".
لفّت أنشوطة الكرباج حول عنقه وجذبته نحوها، عاينته ببرودٍ صقيعيّ: "أنتم معشر الفحول تعتبرون الأنثى سيجارة كلّ ذكر يسحب منها نَفَسَين ويمرّرها إلى الآخر، وعندما تصل إلى الأخير يسحقها برجله".
طقشت إصبعَيها، نفضت منكبَيها، مرّرت كرباجها على ظاهر يدها بحركة رشيقة، رفعته وهوت عليه بضربة قوية على الظهر، وقبل أن يرفع طرفه فاجأته بسوط ثانٍ، ارتسمت علامات حمراء من منكبه إلى خصره ومن أعلى ظهره إلى أسفله، وانهالت عليه الشقراء من الطرف الآخر: "هيّا دع حواسك كلّها تنطلق، مارابو مدلّس، أفّاق، مأبون، أنديجين، بارازيت فينيان بونيول بيكو راتون، خذ".
صرخ لا ألماً وإنما استجابةً إلى لذّة كثيفة، ضاعت صرخاته في دويّ الكرباج :" أيَباه أويلي، عاشت إيدك .
دفعته الطويلة فتلقّته الشقراء، أرجحتاه في جحيم السياط، على صدره وبطنه وساقَيه: "ابن عاهرة، خنوع، ناقص، ذليل، مازوخي، تحبّنا وتكره ذاتك، حتّى ونحن نسيء إليك تحبّنا، أنتم العرب لا تأتون إلا بالقوّة، بدو، همج، أجلاف، تُشعلون الحروب وتخسرونها، تتحاربون في ما بينكم على بضع آبار نفط، العنف السائد بينكم يُبرِّر العنف ضدّكم".
بصقت في وجهه، صفعته على خدّه الأيمن فأدار لها الأيسر: "تدلّل حبيبي موضي، ضرب الحبيب زبيب، مور أند مور ".
"إخرس يا وغد، لست ضجيعتك، سيّدتك أنا يا راعي الغنم".
طأطأ رأسه بمازوخية تتناسب طردياً مع ساديتّها: "أفندم موضلين خانم، عبدك أنا، أي لوف يو مور أند مور ...
لامست فيوليت بكشكش الكرباج شعيرات خصيتَيه المرخيتَين، زمجرت: "وأنا أيضاً هل تحبنّي أيها القرد المُشعِر"؟
"قلباً وقالباً، مي تو دوست دارم ، وحقّ عارضات وجسر بغداد بكل إحساس أحبّك".
"كذّاب قميء، باربار، ميزرابل، سوفاج، لا تختلف كثيراً عن الناجين من هيروشيما وفيتنام وأوشفتز، الحروب أفقدتك الشعور بالحبّ، لم تحبّنا بل نكحتنا، بحقد نكحتنا، كنت تستعيد صدمتك من خلال النكاح الأعمى، اغتصبتنا يا همجي ا غ ت ص ب ت نا ".
" عشقتكم بإرادتكم".
"إخرس يا وقح يا بطريركي يا ميزوجين، ألا تدري أن كل ممارسة جنسية هي في نظر الفيمينيست اغتصابٌ صامت، سحقاً لك أنت وكلّ الذكوريين، سنتركك هنا فريسة للعطش والثعابين والعقارب، سنسلخ جلدك، نسمل عينَيك، نَجرم لحمك، نشرب دمك، ندهنك بالعسل حتى يعترك النمل على جثّتك ".
" فدوى لعيونكم، حرّرتم روحي، اعملوا ش تريدون ببدني".
ورشفت الفرنسية من القنينة وبصقت النبيذ بوجهه، حرّك الضعف الإنساني فيه غريزةَ الاسترجال فيها، فاستأسدت، غرزت جمرة السيجارة، في مؤخّرته، عضّ السلسلة الحديدية، جأر: "أويلاخ انهدّ حيلي يا مدام ارحمي".
دلقت من قنينة النبيذ على اللحم الموسوم فتكاثف الألم في لذّة غامضة، أفرز مورفيناً طبيعياً وأبقاه في حالة لذّة مطوّلة وانتشاء، وجحظت عيناه ولاب عطشاً، انبجس الدم أحمرا بلون الجلنار والخصب والحيوية، اختلطت الجراح الطازجة بندوب عتيقة من موسم الحزن الشيعي وطقوس النياحة . لطم بيدَيه المكلبجتَين صدره، ردّد بنحيب شجيّ: " أنا جرح الرباب إجرحوني، أنا النار والحطب، احرقوني، أنا المدمن عَ السِياط، سوّطوني، أنا مسيح بْلا صليب، أصلبوني، أنا بئر الظمأ، عطّشوني، ".
هوت مادلين بالسوط على جنبه: "وَلوِل أيها المازوخي العاجز سوى عن المكابرة".
قهقهت فيوليت بساديةٍ على منظر الدماء: " BDSM فظاظة قصوى، فانتازم إكستريم ، ماكسيموم بليزير، السعادة توجد في الخيال، في الإثارة، في الجريمة".
نزعت الغلّ من عنقه وأبقته مقيّداً بالسلسلة، أرختها، أنزلته أرضا نهرته :
sur quatre patte on the knees
حَبَا على ركبتَيه ومرفقَيه، ارتمت بعجيزتيها على ظهره، هوت برجلها على خاصرته، نخزت إليته، لفّت السوط حول رقبته وشدّته إلى الوراء، أمرته أن ينبح فنبح، أمرته أن يعوي فعوى، تهاوى فوق الرمال، أحسّ بجفاف ريقه وشرايينه، أشار إلى المطرة المعلّقة بالطلحة، أفرغت محتواها نكايةً بعطشه، لوّحت بأنشوطة الكرباج إلى الأمام، نترتها وانهالت به إلى الخلف على فخذَيه : "قوّاد لقيط وصولي سافل، تفضّل ذهب الراين على بنات الراين (داعبت بكشكش القرباج حجابه) هل تنفعك الغريغري أيها القزم البشع ألبريش"؟
أمسكت مادلين بيدها قضيب نكاح اصطناعي، كتبت بحشفته على الرمال "هنا مارسنا الحب مع طومي، يا للأشياء البائسة"، ثم لفّت رباطه على خصرها تحت مستوى السرّة، وقالت وهي تستعد لاحتوائه: " هيّا أيها المخنّث مستقبلك مضمون بين المثليّين، من استطاع استدراج سحاقيتَين دفعة واحدة بوسعه استدرج رجل لوطي على دفعتَين".
دهنت ثقبه بفازلين وأولجته من الخلف، أغمض عينَيه وفتح شدقَيه، شرعت تهزّ حوضها، جلدته فيوليت من الأمام بعشوائية، صرخ بقوة الوجع وصرختا بقوة الإيجاع، ذابت صرخاتهم في صدى واحد له معنى إطلاقية اللذّة، انهالتا عليه بالرفسات واللكمات والكرباج، وامتزج الأنين بالقهقهة في صوت محايد، وتلاشى الألم في لذّة الألم، انتصب قضيبه، وحدة انتصب كعضو مستقل عن بدنه، أحسّ برعشة أورغازم دافقة، شهق منتشياً باللذة المنحرفة.
أخرجت مادلين سيفاً طارقياً وقرّبته من وجهه، حزّت جلده ثم لحست النصل المدمّى، وسألته عن أمنيته الأخيرة فرفع عنقه في نزوع انتحاريّ: "إذبحيني ذبح الكبش، أفّادي إنت، روحي فدوى لك إذبحيني".
اهتز السيف بيدها فأرخته : "أوف أنا نفسي تعذّبت من تعذيبك، ألا تتوجّع يا تمساح"؟
شعر بألم في الشّرج، بمغص في المعدة، بدوخةٍ في الرأس، تلوّى على آخر رمق، استجدى شربة ماء، ثنت الطويلة ركبتَيها، أقعت وبالت على وجهه، كزّت بكعب الحذاء الفولاذي على عظمة القلب، عصبتا عينيه بخرقة تارلهايم حمراء، رفعت السلسلة الحديد وثبّتتها بالتويوتا. تركتاه وحده ومضتا تتساحقان في ظلّ السيارة.
ارتفع صخيب آلات النحاسية في الأوركسترا الفاغنرية، ساحت قدماه في الرمال الحامية، ظهرت أشباح حمراء في عَتَمَة النهار، ازدرد لعابه في فوضى الاسترجاع والذاكرة اللعينة .... الأحمر ليس فقط لوناً أساسياً، لكنه تكاثف المشاعر، الحقد والرغبة والدم والثورة، التعذيب في المعنى العراقي للكلمة عمل مزدوج المعنى، تمّحي الحدود بين موكب عاشوراء وسجن أبو غريب، يتماهى التطبير الطقوسي بالإيذاء العقابي، تتوقّف الوحشية عن كونها إساءة لتصبح شعيرة، بلاد السواد كانت مرتعاً للتناقض، عيون المهى والعينان الزبيبتان، الحجّاج والحلّاج، البداوة والتمدّن، الأساطير والسواطير، الرجل الباحث عن الخلود و"الرجل الضرورة"، الأبجدية والخازوق، عشتار إلهة الحب هي نفسها إنانا إلهة الحرب، وهو نفسه جزء لا يتجزأ ولا ينفصم عن هذا الفصام التاريخي، وكان بمقدوره أن يعترض على جنونهما منذ البداية، لكنه آثر أن يكون شريكاً فيه، ليعالج الصدمة بصدمة أعتى منها، أحببتاه وأسرفتا في الحب، كرهتاه فأسرفتا في الكره، لتفعلا ما تشاءان، إن كان هذا هو الطقس الاحتفالي الواجب ليعبر إلى الضفّة الأخرى من المتوسّط فلا غضاضة، بإمكانهما أن تنزعا بؤبؤَيه من حدقتَيه، وأظافره من لحمه، وروحه من بدنه، فحياته أصبحت وراءه وحلمه أمامه، أوروبا: حيّاً ميتاً مشوّهاً...
أحسّ بقطرة ماء على وجهه، وبيد على رأسه وصوت يقول: "إذا عرفت من أنا فككتُ قيدك".
ميّز خواتمَ الطويلة وصوتَ الشقراء فقال : "الصوت صوت موضلين، واليد يد فووليط".
وفعلا كان الأمر كذلك ففكّتا قيوده، أزاحتا الخرقة عن عينَيه، خطف مطرة الماء، عبّ منها ودلق على رأسه، عادت إليه الروح، لبث بلا حراك، تحسّس ريقه: "خيلي ممنون خَيْ، يرحم أبوك وجدودك، إنت فيض الفراتين، إنت الفيض الإلهي".
كبست مادلين على زر المسجّلة، فصدح المقطع الأخير من تانهاوزر "نشيد إلتقاء العشّاق"، نظرت إليه بعطف حقيقي وعانقته: "باردون طومي، لم نقصد الإساءة إليك، لكننا من هواة الأحاسيس العنيفة مثلك تماماً، لا شيء يعلّم الإنسان أكثر من الصدمات واهتزاز المشاعر، السادومازوخية ليست كلمات مجّانية، هي فلسفة فاعلة، معالجة كلينيكية، وسيلة لاستخراج الجواهر الخبيئة في منجم النفس العميق، وضعناك تحت التجربة ونجحت بجدارة، ما عساني أعطيك يا عريسنا الموعود: مجوهراتي! خيولي في مضامير سبق الخيل! أسهمي في البورصة"؟
وقالت الطويلة وهي تفلّي شعره من أشواك الطلح والرمال: "لا بل نعطيك أعزّ ما نملك، قلبَينا، سنتزوّجك غداً في الفندق، نكتب عقد الزواج ونسافر ثلاثتنا إلى فرنسا، تكون بعلاً لنا ونكون لك زوجتَين مطيعتَين، آن ميناج أ تروا ، أول طفل ننجبه نسمّيه: غرين كارد، تحصل على حق مواطنة فرنسي (لصاحبتها) نِسْ با ما شيري"!
"إكزاكتامان ان فريه غولوا ، نصطحبك معنا إلى بايروت لسماع تانهاوزر، وننحني أمام قبر المعلّم ريشارد وكوزيما".
أرخَت فيوليت ذراعها فوق كتفه وداعبت جراحه، وخصلات شعره و: "أوه لا تكن حزيناً مون برنس شارمان".
تناول سيجارة أشعلها وقال : "بالعكس أنا سعيد، ما دام ويسكي وتتن كل الأمور تهون، بعد إذنكم شفّة وايت لايبل".
"أوف كورس طومي، اشرب، فضفض عن نفسك، لا أريد مهرك، مداعبة خصيتيك أعزّ من آبار النفط كلّها، هل لاحظت أننا جلدنا كلّ ذرة من جسدك متجنّبتَين هذه التحفة الفنّية، أشتهيك، ضاجعني تان بي بور مون ماري، المعلّم فاغنر كان يتلذّذ بالخيانة الزوجية، سرق كوزيما من أعزّ أصحابه وكان يقول: أحسن أن تنامي مع بدويّ تحبّينه من أن تنامي مع زوجك الذي ما عدتِ تحبّينه".
أطبقتا عليه، والتحموا ببعضهم البعض، قفز من واحدة إلى أخرى، وكرّر ملحمة الليلة السابقة بهمّةٍ أقلّ وحقدٍ أكثر.
إنّ النّساء رياحين

رفس الباب برِجله، انتصب وسط العيادة، وجهه مشرقٌ بسعادة طاغية، رمى على صاحبَيه نظرة فوقية توحي بأن معطيات جديدة دخلت حياته. تمدّد فوق المدّ الخشبي، أسبل رموشه بنرجسية، طقطق عظام رقبته ليُخرج فائض النشوة المتفشّية في بدنه، ابتسم للجدران والملصقات ولعنزة سيدي الوافي ولكل الأشياء التي كان يعبس لها في الأحوال العادية، ثم شبك إصبعَين وعَتَّب: "عبّود جاي من النّجف بايع شْعيره، فسّد بنات الخلق هالباطل الغيرة... هنّيني معلّم عصري".
توقّف عصري عن حفّ ضبّة الأسنان، حملق به من فوق عدستَي نظّارة الشغل: "شو الظاهر توفّت حماتك"؟
"أي إنت هنّيني بعدين أخبرك".
"خير انشالله، بطّلت تلعب قمار"؟
"لاع بويه".
"دشّرت كار العونطة وكَشّ الحمام"؟
"معاذ الله".
"تبت عن السُّكر والطعريس"؟
"مستحيل".
"إنّو تركت السيكارة"؟
"نه نه أبداً".
"لكان بطّلت تلحق فروخ"؟
هزّ حاتم رأسه بالنفي، فقال عصري: "إذاً على شو بدّي هنّيك ؟ يبعتلك الهنا بالصاع"
داعب العراقي عضلات بطنه وعاد يتمتم في مونولوغ جهري : "ليكن كرشك مملوءاً على الدوام يا جلجامش، كن فرحاً وأفرِح العشتروتَين اللتين بين أحضانك،.... خوش خبرى تنبكتو نيست ".
فرك قبضته اليمنى على راحة اليسرى في إشارة كيد: "موتون بحسرتكم، أضربون جلخ".
قاطعه عصري بنفاد صبر: " يعني شفتللك شي مهرّب يهرّبنا"!
انسابت الكلمات من فمه بانسيابية وسلاسة: "يا عرب يا طنبورة! فرنجي مال باريز، يا سعد من ذاق طعم الفرنسي نكهة نبيذ معتّق، جنة بدن ، فراديس أرضيه تفيض غبطة ، بعد هاي التجربة الفريدة العملاقة الفذّة، الجبّارة، اللي خشّ بفد كيكو أعتبره رجّال غر أعذر، قطعياً أعذر".
اندهش عصري :"قطيعة تاخدك، إنّو شربان نْبِيتْ فرنسي بشي خمّارة"؟
عاد العراقي يتكّلم وحده كأنه يصف شيئاً غائباً لأشخاص غائبين: "باقوني بوق الحرامي، رحت اصطاد صادوني، بنفسجة ومجدلية يخجّلن البدر في السما، هالفن هالجمال الكرجي هالعواطف اللطيفة، خوش قفّة ، أيباه أويلاخ ( أغمض عينيه متخيلا ) والكيكو طيب طاهر متل بدر التمام ، يسوى حمصك وصعيدك وكل عمائم الأزهر ، لحم حقيقي مو صُوَرْ مال كدلوغ (قبّل رؤوس أصابعه) عسل بشهده ، بُوله أطيب من العنبر، غابات، أدغال متاهات سحيقه، مسك حرمل هيل هيييل. ينلحس لحس (لحس شفتيه) أيوباه أويلاخ ، الطيّارة طارت من لَنْده وطَبَّتْ بنيويورك وأنا داألحس، ، لم يزدني الوِردَ إلا عطشاً
رغم الإيحاء الجنسي الواضح لم يخطر ببال سرحان أن يفكر بأن الكلام يتعلق بالنساء في مدينة مقدسة بالغت في التزمت والتوهيب والنقاب ، انبرى له بفارغ الصبر : " ما تنطق يبو دم ساقع
أرجع حاتم رأسه إلى الخلف ونظر إلى صورة الممثّلة الأميركية وكأنها شيء تافه، قائلاً بنبرة استهتار : "روح أبوصعيد روح أضرب جلخ على قفة مارلينك، محض رسمى هست ( نظر إلى عصري والسمسونايت بازدراء) وأنت أبو حمص كب كدلوغ مَالَكْ بالزبالة، طرّهات قلاوات إشجاب لجاب! صلاة النبي، خوش زنان، أيباه طومي طوومي، نداء الحنان (صرخ بصوت عدوانّي) أنا منّا ورايح اسمي طومي، تمام ! اللي يندهلي حاتم أنيش ربّه، ألعن أبو كلمن يقوللي حاتم ".
رفع عصري صوته بوجه العراقي " "وآخرتها معك أبو حلموس ! تلمّظ إحكي
"شحكيلك بابا! الحكي مو مثل الشوف، تجربة عملاقة، يعجز عنها التعبير، الكلمات عاهره، فاجره، خائنه ".
عض سرحان الغليون بفارغ الصبر:"إنت فلقتني فلق، ما تنطق يا ددع حصل إيه"؟
"إشباع، حصل عندي إشباع".أجاب حاتم وهو يفخّم حرف الباء ويمدّ الألف ويؤكّد على العين
"إشباع إيه يا جيعان؟ إحكِ يا وَلَه، يخرب بيتك إنت عملت ساسبنس جامد".
"إشباع جنسي، غير".
وارتجت العيادة بالصمت والدهشة والنظرات المتبادلة ، وانتهز فرصة انذهالهما ، فمدّ يده إلى علبة الروثمان واختلس سيجارة دسّها في فمه، أشعلها، راقب دوائر الدخان، مقدّراً فنّه الأصيل الذي يجعل السيناريو أهمّ من الحكاية نفسها، رآهما صامتَين ينتظران كلماته، فتعمّد السكوت ليتلاعب بأعصابهما. ثم قال معزِّزاً قوله بإصبعَيه: "إي بَلي، نسوان ثنتين، غنيمتين بفد غزوة، ورجاءً اللي قلبه ضعيف لا يسمع الحكاية".
انفعل صاحباه، بدا الخبر أكبر من أن يعقلاه ، وتبادلا نظراتٍ شكّاكةً، لكن حركة إصبعَيه، وعيونه الشاعّة باليقين والثقة، والسعادة المتفشّية في بدنه، لم تترك مجالاً للشكّ (يعرفان أنه لا يكذب إلا إذا أراد أن يستلف مالاً). أرخى عصري حنكه، فوقع رماد السيجارة على المئزر، شَنَّكَ شرابّية السبحة " يوه تبّت يدا أبا لهب، كهربتلي بدني ".
عضّ سرحان الغليون بلذّة جنسية وغمغم بنبرة غير المصدِّق: "تنتين حتّة واحدة يا ابن الدزمة !
قرّب الفانيلا التي ألبستاه إيّاها من أنف الغجري فشمشم بانبهار حقيقيّ : " آمنت بالله، ريحة حريم، بْري عليك أبدلال، إيدك بالدّهن ، إحكِ إحكِ لا تفوِّت شي، أعطيني أوصاف الولف ، قديش عمرو"!
"بين أربعطاعش وأربعة وأربعين، هيجي بين بين، الطويل ورد جوري سبحان الخالقه ، عود خيزران، الأشقر يقول للقمر غيب وأنا أقعد بمكانك قاضي ومفتي ونقيب، فرنسي مال شنزيليزي، أبكار مو مفتوحات وآني هالعبد الفقير أول واحد بحياتهن (نكش أسنانه) الله من ينطي يدهش ومن ياخذ يفتش، إحنا العراقيين أو نعشق بالثنتين أو نظلّ ما نعشق".
"حلال على بيضاتك أبدلال، كُلُو عِجِرْ ولا يوكلو غيرك مِسْتوي ... أي شو أسامِيّن عيون ؟ "قاطعه الغجري
"الأشقر إسمه موضلين والأسمر فووليط، وآني منّا ورايح إسمي طومي، وألعن أبو كلمن يناديني: حاتم".
قال سرحان : "عاشت الأسامي يسُكَّر، دي أسامي أثريّة تفوح برائحة متاحف ونفتالين وتقاعد ".
لحس عصري شفتيه : "يؤبشني دين ربّ الفرنساوي، إيه عليم بالله اسمه لحاله بيقوِّم الأير... أوعَكْ تكون سحرتن بالعصا دكتور داهش"!
"لاع برجولتي أُوبشبابي بحناني، با يك نظرة عاشق شدن ، داعيك سبشال أنْد يونيك، سو كود جنتلمان شارمينغ، جبتهن عَ الوتر الحسّاس، الشتات، المنفى، الوجع العراقي، مواويل حزن دارمي وآبوذيات "
" أحيه ! شخط المصري بمنخرَيه : أكيد حريم مستهلَكة ، الشوربة الشهية تُطهى في طنجرتَين عتيقتَين، الدهن بالعتاقي ".
"انضبّ لك أبو صعيد، الرازق بالسما والحاسود بالأرض، انفقست عينك معيدي، همجي، بدوي، طفيلي، ناقص مازوتي، شاعر مدلّس، أفّاق، مأبون".
التفت عصري نحو المصري الساخر : "لا تزرِّك عليه، مو مهم السنّ والجمال، المهم الأخلاق والجنسية (لحاتم) بيرجع مرجوعنا عيون، إيه وبعدين"!
"ولا قبلين، اليوم أقطع مهر وباكر الدخلة، بعد باكر على بلد المحبوب ودّيني، أطبّ في بلاد البقرة الفاقعة من الضحك، الجنسية تحصيل حاصل وارتاح من شوفتكم "
" شِه شِه ، إنت لو تزوّجت ملكة جمال فرانسا بتضلّك عراقي عً السكين ... أصلاً معك تدفع مهرها"؟
" بابا عصري ! مو إنت هو الذي قلتلي فلوس ما تجيب عروس، عروس تجيب فلوس"!
رمقه الغجري بنظرة معلّم إلى تلميذ: " عفارم عليك حافظ درسك.... دخلك بدّي اسألك، مَعُن"؟
لم يفهم حاتم مغزى السؤال فحفّ الغجري السبّابة بالإبهام : "قصدي معن قرشين نضاف؟ زناكيل"؟
"زناكين وبس! العاطي الله، الذهب ذهب، الليلو ليلو، وعدوني يفتحولي رصيد عملة صعبة، فرنجي مال أيرو وضولار مو بلدي درهم ودينار".
قال عصري بنبرة تموسق الحسرة: " كنز وانفتحلك يمعوَّدْ، تخطيط سليم ميّة بالميّة، ضربة معلّم، تلات عصافير بحجر : بتنيك وبتاخد جنسية وتزنكل، فرصتك ،تكَمَّش فين برموش عيونك، هاي نسوان بتشيل عن حبل مشنقة ".
ابتسم سرحان: " كمّلوا بعض مادياً وعاطفياً انت والحَجّة، خليها تعيشلها يومين حنان قبل ما تموت ، آخرتها هتورّثك وتكتب الفدادين بتوعها على اسمك وتصير خواجة".
"انطمّ لك هريدي إنتَ آخر من يتكلّم بهالكار، ناقصك ثقافة جنسية، مازوتي عاجز سوى عن المكابرة، لا تكتمل شخصيتك إلا ببهدلتك، بطركي، قميء، مزدوج، مزواجيني، تعمل إسقاط لعقدك عليَّ، تستعيد صدمتك الطفولية من... من... خلال الترديد الأعمى، أنتم أشباه المثقّفين كلّش معقّدين مثل الناجين من خيروشيما وبيتنام ما بقالكم أدنى شعور بالحب والحنان، ميتين عاطفياً".
اندهش المصري تأمّل العراقيَّ كأنه يراه لأول مرّة : "إنت فعلاً متغيّر، منين جاتك الأفكار دي يا بو دماغ الطوب"؟
" إشباع فكري ، الحب يطلق لسان البليد، يفتح صمّام الغرائز العليا، المرأة آية من آيات الله، خصب، تلوّن، فيض بالمعاني، إن النساء رياحين لنا وكلنا نشتهي شمّ الرياحين".
تحفّز عصري: " حيّك بابا حيَّك، خشّ بالتفاصيل دغري، هات أخبار الفتوحات السكسية. بلّيت ريقك بأبو ضراس"؟
"الله يطعم زيارته لكل محروم، جرّدت الأقرع الجبّار، فلم تطق عليه صبراً"
"أمّال، قال المصري : المرأة التي تهزّ السرير بيمينها هي التي تهزّ البتاع بيسارها".
"سويّناها عنجلية بالكيف والشيل والبطح للصبح، هزّ ولزّ ولحس ونيك تقرُّص ومصمصة، رص نيش، رص ونيش، انقطع حيلي "
"يا هيك الشراميط يا بلا، العمى بقلبن شو عينن حمرا، مشلفات، مفحلات، لسّه كَبرتهن حامية" قال عصري.
"والتطبير والكمنجة وفاخنر، منام عجايب فظاعة فنطزية إرعاب، ماكسيموم انتعاش، أمبيانس مية وعشرين ليلة في سدوم والعمارة، أنا إله الأعور فوطان، خذ أيها الإبريق، خلّي حواسك تتفتّح"!
"ده فِلم جامد قوي، مراهقات في أرذل العمر، حريم لهاليب بايظة، يعني بيتهيّألي كنتو شوية سكرانين"!
"سكرانين وبس، دايخين سُكُر، ويسكي سقوطلاندي أبو حنّا الماشي، مو عرق أبو كلبجة، تتن جيتان غلواز مو زبل موريتاني، بابا قلتلك فرنسي، حرّ بالمعنى الفرنسي للحرّية، يسكر، يخمر، يدخّن، يعبّر عن ذاته مثل الرجال بأفعال الكينونة والأمر والنهي والجزم والإرادة والفعل المتعدّي، حسّيت حالي حرمة شرقية ويّاهم، مثقفات، متولعات بفد موسيقار ينقال له ريشاد... ريشاد فاخنار هيجي... موسيقار مدفون ببيروت... حد منكم سامع بهالاسم يا معوّدين"؟
مطّ عصري شفتَيه: "مزّيكاتي بيروتي؟ رشاد نفّاخ نار؟ ما سامع فيه منوب، بعرف الفنّانين سخصي من عمر خورشيد لوليد دوفيق، عبود عبد العال،... المهم بيرجع مرجوعنا، كم واحد نجرتهن يا سيد السباع ؟
"من الفجر للنجر، سبعة وسبعين بعدد وضعيات كوماصطرا،سبعة بأول الليل، سبعة بنص الليل، وسبعة بالهزيع الأخير من الليل، وسبعة مع الصبح، عير عراقي حيدري، طبعاً يا معوّد، النيك فن من الفنون الجميلة، محسوبك جلجامش الناكح بأمر الله ، سبعين ساعة مضاعفة ينكح بليلة واحدة، ثلثه قهر وثلثاه كبت، ليلته تعادل سبع ليال من ليالي البشر، وحقّ قالع باب خيبر ما نكحتهم بقوّة جسدانية بل ربّانية".
" عفارم عليك يا سبع الليل، شفت شلون الإير يصنع معجزات"؟ علق الغجري
شخط سرحان بوجه العراقي وفي نيته أن يوقع بينه وبين الغجري : " بقيت تزاود على عمّك عصري في النّيك".
رفع الغجري الشيّال ورفع صوته : "فشر، سبعة بعيونك، أنا النيك كاري وصنعتي، ناكح من كلّو ريّاس كاجو، حلبي، شامي، لبناني، شركسي، كردي، تركماني، قبرصي، كلّه كان ينزل عَ المسلخ".
زالت "الفنظزة" عن وجه الغجري وعاد إلى أرض الواقع، إلى كبته وحسرته، الغربة، انكسارات الشيخوخة، وخيانات سفرجلة، وشعر بالتعاسة (مرّات قليلة تلك التي يشعر فيها بالتعاسة). تعكّر مزاجه، وخالطه شعور بضغينة غامضة تجاه شريكه، التفت نحوه وقال : " فشّيت محنتك! جبرت بخاطر المكسورتين! خرا عليك خرا، ملتهي بافتضاض الأبكار، وعمّك عصري مقضّيها خمسة باليد واحد " .
صَفَنَ في صلعته وآثار الجدري في خدّه وظل يقول : " دخلك على إيش حبّوك، لا صوت حلو ولا وش ناعم! يفضح عين الكذب، أكيد سيدي الوافي مشوفك فِلم فيديو نياكة، لازم شوف بعيني،.
"لعنة الله عليّ إن كنت أكذب، وبالعلامة هالمسويّة آني سهران ويّاهن بالفندق".
لمعت عينا عصري بنظرات ثعلبية :" أخي أبو دلال بتريدني اسَلْفَكْ قرشين تكاليف السهرة؟
" ماكو لزوم، الفرنسي يتكلف بكل شي بآخر السهرة يسجلون كلشي على حساب غرفة 13
"طيب وينك أبدلال هالشهر في ما لزوم تدفع حصتك بأجرة العيادة، رح إدفع عنك والليلة السكرة ع َحسابي وكس أمّه إبني ميلاد إذا بدّه يورتني ... بس اللقمة شوي كبيرة عليك، بطّيختين بإيد وحدة ما بتنكمش، إرحم حالك يا زلمه، مو حرام تشيل عِدِلين عَ ضهرك، ماني شارب القهوة حتّى تلبّي لي غرضي".
"إشرب قهوة أبو ميلاد إشرب، ولك الرأي والأمان، شنو غرضك بابا"؟
"خجلان منك إبن أخي، جهل الختيار ماله دبّار، بالعشم، جاي عَ بالي تَتَّن سيكارة جيتان، وسلامة فهمك".
قال العراقي بلهجة مفخَّمة: "آني أخوك باشق ألقفها عَ الطاير، إنت إتريد تصير عديلي ميخالف، صار وألف صار، أنا حاتم الصخا إسم على مسمّى، إتريد ست الستوت لو عنبر المفتوت، فوليط تعجبك أنطيك يّاها خذها نصيبك".
"شابوش يا عديل شابوش، ". هتف الغجري وحوّط فمه بأصبعيه وزغرد : " آويها يا أسمر السُّمر يللي عيّروني فيك، آويها كل ما عيّروني فيك بتزيد رغبتي فيك، آويها إنت القمر بالسما وأنا القاضي فيك... ليليليش.
نزع من على وسطه مئزر الجلد الغدامسي، ضبّ عدّة الأسنان عشوائياً في السمسونايت، سحب في طريقه علبة "روثمان" وناولها للعراقي، اهتزّ الغليون في فم سرحان : "هزلت، إنت كمان هتنام مع حتّة كركوبة يا عم عتريس"؟
"ضب لسانك أبو أشكمان، أنا كرمال عيون أخي طوني بيك والفرنسي والجنسية مستعدّ نام مع حمار قبرصي".
واصطنع المصري الغبن عاد يلمز : " يلي عطاكو بملعقة يعطينا بطرفها، الحجّتين مالهومش عمّة شمطاء في أول طلعتها، عندها شقّة مفروشة ومعاش تقاعد؟
دندن عصري وهو يتخيّل فرنسيته :" يا بنت أربطاش شعرك جدّلي، إحكي المزح للغير واحكي الجدّ لي".
"هتعمل إيه مع بتّ أربعطاعش، إنت مفكفك وصواريخك مداها قصير".
"خراس ولا، شايب يدلّل ولا شاب يبهدل، محسوبك سنديان كل ما عتق تقوى شروشه، (تحسّس خصيتَيه) شحّو الحارث بن حراث، شي عجب ولا يصيبه تعب، ويحرث من رجب لرجب، حاشات الدكر كنت بزماني ...
قاطعه المصري: "كنتم وكنّا وكان الزمان".
وتهيّأ حاتم للخروج إلى دكّان سيدي الوافـي لشراء بعض الأعشاب المقوّية للهمّة، نظر إلى ساعته وإلى شريكه واستدرك: "عيني عصري أقول...
"يا نونو عين عصري، روحو روحووو، قول ولا تخبيش يا زين ".
"أريدك هسّه بالعَجَل تشبشب حالك تشلح هدوم الكاولية وتلبس قاط هدوم مال أفنديه، ترى إحنا معزومين عندهن عَ العشا، بهوطيل أوروبي هاي كلاس".
فزّ الغجري من توِّه، وضع اللجن تحت البريموس، أخرج عدّة الحلاقة وعلبة فيها حنّاء لإخفاء الشيب، وقنينة عطر مزيّف، وحذاءً ذا كعب عالٍ، وليفة القرع. أخرج من الشنظة الكبيرة كل ثيابه المزركشة الفاقعة الألوان، وبدأ يطلي عيوب سنينه الستّين ويجدّد شبابه الغابر.

إنّ النسوان شياطين

تألق عصري عند المشرب بالذهب اللمّاع في أصابعه وداخل فمه وحول رقبته، وتألّق بهندامٍ غجري قوس قزحي، سموكين أصفر، ربطة عنق كحليّة فوق قميص أخضر، منديل زهري في جيب جاكيت أحمر، جوارب سوداء تحت قندرة بيضاء، استدار فوق الكرسي الدوّار، أسند ذراعه اليمنى إلى زنك المشرب واضعاً السيجارة في طرف فمه في بوز عرّاب مافيا، نقر قدحه بقدح شريكه، ثم أفرغه في كرشه، هزج بصوت جهوري: "مين قال أبو ميلاد من الحب مرتاح، مين قال تغيّب عن الساح ( تحسس خصيتّيه ) يؤبشني ربّ الحلو فلفوليت، حبّيتو عَ السّمع ".
أخرج قنينة العطر وبَخَّ تحت إبطيه ثم على رأسه فصدره، ثم بخّة طويلة ما بين فخذَيه. قال لشريكه بنبرة المغبون: "دخلك يا عديل، الأسمر بتاعي شلون أوصافه؟ بيعرج؟ بيفكح؟ بيشخر؟ قلبي حاسسني إنو فيه علّة مخبّاية
احتسى جرعة وأردف بعالي الصوت : " حبالتاي، تحطّ إيدك عَ الأشقر وتبليني بالأسود، توكل لحم وتتركلي مرق".
"بس الحلو اللي نفسك بيه هو الأسمر مو الأشقر" قال العراقي. وهو يتطلع إلى الردهة يترقب مجيء الفرنسيّتَين
"خيّو حاتم، أنا أسمراني ما بيلبقلي إلا أشقراني، داكش فيفتي فيفتي، انزللي عن مرجولين خود فلفوليت".
"أي اش عليه، أُخُذ موضلين، آنا أخشّ على فوليط، بس وطّي صوتك، لا تصير عصبي".
قَلَّبَ عصري حبّات السبحة بسرعة متناسبة وغبطته، احتسى من الويسكي، وضع أصابعه فوق فمه وزغرد: "آويها يا أشقر يللي شقارك يبري، آويها يللي ريقك عسل نقَّط على صدري، آويها لو ما خوفـي من هلي والحكّام لتدري، آويها لاحفر وغمّق واعمل بيتكن قبري، ليليليش".
انصبّت نظرات روّاد المشرب عليه، شعر حاتم بالإحراج، فنهره: "بلا أبوذيات وهوسات، بهدلتنا ،كاولي خام، معيدي متخلّف، إحنه مو بعيادة مال عَرَبْجَة".
لم يكترث عصري لتأنيب صاحبه ولا لعيون النزلاء، بل ظلّ يفكّر بسهمه من النساء، وبما يمكن أن يخبّئه من عيوب: "يا خوفي لاكون ماخدها على عماها! إنّو طعميتها بندق ، بَرْكي لابسة ضبة ؟ شدّيت شعرها، لتكون حاطة بوصطيج ؟ شمّيت ريحة تحت باطها؟ .... يا بادل النّخلة بالسّخلة، تاخد صبية قمر أبو أربطاش وتبليني بأرملة أم أربعا وأربعين، .... وينك خيّو حاتم خود أشقرك وردّلي الأسمراني".
"والله احتاريت ويّاك، قلت: أريد أرنب، قلنا: أُخُذ أرنب، قلت: أريد غزال، قلنا: أُخُذ غزال، وهسع شتريد بعد"؟
رفع عصري صوته عمداً لإحراجه، ثمّ لابتزازه: "حضرتك تفوت عليهن بالجملة وأنا بالمفرّق، تتزوّج وتطلّق وأنا أجحّش بعدك؟ ما بدّي أرنبك ولا غزالك ولا تربيح جميلك، حلّ عني أنا مترفّع عن الدنايا".
"هس، فضحتنا قدّام الخواجات. شو حكينا غلط؟ كفرنا؟ المال مال أبونا والناس يعاركونا"!
" طلاع هالطلعة يشريك، يهنيّال من جمع أربع روس بالحلال، محسوبك إلُو إيرين، وسلامة فهمك".
اندلق لسان حاتم دهشةً: "لَكْ أبو نفس الدنيّة أخلاقسز أدبسز، ما تستحي عَدمّك! ويحك هل يجمع السّيفان في غمد"؟
"حطّ بالخرج ، إنت حطّ بخرج الفوقاني وأنا بالتحتاني ويد الله مع الجماعة".
تخيّل حاتم شريكَه بكرشه، بزنوده الغليظة وأوشامه، بصدره المشعر وسنيّه الستّين وهو يشاركه محظيَّتَيه، تخيل من صور الكاتالوغ تلك التي تجمع رجلين وامرأتين فعصفت ببدنه شهوة جامحة، جرع كأسه دفعة واحدة، تلاشى استغرابه بابتسامة رضا: "والله جبتها زين يا قوّاد، خوش فكرة، صار وألف صار".
ابتهج عصري، امتزجت في وجهه كاريزما بارون غجري، ومراهقة الستّين، وتبجّح السكارى، التفت نحو رواد المشرب، حط عينه على سائحة، طبع قبلة على أصابعه ورماها باتجاهها، شال البرنيطة عن رأسه اقترب منها يغازلها : "آه يا حلو يا مبهدلني، أي عليم بالله بتتّّاكلي بخراكي".
ردّت عليه برطانة لم يفهمها، فهم من إبتسامتها ان "دكتها رخوة "، شال مكعّبات ثلج ووضعها في قدحها، وصبّ لها وقرع كأسه بكأسها قبل أن ينحني أمامها ضارباً بيده على صدره: "محسوبك عصري بيك أبو ميلاد، شيخ شباب حمص، وهادا شريكي حاتم آغا أبو دلال، قبضاي عراقي".
نتعه حاتم من سترته : " خرا بْرَبّك غير ديج إنت ! دجاجتين بانتظارك ولهسه عينك طالعة لبرّا، البنيّات مو كاوليات، هذنّي فرنجيّات فيب، فييييب يا معوّد يعني فاري عمبورتانت بيبول، كلّش حسّاسات ، لا تحكي عربي ويّاهن، لا تناديني حاتم أرجوك، إندهلي: طومي دكتر طومي، ثقَّل حالك شوي، شوفلك فد اسم دلع عيطالي عصري ناعم خفيف ماكو بيه عين ولا صاد، جوفاني أو عنطونيو، ساري لو سامي، شنو رأيك باسم صومي على وزن طومي"؟
قال عصري : "لا ولُو! فرد مرّة سامية على وزن صابرينا (رفع صوته بعدوانيّة) أنا دقّة قديمة ماشي عكس السير متل العاصي، عصري على سنّ ورمح، نزلت من كسّ إمي مع آدان العصر، اسم الدلع أبو ميلاد، ومو عاجبك روح تضبضب إنت وشراميطك".
نقر حاتم كأسه بكأس الغجري ليطيّب خاطره: "بس عيني بلا زعل، إشرب دوستكام على محبّة موضلين وفوليط، بصحّة الفرنسي، بصحّتنا".
بلع عصري من الويسكي وانحلّت مفاصله، دخل في عوالم صاخبة من اللذّة والانتشاء ونسيان الذات، نظر إلى الساعة ذات السلسلة الفضّية في جيب السروال وغمغم: "ضاع عليّ الشنكاش، بطّلت أعرف حالي مْواعِد وَحْدِة السّاعة تِنْتينْ، وَلّا تِنْتين السّاعة وَحْدِة".
حكّ عجيزته بعصبيّة،: " عجب طوَّل الولف، أشو ناطرين تلفنلن يا عديل، تروح لنروح ندق الباب عليُّن"؟
"لا تروح ولا تجي، فضحتنا ما يصير، المعزّب هو اللي ينزل عالخطّار، مو الخطّار يصعد يمّ المعزّب، تحضّر يا همجي، أكو فد شي ينقال له عتيكيط، بروطوقول، صيفيك كوض، برايفط ريهسيبشين، بوبليك ريلايشين".
" إنت أكيد ضامنن؟ قلبي حاسسني الفِلم ما حَ يزبط، ترى أول ما خشّينا المطرح وعيني بترفّ، ثم إنو هاد فرنجي مزاجي زئبقي، نيكة والوداع".
استدار حاتم على كرسيّه الدوّار، شتّت عينَيه في أرجاء البهو: " لا تصير لحوح ييوب، دِصطُبُر دَنِستَراح دَنِشرَب كاس، تعوّقن دقيقتين، اشصار، قامت القيامة! وداعتك رح يجون هسّه متل ملوك المجوس لمزود المسيح، ما إلهن صبر ع العير".
"الله يجيبن بأسرع وقت، حاكم أنا كمان مالي صبر عَ الكسّ".
امتلأ البهو بسيّاح شقر يلبسون ثياباً صحراوية ويمتشقون آلات تصوير ويستعدّون لاقتحام البادية برفقة آمنير محلّي، ارتفع عجاج غبار، توقفت التويوتا المكشوفة، مطّ حاتم رقبته وابتسم: "أبشر يا عديل جا الولف، هلا ومليون هلا عدد نخلات العراق".
ظهرت الشقراء في البهو تهفُّ بمروحة وعلى وجهها بروقُ بهرجان لمّاعة، قال حاتم: "هاي موضلين، باوع باوع الوجوه الحلوة (أشار إلى الطويلة) وذيك المعوّدة فوليط، الله ويّاك يا غزال الروم، ألف وردة على جبينك (أشار إلى زنجي مربوع يحمل حقيبة خلفهما) وهذا أكيد بُويْ حمّال ، آمنير مالهن ".
وضع عصري عويناته الطبّية على عينَيه، وضع عينَيه على السائحتَين، ثم ابتسم ابتسامة مريرة، فتح شدقَيه: " على إيش بدّي باوع! هادا هوّ قمر أبو أربطاش يا ضلالي! تضرب منك إلهن، أكل الدهر عليهن وشرب، أكبر مني بعشر سنين...
أضاف وهو يسرح بصره باحثا عن صبايا :"وينك أبو دلال، خود أبو ستين جيب لي بداله تلاتة من أبو عشرين".
وجدهن كلهن من نفس المسطرة، سائحات بسن التقاعد ووجد الفرنسيتَين أصغر سنّاً من البقية، فقال بنبرة انتهازية: " ما إشبو شي، أحسن من بلاش، إن دبلت وردة ريحتها فيها، كوز كوردى كوكَل سودى".
لوّح حاتم بيده للفرنسيّتين أمام دكّة الاستعلامات، قال بصوت غنج خافت: "هلو فووليط عيني، هاي آيم هيار طومي، دكتر طومي... هوو موووضلين، شاكو ماكو دارلنج أشوفَك زعلان"!
التفتت الشقراء، رمقته بوجهٍ مقلوب، أدارت ظهرها وتجاهلته، خبّأت رأسها بصدر الزنجي ولزّت به بطلاقة العشّاق، أرخى حاتم حنكه ،أطلق صرخات أقوى من عياط الغجري: "، أويلاخ، أهِنَّا، حريمنا، عرضنا، حلالنا، عاشقات عبد أسود؟ هالقوّاد الما يخاف من الله خرَّب علينا كلّش، قَلَب فرحنا عزا، باق نسواننا"!
فكّر عصري في خيانات زوجته سفرجلة، اهتزّ شاربه القوقازي، هبّ زاعقاً: " طار طيرنا أخذه غيرنا، يا مأمِّن عَالنسوان يا مأمّن عَ المي بالغربال، (لحاتم) روح إحكي معن كلمتين رجّعن لعصمتك، حاول إقناعن بأسلوب منيح بلا نمردة".
انسلّ عصري مسرعاً وسدّ الباب في وجه الشقراء، اندلقت من فمه المسبّات بسلاسة غجرية مردّداً الجمل نفسها التي كان يرميها في وجه سفرجلة حين كانت ترجع من طلعاتها البرّانية: " تفو عليكِ فاجرة، الرايح والجاي بيلعب بطيزك، سايبة، ممحونة، خاينة الدولة، داشرة، حطّوا النورية بسبع قصور عن كارها ما تغيّرت"...
أجفلت الشقراء، وضربت المروحة على صدرها وحاولت التملّص، فانبرى لها العراقي وعلى محيّاه عبوس كارهي النساء: " ذبحك حلال يا قحبة ! خشّي جوّا قهرمانة، خايبة، فوتي جايفة فوتي، عَ بالك تخلصين منّي؟ وسخة، منيوشة، هايشة".
رفعت الطويلة النظّارات السود وثبّتتها على صدغها، ثم أخرجت الجوّال مهدّدةً بالاتصال بالبوليس، أحاط الزنجي بذراعَيه الفرنسيتَين، فرمقه حاتم بعينَين عنيفتَين: " إبعد عنهن لا تمسّهن، ذنّي مالي حلالي، آني وليّ أمرهن، فاتحتهن مقروءة على غيرك" .
تقدّم العراقي خطوةثم تراجع خطوتَين، ثم راوح مكانه. نخاه عصري مردّداً الكلمات نفسها التي كان ينخّيه بها أخوه ربعي: " يا ضيعان هالشوارب. إخص عليك جبان، عرصة، ديّوث، ما فيك دم بنوب، إقتله وديّتو برقبتي".
احتار العراقي بين تحميس صاحبه وخوفه من عضلات غريمه الزنجي، دار حول نفسه، عصر قبضتَيه: "بعزم الله وبعزم حيدر أبو الحملات، وين الزلم ؟ حيّهم حيّهم بيعة، فزعة، نخوة، أريد أغسل عاري آني حاتم، آني دولة بنفسي، والمرتضى والسبطين لأخلّي الدم للركاب ".
تبختر عصري بمشية انكشارية، خطف قنينة شهرها بوجه العشّاق الثلاثة: "أنا خوك يشمّة، حيّدو يا منايك حيّدو ".
وساد الهرج في البهو، انفض الحاضرون، تقدّم حاتم من الزنجي خطوة، نظر إلى عضلاته المفتولة ثم انحرف عنه وتجنّبه، هجم رامياً جسده ولعناته على السائحتَين : " فد بطيختين إمَّرمِكتين، رعنات، منيوشات، إسلوكيات، سرسريات، زفرات، وسخات، مخمخمات، قوّادات"...
لحقهما في الردهة المفضية إلى الغرف، حال الزنجي بينه وبينهما، نهره حاتم دون أن يجرؤ على مواجهته: "فوت إبن المخمخمة، فوت إبن الجايفة، دأقلب الدنيا عَ راسك ".
لوّح الغجري بالقنينة، جال في الرواق بمشية عنترية، ظلّ يردح ويشبّح ولا يقاتل: " يعلن أبوكي على أبوها، قحبات، فالتات ،شرموطات، شلكات، مشلفات، كرخنجيات، ما عِنّا نسوان تكسر كلامنا، الرجل رجل ولو كان له دَنَب والمرا مرا ولو كان لها شنب".
ظل العراقي يصرخ ""فكّي الباب أم العيورة، تفوه عليك فد بعثيّة حقيرة ما تسوين قندرة، شلون آخذك وألف واحد لاعب بيك؟ ماريدك... طلاق بالثلاثة".
رأى عصري القنينة مملوءة حتّى نصفها، عبّ منها ورماها فارغة، انسحب من المعركة وتراجع نحو البهو، وارتمى على الكرسي الدوّار وشرع يحتسي ما تيسّر من مخلّفات السيّاح .انتصب حاتم أمام الباب يشتم، ثم فجأة انفتح بعنف من الداخل، فتحه الزنجي الذي انبرى شابكاً ذراعيه الضخمتين بعنادٍ وتصميمٍ وتحدٍّ، أمره بالانصراف مشيراً بإصبعه نحو البهو، ارتعد العراقي، تحسّس حجابه، تراجع مضبوعاً، رأى نفسه واقفا أمام عبد أسود طمطماني، عينان جمرتان تحدقان به بنظرة لئيمة شريرة، نفس العينان الزبيبتان اللتان رآهما في الملصق وفي وجه عازف السكسفون، حصل التجسد في كيمياء الدماغ الرهيبة، العبد الطمطماني / الرجل الضرورة، العبد الطمطماني = الرجل الضرورة، شعر شعور الرخويّات حين يُدلق عليها الملح. أمسك زجاجة بيرة وكسر قعرها على الحائط، شدّ أصابعه على عنقها المشطوف فسال الدم، سادت الفوضى جرجره عاملا التنظيف إلى الخارج، انضم عصري إلى موكب العراقي الجريح الذي ما فتئ يتضخّم وهو يتّجه نحو المستشفى الكوبي. وهو يرتّل بنبرة رجل مجرّب: " إن النسوان شياطين لنا...أعوذ بالله من شرّ الشياطين".

المِضْطَرْ بْيِرْكب جمل

تغيرت تنبكتو بعد الواقعة، ، المدينة المقدسة التي تحب العراق حد الوله صارت تكره عراقيها الوحيد لدرجة الحقد ، تغير حاتم ، الطبيب الذي كان يداوي الناس صار عليلا ، وتوجس منه التمبكتيون وتطيروا من أصابعه الأربع باليد الواحدة (كانوا قد قصوا له فترين من إصبعه بالمستشفى الكوبي) سَرَتْ إشاعات عن فسوقه وممارسته للسحر السفلي ونُسِبَتْ إليه شناعات لم يقترفها ، ارتسم على سحنته الكئيبة مرض لوعة الحب ، أضرب عن الطعام دون الشراب فبات هزيلا كعود الخيزران وحزينا كمالك الحزين ، يائسا بألق العاشقين وشاحبا كأنه هرم عشرين عاما بعشرة أيام ، ظل يتحسس يده المعطوبة يفكر بهما كذكريات غابرة عتيقة متوهجة وينوح لوحده (حاتم توارث عادة النواح من أمه الندابة في مواسم العزه والقرايات ) ونفذت مدخراته وأحرق كل دخانه فصار يختلس من دخان صاحبيه ، تعثر في دفع حصته من الكراء فدفع المصري الثلثين ، عصري كذلك لاحقته السمعة السيئة ، انعدم زبائنه فقتل الوقت بلعب الشدة والسكر والتبصير ، أخيرا توقف عن دفع سهمه بالكراء فدفعه المصري كاملا لسيدي الوافي ، توترت علاقة الغجري بحاتم وتوطدت مع سرحان.حتى المؤجر سيدي الوافي تغير ، لم يعد يزودهما بحليب العنزة كل صباح بل طالبهما بإخلاء العيادة في آخر الشهر ، سرحان نفسه تغير قوي نبضه بعدما خفت نبض العراقي ،
* * *
انزوى حاتم في زاويته شاحباً، تحسّس يده الجريحة وإصبعه المقطوعة في ألمٍ مصطنع، هزّ رأسه ناظراً إلى صورة الحسين : "إذا ابتليت بمعضلة وشكيت حبيبك أذكر الحبيب المصطفى تنسَ حبيبك، من بعد موضلين وفوليط، الله يذكرهن بالخير ما أدخل بعد على جنس حريم، آنا هنانه بالعيادة وقلبي ساكن يمّهن بباريز".
احتسى عصري جرعة عرق، قال له بنبرة شامتة: " بتستاهل، كان لازم تدبح بِسَّك ليلة عرسك" .
صب سرحان في كأسَين، شخط بوجه العراقي المُستَثنى من الحضرة : "يا ميت ندامة على اللي عشق وما طالشي، قال حكيم إسبرطة: ما تنخدعش بشمس الشتاء ولا في قلوب النساء فكلاهما جميل ولكنما يحمل زعابيب غير متوقّعة".
وأنَّ حاتم أنّة عاشق تراكمت عليه الأحزان، ذبَّل عينَين يمتزج فيهما الحزن بالكبرياء باللذّة الخبيئة، انساب الآبوذي من فمه بطلاقة عاشق مهزوم : "
تظن بينه عن أودادك سنلها ونارك تسعر بكبدي سنالها
ساعة فرقتك صارت سنه لها أشحال افراق يومينك عليَّ".
نهره عصري :"وُجِع ينفخ بطنك، حاجتك بأى، خروف وخانته نعجة، هالشراميط ما بتستاهل دموع وعتابا،
طأطأ العراقي رأسه : " الله يلعن اللي يحكي عَ الناس".
" الله يلعن اللي بيخلّي الناس تحكي عليه، قلبي محروق منّك منوب، ولد داشر مشكلجي، انشمسنا من تحت راسك ".
نظر العراقي الخرمان إلى علبة "الروثمان" حرك يده السليمة نحوها، انتبه الغجري إلى المناورة فضبّها بجيب الصديري وزجره " ضُبّ مكسورتك أحسن ما علقها برقبتك مع المكسورة التَانية، حاق من وجهي، اللي ما بيضرّ ولا بينفع زَتُّه بالعاصي أنفع، الوافـي بدّه يزعبنا من تحت راسك".
تحلّب ريق حاتم بعطش المدمنين الكحوليين، فقال لسرحان : " خْطَيّة، صبّ شويه عرق، حلّفتك بالمصحف العظيم والسبع المثان".
"مصحف مثانة وبتنجان، ما ليش دعوة، أنا شاعر عدمي هدّام".
"خوب حلفتك بالمعلّقات السبع، صبّ فد شفّة يا داده آني مو صديقك! موعيب تسكرون وحدكم"!
همَّ المصري ليصبّ لكن عصري منعه، قال بنبرة لؤم: " قسيم بعظيم ما بيذوقه، هاد مو دكنو شوربة شيخ محيدين" .
تحجّم العراقي، شعر بنشافٍ في الريق، بخرمة في الرأس، بانتكاسة في المعنويات، خنَّ ببكاء كربلائي. وتسلّلت عظّاءة داخلةً شقوق الحيطان، ثغت عنزة سيدي الوافـي، وأذّن المؤذّن الظهر في مسجد سيدي يحيى. وضع عصري الكأس من يده، انسَمّ بدن المصري كعادته في كلّ مرّة يسمع فيها الآذان. تسلل اليأس إلى العيادة بكاملها، تشنّج الغجري، بدت في وجهه آثار حسرة السنتَين المنصرمتَين غمغم: "جينا تمبكتو بلكي تغنينا جارت علينا الليالي بعنا أواعينا، مقضّينها كونكان وطرنيب وتبصير، بلد مالك فيها خبز ضبّ حصيرتك وشيل عنها".
أعلن سرحان أنه فاتح سيدي الوافـي في موضوع المهرّبين الرقيبات وينتظر منه خبراً، قطّب عصري حاجبَيه ، فتح ورق الشدّة على نيّة الطريق، وقبل أن يكشف الورقة الأولى سمع طَرقاً على الباب، أخفى الورق والبطحة تحت المصلّاة، نزع القبّعة الغجرية واعتمر الطاقية المخرّمة، تناول المصحف بالمقلوب، هزهز رأسه : "عَ الله يكون شي زبون استفتاحة مباركة، حاكم من يوم الجرصة ما استفتحنا بدومري".
نهض المصري وأزاح الترباس، دخل سيدي الوافـي بمعيّة شاب بدوي ملثم، طرح التحايا الحسّانية المسترسلة، سألهم عن الحال وهو يعلم أنهم في أسوأ حال، وعن الشغل وهو يعلم بأنه كاسد، وعن الإبل والجمال والزرع والضرع وهو يعلم بأنهم لا يملكون شيئاً من هذا، واستمرّ يسألهم عن الأهل والدراري والأنساب والجيران والقبيلة في سوريا والعراق ومصر وهو يعلم بأنهم لا يعلمون عن ذلك أكثر مما يعلم هو نفسه، بصق على الأرض وأشار إلى الشاب الملثّم: "الطاهر أُلْدْ عَمِّ من قبيلتي، جَ من البادية موجوع نابه إيْوِزْ عليه، إكشف عنه يا سي عصري وأجرك اعل مُلانَة".
حوقل الغجري، فكّر بأنه ليس مُلزَماً بأن يؤدّي لمؤجِّره خدمة مجّانية بعدما طلب منه إخلاء العيادة، ثمّ تذكّر أنه لا يزال يتوسّط بينهم وبين المهرّبين فبشّ بوجهه، أخرج من السمسونايت كمّاشة القلع وإبرة البنج، حفن سرحان حفنة بعر ناشفة ووضعها في المجمر، قال للوافـي وهو يجهّز الشاي: "إيه يا جار يا هدهد أبو الأخبار! قمحة ولا شعيرة"؟
مطّ الدكنجي شفتَيه، مسح راحتي يديه في إشارة لا حول ولا قوة : " مُحال، حيموده المهَرِّب أُنقَبض عليه بديوانة برج المختار ، حلقوا له لَحَيْتُ أُبَطّوه، أرقاج حلف يمين أن كاع لا يدخل الدزاير، الله غالب، الترابندو كاع خايفين
زفر عصري وهو يُفرغ البنج في الإبرة: "الله يسامحك يا جار، شايفها مسدودة علينا، تحمّلنا كمان شهرين بالعيادة لحدّ ما نشوف حلّ".
شمشم سيدي الوافـي رائحة قيء وبول وخمرة وتتن، ركّز عينَيه على المصري والسوري تحاشى النظر إلى العراقي تطيراً من أصابعه الأربع : "أخبار شينكم طارت فدشرة، لعيادة تخلوها لِ براص أشْهَرْ، وَلَّ لَوْدُ الْحَدْ ثاني يؤجركم، أتُوْفَ القْضِيََّ".
قطّب عصري حاجبَيه الكثيفين هب بوجهه العراقي : " الله يعدمني يّاك يا نَيِّيكْ الحَزانى، كله بسببك سوَّدت سمعتنا".
تناول إبرة البنج والتفت للبدوي، قال قبل معاينة سنّه: "أي افتاح بقّك يا زبون العوافي، سنّك مْسَوِّس لازمه قلع".
أزاح الطاهر اللثام كاشفاً عن خدّ منتفخ، عاين عصري الضرسّ المنخور ثم بنّج اللثة تحته وانتظر ليسري مفعول التخدير. بدهشةٍ طفولية رمق البدوي صندوق السمسونايت الذي يُفتح ويُغلق بلا قفل أو مفتاح، فاضت الحيوية من عينَيه الصغيرتَين، أبعد رأسه إلى الوراء، أمسك بيد عصري: "حانيكْ، آنَ نقيس بيكم ل توات، انسلكْكُمْ ".
تفرّس المشارقة في ملامح الشاب الملثم باحثين عن مزايا المهربين، ليس فيه أمائر النعمة، لا ينتعل حذائا من كاوتشوك بل صندلا من جلود الجمال، ولا يمتشق هاتفا جوالا بل سيفا مثلوماً، ولا يلبس نظارة شمسية، ولا يدخن سجائر جاهرة بل يشفط التتن في عظمة مجوفة من عظام الغنم، بدوي كالبدو المتبدّين في بوادي تمبكتو، لا علامات فارقة فيه سوى أنه من قبيلة الوافـي، ابن عمّه (هذا في ذاته علامة فارقة) لا يُعرف عمره الحقيقي بسبب ذقنه التي لم يحلقها في حياته، فهو يبدو أصغر من حاتم كما يبدو أكبر من سرحان.
سأله المصري عن نوع سيّارته فأطلق ضحكة خفيفة لطرد الخجل: "بو بو ماهِ وَتَّ، أوصلكم اعْلَ الْبَلْ".
"شه شه شه! تودّينا للجزائر عَ الجمال ! من كل عقلك عم تحكي"!
كبس الطاهر إبهامه على خيشومه وتمخّط، مسح أنفه بطرف درّاعته: "ولا هي حاجة يسيرة نسلككم رَقّان، النبي هاجر من مَكّ للمدينة اعل ناقة القصواء، وأسرى من المسيد الحرام للأقصى، وعرج للسماء اعل ناقة البراق".
وانبرى المصري يستجوبه في وجبة استنطاق صارمة: "ما فيش لزوم للديباجة دي، تعرف الطريق"؟
"حاسِ حاسٍ".
" في النهار، تستهدي بإيه"؟
"بالشمس".
"وفي الليل"؟
"يا مهتدي بالنجم مسراك مضمون".
" كم يوم هيدوم المشوار ؟
" أربعين يوم، إن حكمنا ريح طيّب".
"قديش هتكون التكاليف ؟"
"كل أرَقاج ايخلص خمسين ألف أقِيَّ، وحن وانتوما بحال السلك والإبرة".
أُعجب عصري ببداهة البدوي، ضبَّ كمّاشة القلع، أخرج حفّارة أسنان، إبراً ومسلات وميبرات، ومطرقة من قرن الغزال، ورصاص الحشو، وأدوات تعقيم، لفّ بطارية الضوء على جبينه، ميّل وجه الطاهر برقّة، قال له : " بدّي صَلِّح لك ضرسك، السّن أعزّ من جوهرة، الجوهرة إذا خسرتها بتتعوّض، أما السن فلا ممكن يتعوّض".
دهن اللثّة بزيت القرنفل، أدخل الحفّارة الصغيرة في الفمّ، أزاح الحافور المتكلّس، شرع يحفر الجزء المنخور، رصرصه بأمالغام وحفّه بمبرد. أخرج نكّاشة أسنان، وضع فلور النشادر القاتل للجراثيم، فتّت القلح وأخذ يحفّ الصفرة الناتجة عن قطران التبغ، وضع قطنة فوقه وأطبق الفكَّين، ثم أعطاه كأس ماء ليتمضمض. بصق البدوي دماً وبلغماً وتحسّس حنكه الذي لم يعد يؤلمه .
فَرَدَ المصري الخارطة، علَّم موقع رقّان، رأى أن فيها طريقاً إسفلتية تؤدّي إلى بشّار، وأن في بشّار سكّة حديد تؤدّي إلى البحر، وفي البحر ثمة مراكب تؤدي إلى إسبانيا، قرَّب الجمّال الخارطة من عينَيه، أمسكها بالمقلوب، مطّ شفتَيه أمام الطلسم العجيب، لم يفهم كيف تُحشر الصحراء الكبيرة في كاغط صغير . اختلس المشارقة الثلاثة نظرات استفهام عابرة إلى البدوي، ثم إلى الوافـي فضرب يده على صدره وقال بلهجة تقطع الشك باليقين: "الطاهر وِد سيدي مهنا ود سيدي مسلم ود سيدي ناجي، عربي صميم من النواجي، آنَ ضامنَه ووكيله".
ضَبَّ الجمّال أهداب درّاعته وراء ظهره، قال وقد تغيّر صوته: "ولاهي الذي لا... مانِ طمعان بَلْفَظَّ أُلانِ عندي فيكم قاية، انسلككم آنَ بيه ألِّ انْتومَ امساكين ملانه، إلا هو قانون الصحرا إغاثة الملهوف الواجبة لغريب الدّار، أُتُوفَ".
رمشت عين عصري اليسرى ( دليل اطمئنان ) قال لصاحبَيه: " هالطاهر خشّ قلبي أول ما شفته، اعتبروها سيران كسدورة، شمّة هوا، نشوف هالدنيا أشوى ما نحنا قاعدين عمّا نفلّي لحيتنا".
قال سرحان بعد تفكير عميق: " الرأي رأيك يا كبير وحنّه على التنفيذ".
بدا العراقي أكثر المتحمّسين للسفر بعدما احترقت أوراقه في تمكبتو، قال: " المصخّم ما يخاف من الصخام".
أخرج الطاهر عظمة الغنم المجوّفة وحشاها بالتنباك، أشعلها، سحب منها سحبات متتالية وقال: "نهار من قَدْ أظُّحَ، أقيس الكم فَ أربع زوايل، نشدّ أدبش اعل الرّواحل أُنتمُّ ماشِّيين اقْبالْ، على بركة الله ".
نهض، انتعل مداسه، تنكّب عصاه وأردف قبل أن يغادر : "أُلا تنسوا التّوْمين، أيْوَ، كَلْ أرَقاجْ يجيب امْعَاه ثلاثين مَدْ مَنْ ألْمارُ، أزّرْعْ كيف كيف، أتّاي وَسّكر أُمَّلِّ، وخمسَ كيل مَن أتَّمر أُمن الكرتة، بيدون أدْهّن فرض اعليكم، أُعنزة تَنتَحَر أُتَتقَدَّد وخلاص ".
بغريزة التّجار أشار الوافـي إلى دكّانه الملاصق للعيادة وقال : "أتّوْمينْ، أزّرع، أتّاي وسّكر أتْمّر، ألكرته، أدهن ألعنز، هذا كامَلْ خالق عَنْدِ، تشتروه مَنِّ آنَ".
خرج البدويان، ركض سيدي الوافـي في أثر عنزته وربطها أمام باب دكّانه استعداداً لذبحها. طلب عصري من حاتم أن يضرب الوَدَعْ على نيّة الطريق، فقال العراقي: "شلون تريدني أبصّر ونه خرمان راسي مو قادر على التركيز"!
أخرج الغجري من جيب الصداري علبة "الروثمان" ورمى عليه سيجارة. أشعل حاتم عود حرمل في المجمر وبخَّر الأركان، تناول عصاه المطلسمة، ضرب الرمال على نيَة الطريق، فأبصر من الكواكب السبعة كوكبَ زُحَل، ومن الدّروب الثلاث دربَ السّلامة، ومن الأشكال الإثنَيْ عشر شكلَ الجودلةَ، ومن الطيرّين الطيرَ السّانحَ، أشرق وجهه وقال بصوت الكهّان العميق: " سالكة وآمنة وميسرة".
انتعل المصري نعاله على عجل: "بلاش خرافات، مش عاجبني الود ده أسمراني وشعره أحمر، لازم نسأل عنه في البلد"،
هرول نحو السوق المسقوف. قال له حمادي التاجر: " رقّان ماهِ اقرِيِّب، لاكن أطّاهر عندُ مهاري تسابق الحصن .
وقال إمام مسجد سيدي يحيى :"أطاهر وِد سيدي مهنا أرقاج زَيْنْ، ما يقطع فرض من فروض مُلانه".
قال بونا الخياط: "أطّاهر ما شَفُنا مَنُّ شِ شَين، لكن أزواض خطيرَ حَتَّ والمسافر فيها عادة ما يكتب وصيته".










الوادي الثاني
وادي السعي
الصحراء

وابتدى المشوار

تهادت الجمال الأربع في طابور كأنها جملٌ واحد مكرّر أربع مرّات، ذيل الأول مربوط بحبلٍ موصول بخطم الثاني، والثاني بالثالث، فالرابع. على ظهر كلّ بعير أدباش راكبه، وزنبيلان متّصلان ببعضَيهما على الشقَّين، وشمبرينان من الماء، وغرّارتان من حبوب الدَّخْنْ، ومثلهما من الأرزّ. امتطى الجمّالُ البعيرَ المهريّ مع لوازم الرشية: الدلو والبكرة وحبال المتح، ومجمر وقُربة ومرجل وطنجرة، وإبريق شاي ومهراز من خشب الطلح، وعصا المدقّ وكومو لقلع الأعشاب وطاس ومحقن وقصعة. وعلى الجمل الثاني استوى المصري مع كيس اللحم المقدّد المتّصل طرفه ببيدون الدهن. بينما تربّع العراقي على البعير الثالث مع عصاه المطلسمة، في حين شُدَّت كتبه المسجّعة العناوين في ثقّالة وزن مع زنبيل يحوي التمر والكرتة. وتسنّم عصري الجملَ الأخير الأبلق، بقربه سمسونايته المحزومة مع حجر الجلخ.
أحاطتهم الرمال، أصحروا بين حشرات الخنفس وأعشاب العرين والضمران والدرين والسبط والأثل والطرفا، زرع سرحان الغليون في طرف فمه الأيمن وأمسك جرنه بيسراه دمدم:" رحيلاً رحيلا بغير هوادة، رحيلاً فإن الرحيل سعادة .
نقل الغليون لطرف فمه الأيسر وأمسك جرنه بيمناه وظل يتفلسف : " أنظر أنظر، الصحراء ورمالها، السماء وزرقتها، هذه ليست أشياء صمّاء، لكنها ناطقة لو عرفت كيف تستنطفها.
جاوبه عصري على الجمل الأخير :" تضرب بهالبوز متل عُقَّال الدروز، فتحتلنا مواهبك وعملتلنا قصة شعرية!
بدأ حاتم يتذمّر فوق الجمل الثالث : "لو أدري سفرتنا هلقد راح تطوّل كان جبت ويايه بوطِل عرق نثرية مال درب، دتفيد بقتل الوقت.
ابتسم الغجري، أخرج من زنبيله آخر قنينة: "عمّك عصري حاسبلها حساب، خبّي عرقك الأبيض لنهارك الأسود، بصحتكم شباب ،عَ الماشي، عَ الراكب، عَ الناشف.
عبّ من البطحة بشراهة كحولي مدمن ثم قذفها لحاتم الذي جرع جرعة، أتبعها بجرعتَين عدّلتا مزاجه: "خَيّ، أيباه اشقد صارلي ما شارب ! من ذاك اليوم، الله يذكرهن بالخير.
طارت البطحة من الجمل الثاني إلى الثالث ومن الثالث إلى الرابع. التفت الجمّال نحو الركب المنتشِ، سألهم عن هذا السائل الأبيض، ضحك عصري وقال إنه "دكنو زحلاوي " اتّسعت عينا سرحان، أشعرته الخمرةُ والامتدادُ المسطّح بأبعاد شخصيته المركّبة تمتم بإلقاء شعري: " أنظر أنظر ،البرّية، الحرّية، المدى، الامتداد اللانهائي، حين تكون كل الآفاق عمياء فإن المدى الوحيد المبصر هو التوغّل في الذات.
أمال الغجري البرنيطة كما أمال فمه بابتسامة ساخرة: " قال الشاعر وما الدنيا فيها حراقاً إلا في الصحاري، والحراق في القلوب مجالاً.
ضحك حاتم: "منين جبت هالبيت لك لوكي مخربط، من بحر قفشتا"!
دخل عصري في عوالم صاخبة من اللذّة والانتشاء ونسيان الذات ، فكّ عقد السمسونايت الكثيرة، أخرج الكاتالوغ قلّب صفحاته وأشبع عينَيه، ثم رماه إلى العراقي فأمسكه كشيء تافه، قال بصلافة : "آني مو من عادتي أباوع هيكي طرّهات، آني هالأشياء ألعب بيها شخصي.
وقذفه فوراً إلى المصري الذي ضبّ كرّاس الأشعار في جيبه، وتفرّغ لكرّاس الصور المهيّجة ناسياً الصحراء كليّاً.
انزعج عصري من مشية البعير الوئيدة، غمغم : " سقالله أيام كنت اركب المهرة الأصيلة من حمص لطرابلس، أفشخ فوق النهر وطبّ بوادي خالد، نطّ فوق جبال عكّار وصير بحلبا، ربع ساعة زمان كون بتلّة البدّاوي .
فتل شاربه القوقازيّ بأمائر فخفخة وبطولة: " شايف هالجرح إستاز"؟
صفّر سرحان دون أن يرفع عينه عن الكاتالوغ: "يبوووي ده جرح رهيب"!
تقلّص عصري إلى أبعاده الإنسانية، فقال بنبرة واقعية: "إحنا الريّاس مغضوب علينا من يوم يومنا، قال الزير سالم وحقّ المهيمن ثلاث أيمان واثقين، سوى جنس الحمير ما ما إنتو راكبين ولا لكم بلاد ولا منازل، أصولكم ضايعين.
تململ وتحسّس فخذَيه المسمّطتَين وأمعائه الممغّصة من مذاق الماء المشبع بالكاوتشوك، ترنّح انحلّت مفاصله من الثمالة ومن دوّار الصحراء ومن اهتزاز السنام ، خبّأ رأشه بالشاش من الشمس الحارقة، همد وتراخى، سَلَت عن السنام ووقع على الرمال، توقّف الطاهر وأوقف القافلة، نطّ المشرقيان ركضاً نحوه، جسّ العراقي نبضه مقترحاً أن يرشّوا عليه ماء الورد، عارضه المصري : " ده ضربة شمس، إدِّيلو حتّة عرق يصحصح على طول.
حرّكه حاتم فأفاق، عجز عن رفعه بسبب يده فتطوّع سرحان، أردفه على ظهره وقال يشجّعه: " شدّ حيلك يبو العم، فشختين ونصل، أوروبا مش بعيدة عن عشّاقها، لا تبتئس، من رحم المحن يخرج الأبطال، الإرادة نصف الطريق
لَكَزَ الطاهرُ الجمالَ وحثّها على النهوض من جثمتها، استوت الثلاثة الأولى على كراعها إلا الأخير الأبلق ، أزبد وعنفص في مكانه( الأبلق فصيل صغير جلبه الطاهر لترويضه على المشاوير البعيدة ) تطيّر عصري، رفض ركوبه وهو يرى لون رأسه يختلف عن لون سائر جسده، فربطه الجمّال مكان الجمل الثاني، ووسّق البعيرين بالغرائر المناسبة، حشر بطّانية فوق الحويّة كي لا تتيبّس أضلاع عصري، ولوايش من اللبّاد تحت أعواد القتب كي لا تلامس أضلاع المركوب.
استأنفت القافلة مسيرها، خبت الإبل في مشيتها الوئيدة وحرّكت سيقانها الأربع في خطوات رتيبة منتظمة، بدأت ترغي وتضرط وتبعر، وضاعت المسافة في المسافات، تبخّر مفعول الويسكي، وانتكس عصري وحاتم، ظل المصري يحلّق في صور الكاتالوغ، وانتصب قضيبه هباءاً على لا شيء، تشتّت فكره وتبعثرت بقايا الكلام في فمه، نزع الغليون من فمه وحاول رسم أحاسيسه فلم يخرج معه شيء (أن يمتلئ الرأس بالصور شيء وأن يفلح الغليون في رسمها شيء آخر، الصحراء لا تتجلّى بالصور والأشكال بل بالكلمات والمفاهيم).
كفّت حبّات السُّبحة عن الدوران في يد عصري، وثقلت رؤوسهم وظهرت بقايا التّعب في عيونهم ( كانوا قد أصحروا عند الفجر ) فسرقوا ساعة نعاس على الأسنمة، ولم يعد يُسمع سوى الشخير وحداء الطاهر الموزون على إيقاع الإبل:
"البل عطايا الله جزيلات العطا سفن الصحاري والذكا باذهانها
مشروبنا والقوت در حجورها وعند الرحيل تشيلنا بظهورها.

الكراكر والنواجي والجهاد الشّرجي
ركض الصّبيان باتجاه خيمة كبير الحي صارخين : " أطّاهر ود سيدي مهنا جَ وَمْعَاه اثْلَثْ رَجَّالَ بيظان
أنيخَت الجِمال الأربع ورُفِعت عنها الأدباش والرواحل والسروج والأقتاب والأشولة والغرائر ، سأل سرحان عن عدد الكيلومترات التي قطعتها القافلة فأجاب حاتم "خمسين " زايد عصري " أكثر من ستّين "ونظروا إلى الجمّال يحتكمون إليه فقال "أقل من عشرين
جاء شقيق الطاهر حمه وشدّ على يده :" ياك لا باس ! سنانك بخير ! أهل تمبكت بخير ! ألْبَلْ بخير ! لَقْنَمْ بخير ! سيدي الوافي بخير ! لَحْمِيرْ بخير!
وجاء أعمامه وأخواله، برز والده سيدي مهنا وضع يده على جبينه وباركه، رمق الغرباء ككائنات آتية من كوكب أخر، كبس الطاهر إبهامه على خيشومه وتمخط ثم مسح أنفه بطرف درّاعته، قال :" لجماعَ أهل علم وطب ... عَيْطُولِ المواجيع فدشرة إلاَهْ إيْجونِ، ألَوْدوا اعْلَ لحيوان المدقدق كراعها .
وذاع الخبر بين خيام النجع والسرّاح المنتشرين في المراعي والسقاة عند الحاسي، التمّ النّواجي، طابت نفس سيدي مهنا وشعر بأهميته وهو يرى مضافته عامرة فتمشيخ شدّ أهداب دراعته على طريقة الوجهاء : " مرحب ابضيوف أرحمن، بني يعرب وقحطان، ألِّ يقولون لا إله إلا الله .
شدّ عصري الصداري قائلاً : " ميت أهلين ومرحبتين، حيّاهم الله النشامى، ألف تحية خص للشيخ زودٍ على زود .
سألهم سيدي التّقي عن وجهتهم، ردّ عصري وهو يداعب أصابع رجله : " طالعين طلوع عُمْرَة لبلاد الاستنكنافيه عالدين مرق، كفرهاجم.
نادى سيدي مهنا على زوجته خويدج، أمرها ان تمخض شكوة ألشنينه، قال في زخة أوتوماتيكية : " الضيف ضيف الله واحنا للضيّاف، إحن النوّاجي أولاد سيدي ناجي معشي اضيافه، سيدي ناجي بوقبّة خضره ود محمد ود عبد الله ود اسماعيل ود ابراهيم ود موسى ود يحيى ود عبد النور ود سعيد العربي ود عبد الحق ود عيسى ود صالح ود عبد القادر ود بلقاسم ود ادريس ود عبد الله الكامل ود لِحْسَن لمثنى بن لِحْسَن السبطي بن سيدنا إمام المعارف علي بن ابي طالب كرم الله وجهه مع مولاتنا فاطمة أزهرا .
رفع عصري شيّال البروتيل معرّماً صدره : " إيه والنعم والسبع تنعام، محسوبك عصري زاده قشر البصل، أبو ميلاد ريّس ريّاس القرباطية وشيخ شباب الحمصية، من نسل سيدي خالد إبن الوليد سيف الله المسلول مع السيدة زينب بنت هند بنت أبو سَيْفان، موس الله الكبّاس .
أسّرّ الطاهر لأبيه هو يشير نحو سرحان : " ذَ مؤرخ في التّاريخ، عاقل حتّ، أُقارِ قارِ يَعْرَفْ كَلْ شِ كامَلْ.
رأى سرحان أعين البدو منصبّة عليه بفضول، بَشّ لهم : " إسأل إسأل، عندي أجوبة تبحث عن أسئله .
ابتدره سيدي بادي بالسؤال :" هل يوجد في الشرق الجمل بسنامين ؟ فقال : " أيوه الصعايده كله بالتّنين : محمدين حسنين، أبو العينين ،واسكندر ذو القرنين.
سأله العيدود عن الفرق بين عرب أزواض وعرب الشرق فقال : " كله زيّ بعضه، تخلّف ممتدّ من طنجة لجعكرته .
أخذت الأسئلة تترى من كل صوب، سأله معاوية بن الطالب لماذا الأغنام في أزواض لها ذيل وفي الشام لها إلية، سأله سيدي المختار "هل الأرض كروية أو مسطّحة؟" فقال "مكرسحه "، سأله الشيخُ الصغير بن سيدي الشيخ الكبير هل بني آدم مسيّر أم مخيّر فقال "مسخّر" . وسأله عن سبب سوء أحوال المسلمين فقال "التخلف"، سأله عن أسباب التخلف فأجاب "الأستعمار" وسأله عن أسباب الإستعمار فقال : "التخلف " .
رمقه سيدي المختار بإعجاب نابع من عدم فهمه للرطانة : " ظاهر لِ عنك عالم فحل، أعقل من دَيْلول.، يكانك ترد اعلينا مردت سيدنا يوسف ابمصر مع ناثي اللي قطعوا أيديهم لما شافوه .
قال المصري باقتضاب : " ده عيّل فلسطيني تايه ضاع وأهله لاقوه بمصر .
عاد الشيخُ الصغير بن سيدي الشيخ الكبير يسأله عن شيوخه فقال : " حجة الإسلام عبد السارتر، ماركس رضي الله عنه وفرويد كرم الله وجهه، ودارون عليه السلام.
مَطًّ الشّيخ شفتيه : " والله يَذِ الصحابة ألِّ ذكرت ما قط سمعنا بيهم، إحنَ ما سمعنا يكون الموطأ والألفية، ش من المنكسر والبرُدْة، أُتَوْفَ .
سأله السّالم بن السّالك عن الحصار المفروض على العراق فلمعت عيناه بالخبث وأشار إلى حاتم : " أهو عندكم المْعَوَّد أبو دلال، شيخ عراقي كبيررر .
ونزلت عليهم كلمة " العراق" كليلة القدر، تسلَّطَتْ أعينهم على حاتم ، رفع سيدي بادي يدَيه : " يا مُلانه يَلْحَيْ يَلْمُجيب، يلي غيبك ماه مريب، أنصر عبدك صدام لحبيب، نصر من الله وفتح قريب .
دخلوا في بازار القومية العربية، تحمّس سيدي مهنا : " قاللك صدام نجح بالإنتخابات مية بالمية، الشعب يبقيه حت حت، واش تقول بالانتخابات ذ ؟
" نزيهة ميّة بالمية . أجاب حاتم أوتوماتيكياً تغيّرت سحنته وتحسس البازبند وهو يرى بؤبؤين صارمين ترمقانه وحده من دون روّاد المضافة، خبأ وجهه خلف الغجري فلاحقتاه، انحرف وقعد خلف المصري ظلّتا مسلطتَين عليه، قال ليصرف أنظار البدو عن السياسة والعراق والرجل الضرورة : " آني فتّاح فال، عرّاف ربّاني، اختصاصي بالوهن الجنسي ( أخرج قاروة صغيرة ) آكو عندي حبوب عجيبة تدرّ المني وتهيّج الباه، ومن شربها ينتعظ عيره ولا يفتر عن النيك .
تلاشت حميّة الجهاد ، مسّد الشيوخ لحاهم ناظرين إلى الحبوب العجيبة بعيون واسعة، فتح سيدي التّقي يدَيه الإثنتَين فناوله العراقي حبّه : " هاك حجّي صيدلية شفاء، مفيدة للعير والطيز والإنجاب والإجهاض والثآليل والإسهال والقرحة.
سأله عن تركيبها فقال أن سرّها خطير لا يعطيه لأحد . سأله :هل حقا أن المسلم في الجنّة كلما وطأ امرأة ترجع بكراً، وكم مرة بإمكانه أن يواقعها في الليلة، فأجابه شاهرا خواتمه السبعة : " سبعة وسبعين بعدد وضعيات كوماصطرا، سبعة بأوّل الليل، سبعة بنص الليل وسبعة بالهزيع الأخير من الليل، أينعم، الرقم سبعة مقدّس، ومن عجائب رقم سبعة أن عجائب الدنيه سبعه، عجائب هفتكانه، الهفت سين في سفرة النوروز سبعه، أسماء النبي سبع ، العهود السليمانية سبعة، الأودية سبعة، الأختام السبعة، السماوات سبعة
سألهم إذا كان ثمة بينهم من يعرف جداول الحساب ليُثبت له معجزات السبعة، فطأطئوا رؤسهم اعترافاً بجهلهم، سأله سيدي التقي عن أسماء النبي السبعة فقال :"محمّد، أحمد، ياسين، طه، المزّمل، المدّثر، والمصطفى "، سأله سيدي السّالم بن سيدي السّالك عن السّينات السبع فقال : "سيب، سيز، سركة، سمّاق، سنجيد، سير، سكة ". سأله سيدي المختار عن العجائب السبعة فقال : "الأهرام الثلاثة ،وبرج إيفل والعنقاء وطائر الرخ وطائرة كونكورد .
أخبر الجمّال والده أن لدى عصري صندوقاً عجيباً هو عيادة أسنان بحالها . أمر الأب ُالغجري أن يأتي بصندوقه ويكشف على أسنانه، فلم يجد الأخير بداً من القول : " خدّام شواربك يا شيخ العرب، أي أنا بزماني ركّبت سنان لوزير خارجية النيجر بذاتو
احتضن الحقيبة، ضرب الرقم السرّي فانفتحت، نظر البدو بانبهار شديد أطربَ الطاهرَ فأمَرَ الغجري بلهجة آمرة : " واسيها مرّ اخْر، إكفلها أُعود أفتحها بَشّور قدام الشيوخ لاهِ يَتْنَيْمْشُ فيهَ.
امتثل عصري، أقفل الحقيبة وضرب الرقم السري وفتحها من جديد وهو يهلّل : " تعا تفرج عَ المارد نور الدين، دار الدنيا بلمحة عين، تعا شوف حمص العدّية وسوق الحميدية وباب التركمان اللي دخل منو السلطان، وانظر على سيدي خالد يشرب من ماي البارد، تعا تفرّج عالبانسا وموس الحلاقة ودوا أحمر، عَ كدلوغ السكس البطولات والمراجل .
قرّر ألا يضّيع جهده مع زبائن مفلسين يدفعون جزاء أتعابه كلمات شكر وأدعية، فشهر كلابة القلع في وجه الأب، قائلاً قبل معاينة السن : " سن مقلقز، لازمه قلع، افتاح حجّي متحف الآثار العتيقه .
اعترضه طاهر : " محروق بَيَّّْك، رد القلّاعْ واكبَظ ألحفار، إزرع أُلا تقلع .
انضبع عصري، استطلع تجويفة الفم وأخرج إبرة الكلوروفورم المخدّر، غرزها تحت اللّثة اليابسة، ثم أدخل حفّارة دقيقة وشرع يحفر الجزء المنخور وحشاه بالرصاص، رأى أعمامَ الطاهر وأخواله ينتظرون دورهم، فتح بحركة سريعة الحفّارة وقطع سلكها الكهربائي، تظاهر بتشغيلها فلم تشتغل، اعادها متذرعاً بنفاذ البطارية، لم يعد أمامه إلّا القلع، خدّر لّثة عم الطاهر، تعمّد أن يقلع السن قبل سريان مفعول التخدير، وصرخ العم صرخه ألم جعلت الباقين يحجمون، لوّح عصري بالكمّاشة : " مين بدّه يقلع، الضرس بخمس ورقات وتلاتة بعشره، في سبيل الله بلاش، ببلاش إلا ربع .
صخبت المضافة بذوي الأوجاع من البشر والبهائم، جاء بدوي بإبل جربانة طلب منه ان يدهنها بالقطران، وجاء آخر بعنزة سوداء جفّ ضرعها ثم طلب منه أن يحجّب لها لتدرّ لبناً، جاء ثالث بحربة مثلومة ليسنّها على حجر الجلخ، أحضر سرّاح قطيع أغنامه ليرقيها ضد أنياب الوحوش الضارية، وانتفض عصري بوجه الملتمسين : " طرش المعزة هدا دواه عند المْعَوَّد،(لحاتم) قوم دكتور داهش بيطر الشعب أوام.
هبّ العراقي حاملاً عصاه المطلسمة : " تكرم عين الشعب ودواب الشعب، آكو عندي حلول تبحث عن مشاكل .
جمع الحيوانات المريضة رسم حولها دائرة، قطّب حاجبيه الغزيرَين فرد خواتمه السبعة، قال بصوت الكهان العميق : " اللهم سخّر لي رقيائيل وخدّامه موهب، وجبرائيل وخدّامه مرّة بن الحارث، وسمسائيل وخدّامه الأحمر أبو التوابع، وميكائيل وخدّامه برقان أبو العجائب، يا شافي يا كافي يا معافي هيوشِ مهطوش أدَشٍ أريوشٍ أريايوشٍ برمة .
اقترب عجوز شيباني أخبره أنه محروم من ثمرة البطن، أسبل حاتم مقلتَيه قرّب عصاه المطلسمة من قضيب الرجل : " كبّروه كّبروه كّبروه .
ثم أعطى العجوز حبّة سوداء: " هاك أبو النّذر، إبلعها من فمك تصير متل الحصان، تدخل على أهلك مرفوع الراس .
أشار المريض إلى ما بين فخذَيه قائلاً أن العطب تحت وليس في الفم، نهره حاتم : " إبلعها من فمك مفعولها ينزل لعيرك، إبلعها الله يشفيك .
" ويشفي مرضى المسلمين . أردف عصري
" ويشفي كل المسلمين . عقّب سرحان
رمق حاتم الجائع عنزة صغيرة وقال لسيدي مهنا أن دمها ضروري حتى يستجيب الله إلى نذورهم وأمره أن يذبحها حالاً ويفرّقها ذبيحة وكفّارة، وأن يشوي كبدها له ويعمل منها تشريباً .رفض والد الطاهر متحججاً أنه يحتفظ بها أضحية للعيد، اليوم الوحيد الذي يذوقون به اللحم، حلف يميناً أنهم يطبخون القوارض والسحالي والجرابيع ليسدوا جوعهم، قام الطاهر إلى الأدباش وصبّ من السكر والشاي في إناء وترك لهم غرارتين مليئتين بالدّخن (أعراف البادية تقضي بأن يعطي الوافدون لأهل النجع ما يُسمَّى :حق التريق او الصَّفْري ) وفرّق حفنة سكّر على الأطفال فلحسوا بنهم وتجمّع الذباب على أفواههم، ونهض المشارقة لاستئناف السفر، فاستوقفهم سيدي مهنا بصوت أخنف : " حانيكُ حانيكُ، ضيافة النبي ثلث ايام، حَدَّ لاَهِ ما تَحْرَكو من هون .
باتوا ليلتهم ثم التي تليها، ولم يشدّوا الرحّال إلا بعدما قلع عصري الأسنان المسوّسة كلّها، وشحذ على حجر الجلخ السكاكين المثلومة، وجَبَّر عظم الغنم المكسورة، وختن الأطفال وسمّر حوافر الحمير.

ردناه عون طلع فرعون

لم يعد الطاهر ذلك البدوي الوديع المبتسم دائماً، انقلب فظّاً غليظ الوجدان، تصرّف معهم كسيّد مطلق مع أقنانه، أجبرهم على التحطيب وعلى لَمّ بعر الجمال الناشف ، وعلى هَرس الدكنو في المهراز، وفكّ الدبش وشدّ الرواحل في الحلّ والترحال، سمطت أفخاذهم بالركوب تورّطوا ورطة مزدوجة: مع الجِمال ومع الجمّال، تدهورت معنويات السوري والعراقي بينما ظل المصري محافظاً على ألقه .
* * *
تربّع سرحان على البعير الأبلق هادئاً كالنيل، بعثر نظراته بين السماء والرمال وكرّاس الأشعار، قرأ بصوت مسموع: "أيها العابر في الطريق، آثارك هي الطريق/ تتشكّل الطريق عند المسير/ عند المسير تتشكّل الطريق/ أيها العابر في الطريق / ليس ثمة طريق/ بل نقوش على الرمل".
أكمل وهو يعضّ على الغليون: " أنظر، في حبّة رمل ترى العالم، بصّ شوف جَمال مدّ النظر، حولنا وفوقنا".
عالجه حاتم بقوله: " يا جَمال! لَك حازقيل أبو البالطوات !ماكو غير جِمال ورمال وأشواك.
" حضرتك شايف الصورة وغافل عن المعنى، الجمال بعين الناظر مش في المنظور، الجمال اللامرئي، سِين أند أنسين، الخواء بطانة لعالم كثيف مليء بالأسرار، أنظر بالبصيرة لا بالبصر ،بكلّ حواسك، يا لعطر الأماكن. شِمْ رائحة الطلح والإثل والأرض البكر.
حرّك حاتم خياشيمه وقال إنه من فرط جوعه يشمّ رائحة تشريب وكباب، وتحسّر على زنبيل التمر الذي كان مربوطاً ببعيره (الطاهر اكتشف أنه يمدّ يده خلسة ففكّه عن الجمل الثالث وربطه بالجمل المهري).
تعضّل عصري وتململ فوق الجمل الأخير، مدّ ساقَيه إلى جهة اليسار، ثم إلى اليمين، قرَّب إلى الأمام فكاد يسحل على الغارب، تراجع فكاد يقع عن السنام إلى الخلف، توسّل الجمّال أن "يقيّل " لإراحة فخذَيه المسمّطين، فقال الطاهر: "ما اتقد تركَب أزَّايلَ قوطِر اعل كراعك.
تذرّع عصري بتورّم قدمَيه، قال طاهر: "مانك قاد تقوطِر اعل كراعك، أركَب أزَّايلَ.
صبّ عصري غيظه على الجمّال: " يا ضيعان التعب بسنانك وسنان اللي خلَّفك ( ثم على صاحبَيه) نصحتكن كتير بلا هالطلعة بالصحرا، بس حكي اللي ما بينسمع يا حسرة قايلو.
عاد سرحان يكرّز في الصحراء : " ضيِّع نفسك لتجدها، المسافات وجدت لتُقطَع، أضمن الطرق أصعبها، أسوأ المتاهات هو الخط المستقيم...
لم يدعه حاتم يكمل: "أُكُل خرا ولك هريدي أبو دماغين، أبول عليك وعَ اللي بدع الشعر".
كركرت معدة عصري، ارتمى بسلاسة على رقبة البعير، هبط واقفاً، طقطق أعضائه المتصلّبة، ركض في اتجاه معاكس لسير القافلة، اختلى بنفسه خلف صخرة يفرغ أمعاءه، أشعل سيجارة وشفط أنفاسا متلاحقة، شعر بدوخة لذيذة في رأسه وبخدرٍ في أطرافه وبراحةِ في أمعاءه، طالت خلوته مع نفسه في إسهال لعين سبّبه شرب الدكنو، رأى القافلة تتضاءل، مسح خزقه بالرمال، ركض فطارت البرنيطة عن رأسه وفلت الشبشب من قدمه، شعر بشيء حادّ ينغرز في كعب قدمه، شدّ كاحله وصرخ: " يا ناس ياهو ياسامعين الصوت يا إسلام.
"يَمَّك أبو الجمل" زعق حاتم وهرع إلى نجدته، بدل أن ينتزع الشوكة من باطن القدم انتزع سيجارتين من علبة الروثمان بجيب الصديري، دنا الطاهر من عصري بلامبالاة: " ش مبَّكيك، لا بكاك حر ولا شر، اشطاري ؟ لسعتك لفعى؟
سحب طاهر شوكة بطول مسمار مغمّسة بالدم "ياك ! أشَّوكَ أسقَيَر ذِ ألِّ مبكيك! قيِّم بو برنيطه كافيك مَن لَعيَاط، لا إتعدل انُّك مريض، أشّوكَ أصغير ما تمرظ منادم".
صرخ حاتم بالجمّال: " جره عجله داري ؟هاي شكو عندك داعِس دي دي! خْطَيّة عصري، الله يستر ما تنقصّ رجله، تحصل له غنغرينا لو حمّى مالطية لو زائدة دودية".
صرخ الجمّال بحاتم: "أفظَيمَ ‌! حَجَّبْ لُ ، واسِ لُ شِ بدبوزك ألمرصود، أنتَ ألِّ طبيب طبِّب عينك العورا".
ظهرت نجاعة التصرّف من المصري فطهّر الجرح بالسبيرتو وصبغة اليود، نزع من الحاوية خرقة من لوايش اللبّاد، لفّ بها باطن القدم، تشبّث عصري بالعراقي، رجاه أن يقرأ على رأسه شيئاً من سورة الدخّان، فعالجه بقوله : "شلون تريدني أقرا عليك سورة الدخّان وآني خرمان عَ الدخّان".
ناوله سيجارة "روثمان" فدسّها في فمه، أشعلها ثم قرأ: "أسكن أيها الوجع بحق جَم جا جمناكم فاجِم جاءان ورمى ".
قال الطاهر للغجري: "وَصْلاة وَسَّلام اعلَ رسوللا أيالله ، قيِّمْ، اربَط انعايلك امشِ اعل اكراعك، اركب وَخلاص".
لم يتحرّك عصري، لكز الطاهر الإبل أمسك قياد الجمل الأول.بلهجة حازمة أمر المصري والعراقي بالركوب، وبلهجة أشدّ حزماً أبلغ الغجري أن بإمكانه الرجوع وحده إلى تمبكتو، وانتزع عصري نفسه انتزاعا من الرمال ركض على رجل واحدة حتى أدرك الجمل الأخير، شدّ أذنه، وتسنّم سنامه بانسيابية وسلاسة (أول مرّة يتسنّمه وحده دون إناخة) أخذ يداعب رجله اليسرى المصابة كما كان حاتم يداعب يده اليمنى، حلف على الطاهر بالرجوع، مغرياً إياه بأربعمئة دولار نقداً، لمعت عينا العراقي، ولوى رقبته وحدجَ السمسونايت بنظرات لصّية مُريبة من نوع: كم من الأمور العجيبة في هذه الحقيبة!
توقّف الطاهر وهلةً، وسأله عن قيمة الدولار، فأجابه: "وحياتك أقوى عملة بالعالم، أقوى من درهم وجنيه وأوقية ودينار مجتمعين، عشرة منه يجيبولك جمل".
عدّ الطاهر على أصابع يدَيه وحوّل المبلغ إلى إبل، إلى قافلة من أربعين جملاً. مرّر أصابعه بسكسوكته صافناً في جهتَين متعاكستَين، خمّن أن الحقيبة تحتوي ثروة أهمّ، عدّة تصليح الأسنان، ناهيك بالدولارات وبالسنسونايت نفسها وبالدهشة التي تُحدثها، واستأنف سيره بعدما قال: "الكراكر بعيد حت حت، وأروان قريبة حت حت".
وتوغّلت القافلة القلقة في الخواء الشاسع، في الصمت، في المسافات، خبت الجمال في مشية وئيدة وخطوات رتيبة واشتدّ القيظ، تحوّل نواح عصري إلى همهمة ثم إلى شخير، ولم يعد يُسمع إلا أزيز الرواحل والاقتاب على الأسنمة، وحداء الطاهر وهو يحثّ الإبل على المسير:
مدّي رقيبتك واشربي لرياحِ آنا ضامنك عقب الشقا ترتاحي
يا عوجة الصّيقان يا مدّادة يا سعد من ربّى عليك اولاده.

أروان، أو آمنت بالله ورسوله وإبله

انتشر الخبر قبل أن يخرج الرجال من البيوت، انتشر أولاً عند الحاسي على ألسنة الصادرين والواردين، ثم في صرخات الأطفال الذين هرعوا نحو السقيفة: "أطّاهر ود سيدي مهنا جَ رافد معاه ثلاث دُعاة من جماعت أتبليغ".
قاس عصري الكيلومترات التي قطعتها القافلة بمقياس كرشه الضامر: " 600 "
خمّن حاتم المسافة من طول لحيته: " 700".
زايد سرحان وهو يتأمل أظافره الطويلة "أكثر من 800 "
وتمخّط الطاهر ومسح أنفه بدرّاعته حاسماً المزايدةَ: "أقل من 300".
صخبت أروان، استولت عليها حمّى مفاجئة (لشدّة رتابة الحياة فيها تحوّل أتفه أمر إلى مهرجان).رآها سيدي الحاج مناسَبة مناسِبة ليستعيد هيبته الضائعة وليذكَّر الأروانيين بما كادوا ينسونه مع تقادم الزمن، إنه كهيل الدشرة ومقدّمها، حاج بيت الله، خف لاستقبال الركب: "أطاهر مرحبا بريحة الحباب، ياك لاباس ! اتوحشناك حت، الكراكر بخير! سيدي مهنا راه لاباس! ألبَل بخير! ادجاج بخير! لمعيز! ألحيوان كامْلَ !.
أفلت الحاج يد الطاهر، فاستلمها مولاي محمد وشدّ عليها: "سيدي بادي لاباس ! لقنم بخير! الجمل المهري لاباس! البعير الأبلق لاباس! أزّايْلَ الصّفرة!
وسُيِّبَت الإبل، سارع مبروك الحرطاني إلى وضع شوك قتاد بين أفخاذ نوق الدشرة، كي لا تقربها الجمال الأربعة المستوحشة، اختلس الأروانيون نظرات متلصّصة على الغرباء الثلاثة سألوأ الطاهر :هل هم من حملة التثبيت إزاء حملة التنصير؟ فأوضح أنهم أطباء، أحدهم يقلع الأسنان وثانيهما يطرد الشياطين وثالثهما مؤرّخ من حفظة القرآن، وختم: "خلِّ يَنتقَر أطّبَل لَكبِير وينادي اعل لمواجيع فَالفرقان كاملين".
وقف سيدي الفادي بتهيّب أمام طبل مربوط بين وتدَين، نقر النقرات الأربع التي تعني أن على السُّرَّاح في البوادي الحضور لأمر مهم، التأم الشمل في السقيفة المفروشة بجلود الضواري، فخفخ سيدي الحاج في صدر الديوان، جلس الشيوخ حوله حسب تسلسل الطبقات الاجتماعية: الشرفاء، فالأحرار، فالزناقة واللحمة والحراطين، تجدّب سرحان شاعراً بأبعاد شخصيته المركّبة إزاء بدو منغمسين في الطبيعة كالحيوانات، بدا حاتم بلحيته مندمجاً تماماً في الإطار والديكور، نقع عصري رجله المصابة بطشت ماء مملّح ساخن، قال مستلهماً التحايا الحسّانية: "حياهم الله الشيوخ، إيه أهلاً وسهلاً، أي شلون العيال والولاد والزراري والأهل، شلون الجمل ! شلون بعر الجمل وحليب الجَمَله! شلون النعجات اللي ربّيتوها! وشلون ولاد ولادكن! وشلون الجيران وولاد الجيران ! شلون القطط وكلاب الجعارية"؟
قحّ سيدي الحاج قحّة مصطنعة لاستقطاب الحد الأقصى من العيون الناظرة، ثم قحّ قحّة طويلة ليقيس مدى الصمت، وزّع نظراته على الغرباء بالتساوي، حملق بذقونهم الطويلة: "مَرحَبَ مرحبَ بالضيف الذي أتى ديارنا عدد ما مشيتم على وجه الرمال... نتوما من جماعة التكفير والهجرة إلى الصحرا"؟
شد سرحان على الغليون المعقوف بين أسنانه: "لا مؤاخذة شياختك، إحنا من جماعة التفكير والهجرة إلى أوروبا".
ظن الفادي أن أوروبا دشرة من مداشر الساحل فهزّ رأسه استحساناً: "الساحل بيت مال والقبلَ طوفوا، الشرق بيت نار والتّل لا تشوفوا ".
فخفخ سيدي الحاج بالعباءة المقصّبة بالذهب (يحتفظ بها منذ حجّته، يلبسها فقط في صلاة الجمعة والأعياد والمآتم)، وبذل جهداً فائقاً وهو يستحلب جُمله الفصحى : "الحمد لله الذي جعلني قبل موتي أغسل عظامي بمكّة، أزور قبر الشفيع في وادي قبا والبقيع، أشرب من حاس زمزم، مَ طاهر وطيب أحلى من عسل النحل ومن ريق العافية، حجّيت للبَيتْ وطُفت ولَبَّيْتْ، وقفت اعْلَ عرفات ورميت الحجرات".
وغمغم مولاي محمد حسداً: "لاه لا يحرم منادم من امقيست تراب لحجاز، ونضلعو مَنْ مَ زمزم، إنه على ما يشاء قدير".
بدا سيدي الحاج مثل سلطان بلا صولجان وهو يخوض في خضمّ المفاخرة السلالية (ككل العرب الذين درس مجدهم إن سُئِل عن اسمه يذكر أسماء أجداده وإن سُئل عن حاضره يطنب في سرد ماضيه)، تبجّح بأنه من نسل سيدي أحمد بن صالح الأرواني، من أولاد سيدي الكبير ابن سيدي أحمد بن سيدي بو بكر بن سيدي محمد بن سيدي حيبلله بن سيدي عمر الشيخ بن سيدي أحمد البكاي بن سيدي محمد الكنتي بن سيدي علي المنتسب إلى جعفر بن أبي طالب. تحدّث عن جدّه الذي كان يفرض مكوساتٍ على قوافل الظلاي، كان يحتفظ بطبل الزعامة، وكان يكرم الضيف ويمدّ السماطات، فقد أولم مرّة لأمنوكال هقّار جملاً محشوّاً بخروف، والخروف محشوّ بطير، والطير محشوّ ببيض. ثم تغيّرت الدنيا، زحفت الرمال وجاء مهاري الفرنصيص أقاموا نقطة عسكرية لضبط القوافل وسلبوا منه امتياز الجباية والأتاوة، جاء موديبو كيتا حرمة من عبيده، وجاءت مجاعة عام 71. أكل الناس لحم الحمير وعرانيس المركبي، وخربت أروان بعد عمارها ولم يبقَ فيها إلا بضعة أنفار هو أحدهم.
سكت سيدي الحاج فتكلّم ابن عمّه مولاي محمد بن بوردة، وقال إن لأروان تاريخها المشهود، مقامها من السودان مقام الوجه من الإنسان، كانت مزدهرة يسكنها الآلاف، وكانت موئلاً لقوافل الظلاي والرحّالة المغامرين مثل ابن بطّوطة وابن حوقل وابن الوزّان والحاخام مردخاي بوسرور.
نظر الحرطاني مواربة إلى الشيخَين نظرته إلى نخّاسة محلّيين، مطّ شفته السفلية الغليظة بتسليم: "الله يبارك فعمر سيدي ومولاي، احْنَ عبيد امَّلكَ أُتَحت الأيد، ما نعرف أُمنا ألا بَيْنَا، نعدل لحويات أُنَمخَظ اشكَاوِ أُنورد الحاس، نسرِّح البِلْ
صمت وهلة ثم أضاف بصوت تلاعب بنبرته: " ولّاهي، إحْنَ هون مَنْسيين أُحَدْنَ، إحْنَ ولقنم ولحمير والبِل، قاتلنا الجوع لا صيِّد لا زرع لا سبَّ .
رمق أدباش القافلة والأشولة والغرائر بنظرة من طراز "اذا كان أهل الكراكر فقراء فأهل أروان هم الأفقر بين الفقراء " قام الطاهر من توّه ودلق لهم مقدار كيلتَين مليئتَين دخناً وتمراً وسكّراً وشاياً وبعض مربّعات ماجي
سأل الحاجُ سرحانَ عن ترابه فأجاب: "شياختك، أنا من الصعيد سرحان باشا ابن عصمان بيه البرديسي، ابن حاج عبموجود خفير برج الحمام، ابن هريدي القهوجي بن عبصبور القرداتي ابن حسنين القبانجي ابن محمّدين الخردجي".
غارت محاجر الأرواني وهو يستحلب في ذاكرته أسماء المداشر التي مرّ بها أثناء حجّته مع قافلة الشناقطة (مرّ في توات وغرداية، وعرّج على الزاب للتبرّك بمزار سيدي عقبة، ثم سار شرقاً نحو القيروان وتوزر وفزّان حتّى واحة سيوة، ثم عبر بحر النيل والبحر المالح للحجاز، لكنه لا يذكر أنه مرّ ببلدٍ يحمل هذا الاسم الغريب) عاد يسأل: "أصَّعيد ذِ اقرَيِّب من مَكَّ، شرقها ولّ ساحلها"؟
" الصعيد لا تجوز نسبته إلا لنفسه، كنانة الله، المحروسة أم الدنيا، الأهرامات، الفراعنة، مصر، التلات أحرف الساكنة، ستلاف عام كل عام ألف تجربة وكل تجربة ألف ألف ميدان، أسيوط أم العباقرة".
رمى الحاج بصره على عصري فشقل الشيّال وقال: "داعيك سوري حمصي غجري، قلع السنان مهنتي، والبرّية وطني والبطحة مذهبي" .
التفت إلى العراقي فتوجّس وانكمش كمخصيّ في حرملك السلطان واكتفى بالقول إنه من الناصرية.
أمعن الحاج النظر فيه مستفسراً عن هذه الناصرية، فأوضح : "مدينة شروكية يسارية مغامرة، تقع بين البصرة والنجف".
سأله عن النجف، فلم يزد عن قوله: "حوزة علمية تستورد جثث وتصدّر علماء".
شدّ الحاج اللثام بطريقة تدلّ على نفاد صبر، فرفع حاتم صوته: " خوش آني من شنعار من العراق شتريدون بعد"!
نزلت الكلمة السحرية على البدو كهبّة نسيم في صحراء قائظة، ضجّت السقيفة بالتكبير والتهليل، زعق سيدي الحاج: " مرحب مرحبَ يعراقي، اذا وقع حيف اعل لعراق بكت أروان أول الباكين.
شهر الحاج حربته واستأنف : "السيوف الحدب بانتظار المريكان، اللهم انصر دينك وكتابك وسنّة نبييك وعبدك المجاهد صدّام ود حسين".
ارتعد حاتم، نتأت تفاحة آدمه ، تراءت الغيلان في الفلوات، رأى الأنظار منصبّة عليه فتعوّذ بالله من الكرب والبلاء ".
أمطرت أسئلةً، سأله سيدي الحاج عن معنويات المجاهدين العراقيين فقال: "كلّش زينة". سأله عن موقع العراق بالنسبة إلى مكّة، هل هو شرقها أم غربها؟ فقال: "فوقها". سأله سيدي الفادي عن حدود العراق، فقال: "من عبادان إلى زاخو طولاً، ومن القادسية إلى حلوان عرضاً". سأله سيدي البربوشي عن جيران العراق، فقال: "مربّيته تركيا وأمّه فارس وضرّته سوريا". سأله بَهْدَل بن ماصَه عن قبائل العراق، فقال: "سنّة وشيعة وكلدان وأكراد وصبّ وآشوريين". سأله عن الفرق بين السنّة والشيعة، فقال: "ماكو فرق الضرائب على الشيعة والمناصب للسنّة"، سأله المختار بن أرشَق أي قبيلة أكثر عدداً، فحرّك أصابعه وقال: "فيفتي فيفتي ". لم يفهم قصده، فأوضح: "ثلاثين بالميّة سنّة والباقي شيعة". سأله الخليلُ التّيشيتي عن ميّزة القبيلة الشيعية، فقال: "الإمامة، زمام الدين، وميراث الحسن والحسين". سأله عن الأئمة، فقال: "علي والسبطين والتسعة المعصومين من ولد الحسين"،
استرد أنفاسه وقال : "رحمة والديكم يا معوّدين، لا تضيعون وقتكم، للعراق ربّ يحميه، بس إنتو هسّه ليش متقلعون أضراسكم، تره أكو يمّكم دختور عصري، حجّة الطب والأسنان "
انتقلت أعين البدو إلى الغجري الذي بدأ يتذمر وهو يداعب رجله المصابة بالطشت، أمره الطاهر بتنفيذ المتوجّب عليه فنهض عارجاً، فكّ الحقيبة، ضرب الرقم السرّي وأخرج كمّاشة القلع والإبرة وقنينة بنج الأورتسيا، استغلّ فرصة انشغال عيون البدو بالحقيبة ففك قلاووز قنينة البنج دلق عامداً محتواها على الرمال، افتعل الاندهاش والمفاجأة، شهر الكماشة وأعلن أن القلع بلا تخدير، أطبق سيدي الحاج فمه، أشار عليه أن يحفّف شعره، فانكبّ على الرأس الأشيب بماكينة أوتوماتيكية وحلقه على الصفر. وفقأ الدمامل وطهّر الجروح بالسبيرتو وصبغة اليود وماء السليماني وعالج القروح بزيت الخروع ومرهم أبوفاس.
جاء سرّاح بعنزة وطلب أن يجزّ صوفها، حمل سراح أخر عنزة مكرسحة وطلب منه تجبيرها، نرفز عصري، فقال حاتم: "انطيني ثلث جكاير روثنام وانته اقعد ارتاح، آني أتكفّل بمرضاك".
جمع حاتم المواجيع والبهائم، أمسك العصا المطلّسمة بيمناه وباليد الحرّة أمسك سيجارة وأخذ يقرأ الجنجلوتية والقواقل والحواحيم وتعاويذا من الأساجيع والكلام المقفّى،
تيقن سيدي الحاج من مواهب العراقي الروحانية فأخذ يسرد حلماً رآه : "شَفت منام عجيب، أن فَرَمضان لَيلَت سبع أَعشرين أنُّ إمام فلَمسيِد اصَلِّ اَنشّق اعليَ لَقدَر وأقوم اضرط، إلا منين أركع أضرط، أسجد كرشِ قال طرطرطق، أنا اضرط ألمصلين تَظحَك.
قال حاتم :"لا كثّر الله بالأئمة من أضرابك، أكيد كنت ماكِل باقِلّا ودكنُ ومتكشّف ، دير بالك حجّي، شدّ اللحاف واتغطّى زين، نام خفيف (ثم انتبه إلى أنه يتكلّم مع مقدّم الدشرة فاستدرك) وعلى كلٍّ إخراج الأرياح راحة، دشمان جختي، الله سيستجيب لصلاتك، رح تهب على أروان ريح مشفوعة بالمطر والثلج ويعود الخير بعد المحل".
جاء دور مولاي محمد فسرد حلمه : "آنَ شّفْتْ بلّلي عبد أكحل من أسودان حاضنني لاه إيقول لِ أنُّ مجازينِ بخيرات، أفتوني فرؤياي".
"السودان! عبد أكحل! خيرات! بسيطة مينرادلها تفسير، هالسوداني هواية خير عليك، إذا حاضنك من قدام يكون أعطاك خيرات أم درمان، إذا حاضنك من ورا يكون أعطاك خيرات الخرطوم".
مدّ سرحان يده للعراقي: "بيِّن لي يا بتاع السبع ورقات، ممكن تفسّرلي أنا ما بشوفش أحلام ليه"؟
"لأنك صعيدي دماغسز، مسوّي نفسك فهمان وانت كلش غبي، أنا أجزم بأنك زمال مو رجّال".
"وأنا أجزم بإنك طرطور مش دكتور... طب مَتبيع صكوك غفران زي عمرو خالد وتصير مليونير، ما تبصّر لحالك"!
عاتب عصري سرحان: "حاجي عاد خيّو، مَرِّقها، إذا مرقت بمدينة العوران حطّ إيدك على عينك".
مدّ سيدي الفادي يدَيه في وجه البصّار وطلب منه أن يفسّر له خطوطهما. عاينهما، ثم قال: "خطوط اليمنى 18والأخرى 81 نفس الأرقام مقلوبة، الأوبشن الأول لو جمعناها تصير 99 عدد أسماء الله الحسنى، الأوبشن الثاني لو طرحناها تصير 63 سنة شمسية عدد سنوات عمر النبي، أو 70 سنة قمرية، أو عشر سبعات...
قبل أن يقود الحديث في اتجاه رقمه السحري، تفاجئ برجل مهزول محموم ووقف أمامه، عاينه بعين خبيرة وتمتم: "دواك يرهم، كاس من بول النّاقة تشربها وتتعافى، أي نعم ثبت علمياً وشرعياً أن بول الإبل صيدلية شفاء".
نظر سيدي الحاج إلى الجمال الباركة في المراح: "عظمت السبحان أفلا ينظرون إلى البل كيف خُلقت".
شخط سرحان بصوتٍ أنفيّ: " هزلت هزلت، الناس بزمن بول غيتس وانتو لسّه بزمن بول الإبل".
حلف عصري يميناً أنه شرب مرّةً من حليب تيس البوكمال وشُفي. فقد كان مكرسحاً وسمع عن "تيس معزة حليبه بلسم"، سافر إلى البوكمال قام التيس نطح العكّازة فوقف سليماً معافى.
تصدّى حاتم للمصري: "انطمّ لك فرمسوني إيمانسز، هذا كلام الله دين مو طين، زين إنت ما سمعت بناقة النبي صالح اللي كانت تدر لبناً وعسلاً وبنسليناً ودوا أحمر فعقروها، ها إنت ما تصدّق سورة النحل بالقرآن"!
شخط المصري: "سلّملي على النمل في سورة النحل، فبأي آلاء ربكما تصدّقان".
نظر سيدي الحاج إلى الشمس الغاربة وراء الكثب، صفن في لحية حاتم وطلب منه أن يؤمّ "صلاة المَّقْرِب"، انسحب العراقي متحسّساً لحيته: "وداعتك حجّي هالدقن طلعت وحدها بالصحرا، أكو يمّك شيخ عصري خوش متمسّك بدينه، مسبحته مكّية هلقد.
انحرج الغجري الذي لم يُدخل مسجداً في حياته وضبّ السبحة قائلاً إنها " للتسلية " دفع المصري الذي تذرّع بأنه على جنابة وأفسح المجال لسيدي الحاج: " صّلي بينا يا عم انت حاج بيت الله، بس أوعك تضرط حتّى لا يخروا المصلّين".
صلوا المغرب جماعة، وجاءت قصعة مارُ فأكلوا. باتوا أسبوعاً في أروان، استراح عصري واستردّ بعض عافيته، حجَّب حاتم لكل الكهول الأعنّة والإبل المقروحة، أجاب سرحان على ما تبقى من أسئلة، حلق عصري رؤوس بقية الشيوخ وجزّ صوف الماعز، ثم استأنفت القافلة سيرها.

آه من قلّة الزاد وبُعد السفر ووحشة الطريق

وأمعنت ظعناً وارتحالاً بسرعة متفاوتة وحسب مسار تفرضه الحسيان والمنتجعات، أحياناً تقطع أربعين كيلومتراً في اليوم، وأحياناً تقطع في يومَين ما تقطعه في أربعة، تحسّبوا لمرحلة ما بعد أروان فاقتلعوا في موضعة بوناقة أربع رزمات من الحلفا وربطوا كل رزمتَين بحبل واحد وحزموها على البعيرَين الأولَين، المهري والأبلق. ترجّل الجمّال، ركب عصري على الجمل الثالث وتناوب سرحان وحاتم على ركوب الأخير، استطالت المرحلة إلى خمس عشرة ساعة يومياً، خمس منها في العتمة. لم يعودوا يقيلون عند القائلة، صاروا يشربون الدكنو والشاي وهم راكبين، تلاشت مظاهر الحياة البيولوجية، ظهرت حشرات خنفس متخشّبة وعظّاءات هامدة وطيور ميتّة ضنّت عليها المفازة الرهيبة بنقطة ماء. تقطّعت الشباشب فلحموها، ثم تقطّعت من جديد ولم يعد ينفع الترقيع، فانتعلوا البساطير وثقلت خطاهم، في واد لحجار فاجأتهم عاصفة رملية، ترجّلوا وستروا وجوههم بالشاش، جعلت الإبل ظهورها باتجاه الريح، أغمضت عيونها وخطامها بإحكام، أكملوا سيرهم في لفحة الهجير وفي قارس البرد، ظلّ الغجري يتبرّم، والعراقي يتوحّم على سيكارة، والمصري يُنخّي رفيقَيه بأشعار الكرّاس، والطاهر ينخّي الإبل بالحداء، والإبل ترغي وتزبد، تمدّ أعناقها نحو رزم الحلفا. أصبح النهار أطول والليل أبرد، فأكثروا من صبّ الفلفل في المارُ، واشتدّ الباسور على عصري، قيّح جرحه بالصديد فتعطّلت القافلة بسببه، نقموا على الطاهر وفكروا بقتله ومنعهم من ذلك إدراكهم أن موته يعني موتهم، قلّ الزاد فاكتفوا بوجبة واحدة في اليوم، خلطوا الحلفا مع البشنة ليخادعوا الجوع، أصبحوا يتلهفّون إلى شرب الدكنو الذي كانوا يتبغددون عليه تحّولت الخرمة في رأس العراقي إلى نرفزة عصبية قبل أن تتفاقم إلى ما يشبه الوسواس. اشتدّ عليه سحر الهواتف والعينين الزبيبتين، ضمرت بطونهم، طالت لحاهم، تشرذمت عواطفهم بين يائس ومشتهٍ للموت، تمنّوا أن ينبثق نهّابون وقطّاع طرق من خلف الكثبان يسلبونهم الأمتعة والأرواح،
بعد مسير ستين يوما أصدرت الجمال الحنينة من كروشها، فطمأنهم الطاهر إلى إن حاس سميدة قريب.














الواد الثالث
وادي الانتظار
تاودني

في البدء كان الملح

نظر لمّام البعر إلى الركب الملتحين، ليسوا مظولين فقوافل أظلاي تصل تاودني بمئة بعير، وليسوا من الواردين أو الصادرين الذين عادةً ما يقصدون حاسي سميدة بخمسين جملاً، هرول صوب كوخ الندوة صارخاً: أربع مجاهدين دزايريين من جماعت الأعْوّر ، فَتْرانين وامْقَيْمْلينْ حَتَّ .
تحرّك الدم في شرايين تاودني، وصول قافلة يعني قيامة الحياة، وانفتاح باب التجارة على مصراعَيه، ويعني من بين ما يعني وصول إبل منهكة لن يتواني مولاها عن ذبحها وتزويدهم باللحم، ويعني وصول حبوب بشنة وسكّر وشاي أو وصول طارش يتسقّطون منه أخبار خيمهم التي فارقوها منذ أشهر طويلة. هرع سيدي عمر، تبعه سيدي بوبكر وسيدللي وباتنة وسيدحمه، شاهدوا أربعة أشباح على آخر رمق، أفكاكهم تصطكّ من الحمّى، يتسكّع القمل في رؤوسهم، وأربعة جمال هزيلة وعلى آباطها ينتشر القرّاد. اتسعت عينا سيدللي وهو يحملق في الدليل : "الطاهر ود عمِّ ياك لاباس! حمدلله على خلاص راسك، ما انضريتوش! ياك ما خسرْشِ"؟
وجيئ بالمهراز والمدقّ وحبوب البشنة والمجمر ومعامل الشاي وأُشعلت نار، عملوا لهم دكنو فشربوه، أعطوهم تمرات فزلطوها من دون مضغ، أفرغ باتنة أوراق الشاي الراسبة في قعر الإبريق فوق بقايا حبوب الدخن في المهراز، خلط بيده وناول الطاس للطاهر فشرب ودمدم: "الحمد لله الِّ بالْنِ ولِّ بالكم ولِّ بالْ اخْرَيزاتْ المسلمين، أيام ألياليها ظالين امقوطرين وافْتارَ".
استأنس الركب وعادت إليه الروح، شقلب عصري حبّات السبحة بهدوء، وقبَّل حاتم البازبند، عضّ سرحان الغليون بأسنانه، استرد الطاهر أنفاسه، تمدّد الخبر إلى سراديب الملح وتقاطر المصابون بالتراخوما والبلهارسيا وفقر الدم وأمراض الكلى الناتجة عن الماء المالحة، جاء زنوج وجوههم مبيضّة من أثر الملح، جاء أرباب الملح ولمّامو البعر وأهل الطين والأكورزي، جاء رجال أظلاي من برابيش ورقاقدة وهمّال، التأم الجميع في كوخ الندوة الذي يقوم مقام الخان، تصدّر الشيخ البكاي الجَمعة بصفته إمام مسجد تاودني. اصطفّ الجمع حوله، السيّد الأسيد، فالأقل سيادة، جلس الطاهر بين أبناء عمومته سيدللي والسّالك، تربّع عصري بين صاحبَيه مثل بودا متقشّف ذاب كرشه، دوَّر الشيخ البكاي رأسه ببطء، مدّ يدَين لا أثر للشقوق عليها ولا للشقاء (الشيخ من أكسل عباد الله، يأخذ حصّة من ملح كل عامل، لا يقوم بشيء سوى تحريك المسواك في فمه والإستماع إلى المذياع والاسترخاء في ظل كوخ الندوة والسؤال عن أخبار قوافل أظلاي وعن أسعار الملح في تنبكتو وعما أعدّه المصلّون للعشاء). ظهرت على جبينه زبيبة أظهر من زبيبات بقية الرجال (الشيخ يفرك جبهته بحصيرة الحلفا أثناء السجود)، نظر إلى الحضور نظرة الإمام إلى المأموم، شدّ أهداب درّاعته عرّف بنفسه بإسراف شديد: " آنَ من أولاد سيدي الكبير ابن سيدي بو بكر ابن سيدي الوافـي ابن سيدي عمر الشيخ ابن سيدي البكاي ابن سيدي محمد الكنتي ابن سيدي علي بني سيدي بربوش بن حم بن حسان بن ادليم بن بو مخلوف ابن يحيى ابن عثمان ابن عبدالله ابن عمر ابن وريد ابن يعقوب ابن العاقب ابن عقبة بن نافع الفهري فاتح بلاد إفريقيا .
ثم عرّف بتاودني باقتضاب شديد : " ما خالق هون كون الملح، كل شِ من الملح الحيطان والبيبان والبيوت كوخ الندوة والمَسْيِدْ امَّلّ.
وسأل تيتي المسافرين هل يأخذون ملحهم من البحر المالح؟ فانبرى البكاي: "حانيك، مزالنا ما عرفنا ترابهم امنين ؟ ومن أين وإلى أين"؟
كانت هذه إشارة من الشيخ للغرباء ليعرّفوا بأنفسهم، فاستهلّ عصري الكلام: "محسوبك سوري من أصل روسي، من جبهة حرّاس البطحة، رايح جهاد لستنكنافية على جبهة دين المرق وكفرهاجم مشان حرّر القدس.
"داعيك مصري صعيدي من أصل بلجيكي من جماعة الجهاد الليلي المخضّب بأفخر أنواع جوني ووكر السكتلندي".
أحسّ حاتم بالخطر فدمدم : " آني عراقي مخوزق من ضمن ثْلَثْ ملايين سائح عراقي طلعوا للاستجمام بدول الجوار.
واتسعت عيناه الشيخ دهشةً :" عراقي ! انقوللك الخير، عارَفْ بالِّ الشر وقع، لعراق انْطاح اعليه، لَعْدُ لمريكان أنصارى، عليه لعنة الله ... افتح الأذاعة يا علواته سيدي .
عاين سيدي علواته الشمس مخمّناً الوقت، احتضن ترانسزيتوراً عتيقاً مترباً، مؤشّر موجاته لا ينزاح عن "بي. بي. سي"، ورفع الهوائي إلى آخر مدى، دوَّر الإبرة فسُمعت دقّات بيغ بن المعهودة، ثم صوت مذيع رصين في الموجز: "الفاو تحترق، البصرة مطوّقة، الناصرية سقطت والنجف في طريقها إلى السقوط، الصحّاف صرّح بأن العراق سيدحر العلوج، العاصفة الرملية لم تمنع المارينز من التوغّل باتجاه بغداد".
توجّم الجمع (باستثناء المصري والغجري اللامباليَين، والعراقي الذي ابتهج). فكّر علواته أن هذه الأخبار السيّئة تندرج ضمن الحرب النفسية والشائعات التي يتقنها الإنكليز حلفاء الأميركان. حرّك الإبرة بحثاً عن إذاعة عربية أخبارها أكثر تفاؤلاً، لكنه سرعان ما أدرك إن لندن مهما كذبت تظلّ أصدق من الإذاعات العربية، أقفل الراديو بعصبية: "حسبنا الله ونعم الوكيل، خبار شين حت، اللهم اعم ابصارهم، ردّ كيدهم لنحرهم".
غالبَ حاتم رغبة دفينة بأن يطبّر ويهوّس ويعتّب آبوذي النصر، شدّ عضلات وجهه في كسوفٍ وحزنٍ مصطنعَين، ضبط عواطفه بهدوء مزيّف ...العمليات العسكرية بدأت إذاً، النجف الأشرف تحرّرت وسيتمّ تحرير بغداد بعون الله والرفيق بوش، الذي لن يخذل العراقيين كما فعل أبوه بالانتفاضة الشعبانية...
قال بلسانه: " خوش خبر زالمون نيست. طاغوت نابود .
اتسعت حدقة العين بفرح كرنفالي واشتدّ التوتّر العاطفيوتسلّل إلى عصب العين فارتخت، سقطت دموع حقيقية، حسبها الشيخ البكّاي دموع حزن فقال يخفّف عنه: "إبكِ إبكِ يا عراقي، أنا لي من البكا الأسم وأنت لك الفعل.
انصبّت عليه عيون عمّال المناجم مواسيةً، طبطب سيدللي على ظهره: "لا تبكِ يا عراقي لا تبكِ، خلّ دميعتك ليوم النصر، لا تيأس من صحوة المليار.
شخط سرحان بصوته الأنفيّ: " ملياررر ! شي عبيد وشي بترودولار وشي خاضع للاستعمار ...عدّي رجالك عدّي
تفاعلت تاودني مع الحدث بحماسة دينية، أعلن الشيخ:" بغداد لاه تكون مقبرتهم، صدّام لاه ايطيح اعليهم كطير أبابيل اعل صحاب الفيل.
اشتعل دمّ حاتم خرمةً، التفت نحو عصري واضعاً إصبعَيه على شفتَيه مُكنِّياً عن رغبته في التدخين فحلف الغجري يميناً مغلّظة إنها آخر سيجارة
ارتفع صوت سيدي علواته بحماسة: " أصدم أصدم يا صدام، أنت ألفارس ألِّ يوم لَكْريهَ يدُ فظّ أُيَد ذهب".
أحسّ العراقي بالكلمات تخرم طبلة أذنه، وتّرته الأبصار المنصبّة عليه والخرمة، شعر بأنه وسط هوسة قبلية لعشيرة البيجات التكريتية، بظّت عيناه كمدمن في حال نقص واهتياج، ودخل في حالة النكوص والارتداد، ضاق به الكوخ، لطم صدره في آلية العبور من التّقية إلى الإعلانية، انفكّت عقدة لسانه : "يا ناصر السبعة على السبعين ويا ناصر محمد على القوم الكافرين، دمائي فدا الحسين
وهب صارخاً في جنون الغضب: " أنعل أبوكم على أبو هدّامكم، همج معدان مال أباعر، أنتم ما تفتهمون الا بالقندره، كفّرتونا، حللتم دمنا، خرّبتم مرقد حسيننا، سكتنا غضّينا بصر، وهسه شتريدون؟ تركبون عَ ضهورنا.
بهت السامعون وتحفّزوا للتصدّي له، فصدّهم الطاهر: "رَعَيْتْكُ من دبوزته المرصودَ، أرقاج ذ طالَب سحّار .
تراجع البدو خوفاً من عصاه المطلسمة ،رفع يدَيه مطلقاً العنان لغريزته الشيعية: " نعلة الله عليكم وعلى كلمن يكف عن لعنكم، اللهم خص انت أول ظالم باللعن وابدأ به أولاً ثم الثاني ثم الثالث والرابع، اللهم العن يزيد خامساً والعن عبيد الله بن زياد والحجّاج وابن آكلة الأكباد وابن مرجانة والشمّر وآل بيت أبو سفيان آل شبيلات وحمارنة وخصاونة وعبدباري عطوان، ألا لعنة الله على التكارتة والمصالوة والنواجي وكنته والمحاجيب والبرابيش والمورتان.
ضرب البكاي كفاً بكفّ: "يستر عن أعظم ياخوتي، أرقاج ذ رفضي من عبدة القبور، يقتلون أصّحابة ويتطهّرون من دم البعوض.
"آني رافضي من سقيفتكم ليومي، ثابت على الرفض وحب أبو السبطين، آني حاتم أبو دلال شين تكعيب شيعي شيوعي شروكي ، الشيعة تاج راسك، إحنا الحزّينا المياجر ، الفرات والعارضات تشهد علينا والرميثة وثورة العشرين
شعر بوخزة في قلبه وهو يرى النظرات كلّها منصبّة عليه تُدينه، حشدٌ من جنّ وطنطل وشياطين، جلاوزته، زبانيته، حرسه الجمهوري، علي كيماوي وعبد حمود ودوري وجزراوي، سيدي معاوية وسيدي عمر وسيدي بو بكر، لا ينقص إلا سيدي عثمان ويزيد وبقيّة القتلة، كلّهم يتحلّقونه وينظرون إليه من أربعين وجهاً، من ثمانين عيناً، نظرات ميدوزية تحيله ملحاً، ثمة عينان زبيبتان تنظران إليه دون أن ترمشا، جمرتان وامضتان في جبين ينتهى أعلاه بزببية واضحة في رأس تكلّله عمامة مبرومة،
حصل التجسّد في كيمياء المخّ الرهيبة، الشيخ البكاي / الرجل الضرورة، الشيخ البكاي = الرجل الضرورة، البكاي الضرورة، اقترب من الشيخ رافعاً عصاه على نحو احتفاليّ. انتفخت عضلات ساقَيه كوترَين مشدودَين: "اطلع برّه يا أعور التجار ، يا صانع أحزان العراقيين.
تسارعت حبّات السبحة في يد عصري: "دستور من خاطره، جنّ الولد، وقع بالساعة، إجَتو الكريزة.
رفع الشيخ ذراعَيه لحماية رأسه، حال المصري فاصلاً بينهما: "إمسك أعصابك يا معوّد ، الراجل ماهوش عمرو بن العاص، ده شيخ أبو موسى الأشعري بتاع المسجد.
انبرى الطاهر وهو يتراجع خارجاً من الكوخ: " خلون نتفاهم امعاه، هَوْن هَوْنْ هون هاي جاي إلاه.
أرخى حاتم العصا، انكفأ على وجهه زائغ البصر كالمنوّم مغناطيسياً، جرجراه خارج الكوخ وأسندا ظهره إلى رزمة السبط وألقيا عليه بطانية. تمدّد لاهثاً في حمأة الغيظ والخرمة، تحسّس شيئاً حاداً تحت أضلاعه: السمسونايت، رأى تويوتا مركونة، وزنجياً يجمع البعر من تحت جمال الطاهر، سأله عن مولى التويوتا، فقال " حوذ بن عفنة التاجر الركيبي "، سأله عن مكان مبيته، فأشار الزنجي إلى جهة السيّارة نفسها: " حومة الركيبات". استتتر حاتم خلف رزمة السبط، انبطح وفكّ الحقيبة، حمل القزمة، وحثّ الخطى، جسده يسير وروحه تطير باتجاه حفرة الملح المهجورة التي تُستعمل كمرحاض.
في كوخ الندوة لهث الشيخ كممسوس: "العافية واسلامة، يستر ملانه من الجن والجنون، وما كفر سليمان ولكن السحّارين كفروا (ورفع إصبعه وصوته مهدّداً) حدَّ الله، أسّاحَرْ ينجلد 180 جلدة مفرّقة اعل ثلاث دفعات.
قال سرحان: "معلش شياختك ،ما تواخزوش أصله غلبان عنده شزوفرينيه ومغالومنيه وبارانويه.
عقّب الطاهر: "أيْوَ، والمهم هو أطبيب أشامي بوبرنيطه . خالق عندُ صندوق عجيب، عيادة أنياب كاملَ.
التفت البكاي نحو عصري سأله من أي دشرة في الديار الشامية هو، فأجاب: "من جمهورية حمص، عاصمة النكتة والأبطال والحرّية والياسمين، حمص العديّة، أشرف المدن بعد التلاتة وأهلها بعد أهل البيت أخيار.
سأله الشيخ هل هو أيضاً شيعي من أهل البيت، فأجاب: "أنا من المؤلَّفةِ قلوبهم، بحمص شيعي متسنّن، ببعلبك سنّي متشيّع، عند كنيسة إم الأربعين روم أرتودكس، محسوبك حمصي مقتنع بحمصيته وغجري مقتنع بغجريته.
سأله سيدللي عن الغجر فقال: "أبناء البرّية والرياح والشول ".
سأله علواته عن أصل الغجر فقال : "قبيلة ضائعة خرجت من الهند فتاهت في الطريق وصارت تسلّي الناس بالطرب.
سأله سيدي المختار إن كانوا يملكون عبيداً وإماء، فقال: "مساواة زطّية لا عبد ولا أمة والكل أحرار".
سأله باتنه هل يملكون إبلاً فقال إنهم يملكون دبباً وسعادينَ وحميراً.
سأله الشيخ البكاي هل بينهم فقهاء، فأجاب: "ما عنّا وقت للفكاهة".
سأله تيتي هل يشتغلون بملح أو بزرع أو بضرع فقال: "بمزّيكا وغنا ورقص".
تدخّل الشيخ بنبرة قاضٍ شرعيّ : "الموسيقى حرام، سامعها يوم القيامة ينصب في أذنيه الرصاص المنصهر.
صرخ عصري :"الغجري ما بيعرف حلال ولا حرام وربّك غفور رحيم ( رفع صوته أقوى) جنّنت المعوّد، لاحقني بدّك تجنّني، أي روح عنّا يا( أشار لسرحان) هاي عندك قاضي حسن سرحان مفتي العرب يفتي على كل سؤال.
حوّل البكاي نظره إلى الصعيدي، مكرّراً السؤال نفسه: "خالق الشيع ف ترابك؟
"شياختك، في مصر أربع أديان إسلام وقُبْط وأهلي وزمالك، والأخيرَيْن أهمها، لكنما مصر والحق يقال كانت فاطمية هواها شيعي فيها الأزهر، ومقام الست زينب ورأس الحسين وحب آل البيت.
"يكانك أنت اللوخر شيعي من آل البيت؟
" أنا مش من آل البيت، أنا من كفّار قريش، مش من السلف الصالح، من الخلف الطالح . أنا علماني بفتح العين وكسرها، ملحححد بتلات حاءات، سرحان عبموجود عببصير عبعال عبشكور عبعظيم عبد الضال عبد المضل جاد الله علالله هلله هلله.
"يمقلّب القلوب ثبّت قلوبنا، تجديف افظاحة ردةٌ ولا أبا بكر لها ... اتف بيك رويبضَ، كافر ألعن من أحمد حرطان ".
رآها الشيخ فرصة سانحة ليظهر معرفته بأحكام التعازير، دمدم بنبرة فقيه وهّابي: " حدَّ الله عليك، تنجلد 180 جلدة مفرّقة اعل دفعتين، امرق عن هاد ادشرة يعدو الله، امش علينه وخلاص ،مَانَّ محتاجين إلْطبكم مُلانه ألِّ خلقنَ يهدينَ وإلا مرضنَ فهو يشفينَ.
خرج الشيخ لصلاة المغرب، انفضّ الجمع، أخبر الطاهر المشرقيَّين أنه ماضٍ لاستدعاء المعلّم الحداد ليصلح حفّارة الأسنان، أمرهما ان ينتبهوا على "الدّبْشْ" وخاصةً على "أسمسونايت"، وأن ينتبهوا من" أصْويرقين الكحلان" وخاصةً من "عبيد الله"

أبو خبز يِنْدَل ابو مَرَق

خَفّ حاتم بخفّة اللصوص، جاوز ردماً من شوائب الملح واقترب من سيارة التويوتا، وقف أمام كوخ مبنيٍّ من ألواح الملح، لمح فتيلة ضوء وسمع قحّة فعرف أن ساكنه متيقّظ. طرق الباب فأجاب صوت: "ادخل". دخل فرأى أمامه رجلاً هزيلاً ذا لحية خفيفة، طرح السلام واعتذر عن الإزعاج في ساعة متأخرة من الليل، تشوّش وجهه بحزن مصطنع : "داخل على الله وعليك سيد حوذ، برخصتك، آنا غريب وإلي حاجة يمّك، الأخبار كلّش مو زينة.
شدّ الركيبي اللثام على وجهه ونظر بفضول إلى الشخص اللاهث المستجير به، وعرف بفراسته المتطورة أنه من جماعت أطاهر الذين لم يتمكن من زيارتهم بسبب انشغاله بصفقة ملح، مدّ له كرتونة ليستريح، ووضع حفنة بعر ناشف في مجمر ثم أشعل النار.
ظل حاتم يلطم ويخنَّ في بكاء كربلائي، دون إسالة دمعة واحدة: " يا حرقتي عليك يا عراق، بغداد الجريحة، دجلة الخير، الناصرية شجرة الطيب، مدينة أبو الأنبياء .
أشعل سيجارة "روثمان" أخرى من عقب السيجارة التي لم تنطفئ بعد وعزم سيجارة أخرى على الرقيبي، مجّ نفساً عميقاً وعاد يهزج في مجرّد نسق لفظي اقتضاه مقام الحماسة: " وإسلاماه واعرباه ،حل فرض السادس قوموا له، حيهم الزلم، بيعة نخوة فزعة يا أخا العرب".
مجّ حوذ من سيجارة الروثمان وشعر بدوخة لذيذة في رأسه (للمرّة الأولى يدخّن روثمان حقيقياً)، بدأ يسعل ويقحّ، حركش الجمرات، صبّ السكّر والشاي الصيني الأخضر في الإبريق، ثم رفع الإبريق وصبّ في الكأس، ثم صبّ من الكأس في الإبريق ليختمر، ثم من الإبريق في الكأسَين، ناوله، فاستنكف حاتم: "بويا وداعة الله وداعتك، ما أشرب الشاي قبل ما تلبّي لي طلبي، آني رايح للعراق برسم الجهاد، هي نفس ومسبّلها، أريدك هسّه بالعجل تودّيني لرقان حالاً، ومهما كلّف الأمر (أخرج ثلاث أوراق خضراء) أُخُذْ آغاتي هاي نقوطك ثلثميت ضولار، نثرية مال سفر.
انسحر الركيبي بالعملة الخضراء التي يراها للمرّة الأولى، بلّل إصبعَيه بريقه وحفّها، فحصها على ضوء قنديل الزيت، عدّ بأصابعه وذهنه محوّلاً المبلغ إلى ألواح ملح، رسم بسبّابته على الرمال مثلّثاً متساوي الأضلاع روؤسه فديريك وتاودني وتمبكتو، ثم رسم مثلّثاً ملاصقاً يشترك مع الأول في ضلع فديريك تاودني وينتهي رأسه الأعلى في رقان. قارن المثلَّثَين كأنه يقيس المسافات (حوذ في العادة يأتي من صحرائه الغربية محمّلاً بالسكّر والبشنة واللثامات النيلية والدراريع ويقايض بها عمّال المناجم على ملحهم ثم يتجه به جنوباً إلى تمبكتو حيث يبيعه ويشتري عنزاً، هذه المرّة سيغيّر المشوار وينطلق شمالاً نحو الجزائر، هناك سيقايض ملحه وأنسجته على دكلة توات). تمرفق ومدّ جسداً هزيلاً، قرأ على ملامح ضيفه لجاجة صاحب الحاجة، من زخّات الجمل التي سمعها منه لم يشد انتباهه شيءٌ أكثر من جملة "مهما كلف الأمر "التي تعني أنه قادر على التكاليف، وبلا حساب، قال له بصوت أحادي الوتر: "يَعْراقي أنت قصدتنا وحقّك وجب اعلينَ، يقير أنت كريت الْوَتَّ ما كريت أشُّفَيْرْ.
أخرج حاتم ورقة مئة دولار أخرى: "أُخُذ حلوان شوفير، بس إنت قوم، قوّي عزمك يا ابن الحلال، العراق دايشتعل.
حفحف حوذ الورقة الخضراء وحسب على أصابعه، ثم قال ببرودة من يملكون الوقت: "حانيك، بِشّور علاش مزروب! مسافر وحدك تارك جماعتك هون! زيدن عشرين عشرة دولار لخرى واسلككم كاملين أنت وجماعتك، أُتوْفَ .
" ما عاد بي حيل استنّى، كلّش مستعجل، ما عليّ من رفاقتي، مو عراقيين، الناصرية هي التي تتدمّر مو حمص وصعيد"
هزّ حوذ رأسه بإمارة تحفّظ، وقال بصوتٍ كوخز الإبر: "احفظ الميم تحفظك، توات ذ بلاد ابْعَيِّدْ، خالق شفّارة قطاع اتريق أنهابة واديوانه.
بيد مرتعشة، أخرج حاتم مسكوكة ذهبية (كان عصري قد توارثها أباً عن جد واحتفظ بها في السمسونايت لطوارئ الزمن) : "هاك، هاي غازي مال أربع وعشرين قيراط، بس انشالله تكون الحاجة مقضية.
نظر الركيبي بعين صيرفـي خبير إلى القطعة الرهّاجة وقلّبها، على أحد وجوهها طغراء عثمانية مشتبكة الحروف وعلى الوجه الآخر اسم أحد السلاطين وتاريخ صكّها، حفّها وتأكّد من صحّتها ثم كيّلها برأس إصبعه، خبطها بلوح ملح وميّز رنّتها الذهبية، عقد النيّة على تسليكه، رسم برأس إصبعه على الرمال زيحاً طويلاً ينتهي طرفاه عند نقطتَي الحدود: تندوف وبرج حاسي المختار، فكّر بأقصر طريق كي لا يُهدر الوقت والمازوت، رسم خطاً متعامداً يبدأ من تاودني وينتهي في رقان عبر مجابة تنزروفت، رمق الضيف الباذل الباذخ، لحس شفته بلسانه وابتسم: "حاتَم، حاتم مول أدّهّب والفظ، إسم زين حت، بحال حاتم طه أصحابي الجليل ألِّ ذبح فرس لاطعام سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم.
"وعلى آل بيته الأطياب الطاهرين، كون خوش آدمي، دَقوم الوقت ما يساعد، العراق دايشتعل.
تأمّل الرقيبي الخطوط المرسومة على الرمل ثم خطوط وجه الضيف المستعجل، وقرّر أن يستغل لهفته حتى آخر قرش، نظر إلى الدولارات المنثورة أمامه بدون مشاعر كأنها وريقات تافهة، وللعصملية كأنها قطعة حديد، عالجه بصوتٍ بارد كسهم مسموم: "ما ايقد، الله غالب، التفقريش يعطب، تنزروفت مجابَ خطيرَ حت، ما خالق فيها حاس أُلا تريق أُلا مجبد.
"لا تعسّرها يا معوّد، الطاهر جابنا من تمبكتو عالأباعر وانته خايف توديني لرقان، أكو تحتك صاروخ طويوطا يسابق الريح، يالله ما تخاف ثلث الدرب عتبة الباب." قال العراقي وأخرج سنّ الذهب التي كان عصري قد نزعها من فم الطارقي: " أُخُذ تفضّل أزيدك هاللؤلؤة، بس يالله قوم جهّز طويوطا ويا مدد علي ، خلّ نطلع من هالوحلة.
حكّ حوذ السن وقرعها بالعصملية، وتفرّس في الضيف يتقرّى ما فاته من معانيه بنظرة تحرٍّ من الجانب الأكثف (الرقيبي فراسته متطوّرة، يميّز البكاء من التباكي، ودموع الحزن من دموع التماسيح)، قال ببرودة صقيعية وهو يجهّز إبريق شاي آخر: "ظاهرلِ عنك بطرون حت معرّم بلفظَّ، جيوبك فيها من أذهب ماهُ ش يُوْفَ، زيدن شِ انسلكك، إذا زاد حطبها زاد لهيبها.
صفع العراقي الجدار بكفّه كي لا يصفع مضيفه (حاتم من برج الثور ذي الطباع النارية)، نفض بطانة جيوبه: "استحِ عَ دمّك ولك طمعكارى، والعبّاس أبو راس الحار اعطيتك العندي والماعندي ،فرهود بس مو مال يهود.
ظلّ الرقيبي في زاويته بارداً كتمثال ثلجيّ (حوذ من برج الدلو من ذوي الطباع المائية)، ثبّت على ساعة الكوارتز عينَين جشعتَين، انتبه حاتم، نزعها وناوله إيّاها: "عينك بيها أبو نفس الدنية خذها هاك، بس عجّل رحمة على أجدادك.
ضغط الرقيبي على زرّ ودارت الأرقام وأضاءت ورنّت في العتمة، ابتسم كالأطفال وضعها في معصمه الأيمن ثم في الأيسر، لمّ الدولارات والعصملية والسن، حرّك إصبعه في وجه حاتم: "والله الذي لا... لو ما أنك مسلم عراقي ما انسلكك، أيْوْه، أظُرْكْ هاي جاي نقيس جماعتك نرفد قَشَّكْ، انْصَلُّ أصبح جماعتن فِلْمَسِْيد مْوَره سيدي الشيخ البَكَايْ وانتموا راكبين مع أظُّحَ.
وقف حاتم حائلاً بين حوذ والباب: "لع لع بويه، ماكو داعي لبكّاي وخرّاي وشافعي، خلّي نمشي هسّه، جهّز الميكب مالتك بالعجل اتعوّقنا، ديالله قوم، العراق دايحترق وقلبي صاير جمر ناررر.
وضع الرقيبي نظارة سوداء على عينَيه، نطّ إلى مستودع التويوتا، أشار إلى أربعة بيدونات مازوت وجركني ماء مطروحة في ركن الكوخ وطلب منه إحضارها. بهمّة جنّي حملها حاتم وحمل مهراز الدكنو والمدق وإبريق الشاي والمجمر، وكيس البشنة وزقيبة الكِدي. وضّب الرقيبي كل هذه الأكياس والبيدونات فوق ألواح الملح، شركل العنزة السوداء ورماها فوق الدبش ونشر الشبك وشدّه على الباغاج، فحص البطّارية، أفرغ وقوداً في الخزّان وزوّد الرادياتور بالماء، ثم قعد خلف المقود يتمتم بدعاء السفر وعينه على ساعة الكوارتز، ووضع المفتاح في الكنتاكت، أضاء الأضواء الأمامية، تحرّك المحرّك للتحمية ولم تتحرّك السيّارة، توتّر العراقي، اصطكت ركبتاه وهو ينظر إلى الخلف. سُمع صوت البكاي يؤذّن لصلاة الفجر فارتعد، مدّ رقبته نحو العتمة ازدرد لعابه، لهث كذئب تطارده كلاب الحيّ، اختلط في وجهه حذر السارق بذلّ الطريد بآثار تطعيم ضدّ الجدري، عضّ عقب السيجارة وزفر: "يا صبر أيّوب الي محّد صبر صبره، سوق أبو الطويوطا، دوِّر الماطور لخاطر الله، سَوّي فيَرم، العراق صار رماد،
داس حوذ على السرّاع، زحفت التويوتا بين الملح، مضت تنهب الرمال مسرعة، وابتعدت كشيء ضئيل مضيء يتحرّك ببطء في عتمة شاسعة، تنفّس حاتم ملء رئتَيه، وضع علبة دخان الروثمان على التابلوه، سحب منها سجارتَين: "أحلى جِكارة لبو رقبة، ادعس بنزين، عفرم.
سحب نفساً عميقاً ودقّ إصبعَين: "ركبنا الميكب ومشينا ما شاورنا رفاقنه، تسلم إيد حوذ بيك الما زيَّت الماكينة.

وعاد السرب تنقصه حمامة

لم يجد الطاهر الحقيبة، لا تحت رزمة السنط ولا بين الدّبش والرواحل، ولا في الغرائر والأشولة، اتّشح وجهه بوجوم موكب عزاء، زوّغ عينيه في أبناء عمومته والحدّاد وجملة المواجيع الذين بمعيته: "يلطيف يخوتي عيادة أّسنينْ أسنسونايت انصرقتْ، صارقها إلا امعانا هون، ألقَابَ ما يحرقها غير عود منها.
رفع البطانيات عن المسافرين النائمين في العراء: "قَيْمُ يَحرَق أبّاتكم، أسنسونايت منين؟ قَلْتْ لكُ أرعاو من الكحلان واتمُّ امْقَرْدينْ.
نهض سرحان بين الصاحي والنائم، قعد عصري على المهراز، لمعت أضراسه في ردّ فعل لاشعوري، فالسمسونايت كانت جزءاً من بدنه، امتدادٌ ليده، غمغم بنبرةٍ كارثية: "باطل خبر عاطل، مين هالواطي اللي تجرأ عَ الحيط العالي؟
انحصرت الشبهات في الكحلان دون البيضان، أكّد "باتنه" أنه لمح عشية البارحة عبيد الله الأكحل يحوم حول الدبش حاملاً مخلاة كبيرة يُحتمل أن يكون أخفى فيها السنسونايت. دافع سرحان عن الزنجي قائلاً إنه رآه يحوّم حول الجمال الأربعة وأن المخلاة كانت تحوي بعراً، وزعم سيدللي أنه خبّأ الحقيبة في البعر. أجمع النواجي على ضلوع عبيد بالسرقة، انقلبت الشبهة إلى دليل، تطاير الشرر من عينَي الطاهر، حلف إنه لا أكل تمراً حتى يقتصّ منه. خلع النعال من رجلَيه وحملها بيده، اندفع كصاروخ صوب حفرة ملح التّيتي متبوعاً بأولاد عمّه، لم يهبط الدرجات الأربع لكنه قفز، انتصب واقفاً، رأى تيتي يكشط الشوائب عن عديلة ملح ويدوّر حوافيها، مدّ بصره إلى الدهاليز المتفرّعة تحت الأرض، رأى عبيد منبطحاً على جنبه يقلع بمطرقته عارض ملح، رمقه بنظرة اتهامية: "أهاي جاي يا اصويرق... عيادة أسّنين امنين ؟
"عيادة أسّنين" ! . مطّ عبيد شفتَيه الغليظتَين.
"أيْوَ عيادة أسّنين، أسنسونايت ".
"سنسونات"!
"أيْوَ، أسنسونايت، عيادة أسّنين".
خرج عبيد من الدهليز، نفض الملح ، دمدم وهو يهرش قفاه: "سنسونات عيادة أسنين! آن ذ التحاجي مانِ فاهمها؟
"تخابث، عَدَّل بالّي أنك مانَك عَارَف، يلعبد الذي إذا جاع سرقا وإذا شبع فسقا، رد أصندوق ألِّ صرقتها أُخبيتها مْوَرَ مَلْحَكْ، لا اتْقِدْ تَنْكَر.
ابتسم عصري لعبيد: " هالشنطة ما بتنفتح إلا بكود، لذلك هاتلي ياها ورح أصلحلك سنانك ولك مية ضولار إكرامية.
اعترض الطاهر : "بو بو ياسر عليه ميت ضولار (للزنجي) أيوَ رد لنا سنسونايتنا ومجازيك بعشر عدايل ملح.
انشحن الجو، تطلّع الطاهر إلى عضلات الزنوج النافرة وإلى أجساد أبناء عمومته الهزيلة، ولم يجد الشجاعة الكافية للمواجهة المباشرة، فصبّ نقمته على ألواح الملح المصفوفة، قلبها فتكسّرت، بربر بشتائم عنصرية، انقضّ عبيد عليه وبطحه، أجهز سيدللي على عبيد بضربة كومو، انهال تيتي برفش على ظهر سيدللي، ورأى عصري أن كلماته المهدّئة عقيمة فسحب سرحان خارج الحفرة، استنجد السّالك بالنواجي فخرجوا من الحفر المجاورة شاهرين الرفوش، استنفرت الدشرة وانقسمت إلى معسكرَين: كحلان الصوانك والنواجي البيظان، هرول الشيخ البكاي حوقل وتعوّذ، مسّد لحيته: "بَشّور لا تَتفاتنو، لا تتفاتنو يَجْماعَ، اشطارِ؟
"ما طارِ يكون عبيد الله صرق سنسونات أطاهر ". قال سيدللي
"ألله أكبر (قالها الشيخ فاتحاً الألف الأولى ومشدّداً اللامين ومادّاً بين اللامين والهاء ومسكّناً الهاء) أجارنا الله وإياكم من اصويرق !
رآها فرصة سانحة ليُظهر معرفته بأحكام الحدود ، رفع العمامة مُظهراً الزبيبة، كشّر تكشيرة رجال المطاوعة، توسّم في عبيد (بالأحرى في زنوجته) ملامح المشتبه: "هاي جاي يا أيها العبد الناقص الذي لا يصلح جِلدك إلا بجَلدك، حدَّ الله عليك تنجلد 180 جلدة مفرّقة اعل ثلاث دفعات، وهايِنّ انقيسُ المَسْيِدْ تحلف يمين البراءة اعلَ ألمصحف أشريف.
استبشر عبيد بهذا المخرج فقال: " وحق راس سيدي البخاري، الماهو صارق ماهُ خايف من قص القصَّاصَ.
تدخّل عصري: "صلِّ عَ الحبيب يحجّي ، أنا متنازل عن حقّي ومسامح، بس كسروا الشرّ وكل واحد يرجع عَ حفرته ".
نهر الشيخُ الغجريَّ: "أتشفع في حدّ من حدود الله! حدّ الصارق قطع يد، ولّاهي ولّاهي لو أن فاطمَ منت محمد صرقت لنقطعت يدها.
هبّ سرحان في وجه الشيخ: "إنت مالك يماء العينين أبو دموع، إنت يعني ورثتها عن اللي خلّفك، طب طلاق تلاتة ما سرقهاش إلا عربك.
"لَعْرَب ما يصرقوا، البياظ قليل الحمل للدنس، زنديق كافر مرتدّ أخسر من سحباي، حدّ الله عليك الموت بالرّجم.
"هو ده اللي انتو فالحين فيه يا صلاعمه، مفيش بقرآنكم حريّة سوى حريّة التنكيل.
وظنّ الطاهر أن عبيد سيحنث بيمينه، تفطّن لحاتم فقال لعزوته: "عَيْطولِ ألذاك الحجّاب لعراقي إلاه إيْجينِ يضرب أرّمَلْ يخبرنا منهو أصويرق.
رفعوا بطانية حاتم ولم يجدوه تحتها، بحثوا عنه في كوخ الندوة بلا جدوى، أكّد سيدي علواته أنه رآه عشيّة أمس متجهاً إلى حلّة أركيبات، انبرى باتنة وأعلن أنه رآه أثناء صلاة الفجر، راكباً في سيّارة حوذ، صفن الشيخ وتذكّر أنه لم يرَ الرقيبي لا في صلاة العشاء ولا في صلاة الفجر. انكشف المستور، وأدرك الطاهر أنه ترك الذئب يحرس الغنم، اهتزّ الغليون بين شفتَي سرحان (هو أيضاً يخبّئ مدخّراته في السمسونايت) اهتزّت حبّات السبحة بين أصابع عصري: "لا وْلو، معقول يكون زَيْبَق عالسُّكيت ! باطل عليك يا شريك، الله لا يباركلك بالضولارات، تدفعن للحكما خطيّة حوشب.
أرخى العمّال الرفوش والمطارق وانتصبوا مثل تماثيل ملح، حلف الشيخ البكاي يميناً أن العراقي من "ألمُسْتِتْرين" ودعا الله أن يستر حوذ من كيده وسحره، ورمى عينَين ساخطتَين على المشرقيَّين، قائلاً للطاهر: "أدين إمحاض النصيحة يا ولِّ، أراعيك من ذول المساخيط، يقلع أهل ذيك البلاد زاد من الخيانة حت، كافر أُسَحّار اصويرق أمَكّارْ.
نفض الطاهر يده من المسافرين قائلاً: "آنَ ظرك ما عندِ قايَ فيكُ أُلانِ مَتْوَرط فسفر امعاكُ، ان قايتي فسنسونايت، أيوه، هي اللي قايتي بيها، امنين انصرقت آنَ وافـي مَنكُ وخْلاصْ، ودعتكو لملانه.
هبّ سرحان في وجه الجمّال وذكّره بتعهّده توصيلهم إلى رقّان، عالجه البكاي بلهجة صارمة: "المعاهدة مع المسلم ماهِ مع الكافر، محروق بَيْكُم شَيْنينْ الدين، سوري فاسق خفيف الدين، وعراقي رفضي خبيث الدين، وماصري هرطيق إبلا دين.
فرز الطاهر دبشه عن أدباشهم، وساق إبله الأربع، انضمّ إلى ابن عمه سيدللي، وحثّ الشيخ الخطى للمسجد، انفضّ العمّال راجعين إلى مناجمهم، تبعثر لمّامو البعر في المراح وبقي المسافران في كوخ الندوة يتبادلان نظرات غير مجدية، أمسك سرحان الغليون، رسم في الفراغ سجناً بلا أسلاك شائكة أو أبراج مراقبة، زنزانة شاسعة أبوابها الرمال وسجّانها الشمس، وضع فيه نقطتَين وعلامة استفهام، كتب:"عندما انتهيت من صنع قاربي جفّ البحر "
تمدّد عصري على طوله متخذاً من راحة يده اليمنى وسادة، لبث في هدوء بوذا السمين وتجرّده والمسبحة في يده الحرّة كزهرة لوتس، ارتسمت في وجهه لامبالاة صوفية وغبطة الاستهتار والتخفّف من متاع الدنيا، أفلت ضحكة قصيرة ما لبثت أن تطوّرت إلى قهقهة في جدبة حمصية، في فصاحة العبور من المأساة إلى الملهاة، تناول آخر علبة دخّان، ناول صاحبه سيجارة وضع سيجارة في فمه واثنتَين في يده، رمى العلبة الفارغة، مسح كفاً بكفّ: "بَحْ، يلعن أبو المصاري أصل البلاوي، إي كس أمّه إبني ميلاد إذا بدّه يورتني، إي خرا عاستنكنافيا، طز بالشنطة شو فيها راس كليب!
" بس إزاي ناكل ونشرب وندخّن ؟ ابن الدزمة مَسَبْشِ حاجة .
تحفّزت في داخل الغجري مشاعر الهمشرية الرفاقية والتضامن الميكانيكي، أشار إلى ساعة فضّية في جيب الصداري وسلاسل في رقبته وخواتم ذهبية في أصابعه: "نحنا الريّاس دايماً حاسبين حساب، منخبّي الدّهب الأصفر لليوم الأسود، سلامة خيرك وَلَوْ، ماني ناسي جْميلَكْ لمّن كنت تصرف عَ العيادة.
«شايلينَكْ للتقيلة يا عم، أنا عشمي فيك كبير، بُصّ لي بعين علشان أبُصّلك بعينيّا الدّوز، كن رغيفي أكن نبيذك، أنا أدمنتك خلاص وما عادش ينفع أعيش من غيرك، إنت أبونا وإنت أمّنا وإنت حامل همّنا.
"هذا من بعض ما عندكم إبن أخي. قال عصري منتشياً بالإطراء، فاتحاً فمه مشيراً إلى أسنانه الذهبية، موحياً أنه مستعدّ لقلعها وبيعها إذا لزم الأمر. ابتسم سرحان، رمق الغجريّ كأنه يراه للمرّة الأولى ، قال بنبرة محلل نفسي: " إنت تغيّرت قوي، مش عارف إيه غيّرك، الغربة! العمر! الصحرا! الحياة! الرحيل !ولاّ خيانة المعوّد؟
"الدنيي بتغيّر الما بيتغيّر، ما عاد شي يعبّي عيني، كلّه رايح لك إبني، إن شرّقت يخنة وان غرّبت شيشبرك.
وعاد سرحان يفكّر بحاتم : " على الأقل لو ترك لنا كتلوغ الصّور المستكة ... منك لله يَمفتري، قتلك حلال، إعدام .
ووجد الغجري الذي أفنى حياته في السرقة والإختلاس والإحتيال فرصتَه لتبرئة ذمّته من شريكه ومن ماضيه قال ببحّة سوقية: "مو حيّالله إعدام، رمياً بالنعال، لازم شنق، لازم خازوق، واحد أدبسيس، يا ضيعان الخبز والملح وحليب السباع، عيب جداً عند الريّاس سرقة الصاحب، الحرامي الشاطر بيسرق برّات حارته.
وذكّرته خيانة شريك عيادته بخيانة شريكة حياته سفرجلة، فشعر بغصّة مزدوجة في الحلقة، ترقّقت ملامح وهو يسترجع الثلاثين شهرا المنصرمة بصحبته ، والتمس له أسباباً مُخفِّفة: "بَسْ بدّك الدغري ، هالحاتم أنا طابخه وعاجنه، نفسه عزيزة بتدوس العسل، ولاكن هالصحرا بتجنن، الجنّي وهب إبن قشقوان دستور من خاطره صار يتنمرد عليه، والبدو مزركين عليه سين وجيم، فوق هدا هالحرب كمّلت عليه، أي شو بدّه يتحمّل ليتحمّل، بني آدم روح مو حديد
وختم وهو يخشخش سبحته : " يخرب شيطانك يا أبدلال عهالمقلب، روح مسامحك من قلبي وربّي، يسهّل عليك ويفتح طريق أوروبا بْوِشّك.

الجريمة والعقاب

انفتحت طريق أوروبا في وجهه بطول الصحراء وعرضها، اتكأ يستمرئ الصفاء النفسي الذي عزّ عليه، فرد قدمَيه على التابلوه في وضعية مستهترة... قبل ثلاثة أشهر في موقف مثل هذا الموقف، في سيّارة مثل هذه التويوتا، في صحراء مثل هذه الصحراء، كانتا تتلوّيان أمامه عاريتَين كبزّاقتَين على إيقاع موسيقى نفّاخ النار...تحسّس طغمة إليته وإصبعه المقطوعة، أسبل رموشه كمدنف لم يبرأ من مرض لوعة الحب، قعد يحلم بموضلين وفيوليط "دين مَرْكيتَين" مدّ ذراعه من النافذة ونقر على الباب :"للدين مركية للدين مركية، بو رقبة أروح وياك للدين مركية".
نظر إلى العداد فرأى أن التويوتا قد قطعت في سبع ساعات ما تقطعه الإبل في أسبوعَين. رأى أنها أسرع من البعير بـ40 مرّة وتحمل حمولة 40 بعيراً . استنتج أنها تساوي قافلة من 1600 بعيراً .
أمسك الرقيبي المقود بهدوء الخبثاء وطفق يراقبه خلسة من خلف النظّارة السوداء وعبر المرآة الوسطانية، لمح تعارضاً فاضحاً بين الشراهة التي يكمي بها سجائر الكفّار النصارى والميوعة التي سيحاربهم بها. سأله لماذا لم يقاطع سلعة الأميركان؟ فحلف على رأس العباس "أبو راس الحارّ" أن "الروثنام تتن بلقاري إسلامي حلال ". انبخع حوذ من كونه لم يسمع بـ"بلقاريا" في حياته، واعترف بلهجة اعتذار أنه لا يعرف من الديار الإسلامية غير أزواظ ومورتان. سأله عن البلاد التي سيقطعها في طريقه إلى الجهاد فقال: "استنكنافيا والسويد ودين المَرَق" . سأله عن الفرق بين قبائل سويد ودين المرق في الأمة "الاستنكنافية" فقال: "مثل الرقيبات والنواجي في الأمة العربية". عاد يسأله عن مكانة الجهاد، فقال إنه الفرض السادس وسنام الإسلام، سأله عن مكان المجاهد فقال "في الجنّة مع الحوريات" . لحس حوذ شفتَيه ومسّد لحيته، سأله كم حورية تنتظره في الجنّة، فقال" سبع وسبعون. أراد حاتم أن يُدخله في متاهات الرقم سبعة كي يغيّر موضوع الحديث، لكن الرقيبي لم يترك له الفرصة (دماغ حوذ مؤلَّف من فلقتَين تعملان بالتناوب، إحداهما رياضياتية باردة تحسب الأرقام والأموال، والثانية باتيتيكية تفكّر بالعواطف الدينية والمشاعر القومية، وحين تتعطّل الأولى تشتغل الثانية). سأله هل حقاً أن صدّام يُجازي كل مجاهد يأسر جندياً نصرانياً بعشرة ملايين درهم، فأجابه بالإيجاب، عدّ حوذ على أصابعه، حوّل في ذهنه المبلغ إلى ألواح ملح. اشتغلت فلقتا دماغه الباتيتيكية والرياضياتية معاً، فهزج: "حيّ ع الجهاد، لبّيك يا بغدان، مانِ طامَع بَلحَيات، ولاه أخيَر شهيد مشكور من حيّ محقور (رفع قبضته وصوته) أزوادي ان زاد أو قل زادي، صحراوي راصي مرفوع نموت ونضلي ساوي، صحراوي ما عيني بالمال كافيني كوني صحراوي، أنا حوذ بن المختار بن اعلي بن محمد شين بن عثمان بن أحمد بن بكار الرسول بن اعلي بن المختار بن الغوث ابن الشيخ المخلول، من أولاد سيدي أحمد الركيبي، من نسل عبد الله الجواد بن علي الزينبي بن جعفر الطيار وجدنا الأكبر ادليم ج ملعراق مع بني هلال.
تحمّس الرقيبي، داس على دوّاسة البنزين، عاد يقول إن المعركة الوشيكة ستكون أمّ المعارك، وأكّد أن المداشر الساقطة في يد الأمريكان "هي للشيع أما بغدان ألسِّنية فلن تسقط ما دام فيها صدام "
نظر إلى الشمس ثم تذّكر أن في يده ساعة "كوارتز" فنظر إلى معصمه. دوَّر المذياع، سُمعت دقّات بيغ بن المعهودة ثم صوت المذيع الرصين بنبرة تنسجم وخطورة الحدث: "بغداد سقطت، أركان النظام اختفوا والرئيس تبخّر، الشعب الهائج حطّم تمثاله في ساحة الفردوس، والأهالي استقبلو المارينز بالأرزّ، وقوّات التحالف تركّز على تكريت".
عضّ حاتم عقب السيجارة، شدّ قبضته ليكتم انفعاله، شدّ عضلات وجهه ليكتم رغبة في البكاء، قسّط بهجته على مراحل، ستر غبطته بطلاء حزن، تشهّى كرباجاً يتطبّر به، صفن وعيناه المليئتان باللهيب تتنافران مع برودة فمه وتنسجمان مع ثورته الداخلية .... سقطت أوروك منيعة الأسوار، تهاوى الصنم ومعه أصنامه كلّها، لو أنهم عقدوا صفقة معه على أن ينهشوا ثلاثة أرباع العراق مقابل أن يتربّع على الربع الرابع لقال "نعم"، لو أنهم فاوضوه على أن يشفطوا نفط العراق كلّه مقابل أن يتربّع على جماجم العراقيين كلها لما قال "لا"، لكنهم قايضوه على الكرسي برمّتها، الكرسي ذاتها التي لا وجود له من دونها، انهزم منكّساً عقاله تاركاً الجماهير الضرورة التي لا وجود لها من دونه، فرّ إلى سوريا ومنها إلى روسيا، ربما أصبح لاجئاً في "ستنكنافيا" التي هو قاصدها ...
من جهته ازدرد حوذ لعابه ظلّ على اقتناع أن في الأمر خدعة حرب لاستدراج العدو، قلّب بين الإذاعات فخرجت وشوشة وأهازيج موريتانية ورطانة جُلف وبنبارا، ثبّت الإبرة على إذاعة الجماهيرية فسُمع نواح جوليا بطرس "وين الملايين". استحلب حاتم لعابه كلّه وبصق على وجه الرمال والملايين، ارتاب حوذ من ردّ فعله ورآه يبتسم كما لو أنها لم تسقط أو كأن سقوطها لا يعنيه أو لا يعني أحداً سواه، انتبه إلى خلوّ جبينه من زبيبة الصلاة، لم يفهم كيف يقيس للجهاد ولا يصلي، التفت إليه بريب: "ياك ! ظاهرلِ عنك مانَكْ زعفان اعل مصيبت بلدك!
"إي، آنا كلّش فرحان، هاليوم أحلى يوم بحياتي.
أرخى حوذ فكّه السفلية، مرّر عتلة السرعة من الخامس إلى الرابع ثم الثالث وتمتم: "يستر مُلانه ! ولاهي مانك عراقي، ولاهي إلا شيع رفضي شين النيّة!
"آنا عراقي رافضي إثنا عشري شيعي طبطبائي، من منتظري الإمام المهدي من الناصرية الشجرة الخبيثة من بني ركاب من المنْتَفِكْ ،شروكي معيدي كردي فيلي، الماعجبه خلّ يشرب البحر لو يدق راسَه بالحيط.
أشعل سيجارة أخرى مجّها بعصبية وانتشاء، وحدج السائقَ بصلف : "موت بغيظك إنت واليحبّونه، عربجة خرنكعية، ظاهرة صوتية
مرّر حوذ عتلة التغيير إلى النقطة الميتة، فرمل دون أن يوقف المحرّك، بدا عليه إحساس الغبن وهو يشبك ذراعَيه: "حشيتهالِ محروق بَيَّكْ، عدَّلت أنّكْ مسلم مجاهد وخلصت لِ قليل فَظّ، ظرك الموجب عليك تخلص فَظّ كامل بحال توريست أنصارى، أيْوَ، زيدْنِ عشرين عشرة ضولار لخرى وَلّ نرجعك تاودنِّ
" سوق أبو الملح سوق، دوس دغري، نمرود طمعكارى مصلاوي دليمي، فعلاً الدابّة إذا زاد علفها تمرّدت.
"إنت مانك قايس للجهاد، آن مان امْسَلْكَكْ أُلانِ حارَكْ من هون، ويحيا البطل صدّام.
"انعل أبوك إنت وهدّام، هذا مو بطل هذا حمار لابس فروة سبع . عجب وينه قائد المغوار جنرال عيدي أمين، هرب ألف لعنة على روحه، انهزم مثل واوي القصب وانهزمت علوجه
"احْكَم فمك، صدّام راجَل، أرجاله ما يتحكرُ، صدّام فارس فحل فزمن ناثي. بطل خارق
" إذا كان خارق فكل من يصدقه يكون أخرق ، شاطر بس يتمرجل عَ العراقيين... سوق ولك أبو شنقيط، لو أقلب الدنيا عَ راسك
أقلعت التويوتا بعصبية وارتفع ثغاء العنزة السوداء حاداً زاعقاً مثيراً (قضمت ألواح الملح وأصابها العطش)، ظلّت تنطح الزجاج بقرنَيها فشتمها حوذ، وفهم حاتم أنه المقصود بالشتائم فنظر إلى الجهة الأخرى. انحدرت الشمس وبدت قرصاً أحمرَ ضربه الزنجار، وتلوّن الشفق بلون الدم، ظهرت نجمة المغرب، عوت الريح مثل كلبة فقدت جراءها، ثم بغتة ارتفع صوت المذيع الليبي في نبرة حربجية: "العراق ينتفض والنار تشتعل تحت أقدام الغزاة، العراقيون يتصدّون لهم بعمليات استشهادية، تراجعُ الجيش العراقي كان تكتيكياً في انسحاب مطاطي كارتداد الكبش لتمتين النطحة، الرئيس لم يهرب إلى سوريا، لكنه يقود المقاومة من مكان سرّي.
تبجّح حوذ: "قلناها صدّام راجل ما ينهزم، مُولَ عِسْ والكرامة تِبْقالُ ( رفع قبضته صوته) أصدم أصدم يا صدّام " .
ضمرت وجنتا العراقي، اندس الواقع في الخيال، وحصل التجسّد في كيمياء المخ الرهيبة، حوذ الرقيبي = الرجل الضرورة، حوذ الضرورة... أي رجل هذا الرجل ! له مقدرة الجن على التخفّي والظهور، ماهيته واحدة ووجوهه عدّة، يتصوّر في جدارية ضخمة، يتبَرْوز في أيقونة، يتمثّل في تمثال نصفيّ من المرمر الخالص، أو ينتصب في نصب كلّي من رخام كاريرا، ينفسخ في هيئة عنزة سوداء، أو ينتسخ في شكل تاجر ملح صحراوي، كمصّاص الدماء يظهر تحت عباءة الظلمة، كالضبع يبول على طريدته ويضبعها، كالماء يأخذ شكل الوعاء الذي يوجد فيه، كالهواء لا طعم ولا لون ولا رائحة، لكنه موجود في كل ذرّة من الوجود، سقطت بغداد وأصنامه ولم يسقط هو، هزم الهزيمة ولم ينهزم، والأكيد أنه يقود المقاومة السرّية من تنزروفت، خلع البيريه الخضراء والبزّة القتالية المموّهة وتنكّر بالتملغوشت والدرّاعة، أقفل الهاتف الجوّال وسرّح مرافقيه، أرخى لحيته ولبس نظارة سوداء، غيَّر تسريحة شعره وعطره وعمل ريلوكنغ، قصّر كعب حذائه، لكنه رغم تلوّنه الحربائي يعرفه بالحدس والوجد، ومن السيجار الكوبي والعينَين الزبيبتَين، يعرفه لأنه والده السرّي، تفاصيل وجهه انطبعت في خياله كأيقونة مقدسة، لا سبيل للإفلات من قبضته، كلّما ابتعد عنه يقترب منه، يجيد الكرّ والفرّ والمباغتة ودفع الخصوم إلى الزوايا الحادّة، هاهو جالس بقربه متقمصاً بدن حوذ، فالأمريكان لم يقضوا عليه بل تركوا له شرف إتمام هذه المهمة الخلاصية، خلاص العراق من شرّه وتخليص نفسه من مطاردته، وقد أزفت ساعة الحساب ووقع الصياد بيد الأرنب، الإنتقام عمل حميمي وينبغي أن يكون محصوراً بين أربع أعين، الليل ذئب رمادي يغري بالافتراس، سيقتله مرّة واحدة ونهائية وإلى الأبد ويفقأ العينَين الزبيبتَين....
هبّ بالسائق: "دقلّي إنت منو يا ابن الضايع، إبن إنس لو إبن جان لو طفل أنبوبة! شتريد مني؟
"الله لا يخصِّرْ لك عقل، آنَ حوذ، أشُّفيرْ، تاجر لملح. أجاب الرقيبي المذهول وأوقف السيّارة وغادرها وهو يتعوّذ من شرّ النفّاثات في العقد، ثم فوجئ بالعراقي قبالته يحرّك خواتمه السبع والأصابع الأربع باليد الواحدة، رأى فيه علامات الجن "ألمستترين" حاول ان يهرب ثم جمد مكانه مضبوعا بصوته :"يمّك أبو الملح، أوقف بمكانك لو أقلبك تمثال ملح.
اصطكّت ساقا السائق وحنكاه: "حسبي الله، أنا لا أقول إلا حسبي الله، أنا حوذ بن المختار بن اعلي بن محمد شين، مول الوَتَّ، أشّوفير ألِّ مسلكَكْ شور رقان.
"لع، أنت قاتل مجرم سفّاح، أنت صانع أحزان العراقيين .... إبّبَالَك يوم الذبّيتني عَ خط النار سبع سنين، يوم القصّيت النخيل وأحرقت الدجيل، جفّفت الأهوار، أنفلت الكراد، أين تهرب يا ظالم من المظالم ؟
برز للرقيبي بغيظ يشارف رغبة قتل، الذراعان مشدودتان كالوتر، العروق نافرة والعضلات متحفّزة، البشرة كامدة ولا غضون على الجبين، الوجه بارد خالٍ إلا من معنى الإسراف في القصاص، على الفم الكابي ابتسامة غير مفهومة. طقطق عظام رقبته وأصابعه تمطّى وانقضّ عليه، على خناقه، كتلةً صمّاء من العضلات والحقد الخام، وتغلغل الغلّ من قلبه متسلّلاً إلى ساعدَيه، إلى مفاصل أصابعه، إلى أظافره، لم يرمش ولم يحرّك أهدابه، يداه وحدهما ارتعشتا وهما تطبقان على الأوردة موصلة الأوكسجين إلى القلب، وشعر بفقّاعات هواء تختنق في البلعوم المحاصر ثم بهمدة البدن وارتخائه، فأرخاه جسداً بلا روح، أشعل سيجارة بلامبالاة صقيعية وقعد يستمرئ العمل السمفوني بلذّة موتور حصّل ثأره ... عشرون عاماً وهو يجترّ هذه اللحظة ويتحيّنها، قضى على الأسطورة بخنقة صاعقة وجيزة، إعدام عاجل في بيمول هادئ، كان قد خنقه بضع مرّات في خياله لكنه الآن خنقه فعلاً، هذا لا يكفي، له معه ثارات قديمة ينبغي أن يفتكّها، الثأر وجبة باردة تُؤكَل على دفعات، شعيرة مقدّسة ولا معنى لها من دون طقوسية، والتاريخ يشهد، عندما اندلعت ثورة الجزائر انقضّ فلاح من الأهالي بفأسه على حافلة معمّرين فرنسيين وشرع يحطّمها بضربات حاقدة تحت أنظار الجزائرييين الذين أحضروا له غالون نفط ليضرم النار فيها دون إرهاق عضلاته، لكن الفلاح الحصيف كان أوعى منهم بالتاريخ ، فظلّ يطرطقها بضرباته في سعار جنونيّ، بمفعولٍ رجعيٍ يرفع عن بلده عار وشنار قرن من الإستعمار، وهو كذلك يريد أن يطهّر العراق من ثلاثينعام الاستبداد التكريتي...
شهر الموسى وقبَّل النصل، أدخل السبابة في الحلقة المعدنية وحشر إست القبضة في راحة يده، أدخلها في اللحم باردة كمبضع جرّاح وغرزها في حواشي القلب، أتبعها بطعنة ثانية في في شعاب القلب، في قلب القلب. لغوصَ في متنه وحواشيه ومصمص يدَيه الملطّختَين بلذّة دراكولية..... غازي وعارف وقاسم ونوري السعيد، كلهم قضوا بالعنف العنيف قتلا واغتيالا وسحلا ،العنف بضاعة عراقية بحتة مكتسبة من طبيعة النهرَين الصاخبة المفاجئة، حين تتراكم الثلوج في جبال أرمينية تجرف الأمواه كل شيء في طريقها، العنف يبرّر ذاته بذاته، بوصفه قوّة من قوى الطبيعة كالريح والعواصف والفيضان، أوالية نفسية تحرّر من مشاعر الغضب والإحباط، قالتا: ليس التعذيب ما يخيفنا ولا سقوط الجسد النهائي إنما هي اللامبالاة العمياء لعالم فاقد الإحساس، ثم نفّذتا في لحمه أعتى أشكال التعذيب، ترى هل كانتا تلعبان على الكلمات أم على سذاجته؟ أم أنهما كانتا ببساطة تلومان العالم لفقدانه الإحساس بالسّادية وعدم المشاركة في الجريمة؟ قال غاندي: كونوا عنيفين ما دام العنف راسخاً في قلوبكم، هذا أفضل من تغطية عجزكم بقناع اللاعنف، كان يعذّب ضحاياه وهو يأكل العنب، يُذيب بتيزاب ويعذّب بدولاب ويصعق بكهرباء ويصم بمكواة، ثم يتسلّى بإطلاق الكلاب الشرسة، العنف جرثومة تنتقل بالوراثة أو بالعدوى من المعذِّب إلى المعذَّب، طاقة لا تتبدّد ولا تفنى بل تتحوّل من شكل إلى آخر، سوف يُنكّل بلا تورية ولا كناية ويحترم ميثاق جنيف بقدر ما يستجيب اللحم إلى النصل، ثمة أساليب للإنتقام البارد البسيكوباتي ينبغي تطبيقها بحذافيرها...
رفع الموسى، سدّد سبع طعنات طائشة وعشوائية في المعدة والرقبة والعنق والنحر والقفص الصدري. في نوبة وجدٍ بقر البطن وأخرج المصارين والكبد، غرز المطوى حيثما اتفق، في الرأس بعظم الجمجمة واليافوخ، في القحف وأعصاب الدماغ، جزّ ناصيته، فقأ الزبيبتَين، قطع لسانه على نحو احتفالي أمسكه بيده ...هذه هي الجمرة الخبيثة التي كان بها يلوك خطباً طويلة مملّة وتفاهات فارغة وعلى الوزراء أن يسمعوا بانتباه، ألا ينظروا إلى ساعاتهم المزيّنة بأيقونته...
صفعه، رفسَهُ بِرجله، برجلَيه، لكمَهُ بقبضته، بقبضتَيه، أفرغ جركن الماء نكايةً بعطشه، وضع خرقة حمراء على رأسه، بال عليه، قفز إلى المستودع ليُسكِت العنزة الثّاغية، انهال عليها بضربات مجنونة لكنها ما فتئت تثغي، فكَّها فتوارت في الظلمة وظلّت تثغي...في موقف مثل هذا الموقف، في سيّارة مثل هذه التويوتا، في صحراء مثل هذه الصحراء، كانت موسيقى كلاسيكية تصدح بدل العنزة السوداء وتعلن لحظة الجنون، ثمة إذاً علاقة تفاعلية بين مازوخية الضحيّة وسادية الجلّاد، بين الميلوديا والتعذيب، بين طبول عاشوراء والثغاء الرهيب، بين هتلر ونفّاخ النار، بين نفّاخ النار والفرنسيتّين، بين الفرنسيتَين وبينه، بينه وبين "الرجل الضرورة"، حلقات متشابكة في سلسلة واحدة، الذات البشرية في ازدواجيّتها، (الكائن السّوي) يجب أن يُحفظ دائما بين قوسَين، فلا معنى للسّوية، بيضة الثعبان ناعمة الملمس لكن في داخلها يختبئ السم، فحين تعرف عليهما بدتا كزهرة البنفسج ومريم المجدلية لكنهما في لحظة الإحتدام انقلبتا إلى لبوتين شرستين، وقالتا : الفظاظة هي الإحساس الأول الذي تطبعه الطبيعة فينا وما عليك إلا أن ترى كيف يعذِّب طفلٌ لعبته، الفارق بين الطبيعي والعصابي هو بالدرجة لا بالنوع، التعذيب في سياقه السادو مازوخي هو منطق الحواس،عبقرية خلّاقة . كان ذا ذكورة طافحة، له أطول "عير" في العالم، يفعل الفاحشة العظمى بخصومه، من يفتح فمه ينيك أخته وشرفه وقبيلته، وكان يمتاز بحقّ الليلة الأولى، لا تزفّ بنت إلى عريسها قبل أن تزفّ إليه، في الدار كان معلّقاً في مخدع والدَيه، يتلصّص عليهما من الأيقونة، وبهبوط العتمة يهبط من البرواز، يكسرُ عينَ أبيه ويضاجع أمّه في علاقة آثمة ثمرتُها هو نفسه، لا بدّ إذن من جريمة عاطفية واسعة ،أوديبية، لامحدودة ....
عرّى الجثّة المشوّهة وكشف عورتها، قصّ القضيب واستأصل الخصيتَين، باعد بين ساقَيه، التحم به من الخلف في نوبة هوس نيكروفيلي، تلاشى الانتقام في اللذّة، شخر منتعظاً ومنتشياً باللذّة المنحرفة.... بشاعة، انتعاش، تبادل أدوار ، أسياد وعبيد، عبيد وأسياد وتنويع على سدوم وعمورة، المقطع الثالث من "تريستان وأزوالت"، الحب الإنصهاري المستحيل، لكل لعبة قواعد يقال لها "قواعد اللعبة"، هكذا وهكذا فقط يعالج الصدمة بصدمة أعتى، العبث والوحشية والإسراف، أراد أن يبذر بذرة الجنون في وعيه ففرَّخت في جسده، ولا مندوحة عن اكسسوار طقوسي للمقتلة ،عنف رمزي عراقي.....
ربط الجثّة بحبل، شدّه إلى الكلّابة الخلفية للسيّارة، دوّر المحرّك، وأقلع مثيراً زوبعة غبار، سحله سحلاً، ودخل في رقّ مكسو بحجارة بركانية حادة وانخضّت التويوتا وتباطأت ثم رقدت في مكانها، انفختت الدواليب الأربعة، وسار ببطء على الحتار الحديدي فدارت السيّارة حول نفسها ثم راوحت مكانها وهمدت جثّة حديدية خامدة. خرس المذياع والمحرّك، ظلّت العنزة العطشى والمكلومة تثغي، تقزّز منها ولحق مصدر الصوت، تماهى سوادها مع العتمة، ورأى الجثّة تحملق به من المحجرَين الفارغَين، قلبها على بطنها، رآها تحملق به من عينَيها الخلفيتَين، غطّاها بلوح ملح، ظلّت العينان "تباوعان" به من الرِّجلين، أهال عليها ألواح الملح. بقيت اليد ممدودة، انقدحت في ذهنه فكرة نارية وهو يرى جراكن الوقود..... قالتا: يوجد شيء من كارل ماركس في نفّاخ النار، وشيء من شوبنهاور وشتوكهاوزن ودراكولا وهتلر وأتيلا، وثمة كذلك نار في نفّاخ النار. من أجل تلطيف نقمة الإله زيوس كان كهنة الإغريق يضحّون بكبش محرقة على قمّة أوليمبوس وهذا أوان الغضب الساطع، قفلة الكونشيرتو، التنكيل لا يُجدي ولا السحل ولا الخنق حين لا ينفع إلا الحرق بالنار...
أزاح ألواح الملح عن الجثّة، أفرغ جركن الديزل عليها، رمى عود كبريت، علت ألسنة اللهب، قرفص يتملّى المنظر الرهيب، الجلد والوبر واللحم المشوي. سحب سيجارة وأشعلها من الجمجمة المتقدة بنشوة "بيرومان" مختلّ، نظر إلى السيّارة الرابضة كنصب مكرّس للهباء والسدى، كوَّم أكياس الكدي والألثمة والدخن في مستودعها أفرغ جراكن الوقود المتبقية في كابينة القيادة، رمى عليها خرقة ملتهبة فأشرقت شمس أخرى في عزّ الليل، وتطاولت ألسنة اللهب صفراء ثم نحاسية حمراء، نار مجوسية مقدّسة، محرقة هولوكست، وأخذ يركض كمعتوه، ويضحك بقوّة التشفّي، ثم فجأةً عبس كأنه كائن آخر، صحا كما يفيق سكّير من سكره، نظر إلى ما اقترفت يده، باستنكار، بإنكار ... لا يعقل أنه فعل هذا، إنه على الحياد بين الأخلاق والطبيعة، بين نيتشه وروسّو، إنه مسالم بريء، إنه شخص من شخوص مسرح خيال الظلّ التي تتحرّك بمقتضى رغبات المخاتل المختبئ وراء الستارة، الأيقونة هي السبب، حين سأل الضابط النازي بيكاسو: "أنت هو من رسم لوحة غورنيكا"؟ أجاب: "بل أنتم" ...
رأى نفسه وحيداً كسندباد برّي، في منزلة بَيْنَ بين "تاهمشتكان". في مكان ليس ككل الأمكنة، في زمان كآخر الزمان، تحسّس البازبند، تمتم بالجنجلوتية والآيات السبع المنجّيات، استدار، تراجع، تقدّم، أحجم، تباطأ، دار متجهّماً، مثقلاً بأحاسيس الفاجعة، يعلوه نوع من الصمت الأبله مثل حلزون ضلّ طريقه، كيفما تحرك يجد نفسه أمام المصير القبيح ذاته ... الموت، الموت هو المنتصر الوحيد، لكنه لن يسحق رأسه بألواح الملح ليختصر النزع، ولن يُلقي نفسه في النار المشتعلة لأن عليه أن يبقى حياً لفترة أطول قليلاً، فلحياته معنى آخر، شعيرة مقدّسة يكفّر بها عن خطاياه....
لطّخ بالرماد جبينه واستلّ جنزيراً حديدياً، دار حول النار وهو يتسوّط في لطمية كربلائية مفجعة "حيدر حيدر حيدر، واحسيناه، كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء، عجّل يا صاحب الزمان، إمامي يا سفينة النجاة، أدركني يا ابن بنت رسول الله، مولاي يا باب الحوائج، حيدر حيدر .
وانهال بضربة على جبينه فشجّه ، تلوّى كدرويش يفتل في حضرة، احمرَّ الشفق أمطرت السماء دماً، ازدحم الليل بصور غريبة، ثور يسفد حماراً، خروف بأربعة قرون يضاجع امرأة بلحية، هياكل عظمية موشّحة بأنواط الشجاعة، رأى صوراً مشوّشة من أشلاء الطفولة الفرات والغرّاف والأهوار، صرائفاً ومشاحيفاً وأبلاماً ، مرّ العمر وامضاً كعمر يراعة تلد في صبح يوم وتموت في عشيّته، دارت الدائرة، التقت نقطة النهاية مع البداية، وتوحّد الواحد بالكلّ، والشمس في الظلّ، وحبّة الرمل في الصحراء، ورأى سبع مقاصل وسَربروس يقترب وشدقاه الرهيبان ينفتحان.... تعال أيها الموت، يا إله الحقد، بإمكانك الآن أن تقبض روح عبدك العراقي، خذه كلّه إلى طرفك بعد انتصاره على حقده، ارفعه إلى سمواتك الخالية من الشرّ والحرب والصدمات والأيقونة....
هوى على رأسه بضربة قاضية، ولفّته عتمة هائلة، ولم يعد يرى شيئاً.

نوبة عصبية

الممالح مكان مرعب، عالمٌ آخر محصورٌ قائم بذاته، استُثمرت عام 1582 بعدما نضبت الآبار في مناجم تغازة، كانت سبب الحرب بين السلطان المغربي أحمد المنصور والأسقيا داود، وهي تعتمد في قُوتها على ما تحمله لها قوافل أظلاي. في العام 1910 مات جميع عمّالها جوعاً لأن الرقيبات سلبوا هذه القوافل. وبالإضافة إلى كونها مناجم ملح فهي منفى صحراوي يحتوي على الزنزانة الرهيبة التي كان موسى تراوري يسجن فيها معارضيه. الملح هنا هو الذهب الأبيض، ليس مادّة أو سلعة للطعام فحسب، بل وسيلة مقايضة وعملة صعبة. كان الطاهر قد اشترى 16 عديلة من ملح القمرة ووسّق كل أربع عدايل على جمل وانضمّ إلى قافلة أظلاي تمبكتو، وتركهما في عهدة ابن عمّه سيدللي الذي أسكنهما في كوخ مجاور لكوخه. استفاد من عضلات المصري مسخِّراً إياه في الحفرة، يعبّئ القفّة بشوائب الملح، سخّر عصري بلمّ البعر، تداولت الأيام وانقطعت أخبار حوذ فتطيّر عمّال المناجم من الغريبَين الباقيين كأنهما طاعون أو جذام، اجتمعت الجمعة برئاسة الشيخ البكاي وقرّ القرار على وجوب أن يرحلا مع أول قافلة أظلاي تصل تادوني، ولا يهمّ إن كانت متجهة إلى كيدال أو كاو أو تمبكتو. استنفدا مواردهما في الشهر الأول فباع عصري لسيدللي سلسال الذهب واشترى بثمنه الدخّان والدخن (في تاودني كل شيء يُباع ويُشترى ويُبادل)، في الشهر الثاني باعه خواتمه كلّها. طالت الحبسة ثلاثة أشهر في سخرة الأشغال الشاقّة، تبخّر حلم أوروبا، تدهورت معنويات سرحان، تراجعت حماسته للحياة، بدأ يقطع علاقاته مع السطح لينفتح على القاع والكآبة.
* * *
وصلت الشمس إلى السمت، سكتت المطارق في حفر الملح، وآوى كل عامل إلى كوخه للراحة والغذاء. انهمك عصري بإشعال النار في المجمر، وتمدّد سرحان على كرتونته، حدّق مطوّلاً في شكله المعكوس في المرآة الصدئة فرأى شيئاً أشبه بمومياء محنّطة، وجهاً شاحباً ملتحياً، وعينَين خاليتَين من ألق الحياة. تثاءب وتراخى كمن لسعته ذبابة تسي تسي، توجهت عيناه نحو الجدار الملحيّ، بصبص على ملصق مارلين مونرو (كان عصري قد علقّه في الكوخ بعدما عرف أن الإقامة ستطول)، تخيّل التضاريس المخفيّة تحت التنّورة المتطايرة، لحس شفته العليا بلسانه، دسّ يده ليتعامل مع "قضية العرب المركزية" فلم تتحرّك شهوته كالعادة. أوهم نفسه بأنه برود جنسي عابر ينتفي بانتفاء أسبابه، لمح ذبابة تتنقّل بسأم على جسد الممثلة الشقراء، تابعها بعينَيه وهي تتسلّق الساقَين العاريتَين وتحشر نفسها بين الفخذَين ثم بين النهدَين، وحسدها لأن لها جناحَين تطير بهما إلى حيث تشاء من دون الارتباط بمكان أو بأحزان. طارت الذبابة عن الملصق حطّت على وجهه فتركها تنثر على خدَّيه عسل مارلين، ثم خطر له أنها قد تكون حطّت على خراء عمّال المناجم فصفعها وصفع وجهه. انقلبت الذبابة على ظهرها، جاءت نملة وحاولت جرّها، جاءت نملة ثانية فثالثة وتعاونت على سحبها فحرّكت أرجلها الستّ وقاومت. أشفق عليها وعزم على إنقاذها ثم خمّن أنها إن لم تمت ضحية للنمل فسوف يقتلها الجوع أو العطش أو عبث الانتظار. تركها إلى مصيرها وتابع الجنازة المرعبة، تماهى مع الحشرة الكريهة ورأى نهايته في نهايتها، حين أدخلها النمل في الجحر المعتم أحسّ أنه يقع في شيء مظلم، واستولى عليه شعورٌ جارفٌ بالألم واليباس وألم اليباس وإدراكٌ فجائي وعميق بأنه محصور ومحاصر في غولاغ صحراوي، خارج التاريخ وخارج الجغرافيا وخارج الحيّز الزمني ،وارتسمت على محيّاه صفنة ثم عبسة فغضبة تشبه النشيج، تكاثفت سويداء القلب في أفكار سوداوية... العالم كلّه صحراء، صحراء تيه، العالم ليس جميلاً دوماً كما تصوّره بطاقات المعايدة، ولا هو منظر من الرسم الصيني العامر بالانسجام، العالم خزق صغير معتم، خازوق، قفرٌ يجفّف إنسانية الإنسان، وتادوني صورة طبق الأصل عن قبح الكون وغدر الزمان، لا شجرة ولا طير لا شيء سوى الملح ولهيب النهار وصقيع الليل واليأس العميق والملح وتراكم الخيبات، والعدمية النيهيلستية، هذه الذبابة والنملات والإسهال والإمساك والرجفة والحمّى والقروح، ثمة غلطة في وجوده، ثمة أغلاط كثيرة، وجوده نفسه غلطة. إنه ليس النسر المحلّق بقوّة الجناحَين لكنه الريشة تطير لأنها أخفّ من الهواء ...
أطفأ عقب السيجارة، حشاه في خزق بالجدار ، وسأل صاحبه: "معاكشي برشامة صداع ولا حبّة فاليوم يا بو العم"؟
كف عصري عن هِفّ جمرات البعر الناشف "ييه سلامتك بعيد الشرّ، هلق كنت تنط متل السعدان".
"أنا مريض بمرض العدمية السالبة، اكتئاب، ملنخوليا، دبرسيون، اضطرب سيكولوجي، إحباط لعين مباغت "
" عمري ما سمعت بهيك أمراض، تعا لك إبني إرفع لك بنات أدنيك، إعملك كاسات هوا أو شربة ملح إنكريز".
قال سرحان بنبرة مَن يعتبر بلاءه ميزةً على الأصحّاء "بقوللك ايه ... أنا مُصاب بالروح مش بالجسد، بمرض يصيب الشعراء واصحاب المزاج الحساس الموهوبين فنياً، الصحرا القحبة دي هتطلّع دين أمّي، كانت حلوة في الشهر الأول، محتملة في الثاني، مجرمة في الثالث، موحشة في الرابع، جهنم آمندي في الخامس "
"إي صبور صبور، ما في شجرة ما هزها الهوا، الصحرا متل سجن تدمر أول عشر سنين صعاب بعدين بتتعوّد".
تناول المصري الكرّاس، فتح عشوائياً فوقع على القصيدة إيّاها: "كلّما انتحرنا وأغلقنا النافذة الأخيرة خلفنا سمعنا باباً لا يزال موصداً هناك يُصدر صريراً مثل مغادرة الغائب، كلّما انتحرنا كي نختبر قدرة موتنا على تأجيلنا نجد أن علينا أن نعيد كتابة حياتنا بالدم، كلما انتحرنا ....
رمى الكرّاس وذرع الكوخ الملحيّ شابكاً يدَيه خلف ظهره مسوقاً بكل العقد السلبية المنغّصة (الحياة أعطته إحساساً مقزّماً بجسده ومضخّماً بذاته وأفكاره). اندلع في دمه حنين الرحلة النهائية والرغبة المزمنة إيّاها؛ الانتصار على الحياة، ارتكاب بطولة بحجم أنانية ماياكوفسكي وهمنغواي وميشيما وخليل حاوي ونجيب سرور وتيسير سبول وكل الشعراء الشجعان الذين انسحبوا من الدنيا بهدوء لفرط الإحساس بالذات، سيقوم بالشيء نفسه لانعدام الإحساس بالذات...
خطف مدقّ الدكنو وانهال على خزق النمل، على الباب والحائط، على ملصق مارلين، أجهز على القنديل والجرّة .ولول عصري: " حبالتاي ، انجنّ الصبي، باطل عليك، خلصنا من المعوَّد جيت إنت"!
شهر سرحان الموسى، جثا على ركبتَيه في وضعيّة هاراكيري، أغمض عينَيه، أرعبه منظر الدم الذي لم يسل بعد، أحسّ بأهميته وفرادته، ارتجّت يده، ارتجّت السكّين في يده والأفكار في رأسه.وقال لنفسه أن الانتحار بطولة جبانة، وأن سنواتُ عمره ناقصاً 33 سنة تساوي أعمار البشر مضروبة بـ66، لكن جثّته إذا انتحر فستتساوى مع أي جثّة، وأقنع نفسه أن ثمة أشياء جميلة تُغري بالحياة: الصداقة، المغامرة، وقصائد الكرّاس (باستثناء قصيدة الانتحار) والتبغ الموريتاني والدكنو وعصري وما تبقّى من مارلين...
رأى الغجري يقترب منه ويقول : "خلّي الشبرية ع جنب، حرام عليك، الروح أمانة، وين كلام الحلو، مو إنت اللي كنت تشجّعنا !"
أرخى السكّين، خبّأها عصري تحت حصيرة الحلفا، رمى المدقّ فوق سقف الكوخ، ورشّ الملح سبع مرات في الزوايا وهو يتمتم: "دستور من خاطرو"، بادره بنظرة مشاركة في الانكسار، مسح لعابه بكمّه، مدّده على الكرتونة، قرأ على رأسه المعوذتَين والصمدية وسطراً من "ألم نشرح" عصّب رأسه بشال الصوف، دثّره، مدّده وجعل بطانيته وسادةً: " اسم الله عليك ،حصّنتك بياسين، تسطّح نام روِّق أعصابك، خلّيني إعملّك كبّاية شاي مع يانسون وميرمية تشيل المغص".
صبّ الغجري ماءً في الإبريق (لم يلقّمه بالشاي الأخضر لأنه يحتفظ في داخله بالتلقيمة المستعملة منذ الصباح) استدرك: "والله ضاع عليّ الشنكاش، قال يانسون ميرمية قال وسكّر ما فـي، هالصحرا بتمخول، رح تجنّني أنا كمان".
جسّ جبينه، قال مخفِّفاً عنه باللهجة الحانية نفسها: "ربّك حميد، عرضية عرضية، شدّة وبتزول يا إبني، اللي وسّعها على يوسف الصدّيق بقاع البير يفرجها عليك".
أحسّ المصري بالدفء، توقّفت رجفته، دعم معنوياته بكأس شاي أخرى، ناوله عصري كيس التتن: "نفّخ، دخن عليها تنجلي، لسّاك صغير عَ الهموم".
وشرب سرحان كلمات الغجري شرباً، رمقه بكثافة، من زاوية التقاط فريدة، حانت منه التفاتة إلى فخذَي مارلين، انفلشت الشحنة الإيروتيكية وعادت الروح إلى المومياء المحنّطة، اعتذر من صاحبه متحاشياً النظر إليه: "مش عارف أقولك إيه يمعلمين: حَيَّك، ميرسي ،كتّر خيرك، أنا بقيت عبء عليك، بعت كل دهباتك علشاني".
فتح الغجري فمه وأشار إلى احتياطي أسنانه الذهب، وقال بلهجة بطريركية: "فداك أبشكيب، الإخوان تلاتة، عندك أخ متل الهوا بتحتاجو دايماً، وأخ متل الدوا تحتاجلو من وقت لوقت، وأخ متل المرض الله لا يحوجك إلو".
انتعش سرحان بأريحية صاحبه، أزاح البطانية وهبّ واقفاً، طقطق عظام رقبته: "وانا مين ليَّ غيرك يا سيد الكل، كن رغيفي أكن نبيذك، الصحوبية لو صحّت تبقى أحسن من الأخ، فان غوغ في احباطه كان ملاذه الوحيد أخوه تِيو "
صمت برهة ثم أكمل مصطنعا الحزن: " مسكين فنسنت كان محدّش فاهمه، أنا برضه، أتقن كل اللغات ومفيش حد فاهمني... غيرك إنت، أنا أدمنتك خلاص، مش هنتحر لجل خاطرك، غمامة صيف ومرّت، إحباط موسمي عابر، بالأحرى ده قلق المابعد، قلق الفراغ، الإحباط هو أن نعيش في الحاضر نتائج ومشاعر تجارب سلبية حدثت بالماضي، بينما القلق هو خوف من نتائج أفعال مستقبلية".
"بَسْ يحرق حريشك، والله هزّيتلّي بدني، قلت لحالي الولد بايعها براسمالها ناوي ينتحر".
"أنتحر! من كل عقلك! حد يكون بيده القلم يكتب إسمه بدفتر الأشقيا، إنت الظاهر ما تعرفش الصعايدة كويس، ناس كول كووول ...قال سرحان ثم وضع الغليون في طرف فمه الأيمن وأمسك الجرن بيسراه : " لكنما لكل شاعر جنونه الخاصّ، والشعرة واهية بين العبقرية والجنون، وبين الهستيريا والإبداع ،ثم إني كنت عايز أشوف أثر التجربة الميتافيزيقية في العدم والوجود، لبلوغ الحدود القصوى للعدمية السالبة، لأنه على الإنسان عموماً والشاعر خاصة أن يحوّل مصائبه إلى مادة شعرية، أن يصنع من بؤسه أشياء سرمدية "
زرع الغليون في طرف فمه الأيسر وأمسك جرنه بيمناه :" مش اتفقنا إنّو طريق الحرّية يمرّ من اليأس، معناها لازم نيأس، اليأس هو ذاك الصنف من المرض الذي يعتبر تجنبه شقاءاً بحد ذاته "
"يسلمولي اللي بيفهموا، كأنك عم تحكي أوردو ... عودك رنّان أبو شكيب، هات سمعنا بيتين عتابا "
ابتسم المصري، اندلع النغم في حناياه علامةَ تفوّق على الألم، ارتفعت عقيرته بالغناء كزقزقة عصفور وحيد على شجرة عارية الأغصان:
احنا اللي بنينا الهرم اللكبر وبيجري فعروقنا النيل، واحنا اللي رسمنا أحزاننا جوّا المواويل
احنا اللي خرمنا التعريفة والربع جنيه ،واحنا اللي دهنّا الهوا دوكوا وملّسنا عليه
واحنا الشعب المصري الطيّب مهدود الحيل ،واحنا الفوانيس اللي اتقدت في ظلام الليل
واحنا الأحاسيس اللي اتقالت شعر ومواويل ،واحنا الكتاف اللي ما تعبت ولا يوم م الشيل".
قال عصري وهو يتناول ورق الشدة من كوة في الجدار "حيّووو على هالصوت، إحنا وإحنا وما في بالحي غير إحنا، إحنا صقورة ولو قصّوا جوانحنا، يسلمولي هالملافظ ".
أومض وجه سرحان بالأمل، حرّك الغليون في الفراغ، رسم حقلاً من عبّاد الشمس، وشمساً منبثقة من غيوم مدلهمّة، رسم لوحة "الليلة المرصّعة بالنجوم"، محا كلّ شيء، زفر بنبرة إعجاب ذاتي : "على العموم، الشخصية القلقة المضطربة هى التي تصنع الحضارة، بيتهوفن ألَّف سمفونيته الثامنة وهو مكتئب، الإبداع حصّن لودفيك ضدّ الانتحار، همنغواي تغلّب على المأزق الوجودي، بالكتابة قاوم إرنست التفكير السلبي (فتّش جيوبه) فين القلم والكرّاس أنا برضه عايز أكتب للأجيال المقبلة تجربتي الفاشلة في الانتحار".
وقال عصري وهو يفتح ورق الشدة على نيّة الطريق : "شفت ما أحلاك وإنت رايق، إصحا تعيدها بقى ... محدا مرّضك إلا هالعكروت سيد علي، ماصص دمّك، لا بقى تروح عَ الحفرة، خلّيك هون إلعب مع عمّك فَتْ طرنيب".
أمسك المصري بالكرّاس والقلم، تحسّس لحيته الشائكة، رمى عينَيه في المراح فرأى زوبعة غبار ولمّامي البعر يركضون والجمال تهشل

Desperados vs Homo saudiko

شفّطت السيّارتان، سارتا بسرعة خارقة ودارتا دورتَين أو ثلاثاً ثم سارتا بالعرض ومالتا على أحد الجوانب على عجلتَين، ثم دائرياً باتجاه عقارب الساعة ثم بالعكس، اتسعت عيون الرجال المتجمّعين أمام كوخ الندوة، بحسبهم أن رالي باري داكار يمرّ من تاودني، ترجّل من خلف مقود"النيسان" رجل مُكرش، من الباب الخلفي هبط رجل آخر طويل نحيل، بدا من لثامه النيلي أنه من أبناء أزواض. من "المتسوبيشي" نزل سائق سمين على رأسه كسكيت بيسبول وآخر معتمر بغترة ويشماغ، سار النحيل الملثّم باتجاه رجال الجَمعة، بعد إتمام التحايا الحسّانية المسترسلة حسب الأصول قال إنه أمنير طارقي بمعيّة ثلاثة خليجيين من أهل القنص بالصقور، يريدون المقيل للاستراحة والتزوّد بالماء. ابتدره الشيخ البكاي قائلاً إن الماء عادة لا يباع في تاودني وأن عليهم إكمال طريقهم للوِرْد من حاس صميده القريب، أكد الأمنير أنهم لا يملكون الرشية اللازمة للمتح. أطرق البكاي قال إنه والحالة هذه مضطر إلى أن يستوفي ألفَي درهم مقابل ثلاث بيدونات، استدار الأمنير نحو الصقّارين فارداً أصابع يده اليمنى كلها وثلاثاً من اليسرى، وأعطوه ثمانية الآف درهم فبخْشَشَ الشيخَ البكاي بثلاثة آلاف درهم وطوى ورقة الخمسة آلاف بخفّة ودسّها في محفظة جلدية معلّقة برقبته، رفع الشيخ عمامته وأظهر زبيبته مرحّباً : "مرحب مرحب صقاقير الصحرا، الله لا يقطع نسل لَعْرَب".
قال أبو غترة وهو يلقم صقره قطعة لحم : "هَبَّاش، يا حيّ عينك، يا زين الصحرا إذا ربَّعت ويا زين السما إذا غيَّمت، عز الله خوش طير جيرٍ حرّ جرناس، شاريه من لندان، ألف باوند.
أجابه المكرش وهو يداعب شاهينه: "تَرْكُه عنك طير هجين منغولي حَدَّهْ يصيد سمك واجد عليه، الطير الزين هو ميراج وَكْري الشواهين، يجيب الصيده من السما، ألفين باوند الله وكيلك.
حمل المكسكت صقراً أغبر، وزايد : "سنايبر أغلى واجد من هبّاش وميراج
I love’t،the most expensive english falcon, tree tusand sterlin pounds .
حملق العمّال بالصقّارين بحسرة تُقارب الكره، حدج الصقّارون العمّال بترفّع أقرب إلى الازدراء، دَوّر المكسكت عروة الكسكيت إلى الوراء تناول جوّال الباندا عن صدره وصوَّر الصقور والسيّارتَين والطرائد والأمنير وصوّر نفسه، رأى الانبهار في عيون أهل الملح فأشار عليهم بالاجتماع كي يأخذ لهم صورة، فتصدّى له البكاي قائلاً إن "رَفْدْ الظِّلْ" يكلّف ألف درهم. فرد الأمنير الطارقي أصابعه الخمسة بوجه المصوِّرُ الذي ناوله المبلغَ فاحتفظ بثلاثة آلاف ودسّ في جيب الشيخ ألفَين. واصطفّ العمّال حاملين أزاميل وشواقيف قرب ألواح ملح، صوّرهم مع الإبل باستخفاف غير مميّز بين الرجال والبهائم، هزّ رأسه بتعالٍ: "وَلْ عليكم يلشناقطة، تراكم خارجين من عصر طباشيري، شتسوّون في هالقبور"؟
أفاده سيدللي أنهم يستخرجون الملح، فاندهش الصقّار: "وَل خيبه! ليش ما تستوردون ملحكم من ماركس آند سبنسر ، طن ملح اليود ينباع ثْري دولارز".
حرّك البكاي المسواك في فمه، وتحسّر قائلاً إن أزواد صحراء قاحلة لا بترول فيها ولا دولار، ولا يوجد فيها إلا الملح والرمل. نظر المكسكت إلى عمّال المناجم الملتفّين حوله : "خوش سيفيلايزيشين! ملح ملّاحين، بعران بعّارين، أشكال تسدّ النفس، كلهم ذكور ما في حريم"؟
أوضح الأمنير أن تاودن ليست ككلّ الدشرات، فهي مقالع للملح يقصدها الرجال من البوادي، يعملون فيها ستة أشهر ويرجعون إلى أهلهم.
انفعل الصقّار لائماً الطارقي لأنه لم يقيّل بهم في "دشرة زينة تفتح النفس"، أمره بنبرة عقابية أن يجهّز الكبسة ، انشقّ الحشد عن رجلَين لاهثَين، اندفع السوري وعليه لجاجة صاحب حاجة: " قاصدينك يا طويل العمر، داخل ع الله وعليك، داعيك عصري، حكيم سنان وهذا إبن أخي سرحان إستاذ تاريخ " .
"أيوه، محسوبك سرحان أستاذ تاريخ وده عم عصري حكيم سنان، شفنا الويل، تلات تشهر كبيسة ملطوعين هنا نفحت فالملح، حتّه كرنتيله ولا طرة ليمان".
زورهما الصقّار بنظرة استعلاء من نوع "من أين جاءت هذه المصيبة!"، شرع عصري في بيان ما قاسياه من استغلال، استحلف الصقّارَ أن يوصلهم بطريقه إلى الجزائر .
" بس حنّا ما رايحين الجزائر "
"طب وصلونا لتمبكتو إذا ممكن".
"لم مِمكِن، تره حنّه ما لنا شغل بتمبكتو".
" لا تقسّي قلبك علينا، حملونا معكو وين ما رحتو، ع مورتانيا طلوزة ع صنعا يمن ع اسكندرية، لجهنب الحمرا، بس لا تتركونا هون".
سألهما المكرش لماذا لا يحوّل لهما أهلَيهما حوالة مالية على "ويسترن يونيون"؟ فأجابه سرحان بأن ساعي البريد لا يمرّ في الصحراء الكبرى.
تحسّس المكسكت جوّاله في انعكاسٍ مشروط، أبدى استغرابه: "ول خيبة ما عندكم فاكس موبايل وايرليس كومينيكاشن، أني ثينغ"!
وجدها البكاي فرصة مناسبة لتخليص تاودني من نحسَيهما فقال للصقّارين: "أرفدوهم امعاكُ وخلاص، يدك منك ولو كانت مجدومة".
صعّر المغتّر خدَّه بغطرسة قائلاً إن السيايير "فُلْ إنْكيجْ". فاقترح عصري أن يُحزما مع شنط الباغاج أو يُحشرا في الطبّونة مع الجراكن.
وقال المكسكت وهو ينظر لعصري : "هالمسطرة مو شكل دَنتِست، هذا حدّه يكون بشكردي عيّار لوتي (نظر للصعيدي ثم التفت لصاحبيه ) أقول ... سمعتون آخر نكتة"؟
انصبّت عليه الأنظار، فقال: "هذا واحد صعيدي مرض راح دكتور قاله عندك سرطان مخ، استغرب الصعيدي وقال من فين جاني المخ ؟".
"قه قه قه، صعيدي يا خوي كتلة غباء، دماغه ناشفة، ما عليه شرهة".
"تدرون ليش الصعيدي لما يخشّ الحمام يشيل الباب؟ ...عشان ما حد يبصبص عليه من خرم المفتاح".
"تدرون ليش الصعيدي يحطّ أربع تلفزيونات فوق بعض... حتى يشوف سيقان المذيعة".
"صعيدي في الحج انزحم فدخل حمام الحريم، صرخوا عليه الحجّيات، قالهم في إيه حاجج عن أمّي
ضحك، سعل وبصق واستأنف: " بس تبّون الصراحة كل بلد فيه الزين والشين، عز الله مصر أم الدنيا شعبها طرب، أهرامها عجب".
داعبه المغتّر : "الله يلعن إبليسك يا أبو شادي، أشوفك صاير تبذّر فلوسك على أهرام وحجارة عتيقة".
"إش عليّ بالهرم، والله وحياة راسك وراس شادي ما عدّيت شارع الهرم، حتى النيل ما شافته عيني".
داعب المكرّش ذقنه : "خلّه يستأنس مصر كلها وناسة، نساؤها لمن غلب (ضحك بخلاعة) يا زين قنص حبّار الصعيديات ،لهاليب لهاليييب، عندهن شيء خارق للعادة، من لم ينكح صعيدية فهو أعزب".
تدخّل المغتّر: "غلطان أبو نايف، الجمال الزين شامي، إسأل من كان بهن خبيراً، أبشع شامية أحلى من أجمل مصرية (قبّل أصابعه بفمه) حد الله الشاميات حكيهن تغريد عصافير، مو متل الصعيديات شرسات يضربن أزواجهن".
مرّق المكرّش لسانه بين شفتَيه: "لله يخلّي المصريات والشاميات ذخراً لرجال الخليج".
اقترح المكسكت أخد الشامي وترك المصري. اقترح المكرّش العكس. قال المغتّر: "خَلِّ يولون، طز بالشامي والمصري، المتعوس وخايب الرجا، شلّة حرامية كلكجية ما عندهم سالفة، وكّالين نكّارين".
دلق عصري مسبّاته: "طز عليك وعلى عشرة من حارتك، شقفة سعدان كشيش حمام كرنيب مأنشح طالعة ريحتك".
"اقطع يا وَكّيل الزعتر، إيش أصلك تلقاك شامي من بناديق التمرلنك " قال أبو كسكيت ثم تمرفق وغمز الأمنير: "ييب لنا ثلاث غبشات بيبسي كيفٍ لهالراس".
وفهم الأمنير أن عليه أن يدنّس يدَيه ويلغم البيبسي بالويسكي، فتوجّس وتذرّع بالصلاة، تيمّم بالرمال واتجه جهة القبلة، قام الصقّار بنفسه نحو سيّارة الإمداد اللوجستي وفتح برّاداً صغيراً تناول منه ثلاث عبوات بيبسي وقنينة ملفوفة بستانلس ستيل وخلط المشروبَين وكرع، ثم رمى عينَين صارمتَين على الأمنير المصلّي: "الصلاة هناك هناك بالحجاز، الركعة تسوا ألف ركعة، لكن إيش نقول طوارقي عنيدٍ لا يطيع الشور ".
جرع المغتّر وقال : "أقول يا جماعة الخير والله ما عرفت الطوارق قبيلة بدوية إلا هلحين، حسبالي ماركة سيّارات".
ضحك الصقّارون ضحكة لا معنى لها، رفع أبو كسكيت عبوته: "بصحتك أبو نايف كاسك أبو فزاع، وامرائنا موب أحسن منّا".
مدّ العبوة للطارقي الذي أنهى لتوّه الصلاة: " هاك عيني أبو تارق، آجر، زكّي صلاتك بقدح ويسكي شيفاس فيرست كلاس ما ينقض الوضو، شوية لربك وشوية لقلبك".
"أصطقفر الله، اللهم إن هذا منكر، حبيبي يا رسول الله قال اجتنبوها فإنها أم الخبائث". قال التارقي
"شيفهمك بالعربية يا بربري مخلوط بالعبيد، فاجتنبوه يعني حطّه بجنبك (مدّ له العبوة) إقضب أبو تارق وراس أبوك إلا تشرب، من رافق السكارى سكر".
"ولاه يذ السم مانِ شاربُ، من شرب الخمر وهو يضحك دخل أنار وهو يبكِ".
تجهّم الشيخ البكاي كشّر تكشيرة مطوّع: "إعافينِ ويعافيكم، لجماع في سكرهم يعمهون، حدّك اللاه يشارب الخمر تنجلد 180 جلدة مفرّقين على دفعة واحدة، إحشموا، حصار في الفلسطين، حرب في العراق، مجاعة في الصومال وانتوما تنفقون أموال المسلمين اعْلَ الحرام".
أخرج المكرّش ولاعة ذهبية وأشعل سيجاراً، رجرج بيده ساعة رولكس ذهبية وبربر : "إمام جاهل ،كفانا ثورجية ودم حروب ومعارك، ما خرّب حياتنا إلا فلس وطين، خل اسرائيل تبيدهم عن بكرة أبيهم ،يستاهلون، نصرف ملاييننا على شوبنغ ووناسة في لنده ومربيا وتايلند ولا ندفع فلس واحد لهالعكاريت "
احتسى جرعة شيفاس وتجشّأ وضرط وبصق ومسح فمه بأكمام الدشداشة وأكمل بنبرة كيد: "الله يكفينا شرّ عيونكم، فلوسنا واحنه أحرار بيها ومحد له شغل فينا، راع الحنّا يحني طيزه، الويك إند نحتفل بعيد ميلاد القطة فلّة رح نملالها بانيو بعطور باريسية ونحمّمها، موتوا بغيظكم يل كلكم أحقاد".
أزاح المكسكت عن عينَيه نظارة ذهبية الإطار تتنافر مع شاب ثخين ووجه غليظ : " افهموها يلشناقطة، إحنه الحين بزمن بورصة وأسهم وكابيتاليزم وكونكرانس، الحربجيات ما تجيب إلا خراب، شفنا بطلكم المسخرة سلّم بغداد بيومين"
وارتمى في حالة خدر واسترخاء وثمالة عرّى بطحة الويسكي نزع بأسنانه السدادة، وعبّ مباشرةً وشرب جهراً التفت لسرحان: "أقول يلصعيدي، آكو طير، والتّّفكة موجودة والسيّارة جاهزة، بس ناقصني سلوقي واليوم يومك".
"لو أنا سلوقي إنت تبقى جعاري" رد الصعيدي على الفور وعض الغليون غيظا وأكمل : عجبي عجبي بدوي خليجي أورق الصخر له ، كده مرّة وحده من لبن الناقة لشيفاس، ومن بعير لمسوبيشي.
" هس إقطع، وجهٍ سطيحة ما يبالي بالفضيحة، خوش والله عشنا وشفنا مصري قاتله الجوع يتطاول علينا، الخليجي تاج راسكم يا طرش البحر :
حنا العرب يا مدّعين العروبة حنا هل التوحيد وانتم له أجناب
حنا شروق المجد وانتم غروبه حنا هل التاريخ وانتم به أغراب
يوم الفقر شلتوا علينه عيوبه واليوم عقب النفط جيتولنا انساب.
هزج المكرش "كفو يا سويلم، إنت يا كايدهم وكاسر خشومهم يا زينك وانت شاعر سكران، أفحمتهم فاقعين طاقعين، عسى الله يحرق قلوب عذّالك".
ارتسمت على وجه سرحان أعراض داء العنصرية والخليجوفوبيا ( يعتبر الخليجيين عنصراً دونياً، يكرههم لأنهم في بلده يشترون بكارات العذراوات وذمم الحكّام وكِلى الشباب المتبطّل) رسم بالغليون هومو سعوديكو، سعدان له قضيب أطول من يديه وذنب أطول من رجليه، رسم مستعمرة سعادين، وطناً يحمل اسم قبيلة وسيفَين متقاطعين ونخلة وكتب تحتها: صلِّ، إستهلك، واخرس. ثم فؤجئ ببصقة تخرج من فم المكسكت وتستقرّ على وجهه، يبس في مكانه كقنبلة موقوتة توشك أن تبعثر شظاياها، زمجر بمهينه: " مخدتناش قلنا ماشي، هرتلت ف الكلام عَ الصعايده قلنا ماشي، إنما تتف بوجهي، أنا هنعل سنسفيل أجدادك."
سرّع عصري حبّات السبحة وهو يبصر سيّارة الإمداد، وضبط أعصابه بهدوء مزيف، حدّق في وجوه الصقّارين كلها مجتمعة وفي كل وجه على حدة، بعثر نظراته بين جهة الشمال والعمّال والبكاي وصاحبه والدليل، تملّى المشهد بعين قلبه، انزوى بالمصري: "روِّق أعصابك يخال... براسي موّال بدّي غنّيه، إجتني فكرة".
" إنت فكرة"!
"إي، بتحسن تسوق يا شريك"؟
"تكونشي ناوي تستولي عَ السيارة ياعم عتريس"؟
"وهو كزالك، اللي ما بييجي بالناموس بيجي بالدبّوس".
" فكرة خطيرة، لكنما إحنه تنين وهم تلاتة، الكترة غلبت الشجاعة يمعلمين".
"تنين صاحين أسبع من تلاتة سكرانين، ماني خايف على شيبتي، اللي خايفين منو قاعدين عليه".
تحسّس المصري ذقنه الشائكة، قدّر التّبِعات فرأى تسعين سبباً للموافقة (عدد أيام البؤس في تاودني) فقال :"أمّال يعني أنا هخاف على شبابي، يا خوف الجزّار من كتر الغنم ".
طقطق عصري عظام رقبته كأسد عجوز سقطت أسنانه ولم تسقط مخالبه، سكنته بطولة البدائيين أو بطولة المصادفة التي تفرض على الرجال اليائسين أن يكونوا أبطالا رغما عنهم ، خطف قنينة الشيفاس الفارغة كسرها بلوح ملح وشهر عنقها المشطوف، طحش في اندفاعة عسكرية على مواقع عدوّ هشّ الاستحكامات، قلب الأوكار وطيّر الشواهين، تبعه سرحان مدفوعاً بالرغبة الصعيدية البدائية في الثأر، وعلى سيميائه سحابات كرهٍ سوداء، استرجل وبدأ يضرب السمينَ الذي وضع يده اليمنى على أغلى ما يملك : "يا الربع يا عوينتي يا عزوتي يا عونة الله يا صويحبي، عونك يبن العون "
تجلّت القسوة الغجرية على وجه عصري وهو ينقضّ على المغتّر، غرز الزجاجة المشطوفة بالبطن الناتئة، كأنه يطعن جثّة عدوّ، ارتفعت صرخة منكرة، انتهز المكرّش حامل المفاتيح فرصة انشغال المشرقيَّين بصاحبَيه، فهرول نحو سيّارة الإمداد ليتمترس خلف المقود، لحقه عصري، دار حول السيارة وجد على المقاعد الخلفية بندقية صيد، سحبها، شهرها بوجهه فناوله حزمة مفاتيح معلقة برقبته: "لا تحمق يا خوي، على هالخشم، بس امنع التفك عن ويهي، مصر وسوريا والخليج حتّة وحدة ".
صرخ سرحان وهو يفتح باب الجهة الاخرى " كسّمك على كسّم مصر وسوريا والخليج، إحنا وانتو ألف حتّه ".
رآها البكاي فرصة للتخلّص من الطرفَين، فقال للعمال: "أللهم اشغل الكافرين بالمفسدين واجعلنا بينهم سالمين غانمين".
بغريزة انتهازي قنّاص للفرص، أخذ سيدللي موقفاً أقرب إلى التواطؤ بعدما عرف بنيّة شغّاليه في الفرار (المصري عتَّلَ الكثير من قفف الردم في الحفرة والسوري لمّ الكثير من بعر الجمال في المراح ولم يقبضا أجرتَيهما) سهّل لهما الهروب، ساعدهما على نقل الجراكن من "النيسان" إلى "المتسوبيشي". استوى سرحان خلف عجلة القيادة، دوّر المحرّك. أمر الدليل بالركوب معهما ليدلّهما إلى الطريق، أعلن الطارقي أن "التريق لا تحتاج لدليل ففي الميتسوبيشي كل ما يلزم بوصلة وخريطة نافيقيشن وجي بي أس".أقلع مشفّطاً في المراح، اتجه صوب البرّية الشاسعة والفرار، وحين بلغ بئر سميدة انحرف شمالاً وشرقاً باتجاه واحات توات.















الواد الرابع
المَجَابَة الكبرى

"كاسِك يا صحرا"
بدت الصحراء من وراء زجاج "المتسوبيشي" كما كانت تبدو من أمام شاشة التلفاز، شيئاً قريباً وبعيداً يريانه ولا يشعران بقسوته. حملق سرحان مبهوراً في العدّادات الكثيرة والرموز والأضواء اللمّاعة رأى على الزجاج أمامه ملصقين صغيرين أحدهما يقول: "نعم للصيد الجائر" والثاني يقول: "لا للفساد البنقالي". رأى تحت قدمَيه نفايات فستق حلبي وعبّاد الشمس وأعقاب سجائر، رفع عينَيه إلى البوصلة فوجد أنه انحرف قليلاً عن المسار فعدّل اتجاهه (كان اكتشف أن جهاز الـ"جي بي أس" بقي في "النيسان")، وأقحم كاسيتاً في المسجّلة فصدحت أم كلثوم بـ"الأطلال".
عبر عصري من فرجة المقعدَين الأماميين إلى الخلفيين رأى في المستودع خليجاً مصغّراً بكل استهلاكيته وكمالياته: منظار رصد يُستخدم في تتبّع الصقر وكظيمة تيرموس وتنباك معسّل ونارجيلة مضبوبة، وسفرطاس وقنابل دخانية لتحديد موقع السيّارة إذا تاهت، ودشاديش تفوح منها رائحة كريهة، ومطرة وموقد غاز سفري، معلّبات رُبّ البندورة المصبّرة وخبز مرقوق وفواكه مجفّفة وموالح وسكاكر ومرطبانات وكعك وبسكويت وشيبس وأقراص كليجة وشاي وقهوة وحليب مجفّف، كلّها مختومة بختم "ماركس آند سبنسر". فتح برّاداً صغيراً فوجد في داخله دجاج "كنتاكي" حلال (مذبوح في الدانمرك على الطريقة الإسلامية) وألواح شوكولا وعبوات بيبسي وصودا وتمر هندي وطماطاجوز وعرنجوز وكمأة الترفاس، وبيوض صغيرة في قالب كرتون ظنّها بيض حمام، لكن سرحان جزم بأنها بيض حبارى من الذي "يقوّي البتاع". فتح حقيبة فوجد في داخلها نظّارات شمسية سوداء وقناني عطر. في القعر عثر على حبوب فياغرا وأكستازي مهلوسة، ولمح سكّيناً سويسرية في طرفها فتّاحة قنانٍ، انقاد بغريزة السكرجيّة إلى كرتونة فوجدها مليئة بقناني النبيذ والويسكي والعرق، ازدرد لعابه في استجابة لاشعورية إلى عطش الأشهر الناشفة. أخرج قنينة نبيذ فرنسي، للهفته لم يصبر على فتحها بالفتّاحة بل كبس بإصبعه الفلينة فغارت في عنق الزجاجة، جرع جرعةً عدّلت رأسه المائل، حفن تموراً ووضعها على التابلوه، تناول سيجارَي هافانا، وضع واحداً في فم صديقه وواحداً في فمه، قرع كأسه بكأسه: " عبّي الجمجمة، كيَّف، انبسط، تَتِّن أكْرُك عجم، خلّي يموت حصان من أكل الشعير ،كس أمّه إبني ميلاد إذا بدّو يورتني".
مضغ المصري بضع تمرات وأفرغ نصف قدحه وتنهّد: " يا سلام على تمر المدينة المنوّرة مع نبيت البوجوليه، هذا زمن كل الأزمنة، آخر شزوفرنيه".
جرعا بعطش مضاعف، واحتفاءً بالنصر والسيّارة والحرّية. شربا في صحّة القطرَين وعبد الناصر وجول جمّال وسليمان الحلبي، سها سرحان ولم يعد ينظر إلى البوصلة، انفعل عصري فدندن مع أم كثلوم "أعطني حرّيتي"ثم صرخ : "عيني عليكِ، فديت ريحة منديلك بدمّي".
ارتسمت بوجهه تطليعة لبعيد فأكمل : " كانت تغنّيلي سخصي عَ الميماس، كنت شبابليك، بزماني ضهرت مع ميادة وصباح وسميرة دوفيق وسعيدة بنسمير".
ألمَّت به نشوة العمل البطولي، فقال للمصري كأنه يخاطب نفسه من خلاله: "قلعة بعلبك بعزم الله خديناها بالهوج والموج، جبناها وجينا غنيمة حرب، بْري عليك أبشكيب فلتحيا دينك قبضاي".
"أمّال الصعايدة أجدع ناس، شعب مفيش مستحيل، إحنه للي دمّرنا خط برليف... لكنما كل ده حصل بهمّتك يا معلّمين، لولا المجانين ما كانوش العقلا أكلوا بلح".
أمسك عصري قنينة الويسكي بيمناه والنبيذ بيسراه وكرع كرعتَين بالتناوب، ودخل في الانتشاء ونسيان الذات، خرطش أقسام بندقية الصيد، مدّ السبطانة من النافذة، أغمض عينَيه، أمال وجهه إلى الناحية الأخرى، سدّ أذنه بإصبعه وضغط على الزناد فسمع صوت ارتطام حديد، كسر البندقية فوجدها فارغة، وحوَّل دهشته إلى بطولة: "أي بدون زخيرة ضبعت السعادين، أي عليم بالله لو كان معي فشك كنت فتحت جبهة "
"أمّال ،صاحب دراع وسجيع، سيريان كيلر، إحكِ يا معلّمين شوية عن حرب أكتوبر اللي استشهدت فيها، "إزاي برَّدت نبع بردى، وحمّرت البحر لحْمَرْ، إيه قصّة إضفرك المقطوع ده؟ قول يا بيض الوجه قول".
"بيَّضَ الله رايتك ابن أخي، هالإصبع حكايته بتنحكى وبتطول (قال عصري رافعاً سبّابة التحم ظفرها باللحم) هدا يا سيدي لما قولّك مرّة كنت عمّا إسبح بالعاصي، ساعة ساعتين تلاتة حتى فات النهر ببحر إسكندرون، وغمَّقِت على إسبح إسبح، جزيرة أرواد صارت ورايي، قلت لحالي يا زلمة قبرص قريبة دوز عليها دغري ، ويا إيدك على فمغستكا، الدنيي عتّمت قمت من غفلتي نمت، سبحان الذي لا يغفل ولا ينام، وما شوفلك إلا حية بحر قد الموجة يا لطيف، طولها تلاطش أرباطش متر، تخنها تخن قسطل صوبيا".
اهتزّ المقود بين يدي المصري الثمل: "لاء يا سي عصري متودرش حياتك بلاش تموت، إخزي الشوطان، إرجع ".
" ماني راجع، محسوبك سبِّيح إبن بحر (مج من القنينة) إي بيرجع مرجوعنا حاصِلهو بنت الحرام لفَّت علي عضّتني من إصبعي، طلّعت الشّبرية قصّيتها تلت شقف".
وتغيّر مزاج عصري. أثقل الفراغ رأسه والخمرة لسانه، انكفأ إلى ذاته في نكوص ما بعد الفخفخة، صفن في الغربة وانكسارات الشيخوخة، أخرج من جيب الصداري الصور الثلاث، صفن مطولا في صورة أبنائه، مازحه المصري: "ولادك يشبهوك الخالق الناطق"
"معلوم نازلين من زبّ واحد".
ضحك سرحان، صار الغليون امتداداً لوجهه: " يا سلام يا عم لما تكون رايق تجيب حاجات ملهاش مثيل، يا ريت بقى تحكي قصّة تيس أبكمال".
"إضحك أبو أشكمان تضحك بلا سنان، حقّ عليي شرّبتك كاس، فعلاً السرّ ما ينعطى إلا لناس وناس".
"على سلامتك يا عم، إنت ملح الأرض، يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، لو ما كنتش موجود لوجب اختراعك ".
فخفخ الغجري بالأطراء فقال : " لما نصحا من الحضرة، بدّي ايّاك تكتبلي قصة حياتي من طأطأ لسلامو عليكو
"أمرك يا ريّس إنت بطل روائي من الروايات التي تتّخذ من إسم بطلها عنواناً، زوربا وتاراس بولبا ".
بدت على وجه عصري علائم أبوّة: "سلامة قلبي مية مرّة، والله لو متت لتتيتّموا ( ثم نظر إلى المقعد الخلفي ) كنّي حاسس المعوَّد حاتموف عم يمزمز معنا كاس بالسيّارة، أبْصَرْ قولتك نفد ع ستنكنافيا"؟
" نفد وأيامه لوز، لوووز، زمانه بيحكي ستنكنافي ويلعب بالضولارات ويبصّر للعواجيز ".
"سيبك منه، حطّ بالخرج، اللي باعك ببصلة بيعو بقشرتا"قال عصري وبحث في الجارور فوقع على رخصة صيد وثلاث جوازات سفر للصقور ممهورة بشهادة بيطرية تثبت خلوّها من أنفلونزا الطيور تعجب : "تلات تلاف جنيه سترليني عشان وقية لحم! أما صحيح شعب بطران !
"أصلاً الشعب البَحَمْ ده متعبتش في تحصيل الأموال ليكون هناك منطق في صرفها."
عثر عصري على آلة تصوير رقمية، عبث بأزرارها عشوائياً فأضاءت الشاشة، كبس على زرّ الاسترجاع فظهرت لقطة الصقّارين مع تايلانديات مراهقات. ظهرت لقطة لمومس قاصر في وجهها وقاحة القحبات وبراءة الأطفال، توالت الصور في طقس ستربتيز وهي تعرّي القسم الأعلى والأسفل، وهي تخلع سترينغ من خيط واحد، ظهرت صورة زوم وهي تداعب المناطق الحسّاسة من جسدها، عضّ سرحان الغليون بلذّة جنسية: " صور مستكه أعتى من الكتلوغ، مسيار خليجي بين مواخير مانيلّا المنوّرة وبنكوك المكرّمة".
ظهر المغتّر في بانيو دائري كبير بمعيّة خمس مومسات في كوكتيل فواحش، تحلّب ريق عصري فشنَّك شرابية المسبحة:" ألعَن وأفك رقبة، الله لا يشبعو عبد السكسي ،خمس شراميط، ينيك يلحس يحضن يشمّ ويشوف".
" أمّالْيتمتّع بما ملكت بترودولاراته، أمة شايله زبارها عكتافها، عُقَد عُقَدْ، البجم ده إديله حرّية وينام مع خالتو على طووول".
"يوه تبّت يدا، ما بجوز، حرام خالتو أخت إمو، العين تطرقو ما استحلى إلا خالتو!" قال الغجري ثم رمق الصور بحسرة، التفت إلى صاحبه: "إي لفا بقى أبشكيب، بلا حسادة وضيقة عين، حلال عَ الشاطر، خلي ينبسطوا بشبابن، يعني إنت زات نفسك لو صّحِّلّك بتقولا لاء"؟
خفّف سرحان السرعة، نظر غاضباً نحو الغجري :"قصدك إيه يا وَلَه ! أنام مع خالتي"؟
"لاء، مع خمس قحبات تايلندي".
نقل المصري الغليون إلى طرف فمه، ونقل العتلة إلى الخامس: "متفهمنيش غلط، أنا شخصياً مش ضدّ السكس وأعتبره فلسفة وجودية محرّرة، لكنما أنا ضد احتكار الدكر الخليجي للسكس على حساب الأنثى الخليجية المحبوسة بحرملك، وضدّ استغلال القاصرات ".
عاد عصري يتملّى المنظر بعينَين جائعتَين: "شه شه شه، إي معقولة شعب الحرمين طعرسجي لهالدرجة"!
"معقولة ونص، المحرّمات تعمل أكتر من كده، لكم في صلعمو أسوة حسنة يا صلاعمة، مكانشي عنده تسع مزز"!
"صلِّ ع الحبيب، نزّه الرسول ، شو هالخصلة فيك دايماً مطوّل لسانك عَ الرايحة والجاية، أي شلون الله بِدُّه يوفقك"!
ارتسمت على وجه سرحان أعراض الاستنكار والغبن، تفاقم إحساسه بكبته الجنسي فوارى مشاعره الحقيقية في الخليجوفوبيا: " ناس بجم فالصو، عالة على الأمم، نفسي ومنى عيني أشوف حاجة بالسيّارة ميد إن أرابيا، مفيش، كامَره أمريكي، جبن دانمركي، طرمبيل ياباني، نبيت فرنسي، وسكي اسكتلندي، دوَّر عَ الدشاديش تلقاها ميد إن شاينا".
تناول عصري يومية "الشرق الأوسط"وناكفه : " هالجريدة مو صناعة عربية ؟
أُصر المصري على أنها مطبوعة في لندن بتقنيات إنكليزية. داعبه عصري: "دخلك شوفـي أخبار جديدة بهالجريدة"؟
"مفيش، شيوخ نفط يستقبلون ويودّعون شيوخ نفط في مشخّات نفطية وفي أتفه العوالم الممكنة".
ضربت الخمرة في رأسه أخرجته عن رصانته: "أرى نَيْكَ الشّيوخ عليَّ حقّا
رمقه عصري باستهجان فأردف : " وازّاي أشوف الخطل ده واخرس، محدّش خالص من شرّهم يروحوا مصر ويجيبولها إيدز، يروحوا العراق ينشروا إرهاب، يجوا الصحرا يشفّطوا"
خرج صوت الأذان من إذاعة نداء الإسلام فترك عصري الكأس احتراماً ثم أسندَ رأسه أسبل رموشه أغمض عينيه استسلم إلى النوم والشخير. وقبض المصري الثمل على المقود برخاوة، ساق على غير هدى : " مسوبيشي ياباني، سوّاق صعيدي، راكب حمصي، بترول خليجي، يالله بينا لطنجة".

عصبة نوويّة

أضاع ساعات كثيفة في سكرة سولو ، قاس الزمان بالفرسخ، وقاس الفرسخ بعدد الكؤوس، قاس القلقَ اللذيذ بِعضةٍ على الغليون، شرَّق فحضنته الصحراء، غرّب فأحاطته الصحراء ، رأى نفسه محاطاً بمفازة رهيبة اتّساعها مقياس ضآلَِّته، لا قافلة لا مجبد لا شاخص لا رجم يُعلِّم الطريق، ولا طريق، لا طلحة لا حلفا ولا حتى شوكة يابسة، رمق الخريطة المفرودة على التابلوه وصفن .... أي طريق يأخذ ؟ وكل الصحراء طريق، وكل الطريق صحراء، أوتوستراد طويل بطول الطول وعريض بعرض العرض. كيف يركن إلى حواس خلخلها السُّكر؟ إلى أي شمال تشير إبرة البوصلة: الجغرافي أم المغناطيسي؟ ما معنى الاتجاهات الأربعة والزوايا؟ والمجابة الكبرى هاته تجعل من المصطلحات والشواخص مجرّد فوضى سديمية. ومَن يضمن أن الخارطة ليست تقريبية، وأن مقياس الرسم هذا، الذي قلّص الأربعين ألف متر إلى سنتيمتر تافه، لا يساهم في الخديعة البصرية؟ ماذا لو غرزت الدواليب في رمال رخوة؟ لو تعطّل المحرّك أو نفد الوقود؟ لو هبّت عاصفة الحرور أو الشرقي؟...
قرَّب أصابعه من كتف الغجريَّ الغافـي لإيقاظه ثم سحبها ببطء، شغّل المذياع واستأنس بأهازيج موريتانية ، بحث في الجارور عن برشامة صداع فوجد بضعة أقراص مهلوسة، بلعها وغاب بين دهن الإكستازي ودغدغة النبيذ الأحمر، داس على السرّاع بلذّة التهوّر واستنفاد الحدود القصوى للعدمية السالبة، ساق بعشوائية منظّمة، مهتدياً برادار قلبه، متسلّحاً بالشكّ المنهجي، كفراخ الطيور المهاجرة التي ترحل وحدها لأول مرّة مهتديةً بالقطب المغناطيسي وبما ورثته من جينات الاستدلال والتوجّه، زادت المهلوِسات من رباطة جأشه بشكل كاذب وقلّلت من معدَّل ذكائه بشكل موضوعي، تطلّع إلى السماء: لا طير يطير ولا غيمة شاردة، نظر حوله باحثاً عن تضاريس ثابتة تتناسب مع سرعة السيّارة فلم يرَ سوى استواء سليم من الرمال، آفاق عمياء، أماكن موصدة بالخواء... العالم كلّه صحراء، صحراء حوله، وصحراء في داخله، صحراء الصحراء تنزروفت، نوميديا بلاد العطش مهلكة الرمال، إنها غلطة الجغرافيا مثلما هم العرب غلطة التاريخ، كافافيس لم يذكرها في إيثاقاه بين المحطّات والجزر الإغريقية والأسواق الفينيقية والمدن المصرية التي ينبغي للمسافر الأبدي أن يحطّ عندها....
غالبه شعور أنه يتحرّك في الإتجاه الخطأ. نقل عتلة التغيير إلى الرابع، فرمل وأوقف المحرّك، نظر في اتجاهَين متعاكسَين، لبث مكانه مثل حمار بوريدان في منتصف الطريق بين سطل ماء وحزمة قشّ، دوّر المقود في زاوية من 180 درجة، نظر إلى جراكن الوقود الباقية، إلى عدّاد المسافات الذي تجاوز 500 كيلومتر، رأى أنه استهلك أكثر من نصف الجراكن، ظلّ ساكناً يجترّ حيرته، غالبه شعور بأنه في وضع السكون فهو في المكان الخاطئ. أقنع نفسه بأن المجهول الذي يجهله أهون شراً من المجهول الذي يعرفه، استدار وأقلع قدماً، قبض على المقود بعصبية، ساق السيّارة مشحوناً بأحاسيس الخطر الداهم والفاجعة والضياع والانسحاق والتشيّؤ. تراجعت المسافات الطويلة كاشفةً عن مسافات أطول، اتّسع الخواء، كبرت الأشياء الكبيرة وصغرت الأشياء الصغيرة واختفت الأشياء التافهة، انحنى الخطّ السهمي في الدائرة، التبست الدائرة في الدوائر، تلاشى الوقت في المسافة، والمسافة في المسافات، أفضى التيه الجغرافي إلى تيه متافيزيقي، فقدت المفاهيم مفهوميتها، لا وقت، لا مسافة، ولا وجود. وتباطأت السرعة في نسبية مخادعة، مدّ رقبته إلى الدواليب فرآها تتقدّم إلى الأمام بسرعة، رفع بصره نحو المدى القريب فرأى السيارة بطيئة كسلحفاة، رمى عينَيه على الأفق البعيد وأحسّ بها تراوح مكانها، تحرّكت الأخيلة في فوضى الحواس، تأثّث الفراغ بهياكل عظمية لركب ومطايا، رميم عظام نخرتها الريح، عدايل ملح حوّلتها الأمطار إلى سبخة، وسيوف عتيقة زنجرت أنصالها، خرجت نملة ضخمة من جحر معتم وطاردت السيّارة، تبعتها نملة ثانية فثالثة وتجمّع النمل، زاد السرعة ليتغلّب على ارتعاشه، راودته الرغبة المزمنة إيّاها، داس على السرّاع، أدار المقود في استدارة حادّة إلى اليمين ثم إلى اليسار، وفي الأنحاء كافة، ودارت السيّارة كخذروف جنحت فوق الرمال مثيرةً الغبار، وارتطم عصري بالتابلوه فأفاق وسأله عما حصل، مسح عرقه ثم نقر على المقود: "م محصلش، عصبة نووية"



السماء والطارقيّ والنجم الثاقب

تعطّل جهاز التكييف وارتفعت الحرارة إلى أربعين، شرب خزان الوقود بيدون ديزل آخرَ. تغيّرت طوبوغرافيا الأرض، أفسحت كآبة الرقّ اللامتناهية المجالَ لجبال عالية وشعاب عميقة، تضرَّسَ الاستواء فبدأت السيارة تهتزّ. انتقلت الشمس إلى الطرف الغربي فنقل سرحان الغليون إلى طرف فمه الأيمن، تعوّذ الغجري بالله من شرّ الطريق، أسفرت الصحراء عن وجه كاوتيكي، صرح خيالي برسم أفلام الرعب والخيال العلمي والفانتازيا والهباء والسدى وعمهوت العماء. استطلع عصري بالمنظار فرأى خطَّين متوازيَين في الرمال، نظر كل واحد من جهته فأدركا من مدى عمقها أنها بنت النهار وأنها بعرض عجلات "المتسوبيشي".أدركا إنهما تائهان في أكبر متاهة في العالم، تسارعت حبّات السبحة بيد عصري: " يا ويلنا يا سواد ليلنا ، أصبحنا على ما أمسينا، متل خيل الدباكة طول نهارها بتمشي وبتظل مطرحها ، الصحرا أصلاً أهلها تاهوا فيها شلون جاهلينها ".
غارت الشمس وغربت ثم غابت، انصهرت السيارة بالعتمة، وخاضت في القلق والخوف والمجهول والخوف من المجهول، وفي فراغ الرعب ورعب الفراغ، في كابوس يقظة، ويقظة كالكابوس، اهتزّت فانقلبت الجراكن الفارغة. لوى عصري رقبته وفي ظنّه أن المستودع مسكون بالجماعة "إياهم" فتمتم بِ "دستور من خاطرو"، فتَّش بين الأشرطة عن ترتيل لعبد الباسط فوقع على أغانٍ لنانسي عجرم، قلَّب بين المحطات باحثاً عن إذاعة "نداء الإسلام" فسمع كلاماً أعجمياً، خفّف سرحان السرعة، أشعل الأضواء الأمامية ونوّاصة الضوء في سقف الكابينة، انكبّ على الخارطة في قراءة متأنية لإحداثيات الطريق، تشابكت الخطوط في رأسه وهو يرى خطوطاً متباينة السماكة ومتواصلة ومتعرّجة ومستقيمة، وخطوطاً زرقاء متقطّعة ومنحنية تشير إلى سيول موسمية، ومسارات أخرى للقوافل لا تسير بشكل سهميّ، لكنها تتعرّج وتنحني وتتشكّل بحسب الآبار، خطوطاً مريبة استفزازية مستقيمة وطويلة خطّتها الإدارة الاستعمارية بالمسطرة والبيكار لتُرسِّم الحدود، وخطوطاً تتقاطع في مربّعات طول وعرض، ورموزاً واصطلاحات وهمية مخطوطة على الورق ولا وجود لها على الرمال، قاس المسافة بين تاودني ورقان فوجدها تقارب 750 كلم، نظر إلى عدّاد المسافات فوجد أنه قطع ما ينيف عن 900 كلم، وافترض احتمالين: إما أنه بالغ في الاتجاه شمالاً فجاوز رقّان لجهة الغرب بموازاة الطريق الوطني 6N ودخل في لانهائية عرق الشيش، وإما أنه انحرف كثيراً نحو الشرق فخاض من تحت رقان، ما يعني أنه لن يصادف الطريق المعبّدة بل سيخوض في هضبة تيديكلت الخاوية قبل أن يبلغ طريق A 1 المنحدرة من عين صالح إلى تمنراست، بدا غير منسجم مع ذاته مثل حلزون أعمى ضلّ طريقه ، تعكّرت عيناه الهادئتان وهو يرى مؤشر الوقود في المنطقة الحمراء، ارتعد بكهربة الموت رسم بالغليون "ناتور مورت"من بضع فواكه وجمجمتَين، رسم مشنقةً ذات حبلَين في أسفلهما سمكتان تتخبّطان ، عصافيرَ متفحّمةً فوق أسلاك الكهرباء غمغم : " طلعنا من معصرة وقعنا في طاحونة ".
أوقف السيارة، اقترح أن يباتا ليلتهما في عين المكان، تبادلا نظرات غير مجدية كفيلَين هرمَين يخوضان في أعماق الغابة ليموتا وحيدَين، تلفّح عصري ببطانية كيوغي في حال حلول وانخطاف، ألقى رأسه بين راحتَيه، رأى طيف الموت يجالسه غازلاً على نولَين، الخيوط تقلّ في نول الحياة لتكثر في نول الموت، تحوّلت شقلبة حبّات السبحة إلى تسبيح، لبث يتأقلم مع فداحة الموقف بورع الأتقياء، رقّت مشاعره وبدا وجهه على ضوء القمر مصقولاً من بلّور، رتّل المعوذتَين والصمدية بنيّة مفارقة الدنيا، أشعل سيجارة، ألمَّ به حنين إلى عياله فأخرج الصور الثلاث، أطرق لمشهد أبنائه، تغيّرت سحنته إلى ماتير دولوروسا ملسوعة الفؤاد، انتفض بغريزة الأبوّة وحفظ النوع: "والله الضنى حلو، يا ربّي دخيلك ما بدّي موت، أنا جار سيدي خالد، أنا معيِّش العيلة"
استطلع عصري بالمنظار فقال المصري: " محدّش شايفك، إنت بتدوّر عن شامة بطيز السنغالي"
صرخ عصري صرخة استنجاد فقال المصري: " محدش سامعك إنت بتودّن في مالطة".
نطّ الغجري إلى المستودع باحثاً بين الكراكيب عساه يجد لاسلكيَّ توكي ووكي، انسلّت يده لاشعورياً نحو الكرتونة، تناول قنينة شيفاس، دعم معنوياته الهابطة بجرعة ولبث يحتسي جرعات متوالية، مدّها إلى المصري فشرب، شربا من فم القنينة ثم خلع كل واحد حذاءه وصبّ فيه، أشعرتهما الويسكي بسلوى حميمة، جفّفت منابع الخوف، ثمل عصري و"جدبها" حمصيّة، أخذ يخدع الموت ويراوغه ويبكي ويضحك في فصاحة العبور من المأساوي إلى الملهاوي، فتل في الحضرة برقصة دراويش الميلويّة، ضرب على صدره وطلب المدد، جاوبه المصري "حي حي"، شنكلا ذراعَيهما وشرعا يرقصان رقصة الزار، يخبطان أرجلهما بالأرض، ثم تهالكا على الرمال وتمدّدا على ظهرَيهما هائمَين في كوكب خرافي، شعشع سرحان وبدت له الحياة متعدّدة الأشكال والأحجام مثل بابوشكا خشبية تُخفي في داخلها بابوشكات أصغر منها، وبدا الفراغ بطانة لعالم آخر أكثف وأعمق. حرّك الغليون، حوَّل السمكتَين إلى طيرَين، والجمجمتّين إلى رأسين، والمشنقة إلى أرجوحة، العصافير المتفحّمة جعلها حماماً أبيضَ فوق جمّيزة. همد عصري على ظهره يعدّ نجوم الليل، لمح بين الأضواء الثابتة، نجماً طيّاراً فتفاءل، رمشت رموش عينه اليمنى، سُمع صوت خفيف ضعيف متقطع، له رجع بعيد آتٍ من أعماق الصحراء، قلَّب سرحان عينَيه في الآفاق السود وأرهف أذنيه، إنه سكران لكن حواسه لا تخدعه، فليس هذا صوت ريح لأن ليس من ريح، كما أنه لا يحلم، وليس في كل مرّة يرى أسربة ويسمع هواتف...
ركض كل منهما بفردة حذاء واحدة، تعربشا بالسيّارة، أقلع سرحان، لفّ في استدارة حادّة، مرّر عتلة السرعة من الأول إلى الثاني إلى الخامس، دار مؤشر السرعة بسرعة، ونطّ عن الخمسين إلى الثمانين وتجاوز المئة، استطلع عصري الأفق بالمنظار وتوقّف عند جهة بعينها، عدَّل عدسة التقريب دوَّر عدسة التكبير ولمعت أسنانه الذهبية تحت العدستَين وهو يلمح سيارتين بطيئَتين في المدى والبعد، ظهرت أربعة خطوط متوازية على الرمال، لم يعرف سرحان الزر المناسب لصفّارة الإنذار فكبس عشوائياً على الأزرار كلّها، دارت المسّاحة، وارتفع الزجاج واشتغلت غمّازات الضوء ومثلث الخطر الأحمر ثم جلجل الصوت القوي المزعج كسيّارة شرطة في حالة مطاردة، اتّضحت "تويوتا ستايشن" في المقدّمة وخلفها صهريج، أسرعت السيّارتان قلقتَين مثل غزالتَين شعرتا بوجود صيّاد، ثم أطفأتا الأضواء، وافترقتا في اتجاهَين معاكسَين، اختبئتا وراء تلّيْن شاهقتين، تشعّب اللغز إلى ألغاز، هل هي دورية ليلية لحرس الحدود ؟ أم أنهم قطّاع طرق؟ أم صقّارون خليجيّون سكارى؟ أم هو الوهم المفترس والليل الشرس؟
وضع المصري يده على فمه بشكل بوق: "سايق عليكو النبي يمسلمين إحنه على خطر".
تردّد الرجع في أعماق الليل والصحراء، قفز عصري إلى المستودع، تناول القنبلة الضوئية وناولها للمصري، أمره أن يطلقها عندما يبلغ نصف المسافة الفاصلة عن المكمن، أمسك بندقية الصيد ونزل مترنّحاً كالسائر في نومه وفي رجله فردة حذاء واحدة، رفع سرحان يدَيه عمودياً بالقنبلة الضوئية، أطلقها، ارتفعت عشرات الأمتار ونزلت ببطء نوَّرَتْ السماء بنورٍ اصطناعي متوهّج بلون الخطر الأحمر، أضاءت المكان الذي انطلقت منه وكشفت "المتسوبيشي"، هبطت على مهلٍ، انطفأت، ران صمت مثير ومرعب كصمت المقابر خرقته قرقعة حديد، ثم زخّة رصاص من خلف التلّة، ثم من الجهة المقابلة، سُمع أزيز الرصاص في المدى الشاسع متواصلاً كمعركة بين الجهات الأربع، لبد المصري خلف المقود، أطفأ الأضواء، خبّأ رأسه بين ذراعَيه، حذر صاحبه : " إلطي يا بو دماغ الطوب، الجماعة صارمين بيضربوا في المليان".
" ما تخاف صوت الانفجار، الفشكة اللي بدها تقتلك ما حتسمع صوتها منوب"قال عصري بطمأنينة السكارى وتقدم بين الطيش والرصاص الطائش وأطلق صرخات حربجية سرعان ما ذوت في حنجرته وضاعت في دويّ الرصاص، أحسّ بشيء حاد يرتطم بكرشه، انبطح وتحسّس كرشه فلم يرَ دماً، أيقن أنه حجر طائش .
انكشف على ضوء القمر رجل ملثّم طويل نحيل مزنّر بحزامٍ جلدي مليء بالرصاص وفي يده بندقية "سمنوف"، وفي عنقه حجب وتعاويذ، انعكس ظلّه أطول على الرمال، بعد سكوت طويل قال : "إماهاغ.!
فوجئ عصري بالرطانة ولم يرد، فعاد الصوت يقول : " إنسلمن !
"...
" إيكفارن!
"...
" إمغارَن!
"...
إيميديوِن"!
انفعل عصري خوفاً، وارتعشت السبحة في يسراه، عاد المسلّح يرطن: "ماني س إد فالد"؟
ثم بصوت أقوى : "ماني س تيقيد"؟
شلّ الخوف لسان الغجري، عاد المسلّح يقول بعدوانية ظاهرة: "إنتَ شِ دَّوْرْ قايس ف أثرنا، أسقَانِين أَشبِيك أَشكُونْ"؟
توجّس المسلّح من المنظار والبندقية ومن صفّارة الإنذار، هرول إلى مكمنه، برز من الطرف المقابل شبح آخر يمتشق سيف تاكوبا، سدّد نظرة عميقة على الغجري، تقدّم فرأى فردة حذاء واحدة في رجلَيه وأوشاماً على ذراعه، وبرنيطة غريبة وعينَين لمّاعتَين وأسناناً ذهبية برّاقة، غطّى وجهه بالتملغوشت، تحسّس قلادة فيها حبّات عاج وتراجع صارخاً: "وحق ربي عفريت جن من كل آسوف".
انبرى ملثّم ثالث بيده كلاشن بقبضتَين، تبدو عليه القوّة الهادئة، قال لعصري : "إلـزم بلاصتك بو برنيطة أُلا تبوج".
تقدّم الملثم ببطء ومهابة، عالجه بجملة أوامر مقتضبة جازمة: "قرِّب جاي، أرْوَحْ،
"...
" نح البرنيطة عن راصك"
"...
" ارفع ذراعاتك "
".... .
" مرِّق اسباعك نعدهم الا أعودُ خَمْسَ معناهَ انك أنْسْ وامنين إعودُ أيدك خاصهَ شِ معناها أنك جن ".
فرد عصري أصابعه العشر انفكّت عقدة لسانه فتأتأ: "بْنادم وحياتك أخي، إنس وخير الإنس.، أمة محمد ولا إله إلا الله، يستر على حريمك يا محترم، برقبتي أيتام "
بربر الملثّم بعد عدّ أصابع كل يد : "عَظَّمتْ أسُّبْحانْ ولاهي إلا إنس أدَم مُلانا، وحق سيدي دغمولي امْنادَمْ بحالنا ".
دقّق في الغجري عن كثب فرأى سبحة تتدلّى بعضده، وحجاباً في أعلى ذراعه العارية. توسّم فيه ملامح درويش جوّال من الصوفية الجائلين بزيارة الموسم والخرجة، نكّس البندقية غمغم: "اللهم اغفر للذي كان ملاذ الإنس والجن شيخي الجيلاني، سيدي عبد القادر راه ما يغلبك لا زيد لا اللي يزيد (صفر صفرتَين) أسنوسي أمحمد الخير، يا ناس ما كان باس، أراجل من المريدين معاه السبحة القادرية، ماهُ ديوانه أُلاهُ من المستترين".
قال لعصري: "يَا الْخَالِقُو عليك الأمان، أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
أقبلت "تويوتا ستايشن" هبط منها أبو السيف، ومن الصهريج ترجّل أبو السمنوف. تكلّما في وقت واحد: "سيسم ان يلا امساروف... ما تولام؟ إيدداهِن، ما توليد ؟... لا باس أرَّجُل ،كه داير! سابا! ...مجروح مخالقشي! ...الطونوبيل بخير! صاحبك بخير! ... انشالله ما تآذيت".
عشّشت الطمأنينة بين أهداب عصري، حملق في وجوه الملثّمين كأنها وجه واحد للمهدي المُنتَظَر، ترجّل سرحان من السيّارة رافعاً يدَيه: "تعمر مصطبتك، يطرح وردك، يدوم عزّك ، تاهت ولقيناها، سبحان من جعل الهدهد للطريق هاديا
تحوّلت المواجهة إلى كرنفال، حملق أبو الكلاشن بالغريبين السافرين: " يلطيف، آن رَيْتْ أعشاش أنُّسور في هُكّار، أرَيْتْ أنَّعامَ وأتماسيح، أرَيت الحوت يسبح في قَلْتَ بالصحراء، لكن معمريش شفت أعجب من هد لجماع، منين جاو من nulpar "!
أبدى صاحب السمنوف استغرابه: " أنكرويابْلْ ! الدنيا مليانة عجايب، آنا شَفْتْ أسْبَعْ وقرقاف، شفت البحر يدخل في الصحراء في طانطان، شفت لفعى تصرط معيز، لاكن مَعُمري شفت فقرا مريدين في الصحرا ( للتّائهَين ) انتوما قايسين زاوية كنتة! ول زاوية الشيخ بن لِكْبير بأدرار! ول زاوية سيدي الشيخ بعين صالح"؟.
و"جدبها" عصري حمصية، تواجد بدواعي الحال وتشاطح : "أينعم أنا داعيك أبو حذيفة النعمان، الضايع بَدالو واحد ضايع تاني، شيخ السجّادة السعدية من أهل الخرقة الجندلية وهذا مريدي درويش بن حجر آخِذْ طريقة سِبحانية".
"أيوه أنا جلمود بن صخر من حرافيش الباطنية وده شيخي أبو حنيفة النعسان بتاع جنجلوديه، خطى كُتبت علينا ولا بد من مشيها، السفر أعلى درجات السلوك ومن لا يسافر يعتبر عند المحبّين ناقص سرّ، ولسّه ياما هتشوفو كرامات".
عانق عصري صاحبه: " عمرك بقي يا شقي، بابا درويش قلبي لا يغفل عن ذكر الله، أحبّك في الله يا أخي".
"أحبّك الله الذي أحببتنا فيه، بركاتك يا شيخي أبو الغلابة،، ربّك لما يريد، وحِّدوه".
اتسعت عينا حامل السمنوف وهو يبصر فردة حذاء واحدة في رجلَي كل منهما: " سبحان اللاه العاضيم، الي موالف بالذكر ينسى صباطه".
"سيادتك، فلتت من أرجلنا ونحن في الحضرة نضرب بها مدد (بعالي الصوت) مدد يا سيدي الحسين يا صاحب القبرين مدد، يا كحل العينَين يَمُّ هاشم مدد ( للملثمين) للحياة سرها الباتع،! يعني حظ نحلتين بالاصطدام بالفضاء الكوني أكبر من حظنا بلقياكم في تنزروفت
قال حامل الكلاشن : " يا شيوخنا راكم في الدزاير تايهين بين عين صالح وأدرار".
استغرب الغجري: "يوه معقول! أي والله كنت مخمّن الجزائر شوية جزر ببحر مو صحرا هالشكل".
وأنزل أبو السيف حصيرة وبرازيرو ومعاميل الشاي، وآلة امزاد موسيقية ذات وتر وحيد، عكف يشعل النار. قرفص حامل السمنوف عند دولاب الصهريج قال بحكمة أهل الصحراء: "اتريق متل الحيّة ال يعرفها يقتلها وال ما يعرفهاش تقتله، ولاكن الّي يخلق ما يضيع، الحي لا بد يلاقي الحي".
سأل عصرياً هل هو من الزاوية التيجانية أم من القادرية؟ فقال من زاوية "كل مين إيده إلو". أمطرت الأسئلة: ما اسم بلده؟ أجاب: "حمص أم الفقرا والدراويش والزوايا والتكايا". من هو الأمنوكال فيها؟ فقال الشيخ أبو الهدى الصيّادي. أحرجوه بأسئلة في الشرع فتملّص وقال إنها تحت مستواه وتليق أكثر بتلميذه المريد درويش. ابتدروا سرحان بالسؤال عن بلده، فقال: مصر "عشّ الأولياء والصالحين". من أي دشرة في مصر؟ قال:"أسيوط أم العباقرة". كم عدد نفوس مصر؟ فقال:70 مليوناً، مليونين منهم يسكنون في المقابر. سألوه هل التهريب حرام أم حلال؟ فقال: يعتمد الأمر على نوع المفتي، فمن يقبض راتبه من ضرائب السلطان يُفتي بتحريمه ومن يقبض من خيرات المهرّب يفتي بتحليله. خاضوا به في أسئلة عن الأحكام والعبادات فتهرّب من الإجابة متذرّعاً بأن الصوفي يتوسّل علم الحقيقة لا الشريعة، سألوه عن طريقته فقال: "الطريقة الستيواسيونيست الوجودية النيهيليستية". من يكون مقدّمها؟ فقال: "شيخي عبد السارتر بن عبد الموجود قدّس سرّه". سألوه عن خصائص الطريقة، فقال: " أسبقية الكينونة على الماهية، ورفض الاحتواء والقمع الجنسي " التفتوا نحو المتسوبيشي، سألوه: من أين هذه "الطونوبيل"؟ فأجاب: "من عند الله وهو يرزق من يشاء".
انطلقت الاسئلة بالاتجاه المعاكس فاكتشف المشرقيان أن الملثمين طوارق تربندو، من جماعة " أشومار" أسماءهم حيبلله وسنوسي ومحمد الخير، يهرّبون دخّاناً إلى الجزائر ووقوداً من الجزائر، يحمّلون الصهريج نفطاً في مشوار الذهاب، وفي الإياب يحشون جوفه بخراطيش "مارلبورو" مزوّر و"غلواز" و"ليجند". حرّك حيبلله اللثام على أنفه بطريقة توحي أنه ليس مجرّد غطاء لإخفاء الوجه بل وسيلة لإظهار المشاعر، وتكلّم على أصل الطوارق قائلاً إنهم من مسوفة من حِميَر اليمن جاؤوا الصحراء الكبرى بعد انهيار سدّ مأرب.
اتكأ سنوسي على جنبه، رسم على الرمال طلسماً من أحرف تفناغ، مذراة لها رأسان، صحّح قائلاً إن الطوارق بطن من البربر، ينحدرون من تين حنان أمّهم الكبرى.
أضحك محمدَ الخير انشغالُ صاحبَيه بنبش جثّة التاريخ، أزاح اللثام فظهر وجه أكثر سمرةً منهما، وقال إنه حرطاني من البيلة الصوانك، يتعرّب مع العرب ومع الطوارق يتطرّق، ولا يهمّه عدنان وقحطان قدر ما يهمّه بلوغ أدرار سالماً بدخّانه والإفلات من رقابة الفرقة المتنقّلة للجمارك المتربّصة خلف العرق.
وعلى سيرة الجمارك ارتعد حيبلله ونزع المنظار من رقبة الغجري ودوّره في الأرجاء، عبث بعدستي التقريب والتكبير، راق له لأنه " إنفراروج" ويبصر في الظلمة، أرخاه على صدره بين جملة الحجب والتعاويذ كملكية شخصية.
وضع سنوسي عينه على بندقية الصيد، واستولى عليها لأنها اكثر أناقة وخفّة من السمنوف السوفييتي.
رفع الحرطاني إبريق الشاي من دون احتفالية وصبّ في الكؤوس قبل أن تخمر وعينه على المتسوبيشي، قفز إلى مستودعها قفزةً من نوع "إذا فاتك اللحم عليك بالمرقة"، حفن من الفواكه المجفّفة، أخذ قنينة زيت الزيتون وشرائح قمر الدين وأدوية، وصرّ الغنائم في سجّادة الصلاة. توقف عند الكرتونة، شمّ رائحة خمرة من فميهما شكّ في انتحالهما: " وحق راس سيدي البخاري اذا انتوما من الفقرا مولات الخرقة فأنا راني بلال مؤذّن الرسول".
أمالَ الغجري فمه في ابتسامة ساخرة وقال قد اكتنفته الفضيحة: " لك هاي ريحة الزهّاد، من كتر الأنين والدعوات والتضرّعات، نحنا جماعة أوادم ملتزمين منشرب على الطريقة الإسلامية... أخي أبسمرة خود الغرض اللي بيعجبك بس استر علينا"
أزاح الحرطاني اللثام عن وجهه بابتسامة توحي بأنه أجرأ من صاحبيه الطارقيين على اقتناص اللذّات، وأقل اكتراثاً بحدود الله، تناول قنينة نبيذ وفتحها بخبرة العارفين وجرع منها ثلاث جرعات كأنه يجرع ماءً، انفرجت أساريره النواسية، استولى على التيرموس والناموسية واللوكس والساطور والسخّان، هبط لتوّه ونزع نمرة المتسوبيشي السياحية بضربة تورنفيس وثبّت مكانها لوحة تسجيل جزائرية وعلامة ولاية أدرار صفر واحد درءاً للاشتباه، وملأ خزانها من برميل الوقود، صلّوا الفجر جماعة، ساق الطارقيان الصهريج و"الستايشن" وساق الحرطاني المتسوبيشي وانطلقوا قبل أن يُصبح الصباح.










الوادي الخامس
ويتشعّب إلى واديَين:
أدرار وبشّار









أدرار
وادي العشق

أول مكان يقصده بحّار بعد طول متاهة في أعالي البحار

تهادت المتسوبيشي في الطريق الوطني رقم 6 وراء الستايشن وأمام الصهريج، أشار السائق الحرطاني إلى جِمال أفخاذها موسومة بأحرف تفناغ قائلاً إنها لأولاد "كل احميلان"، أشار إلى بيوت بلاستيكية تلمع تحت الشمس وقال إن بعضها مزروع بالطماطم والخيار وبعضها الآخر مزروع بالقنّب والعفيون.
انكشفت مساكن شعبية مبينة على نسق واحد بالطوب الاحمر لإنقاص أشعة الشمس، بدت أدرار كأنها متروبول بمقاييس تاودني، صرحاً لا يستمدّ عظمته من ذاته وإنما من الخواء المفضي إليه (لو نظرا إليها من فوق بعيون أبناء التلّ فإنها لن تعدو كونها دشرة منسية لكنهما نظرا إليها بعيونٍ ألفت عدميّة الصحراء) عند سور المدينة أخذ الصهريج والستايشن اتجاهاً مغايراً، لوّح حيبلله وسنوسي بأيديهما تلويحة وداع وولجا حيّ "إبْنِ واسكت" بينما دخلت "المتسوبيشي" من تحت قنطرة بوّابة رقّان، خاضت في شوارع عريضة بين سيّارات "بيجو" عتيقة، جاوزت فندق توات اقتربت من سويحة يتوسطّها مزار ولي مطروش بالكلس، تباطأت قرب سوق دينار، شقّت طريقها بين بسطات وقفاف عامرة بتمور وطماطم وتوابل وحبوب وفلفل. بثّت مئذنة المسجد الأعظم أوراداً ممهّدة لصلاة الجمعة (التربندو يتعمّدون دخول الدشرة في هذه اللحظة والشوارع تفرغ حتى لا يثيروا انتباه الوشاة والجمارك). لمح سرحان صبية متلفعة، حملق بها وهي تشد الملحفة على جسدها وتظهر تضاريسه الخلفية، بدت من بعيد تكثيفاً لشرق سري غامض يبدأ وينتهي عند أسوار الحرملك، وبدت مهيِّجة أكثر من صور الكتلوغ، لمعت شفرة رغباته على خيالها وهي تذوب بين المارة، وانتصب قضيبه على اللاشيء، انفلشت الشحنة الإيروتيكية بالجسد المضاء، تحرّكت الحيّة المقدسة على واجهة المعبد الفرعوني، امتلأ الرأس بالصور فتحرّك الغليون في رسمها: نساء عاريات وخيول تحمحم وغيوم لها أشكال جنسية دنيئة، أسرّ لصاحبه: "بقولك ايه يبو العم، عاوزين حضرة من نوع تاني".
ابتسم الغجري الذي كان يهجس بالهاجس ذاته "عمرك أطول من عمري .... بس وين بدنا نلاقي كرخانة هاليوم الفضيل، بلد اللّاوية كلها جوامع".
"اتطَمِّن يأنْكِل، الحته اللي فيها جامع واحد هيتلاقى فيها كرخانتين". قال سرحان والتفت صوب الحرطاني السائق: "عايزين نستشيرك بموضوع حساس كده يبو الخير".
مدّ عصري رقبته: "إي أخي أبسمره ، دبرلنا شي قَعْدِه على كيفك (غمزه)... يجلي صدى قلبي ضبيح الكساكيسي".
رفع الحرطاني يده عن المقود وضربها على صدره: "تشرفوني تاكلو كسكسي عندي في الدار، مرحب بيكم".
"بلاش الدار بتاعك، يا ريت تشوفْلِنا حتة كويسة للنعنشة، عاوزين نفرفش، إنت فاهم قصدي كويس... طيش شَباب".
قال السائق: "فاهمك فاهمك، نروحو لأطراف الدشرة كاينه لخضوري وماء جاري وهوا منعش وجو شْباب".
مّرق عصري لسانه بين شفتيه: " سلامة فهمك، قصدي البرغي اشتاق للعزقة "
نظر السائق إلى دواليب السيارة ثم نظر إلى المسافرين بحيرة، زفر عصري بفارغ الصبر : " بدنا نغيّر زيت، يعني بالعربي الفصيح، الكرخانة قصدنا وإنت السبيل".
أكد الحرطاني إنه يعرف مكانسيان عنده كراج خانة في حومة الحطابة، فشخط المصري: " زيت البتاع يا بتاع مش سيارة".
أولج عصري إصبعه الأوسط في الدائرة المشكّلة من إبهام وسبابة اليد الأخرى، مرّ من الكناية إلى التصريح: "وينك أخي أيَّرَتْ معنا، يعني بالعربي المشبرح بِدْنا نْنيك، بتعرفلك عنوان محترم للطعريس، سوق شراميط، كراخانة، كاباريه، بار، نايت كلووب، ميماس، حيالله، ماخور ماخور".
"أها! بغيت تحوي، ماخور ماخور ! يا خويا إهدر العَرْبِيّة وقول بورديل". قال الحرطاني ونظر إلى قنينة العطر فكّر أنها فرصة لاستخلاصها، تبحّر فيها وفيهما بنظرةٍ مائلة: "كم قبة تزار وصاحبها في النار، واه يلكداب يا لحية العتروس، ما تحشمشوش، أدرار دشرة محافظة فيها زردات ومزارات وحريمها لفروجهن حافظات" .
أعطاه سرحان قنينة العطر فأزاح اللثام وظهر وجهه الأبنوسي كخشب السانغو، لمعت فيه مخايل الطيش والخلاعة، ليّن موقفه: "أنا نْوَرّيلك الزنباع وين يِنْباعْ، كاينه واحده هجّالة فاتحة دارها للرجال".
ثم سدّد نظرة هادفة على علبة السيجار، اقترح عليهما أن يصلوا الجمعة جماعة ًبالمسجد الأعظم ويقصدوا البوردل بعد الظهر. تنازل له المصري عنها: " خدها بس ما تدخلناش فدوامة سين المستقبل واللاء النافية للسكس، حيّ على النكاح حيّ على الملاح ".
خشخش عصري حبات السبحة بوجه السائق " وينك أخي أبسمرة، إحنه الحماصنة منصلي الجمعة يوم الأربعا، بأى بحياتك روح دغري عالماخور الأعظم".
ضحك الحرطاني غيّر الاتجاه، ودخل في طريق ترابية، باتجاه بيت النزوات الطارئة في أطراف البلدة (الماخور يقع دائماً في الأطراف بينما المسجد في الوسط) وضع سيجار بين شفاتيره الغليظة وأسنانه العاجية: "مزروبين بزاف يا دين الزب، راني فاهمكو صان بورصان، نورمال ، ذاك الشي ما ينشبع منو قلتو تعمي وكثرتو تعمي".



وتعلّم وتعلّم ثانية من النساء، وخلّي السلاح صاحي

توقّفت السيّارة أمام بيت مسوّر، انفتحت كوّة في الباب الحديدي العريض وأطلت منهما عينا الفيزينوم المتفرّس، عرف الحرطاني ففتح الباب على مصراعيه، ركن محمد الخير "المتسوبيشي" في رحبة نخيل، شدّ على يد القوّاد، ثرثر معه كلمتين بشأن الزبونين، أوصاه بهما، انكشف الماخور من الداخل (الدار الوحيدة في أدرار التي ينفتح فيها الحرملك على السلملك). ظهر في الصالتَين الأرضيتَين خليط من سقط المتاع البشري، صيّاع، بطّالون، مهرّبون، عزّاب ومتزوجون تلمع أعينهم بالخيانة الزوجية، ونساء بغايا من تلّ يمارسن المهنة إياها بعيداً عن الفضيحة.
صحيا بعد غيبة ست أشهر، وجدا نفسيهما في واقع أكثر واقعية، نظرا بغبطةٍ واسعة إلى العالم الصاخب والحياة المتجدّدة استسلما للدهشة البكر أمام صندوق الدنيا وتحوّلات الأمكنة والأعراف (البارحة صادفا رجالاً ملثّمين لا يظهر منهم غير أعينهم والآن نساء شبه عاريات لا يخفين حتى فروجهن) استرقّ سرحان النظر للصروح الحريمية المكشوفه أمامه عاضّاً الغليون بلذة جنسية . جاءت القهرمانة مدبّرة الماخور، امرأة سبعينيه شرسة بين شفتيها سيجارة مائلة، على وجهها آثار ندبة عميقة وبقايا جمال ووهرة ضابعة للرجال، أمعنت النظر فيهما وتوسمت من ذقنيهما ملامح مطلوبين مشتبهين، أسَرَّ لها القواد ببضع كلمات، أشار بإصبعه إلى المتسوبيشي المركونة فتحولت تكشيرتها إلى ابتسامة، اشتمّت بأنفها المعقوف صفقة مربحة (حاسة شمّها متطورة جداً تشتم حتى طمث المومسات) عادت ترحّب بصوتٍ فيه بحّة مسترجلة: " زارتنا البركة مرحبا ببلد المليون شهيد، سافي بليزير، (غمزت غمزة خفيفة) عندي سلعة تعجبك يا بيه، بنات أحلى ملعسل وأجمل ملقمر، لحم شْباب ورخيص، بريميير شوا ودوزيم شوا، هيا نديرلكو آمبيانس".
وضعت إصبعين في فمها صفَّرت صفرتَين متباينتَين صوب الغرف العليا، ثم نهرت زبوناً من أولاد البلد وطلبت منه أن يخرج ويشرب كأسه في الرحبة، أسدلت سجفاً حمراء لتفصل بين المشرب والصالونين، وضعت أمامهما على الطاولة قنينة عرق لاقمي وأربع كؤوس ومزهرية من أصص أزهار بلاستيكية، وشمعدان فيه شمعة واحدة، أضاءتها في وضح النهار، دوّرت المروحة السقفية، جرع سرحان من الخمرة وتقزّز ،لم تستمرئ إمعائه عرق النخيل بعدما والفت على الشيفاس، جلس صامتاً يعدّ على أفتار أصابعه، انتابه قلق مفاجئ لا لأنه سيعمل شيئا خاطئاً وإنما لأنه سيقوم به للمرة الأولى، شال الغليون وحرّكه ورسم في الفراغ نيلاً عميقاً زاخماً، ورسم حطام مراكب وتنانين وقلوع صواري وجثث غرقى، جرع جرعة معتبرة من اللاقمي ليطرد الخجل واعترف أنه غرّ بأمور النساء، شجّعه عصري: " خدها قاعدة أبشكيب: النيك زي ركوب البسكليت متى ما تعلمته مرة فلن تنساه منوب".
دخلت امرأة ذات شعر طويل مصبوغ بالأشقر، ومَوْمَسَة عريقة تشعّ من عينيها، وتبعتها صبية بصدر يرجرج تحت ستيانة لاتكس، لعبتا بطاولة البيبي فوت، وتعوّجتا مثل علامتي استفهام في خلاعة مقصودة، حط سرحان عينه على الأصغر عمراً، تخيلها عارية وأخذ يلحس عسلها الذي لم يذقه ويستمرئ القبلات التي لمْ يتبادلها.المضاجعة التي لم يبدأها صبّ من القنينة في الأقداح وفرك يديه: " مزّة مزّة بصراحة، شفاه متمردة على الألوان، خدود يغار منها الورد".
انتبهت الصبية إلى لهجته عرفت أنها هي المقصودة فقعدت قدامه، وقالت وهي تدهن شفتيها بإصبع الأحمر: "صعيدي"!
"أيوه صعيدي من الصعيد الجواني، وبحبّ المنجا والشعر والرحيل والمزاج العالي".
" أول مرة نشوفو صعيدي برة التلفزة، أنا مدموزيل خروبة، عارضة أزياء أشتغل ممثلة سيما بعد تخرّجي من المسرح".
" عاشت الأسامي يسُكَّر، محسوبك ضابط مهندس حكيم عيون، شغّال في كميوتر بعد تخرجي من الآداب قسم بيطري".
وقعدت الأخرى قبالة الغجري: "أنا مدام مديحة مغربية، فنانة بتاع كلو".
أزاح عصري البرنيطة وانحنى بمسرحية: "أهلا وسهلا ومرحبتين، داعيكي عصري تاجر سوري بالجملة، هذا سرحانوف شاعر بالمفرق".
رمقت المطرونة المومستين والزبونين وقنينة اللاقمي المملؤة لنصفها : "مصري سوري دزايرية مروكية ،ناقصكو سي عمر موس ... واش تشربوا يا لِبْنات وسكي ول روج"؟
"الله يرحم المرحوم كان يجيبهم ف الجوج وسكي وروج". ردّت المغربية ولزّت بعصري وأكملت: "الشامي بتاعي حِنَيِّنْ، بلاي بوي يشبه لشعبولا، كوي عالبخار".
مالت خرّوبة على سرحان: " بتاعي أحلى، صعيدي جدعنه وخفّة دم، رجاله بشنبات فشر نور الشريف ".
ثم شبكت أصابعها فوق منكبه وتباهت : " مصر أم الدنيا " .
زايدت المغربية وهي تلتصق بغجريها :" والشام أبوها" ".
صبّت سرحان لجزائريته ثم سألها أين تعلمتْ المصرية، تخصورت، حرّكت منكبيها مقلّدة الممثلات المصريات: "الله دي عايزة سؤال... في المسلسلات يا بيه".
عمّرت المغربية الكأس لعصري، سألته هل يهدر فرنسية ؟ فقال إنه يحكي حمصي وحلبي ولبناني وكردي وعازوري .سألته أين تعلم هذه اللغات نكع ذراعه الموشوم: " الله دي عايزة سؤال يا ست هانم ... مع البويجية وحرامية الكراكون ."
طلبت منه أن يحكي كردي قال: "إنت واحد قمر، إنت يحب كل نفر، أنا مايشوف إنت، أنا يموت قهر، إنت لو ينسى أنا، أنا يبكي مطر".
لزّ بها ليختلس بوسة فأشاحت وجهها ""بوسة بخمسة وتلاتة بعشرة... عندك فلوس"؟
" عندي أموال ما تاكلها النيران، عمارتين وسيارة وعشر تلاف فدان من حمص لحماه".
"ما دام كده هات لي شْراب، أكشن كل لحظة وانت حبيبي يا شعبولا".
خشخش السبحة باتجاه البترونة: "نزلي شَنْبان يا مدام سليمة، ونزلي معاه أورديفر مازه فسدق حلبي وموالح ومخللات ".
أقبلت مدبِّرة الماخور حاملةً صينية وفوقها كؤوس كريستال وطاس فيه كرتة محمّصة ، اقتربت مديحة من القفص وداعبت الببغاء فزعق "ديحة"، مدّت خرّوبة يدها فزعق "روبة"، مدّ سرحان إصبعه فنقره ابتسمت خروبة: "ذكرتني بصعيدي حبيبته أهدته ببغان، تاني يوم حبت تطمن عليه فقالتله كيف الطير قالها عادي طعمو زي الدجاج".
قهقهت البترونة : "موتتيني ضحك يا خروبة بنتي، نكته تانيه الله يرحم لْوالدين".
"صعيدي شاف بتاع وحده سألها إيه ده؟ قالتله ده نار جهنم، مسك بتاعه وقال طب حطي الكافر ده فيه".
غشيت البترونة من الضحك: " زيدي يا بنتي زيدي".
"صعيدي واقف في الشارع بيعمل حمّام ومطلّع بتاعه، واحدة ست ماشية سألته إيه ده؟ قلّها عَدّي متخفيش أنا ماسكه".
"علاش الصعيدي يترك البورطابل خارج الشبّاك.... ينتظر مكالمة خارجية". قالت خروبة ثم رمقت سرحان وهي تضع راحة يدها على ردفها: "أماّل ياختي صعيدي وراكب مِسوبيشي، أحلى نكتة... معاكشي بورطابل يا ددع"؟
قرعت كأسها بكأسه كأنها تعتذر ، سألها عما أوصلها إلى هذه المهنة فاعتدّلَت بجلستها وانقلبت ملامحها إلى باسيونارا متمردة قالت إنها بسكرية من قبيلة أولاد نايل، أجبرها والدها على الزواج من شيباني، ، هربت منه وقرأت إعلاناً بجورنال عن هوطيل يحتاج لخبيرة تدليك ووقعت على الشيخة .
احتست من الخمرة امتزجت في عينيها الكبرياء والعناد والمشاكسة، أكملت بنبرة كيدية : " ألوث نفسي نكاية بالمجتمع المنافق، بحياتي أؤجر جسدي للرجاله المحرومين بعد موتي سأبيع جتتي لكلية الطب والتشريح، جسدي ونه حرة بيه
رفع سرحان كأسه في وجهها: "أحيّيك وأشرب هذا العصير على صحّتك، إنتي فكرتيني بالروايات التي تتخذ من أسماء البطلات عناونين لها مدام بوفاري وجين آير ً".
ترقق صوتها كالممثلات محوّلةً الطاء إلى تاء : " بكل تواضع أعترف أنا قحبة ساقتة، مُنْحَتّة ".
"حاشاكي يا بتّة، إنت أروع بِتْ بالعالم ، جزمتك أشرف من عمائم شيوخ الأزهر، إنت عظيمة وأعظم ما فيكِ إنك، إنك... متمرّدة ومليانة كبرياء" بهذه الكلمات غمغم سرحان نقل الغليون إلى الطرف الآخر من فمه، وأكمل بلغةٍ أنثروبولوجية رصينة: "المجتمع هو القحبة، الظروف، أنا شخصياً أعتبر الجنس فلسفة وجودية محررة أقترح أن يكون مادة مقررة بالمنهاج المدرسي بدل الشريعة "
" بسراحة يا حمام، أنا سارحتك بكل تفاسيل حياتي، مخبيتش عليك حاجة".
فهم أنها تحثّه على الكلام، أفرغ الكأس في بطنه وشرع يردد كليشيهاته كالببغاء: " انا الوعي الشقي، الشاعر العدمي الهدّام حاوي الكلمات، أستاذ حقيقة ومجاز أستاذ في التاريخ وفي التاريخ أستاذ".
علّقت البترونة من خلف الدكّة : " بوئيت نتاع زبي، عستاد في الماصطورباصيون ".
سألت خروبة زبونها ما الذي أودى به إلى تمبكتو؟ فقال: "الصدف، ما لقيتش عمل يناسب مؤهلاتي الأدبية فحملت شاكوش ومسطرين لميدان رمسيس مع عمّال التراحيل، جا كميون ليبي نزل منه مجاول أنفار، حشرنا نفر صعايدة بالقلابة وغرَّب بينا لما وصلنا طبرق دلقنا من الحاوية، تطحبشت، ما خليتش، سبِّيتْ الدين والليبيين ليوم الدين".
"يا نهارك زي الطين... وبعد كده يَا حْمام"؟
"زهقت من المجاولين، قدمت طلب لأمانة التعليم فأوفدوني للمدرسة الليبية بتنبكتو مدرِّس لغة وتاريخ وجغرافية ودين".
"دين! إنت دين! حاجة تحيّر، إزاي صرت ملجماعة الملحدين"؟
"كده ونا عَيِّلْ صِغَيَّر فالكُتَّاب أكلت فلقة بالنبّوت عشان تأتأت بسورة وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين".
" إنت نكتة حلوة يا حمام، أنت أول شاعر صعيدي يمرّ على البوردِل".
سألته هل هو من أنصار الشعر الخالص أم الملتزم فأجاب: " الشعر الخالص التزام بالحياة.
سألته أين ينشر قصائده؟ فقال: " بجريدة الحائط ثم في بريد القراء، آخر ديوان لي "أرق السماوات" طبعته على حسابي".
ألقت عجيزتها على فخذه، وداعبت شفتيه: " عاوزة أسمع من البقّ ده قصيدة حب رومنسية".
"كفاية بلاغة يا بطة، ليست القصيدة أجمل النساء بل هي المرأة أجمل القصائد، العربية لغة دين وبطولات مش لغة ذات وانكسارات، لغة ذكورية لاهوتية تفتقر للحميمية، تلاقي فيها لله وللبعير مئة أسم ومتلاقيش مفرد نساء (شهر الغليون وحرّكه) على العموم الكلمات لا تعبر عن المشاعر لكنها تعبأ فراغ الصفحة، خيالات ومشاعر اللحظة أرسمها بالغليون، تقنية التداعي الحر".
قطفت خروبة فلّة من تنكة زريعة شكلتها وراء أذنه قبّلت خده رمقته بحنانٍ حقيقي: "تعجبني هشاشتك، إنت وسيم وتشبه توت عنخ آمون، عيونك واسعة زي عيون الفراعنة المرسومة على ورق البردى".
نظر إلى وجهه عبر الزجاج رأى أن الشرنقة القبيحة قد تحوّلت فراشةً بديعة، إنه وسيم فعلاً وإن إحساسه بالبشاعة صادر عن كونه صعيدياً أكثر مما هو صادر عن قبح موضوعي، وغالب رغبة قوية لمعانقتها، شعر بجرثومة الحب تتفشّى في قلبه، قال وقد عقد الوجد لسانَه: " أنا مع الرجال أقسى ملحديد لكنما معاكي يا بطة حاسس إني أهشّ من وردة،....
انفعل بالمشاعر الحدّية وبكلّ ما يحصل عادة مع قصص الحبّ الكبرى خرج صوته الأنفي باتيتيكياً كرنّة بزق مجروح: " أحبك للثمالة ، أحبك أكثر من التبغ والأشعار ومن العشق والخبز وهبوب الياسمين".
نهره عصري: " من كل عقلك ! إصحا يا ولد، إحنه بكرخانة، حشا السامعين".
ابتسمت خروبه: "ديجا يا حمام عمرك ما شفتني أمال حبتني إزّاي، كده من أول مرة، نضرة فابتسامة فموعد فلقاء".
كتمت البترونة ضحكة ساخرة عملت لخروبة بإبهامها إشارة تفيد معنى الدلق، فنظرت الأخيرة إلى الأقداح الفارغة ثم إلى زبونها: "إزاي حبّتني للثمالة وانت مزال ما ثملتشِ، هيا اشرب بصحة حبّنا، وهاتلي باسيتس ريكار".
"مدد، نزّلي باستيس ريكار يا ست هانم، إسقينا من خمور الأندرينا".
لم تكن البترونة بحاجة إلى هذا الصراخ لتأتي بالطلب فقبل أن يطلب كانت واقفة تصبّ في الأقداح الأربع
انفعلت خروبة بصوتٍ أشهى من العادة: " معقولة واحد مثقّف زيّك يعشق بروسططويه خاطئة ومحقورة مصيرها جهنم"!
"من أنا كي أخَطِّئِك ومن أنت حتى لا تخطأي، الأخلاق كذبة اخترعها الفلاسفة مع جملة الأديان للسيطرة على المجتمع "
مالت المغربية على الجزائرية: "خدي بالك يا خروبة ياختي من الشاعر بيّاع الكلام، ده عشيق مسيكين حزقان بيقوللك يحْبيتبي علشان عاوز يحويكي باطل، أنا باريقزامبل الزبون بتاعي يدلعني يقحبتي يا فضيحتي بعد كده ينام معايا ويدفع كاش عملة واعرة
خلطت خروبة الثملة ويسكي مع باستيس وبلعت ثم قالت: "أنا عاشقة ماشي فاسقة، منبغيش حساب بالديفيز، بركه عليا حقوق المؤلف، تكفيني خبزة وبصلة وقصيدة".
عادت المغربية تحوط غجريها بذراعيها: " أنا حْبيبي شعبولا، مول الفلوس والسيارة والبيت والعسل والزيت "
"كدّابة وستين كدّابة،: عشاقة بالكلام مكاش تقة فيكي، بطلة في التقحبين، الخبت عندك غريزة في الدم، لا بركة في القحبة ألّا نيف لها". قالت خروبة واحتست جرعة اخرى، أكملت بفرنسية لا تتناسب مع حدة انفعالها: "فيف لالجيري، فيف الشهدا، يسقط المخزن والشلح الراصة الخامجة".
تمايلت مديحة بخلاعة: " واش كبَّر شادي عن بني عمه".
ضربت البترونة كفاً بكف: "تدابزو هيا يلقحاب، وخا يخروبة بنتي، مديحة أختك راها تخدم عالدراري ديالها".
"مالا تحمد ربي والبلاد اللي لقات فيها الخبزة، دزاير كه كانت بقرة جريحة حبوا يذبحوها، كه شفيت حبيوا يحلبوها". زمجرت خروبة ثم صرخت بصورة الرئيس: "فلقتني يبوتفليقة، واش بيك يزبي، تحل لِحْدود باش لمراركه يجيبولنا زطلة ومزريا وبروسطوطوسيون".
قال سرحان : "والنبي يا بنات تخلّونا من البولوتيكا ".
نظر عصري إلى الصورة المعلقة فوق البار، قال ليغيّر اتجاه الحديث: "منو هاد العرصة القواد شيخ المهربين! الكرخنجي "!
غمغمت البترونه بقرف: " هاد لاكسلانس بابا عزيوز مُولَ الدزاير، يوزع بركاته عالقحاب باش يزيدلو عهدة تانية".
قال المصري: "مش كتير عهدتين، إحنه الباشا بتاعنا جدّد خمس عُهَد، لسه ناوي يحكمنا طول عمره".
زايد السوري: "أي إحنه ريّسنا بعد ما حكمنا طول عمرو، صار يحكمنا من قبرو".
أفلتت البترونة لسانها ضد زعماء العرب : " ننيك أُمّاتهم قاع ملموحيط للخاليج، يلعن باباهم طحانين عطايين خماج
قرعت خروبة كأسها بكأس صاحبتهاكأن شيئا لم يكن، تراخت مديحة على عصري بغنج: "شعبولالالالا"!
"روحوو، روحووووو"!
"زعلانة منك يا شعبولا أصلي خوّرت ملجوع، أكشن يا حبيبي اتصرّف
خشخش عصري بالسبحة للبترونة فجاءت وفي يدها ورقة الطلبيات وقلم الرصاص، توحّم سرحان : " نفسي هافّاني على ملوخية بفراخ وشوية بسطرمة ضاني يست هانم "
ضرب عصري على بطنه : "أنا جاي عبالي أومليت يحماتي .
زاودت خروبه :"هاتي لي دجاجة محمرة وشوربة بالقصبر علشان الريجيم يمعلمه .
ختمت مديحه:"وما تنسيش الطورطه والديسير يلالا سْليمه
أطلت البترونة من النافذة للرحبة وضعت إصبعين في فمها وصفرت باتجاه القوّاد، أمرته أن يأتي بكسكسي لأربع منادمين، رمقتهم بازدراء مع تركيز خاص على المصري: "روح كول الفول روح ،حاسب روحك برسطوران مكسيم".
مالت الجزائرية على سرحان مادّةً يدها: "وماله الفول المصري، فيتامين نارر صْعيدي كامل الدسم 120 فولت".
بلع عصري حبّات "فياغرا" لاستنفار قوّته وصرخ : "خلي السلاح صاحي ... شحو فاتح بلاد العرب والسنغال، ".
ابتسمت البترونة: "هذ هي سناح العرب الشغال، ديمه صاحي على خاطر هاكده احنا 300 مليون، ".
تجدّب عصري كنمرٍ هرم، وبدت عليه علائم ذكورة طافحة: "أنا موزارت النيك، بشبابي نمت مع شاديه وفايزة أحمد وسميرة دوفيق ووردة ونجاة الصغيرة و...".
دمعت عينا البترونة ضحكاً: " الحاجة الريميتي ما حويتهاش والملكة فكتوريا"!
ثم دحجته عابسة: " العرب راهم شاطرين بالهدرة عن النيك وما ينيكوا والو، وحق ربي الشينْوا ينيك خير منكو".
قالت مديحة وهي تمدّ كأسها الفارغ لزبونها : "وانت يا شعبل، كم ديوان شعر ألّفت بحياتك"؟
"محسوبك مألف دواوين شِعر قدّ شعر راسو، من كتب العلمية عندك كتاب تقسيم الكيك باستخدام الكْريكْ، والقوانين الحمصية لشرب الماء من الحنفية، ومنتهى الحنان في قلع الأسنان، بيع البطيخ على كوكب المريخ، ونظام طاط طوت لبرمجة كميوترات المازوت، ومن الكتب الأدبي تحفة العروس في أكل المكدوس، القاموس المضارع في مسبات أبناء الشوارع، موسوعة صنع البوشار في أربع مجلّدات، وألفِتْ تلات روايات، دمعة على صلعة، الرصاصة التي لفّت الكوع، طعجة في منتصف النهار، فوق هدا كلو مْألّف كتب أطفال، تعلم الكلام تحت الست تشهر، تعلّم المشي في أربعة أيام"
قالت المغربية وعينها على المصري: "طب والكتب دي طبعتهم على جريدة الحايط ولا على حسابك"؟
"لأ طبعتن بمطبعة كل من إيده إلو، على ورق التواليت".
ضحكت المومستان والبترونة وحتى المصري المقصود باللمز ضحك، وشربوا نخب الغجري الذي رفع الكأس صرخ: "اشربوا يا بنات سهرتنا للصبح، عظيم بقسيم ما حدا بينام لبروح الضو ".
عادت خروبة تلحّ على سرحان ليشرب فرمى الكأس وخلع حذائه: " صبّي بالجزمة، لو كان النيل كله خمر لما أسكرني".
صبَّت في الحذاء عب منه وعتّب : "وقللي ع الولد اللي شرب من 99 بحر ولما سألوه قال أنا لسه عطشان".
انشغلت خرّوبة بصندوق الغناء حيث صدحت موسيقى أرجنتينية، سحبت يد سرحان وراقصته فاحمرّ وجه فاضحاً ضعفاً واضحاً تجاه النساء، حفّت به وحوطته بيدين قويتين، عانقته فتجمّد الدم في عروقه، طبعت قبلة بين عينيه فتسمّر في مكانه، غرزت لسانها في فمه، تسرّبت موسيقى العالم ودفئه من نهديها، أحسّ بسعادة تلاها شعور بأنه قد كبر ، تحوّل لون وجهه من صفرة زعفران إلى حمرة أرجوان.
اهتاج الغجري فمال على مغربيته: " خذني بحنانَك خدني " .
عبط مديحة ثم غرز شاربه القوقازي بنهديها، داعب خصلات شعرها الأشقر وشدّ بيدَيه على رأسها فخرجت باروكة شعر، جقرها بعينَين قادحتَين، ثم صبّ نقمته على البترونة: "وحقّ قبور الأجداد لأقفل كرخانتك بالشمع الأحمر ، من بين شراميطك ما لقيتي لي إلا شرشوحة أكل الدهر عليها وشرب ".
اندفع نحو سرحان متهماً : " خرا عليك خرا، تاخد المليحة وتلزقني بالفضيحه !
"إتقل بقى يا جدع، مالها الولية مديحة"!
"ما مالها شي، متل سفينة تايتنك أبْصَرْ كم واحد راكبها، داكش فيفتي فيفتي، خد المغربي واعطيني الجزائرلي".
عبط المصري خروبته : " البطة دي الجيرل فرند بتاعتي ".
عبطت خرّوبة سرحانها: " حمام ده البوي فرند بتاعي أنا "
صرخ بهما عصري "أي خرا عليكي وعليه روميو وجولييت... ".
تعاملت البترونة مع الأمر باحترافية مهنية، لعبت دور قاضي العاشقين واسترضت المصري بكأس على حسابها وأخذت تمدح له مزايا مديحة العاطفية، غمزت بطرف عينها المومسين وأشارت عليهما بتبادل الزبونَين، تشبّثت خرّوبة بذراع السوري : " الجدع مبيعتقش، الله يخليك لنا يا طونطون عصري".
انتزعت المغربية المصري من ذهوله : " تعال يا روح أمك، اللي معاه القمر ما يباليش بالنجوم،
راقص كل زبون محظيته، شدّ عصري خصلة شعر خرّوبة وتأكد أنه ليس مستعاراً، ثم حرّك فكها ليتأكد انها ليست لابسة ضبة، ثم مدّ يده مداعباً مؤخرة مديحة، احلوّت في عينه وهي في أحضان صاحبه، تأجّجت نزوته بعد أن عاوده الاستيهام العتيد المجهض مع حاتم والسائحتين، قال لصاحبه : " طلاع هالطلعة يخال ويهنيال من جمع أربع روس بالحلال ".
"يا فضيحة بجلاجل! انقطع شرش الحيا يا ناس! كلّو إلا الشرف".
"لفّا بأى أبشكيب إلك تلتين الخاطر، المعوّد وكشيشة الحمام الخليجييه مو أحسن منا".
توّرد وجه سرحان استرجع صورة المغتّر مع القاصرات الخمس، ساعدته الثمالة على تحويل الرغبة الدفينة إلى رغبة عائمة صريحة، قال في سره أنهما تشاركا في المصير والمسير فلماذا لا يتشاركا بالسرير؟ قال بلسانه : " ولا يهمّك يا رفيق الليالي الصعبة والمشاوير الطويلة، أنا أدمنتك خلاص".
تصنّعت الجزائرية البراءة ورفضت : " جاميه جاميه ، هاد الشي حرام".
زعقت مديحه وفي نيتّها أن تساوم على سعر أعلى: " تديروا البارتوز ، الستر يا ربي الستر، هذ آخر الزمان
هبّت لالا سليمة توبّخ المومستين: " الله يرحم زمان لقحاب نتاع بكري، كانوا يحلبو لِبْقَر ويعلفو دجاج، يتعلقوا بالمحراث إلى جانب التور، يهنيوا الزبون يديرولو مصاج وبيب وبرانليت وفيلاصيون، ويناموا مع الكل قور وسقلان وعرب، هيا يا بنتي يمديحه وانتي يخروبة شوفي مصلحتك، الحاج موسى وموسى الحاج، بحال بحال ".
لانت البسكرية، حلفت يميناً أنها ستفعلها للمرة الأولى في حياتها، قالت مديحه وهي تحوطهما بذراعيها:" الآمور أ كاتر سي كاتر فوا بلو شير ".
أشرق وجه عصري كمراهق في الستين أخرج قارورة عطور وبخّ تحت إبطيه صدره وجهه وشعره ومنحره، بخ بخة طويلة متواصلة بين فخذيه ، قرّبت البترونة سريرَين وجعلتهما سريراً عريضاً متشهية الرجوع إلى الوراء نصف قرن لتقحم نفسها في المعركة.
















2
بشّار الخير
وادي التجرّد

ختامها مسكوبيشي

وضع بوزيّان حفنة تمورٍ رطبة أمام الضيفين الذين تعرف عليهما بمقهى حليفة قي السونطرفيل، فخفخ أستاذ التربية بسباس ببدلته المكويّة، وضع شمّة بين أسنانه وشدّ خيشوميه ونتع رأسه إلى الوراء، سألهما عن سبب وجودهما ببشار فقالا إنهما عابري سبيل يستعدّان لدخول المغرب. زاد فضول البسباس، ليس إزاء الضيفَين فقط، وإنما إزاء المضيف فهو بخيل لا يستضيف أحداً إلا لمصلحة، لمح سيّارة المتسوبيشي المركونة في الرحبة ففهم حالاً أن بوزيان يريد استخلاصها منهما.
حركش الشيخ بوعلّام الجمراتَ في المنقل، قال إنه "بشّاري صميم من ولاد بلخير، يتحدر من عبدالله ابن غزوان صاحب كرامة الزيت الذي خلف سيدي عثمان مؤسس زاوية تاغيت الذي خلف سيدي عبد الرحمان واضع كتاب فتح المنان ومنهل الظمآن".
تصنّع مولى الدار الهمّ، وشال آخر سيجارة من العلبة ودسّها بفمه (بوزيان لا شغل له إلا التدخين وشرب الشاي ولَعْنْ قرارات الحكومة ، علماً أنه من طبقة أبناء الشهداء والمجاهدين الممتازة، رغم أنه لم يكن بالغاً أثناء حرب التحرير ولا إبناً لشهيد فقد استطاع بمواهبه أن يحصل على شهادة مجاهد). قال إنه بطّال ومولى عيال في رقبته أربع بْنات وثلاثة أمراض وزوجتين، حلف يميناً أنه عجز عن شراء كبش العيد فاضطر أن يبقى ليلة الوقفة في الزريبة يقلّد صوت الكباش لطلوع الصبح حتى ستره الله من شماتة الجيران الحساد، وأخرج بطانة جيوبه ومطّ كلماته بأسى: "مِلّي سرّحوني ملخدمة عايش بلكريدي ، ورحمة باباي الشهيد راني بلّي نشري سكر وسميد وفرينه بِلكريدي، والخبزة من عند البولونجي بلكريدي، من الفارماسي نشريوا الدوا بلكريدي، زيد على هاذا كل شهر نخلص الكرا والتريسيتيه بلكريدي".
نادى ابنه الصغير اللاهي في الرحبة: "نوض يا حمّو وِلدي، روح لحانوت المزابي كريديلنا باكو دخان "ريم" وقوللو يْمَرْكيلَكْ".
سأله عصري لمَ لا يبحث عن شغل فأجاب متبرّماً: "كل الشغل مشغول، وكالة التشغيل وقف لسّي سليماني وقبيلتو، له حق التشغيل والتسريح، وله حق الإستيراد والتصدير، وله حق الصيد في أعالي البحار، كتبتلو عشرين طلب تشغيل في دوسييه ريكومندي، رفض ذاك المنيعي الخبيث تشغيلي لأني من قبيلة ولاد جرير".
سأل الشيخ بوعلام الغجريَ هل ثمة بطالة في بلده؟ فشقل شيّال البروتيل وقال: "باطل! حمص كلها أبطال، بلد الوليد ".
نبر أستاذ التربية بنبرة المغبون : " الحيطيست شادين لحيوط، الزوالي تحرِّق، الشفارة تشفر، الكور دي كونط ما يكونطيش، الاعوجاج يعوج، الضحالة تتعمق، الخطوط الحمر تتحمر، والخطط الخمسية ولات خمسينية، وعزيوز يحوس عهدة تانية، ومزال مزال الكونتور يدور".
سكت الأستاذ فعاد مولى الدار للشكوى: " طْرو سي طرو والله العاضيم إلا بعض ساعات اتحسر على فرانصا وعلى زمان كولمب بشار، ياخي كون قعدت ما راناش هاكده، كان الناس الكل عايشين اللي عندو واللي ما عندوش،
تصدّى له الشيخ بوعلام المخضّرم الذي عاش العهدَين: "واش بيك يوليدي، لبلاد هدي ماتو عليها ملايين الشهدا باش تعيش حر وانت راك متوحش لزمان العار ، كانك كنت كبير وشفت قباحتها ما تتحسرش عليها، راحت الله لا يردها".
عاد الأستاذ يقول :" بوفر ألجيري، بلاد ميكي، البترول ودّرهاوعلمها الاتّكال والاستهلاك ( أشار إلى هاتف بوزيان الجوال) راك شايف الكوزان ، عنده بورطابل جازي دِرِنْيير كْرِي وما عندوش ماشِينْ أ لافيهْ فالدار".
أشار مولى الدار إلى زوجتَيه اللتين تغسلان بأيديهما عند حوض الغسيل قرب البئر، قال إنه يملك غسّالتَين.
مسد الشيخ بوعلام لحيته وغمغم :" البلاد راهي فحالة، الجاهل ال ميقراش صار وزير قراية، إلّي كان باش آغا عينوه وزير مجاهدين، والضبوعة خذو بلاصة السبوعة، ما كفاوناش الزلازل والفيضانات حتى زادو جابولنا هاد لموصيبة بوتفريقه".
سكت الشيخ بوعلام فأمسك بوزيان خيط الكلام : " يلعن دين باباهم قاع واكلين البيضة والتقشيرة سرقوا البطرول وضرك راهم طامعين بالحبوس، جزائر العزة والكرامة مبقاش فيها عزة ولا كرامة، بشار الخير ما عاد فيها الخير".
انتفض وتبدّل امتعاضه إلى صلافة، شمخ باستعلاء وغطرسة وضرب بيده على صدره: "ميه، رغم هذا وذاك الوطن ساكنلي هنا بالقلب، بلادي بلادي ولو جارت علي، نحبوك يا بلاد ألجير كيما تحب أم طفلها المشوّه، نحب فيكي حتى الشي لِقْبيح، المساجد الخاوية والقهاوي المكتض بالشومار، وتحيا بلاد المليون شهيد
L'Algerie est notre pere et mere et le soleil qui nous eclaires
استنكر بسباس الذي يعتبر نفسه من أنصار التعريب كلام مولى الدار: " فافا خرجت من أرضنا وبقيت بألسنتنا، مزلنا كولونزابل ،مستعمَرين لانغِستيكمان، تروح البنكة تصيب معاملات بالقاورية، الغيشيه يقوللك بونجور الكيسييه يقولك أورفوار، حتى هاذي الضيعة الضائعة طلع منها إكْريفان فرنكوفون، مدام ياسمينة خضرة مليكه مقدم اتساتيرا ، إذا حصل إشكال بين جوج بشاريه بالدارجة وما تفاهموش يهدروا قاوريه فيزول الإشكال ومزال مزال الخير لقدام ".
أخذ الأستاذ سحبة طويلة من الناشوق وأكمل: "طحتي يبلاد مزغنة والثعالبي عبد الرحمان ، هاذي هي البلد التي تقّدر الابطال وتنحني للمجاهدين وتغني بكل مناسبة "قسماً"، حطمتها فرنسا بالمعاول ونحن كملنا عليها بالشاقور، أوف راح تهبلني هذي البلاد، هذا الشعب يتعبني بزّاف، تْري كومبليكيه.
لفت سرحان نظره إلى أنه هو نفسه يطعّم كلامه بالفرنسي فردّ عليه:" ألله غالب ، سي لا فوت ديل هستوار، لا لانغ دي موليير جبدناها ملقور غنيمة حرب ، الجزائر يلزمها ضعف سنوات الاستعمار لتتعرب، بالك هذَ ماشي إستعمار هذ إستحمار
عارضه سرحان بقوله أن أن الإستعمار الفرنسي خلّص الجزائر من عسف ريّاس البحر والإقطاع وقطّاع الطريق، أسس بشار ومدّ لها سكة حديد . تصدى البسباس للجواب بقوله إن فرنسا شيّدت بشار وسكة الحديد، لا حباً بالتشييد، لكن لضرورة استثمار الفحم المستخرج في مناجم القنادسة،
استخلص المصري أن الجزائريين يكرهون الأجنبي لأن فيهم عقدة نقص. فردّ بسباس بقوله : "وانتم المصاروة تحبوه لأن فيكم عقدة الخواجا.
رفع بوعلام عصاه بوجه سرحان: "مصري واحد الشماتة تفووو عليك وعلى باباك وجدك يا كلب الروم، يلعن دين البابور اللي جابك، وقيلة إنت ماكيش مسلم".
استبدّت الغريزة الثورية الجزائرية ببوزيان، صرخ في خضم الارتجالية والتصعيد : " النيف للنيافة ماهوش للخنانة، لمصاروة نتاع الفول، التوانس شاطرين ياكلو هريسة، والمورطان يشرب دكنو، والمراركة شعب زاطل، ادزاير بركا، بلد رعرع الثوّار، حلولنا الحدود باش ناكلو الياهود فريت أومليت، والله ثم والله لو كانت اسرائيل باحدانا فانكاطر أور برك، معيركة صغيرة تكفي، كتيبة من البارا لتحرير القدس وكتيبة من النينجا لتحرير بغداد".
شخط سرحان بصوته الأنفي: " أما شعب حنجوري كلمنجي يسيّس الكرة ويكوّر السياسة
عصف ببوزيان مرض المصرفوبيا الناتج عن الحساسية الكروية، شدّ قبضته في وجه الضيف: "ننيك دين رب الإجبسيان نتوما يا كرعين لمعيز خرجتونا من مونديال الكاترفانديز، ماتش مبيوع، يحيا لخضر بلومي، وان تو ثري فيفا لالجيري ".
تحفّزت كرامة الصعيدي، هبّ واقفاً للمغادرة: "كُسّم مصر على كسّم الجزائر. إنتو عازمِنّا عشان تطوّلو لسانكو علينا".
انتبه مولى الدار أنه لم يدعُ الضيفين للنقاش في أمور التاريخ والاستعمار والكرة بل لاستخلاص سيارة المتسوبيشي إستوقفه طيّب خاطره، هزّ رأسه كامرأة حامل فاجئتها آلام الطلق: " ديزولي يا خو الإيجبسيان راني في حالة، دير روحك ف بلاصتي نهار واحد برك، أقسم باللاه لا تمر نهار إلا وانا نبكي بالدموع ، هذا عامين وأنا بطال ما نخدمش، المطر قليلة والنخل هذا العام ما يعطيش تمر، (رمق المتسوبيشي) ياخي بكري كان الحال مستور، كان عندي سيارة نخدم عليها، في واحد النهار درت أكسيدان طاحت أمْبَان ".
رنّ الهاتف الجوال على خصره فغادر الغرفة ثم رجع شاحباً وأعلن إنه تلقّى مكالمة هاتفية للتو تفيده أن الحيطيست في السونطرفيل أخبروا المخفر بشأن الغريبَين والطونوبيل المسروقة ويتوقع مجيء دورية الشرطة إلى داره وحصول فضيحة.
عقد عصري حاجبيه الكثيفين سرّع حبات السبحة، نظر إلى صاحبه، نهض بخفة عازماً على التحرّك إلى المغرب فورا،ً استوقفه بوعلام: "تدخل الماروك بلا كواغط! أنبوسيبل، إنت متعرفش المخزن يوليدي، غادي يدبروا لك حيلة باش ياخدوها باطل، في الماروك توت أي بوسيبل ".
نظر الأستاذ البسباس إلى السيّارة وقال: " إلي حب يسرق صومعة يحفرلها بير، اللقمة كبيرة بزاف ،ولّ بيعوها "بْيٍيسْ ديطاشي" لكراج أكسسوار ".
ارتأى بوعلام أن يتخلّصا منها في أسرع وقت قبل أن تجرجرهما الشرطة إلى القسم وتودعها في المحشر. انبرى بوزيان اقترح شراءها وعرض عليهما أن يعبرّهما الحدود ويوصلهما إلى "فِقّيق " قال سرحان: "وافرض جدلاً إنا بعناك إزاي هتدفع تمنها، كريديه برضه"!
بوغت بوزيّان فتدخّل بسباس وأنقذه من حيرته قائلاً أنه سيسلّفه المبلغ. توجّس عصري من السيارة واقتنع بأنها شبهة أو تهمة أو فال شر، بعد شقلبة حبات السبجة وبعد الأخذ بعين الاعتبار كؤوس الشاي والتمور ورائحة الطعام الآتية من المطبخ، وبعد الأخذ بعامل العروبة والإسلام والأخوة والضيافة، قرّر دون استشارة صاحبه بيعها لبوزيان باعتبار أنه محتاج، فاعترض سرحان: "لا محتاج ولا يحزنون، إزاي محتاج ومعاه تلفون محمول"!
"أي لفّا بأى أبشكيب، بدّك ترجّعو لعصر حمام الزاجل، هاليوم النوري الأندبوري صار حامل جوّال،.
التفت إلى مولى الدار: " تحت أمرك السيارة وصاحبا وبلا مصاري كمان".
أمسك بوزيان يد عصري شدّ عليها مساوماً: "يعني اشحال؟ قول سي كْوَا تونْ بْري"؟
" عشرين ألف ضولار آخر كلمة ".
"يا حسرة احنا ماشي بأمريكا، نخلص لك سانكانت مليون، قول داكور" .
"نقسم البيدر بالنّص، عشر تلاف ضولار آخر كلمة ".
"ما تجوّع الديب ما تبكّي الراعي، نشريه عليكو كارانت مليون".
قال بسباس لمولى الدار: " بزّاف، متنساش القانون يعاقب الريسلور، لولا وجود مخفي المسروقات مكانشي سارق".
"معلش يا كوزان، اللي يحب الزين ما يستغليش المهر، عجبتني، هبّلتني هبال ".قال بوزيان وعاد يشد على يد الغجري :" طرانط مليون ساسوفي ، على خاطر الإيصانص في المغرب غالي بزّاف، وكه يغلى أكل الطير يرخص الطير، قول داكور".
"وينك أخي أبو زيان، آخر كلمه خمس تلاف ضولار".
" فان سانك مليون بركا عليك، لا ضرر ولا ضرار".
أمسك بوعلام يد الغجري الحرّة، شدّها في بازار المساومة والابتزاز: "أنا خائف على هذه اليد من النار، وحق ربي ما تستاهل فان مليون ".
انتفض عصري : "حاجتكن عاد، استحو بأى، بمليون بألف بمية بلاش، بلاش إلا ربع، تعا اركب على ضهري، العمى ".
قال بوزيان :" يرحم والديك ياخويا السّوري، غيثنا الله، راني مريض وعندي داك المرض الخبيت اللي ميتسماش".
نقز عصري وبحسبه أن السرطان يمرّ من يد إلى يد، أحسّ برموش عينه اليسرى ترمش : "يوه تبّت يدا أبا لهب، يا لطيف، كشّ برة وبعيد، إترك إيدي ".
" مانٍ تاركها إلا تقول داكور " .
"دكور دكور، بعناك، الله يجبر عنك".
أفلت بوزيان يد عصري، أخرج من جيب الغنضورة مبلغاً كان قد عدّه وأعدّه سلفاً ونقده: " كانز مليون وهذا آخر كلام عندنا".
ضجّ أهل الجلسة فرحين بالصفقة المربحة، انتشر الخبر قبل أن يغادر الذكور سقيفة السلملك وقبل أن تخرج الحريم من الحرملك، انتشر على ألْسنة أطفال بوزيان، أطلقت زوجته القديمة زلغوطة فجاوبتها ضّرتها الجديدة بزلغوطة أقوى، دار بوزيان حول السيارة، تخيّل نفسه راكبها بين هياكل بيجو ورينو المترهّلة في ساحة سي قويدر، غازلها كأنها زوجة ثالثة: " ،تبارك الله يلعروسة لغالية يا عيون لغزال، لو كنت ولية نتزوجك غير انتيا".
شرع عصري يحرّك مفاصل أصابعه المتشنّجة، سأل سرحاناً هل السرطان معدي؟ لكن المصري لم يجب بل حصر فكره في المهزلة الحاصلة وانتبه متأخراً إلى أن بوزيان تعمد إعلان السعر بالفرنسية ليضيّع الغجري، وقلب منطق المساومة الذي يفترض أن البائع ينزل في سعر تنازلي فيما يصعد الشاري في سعر تصاعدي، ثم فتح فمه وقال للغجري المذعور: "السرطان ميعديش، الغباء يعدي".
انتبه بوزيان وقرر أن يستثمر هذا الغباء فطلب من بسباس أن يفحص السلعة قبل توقيع العقد، فقام الأستاذ وقعد خلف المقود وتفحّص كابينة القيادة ودوّر المحرّك وفتح الغطاء وتأمل عدّادات التابلوه وعتلة التغيير، نقر على الحديد وأضاء أضواءها، هز رأسه ببراءة : " شد الزيت يمول الزيت، طونوبيل كاتر كاتر مزيان، قصر فخيم على أربع عجلات، ديركسيو أسيستيه، إيرباغ كليماتيزي لا كلاس، جبتها دوشيش مسمّنة بالعسل ".
انصبّت عينا بوزيان على جاره قادحتين، لمَّح له في غمزة مشفرة: "يرحم يماك أسي العستاذ افحصها مليح مليييح، إلّي فيه طبه ما تتخبى، عندك يكون فيها عيب، بالك نكونو شْرينا لْحُوت بلبْحَرْ".
قام بسباس من ساعته، برم حولها أجرى جرداً شاملاً للأضواء والمحرّك والدواليب والأبواب والزجاج، وشرع يتقرأ أدنى تفاصيلها من فوق إلى تحت ومن تحت إلى فوق. نطّ على البورت باغاج، وجد حجته في دولاب الاحتياط المثقوب برصاص التوارق، هزّ رأسه بدهشة مصطنعة: "الله لا يجعل غفلة بين البايع والشاري، عضّم الله أجرك يخو بوزيان بهد السلعه، إلّي عجبك رخصو ترمي نصو، لو كانت تمشي ما باعوها لو فيها الخير ما عافوها (للضيفين) الله ينعل الما يحشم، غشيتونا حشيتوهالنا وبعتونا سيارة ما تسواش دورو، بون بور لا كَسْ" .
"الله!مش قلتو شاريينها للكسر"!
رفع بوعلام عصاه على المصري : "أشكيك إلى الله يا سرّاق طونوبيل، حسبي الله فيك، أنا لا أقول إلا حسبي الله ونعم الوكيل، والله ما انسامحوك والله ما نسامحوك وغدوا نتلاقاو أمام رب العالمين".
وقال بوزيان للغجري: " إدا كان صاحبك عسل ما تلحسوش قاع، نحيلي صانكانت ميل دينار".
"لا تنحيلي ولا أنحيلك، بطّلنا نبيع، خلي العسل بجراره تتيجي أسعاره".
ارتفع صوت بوعلام من الجهة الأخرى: "نحيليه خمسين ألف دينار نحيلوو، حنا كنا نستناو تطلعولو المورال ماشي تزيدو تهبطوه، يا حليلو مولى وليدات".
أنبرم العقد بحسب رغبة البشاريين انتبه سرحان ( متأخراً كعادته) إلى أن بوزيان قد تمكّن بكيفية عجيبة من دفع ثمن السيارة بالسنتيم ليبدو المبلغ كبيراً، ومن استرداد الفارق بالدينار حتى يبدو ضئيلاً،
ومُدّ السماط. صُفّت صحون فوق صدور نحاسية وصواني، جاء الدراري بقصعات كسكس بالمرغيز والدجاح واللحم، وكليلة وشوربة وبراك، ومسمن وخبز المطلوع ومقرود وقلب اللوز. اتحفت البطون في وليمة احتفاء بالسيارة أكثر منها بالضيفين.














الوادي السادس
تيه التيه

إدريس في بلاد العجائب. أو "دوِّرها دوِّر دوِّر"

ارتفع صوت المحصِّل "كُتامه كُتامه"، تباطأت الحافلة بين حفر الشارع توقّفت عند محطة الكيران، نزل ركّاب وصعد ركّاب، فلاحون يحملون بقجاً وصناديق بيض وأقفاص حمام ودجاج وأرانب . بين الصاعدين ظهر هيبي صعلوك من ناس القِناوة وعلى ظهره كشكول فيه بندير وقراقب وقمبري، أشرق وجه المحصّل فرحاً بالزائر الغريب الذي يسلّي الركّاب ويخفّف من وطأة الساعات التي يستغرقها المشوار الممتدّ من وجدة إلى طنجة، ابتدره قائلا: "كيراك داير أدريويش أزّفان ؟ شخبارك فين كنتِ غايب"؟
داعب الصعلوك كلبة صعدت معه، أخبره أنه كان في إجازة في حبس ملاباطا، ضحك المحصّل الذي لم يفاجأ بدخوله السجن بل بخروجه منه وعاد يسأله : "شحال خلصت للكارديانات باش يطلقوك "؟
"انتهت محكوميتي بمكرمة ملكية وأطلقوني يوم ولادة وليّ العهد، الله يبارك فعمر سيدنا، إدا جابت دكر فأفرج وادا جابت أنتى فأعدم". قال الصعلوك ثم استدار نحو الركّاب، أحّ أحّة مصطنعه ليثير انتباههم، داعب مناقير الدجاج في الأقفاص، أحنى ظهره للركاب، وعزف بأصابعه على وتري القمبري، تخصور ودبك برجليه فتحرّكت خلاخل مثبتة فيهما، نكع بكوعه البندير المتدلي على خصره واشتغلت جوقة موسيقية من جسده المتراقص، أخذ يعزف ويدبك ويغنّي ويشطح يتغاشى في وقت واحد:
"منك حالي يا جيلاني منك حالي يا جيلاني
أنا قابض في الله وفيك يا شيخي عبد القادر
أنا قابض بالله وفيك في هذا الدار وفي ديك"
قاطعه المحصّل: " باركا من لغنا، إن أنكر الأصوات صوت لحمار".
ركن الصعلوك القمبري على الرفّ، وعوج طاقية اللباد : "واخا أسيادي لالاتي المسافرين، هد واحد القصيدة عنوانها صرخة من أسوار عمورية لأسوار القدس كتبتها بمناسبة سقوط بغداد:
رسالة تحمل نقاط ونقاط /وتدعو العرب للانخراط /من أجل التضامن والارتباط /وليتوبوا من الأخطاء والأغلاط/ وليطبّقوا مبادئ الصراط /كفاهم من السهو والإفراط / بهما نالوا .....
مازحه المجصل :"لِفْسا وضراط".
ضحك الصعلوك و انكشف فمه الأدرد، رفع أكمامه وقال: "دابه كنقرا عليكوم واحد القصيدة أمدح فيها فريق الريال مدريد:
هذا الريال فريق من دهب /فد رهيب ومتعة يا سلام/عنده فن ومهارة وطرب يمتّعنا باللعب في كل عام /اللي يشجع غيره بيته انخرب عالمي مشهود بالسنوات والأيام /الخصم دايماً إذا قابله هرب والله الريال فريق.....
قاطعه صوت من بين الركاب : "أشمن فريق هاد الريال مندريل؟ الكلاسيكو قريب البرصا غادي يفرعهم ويعطيهم حسابهم تلاتة صفر، ديمة برصه بيسكا برصه ".
وقهقه السائق والمحصّل والركّاب وانبخع الصعلوك، بغريزة حيوانية أحسّت الكلبة بحرج موقف سيدها فنبحت نباحاً مسعوراً، رفع الصعلوك سبابتَيه بوجه الركاب: حسبي الله فيكم يا مخاربة، أشمادار الواحد مايعجبكومش الحال، إدا أشعرت الشعر أو نثرت النثر قلتو مسروق، وإدا اخترعت إختراع قلتو كوبيي وإن غنيت لغنا قلتو نشاز، وإن قلت ريال قلتوا برصه، وخا يا أولاد ال سأصارحكم بحقيقتكم وأقرا عليكم واحد لْقَصيده د مُضَفّر النّواب".
مدّ يده إلى الكشكول وتمّتم بسرّ الرفاعي مخرج الأفاعي، أخرج حيّة مرقّطة لفّها على رقبته، تكهرب الجو، بهت الركاب، أجفل المشرقيان الراكبان في المؤخرة، ارتفع صراخ النسوة فضبّها في الكشكول وأقفله بسير جلدي وركنه على الرفّ. أخرج قدحاً فارغاً رفعه بيده ونقره بإصبعه، قرَّبه من فمه، قضم أطرافه بأسنانه وعلك بفمه وطحنه ثم بلعه، تجشأ وطبطب على معدته، وعلا الهرج والتصفيق والضحك والصفير، سرّع عصري حبات السبحة وتذكّر مهنته القديمة بالتطبيل في الأعراس فقال لصاحبه: "هالولد فرفحلي قلبي ذكّرني بأيام زمان، فتّش دوّر بتلاقيلو شرش حمصي".
شال الصعلوك طاقية اللبّاد عن رأسه ومدها للركاب: "خاي الله آلاحباب آلعاشقين في النبي، صدقة ورحمة الوالدين".
ناوله راكب سيجارة فشكلها وراء أذنه، وتصدّق عليه آخر بابتسامة، فتحت امرأة من الجبالة صرة وناولته نصف رغيف بوغرير، أعطته ريفية بيضتين مسلوقتين وحبة طماطم، واندفع يهزهز الطاقية عن الجهتين: "الله يجعل لْبَرْكة سْخَوا بلفلوس أعباد الله".
مدّها في وجه فلاح فهزّ الأخير رأسه استنكاراً: "سير أودي قلِّب على شي خدمة، لاه يهديك تجد وتجتهد وتزرع أرضك خير لك من السعاية والشمكرة".
"أولاً ما عنديش أرض، تانياً أنا متحصل إجازة بالآداب ماشي زرّاع، تالتاً أنا لم أعد مقتنع بمقولة من جدّ وجد ومن زرع حصد ما دام هناك في مملكتنا الشريفة من يحصد دون أن يزرع".
"وعلاش ما درست غير شي آسي المتقف، بغيتي تصير موضف، شهادة نحو وإعراب ما تفيدش أرَ شهادة ميكانيك ما حاجتناش لأدباء".
"هاد البلاد مَكَتْخَدِّمشْ خريج الأدب علاش أصلا كيقريوا هاد المناهج"؟ قال الصعلوك ونظر بمرارة واستياء إلى الركاب وإلى الغلّة العجفاء وصرخ: "مابقا رحمة مابقا إيمان لا في عيسى ولا في عثمان، ياهود الملاّح خير منكم، المخزن مخزَنَكًم جعلكم أدل وأكلخ شعب ،كتركعوا له أو غادي تموتو".
انبرى راكب من مريدي الطريقة البودشيشية: "تفووو عليك وجه دل الحبس، شكون أنت يا ابن الزنقة لتطعن في ولائنا لسيدنا (أكمل بالفصحى احتراماً للمليك) ركوعنا له ليس ركوع عبودية وإنما هو ركوع طاعة، اختياراً لا اضطراراً، الله أمر بطاعة أولي الأمر".
" راصه د شمايت، حسبي الله فيكم يا خدّام الخليج، البترودولار فسدكم ". قال الصعلوك فلم تفلح أقواله إلا في زيادة غيظ الراكب البوشيشي فردّ عليه:"لمغرب ما فسدها غير الناس فحالك بيّاعين الكيف، نبغى نقولك كليمة وحيده، انت أكبر قواد حيتاش ما كتشوف غير القباحة إلّي تشوه فيها بلادك، الله ياخد فيك الحق إنت وكل مغربي يكره المغرب".
رفع المحصّل صوته على المغني الجوال: "الله ينعل الوالديك أود لحرام، احرق يماك يلشمكار درتلنا التخربيق، اهبط ملكار انت والكلبة ديالك".
تحفّزت أبوّة عصري(كان وهو صغير يشحذ، لذا فهو يعرف معنى ألا يتصدّق الناس عليه بشيء)، أخرج ما بقي من دنانير جزائرية ناولها للصعلوك "الله يجبر عنك بابا درويش بحسنة حوشب، بَرَكة وَرْسن".
حملق المغربي بالأوراق النقدية مبهوتاً ، أفسحا له مكانا فجلس تفرّس بهما وعرف بنفسه : " "أخوكم إدريس، شرفتوا المغريب بلادي الرائعة ذات البحرين والشمس الساطعة والفصول الأربعة والنجوم اللامعة".
أخرج عصري ثلاث سجائر، سأله إن كان قاصداً طنجة فأجاب بالإيجاب ثم سأله إن كان يعرفها فقال إنه من أبنائها ويعرفها كراحة يده. سأله إن كان يعرف طريقة لدخول إسبانيا، عرف إدريس أنهما حرّاقة ووعد بالتوسّط لدى معارفه المهرّبين ليعبّرهما البوغاز.
تقدّمت الحافلة وسط حقول مزروعة بالحشيش والقنّب، استسلمت رؤوس الركّاب للقيظ والخدر ووعر السفر، كفّ المحصّل عن لَيْ رقبته إلى الوراء للتلصّص على الثلاثة المنزوين في مؤخرة الحافلة، تيقّظ فضول المشرقيين نحو المغربي، سأله سرحان لماذا لا يتعلّم مهنة بدل التسوّل، فأجاب:" اشكون قالك التسول ماشي مهنة، إنها مهنة محترمة، ولها أصول وقواعد ونقابة، أنت في المغرب فلا تستغرب ".
سأله عما يشعر به وهو يشحذ فرفع إصبعه: "أنا لا أشحد لكني أقايض، أعطيهم غنا وزجل وشطيح وفرصة لمضاعفة حسناتهم يوم لحساب ويعطوني شوية سوردي".
سأله بأي تهمة سُجن فقال في ارتجالٍ عفوي: " الشتاء الفارط عضّني البرد والجوع فألقيت خطبة احتجاجية في ساحة المعاكيز هاجمت الشتاء والمخزن علناً أمام أعين المخازنية حتى يقبضوني".
أضاف مغيّراً نبرته: "وبطبيعة الحال فإنني أؤمن مع جون جينيه أن للحبس لذّة إيروتيكية فضلاً عن كونه ملاذاً من العراء".
دققّ سرحان النظر في المغربي باحثاً عن شبهة شذوذ جنسي، ودقق المغربي النظر في المشرقيَّين ليقيس مفعول كلماته، مجّ سيجارته وأكمل: "أنا شاعر التشرّد المتعالي زفان من "العيساوة" ، أحيا دون أبهة ولا أموال في جيوبي ولا جيوب في سروالي، أعيش بلا هدف ولا قاعدة سوى إدهاش جمهوري، وأرتجل حياتي كما أرتجل التقاسيم على القنبري، السجن علّمني أن أجعل داتي عنوان تجربتي، ولي رؤيتي الخاصة للشعر وهي أنه يجب أن يكون معاشاً يعني فيكو، لي نصوص مشاغبة وقصائد راديكالية طالها المنع، ويمكنلك تعتبرني خليفة محمد شكري".
انتبه عصري إلى أنه جالس بين شاعرين فغيّر مكانه تطيّراً شخط سرحان: "سلامات يبتاع كلو، إنت تبيع ميه فحارة السقايين، صوفي غاوي فلسفة وعطّار ملتزم كروياً مروّض تعابين وصعلوك وطربنجي، طب تبيت فين يمعلمين "؟
" في الزنقه أو في المرسى ، وسيدنا له بكل مدينة قصر فيه إسطبل وغابة ومسبحين وملعب غولف ب18 حفرة".
سئله سرحان كيف صار صعلوكاً فأجاب: "لكل هذه الأسباب التي ذكرتها، وبحكم ما أحمله في جيناتي من حب للحرية والبراري والهواء الطلق وزرقة السماء، ومن تمرّد على القيود الصارمة".
عضّ سرحان الغليون: "على فكرة التمرّد مظهره سلبي وجوهره إيجابي، وهو دائماً ينتهي بصحوة ميتافيزيقية".
تفتّحت شهية أدريس للكلام فقال دون أن يُسئَل: "لم يعطيني العالم ما أريد فاكتفيت بالرضا الوهمي الذي تعطيني إياه الأحلام والشارع والأشعار والزطلة".
انتزع سيجارة من خلف أذنه اليسرى، فرطها في راحة يده مواصلاً الحديث: "مقودة علينا في هد السجن المغربي الكبير، الصراع الطبقي لا يجدي ، والمستقبل بلا مستقبل، العالم لن يتغير لذا علينا أن نغيّر أنفسنا".
مدّ يده إلى حجاب معلّق بصدره أخرج قطعة حشيش تأمّلها بإعجاب : "سبحان من صّير العشب عنبراً ومسكا، ومنح الجبل قمةً وسفحا( شمّ نفحاتها ) عطر باتشولي مسكوب من روح الله، حنه وبخور أندونيسية وقنب هندي مع ورد القرنفل ودموع تماسيح مع يورانيوم مخصّب (غمز)
l’experience mérite d’être vécue، voyons voir ".
أمسكها بإصبعين وحرقها بالقدّاحة، خلط النترات المحروقة بالتنباك المفروم وصبّ الخلطة بورقة لفّ، بلّل طرفها بلسانه، دوّرها ودكّها على ظاهر يده، أشعلها ونفخ عليها وسحب نفساً عميقاً، زاغت عينه بتموجات غلالة الدخان المتصاعد: "وازطلتاه، باكس ماريجوانا، صان بورصان زِن، زيرو ستريس، انتظار الطوفان أسهل من صنع السفينة،
قال بعد أن شرق سحبة عميقة: "موندو فارنينتي، كوزي فان توتي، هيمن ألا جْوان، الألم الأدنى والبهجة الأكثر، أزطلة ورضا الوالدين ما كيشبع منهم حد، داك الشي علاش إحنه أسعد شعب في العالم".
رفعها إلى عينيه يناجيها: " فكرة جديدة لصياغة العالم والعيش خلف حدود اللامرئي، تمنع الرأس من التفكير لمدة عشرين ساعة، تفكّ الإرتباط بين الدات والعالم، تبطل التناقض بين الحياة وما يناقض الحياة، كتبين دّات د الإنسان ".
بظّ عينيه أمام السيجارة المتضائلة، حملق فيها كأيقونة: " الزطلة الزطلاء، شفيعة التعساء، لولاها لقامت تورة بالمغرب، إنها أكثر من جريمة هي غلطة، إنها أعتى من النسيان هي فقدان ذاكرة،
elle n’est pas une révolte, mais une révolution
هي الركن الركين للخزينة المخزنية، تقوّي الزراعة والتجارة والسياحة، تجلب توريست وديفيز، تشغل مهربين ومحامين وديوانه وسجّانين، من حللها من الفقها فمسجده فخيم، ومن أفتى بتحريمها لا يُصَلى خلفه ومسجده رميم (أخذ سحبة طويلة) الأفيون دين الشعوب (ضحك) أنا عبقري فذ، نسفت نظرية شارل ماركس بحملة واحدة".
تراخى إدريس كيوغي أغرق جسدَه قبّل وشمَ تاجٍ ملكي على ظاهر كفّه: "ألله لْوطن لْحْشيشَ والريال، عندما يلعب الميرنغي في القلعة البيضاء ترى عجباً، ده مش كورة يا خو ده مزيكه هارمونيكا سمفونيكا".
ميّل رقبته نحو الغجري : "أبْويلو!؟ أشمن فريق كره تشجع "؟
"نحنا السوريين مو كتير بالفطبول نحنا أبطال العالم بالتركس والطرنيب".رد عصري
" أبويلو، إنت من اليمين المتطرف ول من اليسار المنحرف"؟
"محسوبك من الوسط الفني، وزير بلا حقيبة، إحنه الغجر أهل رحيل من مدينة لمدينة".
"هاك ألشريف سموك هاش، السعادة ليست العبور من مدينة إلى مدينة وإنما من حال إلى حال".
"حلّ عني دخيلك، أنا مْسَطِّل من غير حشيشة، الله يكفينا شرّها، حرام".
" حرامٌ عليك تفتي بلا علم، الكدب حرام، السرقة حرام والضلم والإستبداد، أما الزطلة فأتحداك أن تجد دكرها بالدكر الحكيم، الله يرحم الفقيه مولى الكيف سيدي امحمد بن جمعون ولي كتامه الصالح الذي قال، وقوله هو الصواب، الحشيش لو حلال إننا نشربه ولو حرام إننا نحرقه".
شخط سرحان بخبث : "لكنما على حدّ علمي، شيخ الإسلام إبن تيمية والشيخ بتاع الأزهر أفتوا بتحريمها".
"أشخّ عليهم الجوج، يتسلقون المنابر ويقفلون باب التوبة في وجه عباد الله، داك لحمار المصري فقد صوابه من أكل الفول، أما الآخر شخّاخ الإسلام فهدا قوّاد وهّابي تافه مندس من أكبر كتّاب الإسرائيليات".
ضحك عصري حتى بانت أسنانه الذهبية ثم تجدّب وتثاءب، تمدّد على مقعدين مجاورين فرغا بنزول راكبين، اضطجع متخذاً من راحة يده اليمنى وسادة، تخدّر على مهل (عبق الحشيشة تسلّل من خيشوميه إلى رأسه رغماً عنه) شقلب حباّت السبحة بتراخٍ، أزاح البرنيطة الغجرية من رأسه إلى وجهه وبدأ يشخر.
مدّ إدريس الصاروخ لسرحان: "هاك، كف الهم بالكيف، إكمي حْلالا طيّباً ".
أشاح سرحان بوجهه عنها بحجّة أنها مضيِّعة للعقل. هبّ إدريس : " أي عقل! العقل جنون، يا لعتمة عقلك يا عديم العقل، الشاعر وهو يُشْعِر يبحث عن ضياع عقله، من يساويه العقل بالصّاحين ترفعه الزطلة فوق العاقلين، أحمق اللي بغى يكون عاقل وحدو، هيا إكمي، الرأس بلا نشوة قطيعو أحسن، ".
" متصدعنيش يا وَلَه راسي وانا حرّ فيه، الخمرة معلهشي إنما الحشيشة! يبوووي الله لا يبلينا".
"الخمرة بنج موضعي أما الزطلة فهي بنج كلي، هاك خد المتعة من مصدرها المباشر، أهرب من لعناتك العائلية، طهِّر ضميرك من سموم الأخلاق، باموس هومبره ،الحياة لا تستقيم دون التوائات، لا تشغل ضميرك بتفاصيل الحق والباطل، ولو نظرت للجماجم فلن تعرف الأشرار من الأخيار، المعصية جميلةٌ ومغرية، الخطيئة أضمن طريق لله، وغدّا تجدَ نفسك عن يمين بولهب وعن يسار بوجهل، والجنّة تتسع لكل الخونة ولي ولك
ذُهل المصري ببداهة الصعلوك وألمعيّته، ارتسمت على وجهه أعراض التفكير والسَّرَحان ككل مرّة يواجه فيها إشكالية الغواية وامتحان الحرّية والزلّة، وجدلية الجبر والاختيار وبعد كل شيء ، لم لا يمارس حريته في السقوط، وفي خوض التجرية الرامبوية بعنفها وعنفوانها، ليكتشف الحدود القصوى للعدمية السالبة، قد أشبع الحاجات من تحت إلى فوق بالترتيب، سدّ نواقص البتاع والبطن والقلب في أدرار وبشّار، فلماذا يترك هذا الرأس الفارغ فارغاً"!...
وخطف الصاروخ من يد إدريس قال بلسانه " هاتها، شمه تفوت ولا حد يموت ".
سَحَبَ نفساً، لم يشعر بشيء غير عادي، سحب نفساً آخر، قحّ وبظّت عيناه، نبقت حبات عرق على جبينه، أبعد بيده الدخان المتكاثف، شرق نفساً أعمق وبدأ يحس بالإختلاف ونكهة المرة الأولى، سحب أنفاساً متلاحقة فعبثت برأسه طنّة الكثافة والامتلاء والانزياح عن العالم، تباطأت حركاته، دمعت عيناه، شجّعه إدريس وهو يجهز سيجارة مزدوجة: " أفالْ أفالْ، سموك أند فلايْ، استثمر الفجوة التي فتحتها برأسك، أخرج من الجزء وصر بالكل كلياً، أمسك زمام الكشف والسر معاً ، اغمض عينيك وتلاش ثم تلاش فقد حصل لك أن تصل لعالم التلاش".
وتلاشى في سفرة باطنية، بدا العالم المُعاش طيفاً لعالم أكثف وأعمق،أرخى يديه ومفاصله وتراخى، ناوله المغربي السيجارة الثانية :" هاك بالصحّة والراحة زيد إكمي وخلليها تولع، الزطلة هي الشيء الوحيد الذي يؤلّهنا ".
مجّ سرحان نفساً من عيار أثقل، أطلق لسانه في غليان وتواتر الهلوسات والهذيان فيض الخواطر والأحوال الباطنية: " سبح في الدرجة الصفر من العقل، رفع السيجارة لشفتيه بابتهاج، أخذ يشطح " أنا أحشش إذاً أنا موجود، أنا أحشش إذاً أنا أمسك دماغ، إذاً أنا عندي دماغ، إذاً دماغي تدمغ... لكم دماغكم ولي دماغي".
خطف الصعلوك السيجارة: "أرَ الجوان، من يؤمن بشعر ودماغ بعصر البرصا والريال إلا الحمق من أمتالي وأمتالك ".
سحب المغربي نفساً وعاد يسأله: "تيو، إنت أهلاوي ولا زملكاوي"؟
"زمهلاوي، أنا سرحان رئيس الأركان، حمام، الإيجيشيان وولف، سوسو المتوحّش، جلمود بن صخر، أنا كافر بالفطرة لكن مكاني في الجنة محفوظ، مفيش فايدة، فاشية وهابية، خازوق ممتد من طنجة لجعكرته، إفلاس لا متيل له، بول إبل، عالم تالت، طاعون أخضر، نفايات تلمود، حضارة فاشلة، لاحضارة، أنتم البربر ارتكبتم أكبر غلطة باستقبال شرذمة أعراب هاربين من صحاري الجوع، ".
"الله غالب نحن بني وي وي تِرْمتنا للكل معروضة وكل من جاء استعبدنا من الرومان إلى الصبليون للبورتوغال للهنود الحمر للصوماليين الشقر إلى أهل البيت المزعومين، شوارعنا مزالت تحمل أسماء جننارات المستعمر (خطف السيجارة) أرَ عفريت الفانوس ، لا تهمني حرفة البوليميك العقيمة، ما يهمني هو من يربح الليغا ومن سيكون بالون دور هد العام ؟".
مجّ إدريس آخر نفس داس العقب برجله، بحث بجيوبه الكثيرة وفي الحجاب برقبته، مطّ شفتيه بحيرة إذ بقيت معه قطعة زطلة ولم يبقَ له ورق لفّ، شال الغليون من جيب قميص المصري، هَمَّ أن يعمّر الجرن العاجي بالتنباك المفروط ثم فوجئ به قطعه واحدة صمّاء بلا أنبوب توصيل، قهقه سرحان: "سلامة نضرك يا معلمين، ده ريشة على شكل غليون تموّه على البعد الثالث وتساعدني على استيلاد وتشخيص المفاهيم الغامضة".
شعر سرحان كطفل وحيد بعد نوم إدريس، تعطّلت نيروناته، تندّى جبينه، ظهرت الكرة الأرضية محمولة على خراطيم أربعة فيلة، خرجت نملة ضخمة من جحر معتم وطاردت الحافلة، تبعتها نملة ثانية فثالثة وتجمّع النمل، تحوّل العالم من خزق صغير معتم إلى خازوق كبير، خبا بريق عينيه، عبثت برأسه موجات كهربية ما لبثت أن تحوّلت إلى صعقات تسلّلت إلى بدنه كله، راودته مشاعر عقم الوجود الأبسوردي واليأس العميق والعدمية المطلقة ثم الرغبة المزمنة إياها، بحث حوله عن آلة حادّة يضرب بها رأسه، أحسّ بيده مشلولة فتهاوى على الكرسي يغالب رجفته، توتّرت أوتاره الصوتية، ويبست شفتاه تبعثرت بقايا الكلام في فمه، تراخى ككائن رخوي بلا عمود فقري، حرّك الغليون، ورسم في الفراغ خرابيشاً تنمّ عن غياب كليّ للعقل، فوضى وعماء كاوس وأرضاً يباباً، خريطة للاشكل، عدّ على أفتار أصابعه في سفسطة المتوحّد مع ذاته، رأى عن يمينه ثلاث مقاعد شاغرة وعن يساره مقعداً واحداً، انتبه إلى أن موقعه يخلّ بالانسجام الهندسي فغيَّر مكانه تاركاً مقعدين عن كل جهة، وقف على المقعد وخبط جرن الغليون بالزجاج الخلفي. ليلفت أنظار الركاب، انفكت عقدة لسانه في زخّة جمل: "عاش تحالف الغجر والأمازيغ والصعايدة ضد المخزن الكولونيالي وتركيا، عاشت راس المعلمين، يسقط الكمسري يحيا الشعب يسقط البتنجان، باص بولمان فِرِنْجي، بنزين خليجي ركاب مغاربة وحمصي وصعيدي، يلله بينا لطنجة".
في نوبة هستيرية نطّ في الرواق، هيّج البطّ والدجاج والحمام المكدّس في الأقفاص، داس على ذنب الكلبة النائمة فنبحت، فتح الأقفاص وطيَّر الطيور وسيَّب الأرانب، قلب الكشكول، انسلّت الحيّة وزحفت بين المقاعد، وجنحت الحافلة نحو طرف الطريق وتوقّفت خارج الإسفلت، أفاق عصري ، انبرى المحصّل صبّ نقمته على الصعلوك: "الله ينعل الوالديك المسخوط ألعفريت الكيّاف، راك مقرقب هور سرفيس، خربت بيوت عباد الله، انت خطر عام بلاصتك في سبيطار دلحمق، اهبط ملكار إنت والكلبة ديالك".
تلقف الصعلوك الحيّة اللابدة بعد أن ناداها " اطلعي يا أم السعود"، لفّها على رقبته، خاف المحصّل وعمل إشارة للسائق فأقلع، وعادت الأمور إلى مجاريها، والطيور إلى أقفاصها والحيّة إلى الكشكول وكل راكب إلى مكانه، ارتمى سرحان في مكانه كتلة مشاعر مشوّشة عديمة المعنى، واللازمة نفسها تتكرر مع كل شهقة: " يلله بينا لطنجة".

طَنجا ذا طَنجانْتْ، ذا وست إند ذا ريست

رفع ادريس يديه في محطّة الكيران وهلّل "واطنجتاه واطنجتاه"، ثم ربط الكلبة وكممها كي لا تثير الكلاب الشاردة الطامعة بالسفاد، اتجه إلى هاتف عمومي وهاتَفَ المهرّب عبد المالك وواعده في مقهى "الحافّة". جرجر جسده وجوقته وكشكوله والمسافريْن ، قادهما في جولة ميدانية مشياً على الأقدام سبقتهم كليوباطرة عفّرت رأسها بقدمي شمكار يتسوّل عند ناصية الطريق. ثم ما لبث إدريس أن صافح الشحاذّ وتبرّع له بشيء من دنانيره الجزائرية وسأله عن أحوال طنجة التي افتقدها لمدة طويلة (أخذ المشوار أكثر من ساعتين في حومة الشياطين حيث ينتشر القوّادون وباعة الزطلة وهو يردّ على أصحابه الكثر وسؤالهم المكرّر عن غيابه ). تعمّد الولوج في زحمة سوق الداخل ليضيع في الكثرة الكاثرة، تفتّحت الحواس الخمس مع الأصوات والروائح والأحاسيس والمناظر، اختلط زمامير السيارات وصياح الباعة الجوّالين وقرقعة مطارق الصفّارين، تمازجت روائح الكاليينطي والزيتون المكبوس مع نسيم البحر وزنخة السمك مع أريج الليمون والقرفة والنعناع، انكشفت طنجة: ميغا مدينة بمقاييس بشّار وأدرار، منذورة للعولمة والغربنة والعبور والاختلاط المنظّم والخلعاء والشاذّين، حثّ إدريس الخطى أمام مقهى "مزيميز" (عليه ديون واجبة لم يسدّدها). وتباطأ قبالة مقهى السنترال، قادهم إلى زواريب المدينة البالية، صعوداً نحو القصبة، تسكّع بهما بين القصور العتيقة: دار السلطان ودار البارود دار المخزن، السور التاريخي وأبوابه السبعة، قصر المندوبية، مسجد سيدي بوعبيد، كنيس اليهود والملاح السوكو شيكو، حلبة مصارعة الثيران، فندق الريف، مسرح سرفانتيس، انحدروا باتجاة البحر، خاضوا على طول الكورنيش، بلغوا سوق المعاكيز، ساروا حتى حي مرشان، عكفوا على زاوية سيدي بوعراقية صعوداً إلى مقهى الحافة.
رمى إدريس أوركستراه الموسيقية تحت طاولة، رموا أجسادهم المنهوكة على ثلاث كراسٍ، كوّمت كليوباطرة نفسها بين رجلي سيدها. انجلى المقهى عن مصاطب تتدرّج لمستويات عدّة وتلامس البحر، ظهرت قطط تتمطى وتلعق ظهورها بكسلٍ لذيذ، نوارس تحلّق ثم تلامس بجناحيها صفحة الماء، ارتمى البحر أزرقاً شاسعاً مثيراً منفتحاً على المجهول والحرية، في رؤية بانورامية انكشف البوغاز والمرفأ وكاسرات الأمواج وأوناش الروافع وبواخر وعبّارات ضخمة، اتسعت عينا سرحان وهو يتقرّى سفن البحر، في آخر المدى تراءت إسبانيا لعينه المجرّدة، قلعة من قلاع الخيال العلمي يفصلها المضيق عن طنجة وعن زمن طنجة وعن المغرب وعن الشرق برمتِّه،
أعطى عصري ظهره للبحر وانزوى كحيوان جريح في طرف غابة ( الغجر مصابون بالطلاسوفوبيا يتوجسون من الماء وبفضلون عبور عشر صحاري على نهر ) ولبث يشقلب السبحة بسرعة، لم يبدُ عليه الانشغال بأسبانيا، شغلته أكثر الشركات الكثيرة المتخصّصة بدفن جثث الغرقى التي صادفها عند ناصية الميناء .
وسُمعت رطانة على طاولة مجاورة، مدّت سائحة شقراء رجليها على الطاولة، أرخت وجهها للشمس انعكست زرقة البحر بعينيها وهي تقول لزميلتها: "فانتاستك فيو سو ريلاكسنغ، سو وندرفل سو ناتشرال، أي لوف منت تي".
من جهة أخرى فرقعت فلاشات الآت التصوير وارتفع صوت سائح إسباني :
"Mi encanta ;marabilloso ;mira Lo bonita que es espania desde abajo ".
افتعل المصري الانبهار، استدار نحو المضيق: " فعلاً منظر هايل، كل تعليق عليه انتقاص من جلالته، إن وجب تصوير القاهره بأسود وأبيض فطنجة ما تتصوّرش إلا بالألوان".
امتعض إدريس (بحكم مهنته يتعرّض لفلاشات السيّاح الاستعلائية)،وصبّ نقمته على المصري رفع صوته ليسمعه الإسبان : " أوسْتِيا خوليبويّاس كايّاتي، بركا من الكلام العام عن طنجة، احنه ماشي فرجة أكزوتيكية ".
طأطأ سرحان رأسه : " قصدي أقول البحر يعطي للمقهى رونقها
أخرج الصعلوك كبتولة زطلة (كان قد تزوّد بها في حومة الشياطين وهو يسلّم على أحد الشمكارة)، حرقها بالقدّاحة وقال وهو يفرط سيجارة بيده: " مقهى الحافة هي التي تعطي للبحر رونقه، إنها مملكة للحواس والانبهار الحسّي، توقظ الفن في الفنان والشعر في الشاعر والعشق في العشيق، ديلاكروا رسم القصبة من هنا، مايكل جاكسون احتفل فيها بعيد ميلاده، البيتلز كانوا يحشّشون على ذيك الترّاس، ويليام بورو تينيسي وليامز، كانوا يكتبون على تلك الطاولة".
صب إدريس الخلطة في ورقة، لفّها ودوّرها ولحم طرفيها بريقه، دكّها على ظاهر يده، أشعلها، مجّ أول نفس وغمغم: "الحافة فضاء حميم لوجع الكتابة ومخاض النص، منعطف مهم في مسيرتي الإبداعية، أنزوي بها بعيداً عن ضغوط العالم الخارجي، أطيل التأمل في زرقة البحر وأكتب نص عن طنجة".
مجّ نفساً وأضاف: "طنجة لها ثلاثة أعلام مهمة: إبن بطوطة ومحمد شكري وأنا".
ربّت على ظهر الكلبة: "أنا في حياتي جوج أشياء مهمة، طنجة ولالا كليوباطرا".
زوّغ عينيه المحمّرتين بتموجّات الدخان وتنشّق نفحات الحشيشة: "والزطلة الزطلاء".
سحب نفساً طويلاً، نظر إلى وشم التاج على ظاهر يده: "والريال مدريد...
شفط وضحك خالي البال: "حافة شعر وبوغاز وميرنغي وجوينات وكيكي للصْباح، هابي هب هابي هوب، الله لوطن والزطلة والريال".
سرحت عيناه في آفاق بعيدة: "والشعر... لولا طائر الشعر ذاك العابر الهائل لانتهى أمري جثّة هامدة ضحية حبي لطنجة".
زوّغ عينيه، اكتسى صوته بنبرة خطيرة: " بوصفي صعلوكا ملتزماً ومعجوناً بهموم الناس، فإني أكتب عن المجتمع السفلي الطنجاوي بكائناته المسحوقة: مغلوبين، ضعفاء، مهزومين، طارئين، مهمَّشين ومهشَّمين، حراقة، شفارة ألْكوليك، مقرقبين وبيكبوكيط وشمكارة لقطاء وحشايشية، هاكم بعض من خلجات صدري الفائضة".
وامتشق القنبري وأخرج قصّاصة ورق وتلا وهو يداعب الوترين الوحيدين:
طنجة وما أدراك ما طنجة، كمنجة، مومس موشومة الوجه يعشّش في أعينها الحزن والشبق، هاهي تتحسّس مفاتيح أبوابها السبعة، هاهي تهلّ، هاهي تطلّ، ها هي تشهد أن لا إله إلا الله، ها هي تجمع في نهديها حليب البحر والمحيط، هاهي تجدّف علناً وتمارس نقد الذات وسبّ الآباء، هل شربت الشاي في أسواقها السفلى! هل غمست العام في اللحظة واللحظة في سبعين عام؟ هل تسكّعت في أمكنتها الفاسدة: بار لوسيفير، مقهى الحافة، سوق الداخل، بني مكادة. هل رأيتَ في المدى طارق بن زياد يجثو، على رأسه رماد سفينة وقد خسر البحر والبلاد، هل رأيت قراصنة وسيّاح ولوطيّين وبحّارة يشتمون البحر، أشتات المستغِلِّين، رب العمل وزوج الأم ولقطاء يبيعون السجاير بالمفرق، وجاريات متبرّكات بدولار قريش وما أدراك ما قريش
سحق عقب السيجارة الملغومة التي انتهت بانتهاء القصيدة ثم عبر إلى القصيده التالية، قرأ وقد غشت عيناه غشاوة:
"في بعض الصباحات/ والناس في سبات عميق/ كالأموات/ يحلو للضباب الكثيف/ أن يلفّ ذراعه/ على خصر طنجة/ فينتابني خوف عميم/ مما قد ينجم/ عن هذا الوضع الرجيم/ فأقف في مكاني/ جامداً/ لا أحرّك ساكناً/ وأنا مغمض العينَين/ حتى أتمكّن من رؤية/ ما لم أقدر/ أن أراه".
قارن سرحان بين قصائد الحافلة الركيكة وقصائد الحافة الرقيقة فاستنتج أنها لا يمكن أن تكون للشاعر نفسه، رمقه بنظرة اتهامية: "دلوقتي فهمت ليه أفلاطون طرد الشعراء من جمهوريته، حرامية منتحلين، إعترف يا علي بابا الشعر ده قصائد فوق مستواك".
ضحك إدريس ليخفي إحساسه بالحرج واعترف أنها ليست سرقة بالمعنى الحرفـي ولكنها تندرج في خانة الكليبتومانيا الأدبية وغيّر موضوع الحديث باتجاه الطنجولوجيا : " هذه المدينة هدية التاريخ والجغرافيا، لكن للأسف مخزنها المخزن بسياسة التاديوتيت، مومسها بني خلجون بالدعارة والسيدا. ".
أقبل النادل وبيده مشكاة فيها صفّين من حوالي عشرين كأسا ًوحولها النحل يأز، وضع على الطاولة ثلاث كؤوس شاي وركوة قهوة. ورشف الغجري قهوته على ثلاث دفعات، تنفّس في التفل بطقوسية وقلب الفنجان على قفاه وأشعل سيجارة وارتسمت في وجهه صفنة بالغربة وانكسارات الشيخوخة وارتحالات الدنيا بغير رجوع، شعر بحكّة في راحة اليد اليسرى فتسرسب بأحاسيس الفاجعة، فتح فنجانه، حملق في التفل فأبصر تنوة خفيفة في القاع وتنوة متكاثفة على الجوانب، أبصر الدروب الثلاثة: درب العلامة في تنزروفت ودرب السلامة في أدرار ودرب الصدّ في المضيق، رأى في خضم التنوة هيكلاً عظمياً يُغزل على نولين، الصوف يقلّ في نول الحياة ليكثر في نول الموت. وتأمّل الأمواج المتكسّرة عند أقدام المصاطب، غمغم بلهجة توشك أن تكون رثاءً: "الله يسترنا الطريق مو سالكة ولا آمنة، إمشي شهر ولا تعبر نهر. ضراط الإبل ولا تسبيح السمك".
شخط المصري: " مش إنت اللي كنت تسبح من حمص لقبرص".
أشار عصري إلى خصلات شعره التي زادتها الرحلة بياضاً، وبدأ يجهر بتعبه من الحياة : " الحياه معركة بس ما عاد إلي حيل أتعارك معها أكتر، خليني هون مع دريس، روح وحدك بعدك شاب والحياة قدامك".
رمقه سرحان بنظرة تسترجع زمناً مشتركاّ: " مش سايبك، إحنا تشاركنا بالمسير والسرير، هنشترك بالمصير".
غطّت أبواق السفن الراسية والمبحرة على صوتهم وعلى لغو المقهى، ترطّب الجو بنسيم البحر وعبق الصنوبر، رأى إدريس على الترّاس نورساّ يفلّي ريشه بمنقاره، أخرج من كشكوله خبز البغرير وبدأ يفتّته علت صيحات النوارس، صادت بمناقيرها فتات الخبز قبل أن تقع أرضاً، ثم حطّت، تجمّعت بحذر ثم رفرفت وتفرّقت هاربة من وقع أقدامٍ آتية، انجلى الظل عن شاب معطّر بالمسك، ثيابه تنطق بالثراء والفخامة، طرح السلام الشرعي ثم أخذ الصعلوك بالأحضان: "ياك أعروة بن الورد ! فين كنتي يا لقيط الأزقه توحشنالك، هد مدّ طايله ما شفناك"!
ابتسم إدريس واعترف: "أيام السجن معدودة ورحمة ربي موجودة يا رضات الله الوالدين ورضات السي القاضي كنت نقضي الشتا فاكونس في حبس مالاباطة".
واعتدّلَ الرايس عبد المالك بجلسته، أحسّ بالكلبة الرابضة تشمشم حذاءه فنقز منها كيلا تنجسه وتنقض وضوئه، غضّ ا بصره عن السائحة المزنطرة وغيّر نبرته إلى واعظ وهو يخاطب إدريساّ: "لاه يرضى عليك ألمسخوط وتحبس الشمكره والزطلة وزفانة، تدوز المسجد تدير النيّة وتصلّي، والعاقبة للمتّقين".
انفعل إدريس، وارتجل بوقاحة الحشاشين: " الزطلة ماشي حرام، الكذب حرام النفاق الرياء، التهي في خراك أعكو، أصلا أنا مسولتكيش علاش كتصلي، مادرتش معاك هد الرانديفو باش تخربق لي الراس ديالي بنقاش ميتافيزيقي، أنا باغي نهدرو معاك في واحد لقضية (أشار للمسافرين) هدو جوج صحاب برانية حرّاقه كلاندستا، مسافرين في رحلة كبيرة خارج نطاق شفاعة سيّدنا محمد (أشار إلى الجهة الأخرى من المضيق ) أرّيبا أرّيبا".
أنزل المهرّب النظّارة على عينيه، لبث يتقرّى الغريبين ويتحرّى قدرتهما المادية، طوى أكمامه وكشف عن زند موشوم بمرساة بحرية وصورة الكعبة وقال: " واخا اسيدي كاين جوج بلايص خاوية ف الباتيرا ، كون في راحة وريحان ( أضاف بعد إطراقة) لفلوس كيديرو الطريق فلبحر، كانز ميل درهم لا زايد ولا ناقص".
استغرب الصعلوك الأمر : "بِزّاف بزاف، لاه يلعن الطمع والفلوس "
استغرب المهرب استغراب الصعلوك : " الفلوس الفلوس ! نتايا ألمخربق كتقدر نقولي كيفاش تشري الزطلة ديالك بلا فلوس؟ شكون إلّي يخلص تمن الإيصانص وبوربوار للمخفر البحري، أسفر صعيب والحمل تقيل، لحراقة كتارين والفلوكة قلالين اذا بغيتِ حاجتك تنخدم صردلها سي درهم ".
أعلن إدريس أنه سيحاول إخفاءهما في كميون إسباني رابض في المرسى فهزّ الريس منكبه وأوضح ان رجال الجمارك مرفوقين بكلاب شم مدرّبة. أن المضيق ما عاد فالتاً وهو ليس فقط حدود إسبانيا مع المغرب لكنه حدود أوروبا مع إفريقيا أيضاً.
أقسم إدريس أن في وسعه أن يدوز للضفة الشمالية سباحة. فأفحمه الريس بقوله أن رادارات الغوارديا تكشف الحوت في الماء . أعيا الأمر الصعلوك فقال: "خاي الله، أجِب من ناداك ولو كان كافر عساك إذا كان خاك المومن ... آشنهو آخر تمن ديالك؟
مطَّ عبد المالك شفته السفلى ونظر إلى الملتمِس باشمئزاز: "ورّطتني فورطة أوِدْ الحرام، إدا قبلنا معك وقعنا فورطة خدمة لله أحمادشة ، وإدا رفضنا طلبك وقعنا في فخ الإتهام بالطمع، واخا داكور سنقبل لأن الله أوصى بابن السبيل، كل واحد يخلص دي ميل درهم، ومول النية حاجته مقضية، صافِ ارتحيتي دابه، لاباس بْهْدّ شي"!
"لاباس لاباس، إطَوِّل عمرك أشريف الحنّان، هْد كلام صافي، ساسي دي كونكريه".
سأل المصري الريسَ عن المسافه الفاصلة عن إسبانيا فأشار إلى جبال في الجهة الأخرى: "ديك هي طريفة بلاد الصليب والناقوس والخنزير، دمرها الله وأعادها للمسلمين، 14 كيلوميط لاكن غادي ناخدو طريق آخر للتمويه، 40 كيلوميط بتّقريب".
استفسر عصري المُنهك عن المدّة التي سيستغرقها المشوار، فأفاده الريس: "أربع سوايع على وجه الاحتمال لا القطع، يعتمد الأمر".
"على إيه يعتمد الأمر"؟
"صادباند على الطقس، إدا طرأت طوارئ دورية ليلية، رياح نو أمواج ،برقزامبل ".
سأله سرحان عن موعد الانطلاق فقال: "هد الليلة كنديماري عند راس ملاباطة، لبحر موالم، الحال مزيان، واليوم الأحد عطلة، عساسة الغوارديا سيفيل تقل خرجاتها للبحر غادي يكونوا متلهين بالكلاسيكو".
رفع أدريس يديه " الله يمولانا يلواحد ربي، أنصر عبدك عبد المالك على الغوارديا، وانصر ريال على برصة كاطر زيرو".
حملق المصري بالريس مفتشاً عن نسبة الصدق في كلامه سأله من يضمن أنه سيوصلهما فحفّ السبابة والإبهام: "الضمانة ضمانة لْخْلاص، والمعاهدة من الدين".
زكاه إدريس: "الريّس عبد المالك سّيرَ دياله مزيانه، انا ضّمانه ووكيله".
قال عصري : "حسبنا الله ونعم الوكيل، عصفور كفل زرزور، التهي بحشيشتك بدّك مين يضمنك".
خبط المهرب الطاولة بعصبية وخرج صوته بارداً كسهمٍ مسموم: "خليني ترنكيل، ما عندكش تْقَة فيا سير قلِّب على ريس آخر هيا فلأمان، سمحوليا ".
بحركة عصبية شال ورقة نقدية من جيبه وتركها ثمناً للشاي، هدّأه المصري: "كله إلا زعلك يا ريس عبمالك، بس الحذر ضمان... عدم موآخذة".
نظر نحو عصري يستمزج رأيه فهشّ نحلة حطّت على وجهه، شقلب حبات السبحة برتابة، صفن بفنجان القهوة، قال تحت وطأة نظرات المصري المرتبكة والمربكة: "اللي كاتبو الله بده يصير، هو عمر ولا عمرين! ".
حفحف عبد المالك إصبعيه: "هيا خلِّص، عشرآلاف درهم تتخلص دابا والبقية عند الإنطلاق، واخا أرَ تشوف الفلوس عَرْبِن لبلاصة " .
نقده عصري الدفعة الأولى، بلّل إصبعيه وعدّ المبلغ باحتراف صرّاف مدمن على القبض، دسّ شيئاً في جيب إدريس ثم أمر المسافرين أن يتبعاه.












الوادي السابع
وادي الأشراف: المضيق

الحركة ولا الحكرة، ياكلني الحوت ولا ياكلني الدود

مخرت الباتيرة عباب البحر، اختفت منارة رأس ملاباطة، التف الزنوج حول كبيرهم بابالوغوس، رجل غريب الأطوار في صدره صليب ضخم ويرتدي بدلة جوخ غير مكوية وربطة عنق فراشة، لبد المشرقيان والمغربيان والجزائري في المؤخّرة، ونظر احْمّيِّد المغربي خلفة إلى أضواء طنجة الذاوية وقال: "الله يجيب شي نيزك يطيح على هاد البلاد، الروكان ولا المروكان ".
وهزج كريمو الجزائري: "قلّع قلّع يلبابور، إديني لبلاد النور، في بلادي راني محقور "
زهزه سرحان تحت مفعول الحشيشة التي دخّنها قبل الإبحار، زرع الغليون في طرف فمه وأمعن في هذيانه، دوّر الروّاس السكّان، وقال للمصري : "بالك آسي أنور السادات، نح هد البايب من فمك، عندك تشوفنا الغوارديا".
"سلامة نظرك يا ريّس عبمالك، ده مش بايب، ده طوطم من عاج الفيلة، صيغة أخرى للتعبير بعد خسراني اللغة ".
وضع بابالوغوس رؤوس أصابع يده اليمنى على اليسرى تأمل الحراقة بدهشة مصطنعة: "عندما أرى أبناء إفريقيا وآسيا في باتيرة واحدة فلا يسعني إلا أن أحني رأسي لأوروبا".
وقال جوشوا لبابا: "ريفراند ! بمجرد وصولنا سأشتري سيارة رولز رويس وأريدك أن تباركها".
نضح وجه بابا بعلوية أخلاقية:" هيه بلاكي، هل هذا ما تبحثون عنه في أوروبا؟
قال صموئيل أن بغيته هي الجنسية الإنكليزية، رسم ثيوغراسياس بيديه شكل مؤخّرة أنثوية، وقال ديودونيه أنه يريد أن يسكن في بيت حقيقي، حفحف موسيس إصبعيه "موني موني"، تجرّأ جفرسون فقال إنه يبحث عن المال والفيللا الشقر والجنسية والرولز،
وطرح الريّس نفس السؤال على كبير الزنوج فقال أنه يسعى لكنوز أوكسفورد وكمبردج، سأله عن مهنته فقال أنه كاهن من طائفة الأدفنتست المسيحية .
علّق عليوة: " المسيحية ديانة محرّفة، معتنقوها أهل كفر يعبدون خشبة نجرها نجار.
عالجه بابالوغوس: " يو وايتي! لماذا لا تطلب لجوءك في مكّة بدل أوروبا بلاد الكفر"؟
إلتفت المصري نحو عليوة: "إيه رأي شيخ كباب كفتة الأمين، يعني لو غرقنا يهنترى منكون شهدا ولا منتحرين"؟
"بعض الفقهاء يقول شهداء، البعض يقول منتحرين لانهم دخلوا بلاد الغير بطريقة غير شرعية".
"يعني لو معك فيزا لصبانيا تروح الجنّة ولو معكشي يبقى هتخشّ النار!... أما فقهاء لا يفقهون"!
جقر الريسُ المصريَّ بنظرة جارحة: "إدا غرقنا فكلنا شهداء إلا انت ألزاطل الزنديق مصيرك جهنم وبئس المصير".
"ونعم المصير يا معلمين، النار مع الكفرة أرحم من الجنة مع الصلاعمة".
توغلت الباتيرة في عتمة البحر، امَّحق القمر، تلبّد الجو بغيوم رمادية، حلكت العتمة التحمت عناصر الطبيعة في سوادٍ كلي، واندغم بالزنوج بالليل، ارتعد صموئيل قال لرفاقه وهو يقرص جلدته السوداء: "ألَمْ أقل لكم، بلاكي نو هوب، اللون الأسود ليس لوناً بل هو غياب الألوان، ولو دهنت غرفة كلها بالأسود فلن ترَ شيئاً، السواد عمى، لعنة، عبودية أبدية محفورة في وجوهنا".
"محفورة بعقلك فقط أيها النيغرو الناقص، إنها فرية افتراها كلاب بيض عنصريون وصدّقها كلاب سود أمثالك". قال المبجّل وهو يتحسّس ياقة الفراشة ثم أحسّ أنه بالغ في تأنيب الفتى الزنجي المتوتّر فاسترضاه بابتسامة : "أني هاو سام، فإن عقدة النقص الزنجية هي ضمانة السعي للوصول إلى أوروبا".
عدّ صموئيل الرؤوس، فوجدها سبعة زنوج وستة عرب، فتوتّر أكثر وارتجف: "ثيرتين! سنغرق أيها الأخ الكبير لن نصل أبداً".
" لا تتطيّر سام، أنا نفسي ولدت يوم الجمعة في الثالث عشر وأعتبر نفسي محظوظاً".
"فرايداي! ثيرتين! يو ريفرند ! إذاً سنغوص في الماء كالرصاص الأسود، شورلي يا بابا، لن نصل إسبانيا".
" قلت لك لن نغرق، الرب معنا، يرافقنا في عبور البحر كما رافق شعبه المختار في عبور سيناء، الرب الذي أخرج إسرائيل من دار العبوديّة سيوصلنا إلى أرض الميعاد ".
"ولكن بيغ برازر، التيتانك بعظمتها غرقت في دقائق فما بالك بباتيرة مهترئة ! يمكن أن تبلعها الأمواج في ثوانٍ".
" أوه سام ! أنت دائما تستنتج من كل حدث أسوأ من يمكن استنتاجه، يو نو كِدْ، البحر ديمقراطي لا يفرّق بين تيتانيك الأغنياء وباتيرا الفقراء، والعواصف لا تقلع الأعشاب وإنما الأشجار الكبيرة، غرقى التيتانك هم الذين فضّلوا البقاء في السفينة العملاقة بينما نجى الذين خفّوا إلى قوارب النجاة.
"ومع ذلك وحدها مراكب الفقراء تغرق يا أبتِ، حدسي ينبئني بأننا سنغرق كما غرق فرعون في البحر الأحمر".
أحاطتهم كتل الظلام الكثيفة، تعارض هدير الموج مع الصمت وأعطاه عمقاً وبُعدا ورهبة وتضافرت قوى الطبيعة لتؤكّد مخاوف صموئيل، ومضت السماء وتحوّلت الرطوبة العالية إلى غيوم قاتمة، الريح المؤاتية إلى عاتية، توتّرت صفحة الماء كشّر النو عن أنياب صفراء، بوغتوا بموجة رفعت الباتير ثم خفضتها، تشبّث الزنوج بالعرب واختلط التسبيح القرآني بالترتيل الإنجيلي، والهادي بالفادي، وشرع عصري يسبّح بحبّات السبحة: " إقروا يس وقُلْهُوَلْ ، وحِّدوووه.
"لا إله إلا لله وحده، يا منجّي من المهالك نجّينا ملبحر لغدار وشِدْنا فِلْحَيّين"!
" يا رسول الله يبوعمامة خضرا، آمولاي عبد سْلام قنديل جباله "!
"أللهم إني عبدك ناصيتي بيدك، نجّيت نوح من الطوفان وأنقذت يونس من قرار البحر".
"لورد هافّ ميرسي، لورد هاف ميرسي، كيرياليسون كيرياليسون ".
حصّنت الحشيشة المصري ضد الخوف، زم عينيه كمحرّض شيوعي سخر من المبتهلين : " ده أحوال جوية يا بَجَمْ.
زجره الروّاس: "كون فتحت فمك بكلمة أخرى غادي تنرمى بالبحر، صافي ألمقرقب"!
صرخ صموئيل: "قلت لكم هذه الباتيره منحوسة ، سنكون وليمة للأسماك ما دمنا 13".
انتصب بابالوغوس واقفاً، فشخ رجليه ورفع الصليب الضخم برقبته إلى مستوى رأسه:
"In hoc signo vinces ; halleluia, halleluia ; salvation and glory.
أغمض المبجّل عينيه رفع الصليب أعلى ورفع صوته أقوى: " استقووا على العتمة بالنور الداخلي في أعماقكم لا تخافوا، الربّ قوتنا، سينصرنا على الأمواج، وينشلنا على أجنحة العقبان، هيا لنبتهل، (طأطأ جبينه وثبّت إصبعيه فوق أرنبة أنفه الأفطس رتّل) أبانا الذي في السموات ليتقدّس اسمك، لِيأتِ ملكوتك، لِتَكُنْ مشيئتك في السموات كما في البحر، لا تعرّضنا للتجربة ولا تدخلنا في قبضة الغوارديا سيفيل، لكن نجّنا من الغرق".
دوّت حناجر الحرّاقة الزنوج كأنها حنجرة واحدة ""آمين"
" إحبس المطر، بدِّد الضباب والموج، إصرف عنا حيتان القرش"
" آمين "
"أهِّلْنا جميعا للوصول إلى الضفة الشمالية، وكن معنا حتى جبرالطار "
"آمين".
"ورافقنا ونحن نجتاز جبال البيرينيه من إسبانيا إلى فرنسا".
"آمين، ".
"لا تتركنا ونحن نعبر بحر المانش بل ساعدنا لنحصل على الأزيل في لندن".
"آمين "
تمايلوا عن اليمين وعن اليسار وصفّقوا تصفيقة رجل واحد في هوسة أهازيج:
" London is a wonderfull place
Filled with glory and grace
I want to see my savior’s face
I want to go there ".
جنحت الباتيرة مع التيّار وراوغت الأمواج ثم شرعت تعلو وتهبط بتوازن هشّ، تجمع الماء في داخلها وفوقها وتحتها ومن حواليها، رأى الريّس أنه لا يسيطر على الوضع فخفّف السرعة، حرف الدفّة وساير اتجاه الريح، ثم أطفأ المحرك بانتظار أن تنجلي عاصفة النو، استغل فرصة التوقّف الاضطراري فأفرغ غالون مازوت في خزان الوقود، أعطاهم كيلتين وأمرهم بإفراغ الماء الراسب في القاع، طلب الزنوج من الرواس أن يطلق نداء استغاثة SOS من هاتفه الجوال، فرفض بحجة أنه خارج التغطية وفي المياه الدولية ، شفّ الخوف عن سحنات مسترسلة واجمة، واستفحلت أحاسيس الخطر الداهم، ترقّقت ملامح احْمَيِّدْ وغمغم: "تلاتة ما فيهم أمان المخزن ولبحر والزمان، لاه يجعل الصباح يكون ولد ليلتنا".
وزفر عليوة بجبرية شرقية: "ألله يرحمنا ويرحم أموات المسلمين، الحوت غادي يشبع من لحمنا".
فزّ عصري كالملدوغ: "يا ساتر ! حوت ! سمك القرش! يه يه يه !العزا عليك يا بوميلاد إجا مين ييتّم عيالك".
عبثت الحشيشة ودوّار البحر برأس المصري فتقيئ، فاعت رائحة تغوّط ونظر كل واحد نحو الآخر، ارتبك صموئيل تحسس أحشاءه عند الصُّرّة خبئ وجهه عن أنظار الحرّاقة الذين أحرجوه بأنظارهم، شجّعه الروّاس: "ألليي مونامي السموأل، آن بو دي كوراج، أنكور دي كوراج، توجور دي كوراج، ديمه ديمه كوراج ".
زرروا السترات ووضعوا الطواقي ودسّوا الأيدي في الجيوب وأحنوا رؤوسهم التماساً للدفء، صرخ كريمو بوجه الريس : "رانا كريفينا مِلْبَرد، فازي سْتخيرلاه قَلّع، إلّي دخل لبحر ما يخافش الرّش، خلي نغرقو رانا ديجا ميتين".
نظر الريّس إلى الساعة، دقّ على خشب الفلوكة وتمتم "بسم الله مسريها ومجريها " سحب خيط الماطور فأقلعت، انتصب بابا واقفاً وعاد يبتهل بحماسة: "أصبروا، اعتبروا بجوب الصابر، امتثلوا بالقديس خوان دلاكروز كان يبحث عن الله في أحلك ليالي النفس في عدم النّادا
حرّك ذراعيه كمايسترو، أعطى الإيقاع بطقشات أصابعه، استجاب الزنوج، تخصوروا وصفّقوا، تمايلوا في رقصة أدغال تحوّل القارب الخشبي إلى غوسبل:
"Nobody knows the trouble I see
Nobody knows but jésus
Sometimes Im down
Sometimes Im almost to the ground ".
تثاءب سرحان، تلاشى عنه مفعول الحشيشة مع التقيّؤ وتسرّب إليه إحساس الخطر، ارتعد تحت ثيابه المبللة، رسم بالغليون تابوتاً عائما في داخله 13 جمجمة وعلى مؤخرته يرقد عزرائيل مسلّطاً منجلاً على الجماجم، أرعبته الرسمة المرعبة فدَوَّر حوافي التابوت وجعله فلوكة، غيّر ملامح عزرائيل إلى حورية بحر، حوّل العتمة إلى قوس قزح.
تبددت الغطيطة وانقشعت الرؤية، لمع ضوء خطف بريقه سواد القلوب، ظهرت منارة بحرية على رأس جرفٍ عال، اتجهت الأعناق إلى جهة البر وإسبانيا، لمعت أسنان الزنوج العاجية، خرجت أصواتهم في وقت واحد: "هللويا هوشعنا ...
" ذوكصا بتري ...
"ذا لايتهاوس ، سالفيشن أند كلوري......
" كرمبا... فيفا إسبانيا
شبك بابا أصابعه وشخصت عيناه على الشاطئ، كرّز بالبشارة: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر (رفع يديه عمودياً) لتكن قلوبنا مرتفعة إلى العلى (مدّها أفقياً) لتكن أفكارنا وعقولنا وأبصارنا مرمية نحو برّ الخلاص (طأطا رأسه) لنشكر الرب متهيّبين ونسجد له خاشعين (جثى راكعاً) تبارك الرب صانع العجائب، الرب سمع صلواتنا، الرب معنا، يرافقنا يهدينا الطريق، يسير أمامنا نهاراً في عمود من غمام وليلاً في عمود من نار"
انتابته لوثة دينية، رأى في المنارة معجزة الحضور الإلهي، فصرخ: " الحق الحق أقول لكم أنها العليقة المتقده، لهيب نار تشتعل ولا تحترق، هللويا هللويا
وخشي الريس من أن تلفت الأهازيج انتباه المخفر البحري رفع صوته في وجه بابا: "دين ديماك السّوفاج المتوحّش أعزي أفريكانو بابالوكو، اكلس بحال عباد الله كتحسب راسك نبي الله ولا فيك لبواصير "
تناول الريس الجوّال وعبث بأزراره فإذا به تحت التغطية، هاتف شخصاً بكلمات مقتضبة بالإسبانية أنهاها بكلمة "أفيرماتيفو" أشرق وجهه بما يوحي أن الأمور تسير على أحسن ما يرام، وخفّف السرعة وأطفأ المحرّك على مبعدة ربع ميل من اليابسة، أشار على الحرّاقة بالتجذيف بأيديهم فانتظموا ستة عند كل جنب وضربوا أيديهم بالماء. تلألأت فلل مشعشعة بالأنوار على قاطع جبل فقال الرواس أنها" ثاهيرا دي لوس أتونيس " دبّ فيهم الحماس فجذّفوا بوتيرة متسارعة مع اقتراب البرّ، وقف بابالوغوس ينخّيهم: " هللويا، فلنجذّف، جذّفوا أسرع أيها البوت بيبول الشجعان، جذّفوا كأجدادكم العبيد الأسرى في حرّاقات الوايتي، جذّف أيها العبد الزنجي، أيها العبد العبد، جذّف أيها العبد الداشر الآبق، إما أن تجذّف أو ترمى في البحر، هاللويا".
أشار الرواس إلى عمود إرسال يبثّ ضوئاً أحمر متقطّع، قال لهم أنه يقع وسط مقبرة كلاب وأن عليهم صعود الجبل مهتدين به إليها والإختباء هناك بانتظار مجئ عميل إسباني سمين لقبه "الكوردو" وهو بدوره سيوصلهم إلى قادش، وعيَّن بابالوغوس قائداً للطريق بحكم سنّه وحكمته، وأعطاه نمرة هاتفه الجوال ليطمئنه في حال الوصول، انتصبت يافطة مكتوب عليها " Plage Robinson"، سُمع صوت الموج يرتطم بالزّلَط، انكشف بنغالو معشّش في خضرة الطبيعة وأمامه لوحة نيون ضخمة تضيء بأحرف Restaurant Le Mirage، ظهر سنسول خشبي مرتجل من جذوع الشجر يخوض في الماء وعليه فلوكة خشبية مجلفطة بالقار ومقلوبة. أجفلت طيور بحرية رابضة وطارت، تقدّمت الباتيرا بثبات وعناد من رأس السقالة الخشبية ربط الرواس حبل الباتيرة بها وقال: "لحد هناي أنا مسؤول عنكم ومن هناي وفوق أيها المؤمنين عليكم بأنفسكم صافي! نوضوا، هْبِطْو ملفلوكه، لاه يطرح البركة ويفتح عليكو بيبان صبانيا".
وأمسك عصري من يده ودفعه وأتبعه بالمصري والمبجّل وبقية الحراقة : "هيا رْدّ بالُك طانثيون، بون كوراج، دوز زرب، سير بْلا حس ازْمِطْ، تهلا فروحك "
أفرغ الباتيرة من حمولتها، أدارها خفيفة نحو عمق البحر وودّعهم بتلويحة يد: " أنْضا أنضا سْويرتي ،الله يسهّل، الليل بودنتو والنهار بعونتو، عيط على الله والخير القدام".

بانتظار كوردو

تخطّوا عقبة البحر وداسوا عتبة البر، اندفعوا بعنف القراصنة باتجاه الغابة، بدا الزنوج سعداء سعداء في منتهى السعادة الزنجية، والعرب في ذورة النشوة العربية، وزال التطيّر عن صموئيل بعدما صاروا دزينة، طقطق عصري أطرافه وتوغّل في دغلة ليفرغ أمعائه، انتهز فرصة ابتعاده فأشعل سيجارة وشفط أنفاسا متلاحقة، خبأ جمرتها في تجويفة يده أحس بانتشاء متعدد المعاني : سعادة الوصول مشفوعة بلذّة إعمار الرأس وإخلاء الأمعاء . جرجر سرحان دهشته المتوثبة، هام في عالم سحري وهو يرى الأرض الموعودة حقيقةً ماثلة أمامه وخلفه ومن حوليه وتحت قدميه .
صلّب المبجّل وقبَّل التراب باحتفالية ثم نادي على الحراقة، وقف بغطرسة كابورال مهووس بإعطاء الأوامر (البساطة الظاهرة على وجهه قناع يخفي الإحساس بالأهمية والإناطة بمهمة خطيرة)، قال بنبرة بروسية: " إفتحوا أعينكم احترسوا، لا تدخّنوا ولا تظهروا وجوهكم فوجوه العرب والزنوج تهمة بحد ذاتها، ردي لت اس غو".
تلفّت يمنةً ويسرة ككشّاف استطلاع في كوماندوز ليليّ، ومشى خطوات على أصابع رجليه بمشية البطّة، زمّ عينيه كخفّاش يبصر في الظلمة وانبطح، أشار عليهم بالانبطاح، صفَّر وأشار عليهم بالوقوف ثم بالقعود ثم بالقيام ثم بالإنحناء، لم يستجيبوا له بنفس السرعة فقعد جزء وانتصب جزء وضحك الكل، لبثوا حائرين ينتظرون ظهوره لكنه غار كلياً في مكمنه ولم تبدر منه إشارة، انبرى سرحان غاضباً: "خِفَّها يباباكافور، شهِّل يا بو دم ساقع، إنت فاكرها خط برليف، أهيه القرافه باينه فشختين".
خرج صوت بابا ، سمعوه دون أن يروه: "شات آب وايتي، لست أعمى لكني أقصدها بطريق زكزاك، من قبيل الحيطة ".
وانتصب المبجّل وسار بأبّهة فاتح موريسكي، وساروا ورائه متحسّسين طريقهم كالعميان، تراجع السفح وصار البحر تحتهم، فاعت رائحة قرصعنّة وعليق وصعتر، انكشفت طبيعة جليلة زادها الليل جلالاً: أشجار صنوبر وبلوط وآغاف وصبار ومدرجات جبلية مستصلحة. سُمع صوت أجراس، تبيّن أنها أبقار تجترّ في مراح مسيّج، سُمع نباحٌ آتٍ من بعيد فظنّوها كلاباً محبوسة في أقفاص لردع الحرّاقه المتسلّلين ثم تبيّن أنها سائبة في جولات ليلية، ظهرت أربع سروات تعلّم أربع زوايا وسوراً مربّعاّ في أعلاه قطع زجاج لردع المتسلّقين، وعلى طول السور رسومات تاغ غرافيتي، أحرف ضخمة بكل لغات البلدان المصدّرة للحرّاقة، بلغوا بوّابة خشبية مهترئة قربها حنفية ماء ومرشّات ودلاء، رفسها بابا فانخلعت وفاحت رائحة سمك فاسد ممزوجة برطوبة البحر وبراز متعفّن، ظهر على ضوء عمود الإرسال مجسمات جبصية لقطط وكلاب من كل الأعراق، وقبور عتيقة من زليج وغرانيت عليها أصص ورد بلاستيكي وهورتنسيا وجيرانيوم، وظهرت أضرحة فخمة على شواهدها كتابات بلغات مختلفة:
See you in paradise رافاجور وأوتيللو كلبا البرنسيسه دي طوفار:.
Heureux qui comme Ulysse vit dans notre coeur عوليس :
Je sents toujours tes pattes de velours إيكار قطّ القنصل الفرنسي:
he has many blue ribons to his credit غوليات حصان مستر فوربس:
Lagrimas Pena i Tristeza أوروس كلب الدوكيسا دي سيدونيا:
جونكاي كلبة بول بويلز: كلمات امّحت بتأثير الزمن وأسيد الأمطار فوقها أحرف RIP
سأل جفرسون المبجّلَ لماذا يكتب الإسبان على أضرحة كلابهم بالإنكليزية. فأفاده بأنهم في جبل طارق وهو جيب بريطاني في أرض إسبانيا. اندهش صموئيل : " إذا كانت الحيوانات مدلّلة في إسبانيا لهذه الدرجة فكيف حال البشر"!
بسط بابا مفاهيمه النسبية: "إسبانيا صاعداً إليها من تحت من ماروكو تبدو غنية جداً، لكنك لو نزلتالها من فوق من إنكلترا فهي فقيرة".
" هللويا ! إذا كان أفقر بلد أوروبي هكذا فكيف ستكون إنكلترا"!
لفت انتباه موسيس قبر تحفه سروات قزمة ويعلوه نصب من مرمر أحمر يمثّل جرو كانيش وحُفرت على المتن كلمات
: "Here sleep Treasure Gone but not forgotten
فرك الزنجي يدَيه : "تريجر تريجر، ،تعالوا ننبش هذا القبر ونستخرج الدّرر، الوايتي عادة ما يكونون أثرياء ومبتورين من الورثة، لذا يدفنون مجوهراتهم مع كلابهم".
نهره بابا: "دعك من هذه الترهات موس، لن تلقى إلا جمجمة ورميم عظام، وفِّر جهدك لحاجة أهم".
تخفّفوا من أكياس الظهر وارتموا على مصطبة وأخرجوا الزاد، شبك بابا رؤوس أصابعه على جبينه، تلا صلاة مقتضبة طالباً من يسوع أن يبارك علب السردين، واكتفى عصري بكعكة بقسماط، زلط المغربيان والجزائري بضع تمرات، لم يحس سرحان بجوع، رمى بصره على البحر وأضواء الجانب الآخر من المضيق، بخلاف إسبانيا التي ظهرت حلوة من مقهى "الحافة" فقد ظهرت طنجة قبيحة من جبل طارق، حرّك الغليون ورسم صورة تقريبية للغد وشكلاً للرفاهية والأحلام العريضة، ثم ثبّت الغليون في طرف فمه، نهره بابا: "هيه كابتن هادوك، إنزع هذا البايب من فمك".
"سلامة نظرك يبروفسور بُرْجل ،ده مش بايب ده نكاشة أسنان تساعدني على الهضم".
صبوا القهوة من كظيمة التيرموس، قعدوا يدردرشون ويجترون الكلام المعتاد عن أوروبا، أصرّ تيوغراسياس على أن الدولارات فيها تُلَم عن الأرصفة وتحدّث جوشوا عن كارد يوضع في صندوق في حائط ويخرِّج نقوداً من طريق كود سري، وأعلن موسيس أن فيها مطاعم بيتزا في كل شارع، وإذا كان الزبون مريضاً فالمطعم يذهب إليه ويحضر البيتزا إلى بيته "تيكْ أواي". قال كريمو ان فيها رجال مائعون كالنساء ونساء مسترجلات كالرجال أكّد احميد أن فيها صندوق زكاة إسمه الصوصيال وفيها مجانية العلاج والسكن والتعليم والتكافل والرفاهية، ثم أجمل رأيه بعبارة بالغة الكثافة: "ما خاصهم شي كاع".
مسَّد عليوة لحيته الشرعية واستدرك: "ما خاصهم غير شهادة لا إله إلا الله".
عضّ سرحان الغليون بعصبية واضحة : "أصلاً البلاد دي عمرت وصارت لأن صلعمو بتاعك لسه موصلهاش وإلا كانت أفغان وصومال".
هبّ المغاربة في وجه المصري فوقف عصري وحال بينهم، وانفجر بوجهه: " بهدلتنا بكُفْرَك ... يلعن ربّك ورب دريس اللي اعطاك الحشيشة
نظر صموئيل حوله وابتسم ابتسامة مريرة: "الكلاب هنا تُدفن في قبور رخام والبشر في رواندا تُدفن في البحيرة، ديننا كدينهم ومع ذلك نحن بؤساء"؟
أمسك المبجّل النظّارة ومرّر إطارها على أسنانه: " نحن بلاكي وهم وايتي، نحن نؤمن بلاهوت الفقر وهم يؤمنون بلاهوت الإزدهار، فقرنا ناتج لا عن كوننا ضحايا الرأسمالية والغبن وسوء توزيع الثروة بل لأننا لم نستجب بعد لنعمة الله الكبرى، أي مين ديفاين غريس، زا موست إمبروتانت كابيتال ".
لم يفهم صموئيل شيئا فهزّ رأسه بإعجاب: "جميل جميل أن تمارس حكمتك علينا يا بابا، يو آرْ آزْ وايْز آز سولومون".
هزّ المصري رأسه باستنكار: "يو آر آز باوْنْتي آز مايكل جاكسون، وجهك إسوِد داخلك إبيِض".
هبّ الزنوج في وجه المصري فحال عصري بينهم ووبّخ صاحبه: "حاجي عاد يا زلمه، قوللي شو بتكره بقوللك التمييز العنصري والزنوج ".
وضع بابالوغوس إطار النظارة على شفته السفلى، قال بنبرة فلسفية محايده: " في كل مرة يلتقي عنصران مختلفان فالعنصرية ثالثهما، هذه الآفة الإنسانية موجودة في أوروبا وفي أمريكا، العنصرية موجودة فينا نحن البلاكي أيضاً، في أفريقيا وفي كل القارت ... باستثناء القطبين المتجمدين ".
تحسّس الفراشة على نحره وأكمل بنبرة رعوية : " مهما يكن من أمر، فلا بدّ من التفاؤل في طريق الخلاص الذي أتمّه الرب يسوع بموته النيابي والكفّاري لأجلنا، أوروبا بغض النظر عن عنصريتها هي الحضارة الكونية، تأقلموا معها كما يجب واقتدوا بالرومان في روما".
تجشّأ تيوغراسياس ورمى علبة السردين فارغة على متن احد القبور، نهره بابا بلهجة قراقوشية: "هيه تيو قلت لك اقتدِ بالرومان في روما وليس بالعبيد في الغابة، ".
شال الزنجي علبة السردين عن القبر ورماها على قبر مجاور، أخرج الزنوج ورق كوتشينه لتزجية الوقت، تجدّب سرحان وتثاءب ثم صفع برغوثاً حط على خدّه ثم صفع خذه الآخر ثم صفع بيديه الاثنتين صدره وجبينه وخدّيه ورقبته وصرخ: "ملعون أبو طول البال، أكلوني البراغيت، شهرزاد وأدركها الصباح وحضرة المحترم غردو لسه ما لاح ... يهنترى الددع مواعدنا على توقيت غرينتش ولّا على توقيت مكة ؟".
سُمع مواء قطط سائبة تتسافد فذُعر صموئيل رمى ورق الشدة: " يجب أن نعمل شيئاً بدل لعب الكارطة".
"نعمل شيئاً سام !ماذا سوى لعب الكارطة، بانتظار غوردو الذي تأخر قليلاً " قال لبابالوغوس
طمأنهم احميد أن التأخر عادة إسبانية مكتسبة من العرب وقال: "إسبانيا إز ديفرانتيه ".
سُمع صوت آذان الفجر آتياً من بعيد، فأنصتوا، أوضح عليوة أن الآذان يجاوب في الليل حتى الجهة الأخرى من المضيق، ورجّح احميد أنه آتِ من عين المكان، فاندفعوا خارج المقبرة، جنَ جنونهم على مرأى إشارة سير بالحرف العربي "طنجة، أصيلة، منارة، رأس إسبرطيل". لبثوا واجمين ، أدركوا أن الروّاس لم يعبر المضيق جنوباً شمالاً بل عبره شرقاً غرباً في نزهة بحرية في المياه الإقليمية المغربية تبدأ من رأس ملاباطة وتنتهي عند رأس إسبرطيل. في مقبرة كلاب من مخلّفات المقيمين البريطانيين زمن الحماية الدولية ،ارتفع العياط، لطم بابا خدّيه: " يا ويلي رهنت بيتي وذهب زوجتي "
جثى صموئيل على ركبتيه ملقياً رأسه بين راحتيه: "تعساً لي ضاعت كل مدخراتي ".
خانت احميد دمعة فخبئ وجهه : " حشهالنا القوّاد دلْ خُبْتْ ولخضيعه والتشفاريت".
اتسعت عينا كريمو : "ربّك، جي ريين كومبري، مزالنا فلماروك !".
أحسّ سرحان بقدمَيه تغوصان في التراب تهاوى على بعضه عاجزاً عن الصراخ، أخرج حتّة الزطلة المتبقية، ظل عصري يشقلب حبات السبحة بعيداً عن التشنج، اجترّ المقلب بفلسفة، أشعل سيجارة، استغرق في خيانات سفرجلة وحاتم والطاهر .
رممت الحشيشة ما تصدع من نفسية المصري فشعشع ومج نفساً عميقاً ونفث دخانه في وجه المبجّل: " هللويا يبو المسك، إنت بالمغرب لا تستغرب "
شهر بابا الصليب بوجه المصري: "فادي رتيروت ساتاناس، فادي رتيروت ساتاناس".
ثم اقترب من زنوجه دمدم بغريزة الكرّاز : " هيا لنصلِّ لنبتهل، لنلتمس وجه الرب ...
"فاك يو صلِّ وحدك أيها الشارلتان. صرخ صموئيل بالمبجّل، خلع كيس الظهر خبطه بالأرض ورفسه برجله ظل يشتم : "فوك أبَدِلْ، فوك موروكو أند تانجير، فوك أرابس إند إفري بودي ".
وشهر أصبعه الوسطى بالسواحل المقابلة: "فوك يو سْبينْ، سأعود إليك ولو جثّة".
































الوادي السابع
مكرّر

عند المضيق مالك صديق

مخرت الزودياكات الثلاث عباب الموج والعتمة في ثلاثة خطوط متوازية، توغلت داخل المياه الإقليمية الإسبانية (كانوا قد انطلقوا قبل ثلاث ساعات من وادي اللاو ). زاغت عينا عصري إلى الوراء نحو شبح الموت الذي يجالسه في مؤخرة الزودياك، رآه يغزل خيوط القدر على نولين والخيوط توشك أن تنتهي في نول الحياة لتملئ مغزل الموت. رأى وراءه ستين شمعة مطفأة، وأمامه شمعة وحيدة توشك أن تنطفئ ذبالتها، تطايرت مياه البحر وطيّرت البرنيطة السوداء عن رأسه فأحسّ بجزءٍ من بدنه ينفصل عنه، حكّته يده اليسرى وأهداب عينه اليمنى، تحوّلت شقلبة حبات السبحة تسبيحاً متوتّراً.
دوَّت طلقاتُ رصاص وأضاءت عتمةَ البحر قنبلةٌ ضوئية، سُمعت رطانة من مكبرّ صوت وبان طرّاد على متنه بحّارة يلبسون صديري فوسفورية، وانفلشت الزودياكات في ثلاثة اتجاهات لتضلّل الدورية البحرية، وانحرف زودياك الميسرة نحو اليسار وظلّ الوسطاني مبحراً في خطٍ سهمي، وانعطف زودياك الميمنة بحدّة إلى جهة اليمين ودلق في البحر نفراً من الجالسين على الحافة اليسرى ومن ضمنهم المشرقيَّين، ارتفعت الأمواج وصرخات الإستنجاد "هَلْبْ هلب"، وتسابق الغارقون في ما بينهم للاستئثار ببيدونيْ مازوت فارغَين سقطا مع جملة الساقطين، فلتت غريزة البقاء، انقلب البحر إلى ساحة معركة، وتنافس ثلاثة على بيدون بلغه أحدهم وتشبّث به بيدَيه ورجلَيه ورفس المزاحمَين وعضّهما وأبعدهما عنه، تشبّث الذي لا يجيد السباحة بالآخر من حلاوة الروح فأبعده عنه ثم تشبّث بحبال الهواء أخذ يستغيث فلا يغاث، ابتلع ماء ثم ابتلعه الماء وغاص، تحوّل إلى فقاقيع هواء، سُمِعت زعقات حادة يائسة ثم صراخ متقطّع والتهم البحر رجلاً آخر، باعدت الأمواج البيدون الشاغر إلى الجهة الأخرى وجعلته من نصيب سرحان فانقضّ عليه وجذّف مبتعداً بعدما رأى نفراً يسبحون نحوه، شاء حسن طالعه (أو سوء طالعهم) أن لنشاً آخر مرّ بينهم تاركاً موجتَين إحداهما دفعته مع البيدون إلى اليسار والثانية دفعت المطاردين إلى اليمين فاندفعوا يطاردون البيدون الآخر، تقاتلوا في ما بينهم وضدّ الموج في صراع غير متكافئ، بلع البحر رجلاً ثالثاً، سمع المصري صدى صراخ عصري يناديه باسمه فطنّش متناسياً روابط الدم والعيش والملح وجذّف مبتعداً عنه كي لا يزاحمه على حياة لا تتسع لشخصَين، ضاعت الغيرية في الأنانية كما تضيع الأنهار في البحر ، من يفكّر بصديقه بهذه الشدّة الشديدة، من يفكر بغير نفسه في هذا البحر الغدّار...
تباعدت الطوّافتان في اتجاهَين مختلفَين وصارتا نقطتَين سوداوَين في اليمّ الشاسع، هدأت الأمواج العالية إلى خفيفة كأسنان منشار مثلومة، ارتطمت القنبلة الضوئية بصفحة الماء، اسْوَدَّ الأفق ولم يعد يُرى غير العتمة ولم يعد يُسمع غير خبط الماء وهي ترتطم بأجساد من لم يبتلعهم البحر بعد.
سعل عصري وبصق وكاد يتقيأ أمعائه، مد يده إلى زنده فلم يجد الحجاب، انقطع خيطه في الاشتباك (سبحة القهرمان هوت أيضاً في القاع) لقي نفسه مُشتتاً.مُبعثراً في سواد يترك الرجل الوحيد وحيداً، حاول أن يوهم نفسه بأنه يتوهّم، بأنه يحلم، بأنه يسكر، بأن رؤية تتراءى له، لكن عبثاً إنكار الواقع لا يلغيه، إنه غارق ولا سرحان ولا رفيق، إنه غارق وموشك أن يتحوّل إلى غريق، سرت رعشة سامّة في بدنه فقتلته حياً وأشعرته بالنهاية قبل أن ينتهي (الغارق هو الرجل الوحيد الذي يموت على دفعات)، انتفض في حركة صاخبة كدجاجة ذبيحة :" يا الله دخيلك، أنا جار سيدي خالد، برقبتي أيتام قواريط".
نقلتْ إليه الرياحُ المعاكسة صوت المحرّكات وهي تبتعد وصدَّت صوتَه، التقط أنفاسه وفرد يديه ورجليه في توازنٍ هشّ، قوَّس ظهره للتحكّم بالتنفس وظلّ وجهه فوق الماء، عام على بطنه، أنكفأ على الجانب الآخر، شقّ الماء في سباحة الصدر، في سباحة الكلب، في سباحة الفراشة وفي سباحة جانبية بيدٍ واحدة. سبح بطاقة النجاة وسعار الحياة. ثم سبح بحميّة اليأس وغريزة الإفلات من الموت. شرَّق ثم غَرَّب ثم شمأل ثم دار حول نفسه بلا هدفٍ واضح سوى تجنّب الغوص، صرخ باسم صاحبه ثم ذوت الصرخة في حنجرته وقال لنفسه ... يا خائضاً بظلام البحر والهلكة أقصر عناك فلا نجاة في الحركة، المكتوب ما منو مهروب، الأجل النصيب...
راوده إدراك عميق بأنه طوال حياته كان نائماً ثم استيقظ في البحر، أن الموت هو الحالة الطبيعية فيما الحياة هي الاستثناء، أنه رغم كل شيء فهو محظوظ لأن الموت لم يغتاله غيلة بل ترك له مهلة التوبة، أدرك إن الأوبة إلى الله هي سفينة النجاة، فحرّك الشاهد وتشاهد ليسهّل رحلته إلى العالم الآخر، أقنع نفسه بأن هذه العبارة السحرية سوف تُسقط عنه أطنان الذنوب والآثام التي اقترفتها، حصّن معنوياته بالمعوذتَين والصمدية (كل ما يعرفه من القرآن) فتحوّل الذعر إلى أمان، والخوف من الموت إلى استهتارٍ بالحياة، ارتسمت على وجهه وداعة الأطفال وغبطة التماس الخلود، شرع يحلم بالجنّة كأنه ضامنها سلفاً، دسّ يده في جيب الصديري وأخرج الصور الثلاث: حنطورٌ يجرّه بغل ناتئ الضلوع مهدّل الخصاوي على خلفية خربوش النَّور، سرحت عيناه في تطليعة لبعيد، في رجعة مباركة للزمن الغابر رأى خمسين شمعة مضاءة أمامه وإحدى عشرة مطفأة خلفه، ازدحمت الصور في استحلاب الذكريات. القافلة الغجرية تتهادى على إيقاع المواويل، والغجر يشعلون ناراً في قلب الظلام، يهيّصون ويطبّلون ويزمّرون ويعزفون ويغنّون ويرقصون في وقت واحد، وهم يقرأون أكفّ المارّة، وهم يغيرون على خيرات الحقول المحيطة بهم... كانوا دائماً على سفر يرحلون خفافاً مرحين، لا شجرة تربطهم بالأرض ولا مزرعة ولا بيت من طين، لا يستقرّون في مكان إلا ليغادروه، قطعان بشرية سيّارة وحدها لا بحثاً عن شيء بل فراراً من لا شيء، لا سعياً وراء الكلأ والمرعى وإنما وراء الرحيل ذاته، وفي ملاحقة غروب الشمس وقوس الغمام الملوّن، يختفون مدة ثم يظهرون غفلة كالأعشاب النائتة من شقوق الكتل الخرسانية، كانت نظرتهم نسبية للمعاصي فالخطايا في عرفهم أخطاء، السرقة اقتسام عادل لخيرات موزّعة بشكل مجحف، الخيانة الزوجية نزوة من نزوات اللحم البشري، الكذب ليس نفياً للحقيقة ولكنه درع يقيهم شرور الكاجو، كان الدين عندهم هوية عرضية، الله حين وزّع الشرائع على الأمم كتب شريعتهم على ورقة ملفوف فجاء حمار وأكلها، حين يتكلّمون عن الرب لا أحد يعرف أي ربّ يقصدون، يدينون بدين المدينة التي يخيمون قربها، ولا يهمّهم من الدين طقوسه بل أعياده وموالده ومواسمه والصدقات، كان سعيداً لأنه صبي ولأنه غجري ولا يذهب للمدرسة، يسرح أينما شاء ويسرق ما يقع تحت يديه، يلاحق الفراشات، يتكلّم مع الأحصنة ويراقص الدببة، يتكفّف المصلين عند الجامع النوري وكنيسة الأربعين وينادي "من مال الله". انطفئت الشموع ببطء وكبر على مهل فحمل صندوق مسح الأحذية أمام أوتيل قصر رغدان منادياً على ذوي الكنادر المتربة "بويا بويا"، كبر بسرعة وتكبّر على هذه المهنة فحمل السمسونايت وصار يجول بشارع إبن عوف وينادي على أصحاب الأسنان المسوّسة "اْسنان، اْسنان".
ونظر إلى الصورة الثانية: زوجته سفرجلة، امرأة صبيحة الوجه، سيّال على الشفّة السفلى وترديع على الخدَّين وشناف في أرنبة الأنف، شهوة مسطّرة بين العينَين ... ما أغباه حين ورّط نفسه بهذه الأنثى الشبقة التي ما كان جديراً به أن يختارها أمّاً لأبنائه، كانت تخونه مع العرب والتركمان والكرد، إذا اشتدّت نزوتها تخرج هائمة فاردة شعرها وتغوي أول عابر سبيل، أو تذهب إلى سوق "الفيصل" وتختلي مع أحد التجّار في المستودع الجوّاني، كان كل نهار يحلف بأن يطلّقها، بأن يجدع أنفها، بأن يجزّ شعرها على الصفر، وعندما يحين الليل ينسى ويصالحه معها إحساس غامض مثير (يشتهيها لا رغم الخيانة لكن بسببها)، كانت "تتطلع لبرّا" لأنها عاجزة عن أن تبقى جوّا، ليست قحبة ولا مومس ولكنها تهيم بالرجال، النكاح بالنسبة إليها ليس إدخال اللحم في اللحم ولكنه إخراج الحياة من الموت. سامحها وقبّلها، نظر إليها النظرة الأخيرة، دندن بموالٍ شجيّ حزين كغناء البجع :
"لا ريد كفنكم ولا اليغسلون وبموج البحر كَفِّننِّي
لا ريد قبركم ولا اليحفرون بحضن سفرجله ادفنني".
رمق الصورة الثالثة بحنان أبويّ: أولاده مصفوفون من الأكبر حتى الأصغر، هل هم حقاً أبناؤه؟ لكنه يحبّهم ويسمّيهم الضنى ويعطف بشكل خاص على إبنه المعوّق حوشب، دهسته سيارة بالعمود الفقري وتوقّف جذعه عن النمو، بلغ عامه السابع عشر كأنه ابن سبعة، مشوار أوروبا لأجله كي يكسب قرشين ويحكّمه...
لم يحسّ بالدموع وهي تنساب على خدّيه وتمتزج بماء البحر، أشكل عليه الأمر بأن الصورة هي الواقع وبأنه هو الصورة، هيأت له كيمياء المخّ أن رأس حوشب الغائر بين منكبيه يستقيم والحردبة تختفي والصدر يعتدل وقطعة الجسد تتطاول. ابتسم للأمواج، رأى أن رحلته قد اكتمل معناها: موته لن يكون عبثاً ولا فناءً بل عبوراً نحو عالمٍ أرحب، تشهّى فنجان قهوة سادة وسيجارة يدخّنها وهو طافٍ، وسماع وصلة من كمنجة جينغو رينارد أو رنّة بزق من شماليات محمد عبد الكريم.
اشتدّت عليه أعراض الهيبوتيرما ، الارتعاش ويباس العضلات، وجمود الأنسجة الدموية وتنمّل الأطراف، عوت ريح النوّ فـي مارش جنازي، بدأ العد التنازلي، أنهى وحش الموت لعبة الحياة والموت، نفذ الصوف من مغزل العمر وملأ مغزل الأجل، نفخ على الشمعة الوحيدة، ابتسم ابتسامة كابية "حسناً أيها الغجري الذي يعشق الحياة والتنباك والخمر والنساء والمبالغة، لقد عشت كثيراً في وقت قليل، ارتويت ملذات، سرقت وقلعت آلاف الأسنان، سكرت، رحلت كثيراً وقد حان حين الرجوع، ستغرق ومعك قفشاتك ومبالغاتك وخرافاتك اللطيفة"
نَسّم نسيم الموت تآلف مع الطبيعة في لحنٍ شجيّ، أقنع نفسه بأن الحياة الحقيقية تبدأ بعد الموت (آخر حكمة يتعلّمها قبل الموت)، هبّت ريح مسكية أشعرته أنه في جرن معمودية، تراخى في قصورٌ شامل، أطبق فمه وتنفّس من أنفه، شعر بمغنطيس يجذبه نحو الأسفل، تسلّلت المياه من خيشوميه إلى معدته، تقطّعت أنفاسه فتغلغل الماء وملأ رئتيه، سدّ المجاري التنفسية والأوعية الدموية، وسقاه البحر آخر كأس، كأس منون مالحة، غاص كالرصاص في المياه السوداء، زحف نحو حتفه كما يزحف أسطول هرم إلى مقبرة بحرية، أحسّ بآخر ذرّة روح تخرج من عضو الذكورة، سقط إلى تحت تحت تحت، في جنون الأعماق السحيقة للأعماق السحيقة، ولم يعد تحته تحت.

والسّ ماءِ والغارق ومضيق جبل طارق

رأى الشمس ترتفع مقدار قامة نخلة عن مستوى الماء، والبحرَ حوله، لا حجم له من كبر حجمه، ولا عمق له من شدّة عمقه، ولا مدىً له من بُعد أمديته، لا جزيرة، ولا خشبة طافية، ولا صارية، وهو برأسه وحيداً مثل ميسم الأبرةِ، كسندباد بحري تحطّمت قلوعه، لم يصدّق أنه ما زال قيد الحياة بعد أربع ساعات من السقطة، أوهم نفسه بإمكان الصمود لأربع ساعات أُخَرْ، شدّ غطاء البيدون بإحكام، انصهر بالماء كالحوت بالبحر، انساق مهتدياً بغريزة النجاة والحاسّة السادسة والخبرة المكتسبة في تنزروفت، وموجات كهرومغناطيسية تتحسّس ذبذبات البر، وقرون استشعار تميل إلى الساحل كَمَيْل عبّاد الشمس نحو الشمس، جعل الشمس عن يمينه، واتجه في زاوية متعامدة مع المشرق واستقبل الشمال بانحراف بسيط نحو الغرب وسبح قدماً محافظاً على توازنه فوق البيدون، فكر بعشوائية الأقدار ومصائر الحرّاقة المرهونة بيد الريّس، زلَّتْ إلى جهة اليمين فكانت سقطة الجالسين عن اليسار، لو أنها زلت لليسار لكان فيها نهاية جماعة اليمين، طرّة أو نقشة، هذا الكوم أو ذاك، كأن الله كان يلعب بالنرد حين رماه مع العشرة ولم ينجّه مع العشرين، لكنما لو حقاً كان الأمر كذلك لما جعله أحد الإثنين الحاظيين بالبيدونين، ليس العجب في غرق الغارق بل في نجاة الناجي، وهو ليس ملحداً على وجه الإطلاق، هو فقط لا يعترف بإله المسلمين الجبّار القهّار المنتقم، أو قل إن الله فكرة مطّاطية تتسع وتضيق تبعاً للظروف، في البرّ كان ينظر إليه من بعيد بتلسكوب، بينما الآن في البحر يراه بميكروسكوب....
خبط ذراعه اليمنى بالماء وميّل رقبته إلى جهة اليمين، خبط اليسرى وميّل رأسه يساراً، شقّ صفحة البحر بسباحة الصدر، حرّك رجلَيه بالتناسب مع حركة الجذع والذراعَين وتنفّس مع كل ضربة ذراع ونصف دورة رأس، فكّر بما قاله الريّس قبل أن يلقيهم بالماء"سويعة ونصل" وفكّر كم دقيقة يوجد في السويعة، كم ميل يقطع الزودياك في السويعة، وكم ميل قطع هو في خمس سويعات، وكم بقي من أميال، بكم سويعة يمكن قطعه؟ وهل يمكن احتمال هذه السويعات المتبقّية وكم الساعة الآن؟!...
رآها مبخّرة، وعجز عن رؤية العقربَين فتخفّف منها، جذّف بقوّة الأشياء وغريزة البقاء، جذّف بالشك المنهجي بقوّة المنطق الأبسودري، ولأن لا مناص من التجذيف. رأى أنه موغل شرقاً فانحرف قليلاً نحو الشمال ونظر حواليه بارتياب، أي شمال الجغرافـي أو المغناطيسي؟ شمال ماذا؟ ما معنى الاتجاهات في متاهة كاوتيكية ونقطة العلامة الوحيدة نفسها تتحرّك؟ كيف يحدد اتجاهه بلا بوصلة؟ أي طريق يأخذ وكل البحر طريق! أقل هفوة في المسار تكلّف عشرات الأميال على أرض الواقع، على بحر الواقع، هب أنه متجه لا شمالاً غرباً بالتعامد مع الكوستا ديل صول ولكن شمالاً شرقاً بموازاتها، هذا ترجمته أنه ماضٍ نحو متاهة مضمونة ...
استولى عليه شعور الكآبة والتوحّش والوحدانية وهو يرى البحر كله ضده، تراءت له زعنفة رهيبة تشقّ صفحة الماء، أُجفل وضبّ رجلَيه، دار حول نفسه، نظر وراءه وحوله، لهث مذعوراً، استردّ أنفاسه وضبط أعصابه، فرك عينَيه وقال لنفسه ... لا تبتئس، إنها الطريق متاهات الطريق، قلق الرحيل، إنه الخوف من الموت الذي يميز عن البهائم ويرفع نحو الذكاء، سراب يحصل غالباً حين تنكسر أشعة الشمس في الهواء الحار، لتكن الحرية في داخلك أقوى من الأمواج حولك، الغيلان موجودة فقط في أخيلة الشعراء والأساطير، إسبح إسبح إذا لم تتقدّم إلى الأمام فستتقدم إلى تحت، إركب الموجة كيلا تركبك، لا تقاتلها بالركون لأنها ستعود وتلطمك، قاتلها بالسباحة لتفقد معناها، خفّها تعوم ، كن خفيفاً كالفلينة ومرناً كالزيت، إياك والريبة، حين تجذّف فأنت لست واثقاً من النجاة ،أما حين تكفّ عن التجذيف فإنك متأكد من الغرق...
جذّفَ بين التبلّد والتجلّد، بين الأمل والقنوط، بين الأقدام والأحجام، بين المشقة والخطر، تراجعت المياه إلى الوراء، تقدّمتْ من الأمام، زحفت عن اليمين وعن اليسار، اقتربت الشمس من السمت، تحرك بؤبؤاه في سديمٍ يعمي الأبصار، سهوب شاسعة ومقفرة من الضجر الأزرق، رأى نفسه رهين زرقتين، المدى والسدى، آفاق عمياء لا آفاق لها، المسافة لا تنقص ولا تزيد ولا مسافة البتة، الأزرق وراءَه ولا أمام، الأزرق أمامه ولا وراء، الأزرق عن يمينه ولا يسار، الأزرق حوله ولا ملاذ، حاصره الأزرق من الخارج فيما حاصره الأسود من الداخل، وأحس أنه في وضع السباحة يسبح في الاتجاه الخاطئ، في وضع سكون هو في المكان الخاطئ، بدت مقاتلة الأمواج ضرباً من العبث واختلّت هندسة الكون، وفقد إحساس المسافة وأبعاد البيرسبيكتيف، وذابت اللوينات كلها في لون واحد... الأزرقُ، رمز الدائرة والروح والضياع والموج المفترس والوهم الشرس واليأس العميق وعفاريت الجن والغدر والإغتيال والأبواب والشبابيك وحيطان الحمامات وغرف المصحّات النفسية، لون التوارق والحيتان والحسد والعمق والتشتّت واللانهاية والتيه التلمودي، الأزرق المطلق الكليّ الحضور البحري السماوي الجينز، الأثمدي بين النيلي والبنفسجي، الأزيرق، المزرق، اللازوردي، التركوازي، الزافيري، ما بين الكحلي والليلي، الساطع الناصع الواسع الخادع، عامي الأبصار، لون التناقضات وفيه من كل لون أسوأ ما فيه، من قال إنه لون السموّ وهذه الزرقة تثير التوتّر والعصبية والتشيّؤ! من قال إنه يستدعي الأحلام الهانئة وهذه الزرقة كابوس! أين آخر هذا كله وما هي إمكانية الصمود؟ وهذا العطش له شكل فاجعة وشيكة أو مؤجّلة، وهذه الميتافيزيقيا الزرقاء زرقاءٌ أكثر من اللزوم، تسحِقُ البدن وتبعثر الروحَ، وهذا الفراغ يُفرغ الإرادة من إرادتها، هذا البحر خزق كبير، خازوق، يفتن الأخيلة من بعيد، من ترّاس مقهى الحافة، ومن الداخل هو متاهة مرعبة،
استبدّت الروح الانهزامية، فار الدم في حسرة تشبه الظمأ، اندلع في دمه حنين الرحلة النهائية والرغبة المزمنه إياها، وأرخى البيدون وتركه يبتعد متراً، مترين، ثلاثة. انقلب على بطنه ناظراً نحو الأسفل، رأى قلب البحر وما ينطوي عليه من رعب: الحيتان والسلاحف والأفاعي والتنانين والأشباح والعماليق العور وأرواح الغرقى، بدت الدقائق العشر الفاصلة بين السطح والقاع أفظع من عشرين ميتة، انتزع نفسه من الماء، سبح نحو البيدون كرمية سهم وتشبّث به، مثل ذئب وقع في كمين رفع عينَيه نحو أمل كاذب، جمحت رغبة النجاة قال لنفسه ... الانتحار بطولة جبانة، إسبح، إسبح، لا تمت، إفقئ عين الموت، الحياة حلوة حتى لو فتافيت، إنت شي مهم في الكون، إنت كل شيء، فناؤك فناء الحياة برمّتها، أين إرادة التحدّي التي كنت تحمس بها الركب وهمّة الشباب والأحلام العريضة والنصوص المغَيِّرة وجه العالم، وروح المقاومة وكيمياء الأشعار والشعارات والكليشيهات المعهودة والجمل الجاهزة ؟ أحسم أمرك يا رجل، أحسم أمرك كرجل وانتصر على تناقضاتك، الأبطال وحدهم يقرّرون مصيرهم، قبيح قبيح أن تستسلم، ملعونةٌ هامة تنحني للموج، ملعونٌ الجبان، من صمد ساعات يصمد سويعات، من عبر البحر يعبر البحيرة، من تحمّل صقيع الليل يتحمّل حمّ النهار، من يركب البحر لا يخشى من الغرقِ، ربما تمر معدية أو زورق صيد، إن لم تبلغ اليابسة فقد تحظى بجزيرة، ربما ينساك الموت أو تنسى أن تموت، اليأس جريمة، خطيئة،دناءة، إسمك سرحان عبموجود ولا يليق بك العدم، الفراعنة لفرط تعلّقهم بالحياة حنّطوا الموتى، العناد يهزم المسافات، العناد دائماً وأبداً، محفوفاً بالعزم، عزم أولي العزم، وشيء من الإرادة، إرادة الحياة، وبعض الصبر، صبر الرهبان، المستحيل لا يقيم إلا في أحلام العاجز، النجاة لا تُعطى ولا تُؤخَذ ،تُنتَزَع انتزاعاً، التجذيف يفتح ثغرة في المدى، يجعل المستحيل ممكناً والممكن متاحا، إيثاقا ليست وطنا بقدر ما هي إبحار دائم، الرحيل أهمّ من الوصول وكيفية السفر لا يقلّ أهمية عن بلوغ الهدف، النجاة تحتاج إلى تحدي والتحدي إلى إرادة، إلى عزيمة، إلى قوة جسدية. مصيرك في يديك، الإنسان أذكى من الحيوان لأن قدرته الخلاقة ارتبطت بذراعيه، المكان الذي تتطلع إليه أفضل بكثير من المكان الذي أنت فيه، النجاة تلتها صبر وتلتينها تجذيف، جذّف، جذّف باليدين، يد وحدة ما تجدّفش....
جذّف بقوة اليقين الساذج، وجذّف بعناد راهب يسوعي، بهمّة لا تفتر، حرّك بدنه برمته في حمية الأمل، جذّف وهو يشخص البوت بيبول مكدّسين على زورق مهترئ يصارعون الأمواج، وهو يتخيل المستكشف هايردال يخوض أعالي البحار على متن طوافة بدائية، جذّف وهو يخمم بسفرات سندباد السبعة وغرقاته السبع،
وظهرت هالة سوداء حول محجريه، انخفض ضغطه وغشي على بصره بسبب الملوحة، تشوّش سمعه، تخدّرت أطرافه، وانسلخ جلده وتقرّح عند الجفنَين، سمّط بطنه من الاحتكاك بالبيدون، استنفد الطاقة الحرِكة فاستنجد بالطاقة الكامنة في العضلات والدهون، وتغلب على التعب بالتعب، استهلكه وجعُ الظهر وارتخاء المفاصل والصداع والمغص، انتفخ لسانه ووجهه وتصلّبت رقبته، وتشقّقت شفتاه في ظمأ يفتّت الأكباد، قاس الزمان بالفرسخ، والفرسخ بالإنهاك، والإنهاك بالعطش، والعطش بتشقّق الشفتين وما فتئ يجذف ويشحذ عزيمته ... تفاءل تشاءل لا تتشاءم، ضلِّل الظمأ، أرسم سبيلاً وسلسبيلاً، الغليون المعقوف غرق مع جملة الغرقى إذاً أرسم بإصبعك، أرسم نبعاً وجداول، أرسم بئراً ومناهل، جذّف وتوكّل، لا تتوسّل، لوِّن بئرك بالماء العذب، لوّن بالثلج دلائه، لوّن بالمزن سمائه، إسبح، جذّف قاوم، أرسم حرّية، أرسم حورية، هات قصيدة عن الماء كيلا يجفّف العطش شفتيك، ما حجم تباريحك أمام أوجاع العبيد الموسومين فوق الحرّاقات، ماذا تعني هذه السويعات إزاء عشرينعام تيه عوليس؟ إزاء الأبدية السحيقة المنتظراك في القاع السحيق؟ من تحمّل الأصحار يتحمّل الإبحار، من قطع الستة أودية لن يشقّ عليه الوادي السابع، المكابدة مؤلمة وضرورية ومحرّرَة، استعدادٌ للحياة، هي الحياة عينها، المحنة محكّ النفوس الكبيرة. ثمة أحزان تعالج بالمسافات والكلمات والزطلة والسياحة، وهذا الحزن لا علاج له إلا السباحة، اشتدي أزمة تنفرجي، ستصل إنشالله سيشاء الله ذلك، هو الذي بعث لك مهرّبين توارق في تنزروفت حتماً سيبعث لك قراصنة أو طير رخّ، جذِّف لحدّ ما ربك يقضي بالأمر، وللا أقولك بلاش رب وبتنجان وقرنبيط ورخّ، إسبح بالأحرى ولا تنزلق في بازار الإتّكال والتوكّل، إعتمد على ذراعيك لا على الجنّ نار منقذ غرقى السبع بحار، دع الغيب للأغبياء والقدر للعجزة، أفرض نفسك على البحر وعلى القدر وعلى أنف القدر، إسبح وحسب ولا تحلم بمعجزات وخوارق، الله فوق فوق في سابع سما وإسبانيا بعيدة بعيدة في آخر البحر، أنت وحدك، آه كم أنت وحدك! إنت السفينة والريّس والنوتي، إنت إنت، ربّ الأرباب لا شريك لك ولا سواك، الأقنوم الوحيد المتبقّي من الثالوث المدنّس، العراقي فرّ من السرب، والغجري بالأمس ضلّ السرب، التجذيف هو آخر طريقة للجدل مع البحر، واهم ثم واهم لو ظننت أنك بالغ البرّ بغيره، وقرائن الحال تؤذن بقرب اليابس، لعلها في مجالك البصري ولا تراها بسبب غشاوة الملوحة على عينيك، ساعات معدودات، فشختين، إسبانيا قريبة ولا سيما أنك رأيتها بعينك من مقهى الحافّة....
تقدّم كالسلحفاة بطيئاً وعنيداً ومثابراً، جذّف في مارش عسكري ،جذّف دون أن يكفّ عن التفكير، وفكّر دون أن يتوانى عن التجذيف، وامتلأ الرأس بالصور فحرّك السبّابة في الفراغ، رسم غرقى الميدوزا: دزينة ناجين على عارضة خشبية يعلوها شراع مرتجل يلوّحون بخرقة لسفينة بعيدة، والموج عاتياً حولهم وداكناً يتخلّله شعاع نور، رسم نبتون يحرّك المذراة ويثير الأنواء، وهيرميس ينقذهم من الأنواء، ثم محى كل ما رسم، عدّ على أفتار أصابعه في سفسطة المتوحّد مع ذاته... لا تدع رأسك يهوي في فراغ، الطبيعة تمقت الفراغ، والفراغ يفضي إلى التبلّد، التبلّد توطئة للغرق، كل هذه أمور تستحق أن ينطّ عنها الفكر الثاقب، حَزّرْ فَزّرْ، لماذا نجا الحرّاق الصعيدي من الغرق؟ قال أرسطو لأنه لوح صعيدي، قال داروين لأن البقاء للأفضل، قال أرخميدس لأنه أخفّ من الماء، قال باسكال لأنه شيء مهم في العدم، وقال ديكارتيس أنا أجذّف إذاً أنا موجود، لماذا تغطس الرمّانة وتعوم البيضة؟ لماذا يطوف طائر الجاكانا وتغرق القطة؟
صارت الشمس عن يساره، سبح بقوّة الأمل، وسبح وهو يفتح أضابير حياته : هفوات وتفاهات وأخطاء وخطايا وخيانات ظنّها منسية فإذا بها مطوية. صعدت إلى الرأس العلقة الوسخة في مقهى "وادي النيل" في ميدان "التحرير" حيث كان يلجأ في رمضان يدخّن شيشة مع جملة الأقباط والسودانيين والنوبيين المفطرين، باغته الصلاعمة فسلخوا جلده بالنبابيت، جدّف على الله وهو يجذّف بذراعيه ، تحرّكت المواجع وحرّكت الغدد الصماء والأدرنالين، فكّر بحادثة الكميون الليبي الذي نقله من القاهرة إلى طبرق مع عمّال التراحيل، ودلقهم السائق من الحاوية القلابة دلقاً، كنس الماء بحقد الموتور، بحافز الضغينة التي تنخر قلوب المغلوبين، حوّل الرغبة الصعيدية في الثأر إلى سباحة طوربيدية، فقّست الثعابين في رأسه فتوتّرت آلة الجسد، استولد الأفكار في حمى خلاقة، الماضي الممضّ الذي لا يريد أن يمضي، والآتي السعيد الذي لم يأتِ والحاضر الذي يخبث الخاطر، وتجليات اليأس وأطيافه : البحر واللون الأزرق والغرق والحوت والغيلان ونبتون، ثم رجع خياله إلى أشخاص ومحطات الرحلة الطويلة : تمبكتو والكراكر وأروان وتاودني والمناجم، خيانة حاتم، تنصّل الطاهر، استغلال سيدللي، العلقة مع الصقّارين، المهربون بتنزروفت وهم يستحلون محتويات المتسوبيشي، خرّوبة ومديحة ولالا سليمة وهن يضعن أيديهن على كل ما لم يأخده التوارق، البشّاريون وهما يستولون على ما لم تأخذه المومسات، الصعلوك إدريس، الريّس المزيّف عبمالك، ثم احمرَّت خداه من الخجل وانحصر فكره في شخص واحد... وعمك عصري! رفيق الليالي الصعبة والمشاوير الطويلة، أخوك الذي لم تلده أمك، الصديق الصدوق الذي سار جنبك في المسالك والمهالك، كان فلتة لا تتكرّر ولا يقاس عليها، كان أنانياً أبيقورياً وانتهازياً، زمرته الدموية تأخذ من الكل ولا تعطي إلا زمرتها، لكنه في خضم الرحلة تغيّر، غيرته الطريق، علّم عبور الصحراء حياته كما علّم عبور سيناء تاريخ اليهود، كان يسرح في الأوهام والبلطجة ويزعم أنه من الساحل السوري، يسمع نباح كلاب قبرص، يطبخ الطيور في البرنيطة فلا تحترق، كان همشرياً لمّاحاً ألمعياً من تلك السلالات المنقرضة التي تتغنّى بها متاحف الجبسولوجيا، وكان وكان وكان ثم انتهى وصار في خبر كان، يا هل ترى لماذا حين يموت المرء تكتمل حياته ويرتبط ذكره بالفعل الماضي الناقص؟ من هو الإنسان ليستحق هذا المصير الغاشم والزوال ؟ حياته لم تكن ككل الحيوات ونهايته ليست ككل النهايات، الدنيا ضنّت عليه ببيت من طين ووطن مقيم والموت استكثر عليه قبراً ثابتاً، عاش مجهولاً ومات مجهولاً، أروام طنجة يدفنون الكلاب في قبور من رخام وهو البحر قبره والماء كفنه، لكنما ليس الوقت وقت نواح، موت الأموات لا يجب أن ينغّص حياة الأحياء، عندما تطأ برّ النجاة دبّر له جنازاً وضريحاً، ماذا ستخطّ على الشاهد؟ اغتاله البحر الغدّار يوم 16/ 7/ 2003، أي مرثية تليق برحيله؟ قبر الغريب سقاك الرائح الغادي حقاً ظفرت بأشلاء أبي ميلادِ. أنْكِل شعبولا لا زلت أحسّ بمزحاتك المخملية، لا أحد يعبّي مطرحك وقد أمعنت في نقصاننا، اسمك محفور في القلب، سي يو إن بارادايز، (خانته عيناه في إسقاط الدموع) ، اللحظة حرجة ولا تحتمل رخاوة، ومثلك لا تليق به الدموع، إنسَاه تناساه، ولو انقلبت الأدوار فهل تظن أنه كان سيزعل عليك! حتّة عجوز نزق متصابي مستهتر مات شيخاً بعدما شبع حياة، كل ما بوسعك أن تفعله هو أن تكتب قصة حياته كما ألَحَّ عليك، أكتبها بعدما تنجو، ولكنما قبل ذلك أنجُ بنفسك، أنت المهم، أنت الأهم، أنت ومن بعدك الطوفان، الشباب بوابة الحياة المنفتحة على اللانهاية، سنواتُ عمرك ناقص 33 تسوى أعمار الغجر مضروبة بـ66، لكنما جتتك لو غرقت هتكون كجثته.....
أمعن في التجذيف بغريزة الحفاظ على النوع، وبحكم العادة والتكرار، حتّى لا يلاقي مصير المرحوم، فقد الإحساس بالوقت، اختلّت حواسه وتلاشى الوقت في المسافة، والمسافة في المسافات، ظللته غيمة عابرة بالظل والنعاس، فترت همته وتخدّرت حواسه، تباطئ تراخى وأرخى ذراعيه، تثاءب وراوح مكانه لحظة يستمرئ راحة ما بعد التعب الشديد، تمطّى تثاقل رأسه وارتسمت غشاوة أمام عينَيه فأسبل رموشه، انقلبت الأمواه بغمضة عين إلى غمامة رمادية بشكل دالية دانية القطوف، تأرجح في الفضاء مندفعاً نحو عنقود عنب فتطايرت الحبّات فقّاعات صابون، وانقلب حبلا الأرجوحة إلى جناحَين، انزلق في مهاوي العقل الباطن، تشكّلت الغيمة بشكل امرأة سرابية، انصرم بينهما حبل سرّة في عالم رغبات سراديبي منغلق على نفسه، استفحلت المحبّة إلى حب، أخذ الحنان شكل الحنين، مسرّات سرّية وأحلام تخالف الناموس، عاشق ومعشوق مجرّدان من زيف الفضيلة ومن الكارما الخبيثة، نصفان ضائعان يسعيان للالتحام على صهوة بساط ريح، نعيم مفقود ومسترجع بلا تابو ولا محرّم ولا لغة ولا لغو، الحياة قبل أن تلوّثها الأخلاق بمحظوراتها وقبل أن تسمّمها الأديان بآلهتها، مشاعية بدائية ما قبل الخطيئة الأصلية. آوى الطائر الأعمى إلى وكره حيث كان قبل أن يسقط نحو الحياة والقلق والعطب الولادي، أرضعته نهدين مالحين بمرّ الصبر فتسرب الظمأ إلى شفتيه، أحس بأحشائه تتقطّع، نطّ من النافذة رفرف بجناحيه وطار وحلّق في حالة انعدام الوزن، غافل الحرّاس على أبواب المدينة وجنح لا باتجاة النيل بل نحو الصحراء الغربية ثم جاب المجابة الكبرى، لمعت تحت الشمس الحارقة هياكل عظمية، جماجم وأحقاف وعظام سواعد وأخفاف وأسنان ونواجذ وسنامات ورميم قوافل محمّلة بالتبر وريش النعام، عبأ جيوبه بمصكوكات ذهبية برسم السلطان المغربي أحمد المنصور الذهبي ثم انتبه إلى أن الذهب لن يروي عطشه فقايض السّقا على شربة ماء بستين وزنة ذهب، ثم بطح بعيراً ثبت العصا بين فكيه ليستخرج بقايا ماء من كرشه فلم يخرج إلا زبد الرغوة والمرارة، اقتربت الشمس وكادت تلامس الجباه وتبّخر الماء في نهر النيجر، نشف الماء في القُرَب ونضب في الحسيان وأودية السيل، ويبست عروقه فتبوّل في راحة يده وبلل شفتيه، قبل ان يقصّ وريده ليمصّ دمه، أقبلت عارضة أزياء جزايرية متنكرة بزي مومس وأسعفته بكأس من اللاقمي مخلوطاً بملح تاودني "إشرب يا حمام"
شرب فشعر بشيء مالح ثقيل يتسلل إلى بطنه. فتح عينيه نصف فتحة، رأى الرمال تتحوّل إلى أمواج، والشمس وقد غارت في القوس الغربي مقدار قامة نخلة، مرّت لحظة طويلة قبل أن يدرك بأنه سرق نصف ساعة نعاس على البيدون، ظهرت غيوم حقيقية تتكاثف إلى رمادية أو تتشتّت في أشكال عشوائية بيضاء، ثمة غيمة داكنة تشبه فوهة بركان لا تتحرّك ولا تتبدّل كثافتها. ثمة نورس يطير على علو منخفض وفي منقاره سمكة تلعبط، وفي مثل ما ترمش العين تحوّل من كائنٍ جامد إلى كينونة مدلهمّة بسلوى حميمة ....يا هل ترى دي حقيقة ولا وهم جميل! أيصدّق عقله أم يكذّب بصره! لعل حواسه تخدعه في أسربة كالأشباح المتقاطعة مع خوفه! كالمرأة المتقاطعة مع منامه، هل اللحظة الراهنة جزء من الحلم أم امتدادٌ لكابوس سقطة البحر الممتد من عشر ساعات؟ ما نسبة يقظته من منامه؟ ومنامه من كابوسه؟ هل ثمة سفينة يطير في أثرها الطائر الميمون؟ ...
انتزع بدنه من الماء بكل ما أوتي من حسّ وعرفان وشاعرية، ورفع رأسه نحو الطير فرأى أفقَ الخلاص وتخومَ البحر تنتهى عند قمّة جبل. عادت الروح إلى المومياء المحنّطة، أخذ الدماغ يطن يطن في الرأس المتصدع، والقلب الطري يخفق أشد أشد في الجسد المنهوك، ظهرت بلاد دون كيخوته برموزها الوجيهة، مراوح هوائية زعانفها تتحرّك وبريقها يخطف سواد القلب، فنجر عينيه بنظرة تختزل كل جحيم الإنتظار، أخذته رعشةُ زلزال تسعة ريختر أعتى من رعشات السُّكْر والانتعاظ والفرتيكة والشعر، واحمرَّ بدنه كجلد دجاجة منتوفة، وتغلّغلت السعادة إلى عينيه ورموشها وأهدابها، نخرت العظم، تسرّبت إلى رؤوس الأصابع وتحت الأظافر، تكاثفت في قبضتيه فخبط البيدون... مساء الخير أيها الفجر الصادق، مرحى مرحى بندر السلامة، جبل آراراتو، أحبك أيتها الحياة أنت خياري النهائي، يا فرحة أمك بيك يا صعيدي، أدّيني عمر وارميني بالبحر، صبانية قْرَيَّبة بابها في الإيد، شوقي ليها كل ساعة يزيد....
أتت الطمأنينة في ميعادها وفي ذروة القلق، استمرأ الدوخة اللذيذة ونشوة العمل البطولي، أخذته نوازع الحياة فخبط في الماء، لم يعد ينظر إلى الشمس المتحرّكة فوقه وعن جنبيه فالجبال ثابتة أمامه: بوصلة أمان. عاين أقرب نقطة في البر وسبح باتجاهها بتصميم عدّاء ماراتوني، بدت لحظة السقوط أطول من شهر الصوم، وإسبانيا كالنجوم قريبة وبعيدة، ومسافة الميلين الباقيين كأنها سنتين ضوئيتين أو فشختين، ثقيلة وخفيفة كالسّر بين اثنين، بطيئة وسريعة، كالدلو بين قاع البئر والعطشان، جزّء الميلَين إلى جزئين وقسّم الميل الواحد إلى عشرة أقسام، وكل قسم إلى 185 متراً، اعتبر كل خبطتَي ذراع متراً، دخل في عدّ تصاعدي نحو المئة، نحو الألف، ألف ثانية فثالثة نحو العشرة آلاف. وما فتئ البر يتّضح، والبحر يتّسع خلفه ويضيق أمامه، ولون المياه يتبدّل من أزرق غامق إلى فاتح دلالةً على ضحالة العمق، الأزرق يخضرّ، المدى المستوي يتضرّس، الآفاق العمياء تتفتّق عن آفاق مبصرة، والجبال تقترب وتعرض وترتفع ويلمع سوادها، والمراوح الهوائية في القمّة تحيّي عناده، والعطش يمزّق الأوردة والشرايين وصمّامات القلب، والذراعان يتحرّكان إلى الأمام بانتظام سنكرونيكي "وَحْ تْنيْن وَحْ تْنِين". مجرّد أنَّة بسيطة تفلت من الرئتَين وتتكّ مثل تكّات عقرب الثواني سريعة ومنتظمة، كل تكة تحصي خطوة نحو البر، سمع صوت ارتطام الموج على الصخور، شم نفحات صنوبر آتية من بعيد، شبّط بيديه برجليه، بصدره، صار البحر بركة صغيرة أمام ذراعيه المتوتّرين، شرع يهزج ويضحك ويصرخ ويخبط تارة يده بالماء وتارة على البيدون في ابتهالٍ غوسبلي ورقص أدغال كزنوج الباتيرة :
محلا القصايد في الشدايد والغنا، محلا كلام الحب أوقات الشقا
أه يا رفاقة من متاهات الطريق، لما الليالي بيختنق فيها القمر
والسكة بنت الخطوتين تاخد سنة
في كل يوم بنزور مكان، وكل يوم بنقلّ عدد
وكل يوم نفتح بيبان، وكل يوم بنزيل سدد
وكل يوم نحبل غنا، وكل يوم نولد مدد.
جذّف أيها الحلزون العنيد، هيا يا عوض أبو دراعين، أنت ترى البر ولكنك لست في البر، الموت وراءك والنجاة أمامك، الأندلس ليست هي التي خسرناها لكنما تلك التي سنكسبها، كونكيستا ريكونكيستا ريريكونكيستا، كن فاتحاً كطارق لا مفتوحاً كأبي عبد الله الصغير، كن فاعلاً كالطير لا مفعولاً به كالريشة، إسبح دوغري يا كابتن نوح، ولا خيار ولا بد ولا بديل، الرجال لم يخلقوا للهزيمة، شدّ حيلك يا شاعر النهود والقدود والجوارب المهترئة، هذه المعجزة البحرية هي أروع قصائدك، البطولة ملحمة خطّية يصنعها البطل الواحد، كن كهمنغواي في "العجوز والبحر" لا كالسَيَّاب في "النهر والموت" كن متقشّفاً كالطلح والسّيّال، كن برمائياً، إسبارطياً، القلعة المحصّنة قريباً ما تسقط في يد البرابرة، إنك على وشك، على الخط الحاسم من مصيرك كله، على الحدّ الفاصل بين الردى والمعاد، وبين الحقارة والحضارة، على خطّ التماس بين نون الجماعة القطيعية والأنا الفردية، بين حضارة الحرملك وحرملك الحضارة، على قاب قوسين أو أدنى من قطوع الأودية السبعة، على عتبة أعتاب السيمورغ العلية، المحطة الأخيرة في الأصحار والأبحار...
أطلق سراح جسده أطلق العنان لذراعيه، شقّ الماء بحماسة وعدوانية في اندفاعة إيروسية، في شوق المسافات إلى التخوم، استشرست ذئاب الروح الكاسرة باطراد يتناسب مع اقتراب البر، دوّخته سكرة النصر والفتح المبين وإحساس أنه يفتح العالم بأسره وكل نساء الدنيا، انكشف برّ موحش لا قارب ولا مرسى، جون خطر عسير المنال تحفّه شعب مرجانية، تشرف عليه عواميد كهرباء ضخمة تصل بينها خطوط التوتّر العالي، رأى الأمواج العنيفة تلطم الصخور بقوة فتقدم بحذّر، استردّ أنفاسه المتقطّعة، رتل القصيدة الوحيدة التي يحفظها غيباً من قصائد الكرّاس الغارق :
"عندما تتهيأ للرحيل إلى إيثاقا تمنَّ أن يكون الدرب طويلاً حافلاً بالمغامرات وبالمعرفة/ ليكن المقصد في روحك دائماً/ ليكن الوصول إليه قدرك/ لكن لا تتعجّل انتهاء الرحلة/ الأفضل أن تدوم سنوات طويلة/ وأن تكون شيخاً حين تبلغها / ثرياً بما كسبته في الطريق/ إيثاقا منحتك الرحلة الطويلة/ لولاها ما كنت شددت الرحال/ وليس لديها ما تمنحك إياه أكثر/ حتّى وإن بدت لك فقيرة فإنها لم تخدعك/ وما دمت قد صرت حكيماً حائزاً هذه الخبرة كلّها فلا ريب أنك قد فهمت ما تعنيه الإيثاقات".
عاودهُ الرثاءُ للغجري بيد أن هذا لم يُخفّف من حدّة تجذيفه، كفكف دمعة شعشعت في انكسارات العينَين وأخرى شعّت في فرحة العينَين، لم ينبع الشعور بالانعتاق فقط من كون إيثاقا تقترب بل لأن الطريق المؤدّية إليها كانت محفوفة بالأنانية والمخاطر واليأس والجثث والإحباط والخداع، احتضن البيدون بحنان مثل كانغورو صغير، زفر وهو يخوض في الميل الأخير: "ما شفتك يا نور أوروبا إلا أما عميت عيوني".

عبدالحميد عبّود
روائي من فلسطين يقيم في باريس
hamabboud@yahoo.fr
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

تعليقاتكم
1. -
- | 23/1/2011 الساعة 11:44
الصورة خادشة للحياء الرجاء ازالتها
2. لوحة فنية
خالد رسام | 24/1/2011 الساعة 07:25
عزيزي صاحب التعليق السابق هذه الصورة هي لوحة مشهورة للرسام الواقعي الفرنسي غوستاف كوربيه 1819- 1877 بعنوان اصل العالم وقد رسمها عام 1866 وهي موجوجودة حاليا في متحف اورساي في باريس
3. لوحة أم غير لوحة
محمد الكاتب | 31/1/2011 الساعة 11:01
دساتير الدنيا كلها وشرعيات الفن كلها لن تجد لك أي عذر لإضافة هذه الصورة الإباحية. هذه صورة إباحية إن كنت تشك في الأمر ويصور لك فكرك أن شرعية الفن العالمي تعطيك الحق في هذا الإبتذال. إن كنت تصر علي حماقتك هذي ولاتبالي بمن يقرأ لك ولا بشعوره نرجو إحترام عقل وبصر مشاهدي هذي المجلة الراتبة.. المحترمة.. وأنت لم تحترم القراء
4. حول رواية سبعة أودية
الحبيب بنمحمد | 5/6/2011 الساعة 14:16
رواية "سبعة أودية" عبد الحميد عبود عادة ما نقول اننا تناولنا الأثر كناية على أنه بات بحوزتنا لقراءته و النظر فيه . لم أتناول "سبعة أودية " بل هي التي تناولتني ووقعت في شراكها بل غصّتُ في لجّها و ضحالة مياهها و ندرتها ووعورة تجاويفها وتلك هي ميزة النص الجيد . من شيم النص الجيد أيضا أن يمتصّنا و يعتصرنا و نجد أنفسنا منساقين قسرا بين ثنايا متاهاته و تعرّجاته ، يتعتعنا و يرضنا و يخضنا و كثيرا ما ينتهي به المطاف الى انهاكنا و استنزافنا . بكمياء النص الجيد مدامة معتقة ترحل بك الى آفاق أرحب و معارج أسمى و تضمن لك التجاوز و العبور . ما ان تحسست قدماي برودة الماء وشرعتُ في ولوج الوادي الأول من" سبعة أودية "حتى تيقنت أنني لن أستطيع العودة الى الخلف....لم يعد ب
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث