الجمعة, 31 تشرين الأول 2014
   
صدرت حديثاً عن منشورات "مومنت كتب رقمية" Moment Publications في بريطانيا               رواية جديدة بعنوان "سلاطين الرماد" للكاتب العراقي سعد هادي، بطبعتين، ورقية والكترونية              
الكوميديا الوجودية: فضح المحظور الثقافي/تحليل رواية "بابا سارتر"
حسين سرمك حسن
الكوميديا الوجودية: فضح المحظور الثقافي/تحليل رواية "بابا سارتر"
غلاف الرواية

( لقد أعتقتني الكتابة من ذلك لأني أطلقت العواطف التي لم يجد الفيلسوف لها متنفسا أو مخرجا ، فنفخت فيه روحا وبعثت فيه حياة حتى أوصلته إلى الإنفجار . لا أعني بذلك أني سجلت تاريخا ، إنما شدّدت على خطر وعبثية التفسير الذي يستند إلى التاريخ . لقد جعلت للوهم مكانا للشخصية في السيرة ، وردمت الهوة بين وهم الشخصية والموضوع الواقعي ، لذا فإن ما يجمع الفيلسوف المكتوب والفيلسوف الواقعي هو طريقة العيش والبيئة والشخصيات التي تحيط بهما . لقد أدركت أن الناس لا تحيا إلا من خلال الوهم الذي تكوّنه عن نفسها ، فصنعت علاقة بين الكلمات والأشياء من خلال خيال الشخصيات وأوهامها . خلقت صورة مكملة في الذهن أشد لوعة من الواقع ، وهي صورة لا يتسنى لعمل مكتوب بالدم البارد أن يضمها بين دفتيه )
علي بدر رواية ( بابا سارتر )












في حوار طويل مع الراحل ( سعد الله ونّوس ) قال " جان جينيه " :
( .. ولكن سارتر انتهى منذ عشرين عاما . غرق في لعبة الشمولية ، وضيّعته رغبته الشبقة في أن يصبح كاتبا " شاملا " وعالميا . قبل أيام زرتهما ، هو وسيمون دي بوفوار . حدثتني سيمون أن سارتر شرب سبعة عشر كأسا من الويسكي ، وأنه أعلن في نهاية السهرة " أنه الله " . أتدري ماذا كان تعقيب سارتر ؟ قال لي : " فعلا لقد اعتقدت أني الله . وليست هذه هي المرة الوحيدة التي يسيطر علي مثل هذا الإعتقاد " ... )
( عن مجلة " الكرمل " ، العدد الخامس ، شتاء 1982 ، حوار : جان جينيه : ولدت في الطريق ، وسأموت في الطريق ، سعدالله ونوس ) .






( الشعراء والروائيون هم حلفاء لنا موثوق بهم ، وشهادتهم يجب أن تُقدّر كثيرا لأنهم يعلمون أشياء بين الأرض والسماء لا تستطيع حكمتنا المدرسية أن تحلم بها . إنهم معلمونا في معرفة النفس البشرية ، نحن الرجال العاميون ، لأنهم ينهلون من مصادر لم نجعلها بعد في متناول العلم ) .

سجموند فرويد
كتاب ( الأحلام والهذيان في الفن )






( إنني لست شيئا ، ولست أملك شيئا . وأنا وثيق الصلة بالعالم كالنور ، مع ذلك فإنني منفي ، مثلي كمثل النور حين ينزلق على سطح الأحجار أو فوق صفحة الغدير . في الخارج ، في الخارج ! أجل ، أنا خارج العالم ، خارج الماضي ، خارج ذاتي نفسها ، فالحرية هي المنفى ، وقد قضي علي بأن أكون حرا )
جان بول سارتر
رواية (الغثيان)











( .. وهذا سارتر يصور لنا الموجود البشري بصورة الكائن الزماني الذي هو باستمرار على مسافة من ذاته ، فهو يعدو خلفها باستمرار ، دون أن يتمكن يوما من اللحاق بها . ويشبه سارتر الإنسان بالحمار الذي يجر عربة ، وقد وضعت أمامه حزمة من البرسيم ثبتت في أحد ذراعي العربة بواسطة عصا ، فليس في وسع الحمار سوى أن يعدو ، دون أن يتمكن يوما من اللحاق بحزمة البرسيم . وهكذا الحال أيضا بالنسبة إلى الإنسان ، فإنه يجري دائما وراء ذاته ، دون أن يكون في وسعه يوما أن يلحق بذاته ( من الوجود والعدم ) . فالإنسان ليس موجودا ، بل هو أما أن يكون وراء ذاته أو أمامها ... نحن لا نشعر بأنفسنا إلا في الماضي أو في الحاضر

زكريا ابراهيم
كتاب (مشكلة الحرية)






# تمهــيد وتقريظ :
أمضى " فلوبير " ست سنوات كاملات في كتابة روايته المهمة " مدام بوفاري " ( 1851- 1856 ) ، وقد كتب بعد أن أنهاها رسالة إلى الآنسة دوشانتبي يقول فيها :
( يجب أن يكون الفنان في عمله مثل الإله في خليقته ، لا تدركه الأبصار وقادر على كل شيء : يجب الشعور به في كل مكان ، وأن لا يُرى في أي مكان ) (1).
وقد أصبح هذا القول من كلاسيكيات النقد الحديث لدى نقاد الرواية بمختلف مناهجهم النقدية . وهذا القول ينطبق تمام الإنطباق على السلوك السردي للروائي العراقي " علي بدر " في روايته الخطيرة " بابا سارتر " (2) التي لا أعرف المدة الزمنية التي قضاها في كتابتها . ففي هذه الرواية ( يبدو أن علي بدر يلاحظ شخصياته من مسافة معينة ويرعاها بعين الله .. تشعر به في كل مكان من الرواية ، وهو قادر على كل شيء ، وهو خفي عن الأبصار ، فحضوره وقدرته يدلّان على خفائه ) (3) . يتجلى هذا الدور الخلّاق منذ الصفحات الأولى للرواية :
( في الواقع لم تكن بقالة الآثوري كبيرة ، إنما متجر ضيق ببابين خشبيين مثبّت وسطهما مصراعان نحاسيان كبيران كانا يلصفان بصورة مكتومة ... ووراء الآثوري صورة مثبتة على الحائط لوجه جامد يرتدي بذلة مطرزة بالنياشين .
فسألته :
-أين منزل الأب حنا يوسف ؟
-من قال لك إنه أب ؟ .
وانفجر الآثوري ضاحكا بشاربيه الأبيضين المستقرين على فمه مثل حليب ، كانت عيناه الزرقاوان الغائرتان ووجهه الناتيء العظام تتهكم . لم يجبني . إنما أجابتني زوجته التي كانت تجلس إلى جانبه ، وهي تشير إلى دوحة خضراء منتصبة في الساحة . قالت وهي تشير بإصبعها النحيف :
-هناك أمامك .
ولم يبق من ذكرى وجهها الآن سوى جدائلها المصففة بشكل هالة منتصبة ، وإطارات نظارتها الطبية ووجهها الباكي الذي يذكّر بحوّاء بعد طردها من الجنّة – ص 8 و9 ) .
أو :
( لم أفهم .. قلت وأنا أنظر إلى نونو بهار التي اعتدلت واقفة أمام الأريكة المغطاة بوسائد حريرية وشراشف متناثرة ، وهي تزرر قميصها ، ثم تناولت البنطلون فارتدته على لحمها العاري دون أن ترتدي كلسونا ونظرت بإزائي. كانت أبقت الزر العلوي محمولا فاستبان ثدياها المكتنزان تحت النسيج الناعم وقالت : نعم . كل فيلسوف أرعن – ص 10) .
ويمتد بثبات حتى خاتمة الرواية :
-في المشهد الذي يصطحب فيه سعدون السايس عبد الرحمن عندما كان صبيا إلى واحد من دور البغاء تقترب منه إحدى العاهرات ( ... كان شعر إبطها تفوح منه روائح داعرة ، اقتربت منه وقالت له بصوت أجش :
-رافجني ..
ما إن سمع عبد الرحمن كلماتها ، حتى هرب بسرعة .... بينما أخذت العاهرة تضحك بأعلى صوتها وتنادي وراءه :
-لا تخاف .. تعال .. ما آكلك .. لا تخاف ..
...... وبعد عشرين دقيقة خرج سعدون السايس من المنزل وهو يعقد سحاب بنطلونه .. كان يضحك .. وحين صار أمام الحصان ربت على وجهه وقال :
-لتزعل ... لو أكو كلّجيه للحصن .. كان أخذتك – ص 188 و189 ) .
أو :
حين يصف تعاسة سكان الخان ( وهم يئنون أنين الكلاب من التعب ، يشخرون مثل السعالي ، بينما تصاحب شخيرهم وأنينهم فرقعة عظام وشتائم مقذعة .. يرتجفون ويسعلون ويبصقون .. وهم يقرفصون ملمومين على أجسادهم وأسنانهم تصطك من البرد .. وأحيانا يقودون عاهرة إلى الخان أكثر بؤسا منهم ، أكثر صفرة من وجوههم ، وزناختها الكريهة التي تصدع الرأس أكثر شراسة من زناختهم ، وهي في الغالب إما عوراء أو درداء أو عرجاء أو مجنونة ... يصرخون عليها ويتقافزون مثل القردة حولها ، ويفرقون عليها أجرتها ، ثم يتسللون إلى التواليت الغاطس في البول واحدا تلو الآخر – ص 79 ) .
وسنلاحظ هذه السمة الأسلوبية بصورة كبيرة وراكزة مع سيرنا في تحليل وقائع هذه الرواية ؛ وهي سمة حاسمة يتمتع بها علي بخلاف الكثير من القصاصين والروائيين الذين يوقعهم ضغط الحضور الشخصي في مطبات يأخذ بعضها طابعا مثيرا للسخرية ، وخذ هذه الأمثلة :
-( وصلت مع أبي إلى الدكان وفتحنا بابه .. وأشعلنا المصباح (220 فولت ) !! .
-( خرجت أرش الساحة المقابلة للدار بخرطوم مياه ( طوله 25 مترا ) !!
-( دخلنا الحديقة نمشي على رجلينا ) !!
-( في الناحية الثانية من النهر كناس يحمل المكنسة بيديه ) !!
وهذه التعبيرات لكتاب عراقيين معروفين . وخذ ما يقوله " غي دي موباسان " في إحدى قصصه :
( كان لدي صديق شاب .. ولا تستغرب أيها القاريء إذا كان لرجل كبير مثلي صديق شاب ) !! .
إن تحريك الروائي لشخوصه على مسرح الرواية دون أن يُرى مع الإحساس الدائم به في كل زاوية هي معضلة كبيرة من معضلات السرد الروائي . وكانت هذه الميزة من الميزات التي شدتنا كثيرا كنقّاد لرواية علي هذه ؛ وهي رواية جاءتنا وبدأنا بتداولها مستنسخة في سنوات الحصار الجائر ؛ جاءتنا " من الفراغ " ؛ بمعنى أننا لم نكن قد قرأنا لعلي بدر أي نص سردي سابقا ، لا قصة قصير ولا رواية . وإذا بنا أمام عمل روائي فريد وفذ صنعه علي على طريقة " أن الديك الروائي الفصيح .. من أول بيضة سردية يصيح " .






# مدخل – رحلة البحث :
يضعنا علي بدر في مركز أحداث الرواية منذ أسطرها الأولى ، منذ استهلالها ، بلا مقدمات وصفية أو تمهيدات نظرية كما يفعل بعض الروائيين :
( الشيطان المدمر حنا يوسف ، حفار القبور ذو السحنة المرعبة ، وصديقته الخليعة التي كان يطلق عليها اسما توراتيا غريبا (نونو بهار ) ، هما من أغوياني بكتابة سيرة حياة الفيلسوف العراقي الذي كان يقطن محلة الصدرية إبان الستينيات – ص 7 ) .
ولعل هذه من سماته الأسلوبية الهامة في هذه الرواية التي جاءت مكثفة بلا استطالات سردية أو ترهلات لغوية ثقيلة إلا في مواضع محدودة جدا غير ذات تأثير . صنع علي رواية رشيقة تكاد تكون من أكثر الروايات العراقية رشاقة من حيث بنية " جسدها " اللغوي . ومن هذا الاستهلال نفهم الثيمة المركزية لحكايته هذه : تكليف الراوي – الصحفي – بكتابة سيرة حياة ما سمّاه بـ " فيلسوف الصدرية " الذي مات قبل سنوات . كلّفه بذلك " دجّالان " كما يصفهما هما حنا يوسف ونونو بهار اللذان لم يكن ينقصهما " حب الفلسفة ، ولا الفضائل المتحمسة ، ولا النبوغ ، إنما ما كان ينقصهما حقا هو الشرف ، إذ كانا يعتمدان اعتمادا كليا على فساد الأخلاق – ص 7 ) .
لقد زارهما في نزل صغير مطل على مقبرة ملحقة بكنيسة ( أم المعونة ) خلف بارك السعدون ، نزل استأجره لهما " تاجر عراقي نصف مجنون ، نصف معربد ، وغير شريف بالمرة ، يطلق على نفسه صادق زاده ، أدركت فيما بعد أنه هو الذي كان يموّل رحلة البحث عن حياة الفيلسوف – ص 7 ) .
ومن هنا ، يصمّم الكاتب رحلة بحث من ناحية ، ومراجعة لحياة فيلسوف الصدرية ، بطريقة يضفي عليها سمة " بوليسية " إذا ساغ الوصف . فنحن أمام رحلة بحث عن " سر " أو مجموعة أسرار تتعلق بحياة فيلسوف الصدرية الذي توفي في ميتة غامضة ،وجاء من يحاول استعادة وقائع السنوات التي عاشها وفك خيوط ما اشتبك منها . وهذه السمة تأتي في صورة جرعات صغيرة وعبر مسافات رسمها الروائي ليصعّد درجة التوتر في مسار الحوادث التي قد تنخفض وتتراخى أواصرها مع استغراق الراوي في سرد حوادث متسلسلة خطّيا . ففي لقائه الأول مع حنا يوسف ونونو بهار يفهم منهما أنهما سيقومان بتغطية جميع نفقات جمع المعلومات والوثائق ، وسيوفران له الوثائق المطلوبة التي تساعده على معرفة طفولته وأيام دراسته ، وأسماء الأشخاص الذين عاصروا الفيلسوف ، وسيعطيانه المال اللازم الذي فرح به كثيرا ، لأنه كان مفلسا إفلاسا تاما . لكنه مع تنامي رحلة البحث التي دامت شهرين كاملين يذهب لمقابلة صادق زاده بعد موعد رتبه حنا يوسف . وفي بيت صادق زاده يحصل تغير غريب حيث يجد نونو بهار جالسة مع صادق وتطلب منه التعاون معه ، وحين يبدي دهشته لأن من المفروض أن يتعاون مع " صاحب المشروع " الأول وهو حنا يوسف تقول له نونو : إنك تتعامل مع صادق زاده لا مع حنا يوسف لأن الأخير هو الوحيد الذي يموّل المشروع وليس حنّا المفلس !! . بين مرحلة وأخرى تأتي مفاجئة قد تبدو بسيطة لكنها بتراكمها مع فعل المفاجآت الأخرى تحقق " صدمات " للوعي الخطّي إذا جاز الوصف الذي يستقبل به المتلقي سرد الحوادث التعاقبية . خذ مثلا خاتمة الحوار بين الراوي وبين حنا ونونو في لقائهما الذي أشرت إليه . فعند النهاية وبعد الإتفاق على أن يضطلع الصحفي بكتابة سيرة حياة الفيلسوف يخبره حنا بصورة مفاجئة بعد أن أخبره بأنه حر في كتابة الحقيقي والزائف :
( أكتب ما تشاء وليكن هذا الحمار أعظم من جان بول سارتر ، لا يهمني على الإطلاق ، ما يهمني هو أني سأقرر معك بعض التفاصيل المهمة في حياته
- حينما تصل إلى النهاية ستفهم ..
قالت نونو – ص 14 ) .
وهنا يتأكد أن كتابة وقائع حياة الفيلسوف ليست مهمة بقدر أهمية النهاية التي ختمت حياته . وستثور تساؤلات عن هذا التناقض بين اهتمام " الدجالين " بخاتمة حياة الفيلسوف مع تحقير تفصيلاتها . وتتضاعف هذه التساؤلات المشوشة عندما يحصل التأكيد نفسه على النهاية من قبل صادق زاده " الراعي الجديد " أو " المستتر " لمشروع كتابة سيرة حياة الفيلسوف الوجودي العراقي الذي كان يلقب بـ ( سارتر الصدرية ) . فصادق يخب الراوي بأنه سيعطيه الوثائق المطلوبة والمال .. يزوده بكل شيء ، أما النهاية فسيصنعانها سوية : الراوي مع صادق زاده . صادق يقول له بوضوح :
( في الواقع هنالك أشياء لا تعنيك زأنت تكتب ، وأنا لا أجبرك على أن لا تقول الحقيقة . لا ، على الإطلاق . أنا لا أريد منك أن تقول شيئا لا تجده في الوثائق . لكن الإشكال يقع في وفاة الفيلسوف . الناس تختلف في وفاته ، وهنالك روايات مختلفة . ما أريده أنا بالضبط : أن أختار فقط ، أختار إحدى هذه النهايات ، وأقول لك أنت تبنّاها ، أنا لا أفعل ما يفعله حنا . حنا يريد توريطك مع الأسف ، أنا لا أريد أية مسؤولية ، كل ما أريده هو أن تعرض عليّ النهايات ، وأنا أقول لك هذه – ص 39 ) .
فما هو سرّ هذا الصراع على النهاية ؛ نهاية حياة الفيلسوف ؟ ولماذا تصبح النهاية أهم من سيرة حياته بأكملها ؟ وإذا كان صادق زاده هو – كما أشار الراوي في البداية – هو الذي استأجر البيت لحنا ونونو وهو الذي يموّل العملية ، فلماذا يحاول حنا " الإنشقاق " عن صف صادق ليصمم نهاية من وجهة نظره ؟ . هذا هو " صراع النهايات " الإفتتاحي الذي لم يربك الصحفي في النهاية ، بل بالعكس أشعره موقف صادق بالاطمئنان والإسترخاء :
( في الواقع سرّني الأمر كثيرا ، فهذا الإختيار في النهاية هو واقع لا محالة ، وربما سنتلتقي أفكارنا لنقررها معا ، فإذا كانت إحدى الروايات مقبولة ومتبناة ، فالأمر لا يضيرني .. وهكذا أخذت الوثائق وغادرت المنزل – ص 39 ) .
لكن كيف افترض الراوي – وبارتياح – أن الإتفاق على نهاية واحدة مع صادق ممكن ؟ أليس إقرار أي نهاية هو " اختيار " مرتبط بالوجود الشخصي بصورة جذرية ( أنا أختار ، إذن أنا موجود حسب الكوجيتو الوجودي الذي صاغه " يسبرز " الذي وحّد بين الوجود والإختيار ) ؟ 0 ( وهذا الإختيار هو وحده الذي يجعلنا نعلو على الوجود الطبيعي فلا نعود نكتفي بتقبل تأثيرات التجربة تقبلا سليما محضا ، بل نسير إلى اكتشاف ذواتنا ، مستعملين تلك الحرية التي فيها تنحصر " شرعية " وجودنا . عاملين في الوقت نفسه على أن نظل مخلصين لذواتنا . فالإنسان لا يوجد حقا إلا إذا اختار نفسه بحرية ، عاملا على خلق ذاته ) ؟ (4) . أي أن الراوي كان " يرهن " إرادته بإرادة أخرى في الواقع ، هناك حرية آخرى تلغي حريته ، أم أننا نستطيع القول إن هذا هو " اختيار " الراوي حتى لو كان ذلك مقابل المال الذي كان يحتاجه لأنه كان مفلسا ؟ إن مكر علي بدر يجعلنا نعيش معضلة الفكر الوجودي من حيث الوجود وحرية الإختيار والإرادة والمسؤولية بصورة مستترة ، وهنا تتجلى الأهمية الكيرى للأعمال الروائية المخلصة لفنها ، فهي الروايات التي لا " تنظّر " ، ولا تطرح الأفكار النظرية الفجة .. بل تقدم المقولات الكبرى من خلال شخوص أبطالها وتترك للقارىء – محترمة عقله وحريته وإرادته – حرّية الخوض مع الشخصيات في الحوار الحر والتقييم الهاديء لأفعالها . وفي كل فسحة من فسح " التأمل السردي " كما أسميها وهي سرّ عظمة أي رواية .. وهي الفسح التي تمتد بين الحوارات ويكون محورها تأملات الكاتب أو الراوي في الأفعال الرئيسية والأفكار الحاكمة لشخوص الرواية .. محاولة الغوص في أعماق نفوسهم وكشف المستتر من حوافز ومبوتات في لاشعورهم .. كيف ينظرون إلى العالم والحياة والوجود من حولهم .. هذه الفسح هي التي تجعل بعض الروايات – وكما كرّرت ذلك كثيرا – بحاجة إلى " قرّاء " وليس إلى " قارىء " .. وشتّان بين " فعّال " و " فاعل " .. ورواية علي بدر من هذا النوع .. فتحت غطائها الساخر المسموم هناك العديد من الأطروحات الفكرية وحتى الفلسفية حول سلوك شخوصه .. وحول معضلات مركزية في الحياة كالجدوى من الوجود والخير والشر والحق والعدالة والفكر والإختيار وغيرها . وليس غير " قرّاء " يستطيع الإمساك بالخيوط الخفية التي تنسجها أفكار الراوي وهو يتحدث عن دوافعه في قبول مشروع كتابة حياة الفيلسوف . يطرح أولا الدافع المباشر المتمثل في حاجته للمال ، وصلة هذا الدافع البقائي والحيوي بالأخلاق :
( وهذا بطبيعة الحال أمر لا أخلاقي ، فأنا لم أكن طوال حياتي أخلاقيا موسوسا ، ولا فضائحيا متحمسا ، إنما لم أدرك في ذلك الوقت أن للشرف والأخلاق هذا التأثير المسموم على بعض الناس – ص 15 و16 ) .
ثم يبدأ بتوسيع النظرة التأملية لتاخذ أبعادها " الفلسفية " – وهل أقول : الوجودية ؟! – حيث يحاول كشف ما " يعنيه " له هذا " الموقف " والكيفية التي أسس على ضوئها "مسؤوليته" ، و" اختياره" الذاتي ، وموافقته " الشخصية " على المشروع الذي عرضه حنا ونونو :
( لم أكن معنيا على الإطلاق بإنجاز شيء من الروائع الأخلاقية ، كما لم أكن معنيا بتقليد هذا التشويه الذي طرحه عليّ حنا يوسف ونونو بهار ، أو محاكاة وسائلهما ، كما لم أكن مسكونا بفكرة الخير أوالنبل أو العفة أو الصرامة على الإطلاق ، كما أني لم أجعل من السيرة نوعا من الإحساس بالخوف أو الإعجاب المبالغ به ، ولا العداء الذي يسربه هذان الدجالان لي ، فأنا لم أكن – مثل أي شخص آخر – متحررا من العواطف العنيفة ، والقدرة على الإختراع ، لكني لم أكن ذا نية في الدخول في التاريخ المأساوي للعالم ، كان في روحي على الدوام نوع من التحرر ، ولم يُفسد الإحساس بالحب أو الكراهية عواطفي الأخلاقية – ص 16 ) .
ودور " القارىء " هذا كان يقوم به الراوي أيضا . فقد كان " يقرأ " الوثائق والملفات وأقوال من عاصروا الفيلسوف والناس الذين عرفوه بروح يحاول أن تكون محايدة . لكن أنى يتحقق له ذلك وقد أشتبكت الدوافع الذاتية بالدوافع الموضوعية بصورة مربكة وحتى مضللة ؟! . صحيح أنه – أي الصحفي – قد وضع " منهجا " لعمله يتحدد في خطين بحثيين : الأول تحديد " المظهر الخارجي " لحياة الفيلسوف من خلال الوثائق الرسمية التي يملكها المحامي " بطرس سمحيري " ، وهي وثائق مهمة تدله على النقاط الحاسمة من حياته ، وفيها تفصيلات دقيقة . والثاني هو تحديد " المضمون الداخلي " للفيلسوف وحياته النفسية من خلال تاجر التحفيات " غانم زادة " الذي يمتك وثائق تخص المراحل المهمة من حياة الفيلسوف وأفكاره وعلاقاته السرية مع الراقصات وبنات الهوى والشخصيات العامة . صحيح أنه قد اختط مثل هذا المنهج " الموضوعي " البحثي ، لكن الدوافع الذاتية للـ " آخرين " انحرفت بكل المعطيات الموضوعية التي وفرتها الوثائق والملفات والشهادات . كان يبحث عن روح " التجرد " التي تسم تقديم المعلومات المعطاة بكيفية تتيح له الحكم " المجرّد " – ولعل هذه من المعضلات الكبرى في محاولة " إعادة كتابة التاريخ " التي ستتكشف مع تصاعد سياق التحليل – ناسيا أنه هو نفسه في نهاية المطاف سيكون واحدا من عوامل إضعاف ممكنات الحكم " المجرد " كما سنرى . لعل الدرس الأساسي من هذه الوقفة التي " يتأمل " فيها الراوي الصيغة التي كتبت بها وقائع حياة الفيلسوف الراحل وانطباعات الناس عنه هو أن العقل البشري منحاز بطبيعته ، وهو عقل تبريري لا عقل منطقي :
( لكن هذه الوثائق التي زودوني بها هي وثائق مكتوبة بأسلوب مفتعل ومنحاز ، ولم تكن ، طوال فترة كتابتي للسيرة سوى عائق ، كان عليّ أن أحييها بروح تهكمية وأن أسخر من سماجتها وضحالتها . وأنا أقلب الصفحات كان علي أن أدقق بحكايات مثل :
ما إن لامس الفيلسوف الغصن أمام حسنية حتى تفتحت أزهاره
أو ما إن مسك الدجاجة بيديه حتى باضت في حضنه بيضة تزن نصف كيلو – ص 13 ) .
إن هذا الإعجاب المبتذل ذا المسحة الخرافية الذي يصدر عادة من انفعالات العامة ، سيجد الراوي مقابلا له على ألسنة من رافقوا الفيلسوف وتأثروا بأفكاره وشاطروه قناعته فيها . هذه الجهة المقابلة ليست من فئة العامة الذين تستولي عليهم الإنفعالات والعواطف فتشكل " إطارهم الإدراكي " الذي يحدد الكيفية التي يشكلون بها أحكامهم على الظواهر والأشخاص والحركات . إنهم من فئة المثقفين الذين يثفترض أنهم يقيمون تقييماتهم على الآخرين والوقائع على ركائز " موضوعية " راسخة . ذات يوم جمعة ، وفي سوق السراي ، يلتقي الراوي بأحد هؤلاء المثقفين الذين عاصروا الفيلسوف وهو يتأبط كتبه . وفي العادة يحوّل الكاتب أي أنموذج بشري في الرواية إلى كتلة كاريكاتيرية لأسباب مفهومة :
( كان يشبه وكيل الباشا : السدارة المائلة على الرأس ، الشارب المستقر مثل شريط مستقيم الحواف ، وقاطه ضيق مزرور عند بطنه السمين المتعاظم ... صورة مضحكة لشخص يقف والجموع تدعكه يمينا وشمالا :
-كان المرحوم فيلسوفا عظيما ، تزوج من ابنة خالة سارتر ، وهو الذي علم الستينيين العبث والغثيان ، وكان سهيل إدريس وجوديّ عصره معجبا به ، هذه الفلسفة مهمة في عصرنا ، ذهب ذلك الجيل مع الأسف ، هو الجيل الوحيد الذي قرأ دروب الحرية والغثيان والوجود والعدم . كانت عدميتنا حقيقية وليست مزيفة . وقد حاربنا الجواسيس والعملاء لأننا أدركنا كنه الوجود – ص 22 ) .
وهذه الروح التهكمية تأتي في مواضع كثيرة تلقائية وغير مسبقة التخطيط بشكل يظهرها مقحمة ومفتعلة رغم أن النوايا المبيتة شديدة الإيغال في دهائها المغيب . والروائي المقتدر يعمد إلى خلط ما هو مادي بمل هو فكري مجرّد .. خلطة عجيبة يستثمر فيها مكونات المكان للتعبير عما يبغيه من أحكام تقييمية . لدى علي البدر المكان يتكلم .. بل هو أكثر مكرا في التعبير عن الأفكار والرؤى النقدية التي يستبطنها الكاتب .. لقد نصحوه [ = الراوي ] بأن يقابل اثنين من اصدقاء الفيلسوف القدماء الذين تحولوا إلى تجار في سوق " كمب راغبة خاتون " ليحصل منهما على معلومات أكثر دقة خصوصا وأنهما كانا يتعاطيان الفلسفة نفسها ، ومن مريدي الفيلسوف بإخلاص . لقد وصل هو و " جواد " الذي كلفه حنا يوسف بمرافقة الصحفي ومراقبته في الوقت نفسه سوق الكمب المزدحم وسألا عن " سلمان " و " عباس فلسفة " فقال لهما أحد الباعة إنهما في مطعم السوق نهاية الجادة . في الطريق غلى المطعم " يشتغل " المكان كلسان سردي يؤطر الصورة المتخيلة التي يريد الراوي غرسها في أذهاننا :
( دخلنا السوق . كان رطبا خانقا ، والأرض مشبعة بالوحول ، بينما كان الماء الآسن ينزّ من الطابوق المرصوف دون عناية . كان المطعم يقع في آخرة السوق ، مطعما صغيرا منخفض السقف مطليا بطلاء أبيض رخيص وواجهته الزجاجية وسخة ، وكان يغص بالزبائن من كل نوع : تجار الفواكه والتوابل بدشاديشهم البيض ، وهم يشدون بطونهم السمينة بالأحزمة ، والشباب بالملابس الإفرنجية ، والشرطة بالحزم والملابس الكاكية وهراوات الجوز يضعونها على الطاولات ، بينما كانت النساء بالعباءات السود ، وقبل الدخول كانت المنقلة السوداء الكبيرة تواجهنا أمام باب المطعم .. دخلنا وكانت الأصوات تتعالى من كل مكان :
-.. نفر كباب .. زلاطة بدون خل .. .. جيب صمون .. هنا عيني - - ص 30 و31 ) .
وكأنني بعلي بدر يريد أن يوصل رسالة شديدة الأهمية والقسوة في الوقت نفسه وهي أن " المكان " غير مهيّأ لـ " استقبال " الفكرة .. وأن " الأرضية " التحتية ليست معدّة لإنبات بذورها .


# وقفة عند توظيف المكان البغدادي :
وهنا ينبغي أن نثني ونحيي ذاكرة هذا الروائي الجبارة التي احتفظت بأدق تفاصيل المكان البغدادي الذي تعرض خلال العقود الأخيرة لعملية محو وتشويه بل تدمير منظمة وظالمة . الذاكرة هي بقايا المكان ، وحتى الحوادث والأسماء والوقائع المجردة لا يمكن أن تحتفظ بها الذاكرة البشرية إذا لم تكن مستوعبة في وعاء المكان . الزمان نفسه لا قيمة " مادية " ذاكراتية له من دون أن تحيط به أذرع المكان وتتلبسه أرديته . بعد غائب طعمة فرمان بصورة أساسية وفؤاد التكرلي بدرجة أقل رغم أهميتهما ، لم أجد روائيا عراقيا مخلصا للمكان البغدادي وأمينا عليه مثل هذا الروائي . وفي الوقت الذي تميل الموجات النقدية الحداثية وما بعد الحداثية إلى إلغاء إنحيازات المكان المحلية وولاءاته الأمومية بحيث صارت الرواية تُكتب للسينما مباشرة ، وفي ذهن الكاتب " الإستديو " وليس التربة المحلية بمحمولاتها الوجدانية ، فإن علي بدر يقوم بواجب وطني – هل سيسخر منا أتباع ما بعد الحداثة حين ننسب للراوي دورا وطنيا ؟! – في ترميم الذاكرة العراقية التي مزّقت شرّ ممزق . يقول الروائي الراحل " عبد الرحمن منيف " :
( الكاتب العراقي غائب طعمة فرمان ، الذي ظل غائبا عن وطنه ، العراق ، ثلاثين عاما ومات في المنفى ، لا يتصوّر بغداد إلا كما عرفها ، كما تركها ، ولذلك ظل طوال سنوات المنفى يستحضر بغداد تلك ، علما بأن بغداد التي عرفها ، الماضي ، لم تعد موجودة ، قامت أخرى مكانها ، ليس المهم أن تكون أكبر أو أجمل ، ولكنها مختلفة . ومع التأكيد أن ليس هناك كاتب عراقي استطاع أن يستعيد ويثبّت في الذاكرة من جديد بغداد الخمسينات كما فعل غائب ، ولو قُدّر لبغداد تلك أن تعود ، مرة أخرى ، لاستطاع أي زائر لها ، حتى لو لم يكن من أبنائها ، أن يجوس أحياءها ليلا ، وفي الظلمة ، دون أن يخشى الضياع ...
لكن بغداد تلك لم تعد موجودة ....
إن بغداد التي تعود للحياة من جديد ، بمعالمها وناسها ورائحتها ، ليست بغداد الحاضرة أو المعاصرة ، ولكنها المدينة المشتهاة والمستعادة في الخيال ، والماضية أيضا )
وعلي بدر يقوم بدور مواز ، وحري أن نقول إن دوره يفوق أدوار المبدعين السابقين أهمية وإلحاحا بفعل طبيعة المرحلة الكارثية التي يمر بها العراقيون الآن ؛ عراقيون صاروا يعرفون خان الخليلي عبر المسلسلات المصرية أو لاس فيجاس من خلال أفلام هوليود أكثر مما يعرفون أحياء مدينتهم الأم ، كما تهشمت الصلات التواصلية بين الأجيال بحيث أصبح الجيل الراهن معدا لاستقبال أي تزييف عن المكان والزمان العراقيين . يمكن القول إن في رواية علي بدر هذه أبطال كثيرون ، لكن البطل المركزي الذي لا يُنازع هو المكان البغدادي . مكان برع علي في جعلنا نعرف أدق تفصيلاته .. يقودنا في أزقته المتعرجة بسلاسة من عاش وخطط وافتتح تلك الأماكن .. وعلي من مواليد 1964 !! .. أي قدرة تلبسية على تمثل دقائق المكان هذه ؟! . يقول علي :
( لقد استمر البحث ، ورسم العلامات المهمة ، وتعيين النقاط التي لها علاقة بحياة الفيلسوف مدة لا تقل عن شهرين ، وقد كان لزاما علي أن أثبت الأماكن العامة التي كان الفيلسوف يرتادها ، مثل ملهى " جريف أدب " الذي تملكه الراقصة دلال مصابني ، وعلاقته بتلك الراقصة ، وبمجموعة أخرى من الراقصات اللواتي كنّ يتبعن فلسفته ، والمقهى السويسري في شارع الرشيد ولقاءاته المستمرة مع بعض الشخصيات الأدبية ، ومن ثم كافتيريا " إكسبريس الشرق " في شارع الرشيد حيث كان يلتقي نادية خدوري في أثناء زيارته لبغداد ، سينما " قدري الأرضروملي " ، وأماسي السينما الفرنسية ، مكتبة " مكنزي " حيث كانت تعمل نادية ، ومن هناك كان يشتري آخر الكتب الوجودية – ص 19 و20 ) .
لكن قد تبدو هذه الإشارات أشبه بتأشيرات معلم جغرافية أو دليل سياحي على مواقع خارطة معينة .. تأشيرات وصفية وتعليمية لا صلة لها بمكنونات الوجدان على الرغم من أهميتها البالغة ذلك لأنها مُقتطعة من سياقها من ناحية ، ولأن الأهم ، من ناحية ثانية مكملة ، هو هذا الجانب الحركي ، الجانب الذي يقوم فيه الروائي بدور خبير المكان المختص المتحرك الذي يمضي مسرعا في دروب بغداد المحروسة وأحيائها دون أن يلتفت إلى الخلف ، تاركا لنا كمتلقين حرية السير ، أو الجري أحيانا ، خلفه ، وهو يطرح خزينه عن معالم المكان المحتضر في الذاكرة .
وعلى امتداد صفحات الرواية ( 261 صفحة ) تتجلى سمة أسلوبية هائلة المعنى وتتمثل في التحام الكاتب التفصيلي بالمكان البغدادي بأدق تفصيلاته . قدم لنا علي بدر صورة حية ونابضة بالحركة الإنسانية الحية عن أماكن وأحياء رئيسية في بغداد ملتحمة بالانسان البغدادي في تفصيلات محسوبة من سلوكياته ، محسوبة بالقدر الذي يخدم الموقف في الرواية ويسهم في عكس جوانب من أفكار شخوصه وصراعاتهم النفسية ورغباتهم المكبوتة من ناحية ، ويجسد بصورة غير مباشرة ما يريد الكاتب " إسقاطه " من رؤى وتصورات عن طبيعة الموضوعة التي يعالجها والمرحلة التي يريد تصوير أبعادها وتحولاتها ومفارقاتها الاجتماعية والفكرية من ناحية أخرى . وقليل من الروائيين العراقيين من اعتنى بالمكان البغدادي – في مقدمتهم طبعا الراحل الكبير " غائب طعمة فرمان " – وحاول " توثيق " ملامحه روائيا بصورة خلاقة من خلال توظيفه في خدمة الحدث الروائي بصورة تجعله ملتحما بمسارات سلوكيات الأشخاص والوقائع بصورة تلقائية وليس مجرد " وثيقة " روائية جغرافية مقحمة . لقد قدم علي بدر مخططا لتحركات شخوصه وخصوصا الراوي الصحفي وعبد الرحمن صبيا وراشدا هو " خريطة " لبغداد أيام عز أمكنتها البهية المباركة في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات ، ذاك العز الذي خرّبته العقليات اللامتخصصة في العهود السابقة ثم جاء خنازير الاحتلال ليجهزوا عليه نهائيا بقصفهم وسرف دباباتهم وبلوكات " بريمر " اللعين الشهيرة . ويذكرني جهد علي المتفرّد هذا برأي آخر لـعبد الرحمن منيف عن دور فرمان الفريد في هذا المجال في كتابه " الكاتب والمنفى " حيث قال :
" لا أعتقد أن كاتبا عراقيا كتب عن بغداد كما كتب غائب . كتب عنها من الداخل ، في جميع الفصول ، في كل الأوقات . وربما إذا أردنا أن نعود للتعرف على بغداد أواخر الأربعينات والخمسينات ، لابدّ أن نعود إلى ما كتبه غائب (..) كيف كانت الأماكن ، كيف كان البشر . إن رائحة المكان في "النخلة والجيران" وملامح الناس في "خمسة أصوات" وهموم الفقراء والمتقاعدين في "آلام السيد معروف" لا يمكن أن نجد ما يماثلها في كتب التاريخ وفي صحف تلك الأيام وفي أدبيات الأحزاب السياسية " .
وفي مقارنة ذكية للطريقة الفذّة التي حفظ بها المبدعون العراقيون ملامح المكان البغدادي يذكر منيف حالتين رائعتين : الأولى هي الكيفية التي اندهش فيها أصدقاؤه اليوغسلاف الذين رافقوه وهو يزور مدينة " ترافنك " اليوغسلافية لأول مرة . كان يشير إلى الطريق التي ستأخذهم إلى القلعة ، ومتى سيعبرون النهر ، ويقول لهم أن هذه مقبرة المسلمين وهذه مقبرة المسيحيين قبل أن يصلوها .. كانوا يعتقدون أنه زار المدينة من قبل ، لكنهم صدموا حين قال لهم إن هذه زيارته الأولى وإنه يعرف ملامح المدينة من خلال قراءته لرواية " إيفون أندريتش " " وقائع مدينة ترافنك " !! . ويقارن منيف بين براعة أندريتش هذه وبراعة الروائي العراقي فرمان الموازية بالقول :
( أعتقد أن غائب في أكثر من رواية يتمتع بهذه الميزة ، ميزة أن يكون دليلا في المدينة التي أحبها : بغداد ..هو الذي ظل غائبا عن وطنه ، العراق ، ثلاثين عاما ومات في المنفى ، لا يتصوّر بغداد إلا كما عرفها ، كما تركها ، ولذلك ظل طوال سنوات المنفى يستحضر بغداد تلك ، علما بأن بغداد التي عرفها ، الماضي ، لم تعد موجودة ، قامت أخرى مكانها ، ليس المهم أن تكون أكبر أو أجمل ، ولكنها مختلفة . ومع التأكيد أن ليس هناك كاتب عراقي استطاع أن يستعيد ويثبّت في الذاكرة من جديد بغداد الخمسينات كما فعل غائب ، ولو قُدّر لبغداد تلك أن تعود ، مرة أخرى ، لاستطاع أي زائر لها ، حتى لو لم يكن من أبنائها ، أن يجوس أحياءها ليلا ، وفي الظلمة ، دون أن يخشى الضياع ...
لكن بغداد تلك لم تعد موجودة ....
إن بغداد التي تعود للحياة من جديد ، بمعالمها وناسها ورائحتها ، ليست بغداد الحاضرة أو المعاصرة ، ولكنها المدينة المشتهاة والمستعادة في الخيال ، والماضية أيضا ) .
يقول علي بدر : ( كان شق الطريق صعبا ، فأزقة الصدرية مظلمة ، تتوزع بشكل ملتو لتصب مرة واحدة في شارع واسع شيده الملك غازي في الثلاثينات ، وكان سيرنا متعثرا بفعل قناطر صغيرة شبه مهدمة ، تعترضنا في الوسط ، وهي مختفية بمياه تصدر بدوامات متقلبة ، تغطي أحيانا نصف عجلات عربات السحب الصغيرة التي تجتاز هذه الأزقة المتجهة إلى سوق الدهانة ، أو إلى محلة سراج الدين ، أو إلى سوق الشورجة ، وكنا بين آونة وأخرى نلتصق بجدران المنازل الرطبة ، حين تمر إحدى العربات التي تجرها الخيول بأكفالها السمينة الصهباء ، وحمحماتها المكتومة حيث يتكاثف البخار الخارج من مناخرها بسبب تيارات الهواء الباردة التي تلفحها ، والعربنجية يسوطونها بالقمجيات وهم يصرخون : بالك .. بالك .. بالك – ص 18 ) .
وفي فقرة موجزة نسبيا يقدم الكاتب نظرة بانورامية علوية وكأنه يمسح محلات سكن الشخصيات الرئيسية في الرواية . هذه النظرة تلخّص الكثير من المعلومات عن هذه الشخصيات ، معلومات مرتبطة بأعمالهم أو طبيعة انتماءاتهم الآيديولوجية بصورة العرض السريع " المفتاحي " الذي يعطي " موجزا " عن كل شخصية سيتم بحث طبيعتها ودورها في حياة الفيلسوف مستقبلا . هي خلاصة تشبه ما تقدمه " برشورات " العروض المسرحية :
( إسماعيل حدوب الذي سكن الخان الملاصق لجامع سراج الدين فترة من الزمن إبان الخمسينات ، شاؤول حيث كان محله يقع في قلب سوق الصدرية في نقطة تلاقيه مع الدهانة وحي سراج الدين ، بيت لاوي صاحب شركة السيارات في شارع الرشيد ، نادية خدوري التي كانت تعمل في مكتبة مكنزي في شارع الرشيد ، إدمون القوشلي الذي كانوا يطلقون عليه تروتسكي الستينيات والذي تعرّف إليه في مقهى واق واق في باب المعظم حين كان يجالس دزموند ستيوارت ، ومجموعة من الناس مثل خفير الصدرية ، وجاسب الأعور ، والراقصة دلال مصابني ، ورزجينا الخدامة ، وحسنية الغسالة وسعدون السايس وعطية البستاني وغيرهم – ص 19 ) .
# المكان يحاور :
قلت إن من السمات الأسلوبية الحاسمة لعلي بدر هو عدم حضوره وقت حضوره الطاغي . وهو يميل إلى تشغيل كل مكونات الواقعة الروائية من اشخاص وموجودات ، حية وجامدة ، لتكون أدوات للخطاب الروائي ، ورموزا مثقلة بالتعبيرات المموهة . وفي ما يتعلق بالمكان فقد جعله الروائي مشاركا في خلق إيحاءات تكشف عمق التناقضات بين المواقف الفلسفية الغثيانية المستوردة والتي تشيد أوهاما وأستيهامات يقظة باذخة ، وبين الواقع الخرب والمتآكل الذي يقف بصلابة متناشزا مع أي استيهامات فلسفية . في الصفحتين الأوليين من القسم الثاني من الرواية : " رحلة الكتابة " ، وهي الرحلة الأطول ( 198 صفحة ) بما لا يُقاس مع القسمين الآخرين : الأول وهو رحلة البحث ( 32 صفحة ) ، والأخير وهو " رحلة الفيلسوف " ( 20 صفحة ) ، يستثمر الكاتب مفردات المكان لرسم صورة لحالة التناقض المريرة بين ما يستوهمه عبد الرحمن شوكت ، وبين الواقع البائس والرزيل المحيط به في محلة الصدرية . ---في أحد المشاهد ، يصف أولا منزل عبد الرحمن الذي يبحث عن خلاص الإنسان وجوديا :
( كان منزل عبد الرحمن الكائن في الطرف القصي من جادة الطبيب سيمون بهلوان ، والمطل على المقدمة المفتوحة من السوق المسقف بالألمنيوم ، في غاية الترتيب والروعة والأناقة : السجاد الكاشاني ذو الوبرة العالية يفرش الأرضية ، خشب الصاج الهندي المرصع يغلف الجدران العالية ، والأرائك المريحة مطعمة أخشابها بالفضة والأحجار الثمينة ، واللوحات الفنية والصور الصغيرة معلقة على الجدران بصورة منتظمة ، ومن الخارج كانت الواجهات الرخام الصقيلة تلامسها أغصان أشجار اليوكالبتوس المعمرة – ص 42 ) .
هذا هو مجسم مصغر لمكان النعيم الداخلي حيث تترعرع الاستيهامات الفلسفية الوجودية المرفّهة التي يحملها عبد الرحمن في عقله ، استيهامات يطل بها من الشرفة الفارهة على السوق المجاور – سوق هو خلاصة للحياة العراقية بمجملها أوانذاك – كرمز لساحة تطبيق الأفكار التغييرية المقبلة ، بعد أن يزيح الستائر الموسلين :
( كانت بائعات الفجل والخضرة المرشوشة تغطس رؤوسهن المعتمرة عمامات سود مربعة بين أكوار الخضرة المبللة وسلال التين اليافع ، وأولادهن الصغار برؤوسهم الصغيرة الحليقة ، يلتصقون على صدورهن المكشوفة مثل قرود . وكانت جموع الناس رجالا ونساء تمور بين أكوار الليمون والبرتقال في القصاع العريضة ، بين سلال البصل ، والفلفل الأخضر ، والتفاح المغسول ، وحلانات التمر المكبوس . وفي الجانب القصي أقفاص البط ، والدجاج ، والعصافير الصغيرة ، موضوعة بعضها فوق بعض ، قرب الخراف التي تتقافز عند سياج الحديقة الكثيفة التي يظهر منها دغل غامض الشكل يظلل أصص ريحان وزهوراً متزاحمة – ص 42 ) .
إن هذه الإطلالة المتعالية والمسترخية معزولة وتعاني من انفصال نفسي بارز رغم المجاورة المكانية . الفيلسوف في عزلته المترفعة والطفيلية ، وهذا شأن الفلاسفة عبر تاريخهم ، والناس العامة في فضاء حركتهم اليومية التي لا تدير بالا لا لفلسفة ولا لأطروحات ولا لطباق ولا لتركيب . وفي الوقت الذي انشغل فيه عبد الرحمن / فيلسوف الصدرية في الرثاء الحارق لـ " وجوده الناقص " والمثلوم ، لأنه ليس أعورا كي يتطابق مع أعور الوجودية ، كان أناس الصدرية البسطاء لا يعرفون صاحب الوجودية الباريسي ولا الوجودية نفسها . هم منشغلون في عناءات حياتهم اليومية المضنية وسط طبيعة مصغرة قابلة للتداول من برتقال وليمون وبصل وتفاح وتمر مكبوس ... إلخ . حتى الخراف المتقافزة لديها " شغل " يريد الروائي المسموم أن يضع في أذهاننا أنه أفضل بمراحل من " شغل " فيلسوفنا المنهم بنقصانه الوجودي . يلحق الروائي هذا الرد الخطابي المكاني البليغ بشجار الفيلسوف مع جاسب الأعور .. والأخير في أدائه لعمله اليومي المرتهن بحاجات البقاء هو أكثر إنتاجية من فيلسوف الصدرية على المستوى الحياتي التداولي والنفعي .
-وفي موقف آخر يصاب مفهوم وجودي الصدرية عن الغثيان الوجودي الضروري ، بصدمة كبيرة يعدها ظالمة جدا لأنها متجنية أولا ، ولأنها جاءت من " الداخل " ثانيا ، ممن يُفترض أنها شريكته الأصيلة في الغثيان : زوجته . فقد كان لا يقوى على النظر إلى الغثيان كغثيان فردي . كان يرى أن الغثيان مثل القبلة لا يتم إلا بالمشاركة بين رجل وامرأة . جاءت الصدمة من شريكته في الغثيان ، زوجته جرمين التي نفضت يديها من مشروع المشاركة الغثياني هذا إلى الأبد – وهي لم تكن مؤمنة به أصلا وجاءت مع وجودي بغداد للخلاص من حياة الخدمة المضنية والمهينة ، ولتحقيق حلمها في رؤية مملكة علي بابا كما رسمتها في خيالها الغربي - ، نفضت يديها بعد أن ولدت ولديها " عبث " و"سُدى" . وحين يقول علي أن جرمين بعد ولادتها لم تعد تكترث بالغثيان ولا بالمظاهر الوجودية الأخرى ، فهذا تقرير حقيقة بعيدة عن التهكم والاستخفاف ، فالمرأة تعرف " روح " الفلسفة كلها بصورة تلقائية مع عملية الخلق الأولى : الحمل والولادة . وقد يحيلنا هذا إلى الاقتراب من جذور ظاهرة عدم وجود " فيلسوفة " في تاريخ الفكر البشري . ولهذا نجد جرمين تصرخ بعبد الرحمن حين آلمها مرة :
( إني أربي لك " عبثك وسداك " .. وأنت استقل بغثيانك . قسمة عادلة . فأنت لا تكترث لا " بعبث " الذي أصيب بالحصبة .. ولا "بسدى" التي تبكي منذ يومين ، وأنا أقف أمام باب الطبيب سيمون بهلوان حتى المساء .. فخذ عني غثيانك واذهب – ص 69 ) .
وعبد الرحمن ( وإن لم تكن تعجبه هذه اللهجة الموجّهة بالضد من فلسفته ، والتي تشكك بكل مظاهره الوجودية ، إلا أنه ابتلعها هو يضع كتاب "دروب الحرّية " على الطاولة ، وعدل من نظارته السوداء ، التي تشبه نظارة سارتر ، على عينيه ، ثم نهض من مكانه ، وارتدى ملابسه على عجل وخرج إلى الشارع – ص 69 ) .
وقد اضطررت إلى نقل هذه الحوادث بتسلسلها ، لتقودنا هذه المقدمات الفكرية عن التمسك المميت لوجودي الصدرية بأطروحة عابرة من أطروحات المذهب السارتري وهو الغثيان ، لأصل إلى ردّ فعله العملي على سخط زوجته وإعلانها براءتها من المشاركة في عملية غثيانه بعد الولادة ، وخروجه إلى الشارع الآن حيث سيستخدم الروائي " لسان " المكان البغدادي المهمل والفوضوي والعابث الذي سيرد على هذا الإفراط الإيماني بالوجودية الفرنسية وسط بيئة بغدادية لا تعرف وجودها هي نفسها :
( خرج عبد الرحمن من المنزل ليسير عصرا في شارع الملك غازي ، وكان كنّاس الشوارع ببذلته وغترته ومكنسته يسير ، فتقدّمه قليلا ، وهو يدفع الأزبال أمامه ، وحين أراد أن يتجاوزه لم يستطع ، فوقع عبد الرحمن ضحية حمّى الغبار ، وقد بدأ بالعطاس لاستنشاقه الطوز الأبيض المتطاير في الهواء ، مثلما كان يعطس لغبار طلع الأزهار على الرصيف ، فاستدار قليلا وسار نحو ساحة زبيدة ليصل إلى جادة الملاهي ، حيث تقع دور السينما ، ثم أخذ يتطلع إلى لوحات الإعلانات المضاءة بانيونات ، والملصقات الموضوعة على الجدران ، وكان لا يفوته الشعور بالغثيان لدى رؤيته اصفرار ورقة على غصن ، أو ريشة عالقة على مظلة بقالة ، أو قشرة مهروسة بين الأقدام – 69 و70 ) .
ينطق المكان بلسانه " الفلسفي " و "الوجودي" البليغ ، يحاكم ويناقش بلا لسان .. بسلوك أناسه البسطاء .. وبمحتوياته البليغة المتجانسة مع أوعيتها ، في إطار كلّي " جستالتي – gestalt " منسجم رغم الطابع التناشزي و " اللافلسفي " الصارخ لدلالاتها وفق رؤية عبد الرحمن الوجودية التي تحاول تحميل تمظهراته – تمظهرات المكان - الفجة والساذجة وحتى المُخرّبة ، معان وإيحاءات وجودية مقحمة ومفتعلة .
# المكان ملتحما بالإنسان :
وهذه تقنية تشيع الأسى في الروح وتمزق القلب ، ففي مواضع كثيرة جدا يصور لنا الروائي ملامح المكان من خلال مزاوجته بحركة الإنسان وملتحما بها لتجسيد أقصى قدر من الخسارات " المكانية " التي لم يكن الروائي – بالتأكيد – يسعى إلى خلق متعة آيديولوجية أو سردية مجردة بقدر ما كان معنيا بتفجير إمكانات الذاكرة المختزنة لتحقيق أقصى تأثير في نفس المتلقي العراقي خصوصا ، ولا أعلم كيف يموت المؤلف العراقي في الوقت الذي لا يحيى فيه النص إلا بمتلق عراقي ؟1 . يقول علي :
( خرجت في الظهيرة من المنزل ، وأخذت أسير في شوارع بارك السعدون الضيقة ، ذات الأرصفة المبللة والأعمدة المبنية بالآجر الخشن ، كانت الفتيات المسيحيات يدخلن الكنيسة التي أخذت نواقيسها النحاسية الصلبة تدق فيتردد صداها بين المنازل ، وقد غطت أسيجتها العرائش والسدر الضخم ، كن يرتدين الملابس الإفرنجية الناعمة النسيج والأحذية وبالكعوب العالية ، وعلى رؤوسهن البراقع الخفيفة المخرمة – ص 15 ) .
وفي الرواية الحديثة التي تأسست على أيدي غربية خصوصا يدي ألن روب غرييه لن تجد ملامح بارزة لمكان محلي .. بل لن تجد مكانا للإنسان .. وهذه من كوارث الحداثة وما بعد الحداثة في الفن حيث اختفى الإنسان من اللوحة والرواية والقصيدة ، وحلت بدلا منه " الأشياء " من صخور وأحذية وغيرها . لكن في واقعنا العربي الإبداعي – واقع الكلمة – الذي يقف متحسسا من الواقع الغربي الإبداعي – واقع الصورة – نلاحظ حضور " ردّة " مباركة نحو استحضار الإنسان البريء المحطم المذل المهان حسب التعبير الموفق لدستويفسكي العظيم ، .. وأعتقد أن أقصى محاولة للنزول بـ " البطل " من سماوات الواقع على الأقل ، إلى أرضية السرد ، جاءت على يدي علي بدر .
# تحية لعلي بدر :
يستحق علي بدر ، ولأسباب كثيرة منها حرصه على ملامح المكان البغدادي ، هذه الملامح التي هي من ركائز الذاكرة العراقية الجمعية ومن ملامح الشخصية القومية المهددة . أحييه أيضا لحفاظه على ما أسميته بـ " خلطة بغداد العجيبة " الخلطة المكانية التي تناولها عبد الرحمن منيف معرفا بدور غائب طعمة فرمان في تأريخها سرديا :
( .. وأقول أنها " خلطة بغداد العجيبة " لأنها من المميزات الفريدة التي تميّز هذه المدينة العظيمة ، خلطة عجيبة يتعايش فيها المقدّس مع المدنّس ، والسماوي بما هو أرضي ، والديني المبارك جمعيا في الظاهر مع المتحلل الذي تهفو إليه النفس الجمعية في الباطن . هذه الخلطة عبّر عنها الروائي العراقي الكبير الراحل "غائب طعمة فرمان" في روايته "خمسة أصوات" وهو يتحدث عن باب المعظم الذي كان ومايزال سرّة بغداد حيث قال : ( عجيب باب المعظم هذا ، لو فكّر الناس بما فيه لقالوا هذا عالم المتناقضات . فيه السجن المركزي ووزارة الخارجية . مقبرة ومكتبة عامة . مستشفى وبهو للإستقبال . دار للمجانين وقاعة للتمثيل . كلية للبنات وأخرى للأولاد . مستشفى أطفال ومتحف طبيعي ، وأشياء أخرى . كلها تتعايش ببرود عجيب ، وتتنفس وتزفر في الغبار والوهج ، والعرق والدموع ، والأحلام والحشرجات والصرخات المخبولة ) .
وفي مقارنة ذكية للطريقة الفذّة التي حفظ بها المبدعون العراقيون ملامح المكان البغدادي يذكر منيف حالتين رائعتين : الأولى هي الكيفية التي اندهش فيها أصدقاؤه اليوغسلاف الذين رافقوه وهو يزور مدينة " ترافنك " اليوغسلافية لأول مرة . كان يشير إلى الطريق التي ستأخذهم إلى القلعة ، ومتى سيعبرون النهر ، ويقول لهم أن هذه مقبرة المسلمين وهذه مقبرة المسيحيين قبل أن يصلوها .. كانوا يعتقدون أنه زار المدينة من قبل ، لكنهم صدموا حين قال لهم إن هذه زيارته الأولى وإنه يعرف ملامح المدينة من خلال قراءته لرواية "إيفون أندريتش" "وقائع مدينة ترافنك"!! . ويقارن منيف بين براعة أندريتش هذه وبراعة الروائي العراقي فرمان الموازية بالقول :
( أعتقد أن غائب في أكثر من رواية يتمتع بهذه الميزة ، ميزة أن يكون دليلا في المدينة التي أحبها : بغداد ) .
وهذه هي خلطة بغداد العجيبة التي يسحقها الطغاة والغزاة .. ويحفظها المبدعون، ومن أبرزهم في وقتنا الراهن هذا الروائي المبدع : علي بدر !!، ويمكنك أن تلمس ذلك النهج أيضا من خلال رواياته اللاحقة مثل "صخب ونساء وكاتب مغمور" و "شتاء العائلة" وغيرهما.










# توظيف العامّية :
وقد وظف علي اللغة العامية بدراية حادة . فما استخدمه من مفردات وجمل في الحوارات أو في الفسح الوصفية لم يأت لغرض التنويع مع اللغة الفصحى ، ولا من أجل استثمار إمكانات المفردة المحكية التعبيرية رغم أهمية ذلك ، ولكن لأن الموقف النفسي الذي تمر به الشخصيات باحتدامها الإنفعالي يفرض استخدام أداة تعبيرية لغوية تلقائية اعتادت عليها الشخصية في حياتها اليومية أولا ، ولأن الرواية صممها مبدعها أصلا كعمل خارج عن الصورة التي كان يحملها أغلب الروائيين الذي سبقوه عن دور الرواية والموضوعات التي تصلح للمعالجة سرديا ثانيا . في الناحية الأولى هناك العشرات من المواقف التي اثبت استخدام اللغة العامية أنه أكثر توفيقا في تجسيد وتمثيل الحالة الإنفعالية ، هدوءا أو صخبا ، مسالمة أو غضبا ، محبة أو نقمة ، للشخصية . كان يمكن للكاتب أن يصوغ التعبير بالفصحى ببساطة لكن هذا التعبير لن يكون دقيقا ومناسبا كرداء لغوي رشيق لجسد الإنفعال إذا ساغ الوصف وجاز القول . كما أنه – أي التعبير بالعامية – يناسب الفعل والوظيفة المنوطة بالشخصية . خذ هذه الأمثلة :
-( حين تمر إحدى العربات التي تجرها الخيول بأكفالها السمينة الصهباء ، وحمحماتها المكتومة حيث يتكاثف البخار الخارج من مناخرها بسبب تيارات الهواء الباردة التي تلفحها ، والعربنجية يسوطونها بالقمجيات وهم يصرخون : بالك .. بالك .. بالك – ص 18 ) .
لقد تكفلت اللغة الفصحى برسم الصورة البليغة لأجسام الخيول وحركاتها ، ولكنها ستفقد المشهد الكثير من حرارته التعبيرية لو قال الكاتب : وقادة العربات يسوطونها بالأسواط وهم يصرخون : إبتعد .. إبتعد .. إبتعد . كان الروائي يتحدث عن الصعوبة التي واجهها الراوي في شق طريقه في أزقة محلة ( الصدرية ) البغدادية البسيطة . كانت المفردات المركزية الثلاث في الجملة الأخيرة : "العربنجية" و"القمجيات" و"بالك" شديدة التجانس ومحكمة ومعيشة . جاء استخدام هذه المفردات كنتيجة لطبيعة المكان ووظيفة الشخوص .
-الحوار الصاخب الذي جرى بين إدمون القوشلي ونادية خدّوري بعد ليلة زفافهما حين اكتشف أنها ليست عذراء لا يمكن أن يحمل البلاغة التعبيرية والمحتوى الإنفعالي الهائل لو جاء بالفصحى . وهو حوار تنطلق فيه المفردات الحارقة من سويداء قلب العاشقين المقهورين :
( - كذّابة .. قولي .. وإلا أموتك اليوم ، هو الذي قذف بك ، هو فتح أفخاذك ، هو وسّخك .. يا عاهرة .
-لا .. لا – وأخذت تنشج وهي تضرب يدها على الأرض – لا ، صدقني ما عبد الرحمن ... بالمسيح ما عبد الرحمن .
-لا ، عبد الرحمن ، إنت تريدين تدافعين عنه
-أحلفلك بالصليب مئير بن نسيم .. عبد الرحمن كتبت له رسالة وقلت له إني مو باكر ، لكنّو هرب إلى باريس .. أقول لك الحقيقة يا إدمون لو تقطعني ما أقول غير الحقيقة .
-ما أصدقك .. ما كو غير هذا الوجودي الجبان ، هذا العميل القذر ، بس إصبر لي أنا إدمون بن عديلة أنا آخذ بثاري وثار شرفي – ص 231 و232 ) .
-في المشهد الذي يصطحب فيه سعدون السايس عبد الرحمن عندما كان صبيا إلى واحد من دور البغاء تقترب منه إحدى العاهرات ( ... كان شعر إبطها تفوح منه روائح داعرة ، اقتربت منه وقالت له بصوت أجش :
-رافجني ..
ما إن سمع عبد الرحمن كلماتها ، حتى هرب بسرعة .... بينما أخذت العاهرة تضحك بأعلى صوتها وتنادي وراءه :
-لا تخاف .. تعال .. ما آكلك .. لا تخاف ..
...... وبعد عشرين دقيقة خرج سعدون السايس من المنزل وهو يعقد سحاب بنطلونه .. كان يضحك .. وحين صار أمام الحصان ربت على وجهه وقال :
-لتزعل ... لو أكو كلّجيه للحصن .. كان أخذتك – ص 188 و189 ) .
في هذه المواقف وغيرها الكثير تنبثق المفردة العامية من قلب المشهد ، ملتحمة وحاملة لأبعاده النفسية والحركية والجمالية . وما لا يقل عن ذلك أهمية هو أنها تأتي تمظهرا لـ " محتوى " المكان البغدادي . وأعتقد أن هذه السمة هي نتاج تراكمي ورؤيوي لعطايا الراحل الكبير غائب طعمة فرمان ، مع الخصوصية الأسلوبية لعلي بدر طبعا .
# وعلى ذكر توظيف علي للغة العامية ( حوارات وتعبيرات وسباب ) فتهمني هنا الإحالة الضرورية إلى أن الروائيين الوجوديين قد أفرطوا هم بدورهم من قبل في استخدام التعبيرات العامية خصوصا المتعلقة بالسباب ، وكانوا من أوائل من ملأ النصوص الروائية بالمفردات العامية الشائعة والمبتذلة ولكن وفق منطلقات ودوافع أخرى . ( وقد يأخذ البعض على الروائيين الوجوديين أنهم كثيرا ما يجرون على ألسنة أبطالهم كلمات مبتذلة ، وعبارات سوقية ، حتى أننا يندر أن نجد لدى كتّاب آخرين كل هذا الحشد الضخم من ألفاظ السباب وتراكيب العامة ! ونحن لا ننكر أن لغة الرواية عند سارتر أو سيمون دي بوفوار تختلف اختلافا كبيرا عن نظيرتها عند جيد أو بروست (مثلا) ، ولكن من المؤكد أن الحوار العامي أقرب إلى طبيعة الرواية الوجودية من أية لغة منمقة ، أو أي تركيب لغوية بليغة . ولعل هذه التجربة التي قام بها الوجوديون حين عمدوا إلى التقريب بين العامية والفصحى هي أكبر دليل على أن عمق الأفكار لا يتعارض مطلقا مع سهولة التعبير . وأما الألفاظ السوقية التي قد تتردد على ألسنة بعض الشخصيات في روايات الوجوديين ، فإنها لا تزيد عن كونها مجرد تعبيرات عامية تدور على كل لسان في مجتمعات جريئة لم تعد تتصنّع التأدب أو تتكلف التعبير . ولسنا بصدد تبرير مثل هذا الأسلوب ، وإنما حسبنا أن نذكّر القاريء بأننا هنا بإزاء روايات قد انبثقت في مجتمعات منهارة عانت ويلات الحرب ، والإحتلال ، والتفكك الإجتماعي ، فليس بدعا أن نراها تصور لنا أشخاصا معذبين قد فقدوا إيمانهم بقيم مجتمع ما قبل الحرب . وهكذا تتنكر شخصيات سارتر وسيمون دي بوفوار للمجتمع الفرنسي البورجوازب ، فتثور على نفاقه ، وتتمرد على لغته المنمقة ، وتنبذ تأدبه المصطنع ، لكي تؤكد فضيلة الصراحة العامية ن وتعلي من شأن لغة الكلام العادية ، وتصطنع في حوارها أساليب العامة من الناس ) (5) .










# الشتائم اللذيذة :
وقد استعاد علي تلك الشتائم البغدادية " اللذيذة " التي لم تكن لصيقة بالناس الذين يتخبطون في حيوات عمياء ومظلمة في قاع المجتمع العراقي وشوارعه الخلفية حسب بل يتداولها المثقفون العراقيون حتى في حواراتهم الثقافية في بعض الأحيان . يقول عالم الاجتماع العراقي الراحل " علي الوردي " في إحدى مقالاته أن كما كبيرا من الشتائم تسمعه في منتدى اتحاد الأدباء خصوصا بعد أن يسكر المثقفون ، وإن أغلب هذه الشتائم توجّه نحو أم أو أب أو عشيرة الخصم !! :
-( .. وهذا ما يجعله [ = عبد الرحمن / فيلسوف الصدرية ] يتخاصم مع جاسب الأعور كلما رآه ، كان مشهده يعذّبه، كان يشتمه ، يهدده ، ويصرخ به بأعلى صوته :
-والله لولا عينك العوراء هذه ، لولا عينك العوراء التي تشفع لك ، لسحقت رأسك بالحذاء – ص 43 ) .
وإذا كان علي قد وضع مسبة الفيلسوف باللغة الفصحى البسيطة ، فإنه يصوغ ردّة فعل جاسب الأعور ، هذا الإنسان المبتذل والمسحوق ، بشتيمة عامّية متداولة :
-( ولم يدرك جاسب الأعور السرّ الذي يعتقده الفيلسوف في عينه العوراء ، وما كان يعد هذه الشتيمة إلا سخرية مرة من عوره ، فينفجر غاضبا في وجهه :
-أنعل أبوك لأبو أبوك ، بتدلّل عليّا بسهيل إدريس ؟! – ص 44 ) .
وقد يعتقد المتلقون أن وضع إسم سهيل إدريس ، عرّاب الوجودية في الثقافة العربية ، على لسان بائع خضروات أمي وساذج في سوق الصدرية ، يجعل هذا الموقف من المرات القليلة التي يدخل فيها الروائي بنفسه إلى ساحة الفعل مستعرضا ثراءه المعرفي . لكن علي الذي يحسب خطواته السردية بدقة كبيرة جدل ، يقول عاجلا :
( في الواقع لم يكن جاسب الأعور يعرف من يكون السيد سهيل إدريس على الإطلاق ، إلا أنه كان يعرف ، وهذا واقع الحال ، أن هذا الشخص هو المسؤول عما أصاب الأفندية في تلك الفترة من جنون وضياع ولامبالاة ، وكان جاسب الأعور ، فضلا عن ذلك ، يستمع جيدا لما كان يلقنه إياه شاؤول اليهودي ، شاؤول المتآمر على الوجودية العربية ، وهو الذي كان يلقن جاسب الشتائم التي تغيظ وتغضب عدوه التقليدي عبد الرحمن ، حينما كان جاسب يتخذ بعربته ذات العجلات الركن القريب من متجر شاؤول في السوق المسقف في محلة الصدرية – ص 44 ) .
- يصطحب سعدون السايس الصبي عبد الرحمن إلى إحدى المقاهي .. وحين يدخل يهرع الجالسون للترحيب به :
-( ها سعدون إشجابك .. إشلونك
أخذو ا يقبلونه .. ثم خرج الأسطى سعيد من محل الحلاقة الذي يجاور المقهى .. وهو يصرخ :
-ها إبن القحبة ..
فضحك سعدون وهو يقول :
-كلّنا أولاد قحبة .. – ص 179 ) .
-في الحادثة التي ذهب فيها عبد الرحمن وأحمد إلى الحانة لتقديم التعازي لسي معمر بسبب استشهاد أخيه على أيدي الفرنسيين المحتلين ، وجدا الأخير يحرق مؤلفات كبار المفكرين الفرنسيين وهو يبكي : ( هؤلاء خدعة .. روسو كذّاب .. سان سيمون كذّاب بكل يوتيوبياته .. فولتير .. موليير .. برغسون .. لقد خدعونا .. هذا الدجال الأكبر سارتر هو الأخير كذبة .. سارتر كذّاب . إنه كذبة من كذبات الاستعمار – ص 156 ) . ومع تصاعد ألسنة النيران التي بدأت بالتهام الكتب ، كانت رواية " الغثيان " لسارتر بعيدة عنها ، فضربها نادر بقدمه وقرّبها من اللهب . وهنا ثارت ثائرة عبد الرحمن فصرخ مطالبا بأن يحرقوا ما يحرقون إلا ملهمه سارتر ، واندفع نحو معمر ليلكمه إلا أنه سقط على الأرض بسبب السكر ، في حين اندفع تابعه أحمد نحو نادر ولكمه على وجهه وهو يقول : ( أخ القحبة .. أنت شعليك بكتاب سارتر ؟ - ص 156 ) .




# التقنية الاستباقية :
والتقنية الإستباقية هي من مهارات السارد الحديث ، وتتمثل في أن يقوم الروائي بتقديم معلومة عن حدث أو علاقة أو فكرة في سياق الرواية قبل وقوعها . وهذا الأمر يتطلب مهارة وحكمة لأن هذا التسريب الإستباقي قد يجهض الحبكة كاملة عندما لا يكون التوقيت دقيقا . في أكثر من موضع يقدم علي بدر معلومة موجزة عن حدث سوف يشهده مسرح الرواية بعد مراحل قد تطول أو تقصر ، لكنها تأتي دائما محسوبة تفصيلا وتوقيتا :
- في باريس ، وفي مقهى " فلور " حيث النادلة التي تعلق بها من النظرة الأولى فأهملته في موقف شكل بالنسبة له هزيمة ساحقة كشفت فظاعة تماهيه السلبي مع رسول الوجودية حتى في اتخاذ أتفه السلوكيات ، أو إصدار أكثر الأحكام ابتذالا . فعندما سألته النادلة ، التي انتظر طويلا أن تتكرم عليه بكلمة : بماذا يفكر؟ أجاب وحمّى الجواب تنطلق بصورة عفوية وفلسفية معا : أفكر بما قاله سارتر عن المرأة : يقول إنها لا تستطيع أن تستغني عن الرجل . فما كان منها إلا أن تطلق ضحكة خافتة وتغمزه وهي تقول : وهل أنت بحاجة إلى رأس سارتر لتعرف هذا الأمر ؟ . يعلق الراوي على حالة عبد الرحمن في تلك اللحظة المتوترة والمذلة بالقول :
( لقد شعر بأنه مسحوق ، وأنه ضحية ، وقد بدأ في تلك اللحظة يدرك قدره المأساوي ، كما أدركه في بغداد مع نادية خدوري – ص 120 ) .
وهذه التقنية ، وللدقة التشخيصية النقدية ، ليست استباقية بالمعنى الذي يطرح في الكلاسيكيات النقدية الحديثة ، فإلى الآن لم يذكر الراوي اسم نادية خدوري سوى ثلاث مرات سريعة على الصفحتين 19 و20 ، لكنه الآن يوسع قدره المأساوي الساحق مع نادلة فلور مشتبكا مع قدره الماحق الذي عاشه مع نادية خدوري ، القدر الذي لن نعيش تفاصيله إلا على الصفحة 202 التي ستأتي فيها الإشارة إلى نادية لأول مرة بعد هذا الشوط الطويل لتكون المرتكز الاستهلالي لقصة حب عبد الرحمن الوجودية التي اسسها مع نادية . لقد جاء الإستباق بشكل وصفي مفخّم " قدري " ليتسق أولا مع " المناخ " الوجودي ، الثقيل والمتخم جِدّا باطنا ، وهزلا ظاهرا ، الذي أحاط الراوي بغشاوته مسرح روايته ، وليرسّخ ، ثانيا ، في ذاكرة متلقيه ، وبقوة ، الطابع الصادم والعنفي لتجربة عبد الرحمن مع نادية خدوري ، فيستعيد هذا الوقع الحاد حين يبزغ حضور نادية المقبل حتى لو جاء بزوغا بعد شوط طويل .
-وفي حركة استباقية أخرى مدروسة ( على الصفحة 193 ) تكسر مسار التسلسل الخطّي التقليدي للزمن السردي ، يتساءل الراوي عن السبب الذي جعل إدمون القوشلي / تروتسكي الستينات البروليتاري ، يتحالف مع برجوازي عصره / فرج خدوري الكومبرادوري ، ضد وجودي الستينات ، فيفتح بذلك إطلالة على مساحة ملغزة تهيج في ذهن المتلقي حركة استطلاع فضولية عن هذا التحالف الجذري والانقلابي الذي لم يقدم الكاتب عنه اي إيماءة مهما كانت ضئيلة . فهو إلى الآن ، وعبر مئة واثنتين وتسعين صفحة ، لم يتكلم إلا على إنهواس عبد الرحمن بالسلوك الوجودي وانعكاس ذلك على صلاته العائلية ودوره الاجتماعي وغيرها من المسائل التي تتتمحور حول مركز وجوده ، ولم يذكر إدمون التروتسكي إلا الآن ، وإذا به يضعنا أمام معضلة مؤجلة يحفز في نفوسنا التوق للإمساك بخيوط تفاصيلها التي لم يمنحنا منها سوى رأس خيط ضاع بين كتلة الخيوط السردية التي اشتبكت على مدى المئتي صفحة السابقة تقريبا . وعلى الصفحة ( 197 ) يعود ليطرق على حلقة هذه التقنية الاستباقية الملتهبة وفق الموقف" النظري " التساؤلي نفسه ، ولكن وفق مقترب ثان لكنه مكرر ويكاد يكون من السمات الأسلوبية للروائي . فهو يعمد إلى التكرار في أكثر من موقف ، لا لكي يكرّر ويحشو المساحات السردية بصورة مجردة ، ولكن ليدخل في كل موقف سردي حزمة من الأفكار والمواقف التي طرحها سابقا كي تبقى حية متحركة على ساحة ذهن القاريء الذي من المؤكد أن انتباهته السردية ( المرتبطة بالحبكة هنا ) قد تتراخى مقوماتها الإدراكية مع الإنتقالات الحدثية ، والراوي يقوم بها بدرجة كبيرة ، من ناحية ، ولكي يمرّر ، بصورة ملعونة ، لهاثه النظري الإنتقادي الذي يأخذ في العادة لبوساً ساخرا رغم أنه في غاية الجدية من الناحية الثانية . وفي هذا الموقف الاستباقي ( المكرر ) لا يكتفي الراوي / ومن ورائه الروائي بالتأكيد ، بالرجوع إلى التساؤل " البريء " عن السبب الذي جعل تروتسكيا يتحالف مع كومبرادوريا لتحطيم وجودي كما في السابق ، بل ليجعل حزمة من الأفكار والمواقف تنسل تحت غطاء التساؤل المعاد :
( وهكذا ستكون الثورة العظيمة التي أرادها إدمون وخطط لها ، وفكر بها بعيدا عن الغثيان والاغتراب والعدم . ولكن سرعان ما انفصلت نادية عن عبد الرحمن الذي زهد بها ، ورحل إلى باريس ، ليأتي بفرنسية ( قريبة سارتر ) زوجة بدلا عنها ، وسرعان ما أطاحت الثورة آل خدوري ، وانجذبت نادية إلى تروتسكي عصره ، وإن تزوجها بعد الثورة ، فإنه لم يغتصبها على الإطلاق ، بل شعر أنه هو الذي كان مغتصبا منها . وهكذا تحالف إدمون تروتسكي مع البرجوازي خدوري ضد فيلسوف الصدرية ، ولكن بعد أن فقد بعض امتيازاته لا كلها ، وهو بحالة أفضل مما كانت عليها حينما كان يعمل في خان ياسين الخضيري – ص 197 ) .
لكن هناك شيئا مضافا قد لا نلتفت إليه ويتمثل في تعضيد الدلالات الإستباقية في هذه الوقفة . فإذا كان الراوي قد تساءل سابقا عن السرّ الذي جعل الأطراف الثلاثة المتناقضة تتحالف تحالفا لا يقره أي واقع سياسي أو منطق آيديولوجي ، تساؤلا سريعا ومباشرا ، فإنه يدفعنا بعيدا في مسار تمهيدي استفهامي اكثر كثافة يسبق الوصول إلى عتبة التساؤل السابق الموجز . فهو يقرر هنا وبلا تردد أن الثورة التي أرادها إدمون قد حصلت ، وأن نادية قد انفصلت عن عبد الرحمن الذي عاد بباريسية وأن تروتسكي عصره قد تزوج من نادية ... إلخ . وهنا مزيج من الحركة الاستباقية ، والاستعادة الإرتدادية السريعة لأحداث ماضية ، أحداث ماضية اكتسبت الآن بعدا جديدا ومضافا من خلال قيام الروائي بوضعها ضمن إطار وسياق جديدين . فتصميم إدمون على أن يغتصب نادية اغتصابا تروتسكيا ، والذي أشار إليه الكاتب سابقا ، جاء الآن منطفئا ، بل معكوسا ، صار إدمون هو المغتصب من قبل نادية .. لكن كيف ؟ هنا تنفتح كوة ملغزة تدفعنا للبحث عن جواب لها . هذه في الواقع ، وكما قلت سابقا ، ليست هي تقنية الرواية البوليسية المعروفة أبدا ، رغم تشابك الملامح الموهمة .
# ومن المواقف الاستباقية المنسابة بتلقائية وتواصل هادىء ضمن السياق السردي هو أن الكاتب كان يحدثنا عن افتتان عبد الرحمن برجينا الداعرة كنتيجة ترتبت على المشهد الآثم الذي أمسك أبويه متلبسين فيه ، ليستنتج أن عبد الرحمن ( قد أصبح مفتونا بالزنى الذي ارتكبته رجينا في " تلكيف " القرية المظللة بالأحجار والأشجار – ص 172 ) ولينطلق بعد ذلك في سرد حكاية رجينا ابنة يوسف صاحب الخمارة في "تلكيف" والتي تعلقت بيوسف الشاب الثري الشرس والمنفلت وهربت إليه بمساعدة سعدون السايس فتسببت في موت أبيها الرافض لهذا الارتباط ، ثم كيف أصبحت عشيقة سعدون العربنجي المسلم بسبب انغماس يوسف في ملذاته ، وكيف قتلت ميخائيل ابن خالتها الذي أطلق النار على سعدون وحاول ذات ليلة اغتصابها ثملا .. ثم إطلاق سراحها ومغادرتها إلى بغداد حيث كان سعدون في انتظارها .
# ويمزج علي أحيانا ، وبصورة موفقة ، بين تقنية الاستباق وتقنية " الخلاصة – summary " ؛ أي أنه يطرح حوادث ستحصل في القابل من مسار الرواية ، قبل وقوعها بسنوات على أرض الواقع ، وبصورة تمثل خلاصة مركزة ليس لوقائع جرت في الصفحات الماضية كما هو الحال عادة ، ولكن للمقبل من الحوادث فيها . وهذه تقنية تحمل في أحشائها مخاطر كبيرة تتمثل في إفساد حبكة الرواية وتوترها الدرامي ، لكن ثقة علي بالبناء الذي أشاده لحبكة روايته ، والمخطط المسبق الذي وضعه ، وحزمة المتغيرات المتوقعة التي ألقاها أمام القاريء ، وأسلوبه اللاهث المرصوص ، جعلها نقطة قوة وإثراء وتصعيد ، فبعد أن نقل لنا الحادثة التي ألبس فيها عبد الرحمن جاكتته لاسماعيل المصطك بردا ، قال : ( وبعد أربعة أعوام ، أربعة أعوام فقط ، كان اسماعيل قد خان عبد الرحمن مع زوجته الفرنسية ، التي يُقال عنها أنها إبنة خالة سارتر. وسارت الفضيحة في كل مكان ؛ فعبد الرحمن مات ، أو قتل أو انتحر ،وابنة خالة سارتر عادت إلى منزل سارتر . وكان المثقفون العراقيون يقولون إن سارتر لا يعرف أين يخبىء وجهه من الفضيحة ، ولم يبق من عبد الرحمن سوى جاكتة صوفية سوداء وكحلية موضوعة على أكتاف اسماعيل حدّوب – ص 117 ) . وبقاء الجاكتة فقط من وجودي بغداد يعكس خفّة المشروع الوجودي الذي تصدّى له أولئك المثقفون ممثلين بعبد الرحمن ؛ مشروع بلا جذور راسخة في التربة الثقافية العراقية ، وبلا ضرورات فكرية واجتماعية تفرضها طبيعة التحولات المحلية .














# وقفة – هل قتل سارتر ألبير كامي ؟
إذا كانت العلاقة الضارية بين إدمون تروتسكي الستينات ، وعبد الرحمن وجودي الستينات قد انتهت بموت الأخير بعد المؤامرة التي دبرها الأول بالمشاركة الفاعلة لعائلية نادية خدوري ثأرا لبكارة الأخيرة ، فإن هذه النهاية المأساوية قد تحيل أذهاننا ، بتخطيط الكاتب الماكر المباشر أو الغير مباشر ، إلى حادثة موازية وقعت بين فيلسوفين متعارضين ولسبب مغيّب ، وإلى ما أستطيع افتراضه " قتل " سارتر لألبير كامي ... وخطير هو الكتاب الذي صدر عن سلسلة عالم المعرفة والذي حمل عنوان «كامي وسارتر» - قصة الصداقة والصراع الذي أنهاها – وهو من تأليف «رونالد أرونسون» وترجمة «شوقي جلال» ويقع في ثلاثمائة وعشر صفحات. و«لأرنسون» - وهو أستاذ البحوث البينية (Interdisciplinary) في جامعة (Wayne State)، كتب أخرى عن «سارتر» منها: «الحقيقة والوجود عند سارتر» و«النقد الثاني لسارتر» أي أنه من المتخصصين بالأدب الفرنسي وتاريخه ، وفي سارتر تحديدا .
- وإذا عدنا إلى المقدمة التي كتبها الأستاذ«شوقي جلال» للكتاب فسنقرأ أنّ: «ألبير كامي وجان بول سارتر» مفكران مبدعان في تنّوع: في الأدب والفلسفة، في الرواية والمسرح، في السياسة والصحافة. وكذا في المقاومة. صاغا إطار الفكر الثقافي الذي دار في فلكه المثقفون في العالم إبان الحرب العالمية وبعدها على مدى الحرب الباردة. اتفقا وتحالفا. واختلفا وتباعدا. ودارت بينهما معارك فكرية هي شهادة على ثقافة عصر وعلى كلّ مـا عاشته ثقافة العالم من توتّر وأمل وإحباط، وظلت الصداقة والإعجاب المتبادل ثم الخصومة والقطعية والصراع قصّة غير معروفة بالكامل. إنها قصة الصراع السياسي والفكري على الصعيد العالمي.. وقصّة الصراع بين السياسة والأخلاق.. بين متغيرات السياسة وثوابت الأخلاق.. تقاسما معاً مواقف مثقفي العالم: سارتر أم كامي ؟.. مع السياسة والوسيلة أم الأخلاق والمبادئ.. مع العنف طريقاً للحرية أم مع الحرية وسيلة وغاية للبناء والتقدم.. أم هناك موقف ثالث ؟..».. ثم يبيّن المترجم أنّ هذا الكتاب هو دراما واقعية معزّزة بالوثائق والسيرة الذاتية وشهادات الكتّاب والمفكرين.. عن قصّة «صداقة» ألبير كامي وسارتر وصراعهما المرير . وقد وضعت مفردة " صداقة " بين قوسين لأنها ستثير – وبعد أن نكمل قراءة الكتاب بدقة – الكثير من الالتباس. هل كان كامي وسارتر صديقين حميمين بمعنى الصداقة الحقة البعيدة عن التحسّس والتحاسد والضغائن والقائمة على التضحية والمحبة العميقة؟
- لم يستطع المترجم في مقدمته التقاط ما هو غاطس تحت سطح العلاقة بين هذين المفكرين البارزين وهذا الأمر ليس من واجبه بالتأكيد، لكن المؤلف وهو مختص بالأدب الفرنسي كما قلت – كان متردداً في الإفصاح وبصـورة قـاطعة عـن أمرين: الأوّل أنّ العلاقة بين سارتر وكامي كانت علاقة صراع منافسة منذ البداية، والثاني هو أنّ موقف سارتر الهجومي ومقالته الشهيرة ضد كامي كانت سبباً أساسياً في تأزم شخصية الأخير وتصعيد سلوكه الانتحاري الهادف إلى تدمير الذات وتوتر علاقاته مع الآخرين.
- لنعد إلى التذييل الذي ختم به «أرونسون» كتابه والذي استعرض فيه مسرحية لم تنشر «لألبير كامي» هي «ارتجالات الفلاسفة» وهي مسرحية من فصل واحد كتبها «كامي» في العام 1946 ويصفها المؤلف بأنّها شديدة الجاذبية ومسلية وزاخرة بالتلميحات عن «سارتر» وكانت محفوظة لدى «كاترين كامي» ابنة «كامي». تتحدث المسرحية عن السيد «فين» وهو صيدلاني وعمدة ريفي يزوره بائع جوّال يرّوج لمذاهب جديدة هو مسيو «نيانت» (وهي مفردة تعني العدم).. فمن هو الفيلسوف الآخر في باريس أو فرنسا الذي سيتجه إليه فكر الناس عند سماع اسم «نيانت – العدم »، وهو الاسم المختار عمداً من سفر سارتر العظيم؟ ويخدع «نيانت» فين بالإنجيل الجديد الذي يحمله معه من باريس ويتضمن السفر الكبير الذي يكدّسه «نيانت» حوله وهذا تلميح شبه واضح إلى كتاب «سارتر» الشهير «الوجود والعدم».
- ويقول «فين» لابنته «صوفي» أنّ صديقها «ميلوسين» سوف يطلب منها، إذا كان يحبها حقاً، أن يشاركها غرفتها، وقد يفضي هذا إلى حمل وإنجاب طفل سِفاحاً مما يهيئ لها فهماً أعمق لمعنى أنها موجودة. وهنا يحاكي «كامي» تأكيد «سارتر» الفلسفي على المواقف المتطرفة، ويلعب بشكل مباشر بكتاب «سارتر» «عصر العقل» الذي أحدث إثارة أدبية في خريف العام 1945. ويخبر السيّد «فين» ابنته أنّ فتاها لا يمكن أن يحبها من دون أن يكون ملتزماً، ولن يكون ملتزماً دون أن يضعها في موقف مرّوع. وهنا يتضح من جديد خط السخرية من تسلسل المعادلة الوجودية السارترية .
- وبينما كان الصيدلاني – العمدة يتحدث إلى ابنته شدّد على أنّ الشاب ليس هو هو – هنا لعب على فكرة «سارتر» أننا دائماً في حالة صيرورة، ولا نكون ما نحن عليه بشكل ثابت ومستقر إلاّ في حالة الوفاة. وتردد «صوفي» كلمات «سارترية» طنّانة ملأت الآفاق مثل : المسؤولية والالتزام والحريّة.. ويسخر «كامي» من افتتان «سارتر» بالشواذ جنسياً.. ويتذكر «كامي» في إحدى التبادلات فكرة «سارتر» المشهورة عنه وهي أنّ الفرنسيين لم يكونوا أكثر حريّة مما كانوا عليه في ظل الاحتلال الألماني وهو ما يتمثل في قول «نيانت» أنّ حرية المرء رهن كونه مقهوراً.. ويعلن «نيانت» أنّ عليه أن يمارس حبّه للإنسانية خلف أبوابٍ مغلقة. وها هنا تلميح واضح بواحدة من أشهر مسرحيات «سارتر» حيث يتسلى «كامي» بفكرتها وهي أن الجحيم هو الآخرون.. المهم: هل كان «كامي» - كما يتساءل «أرونسون» يقصد الدعابة فقط؟ أم أنّ المسرحية تلمح من طرف خفي إلى ما سوف يكون فيما بعد من تباعد حادّ بين الرجلين ، بل ربّما يشير إلى تصدّع العلاقة والافتراق؟.. ولا أعلم لماذا يتساءل المؤلف في خاتمة كتابه بهذه الطريقة وهو الذي ساق عشرات الأمثلة والوقائع التي تؤكد بشكل لا يقبل اللبس أنّ علاقة كامي بسارتر كان محكوماً عليها بالفشل وأن تنتهي بصراع مرير منذ البداية.
- لقد كان اللقاء الأول بين «سارتر» و«كامي» في يونيو من العام 1943 عند افتتاح مسرحية «سارتر» «الذباب».. لكن منذ البداية كان «كامي» متحسّساً من أن يظهر في صورة مساعد «لسارتر». وكان فرط إعجاب كل منهما بالآخر يعبّر – نفسيّاً – عن ضيق كل منهما بالآخر.. فقد ذكر كل منهما اسم الآخر في أوّل مقالة أكثر من عشرين مرّة . لقد كتب «كامي» عن «الغثيان» رواية «سارتر» قبل أن يراه وقال: «هذه أول رواية من كاتب لنا أن نتوقع منه كل شيء.. يا لها من سكينة طبيعية جداً حال بقائه عند الحدود البعيدة للفكر الواعي، ويا لها من شفافية مؤلمة. وهذه جميعاً مؤشرات دالّة على مواهب غير محدودة. ونرى في كل هذا أساساً مكيناً لكي نرحب بـ«الغثيان» باعتبارها أوّل الغيث من عقل أصيل مفعم حيوية ونشاطاً مما يجعلنا نتحرق شوقاً على الآتي من دروسه وأعماله».. وفي مقالة أخرى يصف «كامي» «سارتر» بـ«الكاتب العظيم الذي يقدّم لنا دائماً عالمه الخاص ورسالته».. أمّا «سارتر» فقد كان إعجابه بـ«كامي» مفرطاً وفق آلية دفاعية نفسية «مخادعة» وليست نابعة عن موقف أصيل. لقد كتب «سارتر» مقالاً فيّاضاً مطوّلاً من «6000»كلمة عن رواية «كامي» «الغريب».. ثم أعدّ كتيباً عن «أسطورة سيزيف».. لكن ومنذ البداية نجد أنّ الفيلسوف الحاصل على درجة الأستاذية من مدرسة المعلمين العليا يحطّ من قدر المتفلسف الحاصل على دبلوم الدراسات العليا من جامعة الجزائر. وكان «كامي» يشكو منذ البداية من حدّة «سارتر» النقدية، ولكن محاولة «سارتر» الحطّ من قدر العمل ربما جاءت تعويضاً عن استخفاف سابق يلحظه القارئ في فقرة وردت سابقاً ومقتبسة من «أسطورة سيزيف» حيث يقول «كامي»: « إنّ هذا الغثيان، كما يسميّه واحد من كتّاب اليوم، هو أيضاً العبث»، وفي جملة «واحد من كتّاب اليوم» من دون ذكر اسم «سارتر» استخفاف بالأخير، كما كان «كامي» لا يخطئ تجاهل «سارتر» إظهار تقديره له.
- هناك جانب آخر يجب أن لا نغفله لأهميته الكبيرة وهو الجانب المتعلّق بموقف «سيمون دي بوفوار» من «كامي» ومعروفة علاقتها العاطفية بـ«سارتر». إنّ أعقد مشاعر «بوفوار» الخاصّة هو أنّها قدمت نفسها إلى «كامي» كعاشقة غير أنّه صدّها. ويذكرنا هذا بأنّ «بوفوار» لم تكن مجرد مراقب لعلاقة سارتر - كامي، بل متورطة فيها إلى الأعماق – قوّة ثالثة بمشاعرها الخاصة المستقلة عن «كامي». واشتكت فيما بعد من أنه فظّ فـجّ ضيق الصدر معها. وتصورت، تخميناً، أنّ سبب ذلك أنّه رجل صاحب نظرة بحر متوسطية إلى النساء، ورأى فيها امرأة غير جذابة ولا يسعه قبولها ندّاً ثقافياً له. ولم تكن تعرف أنّ «كامي» قال في تعليق له عنها إلى «آرثر كويستلر»: «تخيّل ماذا عساها تقول بعد ذلك وهي على الوسادة. يا لهول مثل هذه الامرأة المثقفة الثرثارة، إنّها شيء غير محتمل». لقد صرّحت «بوفوار» وهي في سنّ الشيخوخة بأنّها خافت من إقبال «سارتر» بقوة على «كامي» عندما التقيا لأول مرّة، إذ تحدث عنه بلغة ربما كان أولى به أن يتحدث بها عن امرأة يلاحقها. ثم تقوم بـ«فبركة» استنتاج مخالف للحالة الواقعية فتقول: «نظراً لأن «سارتر» هو أقوى من عرفته «بوفوار» متمتعاً بجنسية غيريـة، وليس لديه أي ميل مهما كان واهناً إلى الجنسية المثلية، فقد استشعرت قلقاً وضيقاً بسبب «افتتانه» بـ«كامي». لقد كان «سارتر» منجذباً بقوة نحو الشاب الأنيق «كامي» الذي كان دوره في حياة «سارتر» و«بوفوار» آنذاك دوراً مهولاً وعظيم الشأن. إنه بدا، علاوة على فحولته المتصوّرة، واقعياً ملتزماً، لكن به نقاط ضعف مستهدفة. وترجع نقاط ضعفه جزئياً إلى مرض السلّ المتحكم في حياته اليومية – كان يسعل ويفرز دمّاً، وبدا منهكاً في أغلب الأحيان وبحاجة إلى علاج وإلى راحة..
- يتساءل «أرونسون» بعد ذلك: هل كانا متنافسين؟.. ورغم «اللياقة» السردية التي حاول «أرونسون» التعامل بها مع إجابة مثل هذا السؤال إلاّ أننا نستطيع القول إنّ المنافسة كانت قائمة حتى قبل أن يلتقي المفكران الصديقان اللدودان. وقد تحدثت «بوفوار» مرّة عن أن «سارتر» كان «غيوراً بعض الشيء» من «كامي»، ولكن ليس باعتباره كاتباً. إذ أن نظرات «كامي» الوسيمة هيّأت له ميزة يستاء منها سارتر ، وذكر سارتر فيما بعد علاقة كامي بـ«واندا كوزاكيوفكس» باعتبارها واحدة من بين تصرفات أربع أو خمس صدرت عن «كامي» وكانت سبباً في ما طرأ على الصداقة من مرارة. وفي العام 1944 كتب «سارتر» إلى «بوفوار» قائلاً: «ما الذي كانت تفكر فيه «واندا» ويحفزها إلى ملاحقة «كامي»؟ ما الذي تريده منه؟ ألم أكن أنا أفضل منه؟ وأكثر كياسة وتهذيباً؟ حريّ بها أن تلزم الحذر». والجدير ذكره أن «سارتر»، بينما كان ثملاً ذات يوم، قال موجّها الحديث إلى «كامي»: «أنا أذكى منك، هه ؟ أذكى منك». ووافقه «كامي». ورأى «كامي» في يوم آخر «سارتر» يودّع فتاة جميلة وسأله: «ما الذي يوقعك في هذه المشكلة الكبيرة؟». أجاب «سارتر»: «هل تطلّعت إلى وجهي؟». و«سارتر» معروف بقبحه.
- يقول «أرونسون» في نهاية هذا الفصل إنّ السياسة سوف تفرق بين «كامي» و«سارتر» في العام 1952 بعد أن جمعت بينهما في العام 1944. وهو استنتاج غريب لأنهما لم يكونا متفقين أبداً، وكانت جمرة الصراع تستعر تحت رماد الائتلاف الشكلي. لقد فرّقت السياسة، فعلاً، بينهما وكان موطن الخلاف الأول هو الموقف من الاحتلال الألماني لفرنسا الذي كانا فيه على النقيض تماماً ويجدر بهذه القضية الوطنية الخطيرة أن توصلهما إلى القطيعة النهائية إذا كانت السياسة، فعلاً، هي التي فرقتهما. لكن للاّشعور ألعابه الماكرة ومصائده الخلاّقة بحـيث حفـظت الصـلة بينهما لسنوات لأنّ هناك ما هو مخفي ومستتر من حفزات نفسية أعمق وأقوى فعلاً، ولنتذكر دائماً أنّ الإنسان – حسب معطيات التحليل النفسي – حيوان تبريري وليس كائناً منطقياً. وتهمني هنا الإشارة إلى أنّ «سارتر» قد غلبه النعاس وهو يحضر – مع «كامي» - تدريبات إحدى المسرحيّات، أيقظه «كامي» بالكلمات الآتية: «لقد وجهت مقعدك في المسرح في اتجاه التاريخ».
- ومن المؤكد أنّ صدور مثل هذه الملاحظة بأسلوب «كامي» الساخر الودود جعل منها محوراً لما حدث من شقاق بينهما فيما بعد. وتذكّر «كامي» هذا الحدث في جدال دار بينهما لاحقاً، وقالها «كامي» بحدّة قاسيـة، وردّها له «سارتر» الصاع صاعين، فهل يُعقل أن تسبب حادثة بسيطة مثل هذه قطيعة نهائية ومدمّرة بين «صديقين»؟ إنّ هذه الحادثة لا يمكن أن يكون لها دور في ذلك إلاّ إذا كانت غطاء فجّر ما هو مكبوت في أعماق «الصديقين». من بين الأمور السياسية التي باعدت بين «كامي وسارتر» - حسب أرونسون – هو الموقف من الشيوعية عموماً ومن الاتحاد السوفيتي وتصرفات «ستالين» خصوصاً، يظهر الفارق في الموقفين صارخاً جداً إذا قرأنا ما سطره «كامي» في مذكراته:
- - أما زلت ماركسياً الآن؟
- - نعم.
- - إذن ستكون قاتلاً.
- «كامي» كان يعامل الشيوعية باعتبارها مرضاً حضارياً ويسميّها «جنون العصر» ويرى أنها حولت بلداناً كاملة إلى معسكرات اعتقال وسببت مجاعة لحقت بالملايين من صغار الفلاحين وأعدمت في الاتحاد السوفيتي وحده مليون نسمة رمياً بالرصاص للاشتباه في أنهم متآمرون. أمّا «سارتر» فقد كان منحازاً تماماً للشيوعية وللاتحاد السوفيتي. إنّه يقول ببساطة في العام 1952: «إنّ المناهض للشيوعية كلب!! وليس بوسعي أن أرى مخرجاً غير هذا ولن أجد».
- أخيراً جاءت لحظة الانفجار والخراب النهائي بين «كامي وسارتر»؛ فقد أصدر الأوّل كتابه «الإنسان المتمـرّد»، ولم يجد الثاني الذي كان يرأس تحرير أشهر مجلة في فرنسا وهي «الأزمنة الحديثة» غير محرّر شاب لا يتجاوز عمره الخمسة وعشرين عاماً هو «فرنسيس جينسون» الذي كتب نقداً قاسياً عن الكتاب وقع في واحد وعشرين صفحة انتقد فيه «كامي» وكتاباته السابقة حتى قبل أن يمسّ جوهر الكتاب. واستخدم لهجة ساخرة عزاها إلى رغبته في الحدّ من شهرة «كامي» كقدّيس أخلاقي. ردّ «كامي» بمقال من سبع عشرة صفحة وكان الردّ موجهاً إلى «السيّد رئيس التحرير» دون أن يذكر اسم «جينسون» ولو مرّة واحدة، وكان «كامي» يذكر في تبادل مفردة «معاونكم» ومفردة «مقالكم» وتعامل مع مقال «جينسون» وكأنه مقال كتبه «سارتر» لأنه على يقين بأنّ «سارتر» «متضامن» مع موقف الكاتب. وقد ضمت الفقرة قبل الأخيرة من الردّ تعليقاً مباشراً وشخصياً على «سارتر» حيث تقول: «بدأت أشعر بقليل من السأم إذ أرى نفسي أتلقى دروساً بلا نهاية عن الفعالية من نقاد لم يفعلوا أيّ شيء سوى أن يديروا مقعدهم في اتجاه التاريخ»، وهي الكلمات التي أيقظ بها «كامي» صديقه النائم في صالة المسرح. ويهمنا هنا القول إنّ كتاب «كامي»: «الإنسان المتمّرد» موجّه أساساً ضد من يبرّرون القتل، المثقفين المتواطئين مع الشيوعية. وبطبيعة الحال فإنّ «سارتر» واحد منهم حسب وجهة نظره. وهنا يأتي ردّ «سارتر» عنيفاً ومدوّياً ويخلط بين ما هو سياسي وشخصي ولكنّ هذا الرّد يوصلك إلى استنتاج وحيد هو أنّه يعبّر عن عداء كُبت طويلاً في أعماق «سارتر». هكذا بدأ الرد:
- «عزيزي كامي : لم تكن صداقتنا سهلة، وإن كنت سأفقدها. إذ أنهيتها اليوم». وهذا يعني أنّ ردّ «كامي» وليس نقد «جينسون» هو السبب في إنهاء «الصداقة» بينهما. كان ردّ «سارتر» مكوناً من عشرين صفحة بالإضافة إلى هجمة من «جينسون» في ثلاثين صفحة ضمها العدد نفسه من الأزمنة الحديثة. لقد كبح «كامي» جماح نفسه، ولكن «سارتر» كان منفلتاً وحطم كل شيء:
- «كم من المؤسف أن تضعني عن عمد أمام محاكمة، وبمثل هذه اللهجة القبيحة، بحيث أ صبحت عاجزاً عن الاستمرار في التزام الصمت من دون أن أفقد ماء وجهي (...) إنك أصبحت ضحية زهو أخرق.. يخفي مشكلاتك التي تطوي عليها صدرك والتي أظنّ أنك قد تسميّها اعتدالاً متوسطياً». لقد سلخ «سارتر» «كامي» بأشدّ الكلمات مساساً بشخصه في ردّ تجاوز به كل حدود العنف ولا يبرره شيء مما حدث قبل ذلك. لقد فجّر كل ما استثاره وضايقه من «كامي» على مدى السنوات العشر الماضية. إنّ «سارتر» الذي يؤمن بالعنف يقدّم الدليل على مدى ما يتصف به من عنف . ولم تكن الصورة التي وضعها سوى محاولة لكي يدمّر «كامي» بالكامل، إن لم يكن يقضي عليه ويخرسه.
- ما الذي حصل بعد ذلك؟.
- كان «سارتر» مرتاحاً – وبروح سادية – إلى الضجة الإعلامية التي ثارت بعد رسالته في حين غشيَ «كامي» شك ذاتي وشعور بالكآبة. وحدث مرّة أن اندفع كالإعصار إلى داخل شقة «ماريا كاساريس» ويكاد الدمع يغالبه. سرعان ما اكتشف «كامي» وهو يدور على أصدقائه وبيده مجلة الأزمنة الحديثة أنّ الغالبية العظمى منهم يصدقون أن «سارتر» كسب المعركة وأن «النـزال» كان عادلاً. أخذ الحرج والصدمة يغوصان عميقاً في نفسه. ساءت علاقته بحبيبته «فرانسين» حتى أنها قامت بمحاولة انتحار وطلبت منه أمها مغادرة المنـزل. كان «كامي» - حتى في مذكراته – فناناً مفرطاً في استخدام كلمة «آخ» على علاتها ويكشف لنا مدى الجرح العميق الذي أصابه من هجوم «سارتر». يقول «أرونسون» إنّ «سارتر» افترس «كامي» وهو وصف بالغ الدّقة. فبعد هذا الردّ المدمّر حاول «كامي» من دون جدوى الاهتداء إلى سبيل للعودة إلى الإبداع. أخبر أحد أصدقائه بأنه أصبح عاجزاً عن العمل طوال السنة وقال: «لم أعد أعرف كيف أكتب». وقال في مناسبة أخرى: «أشعر أنني جففت تماماً.. كما الحبر في منشفة من الورق». استولى «سارتر» على عقله ووجدانه فأبدع روايته : «السقوط» وفي بطلها جوانب كثيرة من «سارتر» ومنه هو أيضاً. لقد رأى نفسه في «هنري» بطل رواية «الماندارين» «لسيمون دي بوفوار» والتي يعتقد البعض أنّها مرّغته في الوحل فيها. وكان حتمياً أن يرى «كامي» الرواية بمنـزلة تصفية حسابات. وقال لأحد أصدقائه: «ألقوا كل أوساخهم الملعونة على ظهري».. واستمر يعلن لأصدقائه بأنه لا يستطيع الكتابة.
- يقـول «أرونسـون»: «إلى أي مـدى ارتبط صمت «كامي» العميق، أي ما بدا له فقداناً لذاته ككاتب، بالقطيعة بينه وبين «سارتر»؟ إن حارس بوابة باريس طرد الفرنسي الجزائري؟ وتعرّض الكاتب المتحفظ للتشهير والتنديد به علانية على يد إنسان قادر على أن يقول أي شيء في الصحافة؛ وأصبح اليساري المناهض للشيوعية الذي لا يشعر بالأمان على جمهوره موضع ازدراء من المثقفين أبناء الجناح اليساري؛ وسخر رجال الإدارة من الوافد الجديد بسبب تعليمه الزائف وكسله الفكري. وها هي قصصه التي حاول كتابة مسوداتها خلال العامين (1954و 1955) تتحدث عن الخيانة والعزلة والمعاناة الشديدة، وعن حياة تفتقد الخصوصية، وعن العقم الفني .
- في 4يناير 1960 وعندما كان «كامي» عائداً من لورمارين إلى باريس دهمته سيّارة أودت بحياته. كان في السادسة والأربعين من عمره. أذهل موته باريس والجزائر والكثيرين في العالم. وحتى في الكلمة التي نشرها في وداع «كامي»، ظل «سارتر» يتحدث عن مواقف «كامي» السياسية التي أثارت الخلاف بينهما أي أنه لم يكن مستعداً لتناسي خلافاته مع «كامي» رغم موته..
إن مراجعة دقيقة وشاملة للوقائع التي أوردها «رونالد أرونسون» ووفق رؤية نفسية تحليلية صارمة – وهنا تظهر أهمية المنهج النفسي في النقد والتحليل – تشير بصورة لا تقبل اللبس إلى أنّ عوامل عديدة قد تجمعت لتوصل «ألبير كامي» إلى نهايته الانتحارية الغير مباشرة – نرجسيته المشروخة، عدوانيته المكبوتة، مازوخيتــه، شعوره الكامن بالذنب.... إلخ – ولكن الأمر الذي لا يمكن إنكاره – والذي لم يستطع المؤلف ، ومن المحتمل أن عدم استطاعته هذه قد تعود إلى أسباب نفسية – هو أنّ موقف «سارتر» من «كامي» منذ بداية علاقتهما بما شابها من كبوتات وقمع ثم ما تلاها من انفجار من جانب «سارتر» كانت سبباً رئيساً في تصعيد السلوك الانتحاري الذي كان قائماً أصلاً لدى «كامي».




# "الفلاسفة" العراقيون وغشاء البكارة المقدّس :
ويعمد علي إلى الإيغال بعيدا في فضح البنية المتخلفة لشخصية المثقف العراقي رغم الأردية الثقافية والفلسفية الملونة والبراقة التي يتلفع بها ، ولغة الخطاب المنتفخة والمتعالية التي يلوكها . علي يؤمن – وهذا أمر جوهري في تعريف الثقافة – أن الثقافة سلوك قبل أن تكون خطابا مثقلا بالمصطلحات والتراكيب المدوّخة . لقد عاد عبد الرحمن من باريس في زيارة قصيرة إلى بغداد . وخلال هذه الزيارة كان يتردد على مكتبة مكنزي لشراء المؤلفات الوجودية . وهنا تعرف على (نادية خدوري ) التي كانت تعمل في المكتبة . كانت فتاة جميلة رائعة وشفافة ، خجلة وحييّة . وقد كانت هدفا لحفزات عبد الرحمن الجنسية . لم تكن تعرف عن الوجودية غير أسعار مؤلفتها :
( لقد شعر [= عبد الرحمن ] بأنها يمكنها أن تقاسمه تجربته ، فهي على الأقل حين يقول "سارتر" تقول :
-أعرفه .. أعرف كتاب "الغثيان" سعره 200 فلس .. عندنا منه في المكتبة
وحين يقول "كامو" تقول له :
-أعرفه أيضا .. له رواية بعنوان "الغريب" سعرها لو 150 فلس لو 200 فلس . لا أذكر – ص 208 ) .
كانت تعيش حياتها بصورة تلقائية وبحساسية عالية اكتسبتها من أمها . وقعت نادية ببراءتها وطيبتها المتناهية – وبتصميم ماكر من الكاتب – بين ذئبين فلسفيين ؛ عبد الرحمن : سارتر الصدرية ، و "إدمون القوشلي" : وجودي الخمسينات ، وتروتسكي الستينات ، وإبن خالة نادية . يتساءل الراوي ليكشف جانبا خطيرا من هشاشة المواقف الفكرية والسلوكية للمثقفين العراقيين ، وتقلبات ميولهم الفكرية وولاءاتهم السياسية وتحالفاتهم الاجتماعية ، عندما يعلن عن دهشته من أن يتحالف تروتسكي ( إدمون ) مع بورجوازي كبير ( خدوري تاجر السيارات ) ضد وجودي ( عبد الرحمن ) ؟! . لقد شهدت الثقافة العراقية – وعلى أرض الواقع الصلبة - تقلبات أشد بشاعة وغرابة في سلوك المثقفين العراقيين مما يذكره الراوي . لكن قبل مرحلة التحالف هذه ، مرّ إدمون بمرحلة إنقلابية فكرية أخرى ، وذلك بتخليه عن الوجودية وتحوّله إلى التروتسكية ؛ تحوّل جاء بعد أن عرف أن نادية إبنة خالته قد ارتبطت بوجودي الصدرية :
( لم يعد التمرّد الوجودي يلهبه أو يرضيه لأنه تمرّد مخنّث ، جبان ، ساكن ، فنادية ابتعدت عنه لأن عائلتها أصبحت من طبقة أخرى هي طبقة التجار ، واستأثر بها عبد الرحمن لأنه ثري وأرستقراطي ، ووالدها يهمه المال أكثر مما يهمه الدين ، فما الذي تنفعه الوجودية ؟ - ص 196 ) .
شعر إدمون أن الوجودية لن توفّر له طريقا تمرّديا يحقق له هدفه النهائي . فالوجودية التي رآها وعاشها لا تحمل أي ذرة أمل بسبيل يفضي إلى ثورة تطيح بالطبقات المستغلّة التي أضاعت موضوع حبّه :
( كان إدمون يريد الثورة ، ولم تكن هذه الثورة هي ثورة وجودية ، لأن الوجودي بلا ثورة ، إنما ثورة تروتسكية كاسحة والتي تعني : الفوضى ، التخريب ، الهدم ، القلع ، الإجتثاث . ستكون الثورة لا محالة ، وسيقودها هو ، وسيهدم – أول ما يهدم – بيت البرجوازي عبد الرحمن ، ومن ثم بيت خدوري ، سيقلع بيوتهم طابوقة طابوقة ، سيربطهم بالحبال ، سيضعهم على ظهور الحمير ويقودهم أمام الناس ، ويستأثر بواسطة الثورة بنادية ، سيعريها ، سيجعلها ترتجف تحت فخذيه بعد أن يطرحها على الفراش ، سيغتصبها اغتصابا تروتسكيا ، سيفوز بها على نحو جديد ، سوف لن يقول لها (يا معبودتي) . إنما سيقول لها (أنت ثورتي) ، أنت نتاج المكافحين ضد الإستعمار ، والإستثمار والرجعية ، ستكونين لي لأنك ملكي ، لا ملك الإقطاع والسركالية والأرستقراطية – ص 196 و197 ) .
لا أعلم لماذا قفزت إلى ذهني الحادثة التي دعا فيها ( بودلير ) الشاعر الحداثوي المجدد ، الثوار للإتجاه نحو بيتهم للقضاء على زوج أمه الضابط الكبير !! . في التحليل النفسي ، الإنسان كائن تبريري ، وليس كائنا منطقيا كما قلت : not Rtional but Rationalized humanbeing ، فهو يمرّر الكثير من رغباته ودوافعه الغريزية المكبوتة والمقموعة تحت أغطية الأفكار والفلسفات والأديان . وقد قال الإمام علي : " لو كان الدين يؤخذ بالمنطق ، لكان مسح باطن القدم أوجب من مسح ظاهره " .
ومقابل استيهامات " الإغتصاب التروتسكي " الذي خطط له إدمون القوشلي ، كان هناك " إغتصاب وجودي " يلحّ على عبد الرحمن شوكت في أحلام يقظته :
( كان عبد الرحمن يرتعد خوفا من الإهمال والجفاء والنكران ... فالحب جنون ، مرض ، وهو لا يقنع إلا بالجشع الجسدي ، إلا بالجنس . وكان تقشف نادية يخنقه (....) كان يقف وسط حديقة والده وفي ذهنه صورة واحدة عنها ، صورة كريهة يحقد عليها ، ويريد أن يتحرر منها ، كان يريد تقبيلها ويشتهي أكثر ما يشتهي اغتصابها (...) كان يحب الفجور . كان يراه أقرب إلى نفسه ، لأنه نوع من التجديد لفكره ومخيلته ، نوع من المحرّم الذي يجول بخاطره ... ويخلّصه من كره الجسد بوصفه علة من علل الوجود ، ويخلّصه من المقت ونقص الحياة وإتلافها بالكامل – ص 218-220 ) .
هذان الذئبان الفلسفيان اللذان يتنافسان من أجل الظفر بهذه الأنثى الرائعة تخلّيا عنها بلا رحمة ولسبب مزّق كل أستار الفلسفة والفكر التي يتبرقعان بها . كان الراحل الدكتور ( علي الوردي ) يردد في مجالسه الخاصة واصفا تناقضات المثقفين العراقيين بالقول المتهكم : ( في العراق كلنا مثقفون ، ولكن كل منا يحمل "عقاله" في جيبه ) ، كناية عن أن كلا منا يحمل الموروث العشائري في داخله والذي يقفز في اللحظات العصيبة ، في مواقف الصادمة الراضة التي تضع المتثاقف أمام حالات اختيار بين هدفين أو شيئين في أحدهما خرق لما اختزنه في لاشعوره من نواه وروادع تربوية وعشائرية ودينية . هذا ما نسمّيه صراع ( الإقبال والإدبار ) ، فهناك قوة جاذبة تشده نحو هدف ما ، ولكن هناك بالمقابل قوة طاردة تدفعه بعيدا عن هذا الهدف .
لكن ما هو هذا السبب الذي عرّى " الفيلسوفين " العراقيين ؛ الوجودي والتروتسكي ، على حدّ سواء ؟
كان عبد الرحمن يعرض على نادية الزواج فترفض ، وبعد إلحاح شديد وعدته ، وهي تبكي ، بأنها ستكتب له السبب في رسالة ؛ رسالة تسلمها ليعود إلى البيت ويقرأها في غرفته فيطلق صرخة مدوّية مصحوبة بالبكاء والإنفعال الشديد . بعدها هجر نادية وفرّ إلى باريس . وبعد خمسة اشهر من فراره ، انتهز إدمون الفرصة ليتقدم لخطبة نادية ويظفر بها زوجة ، ولتكون ليلة زفافهما كارثة لنفس ذاك السبب الذي فرّ وجودي بغداد بفعله . إنه : غشاء البكارة . تصوّروا "فيلسوفين " واحد وجودي والثاني تروتسكي ، من محاور فلسفتهما حرية المرأة واحترامها عقلا وجسدا يتهدمان بسبب غشاء بكارة ، فنادية لم تكن باكرا . لقد اغتصبها من قبل "مئير بن نسيم " اليهودي الخبيث المرابي الداعر الجبان كما يصفه الراوي اعتمادا على إحدى الوثائق ، والذي زوّر شهادة ميلاد يهودية لفرج خدوري ، شقيق إلياس والد نادية - كي يتزوج من إيلين إفرايم ، أجمل اليهوديات في ذلك العصر . لقد حضر " العقال " الذي تحدث عنه الوردي بما يعنيه من زعيق الشرف والعرض والكرامة ، وغابت فلسفة كاملة تكفل للمرأة حريتها الكاملة . وفي إحدى المرّات ، أعلن إسماعيل حدوب تابع عبد الرحمن عن سخطه لأن الراقصة ( دلال مصابني ) كانت تترك الفيلسوف في بعض الأحيان وتجلس مع زبائن آخرين . لم يكن الفيلسوف يزعل ، كان يعتبر الغيرة الشرقية حماقة ، وموقفا لافلسفيا . لكن اسماعيل العشائري البسيط لم يكن يستوعب هذا السلوك ، فضرب له عبد الرحمن مثلا من حياة سارتر . فمرة كان عبد الرحمن – كما يزعم – في بيت سارتر ومعهما سيمون دي بوفوار وأصدقاء آخرين مثل مرلو بونتي وغابرييل مارسيل وفلاسفة آخرين . وفجأة اختفت سيمون . واحتاج سارتر محفظة أقلامه وبحث عنها في كل مكان ولم يجدها ولم تبق غير غرفة النوم يفتش فيها عن المحفظة :
(ودخلتم حجرة النوم ؟ قال اسماعيل وهو يعض بأسنانه على كأس الويسكي .
-نعم دخلنا حجرة النوم ، فوجدناها [ = سيمون دي بوفوار ] منطرحة على الفراش ، وقد رفعت تنورتها و( غابرييل بتروفتكش ) فوقها .
- من هذا ؟
- فيلسوف وجودي روسي ، يكتب باسم مستعار هو ( ميدانوفسكي ) . قال عبد الرحمن دون أن يلحظ وجه تابعه . فشهق اسماعيل وارتفع حاجباه وجحظت عيناه وكأنه فاق من السكر قائلا :
- وماذا فعل سارتر ؟
- لاشيء .. لاشيء . قال عبد الرحمن " فقط قال لها .. قال لها : " آسف يا حبيبتي ما كان بودي إزعاجك " – ص 109 ) .
وقد سقطت سيمون دي بوفوار من عيني اسماعيل بعد هذه الواقعة .. وقبلها ، وقبل أن ينقلب إدمون على الوجودية ، ويتحول إلى التروتسكية كان يعد عايدة مطرجي إدريس ، زوجة سهيل إدريس الذي جلب الأفكار الوجودية في حقيبته من باريس كما يقول الراوي ، أشرف من سيمون دي بوفوار التي تقلبت بين أيادي آلاف العشاق ، ولهذا فإن الوجودية العربية أعظم من الوجودية الفرنسية وأشرف منها .




# وقفة وجودية مع غشاء البكارة إجرائياً :
وفي الموقف من "وجود" البكارة من "عدمه" لدى نادية ، فجّر علي بدر مصموتا عنه آخر يتحكم في البنية الشخصية والسلوكية والفكرية اللاشعورية للمثقفين الوجوديين العرب الذين تناولهم . والمفارقة المضافة التي تحضرنا هنا ، وتستدعيها معالجة علي الفريدة ، هي أن الباحثين الوجوديين يقدّمون لنا معطيات تسند ما يراه متحكما في سلوك شخصياته الوجودية ممثلة في عبد الرحمن ، والماركسية والبورجوازية في مجتمع ذي طبيعة مغايرة لطبيعة المجتمعات الأوربية لكن ضمن منطلقات مماثلة في جوهرها . فتحت عنوان " البحث التجريبي وقلق الموت – experimental investigation dnd death anxiety " الذي يتجنبه "علماء" النفس الوجوديون لاختبار فرضياتهم وتقييم الشخصية الانسانية بدعوى أن هذه الفحوصات تحول البشر إلى أدوات للدراسة أكثر منهم موضوعات للفهم ، قام فريق من الباحثين بالفحص المنهجي لنظرية "إرنست بيكر – Ernest Becker" في أن المعتقدات والقيم الثقافية (الحضارية) تقوم بمساندة الأشخاص في مواجهة حقيقة فنائهم على يدي المُثكل كما يصف جدنا جلجامش الموت بحق . فوفق نظرية بيكر فإن نتائج تعيسة لتطور الذكاء البشري هو أن البشر يمكنهم تخيّل واختيار مصائر ممكنة ، ومن ضمنها ما هو مؤلم ومأساوي . ولتجنّب القلق المضني الذي يمكن أن ينتج ، فإنهم يكوّنون ويستدعون معتقدات وقيماً تنكر الموت رمزيا ، وتتيح لهم الأمل بوجه الفناء وعبثية اللامعنى . وعليه فإن القيم الحضارية ورؤية العالم تصبغ العالم بالمعنى والنظام والثبات والديمومة ، وعن هذه السبيل فإنها تخفّف من حدّة القلق الناجم عن العيش في كون مرعب وغير مسيطر عليه بصورة رهيبة يكون فيه الموت هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة . ومن المؤكد أن المقصود بهذا الكون هو العالم الأوروبي وليس صدريّة بغداد الخمسينات . المهم هو أن هولاء الباحثين قاموا باختبار نظرية بيكر عبر سلسلة من الدراسات ، فوجدوا أن الأشخاص الذين يواجهون بمواقف مصممة تجريبيا تستثير لديهم قلق الموت ( مثل الطلب إليهم أن يتخيلوا موتهم الشخصي ) يتمسكون بقيمهم الحضارية بصورة أشد قوة . ففي إحدى الدراسات تم اختيار مجموعتين من القضاة ، أعطي للأولى اختبار قلق الموت ، واستخدمت الثانية كمجموعة ضابطة . ثم طلب من القضاة في كل منهما أن يُصدر حكما على مومسات في قضية دعارة افتراضية . وقد اختيرت العارة لأنها تخالف القيم الحضارية القائمة . فوجد أن القضاة الذين استثير لديهم قلق الموت كانوا أشد عقابية وأصدروا أحكاما قاسية على المومسات ، أكثر بكثير من قضاة المجموعة الثانية . كما وجد في دراسة حديثة أن الأشخاص يقومون بالاستجابات نفسها عندما يواجهون بكلمة "موت" خارج إدراكهم في صورة جمل سريعة غير مباشرة ، أي أنهم يواجهون قلق الموت بصورة لاشعورية . وفي مواجهة الموقف المشعل للنقمة والقلق الذي أثارته الصدمة المخزية التي ترتبت على فقدان نادية لعذريتها ، لم يكن أمام وجودي الصدرية وتروتسكي بغداد سوى أن يرتدا ، في فعل دفاعي سليم من وجهة نظر وجودية دعمتها الدراسات الإجرائية الآنفة الذكر ، للتمسك بقيم حضارية تعلي قيمة غشاء البكارة الذي صارت نساء المجتمع الأوروبي يفتحنه بمشرط الطبيب تجنبا لألم الإختراق الذي حكمت عليهم به الطبيعة . وهذا الارتداد يعني المزيد من التحصّن بمفاهيم ثقافية لا تمنحها الفلسفة الوجودية في موطنها الأصلي أية قيمة(6) . لكننا في الحالتين ، حالة الوجوديين الأصليين و"المستنسخين"، نقف في مواجهة معالجة "موقفية" تقع خارج الأطروحات الوجودية ، بل بالضد منها ، وتفرض اختيارات لا يمكن استيعابها "وجوديا" إلا إذا وضعنا في حسابنا طرف المتصل الضائع أو المسكوت عنه في الفلسفة الوجودية والذي فضحه علي بدر .



# عودة :
... المهم أن إدمون لم يقنع ببكاء نادية وهي تصرخ أن من فضّ بكارتها هو مئير بن نسيم وليس عبد الرحمن . كان يصر على أن عبد الرحمن خصمه الوجودي اللدود هو الذي افترعها ، ولهذا قررت العائلة ، عائلة نادية ، أن تأخذ بثأرها من عبد الرحمن ، أن تثأر لشرفها المهان ، لغشاء البكارة المذلّ ، ليس بالقتل كما اقترحكما اقترح إدمون ، ولكن عن طريق الفضيحة كما اقترحت إيلين . وافق الجميع وكتنوا يقضمون الكعك ويشربون الشاي المهيّل في حديقة القصر .
فكيف رسموا مؤامرة الفضيحة ؟
لابدّ أن نعود إلى الحادثة التي قصّها عبد الرحمن عن الكيفية التي تعامل بها سارتر وهو يرى عشيقته سيمون دي بوفوار تحت فيلسوف وجودي آخر هو ميدانوفسكي حيث إعتذر بهدوء وخرج ليكمل الإثنان العملية الجنسية . فقد كان اسماعيل مؤمنا إيمانا أعمى بمصداقية فيلسوف الصدرية الذي ذهب إلى فرنسا ورأى الوجودية بأم عينيه ، في الوقت الذي تعرّف عليها الآخرون في بغداد من خلال الكتب . لقد رأى عبد الرحمن الوجودية بعينيه ، الوجودية نفسها ، بلحمها ودمها ، ثم أنه لمسها ، وتحسسها ، وتمسّك بها في حين أن كل الوجوديين هنا لم يروها ، إنما حلموا بها ، وتصوّروها ، وتخيّلوها – ص 110 ) .
ومنذ هذه اللحظة توفّرت قناعة أخرى لدى اسماعيل حدوب ، وبدأ بتنفيذها . بدأ يتغيب عن الفيلسوف تحت شتى الأعذار "الوجودية" . لكنه ، في الواقع ، بدأ بالتردد على " جرمين " زوجة عبد الرحمن في غيابه ، السيدة الفرنسية التي يزعم عبد الرحمن أنها ابنة خالة سارتر :
( وهذا الأمر بالنسبة لاسماعيل كان عاريا من الشك ، فهي ابنة خالة سارتر حقيقة لا خيالا ، وطالما هو يستطيع أن يركب إبنة خالة أكبر فيلسوف فرنسي فكأنما ركب فرنسا كلها – ص 114 ) .
وكيف نُفّذت مؤامرة الفضيحة ؟
ذات صباح أخبر الفيلسوف زوجته بأنه سوف يبيت الليل خارج المنزل . فجاء اسماعيل بعد منتصف الليل ودخل المنزل . وبغياب الزوج الذي نام عند عشيقته في الملهى ، أمضى الليل مع الزوجة الفرنسية حتى الفجر . أكلا وسكرا معا ، وقبل أن يغادرها ، طلبت منه أن يصعد معها إلى السطح عاريين . إلتحما عاريين على السرير . كانت هناك مئذنة " سراج الدين " العالية . أحست جرمين بأن هناك من يراقبهما من المئذنة . أنكر اسماعيل أن يكون شيخ الجامع يراقبهما . قامت جرمين ونظرت إلى باحة الجامع فرأت شجرة تتوسط الباحة . لقد كررت كثيرا في دراساتي وكتبي عن الفن السردي أن : القصة القصيرة فن ، لكن الرواية علم . يجب أن يتحلى الروائي بروح عالم .. بجلده وصبره – هل لأن الكاتب العراقي ، حاله حال الإنسان العراقي ، غير صبور ، لم يتطور الفن الروائي كما ينبغي ؟ - .. بالتخطيط لكل حركة وحدث وانتقالة . وعلي بدر يخطط لكل شيء بصبر وحكمة ومكر . ورغم الظاهر الساخر لوقائع الرواية إلا أن كل خطوة ، كما رأينا ، محملة بدلالات اجتماعية ونفسية ومعرفية شديدة الخطورة . لقد شاهدت جرمين شجرة في باحة الجامع ، شجرة كانت فاكهتها متربة وسط بساط من الخضرة العميقة . وانتبه الآن إلة هذه الجملة : يقول علي إن الشجرة موجودة ( داخل السور العالي الذي يحرم الأعين من اختلاس نظرة واحدة إلى الجنة – ص 237 ) . وهذه إشارة سريعة لا يمكن إلا أن تثير في أذهاننا معنى الشجرة التي في الجنّة . يا لروعتك يا علي ! تذكّرني بأعظم العبارات التي قرأتها في حياتي عن العناء المهلك الذي يواجهه المبدع الحقيقي ، وهي عبارة " هاينه " شاعر ألمانيا العظيم ، والتي قال فيها :
( يتحدّثون عن الإلهام ، وأنا أعمل كالحدّاد )
يقول علي :
( تلوّت جرمين في ضوء شفيف يكسو عريها بالكامل ، ويضيئه بانعكاسات باهرة . كان عريها ورديا وهي تلتقط أنفاسها بوجه لا يحمل سوى نشوة طلقة . أخذت تمرّر يدها النضرة على صدره وبطنه ثم عدلت قوامها لتنظر وسط الجامع ، فأومأت إلى شجرة التفّاح في الباحة ، وقالت :
- أريد واحدة ..
- ماذا تقولين ؟ .. قال اسماعيل مندهشا .
- تفّاحة .. وانقلبت على ظهرها ، كأنها تسبح في حمّام من شعاع القمر ، بينما بقيت يدها تحتضن لدونة جسده ولطافة حركته – ص 237 ) .
هكذا لا تفلت من المبدع المقتدر أي حركة .. أي نأمة .. أي منفذ يستطيع النفاذ منه لتحقيق رؤاه .. كان ممثل الله يراقب من مئذنته العاشقين العاريين الملتحمين تحت ضوء القمر .. تأخر حتى عن أذان الفجر .. ورغم رقابته القاسية والداعرة تقرر جرمين – وبتخطيط من علي بدر طبعا .. ويتحدثون عن موت المؤلف !! - أن تعيد تشكيل أسطورة الخطيئة الأولى .. هذه الأسطورة من اختصاصها لأنها – الأنثى - الأكثر جسارة وحبا للحياة . الذكورة جبانة .. تتفلسف . ولا أدري لماذا يُعامل غشاء البكارة بهذا الاستخفاف وهو يتسق مع " محنة الإختراق " التي هي جوهر كينونة الأنوثة ، ومن ثم صيرورتها بالمعاني الوجودية والفلسفية . المرأة تُخترق في المواقعة .. تخترق في الحمل .. تخترق في الولادة ... تخترق في الدورة الشهرية .. والأهم أنها تُخترق في أي لحظة حب تعيشها .. بخلاف الذكر المتنفج . أتذكر حوارا في أحد الأفلام الأجنبية بين امرأتين واحدة محبطة ومحطمة لأن حبيبها هجرها ، والأخرى ، وهي المرأة الأكبر سنا وتجربة ، تنصحها بالهدوء بالقول إننا كنساء نستمتع بالعاطفة التي نمنحها للرجال حتى لو كانت مؤلمة ، في حين أن الرجال يستمتعون بالمحبة التي نمنحها لهم !! . والفارق كبير جدا ، بل هو حالة تناقض صارخة . تحت عيني ممثل الله – ومن المؤكد أنهما جاحظتان – تقرر جرمين إستعادة أسطورة الخطيئة ورسمها على بساط جنة الجامع المقدّسة :
( صعد إسماعيل إلى الشجرة ، وأخذ يقطف التفاح الأخضر ، ويضعه في سرواله ، سمع دربكة أقدام تهبط من سلّم المئذنة ، فوضع التفاح في سرواله ، وهبط إلى الأرض ، فمسكت به يدان ، الأولى من عنقه ، والأخرى من سرواله :
-قبضت عليك بالسروال يا زاني ..
حينها وصل الحارس بطاقيته القديمة ومعطفه الصوف – ص 238 ) .
ولا أعتقد أن هناك توصيفا مراوغا لأسطورة الخطيئة ، قرأته بارتياح كبير مثل هذا التوصيف الذي رسم خطوطه علي بدر . إنها رسمة فريدة ومغايرة للكثير مما قرأته في حياتي عن محاولات سردية لاستعادة جوهر تفاحة الإثم التي حلت علينا بعدها اللعنة . وفي العادة يضرب علي بدر – كوريث فاهم لآليات عمل اللاشعور رغم عدم تخصّصه ، وليس عبثا أن معلم فيينا كان يقول لضيوفه وهو يشير إلى المؤلفات الأدبية الهائلة في مكتبته : هؤلاء أساتذتي !! – يضرب علي عدة عصافير بحجر سردي صغير واحد . لقد فضح ممثل الله ، شيخ الجامع الذي عطّل أذان الله لأنه كان يتبصص على العاشقين العاريين من سطح المئذنة ، كما سنرى باعترافه الشخصي . هل كان الله سبحانه – من خلال أسطورة الخطيئة – يريد أن يبلغنا بأن الغريزة الجنسية ، عصية على الكبت أو القمع ، وأنها من القوة بحيث أنها لا يمكن أن تُعطّل بأي تابوات ونواه ؟ فقد تمت الخطيئة تحت عيني الله الراصدتين في الفردوس المقدس من جانب ، وبالضد من تحذيره المسبق من جانب آخر . وما الذي فعله معلم فيينا أكثر من أنه قرّر حقيقة القوة الجارفة لهذه الغريزة . لقد قرّر حقيقة مغيّبة بفعل قوى الوعي الكابتة ، لكنها تبقى حقيقة " وجودية " أصيلة وضاغطة . لا أحد يريد الإقرار بأن جريمة القتل الأولى منذ فجر الخليقة – قتل قابيل لأخيه هابيل – كانت بسبب عقدة المحارم !! . يعدونها جريمة " مقدّسة " !! . يجهز علي على هذه القناعات بصورة نهائية داحضة :
( وصل الحارس .. وعلى ضوء القمر رأى سروالا مليئا بتفاح الجامع ..
-كنت أراقبكم من المئذنة .. أخّرتم عليّ الأذان يا فجّار .
-هل كنت تتفرج على فيلم خلاعي يا شيخ ؟
زمّ الحارس شفتيه ، واهتزت شواربه بغضب لوقاحة اسماعيل . مدّ يده إلى سروال إسماعيل وشلحه عنه تماما ، ثم مسك به من يديه وربطه إلى الشجرة ، بينما صعد الشيخ إلى المئذنة ينادي أهل الصدرية للفرجة على الزاني .
كلّ هذا يحدث ، وجرمين تنظر بعذاب من السطح . كانت عارية إلا من شرشف تلف به جسدها – ص 238 ) .












# المثقف المعصوب :
... وتحضرني هنا الخلاصة التشخيصية من كتاب المفكر " جورج طرابيشي " : " المثقفون العرب والتراث : التحليل النفسي لعصاب جماعي " والتي – أي الخلاصة – حملت عنوان " نحو خاتمة بعيدة الإحتمال للتناقضات " ، والتي حاول فيها تقديم موجز تشخيصي لاضطراب " المفكر " حسن حنفي في صورة محاكمة فكرية تحليلية نفسية محكمة ، جسدها علي بدر بتصوير روائي رائع يجعلك تستعيد صورة حسن حنفي حالما تكمل رواية بابا سارتر ، وتصل إلى ختام الرواية حيث مرحلة التحوّل " الفهلوية " أو " الفصامية " وهذا هو الأدق ، من الوجودية إلى البنيوية . قال طرابيشي في نهاية هذا الفصل الختامي :
( ... فأغلب الظن أن صاحب مشروع " التراث والتجديد " [ = حسن حنفي ] ما كان ليمضي في نزعته النقدية إلى ذلك الحد الذي مضى إليه – والذي في الوقت نفسه آلية المنافحة الدفاعية الهذائية ، بل أكثر من ذلك : فنحن نعتقد أن اقتران النزعة النقدية لدى صاحب مشروع " التراث والتجديد " بالنزعة التعظيمية – ولو اقتران الضد بالضد – هو الذي وفّر لنتاجه الفكري الحماية من الحِرم الذي كان سيكون من نصيبه ، لا محالة ، لدى سلطات الرقابة العربية – إن على صعيد مؤسسات الدولة وإن على مستوى جماعات الضغط التقليدية – فيما لو أسفرت نزعته النقدية عن نفسها بعري لا يطاق . وبالإضافة إلى ذلك فإن بناء واقع هذائي بديل ، بالتضاد مع الواقع الموضوع على مشرحة النقد ، ينطوي على فائدة نفسية لا مماراة فيها . فهو إذ يفسح مجالا واسعا لممارسة لعبة التناقض ، بالانتقال من قطب تجريح الذات إلى قطب تعظيم الذات ، يتيح للشخصية النفسية ، المهدّدة بالإنشطار ، إمكانية المحافظة على وحدتها . فأمام وضعية مولّدة للفصام كالوضعية التي يجد فيها العديد من المثقفين العرب أنفسهم منذ دخول المجتمع العربي في طور عصر الرضّة الحضارية ، يمكن أن يكون التحوّل من الضد إلى الضد وسيلة لصون الشخصية نفسها من الانقسام والتجزؤ . وفي مثل هذه الحال يكون الازدواج في المواقف هو البديل عن الإزدواج في الشخصية . والحال أن الازدواج في المواقف يبقى أهون شرا من الازدواج في الشخصية ، تماما مثلما يبقى العصاب أهون شرا من الذهان . وإذا كان لنا أن نتوقع نهاية ما – ونحن نقر سلفا أنها بعيدة الاحتمال – لرقصة المتناقضات ، فعلينا أن نطلبها في عالم الأعيان ، أي على صعيد السيرورة الموضوعية ، قبل أن نطلبها في عالم الأذهان . ففي الحالة العربية عموما ، كما في حالة حسن حنفي خصوصا ، تبدو استعادة السيطرة على الموقف النفسي رهنا بتحولات إيجابية على صعيد الواقع الموضوعي تعيد وضع المجتمع العربي على سكة النهضة والتقدم كطريق وحيد إلى البرء من الجرح الأنثروبولوجي . أما إذا كان الواقع العربي سيتجه إلى المزيد من التردي – كما هو شأنه منذ هزيمة حزيران 1967 – فإنه سيكون من المحتم أن يتزايد الطلب على الحلول الوهمية وعلى البدائل السحرية من قبل منتجي الإيديولوجيا العربية ومستهلكيها معا . وفي مثل هذه الحال ، ليس من المستبعد أن يُكرس حسن حنفي مفكرا للمرحلة وأن يظهر على مسرح الفكر العربي مقلّدون كثر له . وكما في كل تقليد ، فإنه من المرجح أن يأتي تقليدهم أسوأ من الأصل : إذ من المؤكّد أنهم سينزعون إلى مجاراته أقل فأقل في نزعته النقدية ، وإلى محاكاته أكثر فأكثر في نزعته الهذائية ) (7) .
وإذا كان طرابيشي يقدّم تشريحا نفسيا عميقا للكيفية العصابية التي يتعامل بها المثقفون العرب مع التراث ، فإن الجوهر التحليلي في هذه الحالة ، والحالة التي يتعامل بها المثقف العربي مع التيارات الثقافية الغربية خصوصا ، والحضارة الغربية عموما ، الوافدة بموجة كاسحة هو جوهر واحد ، جوهر عصابي تلوب في أحشائه الحفزات النكوصية – regression ، والضياع المدوّخ والمؤذي في رسم مسارات " الرواية العائلية " البديلة . وقد رسم علي بدر هذه اللوحة العصابية وتصعيداتها الهذائية الدفاعية بصورة فذّة من خلال روايته هذه بطريقة ترسم كل تلك التعقيدات التظرية الشائكة ، والصراعات النفسية المعقّدة في صورة شخصيات حيّة ذات سلوكيات نابضة بالحياة تتحرّك أمام بصرنا وبصيرتنا بحرية وصخب محبب . وإذا كان المحلل النفسي يحلل ويضع قواعد ونظريات للتفسير ، فإن الروائي يحلل من خلال التصوير والتشخيص اليومي لسلوكيات شخصياته بلا ميل لشروح وتفسيرات . المحلل يريد ربط النتائج بأسبابها العميقة في حين أن الروائي يشتغل على رسم الشخصيات في علاقاتها وصراعاتها واحباطاتها الحيّة بحسّ تحليلي يقدم للمحلل الأمثلة الحيّة من زاوية المعايشة الميدانية العميقة التي تقدم للأخير " نماذج " سلوكية يستطيع من خلالها التقاط الدوافع الحاكمة . قام علي بدر بتحليل نماذجه الثقافية المعصوبة بتناقضاتها وصراعاتها وتحولاتها الغريبة المرتبطة بـ " العلاقات " المحبطة ، التي تتستر بالأفكار والفلسفات كمنافذ لتمرير الحفزات الغريزية والوجودية وإشباعها . وهو بذلك قد قدم لنا مادة نفسية هائلة عن عصابية المثقف العربي – بل هذائيته – بعرض سردي مشوّق وممتع ؛ تشويق ومتعة لا تتوفر في العرض التحليلي النفسي العلمي إلا بحدود ضيقة جدا – وهذا التشويق والمتعة هما اللذان وفّرهما أسلوب معلم فيينا الأدبي الرفيع الذي جعله يفوز بجائزة غوتيه للآداب - ، وهذه المادة النفسية الهائلة لم يستكشفها المحلل العربي بصورة شافية حتى الآن ، باستثناء مشروع جورج طرابيشي الضخم في نقد نقد العقل العربي بأجزائه الأربعة ، من جانب ، كما أنها تثبتت في الحياة الثقافية العربية ، ومنذ عقود ، كنوع من التابوات التي يحظر الاقتراب منها أو مسّها من جانب آخر . وقد اسهم المثقفون العرب أنفسهم في تمتين هذه المحظورات من خلال المنفعة الدفاعية التي تستحصل من الحفاظ عليها . ولعل علي بدر كان ، ومايزال ، في طليعة الروائيين الذين تصدّوا للتحرّش الجسور بهذا المحرّم الذي يحنو على رعايته المثقفون الذين يحيا علي بينهم ، وقد يكون في هذا جانب من الأسباب التي تدعو البعض من المثقفين للتقليل من القيمة الريادية لمشروع هذا الروائي . فكثيرا ما تحصل تصافقات لاواعية بين المبدعين والنقاد على تجاهل حالة اقتحامية يقوم بها كاتب شاب يأتي بروح أوديبية عادة فيؤجج ما يمكن أن نسميه بـ " الموقف الأوديبي المضاد " وهو الموقف الذي يتجسد في ردة الفعل الأبوية المميتة التي تُستثار لأبسط النبوءات أو التكهنات فيأمر بقتل الوليد الخطير المقبل أو نفيه . وقد يتحسس المتلقي العربي من الأطروحة الأوديبية التي اقترنت بالفكر الغربي رغم أنها مؤسسة على أطروحة أغريقية يمكن أن تجد لها جذورا عميقة أقدم بكثير . ففي كتاب العلامة العراقي الراحل " طه باقر " " ملحمة جلجامش " هامشا يقول إن كهّان " أوروك " قد حذروا الملك والد جلجامش من أن ابنه المقبل سوف يقتله ويغتصب العرش منه ، فما كان منه إلا أن أمر برميه من فوق أسوار " أوروك " إلى البرّية ليموت ، ولكن نسرا تلقفه ، فكتبت له الحياة ، ثم نما وعاد لينتزع العرش !! . وهذا التابو الأوديبي " الجديد " الذي صار يجلب النقد ، بل السخرية ، من قبل قطاع واسع من المثقفين العرب ، في تعبير عن "مقاومات " تفرضها محددات لاشعور المثقف العربي ؛ هذا التابو الأوديبي تقرّب منه علي بدر بروح تعرّضية لكي يوسع دائرة تأثيراته فتتجاوز محيط علاقات " المثلث الأوديبي " الجنسية كما يرد إلى تفكير المتلقين العاديين لأطروحات التحليل النفسي في مجتمعنا خصوصا ، إلى الكيفية التي ينسرب بها في عروق الجسد الثقافي بصورة لا تُحس بصورة نقدية ، لأنها ، في حقيقة الأمر ، تتجسد على أرض الواقع بصورة سردية . فسلوك المثقف العربي هو سلوك سردي وليس سلوكا فعليا ، ليس سلوكا اجرائيا ذا نتائج اجتماعية وسياسية وثقافية ومعرفية تغيييرية وجذرية . إن المثقف العربي في الواقع التحليلي النفسي يخط رواية سلوكية هي مثل اي مفردات تُخط على الورق أو خطوط نرسمها بأصابعنا على الرمال . بعيدة جدا عن الآثار التي ترسمها الخطى البشرية الواثقة على أرض الواقع ، حتى لو كانت تلك الأرض أرض سوق الصدرية الضاج المتخلّف لكن الحيوي ببشريته الأرضية . وهذا الدرس الذي قدمه علي بدر يوغل في خلق نهاية أشد سوادا من الاستشراف التشاؤمي الذي توقع طرابيشي بموجبه أن حسن حنفي سيكرس مفكرا لمرحلة ، وأن مقلدين كثرا سيظهرون له ، وسينزعون إلى مجاراته أقل فأقل في نزعته النقدية ، وإلى محاكاته أكثر فأكثر في نزعته الهذائية .. صحيح أن جانبا من هذا قد حصل ويجري أمام أعيننا ، لكن الاستشراف الأشد تهلكة هو ما ختم به علي بدر روايته من خلال الصرخة المدويّة في اشد أحياء بغداد – بما يحمله رمزها من معان حضارية وثقافية ريادية تاريخيا- انفتاحا وتحضرا وهو " الوزيرية " الذي هو حي النخبة والمثقفين والمؤسسات الجامعية العلمية والفنية الأولى في تاريخ العراق منذ نشأة الدولة الحديثة فيه بعد 1920 ، صرخة مدوّية :
-يا شيخ جمال .. يا شيخ جمال ..
الصرخة التي حثت الراوي على التفكير بجمال الدين الأفغاني .. حيث العودة إلى نقطة الصفر .. إلى مخاض لم يحسم قبل أكثر من مئتي سنة .. ولكن هذه المرة تأتي الصورة منذرة بخراب أعم .. فالشيخ جمال يمشي على أرصفة الوزيرية بهدوء .. ووراءه امرأة هي عبارة عن قطعة سوداء من الأعلى إلى الأسفل .. مع أكثر سلوكيات المثقفين العرب من وجوديين وتروتسكيين وبنيويين تطرفا وفراغا كان هناك حضور للأنثى ممثلة بنونو بهار بصورة مركزية وجرمين ونادية خدوري بصورة ثانوية . كان المشروع الثقافي حيا ومغويا لأن في دوافع بنائه ، وفي المثابرة عليه من قبل المثقفين العرب ، حتى لو كانت تلك مثابرة مرضيّة (عُصابية ) ، حضورا للكيان المحيي والمانح للبهاء الحياتي مثلا بالأنثى الأم وتمظهراتها الثانوية المعطاء التي تنعش الحياة بزخمها الجنسي . لكن مع تدهور الواقع العربي المستمر نحو هاوية الركود والتبعية والاستهلاك الذاتي والشعور بالدونية والتناقضات التي بلا حل ولا نهاية ، لن تكون الكارثة كما توقع طرابيشي – وهو محق طبعا – تنصيب " مفكرا " هذائيا على عرش معرفة مرحلة حسب ، بل تنصيب الذكورة المعصوبة محل الأنوثة الخلاقة الخالقة ، في عملية لاتوازن تخرّب الحياة من أجل الفعل .. والجوهر من أجل العرض .. والمثال من أجل الواقع .. وببساطة تضحّي بالرحم لتأمين مخاوف القضيب .. وهنا الوضع الفجائعي الأكبر حيث لا يصبح مستوليا على هامة الحياة غير منطق الذكورة السادي المظلم " المعمّم " .. أما الحياة . أما الخصوبة والنماء والسلام واللغة والحوار .. فستُلف بالسواد الظلامي الدفاعي من الرأس حتى القدم . وهذا ما تحقق الآن ليصدم توقعاتنا بلا هوادة.. لم يُنصّب حسن حنفي المتضاد بين الأصولية والنهضوية ، وبين النزعة النقدية والهذائية، بين تجريح الذات وتعظيم الذات ، على عرش معرفة مرحلة ، بل استقرار تلك الحركة التذبذبية العصابية والهذائية بين كفّتين والتي حذّر منها طرابيشي ، على كفة واحدة ، استقرارا نهائيا على كفّة هي في أشد تنوعاتها الضارة أهون من تناقضات حسن حنفي .. كفة الظلامية مهما استوزرت بأطروحات الاستنارة .. فنونو بهار كانت تابعة فعليا لإرادات مثقفي المرحلة التي يردون تدشين عقلها البدئي والبدائي كما يتصورون .. لكنها كانت مفتاح شد وجذب وإغواء .. كانت " التفّاحة " .. تفّاحة الخطيئة المعرفية التي من المستحيل أن " يعبر " المثقف حدود فردوسها المخدر إلى شقاء تساؤلها ودهشتها المضني من دون أن يجرؤ على " قضمها " .. ومشكلة المثقف العربي تكمن في جبنه عن عملية " القضم " .. هو يعرض " التفّاحة " بجسارة .. يستعرضها بكل جرأة .. لكنه يجبن عندما يصل غلى مرحلة " قضمها " .. وهذا التردد المهين أمام قضم تفاحة المعرفة هو الذي جعل حسن حنفي .. وعبد الرحمن .. وإدمون .. يشكلون نماذج جنونية جبانة في الثقافة العربية .. نماذج مازالت تتسع وتنتشر عبر التقليد الذي يسير حثيثا نحو تقليد ، بل تضخيم الجانب الهذائي ( ولا أتردد في القول : الجنوني الذي يجرحنا فنتستر عليه حتى كمحللين نفسيين ) .. ورسالة علي بدر في مناقضة لرسالة طرابيشي ، تعدنا عبر كوميدياتها الوجودية ، بأن الأمر – وهو ما يتصوره طرابيشي محنة - سوف يُحسم ببساطة . هكذا .. بفرار الراوي من "الحفلة" البنيوية المهووسة التي تجري بلا سند في بيت مغلق ومنعزل في الوزيرية .. بيت متعال وباذخ ..وهنا أعود للتأكيد على أن علي بدر لم يترك فسحة وصفية تمضي إلى مصيرها العبثي أو بهدف الحشو .. فكل حركة وصفية كانت مقصودة ومرصودة كما أشرت سابقا :
(اجتزت مقبرة الإنكليز ، دخلت شارع السفارة التركية ، فأصبح المنزل القديم قبالتي تماما . كان المنزل مشيدا بالطابوق ، سياجه الأبيض وإفريزه المائل بنيا من قرميدمتعرج . كانت هناك بواية حديدية ضخمة تقود إلى حديقته الملابعة الكثة ، وقد امتلأت بالأشجار العالية . حين دخلت واجهني باب خشبي من الصاج ، وعلى كل جانب من الباب كانت هناك نافذة واسعة لها مصاريع خشبية ، وهو ما يشكل في الظاهر واجهة المنزل – ص 256 ) .
كان منزل وجودي الصدرية مطلا ، ولو بقدر تعال غليون سارتري زائف ، على سوق الصدرية حيث الناس البسطاء المسحوقين وهم يؤدون أدوارهم المفروضة بتلقائية آسية وصادقة بلا حاجة لتخريجات فلسفية أو فذلكات نظرية مفخّمة .. كان بيتا يربض وسط ساحة " مشروعه " رغم أنها صلة مفتعلة .. لكنها على الأقل صلة " حيّة " مهما توشّحت بالصفة " الغثيانية " المقحمة . لكن الصلة الميشيلية – نسبة إلى ميشيل نونو - ، بنيوي الوزيرية تتأسس في " قلعة " من قلاع الوزيرية الثقافية التي تفصلها إلى الأبد عن " محيطها " البشري .. كان للوجودية عناية بالناس .. بـ " وجود " البشر .. بانمهماماتهم ومعاناتهم وخيباتهم .. بسوء أخلاقهم .. لمؤامراتهم .. بقذاراتهم السلوكية المكشوفة خداعا وكذبا .. وأفعالهم المحارمية المستترة .. عناية ألبست ألبسة لغوية متفذلكة ، وأخرجت – وهذا هو الأعقد – إخراجا فلسفيا شديد الفرادة .. ممعنا في " اليومي " المقموع الذي يجب أن يتجاوز "نقصه" الوجودي ويؤمن بحريته المحكوم بها قسرا .. لكن مع مرحلة ميشيل .. بنيوي الوزيرية المتحصن في قلعة بيته الهادئة التي لا يصلها أي هسيس يومي ملوّث . وإذا كان عبد الرحمن قد تماهى سلبيا مع أنموذجه الخارق سارتر ووصل درجة كبيرة من الإنمساخ والتقزّم ، فقد ترتب على هذا التماهي المفرط تبعية مرضيّة ( عصابية في جوهرها العميق ، أوديبية الحفزات في طبقاتها الأعمق كما سنرى ) ، لم تكتف بالنقل المشوّه للفكر الوجودي ، وتضخيم الجانب السلوكي الإنحلالي والضياعي من شخصيات الروايات الوجودية حسب ، بل خلقت نوعا من " العمى النفسي – psychological blindness " إنعكس على القراءة النقدية التي صارت بدورها انتقائية وهروبية . كان أتباع المذهب الوجودي من المثقفين العرب في حالة عمى جزئي حيث لا " يشاهدون " من سلوك ونتاجات الكتاب والفلاسفة الوجوديين الغربيين سوى ما يلائم تماهيهم المرضي ، ويمرر دوافعهم النفسية المكبوتة . كانوا في غيبوبة " معرفية " ونفسية . منذهلين ، على سبيل المثال ، بروايات ألبير كامو الذي كان يشتمهم ويشتم أمتهم في أغلب أعماله . وقد كان الوجوديون العرب بحاجة إلى أكثر من ثلاثة عقود لكي يدركوا هذا الموقف إدراكا جاء من " الخارج " على يدي المفكر الفلسطيني الراحل " إدوارد سعيد " في كتابه " الثقافة والإمبريالية – culture and imperialism " الذي صدر – ويا للمفارقة – عن دار الآداب البيروتية عرابة الترجمات الوجودية وصاحبها الراحل سهيل إدريس . صدر الكتاب عام 1997 وكشف سعيد فيه الروح العنصرية لكامو وكيف كان من المروجين المتحمسين لفكرة الإستعمار الإستيطاني للجزائر ، وكيف أنه ينكر كل تاريخ الشعب الجزائري قبل احتلاله من قبل فرنسا عام 1850 . يقول كامو :
( في ما يتعلق بالجزائر فإن الإستقلال القومي ، صيغة من العاطفة المشبوبة الخالصة ، لم تكن هناك أمة جزائرية أبدا ، وأن من حق اليهود والأتراك واليونانيين والإيطاليين والبربر أن يدّعوا لأنفسهم حق قيادة هذه الأمة الكامنة في الواقع . لا يشكل العرب وحدهم الجزائر كلها (... ) وأن جزائر عربية محضا تعجز عن تحقيق ذلك الإستقلال الإقتصادي ، الذي لا يعدو الإستقلال السياسي من دونه أن يكون وهما " (8) . يقول الأستاذ " شكيب كاظم " في كتابه " إلتماعات ورؤى : مثابات في الأدب والفكر " :
( ومادمت بصدد الحديث عن أدب ألبير كامي فأرى أن أشير إلى الدراسة القيمة التي كتبها الأستاذ كاظم سعد الدين والموسومة بـ ( شخصية العربي في أدب ألبير كامو ) والتي نشرتها مجلة (الموقف الثقافي) العدد الثامن لسنة 1997 حيث درس مجموعته القصصية (المنفى والملكوت) ففيها إضاءة لآراء ألبير كامي المبثوثة في قصصه ، التي وصم بها عرب الجزائر بكل ما في قاموسه من ألفاظ الحقد والكره ، لا بل تطاول على القرآن الكريم في قصته "الزانية " ... ) (9) .
ومن الغريب أن أغلب النقاد العرب الذين تناولوا رواية " الغريب " لهذا الكاتب ، أفحمونا بالتحليلات العميقة لشخصية وسلوك بطلها "ميرسو" ، وكيف أنه بطل وجودي خصوصا بعد أن يقوم بقتل المواطن العربي المسكين . لقد قدموا تحليلات مطولة حول هذا " البطل " الذي تمرد حين أدرك لامعنى الحياة ولاجدواها من دون أن يمنحوا أي قدر من الاهتمام للضحية العربي . خذ ما قاله الدكتور "زكريا إبراهيم " مثلا ، وهو يتحدث عن "الرواية الوجودية" :
( وهكذا الحال أيضا بالنسبة إلى شخصية مرسو في رواية "الغريب" : فإن هذا الموظف البسيط لا يتردد في أن يصيح قائلا : " إن الأمور لديّ سواء " . وهذا " الوعي " الذي يصاحب إحساس مرسو برتابة الحياة هو الذي يجعل منه بطلا وجوديا يدرك أنه لا معنى لحياته على الإطلاق ... ويقترف مرسو جريمة القتل ، فلا يلبث أن يجد نفسه وجها لوجه بإزاء واقعة الموت . وهنا يجيء الموت فيزيد من حدة شعوره بعبث الحياة ، ويثير في نفسه الرغبة في التمرد ، وهكذا يبدو العبث بمثابة وعي الموت ، ورفض له في الآن نفسه . وكأن هذا الوعي الفائق بالموت لا يمكن أن يحصل إلا إذا تعمد بدم عربي !!) (10) .
ومازالت درجة كبيرة من هذه الذيلية النقدية والعمى النفسي الراجع إلى الإنبهار والتماهي العصابي مسيطرة على جانب كبير من الحياة الثقافية العربية حتى يومنا هذا ، وليس أدل على ذلك من موقف النقاد العرب قاطبة المنبهر بشراسة برواية " شفرة دافنشي " التي لم تكن سوى تسخير كلي وعزوم للآيديولوجية اليهودية والتوراتية حيث تصبح الحضارات كلها في النهاية تمظهرات للمعاني الرمزية لنجمة داود !! ( راجع الملحق ) .
# ومثلما طفا المثقفون العراقيون – ومن ورائهم ومعهم المثقفون العرب بطبيعة الحال – وبخفة على موجة الوجودية الكاسحة ، هذه الموجة التي انتهت بموت رمزها في بغداد : عبد الرحمن / فيلسوف الصدرية ، فإن خاتمة الرواية تضعنا وجها لوجه أمام تحول ثقافي كارثي الطابع يسوقه علي بدر بصورة تدرجية وصادمة . فبعد أن ضاع مشروع كتابة سيرة فيلسوف الصدرية وإفلاس الراوي مؤرخ السيرة بهروب حنّا يوسف إلى عمان ، وضياع فرصة الحصول على مستحقاته المالية من صادق زادة ونونو بهار كما أشرنا ، ينقلنا الروائي إلى مفتتح تحول ثقافي خرابي جديد من خلال تحكم تلك الآليات العصابية بالسلوك الثقافي والتي توصل إلى الإنبهار المرضي والتماهي العصابي مع "الآخر " المتفوق في محاولة لخلق "رواية عائلية" ثقافية يحاول فيها المثقف العربي المعصوب أوديبيا عيش حالة متوهمة من أنه " إبن " ثقافة أخرى .. "إبن" أبوين ثقافيين آخرين متفوقين . هذا المفتتح يحصل حين يحضر الراوي مع صديقته حفلة موسيقية للفرقة السمفونية العراقية في القصر العباسي ، وحين تغيب عنه صديقته لتحتسي الشاي تربت يد كتفه :
( التفتّ .
كانت نونو بهار وقد تغيّرت كثيرا ، قصة شعر غلامية ، بنطلون ضيّق يشبه بنطلون الرجال ، وقميص أبيض فضفاض يهبط إلى اسفل عجزها ، بينما خلا وجهها من المساحيق – ص 254 ) .
ومثلما بدأ الخراب الوجودي التبعي بتماهي شكلي بين عبد الرحمن وسارتر الأعور ، حيث ظل الأول حتى نهايته الفاجعة يعيش وفي قلبه غصّة لأنه ليس أعورا مثل فيلسوف باريس ، فإننا نلاحظ الآن تحوّلا أكثر جذرية . لقد جاء عبد الرحمن بزوجة من باريس إدّعى أنها أبنة أخت سارتر ، لكن " الزوجة " الآن من هنا ، وهي نونو بهار ، وفي مظهر غريب . كانت جرمين أنثى فرنسية عاديّة ، لكن نونو الآن ملتبسة الهوية ، في هيئة يتناقض فيها المظهر مع الجوهر في إشارة رمزية ذكية لتضاد " الدور الجنسي – gender role " مع " الهوية الجنسية – gender identity " إيذانا بتدشين وجهة مرحلة جديدة أشد خطورة . وصدّقوني ، وبمجرد قراءتي هذا التحوّل الغلامي الذي طرأ على نونو بهار شعرت أن العرض الثقافي المقبل الذي ستقدمه له نونو سيكون مرتبطا بالمفكر الفرنسي " ميشيل فوكو " الذي توفي مصابا بالإيدز ( نقص المناعة المكتسب ) عام 1984 ، أصيب به بسبب ميوله الجنسية المثلية خصوصا عندما كان يمارسها ممزوجة بشذوذ جنسي آخر هو الجلد لإشباع دوافعه السادو - مازوخية في منتديات متخصصة في عاصمة الشذوذ ( سان فرانسيسكو ) كما كان يتحدث عن ذلك ، وبالطوفان البنيوي وعاصفة الحفريات الذي اجتاح الحياة الثقافية العربية لتدشن التباسا جديدا في هوية أجيال عربية ثقافية ، وليس جيلا واحدا كما حصل مع وجودية عبد الرحمن . يا لك من ماكر يا علي بدر !! وها هي نونو تقول له :
-ميشيل يريد أن يراك
-.. ميشيل ؟! .. من ميشيل؟
وإذا كان منزل وجودي بغداد في الصدرّية ، فقد جعل علي ، وبذكاء ، بيت ميشيل ، بنيوي بغداد المقبل ، رابضا في الوزيرية كما قلت . وإذا كان عبد الرحمن قد وضع صورة واحدة لسارتر في غرفته وحاكى مظهره ، فإن بنيوي الوزيرية كما يلقبه الراوي بعد لقائه معه في المنزل يعلق صورتين فوتوغرافيتين لفوكو : واحدة لسارتر وميشيل فوكو يحمل مكبرة صوت ، والثانية شاهدها أغلبنا في المجلات الثقافية لميشيل فوكو وقد وضع يدا على فمه ، وأخرى كان يرميها باسترخاء على كتف الأريكة . صدمنا علي بحادثتين حتى الآن : الأولى المظهر الغلامي لنونو بهار ، والثانية للتحول من عبد الرحمن إلى ميشيل ، أي من الوجودية إلى البنيوية . تأتي الصدمة الثالثة عندما ينزل ميشيل وقد ( حلق شعره بالموسى تماما ، وارتدى نظارة طبية ذات إطار فضي تشبه نظارة ميشيل فوكو . طوله الفارع ، نحافته ، وقميصه الأبيض ورأسه الأقرع وعيناه الثعلبيتان ؛ تقودك مباشرة إلى الصورة [ = صورة فوكو ] المعلقة على الجدار – ص 257 ) .
لكن من هو ميشيل / بنيوي الوزيرية هذا ؟
إنه إسماعيل حدوب أو صادق زاده ممول المشروع الوجودي السابق ؛ مشروع كتابة وجودي بغداد ، وإسمه الجديد كما تقول نونو بهار هو : بنيوي الوزيرية ، بعدما مات وجودي الصدرية . ( علينا أن نخترع فيلسوفا لبغداد ، وما هذا الفيلسوف إلا بنيوي الوزيرية – ص 258 ) .
لكن الصدمة الرابعة يصممها الروائي بصورة مدويّة ومدوّخة . فإذا كان تأثير " النكوص الوجودي " كما أسميناه محددا بدرجة كبيرة في مجال السلوك الشخصي والعلاقات الاجتماعية ، فإن تأثير " النكوص البنيوي " سيمتد إلى العقل الآن . وهذا أشد خطورة من السابق . لم يفعل عبد الرحمن شيئا مميزا على المستوى الفكري ، واستخدم الغطاء الوجودي لتمرير مكبوتاته الطفلية بصورة رئيسية ، لكن ميشيل يريد الآن بناء مشروع ثقافي كبير يقوم الراوي بكتابته وهو يضع اسمه " بنيوي الوزيرية " عليه (ميشيل لديه مشروع كبير ، ومثمر ، أنت ستربح الدولارات ، وهو سيخدم الثقافة العربية ) كما خاطبت نونو بهار الراوي . يبرر لسماعيل حدوب أو صادق زاده أو ميشيل تحوله الفكري بالقول :
( لقد قرأت ميشيل فوكو ، لم يعد سارتر مفيدا للثقافة العربية ، العبث والغثيان لم يستطيعا حل مشاكلنا ، علينا أن نتبع خطة جديدة ، البنيوية هي التي ستحل مشاكلنا ، فأريد كتابة مؤلف يقوم بهذا الشيء – ص 258) .
ولأن فوكو قد فضح الثقافة الغربية في هذا الكتاب ، فإن لدى صادق زاده مشروعا مناظرا يفضح فيه الثقافة العربية من خلال وضع كتاب عن تاريخ الجنون في العصر الإسلامي لأن الثقافة الإسلامية همّشت الجنون مثل الثقافة الغربية !! وصادق ونونو يحاولان إغراء الراوي بأن التجربة السابقة التي خسر فيها كل شيء لن تتكرر حيث سيحصل هذه المرّة على المال على شكل دفعات ، كما سيعطونه أرباح الكتاب بعد نشره أيضا .
وجوهر هذا المشروع أشد خطورة من مشروع وجودي الصدرية بمراحل في طبيعته المراوغة . فميشيل يريد استثمار أهم كتاب في مشروع فوكو وهو ( تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي ، وعنوانه الدقيق هو (الجنون واللاعقل ( أو غياب العقل ) : تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي ) ونشره عام 1961 ليصل إلينا في التسعينات . والله مصيبة أن يكون ماضي الثقافة الأوروبية هو مستقبل الثقافة العربية !!! وهو أصلا أطروحته لشهادة دكتوراه الدولة وأشرف عليها ( جورج كانغيلام ) عام 1984 . وجوهر موقف فوكو الذي لم يفهمه صادق زاده ممثلا للشريحة الأعظم من المثقفين العرب هو الذي يلخصه " جون ليشته " بما يلي :
( مع العصر الكلاسيكي (أي في القرنين السابع عشر والثامن عشر) يتم اختزال الجنون إلى السكون والصمت ، أو بالأحرى ، ليس له صوت خاص به ، ولكنه يوجد بشكل مشوّش في الشخصيات المناهضة لما هو اجتماعي مثل : الشخص الفاجر أو الشاذ جنسيا أو الفاسق أو الخليع أو الساحر . هؤلاء الأشخاص يُحجزون في المستشفيات وإصلاحيات الأحداث والسجون . وعلى غرار ذلك ، يعرّف فكر القرنين السابع عشر والثامن عشر الغضب الشديد – والذي يشمل السلوك الإجرامي والجنوني – بأنه "لا عقل " (Un-reason ) . ثم يتغير شكل الجنون بين عصر النهضة والعصر الكلاسيكي ، ليس هذا فحسب ، بل لإن ستراتيجيات المجتمع للتعامل مع الجنون تتغير هي الأخرى . وحتى مجيء القرن التاسع عشر كان الجنون ، أو المرض العقلي ، مسألة تخص الشرطة أكثر مما تخص الأطباء . وهكذا يجادل فوكو بأنه ليس هناك أساس للبحث عن حالات سابقة لمعالجة المرض عقليا في تاريخ الطب النفسي . بل تتكشف لنا انقطاعات تاريخية – أولا ، بين رأي عصر النهضة في الجنون ورأي العصر الكلاسيكي الذي يرد الجنون إلى اللاعقل وبالتالي ، إلى الصمت ؛ ثانيا ، بين العصر الكلاسيكي والقرن التاسع عشر الذي قام بمعالجة الجنون طبيا ، أي اعتبره مرضا عقليا . إذاً الإنقطاع بين العصور هو الذي يسود في تاريخ الجنون ... إلا أن المصح العقلي قد تغير جذريا في الذي جاء فيه ( توك وبينيل Tuke and Pinel ) لتنفيذ إصلاحاتهما في أواخر القرن الثامن عشر ، فالطب والحجز اقتربا أكثر بعضهما من بعض ، لا بسبب اكتشاف طبي عظيم ، بل بسبب عاملين مرتبطين بشكل غير مباشر : اهتمام أكبر بحقوق الأفراد في أعقاب الثورة الفرنسية ، وتحوّل المصح العقلي إلى مكان للممارسات العلاجية بدلا من كونه مؤسسة للعقاب فقط ).
وقد نقلت هذا النص الطويل نسبيا لأنه يُظهر خطل ما قال به ميشيل / صادق / اسماعيل عن أن الثقافة العربية في العصر الإسلامي همّشت الجنون مثل الثقافة الأوربية . هذا ما ردّ به الراوي مصححا :
-من قال إن الحضارة الإسلامية تهمّش الجنون ؟ أظن أنها لا تهمشه .. لقد بقي المجنون يحظى بمكانة راقية ، والدليل على ذلك هو أنت [= صادق] – ص 259 ) .
هنا ينفجر صادق ونونو بالضحك .. وفي الوقت الذي قد ينفجر المتلقي ابلضحك معهما ، فإن عبارة الراوي هذه حمّالة أوجه بشكل خطير . فهذه الفوضى التي تعيشها الثقافة العربية ، ومن أمثلتها الإنهواس الوجودي ثم البنيوي الذي يطرحه الروائي هو مظهر من مظاهر غياب العقل العربي إلى الحد الذي تتلاعب بها رياح الثقافات المختلفة من ناحية وأمزجة المثقفين المعصوبين من ناحيتها الثانية . نحن نعيش حالة جنون / غياب عقل غير معلنة تتستر بخطابات " متقدمة " لا صلة لها بالواقع الذي نعيشه . الناقد " كمال أبو ديب " يقول إنه طوّر البنيوية أكثر من البنيويين !! هكذا نبيع التمر على أهل البصرة . المهم أن حالة غياب العقل هذه تساعد ، على طرح الشيء ونقيضه ، العقل والللاعقل ، الأصولية والحداثة ، التهميش وعدم التهميش ، بتعايش غريب ومديد وتصالحي . فهذا صادق يستمع إلى ما ينقض أطروحته حول تهميش الجنون في الثقافة الإسلامية ، فيتحول فورا إلى قناعة مضادة يؤسسها على اعتراض الراوي في أن هذه الثقافة لم تهمّش الجنون – وهو أمر فعلي – فيطرح مشروعا " بنيويا " جديدا :
( صحيح .. صحيح ..
قال الفيلسوف وقد تصنع بحاجبيه صورة فوكو وهو يفكر ..
ألا ترى أن الحضارة الإسلامية لم تهمّش الجنون ، ولذا فإنها وقعت ضحية للفكر اللاعقلاني ؟ . من أين جاءت اللاعقلانية في حضارتنا ؟ لابدّ أنها جاءت لأن حضارتنا لم تهمّش الجنون كما فعلت الحضارة الغربية . سنكتب كتابا ندين فيه الحضارة الإسلامية لأنها لم تهمش الجنون . فلو ظهر العقل في حضارتنا ، لتهمّش الجنون ،ولأن الجنون لم يُهمش لذا أصبحت حضارتنا لاعقلانية – ص 260 ) .
يصف الراوي الإنفعال العارم الذي اجتاح عرابي البنيوية الجديدين : صادق ونونو بقرب تحقيق مشروعهما الفلسفي الجديد الذي سيقلب حال الثقافة العربية . إنها " فتنة البنيوية " كما وصفها واحد من عرابيها في الثقافة العربية وهو "جابر عصفور " :
( رقصا من الفرح ، وتطوّحا ، وهما يمسكان كؤوس الويسكي لشرب نخب البنيوية على قبر الوجودية .
كان هذا المجنون يحلم بتحوّل الشعب العربي إلى شعب بنيوي . كان يحلم بكل الشعب العربي من المحيط إلى الخليج ، وقد حلق الرجال فيه شعورهم تماما ، وارتدوا النظّارات ذات الإطار المعدني ، بينما حلقت النساء شعورهن بقصّة غلامية وارتدين البنطلونات – ص 260 ) .
وما يقصده الراوي هو أن فتنة البنيوية هذه أوسع واكثر شراسة .. فهي لا تقتصر على قطاع محدد من المثقفين الذين يطوّحون بأنفسهم في متاهات العبث واللاإكتراث حسب ، بل هي عملية تلاعب خطير بالمقومات المعرفية للعقل العربي . ولكي يتخلص من هذا المأزق فإنه يجاريهم في الصخب والرقص ويشرب معهم نخب ولادة البنيوية .. وعندما سقط المجنونان ، أطلق سقيه للريح .
لكن هل انتهى مكر علي بدر عند هذا الحد الذي هو فنيا نهاية مناسبة تماما لوقائع الرواية ؟
كلّا ..
إن مشروع علي الفكري في هتكه لأستار المحظورات الثقافية لا يتوقف عند هذا الحد . وفي مؤتمر الرواية العربية الذي انعقد في مدينة " الرقة " السورية مؤخرا ، وكان شعاره " المحظورات في الرواية العربية " ، وحضرته والتقيت فيه بعلي الذي كان مدعوا أيضا ، لأول مرة في حياتي ، ركز أغلب النقاد في بحوثهم ، وأكثر الروائيين في شهاداتهم ، على المحظور الجنسي الذي اخترقه الروائيون والروائيات العرب منذ عقود . ويبدو أن هذا التركيز يعود إلى التردد – ولنقل الجبن – في التعرض للمحظورات السياسية والدينية . هذا جانب ، ومن جانب آخر تنبّهت إلى حقيقة لم يلتفت إليها أحد في مراجعة وتحليل المنجز الروائي لعلي بدر ، وهو أن عليا يكاد يكون الوحيد تقريبا الذي " تخصّص " بالتحرّش وفضح التابوات الثقافية ، وكانت روايته هذه " بابا سارتر " هي الخطوة الأولى في هذا الإتجاه . ولكي أوضح وجهة نظري بصورة أدق دعوني أقدم هذه المداخلة الطويلة نسبيا :
في عام 1949 نشر الروائي العراقي الراحل " فؤاد التكرلي " روايته القصيرة الأولى " بصقة في وجه الحياة " وكانت حبكتها تدور حول أب يعمل شرطيا – أي مسؤولا بشكل ما عن أخلاق المجتمع ومنع المحرمات فيه – يندفع في علاقة محرّمة محمومة في ابنته الجميلة . وفي واحدة من قصصه المبكرة يجعل إحدى الفتيات يغتصبها أمام الجامع الذي يضعها أبوها أمانة بيديه . أما يوسف متى فقد كتب العديد من القصص التي تتناول العلاقات الجنسية المكشوفة والمحرمة في الثلاثينات . وللروائي المصري " نجيب محفوظ " قصص قصيرة كثيرة منها قصة مبكرة نسبيا يتحدث فيها عن مسجد قائم في مدخل شارع للبغاء ، وخطيب الجامع ، في خطبة كل يوم جمعة ، يتوعد المومسات المسكينات بالويل والثبور ، وأن الله سيصليهن في نار جهنم يوم القيامة . ثم تحصل غارة جوية على المنطقة فتهرع المومسات جميعا إلى الجامع ليحتمين به ويطلبن الحماية من الله !! . ولو بادر النقاد العرب إلى إشادة مشروع ثقافي نقدي ومعرفي على اسس هذه الأطروحات التعرضية والاقتحامية ، وغيرها الكثير، لأصبحوا هم اصحاب الكلمة الفصل في الواقع الثقافي وليس الجهات الأصولية الظلامية . ما أريد قوله ، كخلاصة ، هو أن لدينا روائيين عرب شجعان ، وروائيات عربيات شجاعات ، لكن لدينا بالمقابل ، وللأسف ، عدد غير قليل من النقّاد والمثقفين الجبناء . ويمكننا وصف علي بدر بصفة الشجاعة هذه بلا تردد . فواحد من الأسباب التي جعلت المبادرة تفلت من أيدي الثقافة العربية النهضوية المتحررة هم العاملون فيها من المثقفين أنفسهم . وهذا ما يفضحه علي بدر في روايته هذه والروايات اللاحقة بجسارة . وفي النهاية الثانية التي يصوغها لروايته تتضح مساهمة المثقفين افاضحة في هذا الإنحطاط والتردي الذي يوصل ويعزز غياب العقل في الحياة الثقافية العربية . فبعد أن يهرب الراوي من مشروع بنيوي الوزيرية إسماعيل حدّوب وتابعه نونو بهار ويسير في الشارع الذي يفصل منطقة الوزيرية عن المقبرة الإنكليزية ، يشاهد منظرا لافتا ومنذرا ، يصفه بالقول :
( كان يسير أمامي رجل يعتمر عمامة بيضاء ، ويمسك في يده مسبحة سوداء طويلة ، وتسير وراءه امرأة وقد تحوّلت إلى قطعة سوداء من الأعلى إلى الأسفل ؛ الفوطة السوداء والعباءة على الرأس ، الحجاب الأسود على الوجه والقفازات السود كانت تلف يديها . صرخ شخص آخر عبر الشارع :
-يا شيخ جمال .. يا شيخ جمال ..
لا أدري لماذا فكرت لحظتها بجمال الدين الأفغاني . فكرت باسماعيل حدوب ، وقد تأثر بجمال الدين الأفغاني ، فارتدى عمامة بيضاء ، ومسك بيده مسبحة ، وكات نونو وراءه بالحجاب الأسود الذي غطى وجهها ويديها – ص 261 ) .
وهنا ينبغي الإنتباه إلى ملاحظة خطيرة ، وهي أن هذه الرواية قد صدرت في أيار من عام 2001 ، ومعنى هذا أنها قد كتبت قبل هذا الوقت بمدة غير طويلة لأسباب معروفة . وفي وقت كتابتها لم يكن في العراق الكثير من مظاهر الردة الحضارية المتمثلة في التوجه الأصولي الذي تسيّد بفعل الديمقراطية الأمريكية المسلّحة التي أنعم بها الغزاة على العراق .. فهل كانت هذه نبوءة أو استشراف دقيق ؟



# الوجوديون العرب والله :
ولو انتبهنا إلى تفصيل سريع ، قد لا يلفت الإنتباه ، في وقفة عبد الرحمن الآسية أمام المرآة متحسرا لأنه ليس أعور ليتطابق تماما مع اعور الوجودية الأصلي ، وهو أنه يدعو الله أن يمن عليه بهذه العطيّة في حين أن الأعور الأصل لا يعترف بالله ولا يقترب منه . هذه كيفية تنسرب بها مكنونات اللاشعور الجمعي " المحلي " الذي اختزنه الفرد في أعماقه بفعل تربيته الدينية ونواهيه الإجتماعية . أتذكر هنا طرفة رواها لي صديق شيوعي عراقي كان في رحلة في موسكو مع شيوعيين عراقيين آخرين .. كان الجو عاصفا والثلج يتساقط بغزارة الأمر الذي جعل الحافلة تنزلق وتوشك على أن تنقلب ، انرعب الجميع وصاحوا : وينك يا " علي بن أبي طالب " !!
# سارتر والله :
لقد انقسم الوجوديون – وهذا ما لا يعرفه وجودي بغداد – إلى تيارين : تيار يؤمن بوجود الله ويمثله كارل ياسبرز وغابرييل مارسيل ، وتيار ملحد يمثله هيدجر وسارتر . ولننتذكر واحدة من مقولات سارتر في هذا المجال :
( إن كل ما تريد الوجودية إظهاره هو حتى ولو كان الله موجودا لما تغيّر شيء . ولما استطاع وجوده إحداث أي تبديل ، المشكلة ليست مشكلة وجود الله أو عدمه ، المشكلة هي أن يجد الإنسان نفسه الضائعة ، يجب أن يقتنع بأن أية قوة لا تستطيع أن تخلّصه من نفسه ... فالوجودية هي فلسفة تفاؤل ، هي مذهب العمل والحركة . ولكن المسيحيين ، حين يخلطون ، رياء وبدافع إيمان فاسد ، بين يأسهم ويأسنا يتهموننا بأننا يائسون) (12) . وعلى لسان " جوتز " بطل مسرحية " الشيطان والله " يقول : ( كنت أسأل نفسي في كل دقيقة ما يمكن أن أكونه في نظر الله . والآن أعرف الإجابة . لا شيء . إن الله لا يراني . إن الله لا يسمعني . إن الله لا يعرفني .. السكوت هو الله . الغياب هو الله . الله هو عزلة الناس . إن كان الله موجودا فالإنسان عدم ؛ إن كان الإنسان موجودا ... يا هنريك ، فإني سأعرفك بفراهة ضخمة : إن الله غير موجود ) (13) .
ويقول سارتر أيضا : " إن الله ميت حتى في قلب المؤمن " .
ويقول في سيرته : ( كنت ذات صباح من عام 1917 ، أنتظر في "لاروشيل" رفاقا كان من المفروض أن يصحبوني إلى الليسيه ؛ وقد تأخروا ، ولم أدرِ ما الذي أخترعه لأتسلى ، فقررت أن أفكر بالعليّ القدير . وسرعان ما تدحرج عند الأفق ، واختفى من غير أن يُعطي تفسيرا ؛ وقلت لنفسي في دهشة متأدّبة : إنه غير موجود ، وحسبت القضية مبتوتا فيها . وقد كانت كذلك على نحو ما ، لأني منذ ذلك الحين لم يأخذني أي إغراء في بعثه . ولكن "الآخر" كان باقيا ، "اللامرئي" ، ذلك الذي كان يضمن وكالتي ويحكم حياتي بسلطات عظيمة ، مغفلة ومقدّسة . ولقد وجدت مشقة كبيرة للتحرّر من هذا ، لاسيّما وأنه كان مقيما في مؤخرة رأسي ، في الأفكار المختلسة التي كنت أستعملها لأفهم نفسي ، وأموّضعها وأبرّرها) (14) .
( وأخيرا قد يكون في وسعنا أن نشير إلى موقف الفلاسفة الوجوديين من الدين ، وكيف أنهم أرادوا أن يخلصوا الفلسفة من فكرة " الله " ، على اعتبار أن الله قد مات ( على حد تعبير نيتشه ) أو أنه كان يحدثنا ثم صمت ( على حد تعبير سارتر ) ، فلم يعد في وسعنا الآن سوى أن نلمس منه جثة هامدة . ولكننا مع ذلك لو أنعمنا النظر إلى فلسفة سارتر لاستطعنا أن نقول إنها تنتهي في خاتمة المطاف إلى " لاهوت " لا إله فيه . ومعنى هذا أن وجودية سارتر إن هي إلا فلسفة رجل متدين فقد إيمانه بالله ، ولكنه لم يفقد نزوعه نحو الله ، فبقي في صميم فكره حنين غامض نحو ذلك الموجود الذي أحال غيابه كلّ الفلسفة الوجودية السارترية إلى جو قاتم لا بارقة من أمل فيه . غير أن سارتر لم يُعن بدراسة مشكلة العلاقة بين الفلسفة والدين ، لأنه افترض ضمنا أنه حتى لو وُجد ذلك الإله الذي يحدثنا عنه الدين ، فإن وجوده لن يغير شيئا ، مادامت مشكلة الفلسفة الأولى إنما هي مشكلة الوجود الإنساني ، لا الوجود الإلهي ) (15).
( يردد سارتر عبارات نيتشه فيقول : إن الله قد مات . ولكن هذا لا يعني أنه غير موجود أو أنه لم يعد موجودا ، بل إن الله قد مات ، بمعنى أنه كان يحدثنا ثم صمت ، فلم نعد نستطيع أن نلمس منه الآن سوى جثة هامدة .. والواقع أن سارتر حين يقر أن " الإنسان حر " ، فإنه يعني بذلك أن " الله غير موجود " لأن الحرية البشرية عنده إنما تقوم على أنقاض الحرية الإلهية . وإذا كان ديكارت قد ذهب إلى أن معيار الحقيقة هو إرادة الله الحرة ، فإن سارتر يؤكد أن الإنسان نفسه هو الذي يبدع القيم ، وهو الذي يفصل في الحقيقة .. إن الموجود البشري – فيما يرى سارتر – إنما ينزع نحو شيء واحد فقط ، ألا وهو " الوجود " . ولكن " الوجود " الذي يشتاق إليه الإنسان ليس هو الوجود المادي الذي يبعث في نفسه الشعور بالغثيان .. بل هو " الوجود الحقيقي " القار في ذاته ، أعني الوجود الإلهي نفسه ... وبعبارة أخرى يقرر سارتر أن المشروع الأصلي الذي ينزع الإنسان نحو تحقيقه إنما هو أن يصبح إلها )...... يقول سارتر : ( أن تكون إنسانا : هذا معناه أن تنزع إلى أن تكون إلها ، أو إذا شئت ، الإنسان في صميمه إن هو إلا رغبة عارمة في أن يصبح هو الله نفسه ) .. وهكذا ينتهي سارتر إلى القول بأن الإنسان أمل ضائع لا جدوى منه ، أو رغبة حالمة لا سبيل إلى تحقيقها ، أو هوى مستحيل لا طائل تحته ، مادام كل ما يرمي إليه الإنسان ( على خلاف ما كان يرمي إليه المسيح ) إنما هو أن يموت الإنسان حتى يحيا الله . ولكن أنى للإنسان أن يصير إلها ، وهو الموجود العرضي الذي ليس لوجوده مبرر ولا علة ولا ضرورة ؟ أليس " العبث " إذن هو الكلمة النهائية في رواية " الإنسان " ، مادام الإنسان إنما يشعر في قرارة نفسه بأنه وجد جزافا ، وأن لا طائل تحته ، وأنه زائد دائما عن الحاجة ) (16) .





# التحليل الاجتماعي :
من الطبيعي أن نؤكد أنه ليس من صلب واجبات الروائي – أي روائي – السردية والجمالية أن يقوم بدور المحلل الإجتماعي . ولكن الروائي يكتب وسط بيئة اجتماعية ، يلتقط شخوص عمله من هذه البيئة ن ويغوص عميقا في عوالمهم الداخلية ليستكشف النوازع الإجتماعية التي تمور في دواخلهم ، وتطلعاتهم التي توجه حركتهم اليومية ، وكيفية تأسيس شبكة علاقاتهم ثم إنعكاس وعيهم على تلك التطلعات والسلوكيات وبالعكس . ولهذا فإن المختصين بدراسة الشخصية القومية لأي شعب يستعينون – ضمن حزمة من المصادر طبعا – بالرواية لاستكشاف ملامح الشخصية القومية للشعب موضوع الدراسة . وأعود للتأكيد مجددا أن هذا الدور يأتي تلقائيا وغير مقصود ، وهنا تتجلى سمة أسلوبية مضافة في رواية علي بدر هذه وتتمثل في هذه " العدسة " المكبرة الفاحصة التي يضع تحتها شرائح معينة من المجتمع العراقي ليرصد أفكارها وعلاقاتها وصراعاتها الاجتماعية ، بدءا من لغة خطابها اليومية وانتهاء بأفكارها وميولها الفكرية و" الفلسفية " . ويقدم علي – وقبل ذلك العمل الهائل لغائب طعمة فرمان في " خمسة أصوات " – مادة كبرى لعلم الاجتماع الثقافي كما سنرى هنا ، ولعلم النفس الثقافي والفلسفي إذا جاز الوصف كما سنرى بعد حين . يضع علي شريحة المثقفين الستينيين في المجتمع العراقي تحت مبضعه التشريحي الاجتماعي والنفسي . لقد كان الإنبهار " السلبي " بالمد الوجودي وقبله الماركسي الوافدين على البيئة الثقافية العراقية هو ما يطبع شخصية المثقف العراقي ، هذا الإنبهار خلق " تماهيا – identification " شديد الإفراط بالرموز الثقافية والفلسفية الغربية والشرقية . تمثل هذا التماهي السلبي في عبد الرحمن – فيلسوف الصدرية الذي صار إلهه المعبود الأول والأخير في حياته هو الفيلسوف والروائي الفرنسي " جان بول سارتر " . يقدم لنا علي تصويرا ساخرا لعملية التماهي هذه لكنها شديدة العمق ومحملة بالدلالات الاجتماعية والنفسية والفكرية :
( أخذ عبد الرحمن يرتدي ملابسه على مهل أمام المرآة الطولية المثبتة على الخوان في حجرته الدافئة ، وبعد أن عقد ربطة عنقه النحيفة الزرقاء ، ارتدى النظارة المربعة ذات الإطار البلاستيكي الأسود ، وأخذ ينقل عينيه بين صورته المنعكسة على المرآة وبين صورة جان بول سارتر المعلقة على الجدار ، فشعر بحزن عظيم طاغ اجتاح كيانه كله :
-ماذا لو كان أعور ؟
ماذا لو كان أعور ، لتتطابق الصورتان ملمحا ملمحا ؟ فإن كان عبد الرحمن قد حلق شاربه وصفّف شعره المسرّح المدهون على شاكلة تصفيفة شعر سارتر ، وإن كان وجهه المثلثل الوسيم يحمل ملامح سارتر كلها : الأنف النحيف الاستدارة الجميلة للخدود ، الفم الملموم على نفسه ، فإن هذا التطابق سيظل عصيّا على التحقق ، طالما أن العور لا يطال عينه اليمنى على الإطلاق ، فماذا سينقص الوجود لو صار أعور ، وكان بعوره سارتر آخر ؟ أدرك عبد الرحمن في تلك اللحظة عذاب الوجود ولا عدالته . لو كان وجودا عادلا ومتساويا وأخلاقيا ، لصار عبد الرحمن أعور ، لكان منحه الله العين العوراء مثلما منحها لجاسب الأعور الذي يبيع الخضرة الباهتة على عربة سحب في سوق الصدرية ، فهذا الأعور الجاهل لا يدرك عبقرية عينه السارترية ، لا يدرك عظمة عوره الفلسفي ، ولا مكانة هذه العين المطفأة في تاريخ الفلسفة ، ولذا فإنه يفضل عينه السليمة ولاعاديتها ، وهكذا تجده حزينا خجلا من وجوده ناقصا ، في عالم كل من فيه يمتلك عينين اثنتين لا واحدة ، من عالم كلّه ينشدّ للكمال – ص 42 و43 ) .
ودائما ، كما قلت ، وكما سأكرر ذلك في أكثر من موضع من هذا البحث ، فإن علي يستغل بمعنى الكلمة أي موقف تمر به شخصياته ، ومهما كان عابرا ، لتمرير الأطروحات الفلسفية والفكرية المركزية للموقف الوجودي ولكن في إطار ساخر لكنه منضبط . وهذا يحصل أيضا في تناوله للموقف الماركسي كما سنرى . وهو هنا يطلق على إيمان عبد الرحمن بهذا العور الضرورة تسمية " العور الفلسفي " الذي يعرف قيمته وعظمته إلا أنه يدرك في الوقت نفسه أنه عور صعب المنال ، ، إنه عور مستحيل ، عور ميتافيزيقي ، كعور إله المعرفة سارتر . وكان يدرك على نحو يائس أن هذا العور لن يتحقق مهما كان ، فيشعر بوجوده ناقصا ، وجودا مثلوما . ومن المعروف أن مقولة الوجود الناقص هي من الأطروحات المركزية للفكر السارتري .







# سهيل إدريس والوجوديون العرب :
ولا أعتقد أن هناك رواية أكثر سمّية مثل رواية " بابا سارتر " ، وأن هناك روائيا أكثر مكرا من مؤلفها " علي بدر " في الرواية العربية في تصدّيها للمحظورات الثقافية . لقد قدّم الروائي صورة كاريكاتيرية حقة ودقيقة عن موجة " الغثيان " الوجودي التي اجتاحت الوسط الثقافي العراقي خصوصا والعربي عموما بصورة كاسحة ومربكة أثارت الكثير من الإلتباسات في فهم طبيعة الفلسفة الوجودية وأفكارها المركزية .. حتى صرنا نعتقد أن مفردة " وجودي " تعني أن هذا الفرد ناقم على الحياة .. منعزل .. متهتك أخلاقيا .. متحرر جنسيا .. يفعل ما يحلو له دون اعتبار للقيم والمحددات الاجتماعية القائمة . كان المثقفون الذين أصيبوا بعدوى " المرض " الوجودي الذي هو نفسي أكثر مما هو فكري يشكلون شللا تحيا في زوايا المقاهي المظلمة .. يسكرون ليلا وينامون نهارا .. وفي سكرتهم – بل حتى في يقظتهم الجزئية – يفعلون الكثير من التصرفات المثيرة للإشكالات والتساؤلات بين المثقفين والناس " العاديين " الذين بدأوا يتساءلون عن هذه الفلسفة التي تجعل الإنسان يتحول إلى "كائن" لا اجتماعي ناقم على الحياة شاعر بحالة من الغثيان الشديد منها ، ومتقززا من ما يجري حوله من متغيرات في الحياة الاجتماعية ومتعاليا على حرطتها اليومية . ومن المهم التأكيد أن هذا التطبيق السلوكي الشائه والمرضي لم يأتي من خلال تأمل ودراسة عميقين لأطروحات الفلسفة الوجودية ممثلة بعرابها الأساس وهو " جان بول سارتر " الذي كان أول من نقل لنا مؤلفاته هو الأستاذ " سهيل إدريس " بصورة رئيسية عبر داره : دار الآداب ، وزوجته " عائدة مطرجي إدريس " بصورة ثانوية ، ولكن عبر تمثّل يمكن أن نصفه بـ " العصابي " شكل منفذا لصراعات نفسية مكبوتة داخل المثقف العراقي ، وتمريرا لتأثيرات انحطاطات اجتماعية وثقافية شهدتها البنية الاجتماعية للمجتمع العراقي عموما . ولكن إدريس نفسه راجع موقفه من الوجودية وأفكار سارتر ومواقفه . دعونا نستمع إليه وهو يتحدث في ملتقى الروائيين العرب والفرنسيين الذي انعقد بباريس في آذار من عام 1988 :
( لقد كانت وظيفة الأدب العربي في الفترة التي ازدهر فيها فكر سارتر في الخمسينات عام 1948 . ونحن الذين تعلمنا في فرنسا ودرسنا الأدب الفرنسي ، تعلمنا من عدد من الأدباء الفرنسيين حرية الفكر وشرف المواقف . وفي هذا الإطار كان شرف موقف سارتر في الدفاع عن قضية الجزائر . وانطلاقا من موقف سارتر هذا أفسحنا المجال واسعا للأدب الوجودي لأنه كان يركز – في اعتقادنا – على محورين أساسيين : محور الحرية ومحور المسؤولية ، ولاسيما الحرية المرتبطة بالمسؤولية . وأنا حين ترجمت ثلاثية " دروب الحرية " التي تتحدث في جزءيها الأولين عن الحرية المطلقة غير المرتبطة بالمسؤولية ، كنت أخشى خشية شديدة أن تنتهي الرواية دون أن تحمل أي تطبيق لنظرية سارتر . والحال أن الفصل الوحيد الذي نُشر من الجزء الرابع من " دروب الحرية " على صفحات مجلة الأزمنة الحديثة أتى يركز تركيزا كبيرا على أنه ليس ثمة حرية غير مرتبطة بالمسؤولية . ومن أجل هذا يشعر البطل بأنه كان عبثيا قبل أن يتخذ موقفه من التزام قضية حريته ومسؤوليته . فيما بعد ، غيّر سارتر كما تعلمون موقفه ، أو موقفه قد ضعف لأسباب لا أدريها . ونحن نذكر ، نحن الذين قدمنا أدب سارتر ونشرناه ، ما أصابنا من خيبة شديدة عام 1967 حين ذهب سارتر إلى " إسرائيل " ولم يدافع هناك عن وجود " اسرائيل " وعن ضرورة وجودها فحسب ، بل إنه صمت في المقابل ولم يقل كلمة واحدة عن حق الشعب الفلسطيني في أن يعيش قضيته وحريته . ونعرف على أي حال أن سارتر عانى فيما بعد ، ضميريا ، من جراء هذا الموقف ) (17) .
وفي تساؤل إدريس الأخير عن تناقضات موقف سارتر من قضية فلسطين وكيف أنه أعلن تأييده المطلق لحق الكيان الصهيوني في الوجود ولم يقل أي كلمة عن حقوق الشعب الفلسطيني المغدور في أرضه ووطنه ، تعبير عن جهل " راعي " الفكر الوجودي في الوطن العربي للمعاني الحقيقية للموقف الوجودي كما طرحه سارتر في مؤلفاته ورواياته ، فسارتر في موقفه الذي أثار دهشة واستنكار إدريس كان يمارس حرّيته مرتبطة بشعوره بمسؤوليته تجاه " قضية " طرحت أمام وجوده الشخصي . فسارتر يرى ( أن الحرية الإنسانية تنحصر أولا وبالذات في اختيارنا لغاياتنا ؛ لأن اختيار هذه الغايات هو الذي يصبغ بطابعه كل وجودنا ، ولكن لا يجب أن نتوهم أن غاياتنا محددة منذ وصولنا إلى هذا العالم ، بل نحن لا نكف عن اختيار غاياتنا طالما كنا على قيد الحياة ، وكثيرا ما يكون الاختيار الواحد مناسبة للعدول عن اختيار ساق أو لتكوين اختيار جديد . ولكن اختيار غاياتنا حر حرية مطلقة ، مادام هذا الإختيار يتم على غير ما أساس ومن دون أي سند . فليس هناك أسباب تبرر الحرية ، بل الحرية هي التي تبرر كل سبب ، وتبعا لذلك فإن حريتنا حرية مطلقة ، لأنه ليس ثمة شىء يحدها – اللهم إلا أن تحد هي من نفسها ) (18).
فإذا كان هذا حال إدريس ، عرّاب الفكر الوجودي في الثقافة العربية ، فكيف سيكون حال " عبد الرحمن شوكت " الشاب الذي سافر من منطقة الصدرية في بغداد إلى باريس ليعود رافعا علم الوجودية في بغداد والذي صممه علي بدر ليكون بطل روايته هذه " بابا سارتر " ؟! .


# اختيار موضوع الحب والجرح النرجسي الكولونيالي :
.. وقد أسهمت البنية اللاشعورية لعبد الرحمن في تشكيل " موضوعات حبّه " حتى وهو في باريس ، بعيدا بآلاف الأميال عن ساحة علاقته بموضوع حبه الأثير وهو أمه . فهناك ، ورغم سعة الدائرة التي يستطيع اختيار النساء فيها ، ورغم الحرية الكبيرة في بناء العلاقات مع الجنس الآخر ، نجده لا يبحث إلا عن الموضوعات المبتذلة ممثلة في نادلات الحانات والخادمات . فمن الفئة الأولى تأتي قصّته مع نادلة مقهى فلور في السان جرمان دوبريه التي أقام معها علاقة حب مضنية ومحكوم عليها بالفشل مسبقا لأنها جاءت من جانب واحد ، جانبه ، أولا ، ولأن الفتاة لم تكن مسلّحة بالقدر اللازم من الأفكار الوجودية التي تتيح لها أن تلتقي به في منتصف طريق الحب كما كان يتصور ثانيا . ومن عادة المعصوبين المثبتين أن يهبطوا بالمرأة موضوع الحب إلى ما هو جسدي مادي فقط ، لأن الصعود بها ، أو النظر إليها كوحدة ملتحمة من جسد وروح سيحرّك أطراف ذاك الموضوع المتربع على عرش اختيارات لاشعوره مهما حاول نكران وجوده دفاعيا وهو الأم . إن الوجه الأنقى للأمومة هو وجه الملاك أو الروح المقدّس ، أما الوجه الجسدي فهو سرعان ما يستدعي التلويث ومشاعر الإثم المرتبطة به . ولهذا لم يكن ينظر إلى نادلة فلور سوى كموضوع جنسي ، موضوع مفتاحه النهدين البارزين والمكوّرين بصلابة . لكنه ، وعلى الرغم من موجات الاستثارة والتوتر الجنسي التي يسببها تبصصه على نهدي الفتاة ، والميل العارم الذي يحس به نحوها ، إلا أن إرادته كانت ملجومة . كان جبانا لا يجرؤ على مفاتحتها بما تعتلج به روحه . كان يستخدم " أدواته " الوجودية من كتب لسارتر وغليون سارتري ونزعة تأملية صامتة كساتر دفاعي يتحصّن خلفه . كان يريد " مقتربا " فلسفيا في إنشاء العلاقة الغرامية معها . كانت فتاة المقهى عملية ومباشرة ، في حين كان عبد الرحمن متفلسفا ومداورا . ولهذا فما إن لحظته ساهما ، وهو منشغل في التهام تكويرة صدرها الصلبة خلف الكنزة الصوفية البيضاء حتى سألته : بماذا يفكر ؟ .. لكنه لم يكن مستعدا لإجابة عملية ومباشرة ، فهو الآن في مواجهة معضلة وجودية ، موقف وجودي يجب أن ينظر فيه بعمق ويجيب عن سؤالها بطريقة مدهشة تعبر عن قدرته على "النفاذ" إلى الآفاق المفتوحة الطليقة لكينونته ، فـ "قضيبه" هو فكرته . وحتى هذا " القضيب " المعنوي ، وهو فعلي في حسابات اللاشعور ، لم يكن أصيلا ، بل كان مستعارا من أب نصّبه لذاته بالتبني ، كان قضيبا فكريا سارتريا ، ولهذا لم يكن يجيد استخدامه . لقد أجابها بطريقة فلسفية مستعارة ومتفذلكة بفجاجة : -" أفكر بما قاله سارتر عن المرأة ، يقول إنها لا تستطيع أن تستغني عن الرجل " . فيلطم ذكورته الفكرية الزائفة جواب النادلة / الأنثى العملية البعيدة عن اللعب الفلسفي [ ولهذا كانت كل عطايا الحضارة العملية أنثوية حتى اللغة كأداة تواصل نفعية ، وليس كوسيلة لتعويض حسد الذكورة للأنوثة من خلال " الخلق " الشعري ] وتمعن ضحكتها في استثارة مشاعر عجزه وانخصائه : -" وهل أنت بحاجة إلى رأس سارتر لتعرف هذا الأمر ؟ " . لقد هشمت هذه العاملة البسيطة اعتداده الفلسفي ، فعاد إلى الشقة محطما وقد شحب لونه . ومع الممانعة والعصيان تتصاعد درجة العناد الطفلي وتشتد ، حتى استولت عليه فكرة الظفر بها بالكامل مثل فكرة تسلطية استحواذية لا ترد . لقد بدأ يشعر – كخطوة ضرورية نحو موقف وجودي أكثر اكتمالا – بأنه ممزق على نحو ما ، وبأنه مسحوق ، وبأنه ضحية . فقرّر أن يجعلها تندم وتغير رأيها في اليوم التالي رغم أنه هو الذي كان لزاما عليه أن يغير موقفه ويتركها بعد أن أخبره صديقه أحمد العراقي الذي جاء باريس ليدرس الفلسفة ففشل فيها ، أن نادلة فلور تعشق جزائريا اسمه ( سي معمر ) . على العكس من ذلك ، زاد إصراره المحموم على أن يستولي عليها ، فقد توفّر الآن شريك منافس ، ومع الشريك تهتاج رغبة المعصوب في الموضوع المشترك . سيتوفر شروط مهم من الشروط المحددة للحب هو شرط ( الثالث المغبون) ، وهو يقتضي ألا يختار الفرد أبداً موضوعا لحبه امرأة ما تزال حرة ، وانّما حصراً إمرأة يستطيع رجل آخر أن يدعي انّ له فيها حق ملكية . وقد تبقى هذه المرأة في بادىء الأمر بعيدة عن حقل الأنتباه أو حتى مزدراة ما دامت غير مملوكة لأحد ، لكنها سرعان ما تغدو موضوعا لهوى جامح حالما تدخل في واحدة من العلاقات المعروفة مع رجل آخر كأن تكون
زوجته أو خطيبته أو صديقته كما يقول معلم فيينا . صار لزاما عليه الآن أن يدحر معمر منافسه . وقد وفّر له القدر فرصة لا تعوّض في لحظة نادرة لا يعرف تصميمها سوى القدر نفسه ، فقد ظهر أن معمر هذا وجودي أيضا كما قال له أحمد . إذن فستحصل منازلة وجودية كبرى يسحقه فيها بالضربة الفلسفية القاضية ، وستفغر نادلة فلور فمها ، ستختض من البهجة والفرح ، وستنظر نحوه بعينين حنونتين ، ستندفع نحوه ، وستقول له : -" إنك فيلسوف عظيم .. إن كلامك الغامض لساحر " – ص 127 . وعندما وجد معمر وبرفقته صديقه الطالب العراقي "نادر" في أحد المقاهي طلب من أحمد أن يذهب إليه ويقول له إن فيلسوف الوجودية العراقي يريد أن يتناقش معك في بعض الأمور الوجودية في الجزائر !. لكن الأمور انقلبت بصورة مروّعة على الساحر ، فقد بادر سي معمر بسؤال عبد الرحمن عن معنى الوجودية بالنسبة له ، فأجاب الأخير بصورة مدرسية حفظها صمّاً عن موسوعة لاروس الفلسفية ؛ طريقة برع الكاتب في تصوير وقفاتها لتظهر الطبيعة الببغاوية التي تطبع موقف عبد الرحمن من استقبال معطيات الفلسفة الوجودية . فقد ( رجع إلى الوراء وأغمض عينيه نصف إغماضة ، بلل شفتيه بلسانه الأحمر الطويل ، وبعد أن أخذ نفسا عميقا انطلق جوابه :
-" الوجودية هي النزعة التي تعادي النظر المجرد الذي يطمس في الحياة العملية حالات التباين وعدم الاطراد ، ويتخذ هذا العداء ( سحب نفسا عميقا ) صورة التحليل الذاتي العميق وتنادي بأولوية الوجود على الماهية ، لذا تقف موقف تحيّز للجزئي والعيني ( سحب نفسا خفيفاً ) ضد أية محاولة يراد بها التماس مبدأ كلّي تندرج تحته الالإعال جميعا حيث يرى الفيلسوف الوجودي عطفاً على مذهب يؤكد أولوية العقل العملي على العقل النظري .. – ص 140 " .
وهنا انفجر سي معمر ونادر بضحك مجلجل ، وقد اغرورقت عيونهما بالدموع ، وهما يمسكان بطنيهما . لقد فوجئا بالطريقة الطفلية التي "يؤدي" بها عبد الرحمن فرضه الوجودي ، وهي طريقة طبعت أغلب أفراد الجيل الذي " آمن " بالوجودية في الستينات من حيث تعلقهم التبعي والناكص بالأطروحات الوجودية ، وترديدها بطريقة آلية لا تمحيص فيها ولا حساسية نقدية . ومن وجهة نظر شخصية لا يمكن استثناء حتى عرّاب الوجودية في الثقافة العربية " سهيل إدريس " من ظلال هذا الموقف . فقد نقل إلينا الكثير من آثار سارتر من دون وقفة قرائية عميقة فاحصة تمسك بثغراتها مثلما تلتقط نقاط قوّتها . ولعل من أكثر الأمثلة جلاء على ذلك هو سيرة سارتر " سيرتي الذاتية – الكلمات " التي ترجمها إدريس ببراعة لا تُنكر ، ولكن مع وعي مغيّب يبدو صارخا في التقريظ الذي وضعه على الغلاف الأخير من الكتاب والذي جاء فيه : ( يروي سارتر في هذا الجزء من " سيرتي الذاتية " طفولته الأولى بأسلوب فذّ لم يسبقه إليه كاتب ، وهو لا يقف عند الأحداث والتفاصيل إلا ليطبّق عليها مفاهيم مذهبه الفلسفي في صفاء ذهني عجيب وعمق لا يتميّز به كثير من الفلاسفة المعاصرين ) . ويختتم إدريس تقريظه بالقول : ( سيرتي الذاتية رائعة جديدة أضافها أحد كبار أدباء العالم إلى مؤلفاته الغنية السابقة وبلغ بها ذروة في الفن والإبداع والأصالة ) . ولكن أي قارىء يحمل حساسية نقدية كافية سيخرج بقناعة مفادها أن سارتر قد أفسد هذه السيرة بتعالمه الفلسفي وانتفاخه النرجسي الذي جعله يسرد سيرة ابن الثامنة بمعرفية ومدارك فيلسوف في الستين . إنها المرة الأولى التي نجد فيها فيلسوفا بعمر الثماني سنوات ، بل وحتى وهو في السادسة من عمره يطرح رؤى مابعدية يعيد فيها تقييم وإعادة كتابة ذكريات طفولته كما يراها وهو في الستين من عمره ، ويحمّلها رؤى ذات مضامين فلسفية وجودية شديدة التعقيد والثراء لا يمكن أن يدركها بإطلاق طفل في مثل تلك السن الفجّة . وإلا فقل لي من هو الذي يسرد هذه الذكريات ، جان بول الطفل ذو التسع سنوات ، أم جان بول الفيلسوف ؟ : ( كنت في التاسعة من عمري أدّعي أني لا أحبّ إلا المفاجئات . إن كل حلقة صغيرة من حياتي كان ينبغي أن تكون غير متوقعة، وأن تنبعث منها رائحة الدهان الرطب . كنت أوافق مقدما على المعاكسات وحوادث السوء ، ولكي أكون عادلا ، يجب القول إني كنت أرحب بها . وقد انطفأت الكهرباء ذات مساء . بسبب عطل ، ونادوني من غرفة أخرى ، فبسطت ذراعيّ المتباعدتين ورحت أصدم رأسي بمصراع باب صدمة شديدة جدا ، حتى أني كسرت سنّا من أسناني . وقد خلف ذلك مَرَحاً فيّ ، بالرغم من الألم ، وضحكت من جرّاء هذا : كما لابدّ أن جياكوميتي قد ضحك فيما بعد بسبب ساقه – يشير إلى صرخة جياكوميتي الفرحة : "وأخيرا ، لقد حصل شيء !" بعد أن صدمته سيارة وجُرح والتوت ساقه في إيطاليا ! - ، ولكن لأسباب معاكسة تماما : فلما كنت قد عزمت سلفا على أن تكون لحكايتي نهاية سعيدة ، فإن اللامنتظر لا يمكن أن يكون إلا خديعة ، والجديد إلا مظهرا ؛ كان مطلب الشعوب ، حين وُلدت نفسي ، كان قد دبّر كل شيء : لقد رأيت في تلك السن المكسورة علامة ، إخطارا مبهما سأفهمه فيما بعد . وبعبارة أخرى ، كنت أنظر إلى حياتي عبر موتي ، ولم أكن أرى إلا ذاكرة لم يكن ممكناً أن يخرج منها شيء ، ولم يكن فيها شيء . فهل يُتصوّر أمني وطمأنينتي ؟ لم تكن المصادفات موجودة : ولم يكن أمامي إلا أشكال مقلّدة منها حققتها العناية الإلهية . لقد كانت الصحف توحي بأن ثمة قوى متناثرة في الشوارع تحصد الاشخاص الصغار . أما أنا ، المختار ، فلن ألتقي بها . ربما فقدت ذراعا أو ساقا أو العينين كلتيهما . ولكن كل شيء كان متوقفا على الطريقة : إن أسوأ مصائبي لن تكون أبداً إلا امتحانا وتجربة ، وإلا وسيلة لصنع كتاب . وتعلّمت أن أتحمل الهموم والأمراض : ورأيت فيها طلائع موتي المجيد ، والدرجات التي كان يبنيها ليرفعني إليه ) (18) . إننا في الواقع أمام انبهار " مدرسي " من مقترب آخر مغاير بالتأكيد لمقترب عبد الرحمن الذي لا يحمل المعينات الشخصية والحوامل الفكرية التي تتطلبها إشادة البنيان المعرفي الوجودي رغم أن الاشتراطات اللاشعورية العميقة التي توصل الفرد إلى الإنسحار اللانقدي بالموقف الوجودي تكاد تكون نفسها . إن عبد الرحمن كان صورة كاريكاتيرية لتابع متفلسف مسخ . وما انفجار سي معمر ونادر بالضحك إلا دليل على هزالة التماهي وضحالة الأداء . مقابل الببغاوية الوجودية النظرية ، جاء موقف معمر عمليا وذا دلالات عميقة رغم أنها لا تحمل من التفلسف الذي يريده عبد الرحمن شيئاً . فهو ، أي معمر - لا يعمل ، ويعيش على مال صديقته – نادلة فلور وهذا ما أثار غيرة عبد الرحمن بصورة مضاعفة – بل هو لا يتورع عن أن يُعلن صراحة أنه طفيلي ويعيش على دم الآخرين ، وأن هذه الروح الطفيلية هي خلاصة فلسفته في الحياة . لكنه مع ذلك – وبتخطيط من الكاتب - يوسّع دائرة موقفه ليضفي عليه مناح " وجودية " . فهو جزائري ابتليت بلاده بالإستعمار الفرنسي – استعمار من وطن سارتر – ولأنه يرفض الإستعمار ، فإنه لا يضع نفسه تحت تصرفه : ( أنا لا أساهم في الحياة على الإطلاق ، إنما جئت هنا لأعيش على نساء المستعمر . لذلك أنا مرتاح . هم يركبون رجالنا هناك ، وحنا نركب نساءهم هنا – ص 141 ) . أي أن معمر يحاول الثأر لكرامة وطنه من المستعمر الفرنسي بـ " قضيبه " ، وبأن يركب نساء المستعمر ، مادام المستعمرون يركبون رجال بلاده . وهي واحدة من " ستراتيجيات " المقاومة العصابية العربية في مرحلة مواجهة الاستعمار . أن يتحول السرير الغربي إلى ساحة للمواجهة بين الذكر العربي المأزوم والمهزوم ، وبين أي امرأة غربية تتعلق به عاطفيا وتشاطره السرير . إن تحويل الفرد المستعمَر – بفتح الميم - لأسلوب المقاومة ضد المستعمِر – بكسر الميم - إلى فعل جنسي ، ونقل سلاحها من "أعلى" إلى " أسفل " ؛ من العقل الذي يرفض ويحدد سبل المواجهة التي تنفذها الإرادة الصلبة ، إلى " القضيب " الذي يجعل ألم المواجهة متعة ، هو في معانيه العميقة سلوك يحكمه الثأر لكرامة جسد الأمومة / الأرض / الوطن المسفوحة على أيدي المحتلين ، وهذه المماهاة الميكانيكية لا تحصل إلا عند الأفراد الذين يعيشون تحت هاجس مكبوت من التهديد بالإخصاء ، هاجس يجعلهم يشعرون بأن أية رضّة خارجية هي في معانيها العميقة إنما تهدف إلى استئصال ذكورتهم من ناحية ، وسلب الأم ومواقعتها من ناحية ثانية . وهنا لابدّ من أن نضع أمام الأذهان حقيقة أن أي حكم موضوعي ، مهما كان بسيطا ، سيتأسس على نوى حفزات ذاتية لاشعورية . ليس فقط لأن ( الموضوعية حال في الذاتية ، بقدر ما يمكن أن نقول : إن الذاتية حال في الموضوعية . فالمعرفة في صميمها إنما هي علاقة بين ذات وموضوع ، المخاطب فيها إنما هو حال في المتكلّم ، فإذا ما اكتملت معرفة الذات كان ذلك إيذانا بمعرفة الآخر في الذات ، ومن ثمّ ستظل الموضوعية الحقّة ، هي الفطنة إلى حتمية الذاتية . ولما كان الأمر كذلك ، إذ يستحيل أمر الموضوعية المطلقة للإنسان ، فأحسب أن الأمر واجب علي هنا بأن أعلق الحكم ( أن أضع العالم بين قوسين ) مهما كان تصوّري لموضوعية تدرك حتمية الذاتية ، تلك الموضوعية التي تغيب عن منظّري جمهرة من المدارس التي استندت إلى وهمها في رحلة اصطناعها لمفاهيمها ، بتقليدها للعلوم الطبيعية متناسين - مرة أخرى - أنه لا وجه للقياس بين قطعة الحديد والإنسان ، أو حتى كلب بافلوف أو فأر ثورنديك بل وقرد كوفكا أو كهلر . .. إن نظرية تعلّم تنطلق من الكلب اختلفت نتائجها وقوانينها عن نظرية تعلّم أخرى انطلقت من القرد ، آنئذ أحسب أن القاريء سيعضد معنا رأي إميرسون ؛ إذ يرى أن ما في مخّ العالم آنئذ ، إنما هو ذاته ما في مخّ الكلب ( أو الفأرة أو القرد ، أو أي سياق آخر غير الإنسان بما هو إنسان ) . تُرى أنستبدل الذي هو أدنى ، بالذي هو خير ؟ ! ، والذي يقول عنه سوفوكليس في مسرحية أنتيجون : ( ليس أشدّ إعجازا من الإنسان ) ذلك الكائن المتفرّد بلغته السابقة على وجوده ، والذي يتعلم ويتطوّر عبر تراكم معرفته ) (19) . ليس هذا حسب ، بل لإن "الشكل" الموضوعي لأي إنجاز معرفي أو موقف فكري ، سيستقي تصميمه من شكل الحركة " الجنينية " الأصلية لتمظهرات الرغبة ، وخصوصا الرغبة الجنسية . ولعل خير من أحكم التعبير عن هذه الأطروحة هو " غاستون باشلار " في كتابه " تكوين العقل العلمي " والذي تابع تقديم نماذج تطبيقية على فرضياته الأساسية في كتبه اللاحقة وخصوصا كتابه " النار في التحليل النفسي " .




# الذاتية تشكّل موضوعية الفلسفة :
ويحضرني هنا شيء هام عن فلسفة " إرادة القوة " التي طرحها " نيتشة " حيث يتحدث " كولن ولسون " في كتابه " اللامنتمي " عن تجربتين حاسمتين أثرتا في حياة نيتشة وهما من نمط الحوادث المفتاحية التي تقلب حياة الفرد رأسا على عقب ، وهما حسب رأي كولن ولسون ، اللتان أوصلتاه إلى فلسفة إرادة القوة . وأبدأ بالتجربة الثانية لانها أكثر صلة بالرؤية التي طرحها علي بدر . وهي تجربة رواها نيتشة نفسه لشقيقته حين سألته يوما عن أصل فكرة إرادة القوة ، وتلخص في أنه كان جنديا في الجيش ، وبينما كان يراقب جنود فرقته القديمة وهم يمرون أمامه في طريقهم إلى ساحة المعركة وربما إلى الموت باغتته الفكرة واقتنع أن أقوى وأسمى إرادة في الحياة لا تتمثل في الكفاح التافه من أجل الحياة ، وإنما في إرادة الحرب ، إرادة السيطرة . يقول ولسون :
( إن العبارات قوى حرّة لا خلق يقيدها ، والإرادة الحرة يمكن أن تُعد أساس فلسفة نيتشة . وهي ليست غير ذكريات تلميذ معتل الصحة رأى رؤيا تمثل الصحة الكاملة فتحرر من حدوده الجسدية ومن سخافة الشخصية والفكر )
ويعلق ( ول ديورانت ) في كتابه (قصة الفلسفة) على تجربة نيتشه هذه في الجيش ، فيقول :
( وفي سن الثالثة والعشرين انخرط في سلك الخدمة العسكرية ، وكان يسعده أن تعفيه الحكومة من الخدمة بسبب ضعف بصره ، ولأنه الابن الوحيد لأمه الأرملة . ولكن الجيش الذي لا يتورع عن تجنيد حتى الفلاسفة أصر على بقائه . ولكن حدث أن هوى مرة من على ظهر جواده ، وأصيب بإصابات بالغة في عضلات صدره ، اضطرت قائد الفرقة إلى تسريحه والاستغناء عنه . لقد أقعده ضعف بصره عن الاشتراك في القتال ، فاكتفى بالقيام بأعمال التمريض في الجيش . وبالرغم من أنه شهد في مهنة التمريض هذه الكثير من ألوان الرعب والخوف ، إلا أنه مع ذلك لم يعرف أهوال المعارك الوحشية في ميادينها والتي جعلها مثلا أعلى له لقلة خبرته فيها . لقد كان حساسا رقيقا حتى في مهنة التمريض . فقد أثر منظر دماء الجرحى في صحته فوقع مريضا ، وأرسل إلى بلده محطما مهدما . ومنذ ذلك الوقت كانت له روح الفتاة مرتدية درع المحارب ) .
ويحضرني مثال آخر عن كيفية تشكّل الآراء الفلسفية ساترة حفزات وإحباطات ذاتية دفينة . فصاحبنا نيتشه ، ذئب الفلسفة كما يُلقب ، أحبّ مرّة واحدة في حياته ، وأرسل صديقه ليخطب له الفتاة ( كان الفيلسوف صاحب نظرية إرادة القوة والإنسان السوبرمان يخجل من أن يفاتح فتاة بحبّه ) فماذا كان ردّ فعل الفتاة ؟ لقد رفضت نيتشه وتزوجت صديقه الوسيط !!وكانت تلك الفتاة هي ( لو سالومي ) التي أصبحت بعد ذلك أقرب صديقات الشاعر النيتشوي الشهير ( راينر ريلكه ) . بعدها لن يكون غريبا أن يصبح نيتشه ضد الزواج وعدوا للمرأة ويرسل الحكمة تلو الحكمة ضد النساء أينما حل وارتحل . يقول مثلا :
( من السخافة أن نسمح لأفذاذ الرجال بالزواج عن طريق الحب .. الحب يعمي البصيرة ويفقد الحكمة ، وأن لا نسمح بزواج يقوم على الحب .. وأن يتزوج خير الرجال من خير النساء .. أما الحب فلنتركه لحثالة الرجال ) .
ويقول أيضا :
( إن من أسباب شقاء الزواج تحقيق رغبات المرأة وملء حياتها والتضييق على خناق الرجل وإفراغ حياته .. ينبغي على الرجل أن ينسى العالم مجرد أن يرزقه الله طفلا ، ويتحول الحب إلى إثرة عائلية . إن الأمانة والإبداع من نعم العزوبية ، وجميع الأزواج مشبوهين من ناحية التفكير الفلسفي . ومن الحمق أن يشغل إنسان مفكر نفسه بأعباء الاهتمام بالأسرة وكسب العيش وتوفير الأمن والراحة لزوجته وأطفاله . لقد مات الكثير من الفلاسفة بعد ولادة أول طفل لهم ) .
ودعونا نمرح مع ذئب فلسفي آخر هو "شوبنهور" الذي كان يقول عن المرأة :
( أعجب أشد العجب لهذا الاسم الذي يطلق على النساء جزافا : الجنس اللطيف . فلاشك أن من يطلق هذا اللقب على ذلك الجنس الضئيل القصير الشائه هم أولئك الذين أفسدت غرائزهم الجنسية عقولهم ، خجل المرأة كله قائم على الغريزة الجنسية وحدها ، وأنه لأقرب إلى الصواب أن يُسمي النساء بالجنس الذي لا ذوق له بالفن . إذ ليس بمقدورهن تقدير الجمال في شتى الفنون ، ولكنهن كثيرا ما يغالطن وعي الحقائق فيدّعين أنهن ذوات فن جميل بل يعزفن على الآلات الموسيقية ، ولكن ذلك منهن كذب ورياء ، فهن لا ينشغلن إلا بما خلقن من أجله ، أعني حفظ النوع والتناسل .. ومادام الحب خديعة تدبرها الطبيعة ، فخير الزواج ما يمكن أن يمحو هذه الخديعة ، ولا يستطيع أن يفعل ذلك أو بعبارة أخرى لا يستطيع أن يسعد بزواجه إلا الفيلسوف .. لكن الفيلسوف لا يتزوج ).
ويعلق ول ديورانت ، في كتابه نفسه ، على موقف شوبنهور من المرأة هذا قائلا :
( ولاشك أن اعتقاد شوبنهور هذا ينطوي على الحماقة والإدعاء ، إذ هل يمكن لشيء أن يكون أكثر بطلانا وادعاء من هذا الاعتقاد ؟ وهو يرى في التناسل تضحية من جانب الفرد للجنس فقط ، ويتجاهل متعة الغريزة في مقابل هذه التضحية . هذه المتعة العظيمة التي كانت مصدر إلهام لكل ما عرفه العالم من شعر وغناء وموسيقى . فهو لا يعرف من النساء سوى الإثم والخطيئة والنهم ، ولا يطيق أن يتصور وجود نساء فاضلات قانعات مخلصات شريفات ). لقد لام شوبنهور أمه لزواجها من رجل آخر بعد موت والده فرمته من أعلى السلم وتضرر عموده الفقري ، فاستنتج رأيا فلسفيا عن المرأة :
( أعجب أشد العجب لهذا الاسم الذي يطلق على النساء جزافا : الجنس اللطيف . فلاشك أن من يطلق هذا اللقب على ذلك الجنس الضئيل القصير الشائه هم أولئك الذين أفسدت غرائزهم الجنسية عقولهم .... إلخ ). وأصبح شوبنهر رائد الفلسفة التشاؤمية في العالم ، ولكن ول ديورانت يعيد هذا الموقف "الموضوعي" إلى أصله "الذاتي" : ( ولكن كيف يمكن لشوبنهور أن يتجنب التشاؤم وقد عاش طيلة حياته في غرفتين في فندق ، وتخلّى عن طفله الوحيد ، وتركه لا يحمل اسماً شرعيا طيلة حياته . إن السبب في شقائه وتشاؤمه ناجم عن نبذه للحياة ، ونبذه للنساء والزواج والأطفال . فهو يعتبر الأبوة أعظم الشرور ، بينما يعتبر الإنسان السليم الأبوة أعظم السعادة والرضى . وهو يعتقد أن التستر في الحب ناجم عن الخجل من عملية التناسل واستمرار الجنس ) .
أي أننا نستطيع القول إن شوبنهور ، وأي فيلسوف آخر ، هو نموذج فلسفته الأول ، مثلما كان سارتر ..
... وعليه فإن مواقف الفرد واستجاباته تجاه التجارب الراضّة في حياته اللاحقة ، تتأسس ، بدرجة كبيرة ، على استجاباته في حياته الطفلية الباكرة وتستدعيها . ومن المتوقع أن احتلال المستعمر لأرض أي فرد سيستدعي لديه صورة الجور الأبوي المتجبر في العلاقة بين أطراف المثلث الأوديبي . لكن الفرد المخصي نفسيا أو الرازح دوما تحت مطارق التهديد بالخصاء ليست لديه مقومات الإرادة التي توفّر له الظفر الأوديبي في المنازلة المباشرة . إنه يلجا وباستمرار إلى المواجهات الإلتفافية ، وأهمها الاستيهامات ( أحلام اليقظة ، الهجاسات ) في النهار ، وأحلام إشباع الرغبة الطفلية الوجيزة في النوم ، والمداورات التقربيّة الجنسية في السلوك العملي . ولقد قدّم الكاتب ، في سياق تناوله لسلوكيات شخصياته وعلاقاتها ، حالة متواترة عند الكثيرين من أبناء البلدان المستعمرة فعليا في حاضرها القائم أو التي تعاني من الجرح النرجسي الإغتصابي الكولونيالي ، وتتمثل في ميل الكثيرين منهم إلى الزواج بامرأة أجنبية من سكان البلد الغازي الذي أذاقهم مرّ الهوان . و ( لئن فشل عبد الرحمن في دراسته الفلسفية ، إنما عاد بزوجة شقراء فرنسية – كعادة العراقيين الذين يذهبون إلى بلاد العلم لينهلوا من العلم ، ولكنهم بعد سنوات يتركون العلم لأهل العلم ، والشهادة لبلادها ، ويجيئون بدلا عنها بامرأة شقراء جميلة . ( فإن لم يكن بالعلم فبمصاهرة أهل العلم ، على الأقل ) هكذا قال نوري السعيد يوما وهو يخفّف من عذاب أحد العراقيين الذي أرسل ابنه ليدرس الطب ، إلا أن الولد عاد بعد أقل من سنة بامرأة جميلة بدلا عنها – ص 44 و45 ) . وحتى في علاقة عبد الرحمن بجرمين زوجته الفرنسية كان هناك إحساس متشف ( رغم أننا سنكتشف أنه غير أصيل ) بأنه عندما يركبها فإنما كان يركب الأمة الفرنسية بأكملها . ولم تكن نظرة الآباء لعودة أبنائهم من أوروبا وقد خابوا في مسعاهم العلمي ، وأفلحوا في الظفر بامرأة غربية ، بأقل من دوافع الأبناء من الناحية " القضيبية " المعزّزة بروح عشائرية ، فوالد عبد الرحمن لم يكن يفخر بابنه كـ " فيلسوف " فقط ، بل كغاز عاد بغنيمة لا تقدّر بثمن ، غنيمة تعني أن كل أوروبا قد احترمته ومنحته واحدة من بناتها . كان الأب يرى في زواج ابنه من جرمين مصاهرة بينه وبين ديغول كما يقول الروائي . ولم يفلت حتى اسماعيل حدّوب السوقي "المتفلسف" ، والديك الذي ينقر ويطفر ، من هذه المشاعر أيضا . فعندما بدأ بالتردد على بيت عبد الرحمن في غيابه ومواقعة زوجته الفرنسية لم يكن يشعر بالاكتفاء الجنسي فقط بل دهمته أحاسيس بأنه يركب الوجودية كلها ، وأنه مادام يضاجع إبنة خالة سارتر ، فإنه إنما يضاجع فرنسا كلها . ولكن حتى في هذه المواجهة هناك نوع من الزيف الذي يلحق بمشروع عبد الرحمن الثأري " القضيبي " ، فهو لا يحمل "مصداقية" مشروع معمر الجزائري . فمعمر في " فلسفته " التي يحتل بها أسرة الغازي ويضاجع نساءه ، كان يقدم " تخريجا " فكريا يحمل قدرا من التوازن العملي لأن بلاده واقعة تحت الاستعمار الفرنسي . ولكن ممن يثأر عبد الرحمن وبلاده – العراق – كانت تحت القبضة البريطانية الاستعمارية ؟ لقد أخطأ حتى في "تحديد" هدفه النفسي . ويمكننا أن نقول – كي تكتمل الصورة الكاريكاتيرية التي رسمها الروائي – إن عبد الرحمن قد أخطأ الطريق وهو في ذروة "غثيانه" . طبعا "الغثيان" كما فهمه هو ، وليس كما طرحه سارتر ، رغم أن بنية عقلية عراقية مثل بنية عبد الرحمن لا يمكن أن تستقبل المفهوم الغثياني الوجودي بغير هذه الطريقة . ولعل هذا الفارق في تحديد "السرير" العدو ، هو الذي جعل "مشروع" عبد الرحمن "الفلسفي" مفبرك المعاني ، بل فارغا ، في حين جاء مشروع معمر ممتلئا ، فهو مشروع عملي ومباشر يصل بصورة مستقيمة إلى ساحة المواجهة السريرية ، في حين يبقى مشروع عبد الرحمن معطلا على أبواب الاستيهامات . معمر يريد بلوغ الذروة النهائية ليخرج بوقه وينفخ فيه علامة النصر مثل بطل قصة " بوق سان جرمان " لصباح محيي الدين والذي كلما ضاجع فرنسية أخرج بوقه ونفخ فيه عند النافذة موقظا الجيران (20) . أما عبد الرحمن فهو يريد – أو هو مقسر بفعل تثبيته وعقدته السفاحية - المراوحة عند عتبات أو محيط دائرة " اللذة التمهيدية التقرّبية " التي يملؤها بالاستيهامات التي تقدم اللذة الزائفة المخدرة أو الجزئية . ها هو بعد خيبة مواجهته الأولى مع معمر ، لا يجد غير حلم إشباع رغبة قصير وعابر من ملاذ يفرّج به عن كمده من خلال التحليق في سمائه الواطئة الخادعة ، حلم ذو طابع إشباعي طفلي يضعه الروائي في إطار ساخر يكمل الصورة الكاريكاتيرية حيث يظفر عبد الرحمن بنادلة فلور التي تجذبه نحوها ، وتقبله قبلة عنيفة ( وهي تأخذها ثورات من الارتعاش والنشوة ، فذرق طائر كان على الشجرة ذرقا ساخنا ، هبط على عينه فمسحه ، إلا أن الطير ذرق مرّة أخرى ، ومسحه ، وهو لا يريد أن يكف عن تقبيلها ، إلا أن هذه المرّة أخذ الذرق يتواصل بقوة ، فاستيقظ من نومه على قطرات ساخنة من حمام الشقة الكائنة فوق شقته – ص 145 ) . لقد التفت خيوط الإنهمام الفلسفي المفرط في شكليته حول وجوده حتى صار كل شيء في حياته مفبركا ، مغثيا بصورة تمثيلية ومصطنعة ، لكنها كلها تكتسب "أصالتها" الشخصية من خلال كونها منتجا حقيقيا لصراعاته اللاشعورية الدفينة التي رسّختها تجارب طفولته المبكرة . إنه يبدو وكأنه في عزلة كاملة عمّا يحيط به من حركة صاخبة للبشر والموجودات في المعالم الحارجي . لقد تبلّد حسّه تجاه ما يمور به هذا العالم من دلالات زاخرة على الحيويّة ، ولم تعد تهزّه سوى البؤرة المكثفة التي تتجمع فيها خلاصات الجذب النفسي التي تمليها عقده النفسية . إنه يسير وكأنه قد "امتُص" نحو الداخل ، نحو قاع عالمه الداخلي ، وكأن الأفكار الوجودية التي أعاد تصنيعها مشغل إدراكه العصابي قد ضربت حوله شرنقة تمتدّ من خلالها أذرع الرغبة الهلامية لتختطف أي موضوع حب بديل وتنطوي عليه في استئثار خانق ، وهو أمر لا يمكن أن يحصل واقعيا . وقد كان الروائي يضعنا أمام مقارنات غير مباشرة ؛ مقارنات بين العالمين : الداخلي والخارجي لبطله ، غير مقحمة تأتي ضمن السياق السردي بتلقائية ، وتتعشق مع المواقف السابقة واللاحقة بيسر . فبعد الخيبة الأولى مع نادلة فلور صار يمشي في شوارع باريس منسحبا إلى موقف داخلي يتمحور حول فكرة واحدة هي الفوز بنادلة فلور بأي ثمن . لا تلفت انتباهه تلك الشمس الساطعة في تلك الظهيرة الهادئة .. ولا تشد سمعه كركرات العشاق وأحاديثهم الغرامية .. ولا عزف العازفين أمام المطاعم .. ولا تجذب عينيه تلك الألوان الكرنفالية في الساحات والمتاجر التي يمر بها . ولأن الرواية هي فن التفصيلات وليس الكلّيات ، فإن علي بدر عالبا ما يستعيض بحركة عابرة ، أو إشارة بسيطة ، أو نأمة سلوك للتعبير عن فكرة عميقة أو موقف نفسي شائك : ( .. كان يستمع إلى أنغام ناعمة تنبعث من مصدر مجهول ، وربما من غرامفون صغير على هيئة حقيبة يد عاشقة لحبيبها تحت مظلة محنية – ص 135 ) . وهو هنا يقف على العكس من "روكانتن" بطل سارتر في رواية " الغثيان " الذي يختفي غثيانه عندما يسمع صوت المطربة الزنجية ، منبعثا من اسطوانة ، وهي تغني "بعض تلك الأيام" ويصف تجربته العميقة بالقول : ( شعرت حين ملأ صوتها ذلك السكون ، بأن جسدي بدأ يتصلب ، وأن الغثيان بدأ يختفي ، وفجأة أحسست بأن كوني على مثل هذه الصلابة ، هذا الاشعاع ، أمر لا يُحتمل ، كنت "في" الموسيقى ، وكانت هناك دوائر من النار تحيط بها حلقات من الدخان ) . في حالة واحدة فقط يصبح للخارج أهمية نفسية تسحب عبد الرحمن من عالمه الداخلي ، وتشعره بأن هناك دائرة أوسع عليه أن يمنحها اهتمامه ، ويكف عن احتقارها ، هي الحالة التي تنتعش فيها نرجسيته المشروخة ، إنتعاش يأتي في العادة على أنقاض مقارنة بآخر مغبون ومزدرى كأن يمتدح أحمد أفكاره الفلسفية أو أناقته ، أو أن يذم غريما له كمعمر ذي الرأس المضلّع كقنينة الكونياك وذي المظهر الذي يشبه الكلوشار .. أو أن يشعر بأنه مركز العالم - egocentricim.. أو أن تتوفر شروط تكمل صورة المنافسة الأوديبية على موضوع الحب المشترك وذلك حين أخبره أحمد بأن نادلة فلور لديها صديق ، وقتئذ يزول عنه الرعب والرهبة من المحيط وتنتشر في أوصاله لذة سعادة حقيقية . يصبح سيره في الشوارع متعة بعد أن كان قرفا . تشدّ بصره واجهات البنايات وزهور الساحات وأسواق الخضرة ومقاهي الأرصفة ذات المظلات الملوّنة .. و .. ( سكون الظهيرة ، وقد تدفقت النساء من الشوارع الخلفية ، وهنّ يرتدين قمصان النزهة ، وسيجارات بيضاء في أطراف أفواههن المصبوغة بالحمرة – ص 123 و124 ) . وبعد كل حركة خارجية تدغدغ خاصرة نرجسيته ، تنتعش وتتحفز أعضاؤه المهددة برمزيتها العالية وهي أعضاؤه التناسلية . فوجود عبد الرحمن "يرتكز" على قضيبه ، هو سلاحه في أي مواجهة ، وهو " العقل " المفكّر الأصلي في الواقع ، عقل ينفعل ، وأحيانا أولا ، بالمتغيرات ، ويستجيب "فلسفيا" بطريقته "الوجودية" الخاصة . ويبدو أنني ملزم هنا بإعادة القول أنه صحيح تماما أن علي بدر صاغ أغلب وقائع روايته بروح ساخرة إلا أن التأمل العميق سيكشف لنا عن روح الصرامة والمسحة الجدية المستترة . فحين أخبر أحمد عبد الرحمن بوجود غريم منافس له في علاقته المحبطة بنادلة فلور ، تأججت اندفاعته الساحقة لنيلها بكل صورة : بالاستمناء ، بالاغتصاب ، بالقتل ، بالخيانة ، بالتجريح ، وبأي ثمن . وهنا يتحرك العضو الأساسي الذي سيكون الأداة الرئيسية في المنازلة على تلك المستويات كافة . يقف عبد الرحمن ليتبول فيشعر بتنمل لذيذ يسري من رأسه حتى أصابعه الممسكة بقضيبه . شعر بهدوء ساحر يهبط عليه ، وبنشوة كبرى تفوق نشوة الفلسفة . وبعد نتائج مجادلته الساخنة الأولى مع معمر ، وبعد أن خلق قناعات جديدة على أساس افتراضات محرّفة عن حقائق مناقضة كعادة المعصوب الذي يعيد تشكيل وقائع العالم الخارجي لتناسب رغباته المبيّتة لا العكس كما يحصل في السلوك السوي ، يخلق أعذارا لسلوك النادلة المجافي ، ويجد أن المثابرة رغم الجفوة المهينة ستثير غيرة ليس معمر فقط بل سارتر أيضا . سارتر الذي شاهده وهو يدخل الآن مقهى فلور جالسا وإلى جانبه سيمون دي بوفوار وثلاث صديقات . لقد تقدم نحو النادلة بثقة بعد أن أشاد عالما افتراضيا يقنع خيالاته مقتنعا بأن معمر قد كلمها عنه وأنها أعجبت به إعجابا شديدا . ولأنه اعتاد على تأويل إشارات الآخرين بما يناسب تعزيز نرجسيته وإشباع متطلباته العميقة الضاغطة ، فإنه يرى في ابتسامتها الروتينية التي تمارسها بصورة عملية العابرة دليلا على أنها قد أغرمت به . وهذا الافتراض ، على خطله ، كان كافيا كي يشعر بشيء ينتفض في لباسه انتفاضة حادّة صغيرة مثل شحنة كهربائية تنبض وتختفي (ص 147) . وحين أبلغته أن عليه أن يغادر المقهى عندما لا يطلب شيئا ، حاول مداراة الإحباط المميت بالقول أنه إنما جاء يسأل عن سي معمر . أجابته أن معمر لم يأت اليوم ( ثم استدارت بصورة غنجة ، وهو ينظر إلى قوامها . لقد هبطت كنزتها الصوفية الزرقاء على عجيزتها المضغوطة بتنورة صوفية شكرية ، حتى استبان حزّ اللباس واضحا ، فشعر بانتفاضة أخرى في لباسه حادة وسريعة مثل شحنة كهربائية – ص 147 ) . وتتكرر هذه الانتفاضات "الانتعاضية" ومكافئاتها في الكثير من المواقف الإختبارية التي تخلق توترا في أعصابه من خلال استثارة الصراعات الغافية في أعماقه . صراعات وجد في "الفلسفة الوجودية " الحل الشافي لها . وعبر مناورات مسمومة يقدّم علي بدر "استنتاجات" فكريّة يحاول من خلالها تأويل أفعال عبد الرحمن وتصرفاته من خلال الإطار النظري الجديد الذي آمن به وصار يشكل الحافز الفكري في الظاهر ، في حين أنه ، في الباطن ، يستوفي كل شروط الأوالية الدفاعية التبريرية التي تخفف القلق وتبعد الشعور بالإثم وتوفر مخرجا إشباعيا توفيقيا ولو كان ذا طبيعة تخديرية مؤقتة يصحو بعدها عبد الرحمن على تناقضاته وصراعاته المستعصية . و"الاستنتاجات" الفكرية هي من مهمات الروائي وليس القاص . وهي من الميّزات الكبرى للروائي الذي يأتي هذا الفن مسلّحا بسؤال الرؤيا : لماذا أبدع ( سؤال المضمون ) ، وما الجدوى من هذا الجنس الإبداعي ( الفن الروائي ) هنا ؟ ، وهو سؤال مكمل للسؤال المركزي الآخر التوأم ؛ سؤال الرؤية : كيف أبدع ( سؤال الشكل والتقنيات ) ؟ . وقد أسميت وقفات الإستنتاجات الفكرية في دراسات سابقة بـ " فسح التأملات السردية " ، وهي الفسح التي تمتد بين الحوارات ووصف الوقائع ليراجع الروائي فيها المضامين المستترة لأفعال شخوصه ، والمعاني الفلسفية والفكرية العميقة لتصرفاتهم ، ويغوص عميقا ليكشف الفواعل اللاشعورية الحاكمة فيها . وقد برع علي في الضرب على أوتار هذه الوقفات ليقدم بين وقت وآخر كشفا نظريا عن مسيرة شخوصه – بطله عبد الرحمن خصوصا – ومقدار علاقة أفعالهم بالأطر الفلسفية التي يؤمنون بها ؛ كيف يحاولون تبرير تصرفاتهم بذرائع نظرية حقيقية أو مفتعلة ، ما هو القدر الذي يعتقدون أن سلوكياتهم ترتبط به بأفكارهم ، وما هي الآليات التي تجعل أخطاءهم الفعلية – بحق أنفسهم أو بحق الآخرين - تصبح عطايا فلسفية ؟
... وفي موقفه من الحب ، نقف على مداورات مدوّخة وشديدة التعقيد يقوم بها عبد الرحمن ، تخريجات نظرية مربكة تمعن في جعل الوصول إلى موضوع الحب يمر عبر تحليلات شائكة ومغرّبة . إنه لا يستطيع أن يحب كما يحصل لدى البشر العاديين ، حبّا عمليّا ومباشرا . كان يريد أن يحب وأن يُحب بطريقة فلسفية ، طريقة مليئة بالعقبات النظرية التي تتطلب المناقشات المستفيضة ، وتقليب العقبة على وجوهها الانفعالية المختلفة ، بتقديم الحل الفلسفي المطلوب . محاولات توغل في تعمية موضوع الحب الأصلي المحرّم تحت ستارة ثقيلة من اللعب الفكري المجرّد حول موضوع الحب الراهن البديل الذي لا يطفىء الظمأ المتأجج أبدا . يعود عبد الرحمن من غزواته الليلية الروتينية في ملهى جريف أدب في بغداد ، وقد تعتعه السكر ، ويسقط عند قدمي زوجته جرمين . يعلق علي على سلوك فيلسوف الصدرية من وجهة نظر وجودية خاصة : ( لقد كان الفيلسوف وجوديا جدا ، ولأنه كان وجوديا ، فإنه لم يكن يبحث في الحب عن الآلام واللوعة والعذاب الناتج عن الحب المستحيل ، إنما كان الحب لديه مثل أي شيء آخر ، غير موجود ، هكذا ببساطة ، غير متشكّل ، غير متكوّن ، غير موجود ، لأن الحب من العدم ، والحب وحده خالق كل شيء ، فحضور جرمين هو وهم مثل غيابها ، وهي مثل كل الأشياء التي تحيط به ، أوهام ، أوهام حسب الوجهة التي أرادها الفيلسوف . كان الفيلسوف يسخر من الانصهار العضوي في الحب ، كان يسخر من التناسخ والتواشج والتلاحم في الحب ، لأنه غير موجود ، ومن أجل أن يكتمل فيلسوفا بالحب ، عليه أن يبتدعه ابتداعا ، عليه أن يطهّره من العقم الذي لحقه على يد المثاليين ، عليه أن ينقّيه من سوء الفهم ، من الوحدة ، من الخيبة ، فكل حب خائب هو مرضي ، لا يحمل سوى سوء الخلقة ، فجرمين قبيحة ، وهو يدرك ذلك جيدا ، ولكن قبح جرمين هو جمال أيضا ، فجمالها ناتج من القبح الذي يميزها ، والبرهان على ذلك ، أنه بعد أن تذوّقها مرّات لا تُحصى ، نسي ذلك الشيء وتعوّده ، ماذا فعل الحب بعد إيمان متكرر به غير الندم ؟ إن الحب كذبة ، وإن العدم الذي يختلقه هو وحده الذي يمكننا أن ننعته بالشيء الأصيل . في الواقع لم تكن تنقص الفيلسوف البراعة التكتيكية الفذة في خلق نوع من التطابق الحاد بين الحقيقة والخداع ، وأن سر الفيلسوف العجيب يكمن في إخفائه لعواطفه ، يكمن في الخداع . والخداع الأول هو أنه لا يحبها ، ومن هنا تبتدىء لعبته الفلسفية في الحياة – ص 62 ) . وكل هذه التنظيرات الأخطبوطية " المغثية " كانت في الواقع غطاء يوغل اللاشعور في توريط وعي الفيلسوف فيه لكي يخلق بديلا "ممكنا" ، بديلا يوفر التفريج الجنسي بلا إثم ، ويمنح الفرصة لإعادة تجربة الشعور الأول وقد استتر وجه الخطيئة الأصلي خلف وجه جرمين . إن عبد الرحمن الراشد الفيلسوف يمارس ، في حقيقة موقفه هذا ، ردّة الفعل الأولى التي قام بها وهو طفل على المشهد الأولي الذي صدمه . إنه يؤسس " عائلة " جديدة تكون فيها جرمين ، أو أي خادمة مثلا ، هي بديل الأم بعد أن مسخ موقعها النفسي والاجتماعي ، وتغرّبت ملامحها حتى أنها لم تعد تميّز بعين الشعور الخبيرة . ولأن علي بدر – وكما أعتقد بقوة من حيثيات مشروعه المعلنة عموما والمستترة خصوصا – يبغي الإطاحة بالمخرج الوجودي البغدادي الذي اكتسح المشهد الثقافي في عقد الستينيات بصورة صارخة ، وصولا إلى هزّ أركان الموقف الوجودي بشكل عام – فإنه يضع الوجه المناقض لمواقف عبد الرحمن ، وهو موقف جرمين الحدسي الذي يوصل بصورة لا التفافات نظرية فيها ولا ألعاب لغوية ولا مخططات فلسفية مضنية . لقد كانت جرمين على النقيض من عبد الرحمن . كانت تفرق بشكل حاد بين ما هو عقلي وبين ما هو معتاد ، وهي إحدى مسافات الفكر التجريبي الفرنسي التي تعرفها بعفويتها ( ص 64) . ( لقد وضعت جرمين كل شيء في مستواه ، في مكانه ، وحسبت الأمر جيدا ، وقاسته قياسا ديكارتيا دقيقا على النحو الآتي : هنالك طريقان : طريق الخدمة في باريس والاستسلام لذوي الدخول العالية .. وطريق الزواج من الشرقي الحساس ، هاوي الوجودية .. منحدر من أسرة ارستقراطية على علاقة مع الأسر الحاكمة في بغداد ، وله مكانة من نوع ما في المدينة الشرقية [= بغداد ] – ص 64 ) .








# موقف سارتر من الحب :
في موقف سارتر من الحب عموما ومن الشهوة خصوصا ، نلحظ مداورات "مغثية" أيضا تجعلك تكره حتى الحب وحتى المرأة ، وكأننا في الجماع مثلا نقوم بعمل فلسفي جسيم . وصورة المرأة في أدب ساتر هي صورة سلبية دائما ، ونستطيع أن نقول إن النساء في مؤلفات سارتر قلما يمثلن دور الشخصيات الطيبة . فهذه كليمتمنستر "المومس" التي لا تفهم شيئا من هموم اجيست؛ وإلكترا التي تترك أوريست بعد أن أغرته بقتل أمهما؛ واستيل وإيتيس اللتان تمنعان جارسان من مواجهة حياته؛ وجيسيكا الطائشة التي تُفسد كل شيء بارتمائها في أحضان هدرر .. وتلك المرأة "الغول" (صديقة استيل لولا) والمرأة "الأخطبوط" (استيل التي يقول لها جارسان: "لا أريد أن أغوص في عينيك. أنت رطبة! أنت رخوة! أنت أخطبوط! أنت مستنقع" ؛ ولنذكر من بين ميزات اللزوجة "رخاوتها الشبيهة بالعلق"، ولنقرأ في "القديس جينيه" وصف سارتر لهذا الاشتراك القائم بيننا وبين طبيعتنا نفسها : (إننا نغطس جسدنا في حياتنا ، وفي منيّنا، وتحملنا مياه غاية في الكثافة، ويكفي أن نترك أنفسنا تسير فيها . إن فينوس مبتذلة لا تتميز قط عن الهضم وعن التنفس، وعن خفقات قلبنا، تميلنا برفق نحو المرأة ؛ يكفي أن نضع ثقتنا في هذه الإلهة الخادمة لكي تتولى كل شيء : لذتنا والنوع ) (21) . ولعل السمة الأنثوية التي يتشارك بها عبد الرحمن مع سارتر هي واحدة من الدوافع التيب جعلته "يفلسف" الجنس بصورة مدوّخة تجعل المتلقي يشعر بالإرتباك من التقرب من هذه الموضوعة . (إن قلق ابن الزنا أساسه أن العالم لا ينفتح ولا يمتلكه بإغرائه على الامتلاك . ولكن لأنه بالذات يحاول أن يمتلك نفسه فإنه يكون معرّضا مبدئيا لخطر الامتلاك . إن انفتاح العالم لا يفتنه قط؛ إذ لم يردد هذه النٍعم الفاغرة التي هي نفسه، والتي هي دائما على أهبة امتصاص قدرتها على الإنكار وتليينها وإرخائها. إن هذه الفتحة في نفسه التي تثير اشمئزازه هي أنوثته نفسها . إن الصورة الكاملة لما يعرٍض للخطر هي المرأة ) (22) . إن هناك نزوعا مقرفا للتنفير من الحب والجنس الأنثوي التكريه والتنفير من الجنس ( إن الشهوة ، الإلتصاق بالجسد، والوضعية، الالتصاق بالخمود الجماعي، سوف تشكلان الخطرين الأساسيين على ابن الزنا. إن الشهوة تعرضني للخطر ؛ أنا شريك شهوتي أو بالأحرى أن الشهوة هي بكاملها سقوط في المشاركة مع الجسد ... في الشهوة الجنسية يكون الشعور كالمتجمد ... يُقال أنها تأخذك وتغمرك وترعد فرائصك ... إن الشهوة هي ارتضاء للشهوة . إن الشعور المثقل والمعشيّ ينزلق نحو ذبول شبيه بالنوم ... والإنسان الذي يشتهي يُصبح في هدوء ثقيل مخيف ؛ إن عينيه تشخصان وكأنهما نصف مغمضتين ، وتتسم حركاته بنعومة ثقيلة وجامدة ... إن الشهوة ليست فقط شهوة جسد الغير؛ إنها ، في وحدة فعل واحد ، مشروع ضمني للغوص في الجسد ؛ وهكذا قد تؤدي الشهوة في أعلى درجاتها إلى الإغماء باعتبار أنه أعلى درجات الخضوع للجسد ... ولما كانت الشهوة شهية تتجه إلى جسد الغير فإن الإنسان يحياها كدوار من أجل الذات أمام جسده نفسه ؛ وأن الكائن الذي يشتهي هو شعور يجعل نفسه جسدا.
ولكن تجسّدي سوف يفلت مني في اللحظة نفسها التي أدعي فيها أنني أسلم نفسي إليه ، إن كان الآخر الذي أشتهيه لم يجعل نفسه جسدا معي . وهنا يبدو الامتلاك الحقيقي : "تجسّد مزدوج متبادل" . وقياسا على ذلك ، فإن الشهوة تشكل عالم شهوة ، الإتصالات تصبح ملامسات ، والأشياء تبدو وكأن لها جسدا . إن الشهوة تجمّد شعور بوساطة افتعاله ، وهي في نفس الوقت "اصطياد العالم لجسد : إن الشعور يغوص في جسد غائص في العالم . وأخيرا فإن مشروع الشهوة هو الاضطراب ؛ لابد من أن يشعر المرء بتفتح جسده حتى الغثيان . ولاشك أننا نكون قد جلنا في هذا المركب المزعج إذا ما أضفنا أن اللزوجة تتميّز على وجه الدقة – حسب كل الميزات التي نعرفها عنها – كنشاط امتصاصي رخو ورائل ونسوي . إن اللزوجة هي انتقام لما في الذات . إنتقام حاو وأنثوي ) (23) .
يرى سارتر أنه ربما كانت القيمة الكبرى للحب هي أنه يُشعر الفرد بأنه لم يعد مجرد مخلوق ليس ما يبرر وجوده ، أو مجرد كائن ليس لوجوده أي معنى ، بل هو قد أصبح مصدر سخاء وفيض بالنسبة إلى " آخر " ، وبالتالي فقد صار لوجوده معنى أو دلالة ، مادام هو الدعامة التي يستند إليها كل وجود الآخر . ولعل هذا هو ما عبر عنه سارتر حينما كتب يقول : ( إننا نشعر قبل الحب بأنه ليس لوجودنا أي سبب أو مبرر ، وأننا زائدون عن الحاجة ، وأما بعد الحب فإننا نشعر بأن هذا الوجود قد استُرد وأصبح مرادا في أدق تفاصيله أو أصغر جزئياته من قبل حرية مطلقة هي منه بمثابة الشرط الأساسى ، فضلا عن أننا من جهتنا نريدها بمقتضى حريتنا الخاصة . ومن هنا فإن جوهر الغبطة التي نستشعرها حينما يوجد الحب ، هي هذا الشعور بأنه قد أصبح لوجودنا ما يبرره ) . ولكن هذا لا يعني أن سارتر يقيم الحب على " التبادل " أو على الشعور المتجاوب بأن كل طرف هو محب ومحبوب من قبل الطرف الآخر ، بل أننا سنرى فيما يلي أن الحب في رأي سارتر هو ضرب من الاستحالة ، لأنه يردنا في النهاية إلى عزلتنا الأصلية . وآية ذلك أن المحب حين يعمل على أن يكون محبوبا من قبل حرية أخرى ، فإنه عندئذ إنما يقع في تناقض واضح وصريح . وفضلا عن ذلك فإن المرء حين يحب ، فإن معنى هذا أنه يريد أن يكون محبوبا ، وأنت حين تريد أن تكون محبوبا ، فكأنك تريد أن تضع الغير تحت سيطرة إرادتك الخاصة ، وبالتالي فإنك تنتهي من حيث بدأت ، وإذن فإن الحب استبداد شعوري يريد من ورائه الضمير أن يحقق مهمة مستحيلة هي التوفيق بين القسر والحرية ، إذ يحاول التأثير على حرية الغير . حقا أن الضمير لا يريد القضاء على حرية الغير ، ولكنه يريد استبعاد هذه الحرية من حيث هي حرية ، أعني أنه يريد استعبادها من قبلها هي نفسها ، ولاشك أن هذا ضرب من المحال .
ولا يتصور سارتر الصلة بين الطرفين المحبين ، إلا على أنها صلة بين " الرائي " و " المرئي " أو بين الناظر والمنظور . وتبعا لذلك نراه يتحدث عن " الإغراء " الذي من شأنه أن يجعل من المحب مجرد " موضوع " ينظر إليه الآخر ، فينجذب إليه . وهكذا تجيء نظرة " الآخر " فتكون بمثابة استجابة لإغراء ذلك " الموضوع المغري " ، ألا هو المحب . ومعنى هذا أن المحب لا يعمد إلى كشف " ذاتيته " أمام المحبوب ، بل هو يضع نفسه تحت أنظاره ، ويقدم ذاته إلى المحبوب كمجرد موضوع يجتذب نظره . ولكن سارتر حين يتحدث عن " الإغراء " ، فإنه إنما يعني به تلك الإرادة التي ترغب في أن تكون محبوبة . وهنا يكون المثل الأعلى الذي يسير الحب على هديه مثلا غير قابلة للتحقيق ، لأن المرء حين يحب فإنه يريد أن يكون محبوبا ، وبالتالي فإنه يريد من الآخر أن يريد – بدوره – أن يحبه . ومن هنا فإن المحب يجد نفسه بالضرورة مرتدا إلى إرادته الخاصة ، وكأنما هو يعود لكي يقبع من جديد في مشروعه الذاتي الانعزالي ، دون أن يقوى على النفاذ إلى إرادة الآخر ، أو الخروج تماما من إرادته الخاصة . ومادامت الضمائر منفصلة بعضها عن البعض الآخر ، لأن بينها هوة غير معبورة ، أو " عدما " لا سبيل إلى اجتيازه ، فليس في استطاعة المحبين سوى أن يظلوا منفردين ، يحيا كل واحد منهم في أعماق ذاتيته الخاصة ، دون أن يكون في وسع أحدهم أن يدرك الآخر بوصفه " ذاتا " ، بل بوصفه مجرد موضوع . وحينما يتمكن الواحد منهم من أن يتحرر من أسر الحب ، لكي يتأمل الآخر بوصفه موضوعا بحتا ، فهنالك يكون الآخر قد أصبح مجرد أداة أو وسيلة .
وإذن فإن الحب – في رأي سارتر – حتى بمقتضى تعريفه ذاته ، إنما يحمل في باطنه بذور فنائه . وآية ذلك أن كل شعور فردي يحاول عن طريق الحب أن يضع " وجوده من أجل الغير " في مكان حصين ، بالإلتجاء إلى حرية الآخر ، وكأن الآخر هو فيما وراء العالم من حيث هو ذاتية محضة ، أو كأنما هو المطلق الذي بمقتضاه يقدم العالم إلى الوجود . ولكن يكفي أن يجيء شخص ثالث ينظر إلى الطرفين المحبين ، لكي يشعر كل منهما بأنه قد استحال إلى " موضوع " ، مع شعوره في الوقت نفسه بأن " الآخر " أيضا قد استحال إلى " موضوع " وهنا لا يظل الآخر بمثابة الحقيقة المتعالية التي استند إليها بوصفها دعامة لوجودي ، بل يصبح بمثابة حقيقة متخطاة استطاع شخص ثالث أن يعلو عليها . وهذا هوالسبب في أنه بمجرد ما يظهر " الثالث " ، فإن الطرفين المحبين سرعان ما يتجمدان ، وكأن هذا الشخص الدخيل هو وحش الأسطورة " جورجون مدوز " الذي يحيل كل ما ينظر إليه من أشياء أو مخلوقات إلى حجارة صلبة . وإذا كان المحبون في العادة يلتمسون الوحدة وينشدون الخلوة فذلك لأنهم يريدون أن ينأوا بأنفسهم عن أعين الغرباء ، لأنهم يشعرون بأن ظهور " العذول " هو قضاء مبرم على الحب .
يلخص سارتر أسباب فشل الحب ( من حيث هو أسلوب خاص من أساليب الوجود من أجل الآخرين ) فيرجعها إلى ثلاثة أسباب رئيسية . أما العامل الأول منها فهو أن الحب في صميمه ضرب من الخداع الذاتي لأنه يتضمن حركة أو تسلسلا إلى ما لا نهاية : مادمت أنا حين أحب ، فإنني أريد أن يحبني الآخر ، وبالتالي فإنني أريد أن يريد الآخر أن أحبه ، وهلم جرا . وربما كان شعور المحب بعدم الإشباع أو بالخيبة المستمرة فليس السبب في فشل الحب هو نقص الكائن المحبوب ، أو ضعفه ، أو عدم جدارته ، بل هو إدراكنا الضمني لاستحالة تحقق المثل الأعلى الذي يهدف إليه الحب . وكلما زاد حب الآخر لي ، زاد فقداني لوجودي . وبالتالي ازداد ارتدادي إلى مسؤولياتي الخاصة ، وإلى قدرتي الخاصة على الوجود ، وأما السبب الثاني فهو أن استيقاظ الآخر ممكن في كل لحظة ، ومن ثم فإن في استطاعة هذا الآخر بين لحظة وأخرى أن يحيلني إلى مجرد موضوع ، وهذا هو السبب في أن المحب يحيا دائما في حالة عدم اطمئنان . وأخيرا يلاحظ سارتر أن الحب يريد دائما أن يكون " مطلقا " ، ولكن تدخل الآخرين يجيء دائما فيخلع عليه طابعا نسبيا . ولو أريد للحب أن يظل محتفظا دائما بطابعه من حيث هو " محور مطلق للإحالة " ، لوجب أن يبقى المحب وحده مع المحبوب . ولكن " الآخر " لابد من أن يظهر ، وبالتالي فإن المحب لابد من أن يشعر بضرب من " الخجل " ( أو " الزهو " في بعض الأحيان ، والإنفعالان هنا يعبران عن دلالة نفسية واحدة ) أمام الآخرين . وهكذا يخلص سارتر إلى القول باستحالة الحب ، مادام المثل الأعلى الذي ينزع نحوه هو في حد ذاته ضرب من التناقض ، ومن ثم فإنه ليس بدعا أن نرى دون جوان يحيا في عذاب مستمر لا حدّ له ، كما أنه لا غرابة على الإطلاق في أن نرى الألم يقترن دائما أبدا بالحب .
تلك هي الخطوط العريضة لنظرية سارتر في الحب ؛ ونحن نعرف كيف أخذ سارتر بنظرية هيجل المشهورة في أن " كل ضمير إنما ينشد موت الآخر " ، مما حدا به إلى القول بأن ما نسميه باسم الجحيم إنما هو " الغير " أو " الآخرون " ، وقد سبق لنا أن تعرضنا لنقد هذه النظرية في موضع آخر ، فحسبنا هنا أن نقول إن سارتر لم يستطع أن يفهم " الحب " على حقيقته ، لأنه قد أحل فكرة " التملك " محل فكرة " التبادل " فجعل من الحب صراعا مستمرا بين حربين ، بدلا من أن يجعل منه مشاركة فعالة بين إرادتين . ولا نرانا في حاجة إلى أن نقرر ما سبق أن قوله من أن الشرط الأساسى لكل حب هو التخلي عن كل نزوع نحو التملك ، أو رغبة في الامتزاج ، من أجل محبة " الآخر " من حيث هو " آخر " ، وفي صميم تلك الحرية التي بمقتضاها يندّ عنا ، وتبعا لذلك ، فإن الحب الحقيقي يستلزم الاعتراف يحرية " الآخر " حتى لو مارست تلك الحرية ذاتها ضدنا . وإذا كان الحب هو أعمق صورة من صور الوصال بين الذوات ، فذلك لأنه يحطم قوقعتنا الذاتية . لكي يضعنا وجها لوجه أمام تلك " الأنت " التي طالما وجدناها ، حتى قبل أن نبحث عنها ، وربما كان السبب في عجز سارتر عن فهم حقيقة " الوصال " القائم بين الذوات ، أنه جعل من " النظرة " نقطة البدء في دراسته للعلاقات المحسوسة القائمة بيدنا وبيد الآخرين ، فحصر بذلك ميدان " العلاقات الشخصية " في دائرة " التهديد " وحكم منذ البداية بأن الاستمرار أو الاتصال بين الضمائر ضرب من المستحيل . ولكن ليس ما يمنع " التأثير " من أن يجيء فبوفق بين الحرية والقسر ، لأن الإرادة قد تؤثر على الإرادة حين تعمل على تحقيق ترقيها ، أو حين تجىء فتأخذ بيدها لمساعدتها على بلوغ ما هي ميسرة له من قيم عليا ، ولسنا ندري لماذا يصر سارتر منذ البداية على إقامة هوة شاسعة بين " الوجود للذات " و " الوجود للآخرين " في صميم حياتنا النفسية ، في حين أن التجربة شاهدة بأن الحرية قلما تريد ذاتها إرادة حقة مليئة ، دون أن تريد في الوقت نفسه حريات أخرى غيرها ) ( 24) .









# الرواية العائلية :
وليس غريبا أن نعيد جانبا من تعلق عبد الرحمن بالفلسفة الوجودية وانسحاره التبعي ، بأبيها سارتر في نسختها الفرنسية ، إلى ما نصطلح عليه في التحليل النفسي بـ " الرواية العائلية " أو " أسطورة الأسرة " التي يجترحها استيهاميا الأوديبي الصغير حين تستولي عليه في أحلام يقظته أفكار أخيولية بأنه ليس في الواقع إبن أبيه ، وأنه ليس عضوا أصيلا في بنية عائلته الفعلية القائمة ، وإنما هو منحدر من نسل أسرة من مستوى اجتماعي جد مختلف ؛ وهذه يمكن أن تكون أسرة رفيعة ذات مكانة ممتازة أو أسرة جد فقيرة وجد وضيعة . وهذا ما حاول عبد الرحمن إشادته والتصريح به منذ طفولته المبكرة ، ( فاختلق لنفسه أسطورة فحواها أنه لم يكن ابنا لهذين الشخصين إنما هو طفل مجلوب من عائلة مجعولة، من عائلة أكثر نقاء من مربيه وأعظم نبلا من راعيه ، وأن هذه المرأة التي تتظاهر بالحب وتحاول أن تغطيه وهو نائم في الليالي الشتائية الباردة لم تكن أمه ، إنما متنية له . وأن هذا الرجل لا يمت لوالده بصلة ، أو أنه لا يعدو أن يكون طفلا لقيطا – ص 160 و161 ) . لقد كان عبد الرحمن شديد التعلق بأمه . كان يحب أن يجلس أمامها لينظر إلى حاجبيها المقوسين ، والشفاه التي تحمل المعني الدائم للخيال والحساسية والتي لم يستطع العمر تذويبها .. كان يحب أن يسير خلفها ، أو يجلس أمامها في حضن والده ، لينظر إلى عينيها الصافيتين اللتين تحويان الحيوية كلها . ولكن حدثا هائلا وصادما بالنسبة لبنيته النفسية الهشة وهو في العمر المبكر ذاك قد قلب موقفه من أمه جذريا ، من الحب إلى الكره ، ومن الموالاة إلى النقمة . كما جعله يكشف عن مشاعر النقمة تجاه أبيه . وقد كان ذلك الحدث مرتبطا بـ " المشهد الأولي " الذي تبصص عليه وهو صغير ، وهو المشهد الأول للعملية الجنسية الذي يراه الطفل في حياته والذي سيعيشه عادة كتجربة أليمة . وفي العادة يمكن أن يهير هذا المشهد الكثير من التصورات المثالية النقية والأنموذجية التي اشادتها خيالاته لأمه خصوصا . فبعد أن كانت أمه ملاكا طاهرا وأشد الكائنات رقة وأقربها إلى روحه ، صارت أنثى ملوثة خطّاءة لا تعرف الحياء . لقد تبصص عليها و" ضبطها " في مشهد " فظيع " مع أبيه أطاح ببراءتها المفترضة كأم مقدسة ( ويجب أن نضع في أذهاننا أن هذا الوجه المقدس هو الوجه الظاهر من العملة الأمومية ) : ( كان جسد أمه العاري يتحرك على السرير ، وصدرها الناتىء معصورا في يد والده ، كان جسداهما يتلامسان بعنف ، فانتابه اشمئزاز مريع ، كان يقف غير مصدق ما يرى ، كان يسمع صوت أمه كريها وهي تتأوه – ص 163 ) .

# سارتر المحارمي :
يقول جان بول سارتر في كتابه ( سيرتي الذاتية – الكلمات ) :
( .. لقد كنت أنا أستنكف ؛ إن أيامي لم تكن في خطر ، إذ كنت يتيما ، وكانت ألوان القتل المسرحي هذا قليلا ما تسلّيني ، ولكني كنت أحسّ في القصص التي ترويها موافقة كانت تحيّرني . فيما يخص هوراس ، كنت مضطرا إلى أخذ نفسي بالعنف حتى لا أبصق على الصورة المحفورة التي تمثله واضعا قبعته ، مشهرا السيف ، راكضا خلف المسكينة كامي . وكان كارل يدمدم أحيانا :
ليس هناك من هم أقرب قرابة
من الأخ والأخت بالتأكيد ...
وكان ذلك يقلقني : فلو أُعطيت بالحظّ أختا ، أكانت تكون أقرب إليّ من " آن ماري " – وآن ماري " هي أمّه .. الناقد – أو كارلومامي ؟ إنها إذن ستكون حبيبتي . والحبيبة لم تكن بعدُ إلا كلمة مظلمة كنت غالبا ما ألقاها في مآسي كورناي . محبّون يتعانقون ويتواعدون على النوم في سرير واحد ( يا لها من عادة غريبة : لماذا لا ينامون في سريرين توأمين ، كما كنا نفعل ، أمّي وأنا ؟ ) ولم أكن أعرف أكثر من ذلك ، ولكني كنت أتحسّس تحت سطح الفكرة المشرق كتلة مشعرة . وعلى أي حال ، كنت أكون أخا مسافحا . وكنت أحلم في ذلك . أهو تحويل ؟ أم تغطية للأحاسيس الممنوعة ؟ إن هذا ممكن . كانت لي أخت كبرى ، هي أمّي ، وكنت أتمنى أختا صغرى . فحتى اليوم – 1963 – أجد أن هذه هي صلة القربى الوحيدة التي تهزّني وتقع في نفسي (1) . وقد ارتكبت الخطأ الكبير في أن أبحث غالبا بين النساء عن هذه الأخت التي لم توجد : فقد رُدّ طلبي ، وحُكم عليّ بالنفقات . وهذا لا يحول دون أن أبتعث ، وأنا أكتب هذه الأسطر ، الغضب الذي تملكني ضد قاتل كامي ، فإنها من النضرة والحيوية بحيث أتساءل عمّا إذا لم يكن جرم هوراس هو أحد مصادر مناهضتي للعسكرية : إن العسكريين يقتلون أخواتهم لو كنت في زمنه ، لكنت أريته ما أفعله به ، ذلك الوحش . إنني أبدأ بإرساله إلى عمود الإعدام ! ثم اثنتا عشرة رصاصة في جلده ! وكنت أقلب الصفحة ، فأقع على حروف طباعة كانت تدلّني على خطئي : يجب تبرئة قتل الأخت . وكنت أظل ألهث بضع لحظات ، وأضرب على الأرض بكعب حذائي ، أشبه بالثور المخدوع . ثم أني كنت أسرع فألقي الرماد على غضبي .لقد كان الأمر هكذا ؛ وكان عليّ أن أقرّر منه وضعي : لقد كنت أصغر مما ينبغي ) (25) .
ويضع سارتر هامشا أسفل الصفحة (40) يحاول فيه توضيح طبيعة دوافعه المحارمية من خلال رغبات السفاح بالأخت المنقولة ، في جوهرها ، من الرغبة في الأم ، فيقول :
( في حوالي العاشرة ، كنت أتلذذ وأنا أقرأ " عابرات الأطلنطي " : وفيه يرى أميركي صغير وأخته ، وهما بعيدان في الحقيقة عن السفاح ، ولكني كنت أتجسد في الصبي وكنت أحب عبره الفتاة " بيدي " . وقد فكرت طويلا بأن أكتب قصة صبي وصبية ضائعين وهما بالخفية مسافحان . وفي كتاباتي آثار من هذا الحلم : أورست وإليكتر في " الذباب " ، بوريس وإيفيش في " دروب الحرية " ، فرانز وليني في " أسرى التونا " . وهذان الأخيران هما الوحيدان اللذان يطبقان الأمر عمليا . وما كان يسحرني في هذه الصلة العائلية هو خطر القيام بالحب أكثر من الإغراء الغرامي : كان السفاح يروق لي ، وهو نار وثلج ، ومتعة وكبت ممزوجان ، إذا ظل افلاطونيا ) (26) .











# عودة :
وبعد أن كان عبد الرحمن الصغير ينظر إلى أبويه كإلهين عظيمين جبارين يتمتعان بالوسامة والنقاوة والبطولة والثراء ، صارا لا يختلفان عن أي رجل وامرأة منحطين آثمين . وهذا ما أصابه بـ " الغثيان " ، الغثيان الذي جاء أصيلا وساحقا . لقد ترتب على هذا المشهد الذي تبصص عليه أن تكشف أمام عين لاشعوره "الصغيرة" الوجه المستتر للعملة الأمومية ، الوجه الآثم الملوّث : وجه المومس . وليس عبثا أن أساطير الشعوب القديمة كانت تصوّر الأنوثة المؤلهة كمومس مقدّسة . لقد تأكد لديه أن أمه / ملاكه التي رسم لها أرفع الصور وأكثرها نبلا لا تختلف ، مثلا ، عن " ريجينا " الخدامة المتهتكة التي كان يضاجعها الحوذي سعدون في الحمام ، ثم أغوت أبيه بعد ذلك . ولعل أولى النتائج التي ترتبت على هذا الإكتشاف هو أنه مال بقوة إلى موضوع الحب المخفّض الداعر ، ولم يعد للمرأة العفيفة والتي فوق الشبهات أي جاذبية في حياته الحبية ، وصارت مثل هذه الجاذبية وقف على المراة التي تحيط بحياتها الجنسية بصورة أو بأخرى سمعة سيئة كما يقول معلم فيينا (27) : ( في الواقع ، إن عبد الرحمن أحلّ المرأة الضائعة في حياته محل المرأة الطاهرة ، المرأة المجربة محل المرأة البريئة . وقد استسلم بعنف خياله إلى الصفات الأنثوية الداعرة ، وهكذا لعبت الخدامات دورا هائلا في حياته ... وجد العلاقة الداعرة بين سعدون السايس ورجينا الخدامة ، أكثر طهرا وعمقا وصرامة مما هي في عائلته . والواقع أن رجينا هي مثاله الأنثوي العظيم بكل دعارتها وتخنثها – ص 168 ) . ( لقد استطاعت رجينا أن تنفذ إلى قلب الولد ... لقد عبرت هذه المرأة في ذهنه عن فكرة مفادها أن المرأة المتورطة أعظم من المرأة البريئة الطاهرة ، والقذرة أعظم من النظيفة . كانت الدجاجة الداعرة التي تسمح للديكة بركوبها ، أعظم من الحمامة البيضاء التي تحمل مغلفا مختوما على قدمها – ص 175 ) . وكان في سلوك رجينا المتهتك عامل آخر يلهب تعلقه بها ؛ فقد كان له شريك منافس في حبها وامتلاك جسدها ( تكرار للشراكة المتخيلة المجهضة في الجسد الأمومي مع الغريم الأوديبي ) وهو سعدون السايس . فهؤلاء المعصوبين أمثال عبد الرحمن يشتد أوار عشقهم لموضوع حب أنثوي ما عندما يكون هناك ثالث منافس : ( وحين أدرك عبد الرحمن إثم رجينا ، وقصة حبها مع سعدون السايس ، أصبح مولعا بها ، مولعا بهذا الإثم المملوء بالعواطف . لقد وجد إثمها أقرب إلى السحر والخيال – ص 172 ) . وكانت رجينا تسلك سلوك " محترفة " إغواء احترافا لم يفضي إلى إسقاط عبد الرحمن في حبائلها بل أسقطت أباه ايضا . وحين ضبطهما الأب [ = رجينا وعبد الرحمن ] عاريين ، كان دويّ فضيحة مجلجلة مزّق سكينة إحدى ليالي البيت حيث هتف الأب : (- يا زانية .. أنا وولدي .. في السرير ذاته !! – ص 192 ) .. وقفز عبد الرحمن عاريا ، وأخذ يقفز درجات السلم نحو غرفته ساترا عورته أمام عيني أمه الصامتة .
.. وكانت أول تمظهرات رواية عبد الرحمن / أوديب الصغير العائلية هي أنه بدأ يعدّ نفسه أخا لكل أفراد الطبقة الرثة من العاملين في منزلهم وقريبا منه . كان " إخوته " الذين بدأ يرافقهم هم الخدم وساسة الخيل والعربنجية والسائقون ومنظفي الحدائق والخدامات وغسالات الملابس . ومثلما كان يقيم تناظرا بين فخذي رجينا البليغين وفخذي أمه الأبيضين وهما يتلويان تحت فخذي أبيه المشعرين ، ليصل ذرى الإفتتان بالروح الشيطانية والشر الحقيقي والاثم الذي تكتنزه تجربة رجينا ، فإنه كان يؤسس تناظرا موازيا بين نظافة ملابس والديه وأناقتهما وبين وساخة العمال وقذارتهم . كان تعلقه بالأخيرين يمثل له نوعا من التطهير ، نوعا من التعلق بالجمال البري ، الجمال القذر القاسي ( ولذا أضفى عليهم غموضهم واختلافهم جاذبية جنسية شاذة ، وكان يراهم مخلوقات بدائية حيوانية غريبة ، أعظم من المخلوقات العائلية النظيفة – ص 168 و169 ) . وكحلقة مكملة لهذا الشكل من روايته العائلية تعلق عبد الرحمن بسعدون السايس كـ " أخ أكبر " : ( لقد ارتبط الصغير منذ حادثة الحمام بسعدون بصداقة قوية ، ونزهات لا تنتهي . لقد أحبه ، أحب صلافته وطلاقته وقدرته على اقتناص الأشياء بيديه دون تردد ، وهذا ما كان يفتقر إليه – 177 ) . صار سعدون في الواقع " قرينا " نفسيا ، توكل إليه مهمة تنفيذ كل الرغبات الدفينة في نفس عبد الرحمن والتي لا يستطيع تنفيذها بفعل انشلال إرادته وهيمنة المخاوف الخصائية عليه .
ومما ضاعف من نفور عبد الرحمن من أمه ، وشدة اندفاعته نحو رجينا والمومسات هو أن المشهد الصادم الذي تبصص عليه قد أظهر له ، مترافقا مع الإحساس بالإثم الذي لا مفر منه ، وجه الأم الإلتهامي " الخاصي " ، وجه " الميدوزا " . وكانت هذه المشاعر المؤرقة تحاصره كل ليلة في هيئة كوابيس يرى فيها أن أمه تعذبه لتنتزع الاعتراف منه ، لأنه يتلصص عليها في حجرة نومها ، ثم تقطع راسه وتسحله وتمزق جسده ، أو تقوم برميه من فوق صخرة – ص 162 ) . وقد ضاعف هذا الموقف من مخاوف الخصاء التي كانت تتهدده من الأب الغريم في العلاقات بين أطراف المثلث الأوديبي ، والتي كانت تنسرب في صورة مخاوف عارمة تجتاحه حين كان يمر بالربل برفقة والده من حارة التوراة التي يسكنها اليهود في بغداد من أن يقوم أبوه برميه إلى مصاصي الدماء في تلك الحارة الوسخة المغلقة ( ص 162 ) .
لكن الشكل الأقصى لصياغة الرواية العائلية الذي لم يكن مستوهما أبدا ، بل " مخطط عائلي " فعلي نفذه عبد الرحمن على أرض الواقع وهو في باريس ، وهو أنه إبن الوجودية ، وأنه إبن جان بول سارتر أو أن الاخير شقيقه الأكبر المقدّس . وقد نستطيع من موقع مماثل محاكمة الكثير من الولاءات الفلسفية والإيديولوجية " الأجنبية " التي أعلنها المثقفون العرب بحماسة هائجة وفق هذا المنظور التحليلي ؛ منظور الرواية العائلية . تلك الولاءات الطافحة تمت بلا مبررات سياقية نفسية أو اجتماعية تتسق مع النمو والتطور النفسشخصي والمعرفي للفرد المعني ، ولا مع المتغيرات الاجتماعية الحاكمة التي تحيط به ، والتي من المفروض أنها تقرر عادة ولادة ونضج المنظومات الفكرية والفلسفية التي تتصدى لمعالجة وتفسير وتغيير الظواهر الاجتماعية والسلوكية . وفي العادة تأتي هذه النسخة من الرواية العصابية في صورة انبهار مفرط وقناعة سريعة تقفز فوق المحاكمات المنطقية ، قناعة تقوم على أساس التشابهات الشكلية والروابط الظاهرية السطحية وليس على الغوص عميقا في طبقات الطروحات الفكرية ِ، فهذه الأخيرة قد تناسب الوعي وتتعبه ، لكنها لا توافق الحفزات اللاشعورية الدفينة . إن العمل العقلي المعرفي الواعي مضني وقاهر وقد يوصل بعد بدايات متحمسة إلى نهايات محبطة ، لكن العمل العاطفي الذي توجهه الرغبة يقفز فوق المتناقضات ، ويتغافل عن محددات الزمان والمكان ، وفي الغالب يأتي مصاغا في صورة " طريفة " مريحة ومباغتة ، ولعل هذا من العوامل التي جعلت الروائي يخرج عمله وفق هذه الصيغة الساخرة رغم جديتها الصارمة كما قلت . لقد وقع بين يدي عبد الرحمن كتاب عن سيرة ساتر حرّره ثلاثة كتاب فرنسيين مرموقين وصدر في العام 1955 ، وهو العام نفسه الذي وصل فيه عبد الرحمن باريس ليحضر لشهادة الدكتوراه . ولم تستولي على مداركه من هذا الكتاب الضخم الطروحات الفكرية الوجودية ولا الكيفية التي بزغت ، وفقها ، ثم نضجت في عقل سارتر إرهاصات الفلسفة الوجودية ، وارتباطها بتاريخ تطوره النفسجنسي والمعرفي ( والعامل الأول " يقاومه " أنصار سارتر المنبهرون به بطريقة توازي إنبهار عبد الرحمن العصابي به ) . ما استولى على فكر عبد الرحمن بقوة هي الصور التي ضمها ذلك الكتاب : صور سارتر ووالديه وجده . فقد لاحظ عبد الرحمن وجود شبه كبير بين ملامح الفيلسوف الفرنسي وملامحه ، ( فتصفيفة الشعر الفلسفية التي كان سارتر حريصا عليها طوال حياته ، هي تصفيفة شعره ذاتها ، ووجهه يحمل الملامح ذاتها التي يحملها وجه الفيلسوف الفرنسي ، ما خلا النظارة والعين العوراء – ص 159 ) . وقد لاحظ أيضا أن السيد والد سارتر يشبه السيد أمين شوكت والده ، كما أن السيدة والدة سارتر كانت تشبه السيدة ( منيرة الحافظ ) والدة الفيلسوف العراقي . وفي العادة ، يؤسس الفرد المعصوب نفسيا عموما ، وأوديبيا خصوصا ، بنى فكرية ودلالية كبرى على التشابهات الشكلية الطفيفة ( هل اللاشعور شكلاني ؟! ) . وقد يعود هذا المنحى في التعامل مع المعطيات المعرفية إلى أن اللاشعور " صوري " وليس له " لغة " إلا عندما تنتقل الرغبات المكبوتة من ساحة الشعور إلى ساحة قبل الشعور وصولا إلى التمظهر اللغوي النهائي في الشعور . وحتى في تعامله مع اللغة فإن اللاشعور يأخذها كـ "صورة" و"شكل" وليس كتركيب حروفي يتضمن معنى كامنا . ولهذا ، وعلى أساس التشابه المظهري ( فقد صُعق عبد الرحمن وأصابه الدوار ، وسقط من على الكرسي الذي كان يجلس عليه في شقته الباريسية ، لأنه أدرك بما لا يقبل الشك المهمة الموكلة إليه ، لقد أدرك أنه من عائلة الفلاسفة لا من عامة الناس ، وأنه مجبول على الأفكار لا على العمل ، وأنه هو لا غيره سيحمل هذا الفكر إلى وطنه – ص 160 ) . وعن هذا الطريق ، الطريق الذي أناط عبد الرحمن لنفسه وفقه أن يكون رسول الوجودية إلى العراق ، استكمل شكل روايته العائلية الأكثر فاعلية في إشباع ثاراته الأوديبية ، وتصريف " غثيانه " الأصلي الذي استولى على طفولته . مع الوجودية أحس بأن هناك ، ولأول مرة ، منفذا " معقلنا " يمكن أن يصرّف صراعاته المكبوتة ودوافعه الغريزية اللائبة عبر تخريج فلسفي عميق عن الموقف الوجودي والمسؤولية الوجودية والقرار الوجودي كأغطية فكرية لحل عقد نفسية مربكة ومستعصية . فالغثيان الذي تأسس على المشهد الأولي " المحارمي " الذي هز كيانه وشكل له عقدة نفسية داخلية عميقة ، صار معضلة فلسفية ذات طابع " خارجي " ترتبط بتساؤلات حاسمة عن الخلاص من شبكة الوجود العنكبوتية المغثية ، والثأر الأوديبي الذي لا يمكن الظفر به عمليا بسبب التابوات الاجتماعية والأخلاقية والدينية القاهرة ، صار بالإمكان تصفيته بصورة أوسع واشمل من خلال الثورة على " الأب " الأكبر المتسلط ؛ القدر الوجودي كتمظهر لإرادة الله الجائرة ، والمجتمع الكلّي المتجبر ، وحضور الآخرين الجحيمي ، والمقت الجامح لأصله العائلي الشرعي الذي قابله باستيهامات كونه لقيطا ، فقد تشرعن الآن من خلال " العثور " على المنبت العائلي الرفيع عبر الإنتماء لـ " الأسرة الوجودية " وكونه ابنا لسارتر الفرنسي . وهي مداورة شديدة المكر لاشعوريا تحيله إلى " ابن زنا " مقدّس ومخلّص ثائر على كل حدود تربطه بالأبوة القديمة الممقوتة والمهدّدة .






# رواية عائلية أخرى – يوتوبيا "شاؤول" الماركسية :
وفي مراجعة نقدية ذكية تكمل رسم ملامح اللوحة الفكرية ليس لعقد الستينات حسب ، بل للحياة الفكرية التي شهدها العراق في النصف الأول من القرن الماضي ، يتعرض الكاتب لجانب مهم من جوانب تلك " الروايات العائلية " التي استولت على السلوك الفكري السياسي والثقافي ، وذلك من خلال مواقف شخصية أخرى في الرواية هي شخصية شاؤول الذي ، ومن خلاله ، تُرسم ملامح رواية ، أو أسطورة ، عائلية أخرى في غاية الأهمية وتتمثل في قطاع غير قليل من المثقفين العراقيين – وحتى الكثير من الناس البسطاء من الطبقات الأخرى – الذين عدّوا أنفسهم أبناء لليوتوبيا المادّية ، ليوتوبيا العائلة الفاضلة إذا جاز التعبير .. وهي أصلا عائلة أجنبية حالها ، في مغازيها الكامنة ، حال العائلة الوجودية . وقد كان أنموذجهم في الرواية هو " شاؤول " اليهودي كما قلنا ؛ شاؤول الذي كان حاقدا على الوجودية ممثلة بعبد الرحمن ، والذي حاول أن يبني أنموذجا مصغرا وتطبيقيا لمعنى روايته العائلية التي كان بيتها مرسوما بحماس ضاغط في ذهنه في مكان بعيد ومتعال هو " المدينة الفاضلة " أو " اليوتوبيا " كما رسمها المفكرون الأوربيون . لقد طرد شاؤول عامله " سليم" اليهودي الكريه كما يصفه الكاتب ، وهو يصرخ : - لك سليم تبوقني .. آني اللي سويتك آدمي .. اشناقصك حتى تبوقني ؟! ، طرده ليحل محله " اسماعيل حدوب " الذي عرفه عن طريق الصور الخلاعية التي كان يشتريها منه بعد مماطلات مضنية ومساومات مضجرة ؛ اسماعيل الذي ظهر في بغداد في منتصف الخمسينات ، وكان يعيش على أزبال مطابخ القصور العالية ، ويعمل في كل شيء : عتالا ، قزازا ، كناسا ، أو خادما في منازل البكوات .. وكان لا يتورع عن القيام بأرذل الأفعال من بيع الصور الخلاعية والعرق المغشوش وحتى القيادة ( القوادة ) . وكان نزيلا دائما للسجون لسبب من الأسباب : إما لنشل محفظة راكب ، أو للتحرش بفتاة ، أو للخصام مع عاهرة .. وحين يخرج يبيت في خان شديد القذارة والفوضى في محلة "أبو دودو" . ولم يكن وصف الكاتب للحياة "الحيوانية" التي يعيشها البشر في هذا الخان استطالة سردية حلقتها متراخية الارتباط مع حلقات السرد السابقة واللاحقة لها ، هو الكاتب الذي يحسب ، بدقة ، كل خطوة من خطواته السردية . إنه يمهّد - من خلال هذه الأرضية – السبيل للوقائع المقبلة كي يجعلنا نستقبلها ونحن نمتلك الخلفية الضرورية عن طبيعة الشخصيات ومكنوناتها التي تتيح لنا أن ندرك الخطوة الفادحة التي سيقدم عليها شاؤول حين يحاول أن يبني أنموذج مدينته الفاضلة التطبيقي المستورد في محلة " الصدرية " على أساس أخ / مواطن مسحوق واحد هو عضو أصيل من أعضاء البروليتاريا الرثة . إنه يقدم صورتين متتامتين : الاولى عامة عن سكان هذا العالم ، والثانية خاصة عن العينة التي سيلتقطها شاؤول من هذا العالم . والصورة العامة يقدمها لنا الكاتب بصورة غير مباشرة من خلال مفردات السلوك اليومي لمجموعة الأكراد الذين تطحن عجلته الرهيبة الرتيبة بلا رحمة . فهم يعودون إلى الخان وقد امتصت الحياة القاسية في الخارج كل قواهم فينامون ( وهم يئنون أنين الكلاب من التعب ، يشخرون مثل السعالي ، بينما تصاحب شخيرهم وأنينهم فرقعة عظام وشتائم مقذعة .. يرتجفون ويسعلون ويبصقون .. وهم يقرفصون ملمومين على أجسادهم وأسنانهم تصطك من البرد .. وأحيانا يقودون عاهرة إلى الخان أكثر بؤسا منهم ، أكثر صفرة من وجوههم ، وزناختها الكريهة التي تصدع الرأس أكثر شراسة من زناختهم ، وهي في الغالب إما عوراء أو درداء أو عرجاء أو مجنونة ... يصرخون عليها ويتقافزون مثل القردة حولها ، ويفرقون عليها أجرتها ، ثم يتسللون إلى التواليت الغاطس في البول واحدا تلو الآخر – ص 79 ) . ... ومع هذه الكائنات الرخوة المهدمة الساقطة المحطمة التي لا تعرف من الحياة سوى الشقاء والاختلاج والخلاعة عاش اسماعيل حدوب – أنموذج الصورة الخاصة - في هذا الخان القذر الذي يبدو كحجر وينفتح في نهايته المظلمة على القاذورات ست سنوات ، وكانت ( تقوده قدماه إليه في الليل ، مديته محزومة على بطنه ، حيث يستلقي على فرش محشو بالخرق .. ويتغطى ببطانية سوداء كالحة من الهوام .. وحتى هذا الفراش الكريه لا يسلم أحيانا ، فـ "عبّود " شقي " سراج الدين " كان يأتي في الليل ويدحرجه ويأخذ فراشه منه .. كان اسماعيل يضع هذا الفراش على الطابوق والقواطي ليرفعه عن الأرض .. وكان يقوم لديه مقام الخزانة أيضا .. وحين يضطجع عليه لينام كان الشخير ينظم إيقاع الخان .. وكانت لسعات القمل وعضات البق لا تكفيها حكة واحدة .. فيظل يهرش حتى يسقط على الأرض ، وأحيانا لا يستطيع رفع نفسه عن الأرض من التعب فيكون معبرا للصراصير والعث والجرذان السمينة والعنيدة التي تقرض حافة بنطاله ، وهو يهش عليها بيده وعيونه مغمضة . ولعل هذه الصورة المزدوجة هي الأشد بؤسا لسكان العالم السفلي في بغداد آنذاك . بغداد التي كانت مستقر أعظم عدد من الشحاذين والمساكين ( المشكينو في التعبير السومري ) حتى في عصر هارون الرشيد الذي كان يخاطب الغيمة المختالة بأن خراجها سيعود إلى بغداد أنى رحلت واستقرت وأينما أمطرت ؛ عالم سفلي يجثم فيه الظلام والابتذال والمهانة والفقر والجوع على روح الإنسان ، مقابل عالم علوي يعرش فيه النور والسمو والتخمة والثراء وشعور الإنسان بإنسانيته . ومصدر تسمية العالم السفلي ، ويا للمفارقة ، هو هذه الأرض في بدء حياتها السومرية الباذخة . ومن هذا العالم السفلي الخانق والمتوحش " استل " شاؤول اسماعيل حدوب كممثل لأكثر طبقات المجتمع انذلالا وانحطاطا لكي يقحمه في مختبره الأيديولوجي ، ويشيد من خلاله ركائز رواية أو أسطورة عائلية يكون فيها أبا أو أخا أكبر لاسماعيل رغم أن لا رابطة تربط بينهما غير مبادلة الصور الخلاعية . وتصوّر أيها القارىء – ويالمكرك يا علي بدر – قائدا لمدينة فاضلة يعاني من الحرمان الجنسي بعد أن هجرته زوجته وهربت مع آخر ، فلا يجد ما يطفىء ظمأ جوعه الغريزي غير الصور الخلاعية التي يوفرها له اسماعيل الذي كان يحصل عليها من أحد الأكراد العتالين والذي كان بدوره يقايض بها جهده مع المسافرين الذين يحمل أمتعتهم . قائد المدينة الفاضلة هذا والتي سيكون مكانها بيته سيقدم على مشروع إنقلابي يكون اسماعيل عينته ومادة اختباره . لقد قرر شاؤول أن يغير واقع اسماعيل من خلال تغييره فكريا ، أن يزق الأفكار الثورية في فم ذهن اسماعيل الفج ، ويخط على لوح عقله الأبيض رؤاه التغييرية عن الأخوة والعدالة والمساواة . كان يرى أنه ( لو استطاع مثلا أن يربي شخصا على الافكار ، وتكون بينهما رفقة الأفكار والمبادىء ، فإنه يستطيع أن يستولي عليه ، ويجعله مطيعا ، خانعا ، خاضعا ، إن لم يكن هذا باحترام المسافة الطبيعية التي تفصل بينهما ، فإنه سيكون بواسطة الأفكار التي تربطهما – ص 82 ) . سيكونان ابني الفكرة في عائلة بلا أصل أمومي أو أبوي ، عائلة أخوة نبتوا من الفراغ في رحم الفكرة "الأم" التي ترى أن الاستغلال الطبقي ووحش المال الذي لا يشبع هو سبب مهانة الإنسان وانذلاله في هذه الحياة الجائرة . الإنسان ليس مطبوعا على الإنسحاق والعبودية ولكن المجتمع الاستغلالي يطبعه عليها ، وبمجرد أن يثقل جيب الفرد ، ويصبح له موقع في التراتب الاجتماعي فإنه يعود إلى طبيعته الأصلية كإنسان يتربع على قمة المملكة الحيوانية . وفي مقابلة ساخرة أعقبت هذا العرض الذي قدمه شاؤول لاسماعيل وهما يجلسان في دكانه عن مشروعه اليوتوبي يصوّر الكاتب الهوة الساحقة بين العالمين : عالم شاؤول المترع بأفكار المجتمع الفاضل القائم على التخمة المالية ، وعالم اسماعيل الذي أفقرته المهانة واللهاث خلف سد رمق حاجات البقاء الحيوانية حتى لم يعد يعرف أي فكرة مجردة إلا بمدلول عدواني مشخصن :
( كان شاؤول يقول له [ = لاسماعيل ] إن فقره فقر تاريخي ، لم يأت هذا الفقر من اسماعيل ذاته ، أو من عائلته ، إنما من التاريخ ، فصعق اسماعيل حين سمع بالتاريخ ، وقال له بعد أن سحب سكينه من بطنه :
-" دلّيني على تاريخ وآني أخليلك مصارينه بالكاع "
ابتسم له شاؤول وقال :
-" علينا أن نصلح التاريخ لا أن نقتله " – ص 83 ) .
وقد أسكرت اسماعيل هذه الأفكار التي ستغير حياته جذريا من الجوع والفاقة إلى الشبع والراحة والإنغماس في الملذات ، رغم أنه يدرك أن ثمنها هو التخلي عن حريته في حياته البوهيمية تلك والانتقال إلى العبودية في فردوس شاؤول ، مخلّصه العظيم كما يصفه الكاتب على لسان اسماعيل كاشفا أن لكل يوتوبيا ، حتى لو كانت مادية ، وماركسية أكانت أم ليبرالية على حد سوار ، " منتظرا " – والإشارة لـ "علي الوردي" قبل "جيرار جينيه" بعقد من السنوات . وقد بدأ المخلّص أولى خطوات التغيير بقلب واقع اسماعيل الجسدي : نظافة ولباسا . كان مقتنعا بأن تغيير اسماعيل مظهريا سيهيئه لاستقبال التغيير جوهريا . ولعل هذا التغيير الذي يتم على مرحلتين يوازي تركيبة " المدينة الفاضلة / بيت شاؤول " التي رسمها الكاتب على مرحلتين أيضا ، حيث جاء وصفه للبيت وما يحيط به وكأنه المظهر الشكلي للفردوس المدوّخ الذي زرع في ذهن اسماعيل ، ومعه المتلقي ، قناعة - سيظهر أنها زائفة – عن أن جوهر هذه الجنة الموعودة لا بد أن يكون باهرا ومفعما بالارتياح العادل والسكينة الرحوم والأخوة الإنسانية المجردة . فـ ( شاؤول يسكن قصرا فخما في الكرادة الشرقية ، على مقربة من البساتين المشيدة على ضفة النهر ، وكان للقصر حدائق كثيفة ، تتصل بالحقول الواسعة والمراعي الحرة المنسرحة على مدى البصر .. كان اسماعيل يسير منذهلا أمام القصور العالية ، بسطوحها الزرقاء وواجهاتها المشيدة بالقرميد ، فأخذ يسير وقد بلّده الرفاه والفخامة والهواء الرائق المشبع بعطر الفواكه . وحين وصل للمرة الأولى أمام قصر شاؤول أحسّ بالاضطراب أمام القصر المرتفع بالأعمدة الرخامية .. وحين مر على القنطرة القريبة من بوابة القصر الخارجية ، أخذ ينظر إلى صورة الأعشاب التي انعكست على صفحة الماء الراكد – ص 85 ) . وحين يدخل الإثنان : شاؤول واسماعيل ، البيت ، يكمل الكاتب ملامح القسم الجواني من الفردوس الفاضل حيث يجلس الأخوان المقبلان "على الأرائك متقابلين" كما يقول الكاتب ، في صفاء يبعث على السلام والطمأنينة ، وفي جو دافىء أذهب لب اسماعيل المحروم وسَحَره ، فمن العفونة وروائح البول والفضلات المغثية إلى عطور الفواكه وأريج الزهور ، ومن ضجيج البشر المتقرّدين إلى السكينة المطمئنة الموشحة بغناء البلابل ، ومن فراش الطابوق والقواطي الذي يخز العظام إلى الأرائك الوثيرة ، ومن البرد القارص إلى الدفء الناعم : ( وما إن دخل الإثنان من البوابة المصنوعة من خشب الصاج المشرّح .. حتى أحس اسماعيل بدفء المكان ، وبالحرارة المنبعثة من الوجاق الذي يتوسط الصالة .. فجلس كلاهما على أرائك وثيرة مفروشة بالسجاد الإيراني الناعم بصورة متقابلة . كانت الستائر الى يمين اسماعيل مرخّاة ، فأخذ ينظر إلى الشمس الغاربة وهي تلقي بظلالها الأرجوانية على الحقول الخضر ، ومن بعيد كان يتصاعد في الأفق ضباب خفيف جامد لا يتحرك ، يخفي صفحة النهر بشكل غلالة خفيفة . وكان الوجاق ، قد التمعت في داخله ألسنة النار التي تلهب الصالة بدفء وحرارة صميمية لا تُصدق ، فأخذ اسماعيل يشم رائحة طيبة تنبعث من أرجاء المنزل ، وهو يستمع إلى صوت البلبل الذي يصدح في لبقفص المذهّب ، الذي يتدلى من القمرية قرب النافذة الطولية التي تمتد من الأرض إلى سقف المنزل – ص 86 ) . ومع هذه الصورة البانورامية الموجزة والكافية التي ترينا مقدار النقلة " الشكلية " الهائلة التي تحققت لاسماعيل على يدي مخلّصه شاؤول ، يمكن أن تستقر في نفوسنا فكرة منطقية مفادها أنّ مشاعر الامتنان والإحساس بالعرفان يجب أن تطغى على موقف اسماعيل تجاه منقذه حتى يوم يلفظ أنفاسه الأخيرة ، خصوصا وهو لابد أن يقارن الآن ، وهو ينظف أسنانه بفرشاة الاسنان ومعجون الكولينوس الإنكليزي ، ويشرب الحليب الساخن ، ويأكل الصمون الممسوح بالزبدة والعسل ، ويغسل يديه بعد الطعام لأول مرة في حياته ، بين هذه النعم الخارقة التي من بها عليه شاؤول ، وبين السنوات التي قضاها وهو يفتش مع الكلاب في فضلات القصور المنيفة عما يسد به رمقه . لكن – وهذا ما لم يحسب له شاؤول حسابا وهو منتش بمشروع العائلة الفاضلة التي أتاحت له لعب دور الأب أو الاخ الأكبر المطلق – إشباع حاجات البقاء يثير ، وبقوة ، الدافع إلى التعامل مع حاجات الوجود الشخصي المعنوية . فعندما تمتلىء معدة الإنسان المحروم الذي عاش طويلا في أدنى مستويات الحياة البشرية ، حياة حيوانية تقريبا ، يصحو , وفورا ، عقله وروحه . لعل أسطورة الخطيئة الأولى كانت المثال الأول المحكم على هذه القاعدة العلمية . فقد وفّر الله لآدم كل مستلزمات بقائه حدّ الإفراط ، كما يتجسد ذلك في الكتب السماوية قاطبة ، وكما يظهر في أساطير العالم القديم ، وأولها وأقدمها في تاريخ الخليقة ، هي اسطورة الخطيئة السومرية ، لكن جدنا آدم لم تقنعه هذه الصفقة المراوغة ، وثارت دوافعه الروحية والنفسية خصوصا وأن الساحر لم يغلق باب الغرفة المحرم فتحها ، شجرة الجنس والمعرفة ( ومن معاني الجذر : عرفَ المواقعة الجنسية ) . ولا يشذ اسماعيل عن هذه القاعدة التي وضعها عالم النفس " إبراهام ماسلو" في أفضل صورة من خلال هرمه الشهير المسمى بـ " هرم ماسلو " للحاجات الإنسانية وتأكيد الذات ، والمكوّن من ست درجات أو طبقات ، في قاعدتها حاجات البقاء البايولوجية – physiological needs ، وفي ثانيها حاجات الأمن – safety needs ، وتليها حاجات الحب والإنتماء – love needs ، ثم حاجات احترام الذات – self needs ، وأخيرا الحاجة لتأكيد الذات – the need for self actualization والتي تتربع على قمة الهرم وفي ذراها العليا تتحقق المشاعر الصوفية الناجمة عن الإنجاز الفائق – peak experience . وكلما أشبعنا حاجات طبقة تطورية كلما رفعت حاجات الطبقة الأعلى رؤوسها مطالبة بالإشباع . وهذا حال اسماعيل الآن ، فقد أشبع شاؤول حاجاته الفزيولوجية هو الجائع أبدا ، والمهدّد باستمرار ، كما وفر له بيتا يحميه و"عائلة" من المفترض أن تحبه ويحبها ويشعر بالإنتماء إليها . ولكن هذا ما لم يحصل - وهذه من نقاط ضعف نظرية ماسلو التي ليس هنا مجال تناولها - فمنذ اليوم الأول أيقظه شاؤول فجرا وساقه قبل شروق الشمس ، وهو شبه نائم ، إلى المتجر ، ليعود مساء برفقته مساء . لكنه ، وبعد اسبوع واحد تعرف فيه على بضائع المتجر ، صار يعود وحده مساء ، ( فأحس اسماعيل أنه يأكل جيدا ويشرب جيدا ، إلا أنه يعمل مثل الزمال . وإذا كان الزمال ينام جيدا ، فإن اسماعيل لا يشبع من النوم – ص 87 ) . لقد تشمم اسماعيل رائحة الخديعة في " مستعمرة السعادة " التي حاول شاؤول ضمه إليها تحت الأغطية الفكرية البرّاقة عن الظلم الطبقي وغبن التاريخ ، ( فشاؤول الذي يتحدث عن المساواة لا يتساوى معه في العمل على الإطلاق .. كان يشم رائحة الخديعة ، فكل عمله الذي يستغرق الليل والنهار لا يتقاضى عنه مالا ، إنما الأكل والشرب والقصر والنوم القليل والسمعة الطيبة – ص 87 ) . ثم أن اسماعيل كان يحمل هواجس أولية عن عدم استعداد شاؤول المسبق النفسي لمثل هذا المشروع الإنساني ، فهو يتذكر كيف كان يماطله شاؤول في مساومات طويلة ومرهقة قبل أن يدفع له ثمن الصور الخلاعية التي كان يجلبها له ، مع ما تحمله هذه "الهواية" من إيحاءات عن النوازع الجنسية الدفينة التي لا تتسق مع المشروع الفكري والحياتي الضخم الذي ينبري لتحقيقه والذي يفرض أولويات سلوكية معروفة . ثم أن من المفارقات الغريبة أن يعلن شاؤول لاسماعيل أن مشروعه يقوم على إدراك حقيقة أن المال يقلب وجه الحكم التاريخي الجائر الذي أذل اسماعيل من خلال لعنة الفقر ، وأنه يستطيع إنقاذه من مستنقع الفقر هذا ، وسيُثقل جيوبه بالمال في مستعمرة السعادة المقبلة ، وهو – أي شاؤول - من طائفة تحمل أشد سماتها الصارخة " البخل " في صورتها النمطية التاريخية " historical stereotypy " . ولعل علي بدر في مشروعه الهادف إلى كشف المصموت عنه في التاريخ الثقافي العربي يبغي ، وحسب ظني ، الإشارة إلى أن الكثير من " الأنبياء " الفكريين والسياسيين العرب الذين تصدّوا للترويج لفكرة اليوتوبيات بمختلف أنواعها ( اللادينية واللاإسلامية تحديدا ) كانوا من اليهود !! . ولعل من العوامل التي سرّعت في إنضاج موقف اسماعيل الذي يرفض مفهوم " السعادة الشمولية " التي بشّره لها شاؤول هو أن صالون بيت الأخير كان يشهد مجلسا أدبيا يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع . هذا المجلس كان الخطوة التقربية الأولى لاسماعيل من مجتمع الثقافة ورموزه . هي المرة الاولى التي يستمع فيها لكلمة ثقافة وصفة مثقف في حياته . كانت تحضر هذا المجلس شخصيات مهمة تتحدث بأشياء خطيرة مثل السياب ومير بصري وجميل حمودي ومير بصري وروفائيل بطي ، وبعض الشخصيات الثقافية والسياسية الانكليزية والفرنسية والروسية وغيرهم . كان اسماعيل يجلس صامتا ببدلته السوداء الجديدة ليستمع لرطانتهم المعقدة والعالية التي تطرق سمعه لأول مرة فلا يفهم منها شيئا سوى خلاصة مفادها أن الظلم والقهر واللامساواة تجتاح العالم ، وأن هذا العالم لن ينقذه سوى هؤلاء البشر الخارقين بمهنتهم وسلاحهم وهو : الثقافة . وبالنسبة لطبيعة تفكيره " الكونكريتي " وهي مرحلة طفلية من التطور المعرفي للإنسان ، فإن المخلّص والخارق يجب أن يكون شقيا باطشا . لكن تدخله الأرعن في الشجار الذي نشب بين روفائيل بطي وأحد الضيوف والذي انتهى بالسباب والشتائم بينهما قد أثبت له خلاف ذلك . فلأنه تعرف إلى روفائيل بطي قبل أن يتعرف إلى الضيف ، فقد عدّ سلوك الأخير ، وبروح عشائرية عززتها تربية الخانات ، اعتداء شخصيا على المنزل وعليه شخصيا ، فهجم على الضيف يالسكين . لقد أخطأه بالطعن ، لكنه ضربه على وجهه بقبضة يده فظهر له كم هي شخصية الضيف المثقف جبانة ورعديدة ، فقد بدأ بالصراخ والتقافز المذعور حتى الباب ، في حين سقط روفائيل بطي مغشيا عليه بسبب مرأى السكين . وفوق هذا التناقض الذي لم يكن وعي اسماعيل قادرا على هضمه ، كان هناك النفاق المعلن الذي يسم سلوك هؤلاء المثقفين : ( كان [ = اسماعيل ] يندهش من أن المتخاصمين في الصالون يخرجون وكأنهم نسوا كل شيء ، إذ إنهم ينهون الأمر بعبارات المجاملة لإخفاء العداء الحقيقي ، الذي كان يمكن أن يؤدي بهم – لو كانوا في خان خجة – إلى النزاع المسلح . لقد كان يدهشه أن الحاضرين يجلسون الساعات تلو الساعات وهم يسبّون ويشتمون أحد الشعراء ، لكنه حين يدخل الصالون ، فإنهم ينقلبون بلمح البصر إلى أصدقاء ، يقبلونه ، ويحتضنونه ، ويقولون له : -"مشتاقين" !! – ص 90 ) . وقد عزز هذا السلوك المنافق من هواجسه المشككة تجاه شاؤول الذي كانت هذه السمة النفاقية تسمه بقوة بالنسبة لاسماعيل ، فكيف يبني مستعمرة للسعادة الشمولية ، وكل همّه أن يجمع الثروة لنفسه ؟! هذان أمران لا يجتمعان في منطقه الذي هو منطق قياس " أرسطي " – هل المنطق الأرسطي الشكلاني هو توسيع وتعمية للمنطق الطفلي ، منطق اللاشعور الخاضع للعمليات الأولية : primary processes ، الذي يهمه تمرير أي رغبة تحت أي ستار فكري تبريري حتى لو كان يحمل بذرة إجهاضه في أحشائه بعملية قياس مقلوبة ؟ - وقد "قاس " اسماعيل وفق حسابات " ميكانيكية " لكنها معقولة مفارقة أن شاؤول كصاحب ثروة عظيمة ، أولى به أن يوزع ما في متجره على الأقل على الفقراء والمعوزين ، وأن يجعل قصره الفخم خانا للأشقياء والعتالين إن كان يؤمن حقا بالمساواة المطلقة والسعادة الشمولية والمدينة الفاضلة وأن الثروة للجميع . وعندما تجاسر وطرح هذا السؤال المقلق على شاؤول انفعل الأخير ، وردّ عليه بغضب وعصبية شديدة :
( - وهذا يحل مشكلة الفقر ، قلّي ، يحل مشكلة الفقر ، ولك الفقر قضية تاريخية ، ما قصري اللي صنعها ، أنت تقيس غلط ، الشيطان من قاس غلط – ص 91 ) . ولعل في إشارة علي بدر الذكية هذه ما يفضح تلك السمة النكوصية لدى الكثير من الحركات الفكرية العربية بشكل عام ومن المثقفين العرب بوجه خاص . فهم مستعدون للإرتداد والاستعانة بأكثر معطيات التفكير البشري الدينية والأسطورية طفولية وفجاجة من أجل تسويغ مواقفهم كأن يكتب ماركسي عراقي أن علي بن أبي طالب هو أول شيوعي في التاريخ !! أو أن يقول رجل دين مصري مشهور إنه صلّى ركعتي شكر لله لأن مصر لم تنتصر في حرب عام 1967 !!
------------------------------------------------------------------
# وقفة :
.. وليس النكوص في الإرتداد نحو المعطيات الدينية والأسطورية البدئية للإستعانة بها في تسويغ وتبرير المواقف الفكرية والعملية المتناقضة هو ما يسم الكثير من المثقفين العرب حسب بل التناقض المروّع الذي يصل حدودا كاريكاتورية تدفع إلى الدهشة الممزوجة بالسخرية رغم أنه يعبر عن اضطراب فكري فصامي . ولعل أشد الأمثلة إرباكا في هذا المجال هو مثال " حسن حنفي " الذي عالج طبيعة تناقضاته الفصامية الأستاذ "جورج طرابيشي" بصورة وافية في كتابه " المثقفون العرب والتراث – التحليل النفسي لعصاب جماعي ) وهذه عينة من تناقضات حنفي الكاريكاتورية :
-" الوحي لا تقدم فيه "
-" الوحي هو عامل التقدم "
-" الوحي نظرية خالصة في العقل "
-" الوحي فكر جاهز "
-" الوحي هو مصدر الفكر "
-" الطبيعة هي مصدر الفكر "
-" اللجوء إلى النصوص الموحى بها باعتبارها المصدر الأول للفكر "
-" العود إلى الطبيعة ، فالطبيعة هي مصدر الفكر "
-" الطبيعة لا تنتج فكرا "
-" الطبيعة هي مصدر الفكر "
-" الفيلسوف والنبي شخص واحد والفلسفة والدين حقيقة واحدة "
-" الفلسفة .. إعلان استقلال العقل كلية عن الوحي "
-" لا يمكن استخراج الحقائق الدينية من النصوص ، فالنصوص لا تزيد على روايات تاريخية عرضة للخطأ والتحريف ، والزيادة والنقصان ، والتبديل والتغيير "
-" ولكن تظل نقطة البداية هي الوحي الموجود بالفعل في كتاب .. فالبدء بالوحي ضمان واقعي وعلمي وحضاري في العثور على نقطة بداية لها يقين مطلق .. وقبول الوحي قائم على واقعة وهو وجود كتاب .. يمتاز بأنه وثيقة تاريخية صحيحة لم يصبها التحريف أو التغيير ، نقصا أو زيادة "
-" يمتاز منهج النص بأنه يبدأ ببداية تجعل عمل العقل قائما على أساس يقيني ، وتحمي نشاط العقل من التشعب والتشتت والتقلب والتذبذب ، كما تحميه من الظنون والأوهام والمعتقدات والشكوك والمصالح والأهواء "
-" لما كان النص فارغا إلا من الوقائع الأولى التي سببت نزوله فإنه كثيرا ما تتدخل الأهواء والمصالح الشخصية والظنون والمعتقدات لتملأ النص .. ومن ثم يتحول النص إلى مجرد قناع يخفي وراءه الأهواء والمصالح والنزعات والرغبات والميول "
-" الإجماع حجة سلطة وليس حجة عقل .. كما أن إجماع الأمة أقرب إلى إجماع في لحظة معينة ، لحظة تسليم للسلطان ، لحظة استسلام دون مقاومة ، لحظة انكسار تاريخي "
-" الإجماع تجربة إنسانية مشتركة بين علماء الأمة ، نوع من الحوار الحر بين المفكرين والمنظرين وقادة الرأي دون ما خوف أو قهر أو استبداد بالرأي أو إلهام يأتي حتى لو كان رأي الخليفة أو الإمام أو قاضي القضاة أو ساري العسكر "
-" الثورة العلمانية جزء من ثورة الإسلام "
-" النهضة الإسلامية نهاية العلمانية والتغريب "
-" نحن في حاجة إلى إعطاء حركة التنوير العلماني لدينا دفعة جديدة "
-" نرفض التغريب والعلمانية "
-" الدعوة إلى العلمانية عند علي عبد الرازق وخالد محمد خالد .. دعوة للإصلاح على النمط المسيحي الغربي "
-" العلمانية في تراثنا وواقعنا هي الأساس ، واتهامها باللادينية تبعية لفكر غريب وتراث مغاير وحضارة أخرى "
-" هل ندافع عن حاكمية الله أم حاكمية العقل ؟ .. الدفاع عن حكم العقل هو مهمة الجيل "
-" .. قوة الحاكمية هي أن الحكم لله . هذه نظرية موجودة نصا في الوحي : لا حكم إلا لله .. ومن ثم فهي واقع . فأنا غير مستعد أن أقول : الحاكمية ليست لله " (28) .
.. ومن الواضح أننا لو استمعنا إلى شخص عادي يجلس في مقهى أو يقف في شارع ويردد مقولات حسن حنفي هذه لحكمنا عليه بالإضطراب العقلي .. أو بالجنون .. ولعل علي بدر أراد أن يوصل إلينا رسالة أخرى مستترة لكنها شديدة الخطورة مفادها أننا نعيش نوعا من " الجنون الثقافي " وأنموذجه الفذ هو عبد الرحمن / فيلسوف الصدرية ، وهو جنون لا نحيل " المصابين " به إلى المصحات العقلية لأنه ينشأ ويترعرع في بنية ثقافية صالحة لنموه بحكم كونها بنية ثقافية جنونية تحت مظلة بيئة اجتماعية جنونية تنتفي صفتها الجنونية وتكتسب سمتها " المنطقية " من خلال "الإجماع " الجنوني !!
# إضحك مع المفكر " محمد عمارة " :
قال "محمد عمارة" في مداخلة له في ندوة "التراث والفنون الشعبية" عقدت في المملكة العربية السعودية عام 1988 : ( إذا كان الغرب يفرق شعره ، إلى جانب معين ، فنحن نفرقه إلى الجانب المعاكس ؛ وإذا حلق ذقنه فنحن نطيلها ، وإن أطالها فنحن نحلقها ) (29 ) .

----------------------------------------------------------------------------------







# عودة :
.. ولم يتورع منظّر مستعمرة السعادة وفكرة السعادة الشمولية ونظرية غدر التاريخ ، شاؤول ، عن أن ينكص إلى أطروحة أسطورية ودينية بدئية تناقض تفكيره " المادي " " التاريخي " ، وهي أطروحة القياس الشيطاني ، وكيف أن الشيطان قد اقترف معصية القياس فوقع في براثن الخطأ المميت والطرد الأبدي من الفردوس ، وكأن ضريبة العيش في النعيم المادي الأولى هي " إخصاء " العقل وقدرته على المحاكمة والنظر الثاقب والعميق إلى الظواهر وتقييمها . لكن النتيجة كانت مناقضة ( فقصة الشيطان التي سردها شاؤول لم تكن تزيد اسماعيل إلا إيمانا بأن القياس صحيح وأن الشيطان على حق – 91 ) . وليس هذا حسب ، بل إن عملية القياس قد أوصلت اسماعيل إلى تخوم "ثقافية" لم يكن يتوقعها ، وهو أنه بدأ يتعرف على الكيفية التي يمكنه أن يصبح " مثقفا " من خلالها . فقد اكتشف ( بعد جهد قليل أن الثقافة وإدارة فن القول بسيطة ، يكفي أن تتعلم بعض العبارات وتضعها في مكانها ومناسبتها وتعبر بوجهك تعبيرا معينا حتى تصبح شخصا مقنعا . وهذا الأمر كان يثير في نفس اسماعيل لذة نوعية ، ويوقظ في روحه رعشة كبيرة كانت غافية وراء ملامحه الجامدة – ص 92 ) . وعلي بدر يمسك ، هنا ، بظاهرة أفسدت المناخ الثقافي العربي ، ونخرت كدودة سامة في جسده ، وتتمثل باستسهال مفهوم الثقافة ، والنظرة المبتذلة إلى اشتراطات العمل الثقافي وكأننا نسير على قاعدة " أن كل من سخم وجهه صار حدّادا " . إن هذا الفهم المظهري والقشري للأفكار والنظريات الغربية والذي كان أنموذجه الأكمل – رغم أصالة فهمه لبعض مناحي الفكر الوجودي السارتري – هو عبد الرحمن ، قد أتاح لفرد عاش في الخانات ونشأ وترعرع في الشوارع وتطبع بطباعها أن يشعر بأن الثقافة عملية بسيطة ، فما هي إلا عبارات لفظية تُحفظ وتتردد على اللسان وحركات وتعبيرات جسدية نتقنها ، في حين أن هذا هو الطريق المستقيم الموصل إلى ما يمكن أن نسميه بـ " الكوميديا الثقافية " إذا ساغ الوصف ؛ كوميديا يعيشها المثقفون العرب منذ عقود باتفاق ضمني يجعل أية محاولة جادة لهتك أستارها وتأسيس ركائز الثقافة الحقيقية محاولة مستهجنة ومرفوضة لأنها تقوّض الوهم الثقافي ؛ حلم اليقظة الثقافي المخدّر الذي نحيا في أحضانه كألطفل المسترخي بنعومة ناعسة في أحضان أمه . فالثقافة يمكن أن تقدم " رحما " أموميا معونا يخفف من الخيبات العسيرة التي نعاني منها . وليس أمرا عشوائيا أن أغلب المصطلحات الثقافية المركزية تأتي في صيغة أنثوية : عقيدة ، فكرة ، نظرية ، فلسفة ، رواية ، مسرحية .. إلخ . وحتى الألفاظ المترجمة المقابلة للمصطلحات الأجنبية تأتي في تعبير مؤنث : أيديولوجية ، حداثة ، وجودية ، بنيوية ، تروتسكية ، يوتوبيا / مدينة فاضلة .. إلخ . ونظرة اسماعيل ، وهي أصلا نظرة مستخفة تعبر عن حياة خفيفة قوامها نظرة سطحية مبتذلة إلى كل مظاهر الحياة ، إلى الثقافة تحيلنا مع تعمّق بسيط ، و" قياس " أعمق ، إلى عناية المثقف العربي ببنيته الثقافية " الشكلية " والمظهرية المرتبطة بالألفاظ و كيس المصطلحات – jargon الذي يلعب عليه في أحاديثه ومقالاته في حين أنه يعيش انفصالا حقيقيا بين سلوكه المؤطر بفهمه الشكلي والمشوّه وبين المرجعيات النظرية التي استوردها من ناحية وبين المضمون الحقيقي لمفهوم الثقافة من ناحية أخرى . ومن الخطأ تكرار الكليشيهات التي تقول أن المثقف العربي يعيش حالة انفصام بين فكره وسلوكه ، فهو متطابق في سلوكه المرضي مع ما يحمله من أفكار قامت بتشويهها بنيته العقلية ومخزوناته المعرفية . ولهذا فليس غريبا أن يلقي أمامنا علي بدر ، ومن خلال اسماعيل وغيره من شخصيات روايته ، ظاهرة مرضية أخرى وصمت السلوك القافي العربي وتتمثل في تلك الانقلابات الثقافية الجذرية التي يمارسها المثقف العربي ببساطة ، وتتستر بالنظريات والأيديولوجيات في حين أنها تعبر عن بنية نفسية غير مستقرة "معصوبة" تحركها الدوافع والغرائز النفسية العميقة . وهذا ما حصل لاسماعيل في علاقته بشاؤول إثر فشل مشروع مستعمرة السعادة حيث انقلب من "الإيمان" بأفكار ونظرية شاؤول إلى نظرية مناقضة تماما . صحيح تماما ، وحسب التشخيص الموفق للروائي ، أن اسماعيل ( كان مثل كل الأدباء المنحدرين من الوسط البائس ، مثل كل الأدباء الذين لا يرون في الأدب والفن إلا واسطة ، إلا وسيلة للدخول في الصالونات والقصور الفخمة ، ولم يجدوا بالفن إلا زينة يزيّنون بها حياتهم ويجملّونها ، كي يحظوا في النهاية بفتاة غنية ، جميلة مترفة يضحون من أجلها ، يضحون في سبيلها ، ليمتصوا الرحيق الذي بين يديها ، وبعد أن تشيخ وتكبر يبحثون عن الأفراح والمسرات في نساء أخريات – ص 94 ) . وحين أشبع شاؤول حاجات الطعام والشراب والملبس والأمن في بيت و "عائلة " لدى اسماعيل ، إلا أنه غفل حاجة أخرى هي المحرك الكبير لسلوكنا والمشكلة من وراء ستار لانشغالاتنا الفكرية واهتماماتنا الثقافية ألا وهي : الحاجة الجنسية . ظل اسماعيل يشعر بفراغ كبير في حياته رغم النقلة " التاريخية " التي حققها شاؤول في حياته . ظل اسماعيل يبحث عن " التفّاحة " حتى لو كلّفه هذا البحث الخروج من مستعمرة السعادة ، بل حتى الطرد من الجنة " قياسا " على سلوك جده آدم رغم البون الشاسع بين " الروايتين " . ولعلّ – وقد أكثرت من استخدام حرف الرجاء هذا رغم أن كل الدلائل تشير إلى قصدية علي بدر المسبقة والمخططة – الروائي أراد إكمال رسمته لمسار التاريخ الثقافي العراقي الذي شهد انعطافة حاسمة بالتحوّل من يوتوبيا المادية التاريخية إلى يوتوبيا الوجودية في الستينات من خلال ملاحقة عملية انقلاب اسماعيل على شاؤول : ( وقد أدرك اسماعيل بصورة لا لبس فيها ، أن السعادة هي السعادة بالملمس لا بالحديث النظري ، وأن المال بالإنفاق لا بالتجميع والادخار ، فبريق الذهب لا ترقبه العيون دون أن تدمع ، وأن النفس لا ترى النساء دون أن تطمع ، ومن ثم أدرك اسماعيل أن حياة الثقافة مع شاؤول ليست هي الوحيدة على الأرض ، إنما حياة الثقافة مع شاؤول هي أكثر فقرا وقفرا وخواء . لقد أدرك اسماعيل أن حياته مع شاؤول هي حياة جافة مثل خشبة معلقة في باب الإصطبل ، فلا نساء ولا سكر ولا عربدة ، وأن في نفسه ما يدفعه إلى الملذات ، ما يجبر قلبه على الذوبان أمام الأشياء المسكرة الشهية ، ما يهزه أمام الركض وراء الأشياء البراقة والمخملية التي تخفي تحت كثافتها الملمس الناعم والجنس والمخدرات ، وهي الأشياء التي كان اسماعيل مؤمنا بها ، ومنقذفا نحوها بشكل غريزي ... تخلّى عن شاؤول ، طرده أول الأمر من ذهنه ، ومن ثم أخذت عيونه تتلصص على غيره ، وحين وصل عبد الرحمن إلى سوق الصدرية وجد اسماعيل حدوب النقلة الثانية . لقد هرب اسماعيل حدوب من شاؤول والتحق بعبد الرحمن – ص 97 و98 ) . لقد التحق اسماعيل بوجودي الصدرية بسرعة وبلا تمحيص نقدي " مقارن " ، وقد عبرت إشارة الكاتب إلى وصول عبد الرحمن إلى " سوق " الصدرية وليس إلى بغداد أو محلة الصدرية ، عن واقع أننا كنا ، ومازلنا في الحقيقة ، نعيش في "سوق" ثقافي تخضع الكثير من مكوّناته لقوانين السوق الإقتصادية مسحوبة على الفكرة والكلمة . فلقد راجت بعض الأفكار والنظريات ، واضمحلت واختفت على أساس مبدأ قريب من قاعدة العرض والطلب ، مثلما طردت بعض العملات النظرية الرديئة العملات النظرية الجيدة . وقد عانى السوق الثقافي ومازال من " تضخم " كبير في الأفكار يختل فيه المعروض منها مع قدرة الفرد على " الإختيار " و " الإقتناء " . ناهيك عن أزمات " الغش " الفكري ، وفقدان " الرقابة " أو حضورها المفرطين ... إلخ . المهم أن وصول عبد الرحمن إلى سوق الصدرية قد أوجد المتنفس لمأزق اسماعيل ، والمنفذ المناسب لتصريف دوافعه الغريزية المعطّلة . لقد عاش اسماعيل حياته مسلحا بفكرة وأسلوب القناص ومهارته ، ( القنّاص الذي يريد أن يصطاد الحياة بواسطة الفلسفة ، لا أن يصطاد الفلسفة بواسطة الحياة – ص 98 ) . وليس غير وجودي الصدرية من يوفّر له فرصة كبرى لتحقيق قاعدته الأثيرة : اصطياد الحياة بواسطة الفلسفة ، وليس أكثر من الوجودية ، بنسختها الأصلية بصورة "منضبطة" ، وبنسختها العراقية / نسخة الصدرية ، بشكل فائض عن الضوابط الفلسفية التبريرية ، من نظرية توفر الغطاء الفكري الموصل للأشياء التي يمكن لمسها ، أشياء نابضة بالحياة ومن لحم ودم ، أكثر من الأشياء التي يمكن إدراكها ، أشياء مجرّدة لا علاج لها إلا بالإستيهامات التي لا تغني من جوع نفسي . تلك الإستيهامات التي كانت منفذه الوحيد في مستعمرة شاؤول ، مستعمرة السعادة . ثم أن كل شيء في وجودية عبد الرحمن فوري وسريع الإشباع في حين أن كل شيء " مؤجل " في ماركسية شاؤول ، ( ذلك أن الوجودية واضحة في هذا الأمر أكثر من ماركسية شاؤول ،مثلا : - حينما يقول عبد الرحمن : عدميّة ، هذا يعني أننا سنسكر . – وحين يقول : حرّية ، فهذا يعني أننا سنبات مع قحبة . – وحين يقول : إلتزام ، فهذا يعني موعدا في البار أو في الملهى . هكذا قال اسماعيل يوما لأحد أصدقائه الجدد في مكتبة كورونيت . وكل هذه الأشياء هي تُمتع ، أشياء تؤنس ، بينما مستعمرة السعادة التي يريدها شاؤول لن تكون إلا بالنضال والقتال ، هذا يعني أن نناضل ، ربما نموت ولا نحصل عليها ، فأي فردوس هذا ؟ - 98 و99 ) . وقد ثارت ضجة في السوق عندما تحول اسماعيل من شاؤول إلى عبد الرحمن ، فثارت عاصفة من التقولات والشائعات أطلقها المكارية وشقاوات الصدرية ، تلاعبت بأعصاب شاؤول وأحرقتها ، خصوصا عندما تناهى إلى سمعه أن اسماعيل قد قال لوجودي الصدرية بأنه وجودي منذ أن كان في " القماط " ، فعلق على ذلك بالقول : - " ولكم هم صدّقتوا أن هذا الحمار كان ملفوف مثل الأوادم بقماط ، لكم هذا نغل مصلّخ ، كانت أمّه القحبة زاتته بشطيط – ص 99 ) . .. وقد استقبل عبد الرحمن اسماعيل بالترحاب والارتياح لأنه اختارحرّيته ، والحرية ، وجوديا ، إلتزام . وفي الواقع ، أن رواية شاؤول العائلية بالنسبة لاسماعيل كان يتضمن قوة طاردة ، في حين أن رواية عبد الرحمن العائلية كانت تتضمن قوة جاذبة : ( لقد جذب [ = عبد الرحمن ] اسماعيل بكل قوّة ، لأنه الكسل واللامبالاة والفواحش الظاهرة ، وكانت فلسفته ترد كل زلة أخلاقية إلى الطبيعة الإنسانية القابعة في ضمير كل واحد منا ، وهكذا كانت الفلسفة نسبة إلى اسماعيل أعظم وأخطر بكثير من الحديث النظري عن مستعمرة السعادة – ص 100 و101 ) .








# جيل الستينيات :
يقدم علي بدر وصفا هاما لقطاع واسع من جيل الستينيات ، خصوصا في سلوكه السلبي التبعي الإنبهاري من جانب ، وفي الروح الاستعراضية الخفيفة من جانب آخر . هذا الجيل الذي قدم علي بدر صورة دقيقة له . إنه جيل فضيحة ثقافية ، جيل المسكوت عن خصاله السلبية أكبر بكثير من الضجيج "الثقافي" الذي أحدثه ولحق ظهوره وتشكله المفتعل . والغريب أن هذا الجيل من المثقفين العرب قد شمّر عن سواعده التحليلية بعد هزيمة الخامس من حزيران ليعلن أنها كشفت زيف الواقع العربي مهملا تماما أنها كشفت زيفه وخواءه الفكري وروحه الإنهزامية وتصافقه المنخذل في الفرجة على تبعية الشأن الثقافي ، وهو الأم ، للشأن السياسي ، وهو الفرع ، وكيف أنه واحد من أسباب تلك الهزيمة . هذا الجيل كانت ثقافته – كما يرى علي بدر بحق - شفاهية ، ثقافة تستند إلى الكلام لا إلى الكتابة ، ثقافة يقوم منهجها اليومي على ( الجلوس في المقاهي والتحدث بصورة لا نهائية على طقّ الدومينو وشخير النارجيلة صباحا ، والرقود في السينمات متراخين على الكراسي الخلفية عصرا ، وفي المساء السكر والعربدة في الملاهي والبارات والأماكن العامة . الكتب لا تُقرأ منها إلا عناوينها ، ولا يعرف أحد منها إلا العروض المبتسرة في الصحف والمجلات الأدبية ، ومع ذلك ممالك تُبنى في الكلام ، وممالك تُهد ، عروش يهزّها الكلام ويخلخلها، ومدن يصنعها الكلام ويؤسسها ، وليس هنالك في واقع الأمر من كان بإمكانه أن ينفذ ما يقول أو من كان بإمكانه أن يصلح واقعا ، أو حتى يفهم واقعا – ص 50 و51 ) . وهو جيل ذو روح عشائرية ودكتاتورية ترفض الحوار وتستفزها الخلافات الفكرية البسيطة . جيل متخم بمشاعر النرجسية البالونية الزائفة القائمة على مشاعر الإكتمال الطفلي سريع العطب والانكشاف . والكثير من أبناء هذا الجيل ممثلا بعبد الرحمن لم يكن يكتب أيضا معللا ذلك بتخريج فكري لا تمنع عنه المبادىء الوجودية الأصلية حين تُمنح مداها الكامل في التطبيق متيحة للفرد الظرف الإمكاني الواسع والذي بلا حدود لتحديد المواقف والإختيار لإضفاء معنى على حياته . كان يرى أن الذي يكتب ، هو من يؤمن بشىء ذي جدوى ، يؤمن بحياة ذات معنى وينتظر مكسبا ( وكيف لي أن أؤمن بعالم خالٍ من المعنى ) فقامت الدنيا ولم تقعد ، جيل بأكمله لا يكتب لأنه لا يريد أن يجعل من نفسه من صنّاع هذا العالم الوهمي المخادع ، لأنه لا يريد أن يكون مخدوعا ، لا يريد أن يكون جزءا من هذه الترسانة التي صبّها الاستعمار والرجعية والجاحدون (ص51) . إن موقف عبد الرحمن هذا يتفق مع موقف سارتر ، برغم الدهشة المستثارة ، في الأصول ، وفي تبرير النتائج ؛ سارتر "المُختار" للكتابة : ( كنت أحسبني أهب نفسي "للأدب" حين كنت في الحقيقة أرتقي إلى درجات الكهنوت ... لقد تخليت عن الوكالة ، ولكني لم أنزع ثوب الرهبنة : فأنا ماأزال أكتب . وأي شيء آخر أفعله ؟ "لا يمضي يوم بدون كتابة سطر" . إنها عادتي ، ثم أنها مهنتي ، وقد طالما اعتبرت القلم سيفا : وأنا الآن أعرف عجزنا . ومهما يكن ، فإني أعمل وسأعمل كتبا . إن ذلك واجب ، وهو يقدم خدمة بالرغم من كل شيء . صحيح أن الثقافة لا تنقذ شيئا ولا أحدا ، وهي لا تبرّر . ولكنها نتاج من نتاج الإنسان : فهو يعكس نفسه فيها ، ويتعرّف نفسه ، وحيدا ، وهذه المرآة الناقدة تردّ له صورته – ص 190 و191 ) .
وضمن المعاونات السلوكية لهذا الجيل ممثلا بالكثير من الشخصيات في الرواية هو اعتمادها على الكحول كأداة لتغييب الوعي من ناحية ، ولتجنّب انكشاف بنيته الفضائحية من الناحية الثانية . كان أفراد هذا الجيل "كائنات ليلية" تصحو وتنتعش فاعليتها "الثقافية" ليلا على أكؤوس الخمرة خلاف المعهود من فعل الكحول كعامل كيميائي يثبط الوعي ويصيب القوى الإدراكية بالخمول . ولعل العامل المستتر في الحاجة النفسية اللاشعورية للخمرة هي أنها "حليب الراشدين" حسب الوصف التحليلنفسي المحكم لـ "جيرار ماندل" ، فـ " الكحول يحلّي الواقع الخارجي فيبدو للأنا أقل غرابة ، ويلغي الحدود بين الأنا والعالم الخارجي فيزيد من الشعور بالثقة بالذات "(30) . لقد كان عبد الرحمن معاقرا يوميا للخمرة إلى درجة الإفراط والثمالة . ففي كثير من الأحيان كان يصل مرحلة السكر التام حدّ أن يسقط رأسه على صدره نائما في الحانة وهو يتحدث إلى أحمد أو اسماعيل .. وقد يقوم الندل برميه خارج الملهى إلى الشارع .. وقد يعود إلى البيت ليسقط في الغرفة على وجهه .. وقد يضل طريقه إلى بيته كما حصل في الحادثة التي تعرف فيها إلى "جرمين" عندما دلّته إلى الشقة التي يسكن فيها . أما سي معمر فكان يغيب وعيه في دوامة دخان الحشيش . ويصح هذا على جيل الشباب الأوروبي الذي آمن بأفكار سارتر وتمسك بعروتها الوثقى . وحين نحاول معالجة الأهمية المركزية للخمرة في حياة هذه الأجيال المحبطة والمثبتة علينا أن لا نغفل حقيقة المماثلة المستترة بين الخمرة وحليب الأم من ناحية توفير الإطمئنان والثقة والحماية والدفء والاستكانة في الرحم الأمومي . كان في التجمع الليلي حول مائدة الشراب نوع من الغطاء الحمايوي الذي يتيح لعبد الرحمن الثقة بالذات .. نوع من التآصر والتساند الذي يشعره بأناه المهدّد بمكبوتات الخصاء . وحين يُطلق الكحول ، بفعل "إذابته" للأنا الأعلى وهو ضعيف وغير مكتمل النضج أصلا عنده خصوصا وأن أباه كان مدمنا على الخمرة (ص ) عند المكبوتات المحارمية التي اختزنها طويلا من أسارها فإنه كان يجد إلى جواره " " دلال مصابني" وبقية راقصات وعاهرات ملهى "جريف أدب" اللائي يشكلن الأنموذج الإستبدالي الذي يتستر الأتموذج الأمومي الآثم المحتاج للتطهير والإنقاذ تحت أعمق طبقات معانيه الرمزية . كان لدى عبد الرحمن جوعا فمويا شرسا يبغي الإشباع العنيف ، هذا الجوع كان من نتائجه أن مثلت الخمرة "هدفا" بعد أن كانت وسيلة . وقد صبغ هذا الجوع الفموي "غثيانط عبد الرحمن الوجودي بصبغته . هذا ما فسّره لتابعه اسماعيل حدّوب الذي سأله كيف يبقى الإنسان في لحظة شعور غثيانية مستمرة من الولادة إلى الممات : ( مثلا أن تشرب كأس كونياك كهذا الكونياك الفاخر ، أو أن تدخن تبغا كهذا التبغ الهولندي الرائع ، أو أن تصعد صدر امرأة كهذه المرأة ، وربّت على كتف دلال ... وتشعر بغثيان في الطاقة القصوى من الغثيان ، وتبقى مثلا إلى الممات شاربا الكأس ، أو واضعا الغليون ، أو صاعدا على صدر المرأة ، شاعرا بغثيان مستديم ، لحظة واقفة ، حركة واقفة ، غثيان واقف ، وعالم يجري حتى تموت ، فتحقق بذلك وجودية كاملة ، وجودية غير منقوصة ، وتصبح أنت أعظم وجودي على الارض – ص 74 ) . وتتيح الخمرة في أغلب الأحوال إنسراب المشاعر المثلية في المجتمع الذكوري خصوصا ؛ هذه المشاعر التي كانت تتململ في لاشعور عبد الرحمن ، وقد تكون سببا مضافا من أسباب شعوره الدائم بالغثيان بعد كل فعل جنسي مع أنثى ، وفي اضمحلال ارتباطاته الجنسية المشروعة بزوجته مع تنامي علاقته اليومية باسماعيل حدوب الذي لم يتردّد في إعلان مشاعره تجاهه في تعبير مناور لكنه فائق الدلالة . ففي يوم غزير المطر شديد البرودة من أيام كانون الثاني في بغداد لاحظ عبد الرحمن أن اسماعيل كان يرتجف من البرد ، فخلع جاكتته وألبسها اسماعيل وقال له : -" أنت تشكّل لي ما تشكله سيمون دو بوفوار لسارتر ! " – ص 116 . وعلى مائدته الليلية ، وضمن سياق طقس رضاعته اليومي ، كان عبد الرحمن يُظهر علامات السيطرة والقوة التي يحتاج إليها بفعل المشاعر الإنخصاء المكبوتة . كان عبد الرحمن ، مع تصاعد فعل الخمرة ، يخطّط و "يقود" ويعاقب .. ويشتم .
# مثلية سارتر :
... تبدو الميول المثلية السلبية لدى سارتر واضحة أو مستترة ؛ واضحة يعلنها في أكثر من موضع في سيرته : ( كانت هناك متع بسيطة ، مبتذلة : أن أعدو وأقبل بشرة أمي الناعمة المعطّرة ، ولكني كنت أعلق أهمية أكبر على المتع الجادة المزوجة التي كنت أحسها في صحبة الرجال الناضجين .. وحين كان السيّد بارو ينحني فوقي ، كان نفسه يكبّدني ألوانا لذيذة من الضيق ، فكنت أتنشق في حماسة فضائله العاقّة ) (31). وتشيع بصورة ملفتة للنظر العبارات التي يعد سارتر الطفل أو الراشد نفسه أنثى ( فتاة أو امرأة ) : - أحيي عبر الحاجز جارتي التي كانت في مثل سنّي ومثل خصلاتي الشقراء وأنوثتي الطفلة – ص 44 – إنني أحترم الراشدين شريطة أن يعبدوني ؛ إنني صريح ، منفتح ، رقيق كفتاة – ص 24 . – لقد تأنثت بالحنان الأمومي .. فأصبحت محض موضوع ، مرصودا أبلغ الرصد للماسوشية – ص 83 . – الحقيقة أني كنت إنسانا فاسقا ، أشبه بفتاة تتبع الجنود – ص 129 . كما تكثر الأوصاف الاستقبالية السلبية ذات المعاني الرمزية كالفتح والشق والقطع إلى نصفين : - لقد كنت كاتبا – فارسا ، وكنت أُقطع إلى نصفين ، وكان كل نصف يصبح رجلا كاملا – ص 129 . – إن الناس يأخذونني فيفتحونني ، ويبسطونني على الطاولة – ص 145 . وهناك ما هو أهم من كل ذلك وهي شهادة سيمون دي بوفوار عن الحفزات المثلية الباطنة في علاقة سارتر بكامي وهو ما سنعرض له لاحقا .
ومن المهم الإشارة إلى أن المحملين بميول مثلية يميلون عادة إلى الحط من شأن الفعل الجنسي " الطبيعي" بين الرجل والمرأة .. وجعله مصدرا للغثيان بدلا من أن يكون مصدرا للمتعة والإشباع . ويتحدث سارتر ، في سيرته ، عن الكيفية التي يصنع بها أبطاله فيقول : ( كنت أنا المولود من انتظار مُقبل ، أثب مشرقا ، كليا في كل لحظة ، وكانت كل لحظة تردد احتفال ولادتي : وكنت أريد أن أرى في عواطف قلبي زفير شرارات . فلماذا يُفرض في الماضي أن يُغنيني ؟ إنه لم يكن قد صنعني ، بل كنت على العكس أنا الذي أنبعث من رمادي وأخرج من العدم ذاكرتي بخلق مستعاد دائما . كان غالبا ما يُقال لي : إن الماضي يدفعنا ، ولكني كنت مؤمنا أن المستقبل كان يجذبني . وأخذت تقدّم البورجوازيين المتصل ، ودسسته في روحي وجعلت منه محرّكا ذا انفجارات : طالبته بأن يُخفض الماضي أمام الحاضر ، والحاضر أمام المستقبل ، وحوّلت نزعة تطورية هادئة إلى نزعة كوارثية ثائرة ومتقطعة . ولقد نبهوني منذ أعوام إلى أن شخصيات مسرحياتي ورواياتي يتخذون قراراتهم بصورة مفاجئة ، وفي الأزمة ، وأنه كانت تكفي لحظة مثلا لكي ينجز أورست تحوّله . عجبا : ذلك أني أصنعهم جميعا على صورتي ؛ لا كما أنا بلا شك ، بل كما أحببت أن أكون ) (32) . وليست ببعيدة احتمالية الخلاص من الإثم المحارمي والعداء الأوديبي رابضا خلف الميل العزوم للولاء للمستقبل على حساب الإهمال التام للماضي ونكران أن يكون له أي دور في صنع سارتر ، رغم أن قراءة السيرة ، السريعة وليست التحليلية ، تكشف لنا أن التسع سنوات الأولى التي ركز عليها سارتر في سيرته كلها تقريبا هي التي صنعته ونثرت بذور ونوى أفكاره الأولى . وإلا ما معنى أن يخصص سارتر الجزء الأول من سيرته لتلك السنوات من ماضيه ، ويشحنها بكل خيالات ما سيكونه مستقبلا ؟ وهذه السيرة التي لم يأتي فيها ذكر للأب إلا في صيغة العدوان الأوديبي عليه والرغبة في قتله ، كانت مساحة للعلاقة المحارمية المعلنة وغير المعلنة مع الأم ، وكلا المتجهين العاطفيين يزرعان إحساسا متأصلا بالذنب لا يمكن التخلص منه نهائيا مهما كانت دعاوى الإنكار العقلانية . وقد رسم علي بدر سيرة فيلسوفه بصورة موازية حيث تغييب الأب نسبيا وحضور الأم الطاغي في تشكيل مكبوتاته اللاشعورية الحاكمة التي شكلت مسار حياته المستقبلي . رسم علي سيرة فيلسوفه بطريقة جعلتنا نقتنع بأن عبد الرحمن هو "النيجاتيف" الأصل الذي ترتسم عليه الصورة السارترية الحقيقية بعد رفع ألوان الطروحات الفلسفية وأردية المنجزات الفكرية والأدبية عنها . وليس بدعا أن تكون موضوعة الموت هي الموضوعة المركزية المتسيدة على مسار سيرة سارتر هذه بأكملها ، سيادة – وهذا ما ينبغي ملاحظته بقوة – لا تتناسب مع التسع سنوات الأولى التي يكتب عنها حيث يدرك الطفل الموت عبر ثلاث مراحل متميزة حددتها أدبيات علم النفس على الشكل التالي :
اــ المرحلةالأولى ـ:
وتمـتد حتـى السنـة الخـامسة من العمرتقريباً وفيها لاينظر الطفل
الى الموت كنهاية بل كأنفصال مؤقت وأحياناً كحالة تشبه النوم .

ب- المرحلة الثانية :
وتمتد من الخامسة وحـتى التاسـعة مـن العمر وفيها يميل الطفل ألى
(تشخيص) الموت ، أي يعتبـره وكأنـّه بـشر ، أو كأنّـه ذو قـوّة بشـرية أي
(تجـسيده) مادياً . لايـزال المـوت خارجياً ويمكن تجنبه شخصياً:- يستطيع
الفرد الهرب من رجل الموت أو يغلق الباب بوجه ((بعبع الأطفال)) .
جـ ـ المرحلة الثالثة :
مع نهايــة السنــة التاسعـــة من العمر يبدأ الطفل بحيازة فكــرة
الراشدين عن الموت ، وخصوصاً حتميته ونهائيــّته . وفي المفهوم
المعرفي فأن عبارة بسيطـة مثل ((سوف أموت)) تتضمن إدراكا
ذاتـياً ، وعملـيات فـكريـّة مـنطقية وفـهم الاحتمـالية والضرورة و
السببية والزمن الشخصي ؛ طول مدة حياة الشـخص ، والـزمن
الفيزيائي ؛ الزمـن الـموجود بصـورة مستقـلة عـن الشـخص
والنهائية والانفصال .
أي أن الطفل في السنة التاسعة من العمر يستطيع فقط شخصنة – personification الموت . أما بعدها فهو يستطيع إدراك أن الموت يعني الرحيل النهائي على الطريق الذي لا عودة منه كما يصفه السومريون القدماء . لكنه لن يستطيع فهم الأبعاد الوجودية والفلسفية ولا العبثية المترتبة عليه . فقط الطفل ساتر يسنطيع سبر أغوار هذه المعضلات وهو في الصف الأول الإبتدائي !!. ولن يطالع القاريء صفحتين أو ثلاث من سيرته الطفلية إلا ويصدمه موقف فلسفي وجودي شديد التعقيد عن سطوة الموت وكيف يمكن أن مواجهة الفناء عبر التحكم بالمصير الشخصي ، وعدم القدرة على إدراك هذا المصير إلا عند الوقوف على موت عزيز محبوب تم استدخاله في الأنا الشخصي فأصبح جزءا منه . وبالمناسبة فإن هذه الفرضية الأخيرة مأخوذة عن سجموند فرويد في كتابه " أفكار لأزمنة الحرب والموت " ، أخذها سارتر ومارسيل ، كلا وفق رؤية مناقضة للآخر ، ولم يعلنا عن أصلها . يقول سارتر عن موت جدّته لأبيه : ( .. وفضّلوا أن يبعدوني عن الأمكنة التي كانت تلك الحياة الطويلة الشقيّة تحتضر فيها ؛أعطوني للتسلية ألعابا مناسبة .. وبذلت جهدي لكي أبدو في خشوع مثالي ، ولكني لم أشعر بشيء . وكذلك لم أشعر بشيء حين تبعنا النعش حتى المقبرة . كان الموت يلتمع بغيابه : فالوفاة ليست هي الموت ؛ ولم يكن يسوءني تحوّل تلك العجوز إلى بلاطة مأتمية ؛ لقد كان في ذلك تحويل للخبز والخمر إلى دم وجسد ، وصول إلى الكينونة ) (33) ( كنت في السايعة من عمري ، كنت ألتقي "الموت" الحقيقي ، "الصديق" في كل مكان ، إلا هناك .. كان الموت دفع الجنون إلى الذروة ، والاستغراق فيه . كانت لاجدواي العميقة ، أنا الهبة الإلهية .. كنت أحسّني زائدا على اللزوم ، وإذن ، فكان ينبغي الاختفاء ... بمقدار ما تزداد الحياة لامعقولية ، يخفّ احتمال الموت ) (34) . وفي التاسعة يكتب الآتي : ( كان الموت دواري ، لأني لم أكن أحب أن أعيش : وهذا ما يشرح الإرهاب الذي كان يوحيه لي . وإذ وحّدته بالمجد ، جعلت منه غاية قصدي . لقد أردت ان أموت ؛ وكان الهول يثلج نفاد صبري أحيانا ، ولكن لا لمدة طويلة قط ؛ فقد كانت فرحتي المقدّسة تولد من جديد ، وكنت أنتظر لحظة الصاعقة حين سألتهب حتى العظم . إن مقاصدنا العميقة هي مشاريع وفرارات مرتبطة ارتباطا لا فكاك منه : فمشروع الكتابة المجنون ، بقصد أن أصفح عن وجودي ، أرى جيدا أنه كان يملك بعض الحقيقة والواقع ، بالرغم من ضروب التبجح والأكاذيب ) . ويكتب أيضا : ( كانت أمي قد غادرت القاعة ، وكنت وحيدا ، .. كان حفيد حفيدي ، فوق ، يغلق كتابه : كان يحلم بطفولة جدّ خاله ، وكانت دموع تسيل على خديه ، وكان يتنهد قائلا : " إن ذلك صحيح ، بالرغم من كل شيء ، لقد كتب في الظلام " .. كنت أروح وأجيء ، كأني في عرض ، أمام أطفال سيولدون ، وكانوا يشبهونني ملمحا ملمحا ، وكنت أنتزع من عيني دموعا ، مفكرا بالدموع التي سأجعلهم يذرفونها . كنت أرى موتي بعيونهم ؛ كان قد وقع ، وتلك كانت حقيقتي : وأحسستني إحساسا عذبا ، حيا بعد موتي ) ( 35) .

# حول سلوك الجيل الوجودي :
وتثير رواية "بابا سارتر " أيضا معضلة السلوك العدمي للجيل الذي آمن بالوجودية – ومنهم عبد الرحمن – في الستينيات خصوصا . ومن المصادفات أنني حصلت على كتابين في أسبوع واحد يتحدثان عن سوء فهم الشباب الغربي والعربي على حدّ سواء للمذهب الوجودي في التطبيق حيث حوّلوه إلى سبيل يبرّر التهتك الجنسي والإنحلال والخلاعة رغم أن الفارق بين الكتابين خمسون عاما !! . الأول هو كتاب " ريلكه " الذي ترجمه الدكتور ممدوح حقي عام 1962 ، ووضع له مقدمة قال فيها :
( رأيت شبّان الوجوديين وفتياتهم في باريز فرأيت في كهوفهم الصاخبة بالموسيقا ، السابحة بالخمرة ، العبقة بسحب معقدة من السجاير ، العاصفة بالرقص المجنون ، المسرفة بالاستهتار والميوعة والخلاعة ... ما جعلني آسف على مصير البشرية إذا كان هذا المذهب هو مذهب القرن العشرين الفلسفي . ومن زار منتدى " لي دوماكو" مثلا رأى عجبا من العجب .. وعدت إلى كتب الوجودية استقريء أسس هذا المذهب الغريب فرأيت فارقا عظيما جدا بين دعواها الفلسفية وما يُطبّق منها ... الوجودية أصبحت زيّ هذا العصر " وموضته " تسيل على ألسن الناس وأقلام الصحفيين بفهم أو غير فهم . فكلما رأوا شابا خليعا أو فتاة مستهترة ، أو منظرا يتقزز الشرف ، أو سمعوا أغنية قذرة .. قال المؤدبون بحرقة المتأسف : " هذا عمل وجودي " . وقال الخلعاء بإصرار العنيد الأحمق : " تلك هي الحرّية ، حرية الوجودية ، حرية الإنتاج الإنساني الطليق " ! والواقع أن الوجودية بريئة من هذه الخلاعة ) .
أما الكتاب الآخر فهو للأستاذ " مهدي شاكر العبيدي " وعنوانه " أعمدة صحفية " وقد صدر نهاية العام الماضي (2010) وجاء فيه : (الذي يجول في شوارع بغداد في الساعات الأولى عند كل صباح يروعه منظر الرجال ذوي الملابس الرثة والأطمار الممزقة ويسائل نفسه من أين خرجوا أو كيف قضوا ليلتهم وهل اغتسلوا بالماء أو عدلوا من هيئتهم وقد طال شعر رؤوسهم الحاسرة ولحاهم التي أهملوها كليا وهل لهم علم بالوجودية ومسالك الوجوديين كما نقل لنا عن حياة الوجوديين خطأ بعض العائدين من فرنسا ... أما أنا فقد أصغيت لبعض المتقولين بشأن أولاء المتشردين ممن ينامون في الشوارع أو يفترشون الحدائق العامة فمن قائل إن هذا الزري الخلقة الذي لا يكلم أحدا ويظل متنقلا طوال ساعات النهار من جهة لأخرى غير مبال بحر الصيف ولا برد الشتاء القارس هو أحد الأسرى العائدين من حرب الثماني وقد مني بصدمة فأنكره ذووه وانقطعت آصرته بهم فآل إلى هذا الطراز من الحياة حيث الضياع والتيه وانعدام المسؤولية والإحساس حتى بكونه ذا وجود وكيان بين البشر .. ولك أن تسأل نفسك أليس من حقهم أن يقطنوا الشقق الفارهة بشارع حيفا مثلا بدلا من الأغراب الوافدين المشايعين للنظام السابق ، وقد نبذتهم بلدانهم – ص7).
ويتساءل حقي عن سبب افتعال بعض الوجوديين الإهمال والتخلّع والفجور ،فيعلل ذلك بالقول إن أكثر هؤلاء الفجّار من خلعاء الشبان والفتيات طلاب اللذة الجسدية ، أو المصابون بانحراف جنسي ، أو مرض نفسي ، نشأ من عقدة حرمان مادي أو معنوي أو نقص في الحنان العائلي ، وقد وجدوا في مبدأ الوجودية الأول ، مبدأ الحرية ، ما يساعدهم على الإنطلاق في جوّ مسموم بالتحرّر المنحرف ، وأكثرهم لا رقابة عليهم ، فاندفعوا فيه يقولون : " أنا حرّ مسؤول عن حرّيتي ، لا أحد مسؤول عني .. وإذا كان المجتمع يرفض مني ذلك ، فإني منضو إلى جماعتي ومنعزل في كهفي معهم ، نمارس وجوديتنا بعيدين عن أنظار أعدائنا الشرهة ) . وأعتقد أن في تبرئة الوجودية كبنية فكرية وسلوكية من تعليل جنوح هؤلاء الشباب المتهتك الذي تمسك بها فيه مغالاة كثيرة . فعلى المستوى النظري تقدم الوجودية الإطار النظري التبريري لأي سلوك حتى لو كان الزنا بالمحارم مادام الفرد يتخذ بصدده " قرارا " " يلتزم " به ، بعد أن يحيا " الموقف الوجودي " بالقلق والضجر والغثيان الضروري كممهد لـ " الإختيار " بين طريقين متقاربين ، مارّا بمرحلتي " الإهمالية " و " اليأس " الإكتئابي الخلّاق . سارتر نفسه عاش مع سيمون دي بوفوار " حرّين " من أي التزام ، مخلصين لاختياراتهما الجنسية . سارتر ذاته لم يتردد في الإعلان عن دوافعه المحارمية في سيرته وفي مؤلفاته . ولعل هذا الإطار الفكري هو الذي كان وراء واحدة من السمات الصارخة في الرواية الوجودية وهي المتعلقة بـ " الابتذال الجنسي " والذي حاول بعض الكتاب والمفكرين " تخريجه " فلسفيا . وقد كان عبد الرحمن يتغنى بقصيدة " وجودية" للراحل الشاعر "نزار قباني" والتي يصوّر فيها السلوك اللاأبالي والعدمي المنفلت لفتاة فرنسية وجودية اسمها "جانين" ؛ يصف قصة شعرها الغلامية ، وخفها المقطّع الصغير ، تجول هائمة في ليل باريس الرمادي بلا اتجاه لا يصحبها غير كيسها الراقص من ورائها ، تعيش في التابو وللتابو ، وليلها جاز وسرداب :
( كانت وجودية
لانها انسانة حية
تريد ان تختار ما تراه
تريد ان تمزق الحياه .. من حبها الحياة
كانت فرنسية
في عينها تبكي سماء باريس الرمادية
كان اسمها جانين... )
وعلي بدر في رصده لهذه الظاهرة يعبّر ، من وجهة نظري ، عن إدراك عميق للمعاني المستترة للموقف الوجودي . ومن جديد فإن ما سطره علي من حكاية ذات وقائع ساخرة يتضمن المضامين الحقيقية التي توصل إليها أي "مؤمن" حقيقي بالفلسفة الوجودية في نسختها السارترية . إننا سنقف ، في المآل النهائي الفعلي ، على مسرح ما يمكن تسميته بـ "الكوميديا الوجودية " . يقول علي : ( ربما أغرى هذا الأمر أحد أشقياء بغداد في محلة التكية بأن يطلق على نفسه (عباس وجودية ) ، فكان عباس يدخل المقاهي وبيده خنجر ، ويصرخ :
" الوجودي على صفحة ، والعدمي على صفحة ، ومن يكره الوجودية على الأرض انبطحه "
كان عباس وجودية يتفاخر في ملاهي ومقاهي بغداد أمام أصدقائه الأشقياء ، أن بإمكان سارتر أن يغلق ثلاثة مقاهي في مونمارتر في ساعة واحدة دون سكين – ص 194 ) .
وسأقول مباشرة إن الفكر السارتري يتيح ، حين نرفع الرتوش الفلسفية الملغزة ، ما ضاع في ضبابيته الشباب من سلوك عدمي . إن هؤلاء الشباب ، في الغرب وفي الوطن العربي على حد سواء، ومعهم الجيل الستيني، فركوا الصورة الوجودية وأظهروا "نيجاتيفها" الحقيقي إذا ساغ الوصف . أخرجوها عارية على الطريق وطبقوها بفهم حقيقي . لقد أراد سارتر ( أن يقيم دليل الحرية على الشعور بالمسؤولية ، ولكن هذه الحجة لا تجدي نفعا إلا إذا افترضنا أن الشعور بالمسؤولية ينطوي هو نفسه على شعور ضمني بالحرية ، وهذا الافتراض لا نكاد نجد له أثرا في ثنايا مذهب سارتر . والواقع أن المسؤولية التي ينادي بها صاحب " الوجود والعدم " تعدو كل ما استطاع الإنسان أن يختاره بمحض حريته ، فهي تمتد حتى إلى الأحداث الخارجية التي لم تكن له عليها يدان . ولكن هل يعتقد سارتر حقا أنه مسؤول عن غزو بولندة واحتلال فرنسا وتدمير ستالنغراد ؟ هذا ما لن يعدم له سارتر جوابا إذ سيكون رده علينا أن موقفه بإزاء تلك الأحداث كان وليد اختياره ، فهو بتحقيقه لبعض الأفعال الحرة في ذلك العالم المضطرم بنار الحرب ، قد تحمل مسؤولية كل ما كان يقع من أحداث في ذلك العالم . وهكذا ترى أن مجرد تحسر سارتر على الحالة التي آلت إليها فرنسا عام 1940 دليل على حرّيته! لأن موقفه بإزاء تلك الحالة شاهد بوجوده وناطق بحريته. وتبعا لهذا المنطق فإن في استطاعة أي فرنسي أن يقول : ( لقد عاصرت فترة الاستسلام الحربي عام 1940 فأنا إذن قد اخترتها وارتضيتها . إن طبيعتي لم تكن لتقضي بالضرورة أن أعرف عار الاحتلال الألماني ، فأنا إذن قد أردت ذلك الاحتلال وما ترتب عليه من عار ، وأنا مسؤول عنهما .. وهلم جرا .. وهكذا نرى أن المسؤولية التي تتصورها الوجودية السارترية تختلف كل الاختلاف عما اصطلح الناس على فهمه بالمسؤولية . فليس ثمة مسؤولية في نظر الناس إلا حينما يكون علينا أن نعطي حسابا عن شيء ما أمام شخص ما ، وهذا الشخص هو الذي يصدر الحكم ويوقع الجزاء ، يستوي في ذلك أن يكون هو الله أو المجتمع أو الذات المثالية نفسهاباعتبارها القاضي الذي يحكم على الذات الواقعة أو التجريبية . وأما عند سارتر فليس من أثر لكل هذا . لأننا بإزاء مذهب وجودي يطرح كل المسلمات العقلية التي تفسر بمقتضاها مذاهب الماهية شعورنا بالمسؤولية . فنحن بإزاء مسؤولية لا معقولة تقوم على أساس تجربة باطنية يعبر عنها سارتر بقوله : إن المرء لا يفعل ما يريد ، ولكنه مسؤول عما هو : ذلكم هو الواقع . ومعنى هذا أننا هنا بصدد واقعة محضة لا تقول تفسيرا ولا تأويلا بحيث إن المسؤولية لابدّ أن تبدو في نهاية الأمر (مثلها كمثل أي شيء آخر) مجرد واقعة لا معقولة ) (35) .
( ومن جهة أخرى فإنه من العسير أن نفهم كيف تقع علينا "المسؤولية الشاملة لوجودنا" على حد تعبير سارتر إذا كانت إرادتنا تتبع بالضرورة ما نحن عليه بالفعل . بعبارة أخرى يمكننا أن نقول إن مذهب سارتر في الحرية لا يبين لنا بوضوح على أي أساس تستند تلك المسؤولية الشاملة التي بمقتضاها نقدم حسابا عن سائر أفعالنا ، بل عن وجودنا نفسه ، بحيث نكون مسؤولين في النهاية عن "ماهيتنا" الأخيرة . والواقع أن سارتر حينما يتحدث عن "مشروعنا" الأصلي، أعني عن ذلك الأسلوب الأولي من أساليب الحياة الذي تنبثق منه سائر أفعالنا ، فإنه يتحدث عن "صورة" لا يمكن أن أكون مسؤولا عنها ، لأنها أقرب ما تكون إلى مركب غامض لاشعوري أجد نفسي بإزائه ، كما يجد المرء نفسه "موجودا" في هذا العالم بدون إرادته . حقا أن سارتر يزعم أن هذا المركب الغامض نفسه هو وليد اختياري ، ولكن كيف السبيل إلى فهم ذلك الاختيار الأصلي الذي يبدأ من لاشيء ، في حين أن ثمة " معطيات " لا تكاد تنفصل عن وجودنا نفسه ؟
وفضلا عن ذلك ، فكيف يكون الإنسان مسؤولا عن وجوده ، إن لم تكن "ذاتيته" خاضعة لسيطرته ؟ إن سارتر نفسه ليسلم بأن المرء لا يفعل ما يريد ، ولكنه لا يتردد في تقرير مسؤوليته ، فماذا عسى أن يكون معنى تلك المسؤولية التي بمقتضاها يقدم المرء حسابا عما هو ، لا عما يفعل ؟ بل ماذا عسى أن تكون تلك الأفعال إذا كانت مجرد أفعال عارضة عابرة ، تنبعث في شبه تلقائية حرة من اختيارنا الأصلي ، دون أن تكون وليدة أي تدبر عقلي أو أية رويّة إرادية ؟ ألسنا هنا بإزاء مسؤولية غامضة تتولد عن حرية مظلمة لا تكاد تعرف نور العقل ؟ الواقع أن المسؤولية لا تقوم إلا حيث يكون المرء "رب أفعاله" . وأما عند سارتر فإننا بإزاء تلقائية عمياء لا تسمح لنا بأن نقرر أن الإنسان السارتري مسؤول فعلا عن أعماله . ولهذا فإن فكرة سارتر عن "المسؤولية" لا تكاد تنطوي على أي مفهوم عقلي واضح ) (36) .
# الوجوديون العرب والسياسة :
كان عبد الرحمن يرى في فكرة غريبة عن البنية الوجودية الأصلية أن الوجودية العربية يجب أن تهتم بالسياسة .. لا يمكن أن يكون الفرد وجوديا بدون نضال .. فالوجودية التزام .. إنه يريد خلق وجودية عربية ذات انهمامات سياسية متجذرة .. فالوجودية العربية تتحقق غيريتها من خلال اتساعها وإشاعتها ، وبذلك ستكون الغيرية العربية لا تشبه الغيرية الغربية التي ابتدعها سارتر .. يعرض علي بدر ببراعة تحليلية فائقة الكيفية التي أنضجت قناعة وجودي بغداد هذه وهو يسكر في ملهى جريف أدب : ( الراقصة الزنجية القادمة من البصرة برقصها الحريمي المخلع .. ألهبت عبد الرحمن فكرة الوجودية الوطنية .
-من قال إن الوجودية لا تُعنى بالسياسة ، ولا بالوحدة الوطنية ، وإلا فما معنى الإلتزام السارتري ؟ - ص 60 )
# وقفة مع الوجوديين الفرنسيين والسياسة ..معضلة الإحتلال خصوصا :
- تحيلني الواقعة التي ذكرها علي عن النقمة العارمة التي اجتاحت سي معمر بعد قتل شقيقه في الجزائر على ايدي الفرنسيين المحتلين إلى واحدة من المشكلات الخطيرة التي يواجهها مثقفو أيّ بلد هي مشكلة احتلال وطنهم. حصل هذا الأمر في الكثير من البلدان مثلما يعيد التاريخ نفسه ويحصل مثل هذا الأمر في العراق الآن. وعلى الرغم من أنّ مشكلة الاحتلال مرفوضة من قبل أبناء أي شعب وهي مدانة قانونياً وسياسياً إلاّ أنّ المعضلة التي تحصل بين المثقفين تعود إلى حساسيّة المثقف وقدرته على النظر إلى جوانب مختلفة من الموضوع المطروح ووفق زوايا نظر متباينة ومتضاربة من ناحية، وقدرته على تأطير وتبرير أشدّ السلوكيات انتهازية بفعل المستوى المعرفي والمهارة اللغوية والموقع الاجتماعي له من ناحية أخرى.
- يهمني أن أقدم في هذا الإطار أنموذجين شهيرين هما: «جان بول سارتر» «وألبير كامي»، المثقفان الفرنسيان اللذان حدّدا اتجاهات الفكر العالمي طوال الحرب الثانية ومرحلة الحرب الباردة التي تلتها. أقدمهما كحالة تطبيقية للصراع الذي ينشب بين المثقفين حول موضوعة يفترض أنّ الموقف فيها محسوم وقاطع وهي موضوعة الاحتلال الألماني لفرنسا خلال الحرب الثانية معتمداً على أحدث كتاب صدر في هذا المجال وهو «كامي وسارتر» «لرونالد أرونسون» والذي ترجمه الأستاذ «شوقي جلال».
- لقد عارض «كامي» الحرب منذ البداية، ويمثل موقفه هذا لحظة هي الأكثر إثارة للاستغراب والأقل حظاً في التعليق على مدى حياته، ولذلك فقد أجهد نفسه طويلاً بسبب رفضه الحتمية الملحة لمحاربة النازية، وقد أدى ذلك إلى نشوب نزاعات وقطيعة مع الأصدقاء. لقد دعا إلى وضع نهاية للحرب عن طريق التفاوض مع «هتلر» وتصحيح أخطاء معاهدة «فرساي». وعرض الصيغة التالية لإنهاء الحرب: «لا للخضوع في مذلّة وإنما لنحاول أن نفهم، لنجرد «هتلر» من الأسباب الأساسية التي تعطيه مكانته، ولنسلم بكل ما هو عادل ونرفض كل ظلم. ولنراجع معاهدة «فرساي»، ولنحترم في الوقت نفسه بولندا وتشيكوسلوفاكيا ولنتبيّن الأمر في وضوح، وننبذ التدّرب للعداوة والبغضاء. ولندعم ونؤسس التضامن الإنساني والأوروبي». وقد عمل «كامي» جاداً للانخراط في سلك الجندية للتضامن مع إخوانه الجنود واستبد به الغضب لأنّ إصابته بمرض السلّ قبل ذلك أفقدته أهليته للخدمة.
- يقول «أرونسون»: إنّ «كامي» قد اتخذ هذا الموقف في العام 1939 وهو لم يتجاوز السادسة والعشرين من العمر. وهذا يعبّر عن قوته السياسية المشهودة، إذ بدا له من الطبيعي أن يتخذ موقفاً غير مقبول شعبياً وإن أدى إلى وقوف العالم كله ضده. كان مستقلاً وشجاعاً وكان بوسعه وحده أن يكون حزباً إذا كان لزاماً عليه أن يفعل ذلك ويناهض جميع اتجاهات التاريخ مادام مؤمناً بأنه على صواب.
- اعتقد «كامي» في البداية أنّ في الإمكان تأسيس حياة عادية كثمرة للتعاون مع الألمان. سافر إلى الجزائر في العام 1941 ليتعافى من مرض السلّ ثم عاد إلى فرنسا في العام 1942 لا ليحارب وإنّما ليكمل تعافيه من السلّ، واستقرّ في باريس قبل الانضمام إلى المقاومة. وفي يوليو من العام 1943 قدّم أول مداخلة له في زمن الحرب وتمثلت في أربع رسائل من «رسائل إلى صديق ألماني»، وفيها يشرح «كامي» لصديق ألماني مفترض لم يره منذ خمس سنوات لماذا وقعت هزيمة الفرنسيين، ولماذا جاهدوا ببطء ومعاناة وحملوا السلاح ضد المحتلين، ولماذا سينتصرون؟ يرى «كامي» أنّ الشعب الفرنسي آثر الابتعاد عن الحرب وهي على مقربة منه لأنه يكره الحروب جميعاً. ولذلك استغرق الأمر وقتاً لكي يقرّر الفرنسيون إذا ما كان من حقهم قتل البشر وأن يسمحوا بإضافة بؤس إلى ما يعانيه العالم من بؤس. لقد التمس سبيلاً لدعم معنويات المقاومة بأسلوب بارع غير مباشر وتحدث بلسان من له أصدقاء ألمان يكره هو وهم شنّ الحروب. وأكثر من هذا نراه يردّ سقوط فرنسا إلى ميزة فرنسا الأخلاقية: خسرنا الحرب بسبب شكوكنا إزاء جدوى القتل، الأمر الذي سيدعم قوتنا المعنوية ويهيئ لنا أيادٍ طاهرة للمعارك القادمة. ولكنّ «كامي» اعتبر كل هؤلاء الذين أبوا الانتظار وشرعوا في المقاومة منذ اليوم الأول للاحتلال وأكثرهم ممن التفوا حول «ديجول» ومن الشيوعيين، هؤلاء المقاومين جميعاً وكذلك كل من قاتلوا في ساحة القتال قبل سقوط فرنسا لم ينضجوا بعد، أو غير أنقياء تماماً بحيث انخرطوا في العنف بسهولة ومن ثمّ تلوثت أيديهم. ولم يعترف «كامي» يوماً أنه على خطأ.
- أمّا بالنسبة «لسارتر»، فمع إعلان الحرب والتعبئة كان جندياً يقضي وقته في القراءة والمشاهدة والكتابة أكثر مما كانت الحال في الحياة المدنية. ثم حدث سقوط فرنسا وأصبح «سارتر» أسير حرب. وكان يطلب من أصدقائه عدم التعاون مع الألمان . وعُرف عنه في المعسكر أنه عنيد في رفضه للتعاون. وعاد إلى باريس بعد إطلاق سراحه من المعسكر 1941 لأسباب صحية غير صحيحة. ثم عقد العزم على تشكيل فريق للمقاومة وأنشأ «الاشتراكية والحريّة» مع «بوفوار وموريس ميرلو – بونتي» جازف الفريق بالعمل على طبع وتوزيع منشورات مناهضة للألمان. ولكن نظراً إلى أنّ الاتحاد السوفيتي كان لا يزال في حالة سلم مع ألمانيا النازية فقد اتخذ الحزب الشيوعي الفرنسي موقفاً مهادناً بدرجة أو بأخرى مع الاحتلال حتى 21حزيران من العام1941. وقد حاول الفريق إقناع كتّاب مثل «أندريه جيد وأندريه مالرو... وغيرهم» للارتباط بهم لكنهم رفضوا جميعاً وكان أحد الأسباب هو أن تاريخ «سارتر» في السلبية السياسية لم يوحِ لهم بالثقة. عاد «سارتر» إلى باريس وحلّ الفريق. وبعد الفترة الوجيزة التي عاشها فريق «الاشتراكية والحرية» لم يعد ثانية يلتمس سبيلاً مباشرة لمقاومة الألمان شأن من انضموا إلى المقاومة الفرنسية السرّية. لقد أخذ الالتزام والعمل باعتبارهما إحدى قضاياه الفلسفية والأدبية الرئيسية. ولأنه ضد النازية وحكومة «فيشي» فقد دعي للانخراط ضمن فريق كتّاب المقاومة وبدأ يكتب في الصحف السرّية. كان «سارتر» في الدرجة الثالثة من سلم المقاومة. إنه يرفض الذنب والتوبة ويدعو إلى القصاص وقتل القتلة كما جسّد فكره في مسرحيته الشهيرة «الذباب».
- كان «سارتر» يتكلم ليس باعتباره عضواً في المقاومة، بل باعتباره «كاتباً قاوم » فكيف له إذن أن يحاول وضع نفسه مع «كامي» باعتباره أحد كبار المتحدثين عن المقاومة وباسمها؟ المشكلة أنه – أي «سارتر» - الـذي فعـل قليلاً من أجل المقاومة حاول في مقالته «جمهورية الصمت» أن يربط من عملوا قليلاً، وهو منهم، بأولئك الذين ناهضوا بشراسة النازي وحكومة «فيشي». كان يحاول وضع نفسه في صدارة صفوف النخبة التي كانت نشطة في حركة المقاومة. ولكي ينجز هذا الهدف الماكر أشار في مقالته – وبشكل غريب – إلى أنّ أيّ واحـدٍ من الصامتين يستطيع تحت ضغوط الاستجواب أن يكشف حقيقة المناضلين. وهكذا أعاد – بدهاء – تعريف المقاومة باعتبارها «جمهورية الصمت» الواسعة النطاق. بعد ذلك وفي مقالة عنوانها: «باريس تحت الاحتلال» طرح «سارتر» وجهة نظر غريبة حيث ناقش المقاومة باعتبارها «حلاً فردياً» رمزيـاً، ولم يرَ فيها عملاً له تأثيره في الأحداث أساساً. لقد أخطأ «سارتر» في فهم المقاومة، ربّما لأنّ وعيه السياسي بالالتزام لم يكن قد تطوّر بعد على نحو ما اعترف هو نفسه بعد ذلك بثلاثين عاماً.
- ننتقل هنا إلى مناقشة موضوع في غاية الحساسيّة وذي صلة بموقفي «كامي» و«سارتر» من موضوعيّ الاحتلال والحريّة وهو موقفهما من العنف والشيوعية. في نوفمبر 1951 ألقى «كامي» قنبلته عن الشيوعية. في يوليو 1952 أقسم «سارتر» بالتزام كراهيته لطبقته الاجتماعية مدى الحياة والانحياز إلى الشيوعية. وحدّد كتاب «كـامـي» «المتمرّد» هدفه السياسي بأنه تطوير معادلته السابقة التي ساوى فيها بين الشيوعية والعنف، وتضمنت مقالة «سارتر» هذه المعادلة نفسها إلى حدّ بيان أن مثل هذا العنف مشروع وحتمي. وإذا قرأنا الاثنين اليوم – كما يقول «أرونسون» - بل وعقب الحرب الباردة، سيكون عسيراً تجنّب التشبث بهذا الاتجاه أو ذاك. من كان على صواب «كامي» أم «سارتر»؟
- في كتابه «الإنسان المتمرد» وضع «كامي» «كوجيتو» جديداً مقابلاً «للكوجيتو الديكارتي» وهو «أنا أتمرد إذن أنا موجود» ورأى أنّ التمّرد التاريخي ضارب بجذوره في التمّرد الميتافيزيقي، ويفضي إلى ثورات تسعى إلى استئصال العبث عن طريق السيطرة الكاملة على العالم. ويمثل القتل أداتهم الرئيسية. ورأى «كامي» أن الشيوعية هي التعبير العصري لهذا المرض الغربي.
- طبعاً نحن لا نستطيع إنكار حقيقة أنّ «كامي» كان عضواً في الحزب الشيوعي الفرنسي لمدّة عامين، ابتداءً من خريف 1935 وحتى خريف 1937، وكان عضواً عاملاً نشطاً. وإذا تأملنا إحجامه في خمسينيات القرن العشرين عن مساندة جبهة التحرير الوطني الجزائرية – وكذا استبعاد رواية «الغريب» فيما يتعلق بجريمة «مورسو» وقتله لشاب عربي دون مبرّر – يصبح لزاماً الإشارة إلى خروج «كامي» من الفرع الجزائري للحزب الشيوعي الفرنسي. إذ أنّ الحزب طرده لرفضه الالتزام بخط الحزب الذي يقضي، وفقاً للتفسير الاستعماري للجبهة الشعبية، أن يقلل من الدعم السابق للحزب الشيوعي الفرنسي للقومية العربية. ويشدّد «كامي» في كتابه «الإنسان المتمّرد» على أنّ كلاً من جاذبية الشيوعية وطابعها الشرير نبعا من مصدر واحد.
- أمّا «سارتر» فيكفينا القول إنه كان مناصراً «مستقلاً» أو «رفيق طريق» للشيوعية. كتب في عام1952:
- «إنّ المناهض للشيوعية كلب.. وليس في وسعي أن أرى مخرجاً غير هذا ولن أجد. وبعد عشر سنوات من التفكير والتأمل ملياً بلغت نقطة اللاعودة. وأقول بلغة الكنيسة ها هنا بدّلت عقيدتي وإيماني.. وباسم هذه المبادئ التي غرستها في نفسي، وباسم دعوتها إلى الإنسانية وتوجهاتها الإنسانية، وباسم الحريّة والمساواة، أقسم للبرجوازية بأن أحمل لها الكراهية التي لن تفارقني حتى الموت.. ها أنذا واصلت الليل بالنهار وكتبت الجزء الأول من مقال: «الشيوعيون والسلام».
- لقد نذر «كامي» كل طاقاته للكتابة ضد العنف خاصة العنف الثوري، في حين نجد أنّ «سارتر» تبني تدريجياً العنف ودافع عنه خاصة العنف الثوري. كان «كامي» يتحدث – دائماً – عن معسكرات الاعتقال في الاتحاد السوفيتي، في حين كان «سارتر» إمّا أن يدافع عنها أو يتجنب الحديث عنها. ولم يرَ «كامي» في تحول «سارتر» تجاه الماركسية أي التزام بالحرية التي نادى بها الأخير طويلاً، بل تطلعا للخضوع. إنّ الوجوديـة، خاصة أن نقطة انطلاقها هي الحرية الإنسانية كانت على نقيض الفكرة الماركسية بشأن الضرورة التاريخية. وصل الأمر «بسارتر» إلى حدّ أنه دفع التعويضات المالية لمنع عرض مسرحيته «الأيدي القذرة» رغم أن أحداً لم يطلب منه ذلك والسبب هو أنّها من الممكن أن تؤول كهجوم على الشيوعية!!. ولم يحرّك «سارتر» ساكناً أمام «مؤامرة الأطباء المفتعلة ولا المحاكمات الصورية التي صفّى فيها «ستالين» رفاقه.. ولا قتل العمال المضربين في ألمانيا الشرقية.. إلخ».. والمصيبة أنه لم يصحو حتى بعد أن ألقى «خروشوف» «الخطاب السرّي» الذي فضح فيه جرائم «ستالين». الغريب أن «سارتر» لم يصحو إلاّ بعد أن غزا السوفيت المجر حيث كتب العديد من المقالات ضد هذا الغزو في الوقت الذي كان قادة الحزب الشيوعي الفرنسي يبرّرون الغزو. قال «سارتر» بصورة مدوّية: «ليس بالإمكان، ولن يكون بالإمكان أبداً إعادة تأسيس علاقات مع من يقودون الحزب الشيوعي الفرنسي الآن. إنّ كل جملة نطقوا بها، وكل إيماءات أشاروا بها هي النهاية لثلاثين عاماً من الكذب وتصلّب الشرايين». ورغم ذلك كان لا يزال يؤكد أن الاتحاد السوفيتي كان، وبوسعه أن يكون ثانية، قوة دافعة إلى الاشتراكية: «هل لابدّ للاشتراكية أن تكون هذا الوحش الدموي الذي يقطع أوصال نفسه إلى أشلاء ؟ أجيب في غير تحيّز: نعم. هكذا كانت الاشتراكية في طورها البدائي. لم يكن هناك بديل آخر، ربّما غير مدنية «أفلاطون» الفاضلة في السماء، وعلينا أن ننشدها كما هي أو نعزف عنها تماماً».
- نتناول الآن معضلة جسيمة أخرى ترتبط بمواقف «كامي» و«سارتر» وتثير الدهشة بصورة أشدّ من مواقفهما تجاه موضوعة الاحتلال والحريّة ومسألة قمع الإنسان في ظلّ الشيوعية. هذه المعضلة تتعلق بسلوكيهما كتابةً وعملاً في ما يخصّ الاحتلال الفرنسي للجزائر. فخلال العام 1956 تزايد عدد رجال المقاومة في جبهة التحرير الوطنية من حوالي (6آلاف) إلى (20ألف) مقاتل، بينما زادت القوات الفرنسية في الجزائر من (180ألفاً) إلى (400ألف). بدأ الثوار يتجهون إلى مهاجمة المدنيين الفرنسيين والجزائريين المتعاملين مع قوى الاحتلال، وكان الردّ الفرنسي هو التعذيب والإرهاب والإعدامات العشوائية. كان «كامي» يرى أنه من الضروري عقد مصالحة بين أكفاء تحت العلم الفرنسي. أما «سارتر» فكان يرى أن العنف الاستعماري الفرنسي لن ينتهي إلاّ بعنف من جانب جبهة التحرير الوطنية. كان في الجزائر آنذاك مليون فرنسي لديهم مصالحهم وسبل حياتهم ودعا «كامي» إلى ضرورة تعايشهم مع الجزائريين. لقد دان الغزو السوفيتي للمجر ولكنه صمت إزاء محنة الجزائر. كان البعض يصف «كامي» بأنه «مستعمر حسن النية».. فاز «كامي» بجائـزة نوبل وفي استوكهولم وبعد تسلّم الجائزة عقد ندوة هاجمه فيها شباب جزائريون فقال: «دنت دائماً الإرهاب ويجب أن أدين أيضاً الإرهاب العشوائي في شوارع الجزائر – على سبيل المثال – الذي يمكن في يوم ما أن يضرب أمّي أو أسرتي. إنني أؤمن بالعدالة، ولكنني سأدافع عن أمي قبل دفاعي عن العدالة». كان «سارتر» في هذه الأثناء يكتب عشرات المقالات عن تعذيب الجزائريين على أيدي جنود المظلات الفرنسييـن. في 4يناير 1960 قُتل «كامي» بعد أن دهمته سيارة أودت بحياته وكان في السادسة والأربعين من عمره وأذهل موته المبكر باريس والجزائر والكثيرين في العالم. بعد ذلك هبّ الفرنسيون في الجزائر ثانية في ثورة بدأت تعتمل نيرانها بعد أن واجه «ديغول» من تآمروا عليه بجرأة وتصميم، ولكن «سارتر» المتمّرد مع غيره من المشاهير وقعّوا بياناً يحرضون فيه جنود الجيش العاملين على ترك الخدمة وشرعت الحكومة أيضاً في اتخاذ إجراءات قانونية ضد الموقعين على النداء، وأصبحت العملية كلّها قضية ذائعة الصيت، حتى أن المتظاهرين بدءوا يصيحون:
- «أطلقوا النار على «سارتر».
ولكن «ديغول» أٍسقط الاتهامات حين قال: «ليس بوسعكم أن تسجنوا «فولتير». ثم استهدفت أول قنبلة لمنظمة الجيش السرّي «سارتر» وذلك في يوليو 1961 ولكنها وضعت خطأً فوق أرضية الحجرة التي تعلو الحجرة التي يعيش فيها.. ألقيت الثانية في يناير، ودمّرت شقته، وتصادف أن «سارتر» و«بوفوار» يبيتان في شقة أحد معارفهما بينما «أم سارتر» كانت في البيت ، ولحسن الحظ أنها كانت داخل الحمام وقت انفجار القنبلة ولم تصب بأذى. يعلّق «أرونسون» على ذلك تعليقاً ماكراً بالقول: «إنّ «كامي» أعلن عن قلقه وضيقه من عنف جبهة التحرير الوطني الجزائرية ضدّ أمّه ، ولكن «أم سارتر» هي التي كانت على بعد شعرة من أن تلقى حتفها بسبب عنف منظمة الجيش السرّي». ... والآن هل نستطيع وضع معايير محدّدة لموقف المثقف من موضوعات الاحتلال والعنف والحرّية حسب الشواهد السلوكية التي قدمناها عن «ألبير كامي، وجان بول سارتر» ؟ لقد رفض «كامي» - في بداية الاحتلال الألماني لبلاده – العمل المسلّح ودعا إلى التفاهم مع «هتلر» لتجريده من ذرائعه.. ثم تحوّل إلى العمل المقاوم الأصيل.. ووقف ضد مصادرة حريّة الإنسان في ظلّ الشيوعية لكنه – ويا للعجب – لم يقف موقف المساند الحازم لموقف الشعب العربي الجزائري في مقاومة الاستعمار الفرنسي والتخلّص منها!!.. أمّا «سارتر» فإنّه قد لعب دور «كاتب مقاوم» وحاول بعد التحرير تسفيه جهود أبطال المقاومة وعمل على تجيير هذا النضال لصالحه بمكر ونفاق.. ثم اندفع في مساندة الشيوعية وعنفها حتى أنّه اعتبر كل من يقاوم الشيوعية «كلباً»!!.. ولكنه تحمّل التضحيات والمخاطر المميتة من أجل مساندة شعب الجزائر للتخلص من الاستعمار الفرنسي – فكيف نحسم هذه المتناقضات؟ وهل من المطلوب من الجهات المرجعية السياسية الصبر مع المثقفين في أيّ موقف يتخذونه لأنهم سرعان ما سيتخذون نقيضه؟ وأخيراً وهذا هو الأهم – هل يمنحنا هذا الغليان في السلوكيات تجاه مشكلة محسومة ، العبرة والدروس في التعامل مع ما يماثلها في مناطق أخرى ؟






# تحية أخرى لعلي بدر :
لقد فتح علي بدر باب الجحيم في هتك أستار المصموت عنه من بنية نخرة تقرض أوصال الجسد الثقافي العراقي ، وبمحاولته هذه يشجعنا على أن لا نسكت أبدا بعد الآن على هذا العفن الخانق الذي يحاول الأخوة المغاربة خصوصا تزويقه من خلال هذه الحمولة الثقيلة والمرهبة التي يغرقوننا بها من المصطلحات المدوّخة التي جعلتنا نخشى حتى لغتنا العربية الأليفة . لقد " صنّموا" محمد عابد الجابري بصورة جعلت من لا يتأبط مؤلفا من مؤلفات الجابري من القراء العرب متخلفا ومعاديا وخاويا من ناحية المراجعة النقدية لمقومات العقل المعرفي العربي ، وإذا بنا نصحو على فضيحة لا تقل عن فضيحة وجودي الصدرية أو تروتسكي بغداد ، فضيحة مدوّية لبها الأسود كشفه المفكر "جورج طرابيشي" ومفاده أن "المفكر" محمد عابد الجابري هو ، وببساطة ، سارق . ولا أعلم لماذا أتذكر هنا أوصاف علي بدر عن : وجودي الصدرية ، وتروتسكي بغداد ، وكأنها توحي بوصف ترسخ في أذهاننا قديما عبر فيلم هو : حرامي بغداد ، من بطولة بطل العالم السابق بكمال الأجسام : "ستيف ريفز "، فلنقف عند سرقات "المفكر" محمد عابد الجابري الذي دوّخ المثقفين العرب بإنجازاته وفتوحاته ، والتي ظهر أنها مسروقة ومزيّفة ومصادرة للأسف . المصيبة أن الكثير مما صدّره إلينا "الفلاسفة" العرب من أطروحات كان مسروقا ومترجما ، ونحن المساكين لا نعرف أصله لأننا لا نعرف لغة أخرى يترجمون عنها ويستغفلوننا بها . هذا ما قاله علي في الرواية من خلال تعرضه لسمة مركزية في سلوك الوجوديين العرب وهي أنهم لا يقرأون ولا يكتبون !! سأتوقف أولا عند هاتين السمتين : .. والمصيبة أن المثقفين العرب صاروا يبيعون التمر على أهالي البصرة !! حد أن الناقد "كمال أبو ديب " يعلن أنه طوّر البنيوية أكثر من الأوربيين !! وهذه سرقات محمد عابد الجابري التي أثبتها بشكل لا يقبل اللبس المفكر العربي الأستاذ " جورج طرابيشي" عبر مشروعه في تفكيك مشروع الجابري "نقد نقد العقل العربي " بأجزائه الأربعة حتى الآن . يقول طرابيشي في مقدمة مشروعه : ( لقد شاءت الصدفة أن أقع على الأصل الأجنبي لشاهد كان وظّفه الجابري في إسناد أطروحاته فشدهت لما وجدته في روحه وحرفه مما ينطق بعكس ما يقوّله الجابري إياه ، ومن ثمّ اندفعت أتحرى عن شواهد الجابري وأتحقّق منها واحدا واحداً سواء أكانت عربية أم أجنبية فانفتح عندئذ باب أكبر) ويصل طرابيشي إلى الإستنتاج الصادم فيقول :(ليس بين مئات شواهد الجابري في تكوين العقل العربي سوى قلة قليلة ما أصابها تحريف أو تزييف أو توظيف بعكس منطوقها . ومن ثم ارتددت نحو (تكوين العقل العربي) أراه بعين جديدة وبمحاسبة نقدية صارمة وعندئذ اكتشفت أن الزيف،ولا أتردد في استعمال هذه الكلمة ،يكمن في الإشكاليات نفسها وليس فقط في تعزيزاتها وحيثياتها من الشواهد ) . وإليكم ملخصا لبعض الشواهد : 1ـ سطوته على أطروحات الكاتب المصري (محمد قاسم) في كتابه ( نظرية المعرفة عند ابن رشد وتأويلها لدى توما الأكوينى) باستمرار ودون الإشارة إليه. 2 ـ سطوته على نظرية (هيغل) وطروحاته في كتابه ( دروس فلسفة التاريخ) دون الإشارة إلى ذلك. 3 ـ اقتباسه فقرات مبتورة لشتراوس وفوكو وسارتر مدًعيا انه أخذها من المؤلفات الأصلية في حين انه نقلها حرفيا وبأخطائها من كتاب مدرسي هو ( معجم اللغة الفلسفية ) لبول فوكييه. والمشكلة أن الجابري ينقل حتى أرقام الصفحات الخاطئة. 4 ـ خداع القارىء بالإحالة الى مصادر أجنبية بدون رقم المجلد أو الصفحة مثل الأعمال الكاملة لـ (مالبرانش) ثم يظهر انه نقل المقاطع من ( معجم اللغة الفلسفية ) وليس من الأعمال الكاملة التي قال أنها تقع في سبع مجلدات في حين أنها تقع في عشرين مجلدا. 5 ـ ادًعاؤه معرفة (سبينورا) في حين انه اكتفى بنقل الشواهد من كتاب (يوسف كرم) ( تاريخ الفلسفة ) وإشارته الماكرة الى الصفحة (105) من الكتاب وهو عنوان الفصل ليعمي على اقتباسه ونقله . 6 ـ استيلاؤه على طروحات (غاستون باشلار) الأساسية دون الإشارة إليه. 7 ـ المخادعة في الإحالة الى كتاب (كورنو) : ( محاولة اقتباس معارفنا) وخطأه في الترجمة والتأويل ونقل مفهوم السببية من معجم فوكييه . 8 ـ الاستيلاء على طروحات (أحمد أمين) في (ضحى الإسلام) دون الإشارة إليها ووقوعه في مطب نقل الغلطات المطبعية من مصادر ثانوية عن المصدر الأصلي مثلما حصل في نقل العبارات المنسوبة الى (ابن جنًي). 9 ـ انكشاف عدم اطلاعه على معجم (العين) مطلقا بل على صورة مستوهمة عنه حيث يقول إن هذا المعجم يحتوي على (12) مليون مادة لغوية . فإذا كان (لسان العرب) وهو اكبر المعاجم العربية لا يشتمل باعتراف الجابري نفسه على أكثر من (80) ألف مادة لغوية فكيف أمكن لمعجم العين أن يشتمل على (12) مليون مادة لغوية وكيف ؟ ومعجم العين بتحقيق إبراهيم السامرائي ومهدي المخزومي يقع في ( 8 ) أجزاء في كل منها (250) صفحة وكل صفحة فيها (250) كلمة وفيه (21952 ) مادة لغوية فقط.
أن ما ذكرته هنا لا يمثل عشر السرقات والتزويرات والسطو التي كشفها طرابيشي ، وأتمنى على القارىء الكريم العودة إلى الأجزاء الأربعة من مشروع طرابيشي "نقد نقد العقل العربي " وسيرى بعينيه وبصيرته حجم الفضيحة الثقافية هذه .

# فضيحة "عبد الله محمد الغذامي" :
ومادمنا في مجال كشف الفضائح التي أشعلها "علي بدر" ، فدعونا نتناول فضيحة أشد مضاء وانحطاطا هي فضيحة الناقد الدكتور عبد الله محمد الغذامي . لقد عُيّن عضوا في لجنة جائزة الشيخ زايد للكتاب . فما الذي فعله ؟ ولأنني لا أعرف كيف أصف دلالات الواقعة فسأكتفي بنقل الخبر كما ورد في صحيفة "الزمان" بطبعتها الدولية :
( الغذامي يستقيل من لجنة تحكيم جائزة زايد
أثارت استقالة الدكتور عبدالله الغذامي من عضوية اللجنة الاستشارية لجائزة الشيخ زايد الكثير من التساؤلات حول مسؤوليته الشخصية في منح الباحث الجزائري الدكتور حفناوي بعلي الجائزة مطلع العام الجاري وهي الجائزة التي تم سحبها منه بعدما تأكد انه اقتبس ونسخ من كتاب للغذامي نفسه.
وقال الغذامي في رسالة الاستقالة الموجهة للجائزة "أقدم لكم استقالتي من عضوية الهيئة الاستشارية للجائزة، وكم أنا مقدر للهيئة العليا تفانيها في رعاية الجائزة وتلبيتها كل مقترح جاء من الأمانة ومن المستشارين، لقد كنت أشهد عملاً جماعياً ناجحاً وتفاعلياً، وسأظل أختزن أجمل ما يكون من الذكريات عن العمل وعن أيام كلها صفاء ونجاح."
لكنه قدم لرسالة الاستقالة ببيت شعر كتبه الحارث بن عباد قبل 15 قرنا قال فيه "لم أكن من جناتها علم الله.. وإني بحرها اليوم صال" وهو ما طرح تساؤلات حول مسؤولية الغذامي الأخلاقية والمهنية في رصد منح الجائزة لبعلي ومنعها بحكم مسؤوليته المباشرة.
وكان بعلي قد حصل علي الجائزة في فرع الآداب عن كتابه "مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن".
لكن الهيئة المشرفة علي الجائزة أعلنت أن بعلي قد اقتبس ونسخ بشكل كبير من كتاب الغذامي نفسه "النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية" دون ما يكفي من الإشارة للمصدر. ووصل الأمر في بعض الأحيان إلي اخذ فقرات كاملة دون إشارة إلي كتاب الغذامي.
وصار واضحا من تصريحات الغذامي انه لم يقرأ العمل الفائز علي الرغم من أنه عضو في اللجنة الاستشارية للجائزة، بل وأشار في مقابلة صحفية إلي انه تصفحه في معرض الكتاب.
ومن بين التساؤلات المطروحة علي خلفية سحب الجائزة واستقالة الغذامي هو: علي منْ تقع المسؤولية الحقيقية؟ علي الباحث الذي نقص ولصق من دون إشارة، أم علي المحكمين أم علي اللجنة التي قامت بإقرار العمل وترشيحه لنيل الجائزة دون ما يكفي من التمحيص؟
كما أن المسألة تظهر بُعد التعامل المؤسسي عن حلقات المثقفين المكلفين بمهام تحملهم مسؤولية أخلاقية ومهنية.
وقال مراقب عربي لم يشأ ذكر اسمه "الغريب ان الغذامي لم يقرأ العمل الذي أوصي بقبول ترشيحه حتي بدافع الفضول الذي يمكن أن يعتري باحثا اطلع علي كتاب في حقل تخصصه البحت ومشتق من نفس المقاربة المعرفية له."
وأضاف "ثمة أنا قوية في المسألة لا يمكن إغفالها. أنا التقصير في المهمة، وأنا تقديم الأمر بصيغة الضحية التي تتحلي بروح الفروسية وتنسحب."
ولم يصدر عن الغذامي ما يفيد بأنه استقال من اللجنة الاستشارية لدوافعه الشخصية فقط، أم أن هيئة الجائزة استبعدته عمليا بعد تأكدها من عدم القيام بدوره ) .
# فضيحة أخرى لكنها قديمة:
ويهمني هنا أن أنقل فضيحة أخرى رغم قدمها ، ذكرها الدكتور " محمد حسين الأعرجي " في كتابه " في الأدب وما إليه " الصادر عن دار المدى عام 2003 . يقول الأعرجي :
" وإذا كان من الباحثين العرب من يعترف بهذه التلمذة – يقصد التلمذة على أيدي المستشرقين – فإن من أساتيذهم من تتلمذ ، ولا يعترف ، ولابدّ أنكم جميعا تتذكرون حديث العلامة المرحوم الشيخ "محمود محمد شاكر" في مقدمة كتابه النفيس عن " المتنبي " أن كيف واجه أستاذه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين بأن كتابه : " في الشعر الجاهلي " ما هو إلّا عيال على بحث المستشرق "مارگليوث" في هذا الشعر الذي كان نشره – إذا صدقت الذاكرة – في مجلة " الجمعية الآسيوية الملكية " ، والذي ترجمه فيما بعد عن اللغة الإنگليزية فنشره في كتاب الدكتور "يحيى الجبوري". أقول : لابدّ أنكم جميعا تتذكرون هذا الحديث ، وتتذكرون أيضا أن الدكتور طه قد طرد الشيخ محمود محمد شاكر من قاعة الدرس وحرمه من إكمال دراسته الجامعية ، فصيّره شيخ الجامعيين في علمه يأوون إليه يستشيرونه فيما يعنّ لهم من معضلات التراث . وزاد الدكتور عبد القادر بوزيده على ذلك فأثبت في بحث لا أظنّه نُشر ألقاه سنة : 1993 في قاعة النفق الجامعي بالجزائر العاصمة ، أثبت فيه أن الدكتور طه كان في كتابه المذكور يترسّم خطى الباحثين الأوربيين فيما عُرف عندهم بالمشكلة الهوميرية "




# ليس عبد الرحمن فقط ملكيا أكثر من الملك :
# ( لكن قلبنا لن يطاوعنا بالتأكيد في العتب على هذا العالم النفساني الشاب ، حين نعلم أن من بين ما أجهد نفسه من أجله ، إثارته لسبعة آلاف علامة استفهام ، وسبعة آلاف علامة تستوجب العناية في مؤلفات سارتر . وهذا بالاختصار ما خرج لنا به :
إن سارتر هو من بين هؤلاء الذين صُدموا صدمة نفسية قوية ؛ فقد حضر مع الأسف ، وهو في عامه الأول أو الثاني مشهدا مقلقا بقدر ما هو غير مفهوم ( الفعل الجنسي بين أبيه وأمه ) فظل يقلقه ، وقد استولى عليه شك هائل : ومن هنا جاء طبعه القلق ، الحائر ( السبعة آلاف علامة استفهام ) وحول عينه ، ذلك " العقاب الذاتي الذي فرضه على نفسه لأنه كان يدرك أنه أساء التصرف " (إن هذا التفسير تؤكده بلا شك سبعة آلاف العلامة المستوجبة للعناية ) ؛ ومن هنا كذلك جاء بعض الإستعراء الذي يكشف بدوره عن ميل إلى ذات الجنس ؛ ومن هنا أخيرا جاءت هذه الماسوشية – أي لذة التعذيب – التي تقود سارتر ، كما هو معروف ، إلى أن يهب نفسه للإخفاق في أفعاله .
[ والخلاصة العامة ] : " إن سارتر إنسان طبيعي وثاقب الفكر وسليم يضع مؤلفات معتلة ... إنه يكتب ليحرر نفسه ( دون أن يعرف ) من رؤية مضطربة لطفولته ... إن سارتر إنسان طبيعي تماما ، وسليم ، وغاية في الإتزان ، ويظل فكره في كل الظروف واضحا وضوحا غير عادي ، ولكن كونه الروائي والفلسفي يخضع للطب النفساني والتحليل النفساني ... لو لم يكن سارتر يكتب لما استطعنا أن نؤكد أنه كان سيصبح مجنونا ، ولكن يمكن أن نقرر أنه كان سيتعرض للخطر " .
وبعبارة أخرى فإن سارتر إنسان متزن ، يفقد توازنه إن لم يجد ، لاشعوريا ، وسيلة يعالج بها عدم اتزان لا يشعر به . إن هذه النقطة ثابتة مع ذلك ، وبرهانها القاطع يقدمه لنا سارتر نفسه حين يصف – في الصفحات الأولى لأشهر قصصه " [ طفولة زعيم ] " – سلوك لوسيان الصغير ( في حوالي الثالثة من عمره ) غداة ليلة قضاها ، على غير العادة ، في غرفة والديه : إننا هنا أمام مشهد يحلل سارتر كله لأنه ينقل بدقة عقدته الكبرى ) (37) .
ويبدو أن مصيدة "التصنيم" لم يقع فيها عبد الرحمن العراقي وجيله الستيني في نظرته المنسحرة إلى سارتر ، بل وقع فيها – وإن بصورة أقل حدة – مثقفون فرنسيون أيضا، ناهيك عن قطاع واسع من الشباب الفرنسيين الذين أغمي على الكثير منهم بفعل الزحام الخانق في إحدى المحاضرات التي ألقاها سارتر في الخمسنيات . فحين نقرأ ما كتبه الكاتب "فرنسيس جانسون" عن إفلات سارتر من الوقوع تحت عين التحليل النفسي الفاحصة وصفاء لاشعوره بصورة تجعله خارج إطار هذا المنهج ، فإننا سنجد مبالغة كبيرة وحماسة مفرطة . فسارتر كلّه هو أنموذج مرهف للتحليل النفسي،وقد أسهمت مكبوتاته اللاشعورية في تشكيل حتى موقفه الوجودي . ولعل من المصادر الأساسية التي تمدنا بمعلومات غزيرة عن هذه المكبوتات من ناحية وعن السلوكيات التي تمظهرت من خلالها من ناحية أخرى هي السيرة الشخصية التي خطها سارتر بقلمه خصوصا في جزءها الأول (الكلمات) الذي خصصه للحديث عن طفولته . خذ مثلا تلك السمة النرجسية الهائلة . فمن يقرأ هذه السيرة ، حتى بصورة سطحية وسريعة ، ستلفت انتباهه فورا هذه الروح النرجسية المفرطة ، روح تنسرب صارخة في أغلب صفحات السيرة . ولولا غطاؤها الأسلوبي الأخّاذ أولا واللغة العالية ثانيا والمبررات الفلسفية ثالثا والتشارك النفسي المصلحي بين القارىء وبين المؤلف رابعا ، لكان الوصف العصابي ( أو الجنوني الهذائي حين نعزلها؛ نعزل هذه الصفات "السماوية"، عن دور سارتر الثقافي السياسي وعن إنجازه الفائق ) هو التشخيص الطبنفسي المطابق لحالته . ومن جديد فإن سارتر يضع تلك التوصيفات الراشدة على لسانه وهو طفل السابعة أو التاسعة . فهو : المُختار ، الصوفي ، البطل ، المنذور ، المكتمل ، الكلّي ، المشرق ، المنتظر !! ، الخائن ، الموهوب ، اللامتناهي ، المجاهد ، الطفل الإلهي ... إلخ . هذه الصفات يتكفل بها الأدب وسياقه في تزييف حقيقتها الجنونية التي لا يتردد سارتر عن التحدث عنها صراحة . ولعل هذه من سمات ومنافع الأدب الكبرى . أن يمرّر الفعل الجنوني ضمن سياق معقلن . ولعل هذه الرؤية تحيلنا إلى الكيفية التي تتدخل فيها الحضارة في تحديد شكل ومعنى "الجنون" ، وهل أن تشخيص الجنون ليس سوى علامة تختم بها الحضارة المعنية "المنحرفين" فيها والرافضين لقيمها لتعزلهم وتقصيهم . إن الجنون "وصمة" لا أكثر يتفق عليها أفراد مجتمع معين ، وقد يرفضها مجتمع آخر بصورة كاملة . فالنمط التنافسي ، وكون كل فرد منذور لذاته ، والذي يشيع في المدن الكبرى ، قد يبدو علامة من علامات السلوك "السيء" – الشخصية المعتلة بالمصطلحات العلمية – في المناطق الريفية . ولقد كانت مدننا الكبرى في الخمسينات والستينات عبارة عن مناطق خلفية ريفية قياسا إلى المدن الأوروبية الكبرى التي أنجبت الوجودية ومفاهيم الجنون ، فكيف سيكون الموقف التشخيصي للسلوك الوجودي الذي غرق في يمّه مثقفوا "مدن" الستينات قياسا إلى معايير التقويم في العقلية الريفية التي تحكم تلك المدن ؟ . كما يهمنا أن نذكّر القاريء بموقف سارتر من الأبوّة حيث يقول : ( ليس هناك أب صالح ، تلك هي القاعدة ؛ ولا يكن في ذلك مأخذ على الرجال ، يل على صلة الأبوة التي هي فاسدة . ليس هناك أفضل من إنجاب الأولاد ؛ ولكن أي ظلم أن يكون لنا أولاد ! لو أن أبي عاش ، لاضطجع عليّ بكل جسمه ، ولسحقني . فمن حظٍ أنه مات في سن مبكرة ؛ ووسط رجال أمثال " إينيه " يحملون على ظهورهم آباءهم ، عبرت شطا إلى شطّ ، وحيدا ومزدريا أولئك الآباء اللامرئيين المعتلين ظهور أبنائهم طوال الحياة ، وخلّفت ورائي ميتا فتيّا لم يُتح له وقت كاف لكي يكون أبي ، ويمكن اليوم أن يكون ابني . أكان ذلك شرا أم خيراً ؟ لست أدري ؛ ولكني أقرّ طوعا حكم عالم نفسٍ تحليلي بأني : ليس لي " أنا فوقية " ) (38) .
ويمكننا القول برهاوة إن سيكولوجية (اللقيط) – والمريد عبد الرحمن عدّ نفسه لقيطا منذ طفولته المبكرة – أو (إبن الزنا ) كما يسميه سارتر نفسه ، ويؤكده (فرنسيس جانسون) هي البنية النفسية اللاشعورية التي تحكمت به وحددت نظرته إلى الحياة والعالم . ( إن كل إنسان يتألم ، بطريقة ما ، من أنه خلاف نفسه في قراراته ، وعلى الاٌل طوال ادعائه أنه أي كان ... لأنه موقف سوء نية يحوّل ما هو أصلاً شرط الواقع الإنساني ذاته إلى ما يجبرنا على تمثيل دورنا ذاته : إن هذا "التمثيل" الكائن في هذا الواقع ، هذه المسافة غير المدركة التي تفصله عن نفسه إن هي إلا حرّيته ... إن ابن الزنا – بالاعتراض الذي يُثقل دراكا عليه – لاشك أنه في وضع يؤهله لاكتشاف هذا الاعتراض . ولكن لوسيان الصغير مثلا سوف يمر بهذه التجربة غداة هذه الليلة التي قضاها في غرفة والديه وكأول نتيجة للصدمة التي أصيب بها . وسوف يسأل نفسه أولا إن كانت أمه هي حقا أمه الحقيقية . ثم سوف يُقنع نفسه بأن والديه يؤديان دورا في النهار يخالف تماما ما هما عليه في الليل . وينتهي به الأمر إلى أن يمثل دور اليتيم ... ) (39) . وسارتر نفسه يحدد ملامح سيكولوجية إبن الزنا بشكل قاطع بالقول : مفهوم ابن الزنا : (وهكذا يُدفع ابن الزنا إلى الحكم على العالم: : إنه يشعر بأنه معزول عن كل حب وهو يتألم لذلك ، ولكنه يعرف في الوقت نفسه أن الحب غير موجود، وأن الآخرين لا يحبون بعضهم بعضا أكثر مما يحبونه هو. وبالطريقة التي يحب بها الغنساني الناس كلهم، يدين ابن الزنا الناس جميعا .وهذا هو أكبر إغراء له: أن يكرّس وحدته بتحويل نفسه إلى تمثال معتزل؛ بمعارضة الجميع وإلغاء كل شيء، أي ألا يصل قط إلى شيء، ولا إلى أحد. أن يكون الهالك : وأن يكون بالنسبة للآخرين الشيطان وإخفاقه الساحر، ولكن أن يكون في نظره إلهاً في نفس الوقت؛ أن يكون على خطأ في نظر الجميع لكي يتأكد من أنه على حق كامل... من مكان آخر . وإن كان المثقف وابن الزنا والمنبوذ دجّالين فلأنهم ينمون عن الدجل : ولأن موقفهم القائم على استمرار إثارة المشكلة ، أو مجرد ضعف وضعهم ذاته وفضيحته يظهران الملهاة على أنها جوهر حقيقي للواقع المزعوم. لقد أصبحوا مسوخا وخونة وممثلين: ولكن مجموع هذا العالم المبعدون عنه قد يبدو لهم أنه ملهاة من الملاهي. وأخيرا فبالنسبة لابن الزنا كل شيء سوف يكون باهتا في العالم الإنساني ، لأن الوحيدين الذين لا يغشّون فيه حقيقة لا يكونون في نظره إلا ديدانا حقيرة ، وجبناء ومغفلين يُسخر منهم .
إن ما يُغري ابن الزنا هو أن يستولي على وجوده في نفس مستوى شرّه: ولما كان الآخرون قد أدانوه فإنه سوف يجعل هذه الإدانة محتومة بأن يحكم على نفسه بإدانتهم جميعا . أي أنه سيجعل نفسه شريكا لهم ويحكم على نفسه بالهلاك فعلا بهذا الإدعاء الذي ينيط بهم وجهة نظر الله . كانوا يتظاهرون بتجاهله، وكانوا يرتابون فيه، وكانوا يعزلونه، وكانو يفرضون عليه دورا. ولكن ها هو ذا يعطي لنفسه دوراً، ألا وهو دور القاضي المنزوي، وإن كان يُقلق الآخرين فإن ذلك في حدود إدخال سلبية الشعور وقدرته على الإعتراض فيما بينهم ) (40) .



# الكوميديا الوجودية العملية :
... لقد ظهر ، وفي أكثر من موقف ، أن عبد الرحمن يعاني من خور الإرادة ، بل الجبن ، خصوصا في المواجهات التي تتضمن مقابلة آخرين وجها لوجه ، والتعبير عن مشاعره الصريحة تجاههم . في باطنه هو كائن مرعوب وخائف بخلاف ظاهره الفلسفي الذي يتمنطق بالموقف والاختيار والمسؤولية واليأس الوجودي . فالإنسان ، في نظر سارتر ملهمه ، لديه القدرة على إدراك ذاته ، وما يقوم به من أفعال ، وما يحدث له من نتائج . وكنتيجة لهذا الإدراك يكون قادرا على اتخاذ القرارات حول تلك الأشياء وعلى تحمل المسؤولية تجاه ذاته . ويستطيع أيضا أن يصبح مدركا لاحتمالية أن يكون معزولا ووحيدا بصورة كاملة ، أي حالة الـ " العدم " مرموزا لها بالفناء النهائي ممثلا في الموت . وهذا شيء مخيف بالفطرة . إن الإنسان ليس هوية ثابتة وجامدة بل هو في حالة دائمة من التغيّر . إنه غير موجود ؛ إنه ليس ماهية ثابتة ، بل هو في حالة صيرورة دائبة نحو كيان ينمو ويتطور ليتحول إلى " شيئ ما " . وطرقه في التصرف تجاه ذاته والحوادث الأخرى تتبدل باستمرار . ولا تكمن أهميته في ما كانه في الماضي ، ولكن في ما هو كائن عليه الآن ، وفي ما سيكون عليه اتجاه تطوره المستقبلي الذي يسعى إلى تأكيد قدراته الكامنة ( هذا التحقق المستقبلي ، المصير المصنوع إراديا ، كان سارتر يدركه بصورة فلسفية عميقة وواثقة عندما كان عمره ست سنوات !! – راجع سيرته الذاتية / الكلمات ) . جوهر الفلسفة الوجودية السارترية هذا كان علي بدر يقدّم نتائج سلوكية عملية له من خلال مواقف عبد الرحمن وتأملاته – أو تأملات الروائي – في ما تشكله معطيات ذلك الجوهر بالكيفية الإدراكية التي أوّلها بها مستعينا بخبراته اللاشعورية – الطفلية خصوصا – كي يخلق مبررا لتصرفاته . تصرفات تفتقد العامل الحاسم الذي يمنحها مفتاح أبواب المشروع الوجودي وهو الإرادة ، وهي إرادة خائرة لدى عبد الرحمن لا تكفل له اقتحام دائرة هذا المشروع بل تضعه خارجها هائما على محيط " العصاب الوجودي – existential neurosis " . يتأمل علي حال فيلسوفنا الذي اجتاحه الرعب عندما صار لزاما عليه أن يواجه سي معمر أول مرة : ( في الواقع كان عبد الرحمن ضعيف الشخصية على نحو ما ، فلم يكن الفيلسوف بحاجة إلى شخصية قوية كما هي حاجته إلى ذهنية قوية ، إلى خلفية فلسفية قوية ، وبعد نظر . لم تكن الشخصية عنصراً من عناصر تكوين النظر الفلسفي ، أو الرؤية الفلسفية على الإطلاق ، لأن الشخصية تصنعها ظروف خارجية ، ظروف اجتماعية ، ظروف اقتصادية ، وتجارب خارجية ، لا داخلية . غير أن الفلسفة بحاجة إلى هذا الهاجس الداخلي ، بحاجة إلى الشعور بخراب الخارج ، ولذا نجد الفيلسوف على الدوام محروما من الخارج ، محتقرا له ، ولا يهتم به ، لا يعبأ بما يكون عليه . لذا كانت شخصية عبد الرحمن في واقع الأمر مصنوعة من الداخل لا من الخارج ، وهذا ما يدعم نظره وفكره الفلسفي أكثر مما يضعفه ، هذا ما يجعله أكثر التصاقا بنفسه ، أكثر خوفا من الآخر ، أكثر خشية منه ، ربما هذا الضعف ذاته الذي يجعله أقل مبادرة مع النساء ، كما هو الحال مع الرجال – ص 136 و137 ) .
# وفي ضحى أحد الأيام ، يندفع أحمد إلى غرفة عبد الرحمن لاهثا ليخبره أن نادر أخبره بأن لسي معمر أخا في الجزائر استُشهد على يد الفرنسيين . كانت ردّة فعل عبد الرحمن باردة وذات روح نفعية مقيتة ، فها هي فرصة تحين وعليه انتهازها للخلاص من غريمه والإنفراد بنادلة فلور . لقد علق على الموقف المأساوي بالقول : ( عليه [ = على معمر ] أن يناضل . لا يمكنه أن يكون وجوديا دون نضال . الوجودية التزام – ص 152 ) . كان مبتهجا بمأساة الآخر ، وهذه نتيجة طبيعية لموقفه الوجودي ، رغم كل محاولات التزويق . فكل معنى نجده في أي تجربة حياتية تواجهنا هو بالضرورة من مبتكراتنا الخاصة ، وأنه يموت معنا . فالإشكال المتأصل في الحالة الإنسانية هو أننا يجب أن نجد معنى لحياتنا من خلال الإلتزام بقيم ومفاهيم وأشخاص ومسارات فعل في الوقت نفسه الذي ندرك فيه أن كل هذه الأشياء فانية ولا معنى جوهري لها ، وأننا نحن الذين نهبها المعنى من أجل أن تصبح حيواتنا ذات قيمة . ولم يقم عبد الرحمن هنا يشيء أكثر من أنه يضفي معنى شخصيا على موقف يواجهه .. إنه يختار بطبيعة الحال بين معان شتى منها هذا المعنى المتشفي والنهّاز للفرصة الذهبية المتاحة . وبهذه الروح ذهب مع أحمد ليقدم التعازي لمعمر في مقهى فلور . لكن المفاجأة التي يعدّها لنا الكاتب والتي ستنقلنا إلى أبعاد فلسفية وفكرية وجودية أوسع هي أن معمرا كان شديد الإنفعال وسكرانا وقد اغرورقت عيناه بالدموع ، وقد وضع على طاولة أكداسا من الكتب أدار عليها الكونياك ، وبدأ بإحراقها وهو يعلن بصوت جريح : ... وتناولا الرواية شبه المحترقة ، وفرا تحت المطر الغزير ناسين معطفيهما في المقهى . ( هنا تصلح مداخلة ادريس عن موقف سارتر من القضية الفلسطينية ) . وإذا كان عمر الجزائري يؤمن بـ "فلسفة" في مواجهة الإستعمار الفرنسي لبلاده خلاصتها أن يقوم بركوب نساء المحتل مادام هذا الأخير يركب بلاده ، فإن عبد الرحمن العراقي يعيش مأزقا - والمشكلة أنه لا يشعر به – في هذا الجانب ، فهو ، وكما قلنا آنفا ، لا يواجه معضلة حضارية استعمارية لأن فرنسا لم تحتل العراق ، كما أنه لم يوسّع هذه النظرة لتشمل الغرب عموما كقوة طاغية مستلبة . لقد عطل فهمه للوجودية وتمسكه الأعمى بها أي فكرة عن الموقف الصراعي الحضاري . إنه يعيش حالة غثيان مزمنة على المستوى الشخصي لم يخرج منها ليمنح لوجوده معنى ولأفعاله دلالات عميقة ولينتقل من العدم إلى الوجود . ولا أعتقد أن أحدا يتابع سلوك عبد الرجمن في علاقته مع الحضارة الغربية ، وتجنيسه لهذه العلاقة ولا يقفز إلى ذهنه " مصطفى سعيد " الأنموذج الثقافي المدوّي الذي أطلقه "الطيّب صالح" في روايته الشهيرة "موسم الهجرة إلى الشمال" والذي جاء أوروبا غازيا وفاتحا بقضيبه محددا عدوه الإنكليزي الذي احتل بلاده وأباد ثوارها ، مقتدرا حدّ أن جميلات لندن كن يقعن متيّمات في أحضانه، يدلكن أقدامه ويلحسن وجهه ويعدّنه إلها لهن كما حصل في سلوك آن همند وشيلا غرينود وإيزابيلا سيمور ، اللائي وصلن الدرجة الأخيرة من الفناء في حبه من خلال الإنتحار أو الموت كمدا . كان مصطفى فاتحا منتصرا دائما قبل أن يلتقي المرأة اللندنية اللعوب "جين مورس" والتي عندما تزوجها واستعصت عليه قام بقتلها . عبد الرحمن أمضى الشوط في باريس – مدينة العدو الخطأ – وهو يضاجع المومسات ويطارد الخادمات ، وأنموذجهن الأخير هي جرمين التي لعبت معه لعبة في غاية الدهاء الأنثوي ، حيث كانت تحقق أهدافها من خلال إنخراطها المطمئن في لعبته . ففي الوقت الذي كان فيه عبد الرحمن مستمتعا ، بل سادرا في مخططه ، في لعبته التي يشعر بأنه هو السيّد فيها ، وأن جرمين لعبة في يديه ، يفرض عليها خطوط استراتيجيته في التعامل : أن يضغط عليها إذا امتنعت عنه ، ويستسلم لها إذا صدته ، يبتعد عنها كلما خضعت له ، كانت هناك لعبة أكثر خطورة تديرها جرمين ، وكانت خطورتها ( تكمن – في حقيقة الأمر – في أنه لم يكن هو الذي يخطط ويدبّر ، إنما كان ينفذ ما كانت جرمين تخططه وتدبره ، وكانت على براعة فذّة في إيهامه بأنه هو سيّد الأمر ، هو الذي يخطط ويدبر .. كان عبد الرحمن يتخيل أن القرار بيده ، وهو – في واقع الحال – كان مفعولا لا فاعلا ، إذ لم يكن يعرف أن القرارات التي نفّها لم تكن قراراته هو إنما قراراتها هي – ص 63 ) . وحتى عندما عاد عبد الرحمن بها إلى بغداد زوجة وولدت له توأمه بعد ذلك ، قرّرت أن تطلّق اللعبة نهائيا ، بوعي وتصميم ، "عاقبته بتوقفها التام عن الغثيان" ، كان ألعوبة فأهملته ولم يعد له مكان حقيقي في المنزل ، وعادت هي للإهتمام بنفسها وبجسدها ، اهتماما توّجته بخيانته مع تابع له من شذاذ الآفاق هو اسماعيل حدوب . ورغم أن جين مورس خانت مصطفى سعيد أيضا إلا أن خيانتها له جاءت بعد مواجهة ضارية ، مواجهة محملة بدلالات الصراع الحضاري الثقيلة ، خصوصا بعد ليلة الزفاف العاصفة التي عرّته فيها من كل رموز وعيه ولاوعيه الثقافي على حدّ سواء ، خصوصا عندما مزّقت المخطوط العربي النادر ، ثم رمت مصلاته في نار المدفأة . أما مواجهات عبد الرحمن فهي مواجهات جنسية مجرّدة كان يختمها بالجلوس على حافة السرير ممسكا برأسه بسبب مشاعر الغثيان الوجودية الطاغية . حتى العلاقات الجنسية التي عاشها كانت باردة وبلا حرارة ، بل بلا طعم إنساني . كانت ممارسات حيوانية خلعت عليها ذرائع "وجودية" . ومصطفى سعيد أمضى حياته في لندن دارسا مثابرا ، ومحاورا لأساتذته ، وكان متفوقا حد أنه كان يلقي المحاضرات في أكسفورد على جمهور من البريطانيين ، أما عبد الرحمن فإنه قد فشل في دراسته في باريس منذ البداية ، وبدأ بالتخصص في ارتياد الحانات والمواخير وإمضاء الليالي في السكر ، وأحيانا في الشجارات . وحتى الوجودية التي آمن بها بحماس أعمى لم يكلم أباها سارتر ولو لمرة واحدة طوال إقامته في باريس ؛ كان يهابه ويرتعب منه ، ويرتجف كلما اقترب منه ويولي الأدبار . ولعل الأسباب التي يذكرها الكاتب لذلك تكشف المستوى العلمي والثقافي المتردي لعبد الرحمن ، فهو لم يكن قادرا على الحديث مع سارتر لأن لغته الفرنسية لم تكن تهيئه للخوض في حديث مهما كان بسيطا مع عملاق الوجودية ، ولأنه لم يفلح في تعلمها رغم محاولاته الجادة . أضف إلى ذلك أنه ليس لم يكن قادرا على الكتابة بالفرنسية حسب ، بل باللغة العربية أيضا . وهناك فارق هائل مضاف بين عودة عبد الرحمن وعودة مصطفى سعيد ، فالأخير قام بجهد كبير وخلّاق من أجل تطوير قريته من الناحية الاقتصادية والزراعية حد أن أهل القرية كانوا يتمنون أن يكون وزيرا ، كما أنه قد غيّر شخصية زوجته "حسنة بنت محمود" تغييرا جذريا . وعلى النقيض من ذلك ، فإن عبد الرحمن قد عاد إلى بغداد دون شهادة ليعيش حياة فلسفية بلا أدنى مقومات أكاديمية معللا موقفه بتخريج وجودي نظري : ( ما معنى الشهادة في عالم لا معنى له ؟ ) ، وآخر عملي : ( هل كان سارتر فيلسوفا بشهادته أم بفلسفته ؟ ) ، وليعيش حياة متهتكة غارقا في عباب الخمرة ، وضائعا بين راقصات الملاهي كل ليلة ، مهملا زوجته التي أوصلها حدّ الخيانة تطلبا للإشباع الجنسي . أما دوره الثقافي والفلسفي فقد كانت ساحته ملهى جريف أدب ، وجمهوره راقصاته وفي مقدمتهن صاحبة الملهى "دلال مصابني" التي أصابتها عدوى " الغثيان " فكانت تشعر به بقوة بعد كل مضاجعة مع الفيلسوف الذي صار يتعلق بها بشدة . لقد علق صورة كبيرة لجان بول سارتر في ممر الملهى ، كما كان ، حين يسكر تماما ، يغنّي مع الراقصات ما أطلق عليه " النشيد الوطني للوجودية " . وفي ليلة حمراء عاصفة دعا الراقصات لاجتماع وأعلن تأسيس " الجمعية الوجودية الوطنية " . أصبحت حزمة المصطلحات الوجودية مفردات تلوكها أفواه الراقصات مثلما يستخدمن الكلمات المبتذلة لتحية عشاقهن السكارى ؛ فهذه مطربة تحيي وصول فيلسوف الصدرية عبد الرحمن ( سانتر ) مستبدلة الراء بالنون ؛ وهذه "وزّه" الراقصة الآثورية تشير إلى صدرها شبه العاري قائلة للزبائن إن الغثيان يرقد هنا ، فيعلق اسماعيل : " صدر وجودي " في حين يطلق عليها عبد الرحمن لقب "عذراء الوجودية" ؛ وحين يقول عبد الرحمن لدلال بأن سارتر هو الذي جعل الجميع يشعرون بالغثيان تعلق دلال : " آه .. غثيانجي أصلي " . وبدلا من أن يضطلع الفيلسوف - بعد عودته - بدور المثقف العضوي الذي ينهمّ بمشكلات مجتمعه ويتصدى لتغييره ، جاء بمشروع مربك وممسوخ ، وهو أن يجعل من بغداد باريس أخرى ، وأن تكون عاصمة لوجودية عربية . وكل من يقرأ تاريخ الوجودية يجد تأكيدات لا تنقطع على أن الوجودية هي فلسفة أوربية تحديدا ، أي أنها غير قابلة لا للتصدير ولا للإستيراد . فهي نتاج وردّة فعل على التحول الحضاري الهائل الذي سحقت عجلته المسننة الإنسان الأوروبي واستلبته . لقد حطمت الحضارة الحديثة التماسك النفسي للإنسان وحطمت القيم والمعتقدات التقليدية التي كان يؤمن بها . أما في المجتمعات العربية التي استورد مثقفوها الفكر الوجودي ، فقد عاش هؤلاء المثقفون مفارقة غريبة وميلودرامية الطابع . وحين يكثر علي بدر من الإحالات إلى أماكن تفتح المناقشات الوجودية نهارا في المقاهي ، وتؤججها بلا نهاية ليلا في الملاهي ، فلأن هذه الأماكن ، لا ساحات العمل الثقافي كما هو الحال في أوروبا ، هي المناسبة لفكرة فهم منها جيل كامل مدخلها العصابي : الغثيان . ولم يكن هناك من مفهوم من المفاهيم الوجودية إلتصق بعقل عبد الرحمن ، واستولى على سلوكه وشكّله وصاغ مساراته سوى : مفهوم الغثيان ، مفهوم يختلف عن رؤية سارتر إليه . وليس هناك من طريقة أدق في عرض الفارق بين المفهومين من أن نقدم موقف كل منهما من هذا المفهوم الوجودي المركزي . يرى سارتر : ( أن الغثيان هو الشعور بالوجود ، هو الوجود الذي انحدر إلى أن يشعر المرء بأنه موجود ، وهو ، تبعا لذلك ، الشعور بأن الكل موجود . وأخيرا هو تجربة شعور لم يعد يتمكن من التسامي على أشياء العالم وافتعاله الخاص ، بتحويلها إلى نقط ارتكاز أو أدوات لمشروعاته . وهكذا تفقد الأشياء وظائفها ودورها وطاقتها وتأخذ في الوجود في ذاتها ؛ إنها تكف عن أن تكون حوافز أو أدوات أو عوائق ، إنها هنا ، بلا عقل ، بالإصرار العنيد للشيء الذي هو ليس إلا نفسه والممتلىء بنفسه ؛ وعندما تُجرد هذه الأشياء من كل معناها العملي فلا يعود لها إلا دور ذو معنى صغير ، ومظهر من يريد أن يقول شيئا ولكنه ممنوع دائما من أن يقوله . وفي وقت معا يخفق الشعور في أن يكتم ذكر الجسد وفي استخدامه وفي الإفلات منه ؛ إنه يجرب ذاته كجسم وكجسد وكاحتمال خالص : إنه هنا هو أيضا ، وأن هذا الوجود هنا ليس أكثر تبريرا ولا أكثر تأسيسا في وجوده من وجود الأشياء . إنها زائدة عن اللزوم ، وأنه زائد عن اللزوم . إن الخصم في الغثيان هو إذن الوجود ، الما في الذات بوصفه ممتلئا بذاته مقيما بإصرار في وجوده ، ليس مصنوعا ولا للصنع ، ولا يجعل نفسه وجودا قط . إنه يدع نفسه تكون ، كما يسترخي المرء . إنه مثلا ، الحياة في تكاثرها اللامعقول ) ( سارتر بقلمه ) . ولعل أفضل تلخيص لفكرة سارتر عن الغتيان ، بعيدا عن هذه الفذلكة الشاقة ، هو ما قاله " كولن ولسون " من أن الغثيان هو أوثق المساهمات التي قدمها سارتر ويعني ( دمار قابلية الإنسان على فرض الأشكال على الأشياء ، وذلك بسبب الاحتقار الذاتي ) (41) . أما بالنسبة لعبد الرحمن فإن الغثيان يعني أشياء أخرى مغايرة ، فقد ( كان غثيانه وسيلة لاستمتاع عظيم ؛ وسيلة للإعراب عن أحاسيسه بكل تعقيداتها واضطراباتها ، وهو نزوع لا مناص من مقارنته بالملذات المستقلة . لذا كانت هذه هي المرة الأولى التي يستطيع بواسطتها التعبير عما يجول في رأسه الصغير ، لقد كانت هذه هي المرّة الأولى في حياته التي يجد فيها نفسه وقد استطاعت أن تختار ، وأن تعبر ، وأن تفكر ، وترضى ، بعد أن ظل طوال طفولته ومراهقته يشعر بالقمع والتكتيم والخرس التام ، بينما الآن وبواسطة الغثيان ، أصبح قادرا على إيجاد وسيلة جديدة ، وسيلة مطوّرة ... تتعدى التعبير ، وتمنح رائحة لفكرة يمكن أن تعبّر عن نفسها بصورة ساحرة ، بل بسحر لا مثيل له ، بسحر عميق ، ومُلغز ، وهو الشعور الذي يُطلق عليه في هذه الفلسفة التي تبناها عبد الرحمن : الشعور بالغثيان – ص 70 ) . ولا أعلم مقدار دقة استنتاجي الذي أرى فيه أن علي بدر قد خلق بطله هذا : عبد الرحمن ، ليمرر من خلاله ردّا "وجوديا " على وجودية سارتر ، ردّا تتشكل فيه وجودية " جديدة " في أحشاء الوجودية القديمة ، أو – وقد يكون هذا هو الاستنتاج الأكثر دقة – إكمال طرفي “متصل – conthnuum " الاختيارات الوجودية . نوع من كوميديا وجودية تولد وتترعرع على دم أفكار الوجودية " التراجيدية " ، التشاؤمية الاندحارية الأصلية . وعندما قلت في أكثر من موضع أن الشكل الساخر الذي اختاره علي لروايته يتضمن وجها صارما مستترا ، فإن ذلك يعود إلى أن عملية استلال معطيات " فلسفية " غير جدّية ومستخفة وغارقة في لجة الحياة ، من فلسفة قوامها " الرعب الوجودي – existential dread " الذي من المفترض – وحسب سارتر - أن يجتاحنا عندما نتأكد من أن الحياة لا تتضمن أية قيمة مطلقة أو معنى مطلقا ، وأننا – في النهاية ، وجميعا – سنواجه الموت ، هي عملية ذات مضمون كوميدي . إن توظيف مفهوم فلسفي معين في وجهة مناقضة لما صمّم له أصلا ، ودفعه إلى حافة أقصى استعاراته ، مستعينين بمبررات ومعطيات هذا المفهوم نفسه ، هو فعل خبيث مفعم بروح تهكمية ماكرة . وعندما قلت إن عبد الرحمن بقي على أعتاب دائرة " الحل الوجودي " ملتفا حول ذاته على محيطها متشرنقا في الأذرع الأخطبوطية لـ " عصابه الوجودي " ، فإن استحلاب هذه الفكرة جاء وفق نفس المنطلق السابق . فنحن نقع في براثن هذا العصاب عندما نفشل في فرض إرادتنا والتفتيش عن تحقيق الذات ، وجوهر الفلسفة الوجودية هو أن البشر هم المسؤولون عن حيواتهم وتأكيد وجودهم من خلال القيام بالخيارات . والمكوّن المعرفي لهذا العصاب – حسب " مادي – Maddi" – هو اللامعنى أو العجز المزمن عن الإيمان بحقيقة ، وأهمية ، وجدوى أي شىء ينهمك فيه الفرد أو يتخيّل فعله . إن المظاهر الإنفعالية المميزة لهذا العصاب هي السأم واللاجدوى الذي تتخلله فترات من الكآبة التي تصبح أقل تكرارا مع تطاول مدة الاضطراب . وفي ما يخص مجال الفعل فإن مستوى نشاط الفرد قد يكون منخفضا أو متوسطا ، ولكن ما هو أهم من كمّ الفاعلية هو أن النشاط ، كما يلاحظ ذاتيا وموضوعيا ، لا يكون اختياريا . هناك مجال ضئيل للإنتقائية ، وليس مهما للشخص أي نشاط يمارس . وإذا كان هناك أي فرصة للإختيار ، فإنها تكون في مجال ضمانة صرف أقل مجهود وتجنب اتخاذ القرار . وقد كان عبد الرحمن مسؤولا – بحق – عن أفعاله ، وقد اختار نظام حياته اليومي بعزم ومثابرة يُحسد عليها . ولا يهمنا هنا "شكل" الإختيار ، إنما يهمنا مضمونه . فالبشر بالنسبة للوجودية هم ما يصنعون من أنفسهم ، وفرضية سارتر بأن ماهية أي شخص تكمن في وجوده : " أنا موجود ، إذن أنا أكون " ، تعني أن لا وجود لأي طبيعة للنوع البشري باستثناء ما يصنعه بذاته . وقد اعتبر "تيليش - Tillish" هذه الجملة الأكثر يأسا والأكثر شجاعة في كل الكتابات الوجودية . وخلق النوع الملائم من الحياة وتقبل المسؤولية عن ما يعنيه الفرد يمكن أن يكون مضنيا . فماهية الشخص تتشكل باختيارات القيم التي يقوم بها الشخص والمعنى الذي يؤسسه . ومن خلال مواجهتهم لتهديد العدم ، فإن البشر يصبح لزاما عليهم أن يجيبوا أنفسهم على ماذا صنعوا من ذواتهم . وسيُنظر إلى العصاب كطريقة لتجنب العدم من خلال تجنب الوجود . ولم يقم عبد الرحمن بأكثر من "اختيار" طريق ومعنى لوجوده كي يتجنب العدم . لكنه لم يُصب بأي درجة من درجات العصاب ، ولم ترافق هذا الاختيار أية أنواع من الآلام ولا المشقات . عبد الرحمن هو رد تطبيقي على الوجودية في أقصى أشكالها المستترة على " متّصل – continuum " الاختيارات الوجودية الذي أمسك سارتر بطرف واحد منه هو الطرف "الإيجابي" كما تراءى له في وعي حدّدته عوامل لاشعوره الذاتية التي حاول مستميتا إنكارها . والمشكلة أن المنكرين من أتباعه – على طريقة " ملكي أكثر من الملك " – أشد غلواء وتطرفا في هذه العملية من سارتر نفسه . لقد أنكروا أن نبيهم يمكن أن يخضع لسيرورات التحليل النفسي سيرة أو فكرا أو إبداعا .









# السلوك الجنسي لأبطال علي بدر :
لقد حفلت رواية علي بدر هذه بالسلوكيات الجنسية المتنوعة بين شخصياتها . فهناك الخيانات ممثلة أساسا بسلوك جرمين زوجة عبد الرحمن الذي خانته مع تابعه اسماعيل حدوب .. وهناك سلوك رجينا الخادمة المتهتكة .. عشيقة سعدون السايس الذي كان دليل عبد الرحمن في صباه إلى بيوت البغاء ومعاشرة المومسات .. هناك عملية الافتراع القذرة التي قام بها مئير بن نسيم اليهودي ضد نادية خدوري المسيحية .. تلك العملية التي أودت بحياة وجودي الصدرية بمؤامرة حاكها تروتسكي بغداد ثأرا لغشاء بكارة زوجته المقدس المهدور .. هناك اللمحات "المكشوفة" السريعة عن سلوك نونو بهار ونادلة فلور .. وقد احتلت سلوكيات راقصات ملهى "جريف أدب " وقائدتهن الخليعة "دلال مصابني" حيزا كبيرا من المسار السردي في الرواية .. هناك المشهد الرائع لاسماعيل حدوب وجرمين عاريين على السطح وتحت ضوء القمر الشفيف .. وغيرها الكثير حتى ليمكننا القول إن رواية " بابا سارتر " هي من الروايات العراقية القليلة التي ركز مؤلفها جانبا كبيرا من اهتمامه على السلوك الجنسي لأبطاله . ولم تكن هذه السمة خالية من القصدية أبدا . فعلي يقدم عملا موازيا وفريدا للأعمال الروائية الوجودية ، هو لا يتوسم التقليد في فعله السردي ، ولكن تقديم الحال التي يكون عليها سلوك فرد "مؤمن" بالوجودية .. كيف تشكل هذه الفلسفة – السارترية تحديدا- محفزات التصرفات الجنسية لمريديها واختياراتهم لموضوعات حبّهم .. وما هي حدود دور استيهامات "الرواية العائلية" الأوديبية في هذه التصرفات وهذا الاختيار . وينبغي أن لا ننسى أن الكثير من النقاد الأوربيين كانوا يأخذون (على جماعة الروائيين الوجوديين أنهم وإن كانوا قد أضفوا على الرواية عمقا فلسفيا وثقلا فكريا ، إلا أنهم قد انحدروا بها في كثير من الأحيان إلى مستوى الإسفاف الخلقي والتبذل الجنسي . فهذا " ماتيو " مثلا أحد أبطال رواية " دروب الحرية " يغرر بصديقته مارسل ، ويتخلى عنها ، ثم يسرق مالا من عشيقة تلميذه ، لكي يعمل على إجهاضها ! ) (42) ( ومن كتب سارتر القديمة مجموعة من الاقاصيص المسماة "الجدار" وهي أنموذج للكآبة والامتلاء بالاشمئزاز . فالأقصوصة الاولى فيها "صميمية" تتناول امرأة ضعيفة الشهوة ذات ميول سحاقية تزوجت رجلا عاجزا جنسيا لأنه لا يطلب منها شيئا جسديا وتتركه فترة قصيرة لتصحب أحد عشاقها ولكنها تعود إلى زوجها . ويبذل سارتر جهده ليركز كل أنواع التفاصيل التي تثير الاشمئزاز عن العلاقة الجنسية ، محاولا أن يعرقل ميل الذهن إلى فرض معنى جنسي على تلك التفاصيل . ولهذا لإغن هذه الأقصوصة هي ضد فكرة الأدب الخليع وهي تستخدم أسلوب "الغثيان" جاعلة التفاصيل المادية القاسية قسوة تجرّدها في النهاية من المعنى .. وهنالك قصة أخرى تتناول رجلا لديه رغبة سادية في إذلال البغايا ، وقصة أخرى تتحدث عن امرأة تختار العيش في عالم زوجها المجنون المصاب بأوهام العظمة ) (43) . ( وهذه آن زوجة دوبري في رواية " المثقفون " تخون زوجها مع أول رجل أجنبي تلتقي به ، فتذهب مع الروسي سكرياسين إلى غرفته ، ثم تنقل إلينا تفصيلات دقيقة لتلك الليلة الفاشلة التي قضتها معه . ولاتلبث هذه المرأة أن تلتقي بالأمريكي لويس بروغان فتقضي معه فترة حب تدوم ثلاث سنوات ، تعود بعدها إلى زوجها محطمة كسيرة النفس فتعزم على الانتحار . وأما نادين إبنة آن فإن دي بوفوار تصورها لنا بصورة الفتاة الهستيرية التي تهرب من مشكلاتها عن طريق الجنس ، فتفرط في الاتصالات الجنسية ، وتلوم أمها لأنها لم تكن تعرف لذة الحياة الجنسية ، مما يدفع بالأم إلى قبول التحدي والاستسلام لأول رجل يدعوها . والأمثلة كثيرة على ما في الروايات الوجودية من مشاهد جنسية ومواقف مكشوفة ، مما قد يوقع في روع القاريء المتسرّع أن هذا النوع من " الرواية " يدخل في نطاق ما اعتدنا تسميته باسم " الأدب المكشوف " . ولكننا نجانب الصواب حتما لو أننا استندنا إلى بعض هذه المشاهد الجنسية التي ترد في تضاعيف روايات سارتر أو سيمون دي بوفوار من أجل الحكم على " دروب الحرية " أو " المثقفين " ( مثلا ) بأنها رواية جنسية . وحسينا أن نقف على ما في هذه الروايات من تحليل دقيق للعواطف ، وتسجيل عميق للأحاسيس ، لكي نتحقق من أننا لسنا بصدد مشاهد أريد بها الاستثارة ، بل نحن بصدد عواطف فردية قد صورت بدقة وصراحة . وقد تروعنا نحن الشرقيين تلك الحرية الجنسية التي يتمتع بها أبطال الروايات الوجودية ، ولكن من المؤكد أن المواقف الغرامية التي تواجه هؤلاء الأبطال ليست – في بيئاتهم – مواقف مصطنعة أو أحداثا غير عادية ، بل هي خبرات معاشة تتفق مع طبيعة الصلات بين الرجل والمرأة في تلك المجتمعات . وسواء أكانت هذه المواقف مظهرا من مظاهر الانهيار الأخلاقي الذي يعانيه المجتمع الأوروبي ، أم مجرد تعبير عن الحرية المطلقة التي يمنحها مثل هؤلاء الأبطال لأنفسهم في تصرفاتهم الخاصة ، فإن من المؤكد أن الشخصيات التي نلتقي بها في كل من روايات سارتر وسيمون دي بوفوار هي نماذج إنسانية متوترة للصدق والصراحة والجرأة الخلقية . وليس غريبا أن تنطوي روايات سارتر على الكثير من المواقف الجنسية ، فإننا نعرف كيف اهتم زعيم المدرسة الوجودية الفرنسية في مؤلفه الضخم : " الوجود والعدم " بتحليل الدلالة الإنسانية للجنس ، وبيان معنى الحب ، وتعميق الرابطة الجنسية ، وتفسير معاني السادية والمازوخية ، وتقديم ضرب من التحليل الوجودي لصلة الرجل بالمرأة . وأما سيمون دي بوفوار في كتابها " الجنس الثاني " ( بجزأيه ) لازال أعمق دراسة فلسفية لمشكلة المرأة ، ولازالت آراؤها عن الحرية الجنسية التي ينبغي أن تتمتع بها المرأة موضع جدال ومناقشة . فهل نستكثر على الروائي الوجودي أن يتعرض لتحليل بعض هذه المواقف الجنسية عندما يكون بصدد شخصيات حيّة تواجه تجربة الحب ، وتصطدم في حياتها الغرامية بمشكلة الصراع مع " الآخر " ؟ )(44) .



# ملحق :
فضيحة صغيرة : شفرة دافنشي.. أم شفرة نجمة داؤد
عجيب أمر بعض النقاد العرب الذين احتفوا بصورة مفرطة برواية الكاتب الأمريكي "دان براون" الأخيرة: "شفرة دافنشي" التي بيع منها حتى الآن (40) مليون نسخة. لقد استقبل هؤلاء النقاد، ومنهم نقاد مبرزون ، هذه الرواية بإعجاب كامل وبتسليم مطلق بجودة بنائها الفني وحبكتها والمعرفة الموسوعية لمؤلفها "دان براون" الذي صار من الأمثال السائرة عنه في الغرب هو أنك حين تفتح صنبور الماء فسيخرج لك "دان براون" حتماً..
ورواية شفرة دافنشي هي، فعلاً، رواية خطيرة، ليس بسبب عدد مبيعاتها الخرافي الهائل ولا لعدد اللغات التي تُرجمت إليها والتغطية الإعلامية والدعائية والنقدية التي حظيت بها. وقد أسهمت ردود الأفعال الكنسية الحادّة في بريطانيا بشكل خاص ومنعها في بعض البلدان ـ منها لبنان على سبيل المثال ـ في إثارة الاهتمام بها وتوجيه أنظار ملايين القرّاء إليها.
ما يهمني هنا هو الإشارة المركّزة إلى تردّد بعض النقاد العرب، وهم يستعرضون وقائع هذه الرواية وحبكتها البوليسية المحكمة، في إكمال هذا الاستعراض حتى الصفحة الأخيرة من الرواية ـ تحديداً الصفحة 435 وما بعدها ـ.
ولا أعلم هل كانوا يستحون من أن يصدموا القارئ بالنتيجة الذروة التي يرميها "دان براون" في وجوههم بجسارة، أم أنهم صاروا يستمرئون الطروحات المسمومة التي تناصر الفكر اليهودي والصهيوني متلفّعة بأردية الفن الأخّاذة، وذلك بفعل تبليد الحساسية الثقافية الذي خلفته سياسات التطبيع ومحاولات دعاة الانفتاح والعولمة لإذابة الخصوصيات القومية وعزل الأدب عن الهموم الوطنية؟.
وعلى الرغم من روعة مقالة الأستاذ "عوض سعود عوض": "شيفرة دافنشي: رواية غير بريئة" ـ راجع العدد 1031 من "الأسبوع الأدبي"، 18 ـ 11 ـ 2006 ـ إلاَّ أنني كنت أتمنى أن لا يحمل عنوان المقالة هذا الوصف: "غير بريئة" لأنه يشي بالتردّد في إطلاق الحكم على رواية صهيونية حتى النخاع، وماكرة ومنحازة للفكر اليهودي من خلال تحريفاً الوقائع التأريخية والأسطورية، تحريف يستند إلى معرفة المؤلف "دان براون" الموسوعية، وهنا مكمن خطورة هذه الرواية.
يرى "دان براون" أنّ المسيح ـ ? ـ قد تزوّج من "مريم المجدلية" وأنجب منها طفلة جميلة لم يحفظها من الإبادة سوى "يهود" فرنسا الذين احتضنوها ووفّروا لها الرعاية وشروط البقاء لنحصل أخيراً على "صوفي نوفو" الشرطية الفرنسية التي هي آخر عناقيد الشجرة اليهودية الممتدة من صلب المسيح!! وهي تتعاون الآن مع "لانغدون" أستاذ الرموز الدينية والحضارات القديمة في جامعة هارفارد بأمريكا لحلّ لغز مقتل جدها "جاك سونيير" القيّم على متحف اللوفر بباريس ومساعديه الثلاثة والتي ساءت علاقتها معه ـ أي مع جدها ـ ليلة شاهدته يمارس الجنس الجماعي في منزله بطريقة لم تفهم المسكينة وقتها أنّها ممارسة منحدرة من تقاليد "الزواج المقّدس" القديمة التي يعيدها "دان براون" إلى الحضارة الفرعونية، في حين أنّ أبسط باحث يعلم أنّ طقس الزواج المقدس هو طقس سومري نشأ في أرض الرافدين. تُرى ألم تسعفه زوجته المختصة بالحضارات القديمة في إسبانيا والتي يُقال إنها تقف وراء الكثير من معلوماته التي سطّرها في روايته؟.
لا يكتفي "دان براون" بتجيير أبسط وأبرز منجزات المعرفة الإنسانية عبر مسيرتها الطويلة لصالح الفكر اليهودي وعبادة الأنثى المنطلقة من "مريم المجدلية" ولكنه يتلاعب بالحقائق بصورة ماكرة لتحقيق هذا الهدف، فضمن المؤمنين بديانة المنطلقات اليهودية أبرز رموز المعرفة الإنسانية: ليوناردو دافنشي الذي يعتبر لوحته المعجزة موناليزا تجسيداً لوحدة الذكورة والأنوثة (أمون + ليزا = أمون ليزا، أي الموناليزا، وفكتور هيجو وإسحاق نيوتن وبوتشيلي، وكذلك "والت دزني" الذي يُلقب بأنه ليوناردو دافنشي القرن العشرين، وكلّ الأساطير وأفلام الكرتون التي صوّرها مثل اللّيث الأبيض والأميرة النائمة وسامبا والثليجة البيضاء وسندريلا... كلَّها تمظهرات لديانة الإلهة الأم التي يعود جذرها إلى "مريم المجدلية". حتى سمفونيات (موزارت) الرئيسية تأتي ضمن هذا الإطار. وفيلم "ستانلي كوبريك" الأخير الذي مثله "توم كروز" و"نيكول كدمان" وحفلة الجنس الجماعي فيه تقع ضمن نفس السياق. وغير ذلك الكثير من "الحقائق" التي يلوي عنقها دان براون بمهارة يُحسد عليها.
نقفز الآن سريعاً، لنصل إلى بيت القصيد، خاتمة الرواية ولحظة تنوير الحوادث الشائكة فيها، تلك النهاية التي أعتقد أن الأخوة من النّقاد العرب الذين احتفظوا منذهلين بالرواية استحيوا من ذكرها وتحليلها لأنّ "براون" رمى القفاز في وجوههم بجسارة.. يدور الحوار الأخير بين لانغدون وصوفي نوفو حفيدة "مريم المجدلية" الإلهة الأم والكأس المقدّسة اليهودية، حول الرمز المرسوم على أرض الكنيسة التي يصلانها بعد مطاردات تحبس الأنفاس. يقول لانغدون أنّ رمز الأنوثة هي الكأس أو المثلث الذي قاعدته إلى الأعلى والذي يرسمه لنا الأخ (دان براون) :

أمّا رمز الذكورة فهو المثلث الذي قاعدته إلى الأسفل كما يوضح الرسم التخطيطي في الرواية :

والديانة الحقّة التي على البشرية الإيمان بها فهي التي تنتج عن اتحاد الذكورة والأنوثة؛ وهذا الاتحاد الذي سينتج عنه رمز الرموز المقدّس :

.. وهكذا يوصلنا "دان براون" عبر مسيرة لاهثة ومحكمة إلى ما يعتبره (خلاصة الحضارة الإنسانية).. نجمة داوُد.. نجمة الصهيونية السداسيّة!!













# هوامش :

(1) نظرية الرواية – مقالات جديدة – جون هالبرين – ترجمة محي الدين صبحي – منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي – دمشق – 1981
(2) بابا سارتر – رواية – علي بدر - دار رياض الريّس – بيروت – الطبعة الأولى – 2001
(3) المصدر الأول بتصرّف
(4) و (18) و (35) و (36) مشكلة الحرية – زكريا ابراهيم – مكتبة مصر - بلا تاريخ إصدار
(5) و (10) و (15) و (16) و (42) و (44) مشكلة الفلسفة – زكريا ابراهيم – مكتبة مصر – القاهرة – 1971 .
(6) Westen psychology
(7) و (28) و (29 ) و (30) – المثقفون العرب والتراث : التحليل النفسي لعصاب جماعي – جورج طرابيشي – دار رياض الريّس – بيروت - الطبعة الأولى – 1991.
(8) و (9) – لمزيد من التفصيل راجع كتاب " التماعات ورؤى : مثابات في الأدب والفكر " للناقد الأستاذ " شكيب كاظم " – دار النايا – دمشق – 2010
(11) خمسون مفكرا أساسيا معاصرا – من البنيوية إلى ما بعد الحداثة – جون ليشته – تردمة فاتن البستاني – المنظمة العربية للترجمة – بيروت – 2008
(12) ريلكه – تعريب الدكتور ممدوح حقي – دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر – دمشق – 1962
(13) و (21) و (22) و (23) و (37) و (39) و (40) سارتر بقلمه – فرنسيس جانسون – ترجمة الدكتور خليل صابات – مراجعة الدكتور ريمون فرنسيس – منشورات نزار قباني – بيروت – 1967 .
(14) و (18) و (25) و (26) و (31) و (32) و (33) و (34) و (38) سيرتي الذاتية (الكلمات) – جان بول سارتر – ترجمة سهيل إدريس- دار الآداب – بيروت – الطبعة الثانية – 1983.
(17) الإبداع الروائي اليوم – أعمال ومناقشات لقاء الروائيين العرب والفرنسيين – آذار – 1988-دار الحوار – دمشق – 1994 .
(19) التحليل النفسي – ماضيه ومستقبله –الدكتور حسين عبد القادر والدكتور محمد أحمد النابلسي – دار الفكر – دمشق – 2002
(20) شرق وغرب ؛ رجولة وأنوثة – جورج طرابيشي – دار الطليعة – بيروت – بلا تاريخ .
(24) مشكلة الحب – زكريا إبراهيم – مكتبة مصر – القاهرة – بلا تاريخ
(27) الحياة الجنسية – سجموند فرويد – ترجمة جورج طرابيشي – دار الطليعة – بيروت –
(41) و (43) المعقول واللامعقول – كولن ولسون – ترجمة أنيس زكي حسن – دار الآداب – بيروت - ط/5 – 1981 .




حسين سرمك حسن
ناقد وروائي عراقي مقيم في دمشق
husseinsarmak@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث