السبت, 22 تشرين الثاني 2014
   
صدرت حديثاً عن منشورات "مومنت كتب رقمية" Moment Publications في بريطانيا               رواية جديدة بعنوان "سلاطين الرماد" للكاتب العراقي سعد هادي، بطبعتين، ورقية والكترونية              
الخطاب الروائي من منظور ألسني
د. إبراهيم خليل
الخطاب الروائي من منظور ألسني
د. إبراهيم خليل


روجر فاولر واحد من المتخصّصين في اللسانيات، صنف عددًا من الكتب، منها: قاموس المصطلحات النقدية الحديثة A Dictionary of Modern Critical Terms وكتاب النقد الألسني Linguistic Criticism وكتاب لغة الأدب The Language of Literature وأما كتابه اللسانيات والرواية Linguistic of the Novel أو لسانيات الرواية، بكلمة أدق، فقد نقله إلى العربية نقلا أمينا جيدا د. أحمد صبرة، وصدر في الإسكندرية(2009) وهو كتاب فريد في بابه، طريف في موضوعه، إذ يقدم لنا نموذجا جديدا لقراءة الخطاب الروائي من منظور لساني. ذلك لأنّ الرواية أصبحت في عصرنا الراهن النوع الأدبي المهيمن على المجتمعات المتحضرة، فعلاوة على صدور آلاف الروايات كل عام، فإنها – بطبيعتها الممتدة- تصور حقائق العصر الاقتصادية، والاجتماعية، بطرق متعدّدة، تفرض تأثيرها على وسائل الإعلام من: صحافة، وتلفزيون، وإنتاج سينمائي، وإذاعي. ومنذ زمن طويل كان الشعر يحتكر صناعة النقد، غير أنّ هذا الاحتكار بدأ بالتراجع، مطلع القرن الماضي، عندما كتب هنري جيمس James مقدمات لطبعة من رواياته صدرت بين عامي 1907و1917 مما لفت الأنظار إلى الرواية، وإلى ضرورة أنْ يكون لدى النقاد ما يحفزهم على التأمل في صياغات النثر القصصي، وهذا ما عبر عنه مارك شورر في مقالة له عن التقنية السردية بوصفها اكتشافا Technique as a Discovery لتتوالى بعد ذلك أعمالٌ كثيرة، منها- تمثيلا لا حصرًا- كتاب بوث Booth الموسوم بعنوان "بلاغة الرواية " Rhetoric of Fiction (1961).
ومن الطبيعي أن يجري لنقد الرواية ما يجري لنقد غيرها من الأجناس الأدبية، فكان لا بد من إخضاع هذا الفن للتحليل اللساني بمصطلحاتٍ تناسب النقد الأدبي، وغاياته الرامية لتوصيف بنية الخطاب، وتسليط الضوء على نصيته texture وما فيه من اختيارات(1). وفي هذا السياق برزت أعمال الشكليين الروس، الذين تحدثوا عن الوظائف، والمنظور السردي. وتبعا لذلك تأتي مساهمة روجر فاولر هذه لتعزّز هذا التوجّه، مؤكدة أنَّ النقد يمكنه أنْ يوظف الإجراء الألسني، ولا سيما ما يعرف بالنحو التوليدي، والتحويلي، وإلقاء الضوء على البنية اللغوية للسرد من زاوية الجملة ببنيتيها: العميقة (الجوانية) والسطحية surface structure بتعبير شومسكي(2).
ومثلُ هذا يتطلب من المؤلف بسط الحديث عن هاتين البنيتين من خلال القواعد التي أوضحها شومسكي أولا، وثانيا من خلال الأمثلة التي تؤكد اجتماع الوظيفتين الدلالية، والتواصلية، في البنية السطحية(البرانية) على وجه الخصوص. فهي التي تتحكم بالإيحاءات، وبما يتركه النص من أثر في القارئ(3). ويعزو فاولر هذا الأثر للتحويلات الاختيارية التي يلجأ إليها الكاتب فيما يتعلق بالإسناد من الفعل إلى الاسم، أو من الاسم إلى اسم آخر، كالوصف، وما شابه ذلك. فقد اتضح - على سبيل المثال- أن كاتب الرواية، الذي يتجنب أنماطًا معينة من البنى العميقة للجمل، مفضلا عليها بنىً تحويلية أخرى، كاتبٌ ذو اتجاه إدراكي خاصّ يُعنى بالسرد المشهدي، أكثر من عنايته بالإخباري، أو العكس. واتضح أيضًا أنّ الكاتب الذي يفضل العدول عن البنى العميقة إلى السطحية، بصفة مستمرة، دائمة، كإهمال الأفعال – مثلا- يؤدي إلى تثبيت اللحظة، وإلى السكون، الذي يعني – فيما يعنيه- استبدال الزمن بالمكان(4). وهذا يبدو له واضحًا في مقاطع مقتبسة من روايات مشهورة، كرواية توم جونز لفيلدنج، ويوليسيز لجيمس جويس Joeys ، وبعْض روايات جين أوستن Austen وهنري جيمس(5).
وبما أنّ القراء اعتادوا، عند تقويمهم لأي عمل أدبي شعري، أو نثري، أن يتحدثوا عن عناصره، وبما أنهم ألفوا الحديث عن الحبكة plot والشخصية character والخلفية setting والموضوع theme فإنَّ الإجراء اللساني يتطلب اقتراح عناصر أخرى تسوّغ الإدعاء بأنّ لديه جديدًا يقوله عن النسيج السردي، وتحقيقا لهذه الغاية يشير فاولر إلى عناصر تندرجُ فيما يعرف بالنحو النصي text grammar ومنها: التتابع، والإيقاع، والتعبيرات الزمنية، والمكانية، والسمات التي تغلب على البنى السطحية غلبةً تنسجم مع الفكرة التقليدية عن الأسلوب(6)، منطلقا في ذلك من مراجعة لنموذج فلاديمير بروب Propp الذي قام بتحليل مئة حكاية روسية شعبية تحليلا وظيفياً، حدد فيه الوظائف التي تتحكم بها علاقة المسند بالمسند إليه، مضيفًا إلى ذلك ما سماه التحليل الدلالي لأسماء الشخوص، منتفعاً في ذلك من تأويلات أمبيرتو إيكو Umberto Eco الإيطالي. فقد لاحظ – على سبيل المثال- أنّ الشخصية يمكن أن تؤدي في الرواية الدور نفسه الذي يؤديه الفاعل في الجملة، موضحًا أنّ الأسماء التي يطلقها الروائي على شخصياته، بالرغم من أن لها دلالات اصطلاحية، تتضمن – زيادة على ذلك- ما يسميه (سيميمات) تتمخض عن أفعال نمطية، وأشكال دلالية. ففي بعض روايات ديكنز لأسماء الشخوص فعالية درامية لا ينكرها منكر(7).
والشيء الآخر الذي لا بد من تحديد دلالته هو " الخلفية " التي يسميها بعضهم فضاء النص، أو المكان الروائي. وروجر فاولر يقتبس نصوصًا من روايات لديكنز، وسبنسر، وغيرهما، مؤكدا التوافق الدلالي بين الشخصية السردية، والمكان(8) . وفي اقتباس مطوَّل من رواية جاتسبي العظيم لسكوت فيتزجرالد يتجلى المغزى الدلالي لتبادل الأدوار بين الإنسان، والمكان (9). والواقع أنَّ هذا ليس مثالا لما يتحقق فعلا في هذه الرواية، أو في غيرها، حسب، بل هو جزء جوهريٌّ من النظام التعبيري السردي لا يختلف بتاتًا عن ما يعرف بالصيغة modality. ففي كلّ سرد نثريّ لا بدَّ من ملفوظ حكائي يصدرُهُ متكلمٌ، هو الراوي، والكاتبُ يرسله ضمناً إلى مسْتمع، أو قارئ، وهذه العلاقة بين المرسل(الكاتب) والمرسل إليه (القارئ)، تمثل ذلك البُعْد التواصلي للغة الروائية، التي كثيرًا ما يُهْملها النقاد المحدثون(10). وهذا يذكّرنا- في واقع الأمر- بنظرية التواصل عند ياكوبسون، فالرواية، أو الحكاية بكلمة أدقّ، تقع في قلب الحدث التواصلي، واللاعبون للأدوار الرئيسة في هذا الحدث هم الشخوص. أما الكاتب نفسُه فينبغي أن يغيب عن الإطار بوساطة المشاركة التي تصل ما بين الشخصيات والراوي، أو المؤلف الضمْني. فالمتكلم- ها هنا- متكلم ضمنيّ، ينوبُ عن المؤلف في غيابه المتعمَّد الذي يراد منه تجنب الإيحاء بأنه وحده من يعرف أسرار أبطاله ومتواليات الحبكة(11). وإذا كان لا بدَّ من تفتيت الرواية إلى وظائف، فإنها- من الوجهة اللسانية- تتألف من جمل متتابعة، تتشكل منها بنية سطحية، وصيغٌ، ترْسل للقارئ أخبارًا.
وهذه الأركان الأربعة تمثل، في نظر فاولر، عناصر كامنة لها بدائل اصطلاحية، في نقد الرواية، فالجملة (الطويلة) تقابلها الرواية، والبنية السطحية يقابلها النصّ، (أو الحكاية بتعبير جيرار جنيت) والصيغة يقابلها الخطاب لدى التداوليّين، والخبرُ يقابله المحتوى. وهذه العناصر تمثلُ، في نسيج السرد، خطوطا كتلك التي نراها في الفنون البصرية، إلا أنّ هذه الخطوط لا بدّ أنْ تلتقي، أو تتقاطع، عند نقاط معينة يحددها التحليل النحوي. فعن طريق النموذج التطبيقي الذي يورده المؤلف (12) من إحدى قصص هيمنجوي يتضح أنَّ التماسك النصّي، الذي يجعل من سلسلة جمل عشوائية حكاية، يقوم على أدواتٍ نحْوية، وأخرى غير نحوية. كالضمائر، والإسناد المعجمي، والرصف، أو التتابع، والإحالات، والتكرار، والتنظيم، الذي يتجلى عبر الشكل الفيزيائي للصوت، أو الكلام المطبوع.. والتنميط الشكلي، وهذا كله مما تمدّنا به لسانيات الخطاب، التي تؤكد – فيما تؤكده- أنّ الرواية، هي الأخرى، وحدة لغوية، أكثر اتساعاً من الوحدة الصغرى، التي عني بها اللسانيون، أي: الجملة، بمعنى أن الدراسة اللسانية للعمل الروائي تتجاوز علم اللسان النظري إلى التطبيقي، فتنظر للرواية نظرتها إلى الخطاب، الذي يُحللُ مباشرة من خلال الأبنية التركيبية الصغرى المتضافرة تضافرًا شديدًا في إنتاج بنية كبرى هي النص، الذي لا بد من الاتفاق على تعريفه، وتحديده، تحديدًا مختلفا عمّا هو شائع وسائد.
فنوع النص تحدّده بنيته التي تتجلى من خلال التنظيم الشكلي، إذ يسهل على القارئ الذي يقع بصره على قصيدة، أو موشح، أو سوناتا sonnet، مثلا، تمييز هذا النوع من غيره من النظرة العجلى، فما إن تقع عيناه على سطور القصيدة، أو الموشح، حتى تنبثق في ذهنه سلسلة من التوقعات، أو الفروض، التي تقود عملية القراءة، خلافاً للنثر الذي يمده بصفحاتٍ مطبوعة لا تتضمن أي تنظيم شكلي، ذي توقع معين، فهو تدفق من العبارات، والأفكار، والمعلومات، والحوادث، التي تتحرك به من نقطة لأخرى، فأي نوع من النصوص هو؟(13) لتحديد نوع النص السرديّ، وتمييزه من غيره، يتناول فاولر عددا من الأمثلة أبرزها فصلة من رواية رادكليف Radclife لديفد ستوراي Storey (14) التي قام بتقسيمها إلى مقطوعات متسلسلة رقميًا، ثم قام بتفكيكها، مبرزًا ما فيها من تماسك نصّي cohesion مُرْجعًا هذا التماسك إلى أدوات نحوية، منها الإحالات، وإيقاع العبارات، والتكرار المعجمي(15)، وأردف ذلك بمثال آخر من مقال للورنس، قسمه إلى ثلاثة عشر مقطعًا يتجلى فيها الانسجام، والاتساق، عن طريق التتابع، والنغمة، وائتلاف عناصر الخبر، أو المحتوى.
ففي الرواية، إلى جانب النصّ، ثمة خطاب، وهذا الخطاب ذو طبيعة ثنائية قوامها: العرض، والتعبير. علاوة على أنه رسالة ذات شكل، تتضمّن مشاركاتٍ كلامية تلوّن المواقف التي يمنحها المؤلف للنص(16). وهذه المواقف تضْفي على المتخيّل السردي طابع الملفوظ الفعّال، والعمل الإيديولوجي. ولتحقيق ذلك ثمة تقنيتان، إحداهما هي: وجهة النظر point of view والأخرى هي المنظور السردي narrative perspective. والأولى تستخدم بمعنيين: الأول هو الموقع، الذي يطل منه المؤلف على الأحداث، أي: المسافة زمنيًا، ومكانيًا، من تلك الحوادث. والثاني هو الاتجاه. أما المنظور، فعدا عن أنه ذو إيحاء بصري، له أيضا إيحاؤه الزمني. ومن الأمثلة المقتبسة من رادكليف تارة، ومن " سايلز مارنر " لجورج إليوت تارة أخرى، يتضحُ، بالدليل الملموس، تحول وجهة النظر إلى اتجاه attitude يحدد موقف الكاتب من هذا الشيء، أو ذاك، على الرغم من أن الأصوات التي تتحدث في الرواية هي أصوات الشخوص، طبقاً لما يؤكده ميخائيل باختين تحت مسمى " المُتخيَّلُ الحواري"Dialogical Imagination.
علاوة على ما سبق، فإنَّ التحويلات التي يجريها الكاتب في عباراته، متنقلا من البنية العميقة إلى السطحية، هي التي تحيل القصة إلى حكاية، وهذا يتضح من خلال النموذج الذي اقتبسه فاولر من رواية " الكبرياء والهوى " لجين أوستن(17)، تضاف إلى ذلك خيارات لسانية يلجأ إليها لإخفاء علاقته المباشرة بالشخوص، فباقترابه من عالم الشخوص الداخلي، يُخْفى – على مستوى القراءة- علاقته بها، وتبدو كما لو أنها تتصرَّفُ بمعزل عنه، بل تتصرفُ، أحيانا، تصرفًا مغايرًا لما يريده. ففي رواية فيلدنج " توم جونز " المذكورة، يبدو السارد حائرًا إزاء ما يدور في ذهن إحدى الشخصيات، وهو موقفٌ نجد نظيرًا له في رواية جورج إليوت " طاحونة على النهر " (18). التي تتضمّن عددًا من الألفاظ تحيل المواقف إلى مواقف غامضة من وجهة نظر الراوي(19)، وهي ألفاظ، غالبًا، ما تشكك بعلم الراوي بدوافع الشخوص. أما المنظور الخارجي في وصفها، فعلى الأرجح يساعد الكاتبَ على خلق فجوة ضرورية بين السارد، والشخصية، التي تبدو له مبهمة، تستعصي على الاكتناه. ومثال ذلك شخصية( النذل) في رواية " أوقات عصيبة" لتوماس هاردي(20). فالراوي، والقارئ، كلاهما على مسافة واحدةٍ من تلك الشخصية(21).
وفي المحصلة النهائية لا بُدّ من النظر في الرواية باعتبارها جملة طويلة مركبة، يمكن إدراكها عن طريق التأمل في الوجه اللساني، وما تعتريه من تحويلات تتنقل بها من بنية عميقة لأخرى سطحية، بتعبير شومسكي. فتقول الرواية – وفقا لهذا التحويل- شيئا مشتقا من البنية العميقة، كأنْ تكون الحكاية(الرواية) مشتقة من القصة، والشخصيّة، بواقعها النصّي، مشتقة من الشخصية المضْمَرة، فالنسيج السرديّ لا يخلو من قيم مشفَّرة وفقاً للأعراف السائدة(22). أما مواجهة القارئ للرواية فتقوم، أساسًا، على الاستجابة للأشكال التي يوظفها الكاتب، أو الكاتبة، في تفكيك الشفرة، أي أنّ القراءة لا تعدو أن تكون كشفا، واستكشافًا، لما يوظفه من دوال باعتبارهِ فردًا في مجتمع أفرادُه همْ قراؤه.

د. إبراهيم خليل
ناقد وباحث من الأردن
ibrahim_ju2004@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث