الأربعاء, 26 تشرين الثاني 2014
   
صدرت حديثاً عن منشورات "مومنت كتب رقمية" Moment Publications في بريطانيا               رواية جديدة بعنوان "سلاطين الرماد" للكاتب العراقي سعد هادي، بطبعتين، ورقية والكترونية              
مقدمة كتاب/ فصول في الرواية التونسيّة
د. فوزي الزمرلي
مقدمة كتاب/ فصول في الرواية التونسيّة
د. فوزي الزمرلي


إنّ أعلام الشعريّة (Poétique) المحدثين قد عمّقوا مجال اختصاصهم باهتدائهم إلى علاقات التعالي النصّي التي ينسجها النصّ الأدبيّ المفرد مع غيره من النصوص وإبراز دور تلك العلاقات في بلورة أدبيّة الآثار الإبداعيّة، مُثبتين بذلك عجز المقاربات المحايثة عن الإلمام بجميع خصوصيّـات النصوص الإبداعيّة . ومن ثمّ اتّضحت المعايير المساعدة على تمييز النصوص الأدبيّة بعضها من بعض وفحص كثافتها الأجناسيّة وثرائها الدلاليّ.
ولمّا كانت النصوص الروائيّة التي تهمّنا في هذه الفصول ذات علاقات صريحة وضمنيّة بمصاحباتها النصّيّة وبمنظومة الأجناس الأدبيّة وبشبكات من النصوص الأدبيّة وغير الأدبيّة، فإنّ قيمتها تكمن في مضامينها بقدر ما تكمن في أشكالها، ممّا يثبت أنّه لا يتسنّى لنا فحص أدبيّتهـا بمعزل عن مختلف علاقـات تعاليها النصّي. ومن هنا تولّدت خطورة النقد وأهميّته بالنسبة إلى القصّاصين والقرّاء على حدّ السواء وتجلّت قيمة البحوث التنظيريّة المتعلّقة بالفنون القصصيّة.
وبما أنّ النصوص القصصيّة قد تراكمت في الأدب التونسيّ الحديث تراكما واتّصلت بعدّة أجناس أدبيّة ومذاهب فكريّة ونسجت علاقات متشابكة مع فنون القصّ الغربيّة ومع نصوص التراث السرديّ العربيّ، فإنّ كلّ ذلك يحتّم تظافر جهود الدارسين لتحليلها من زوايا مختلفة وتمهيد سبيلهـم إلى رصد تجارب أعلامهـا لتصنيفها وضبط أساليبها وقضاياها وإظهار خصوصيّاتهـا وتقويم مساراتهـا.
وإذا ما توفّرت تلك الأعمـال النقديّة، فإنّ ذلك يُرسي الأسس الرئيسيّـة الضروريّة التي تنهض عليها عمليّـات تنظير الفنون القصصيّة في أدبنـا العربيّ الحديث ويسهم بالتالي في إثراء تجارب القصّاصين وبحوث الدارسين ويوجّه عمليّات القراءة توجيها.

وإن كان من الطبيعيّ أن تتأخّر الحركة النقديّة عن الحركة الإبداعيّة، فإنّ حركة النقد القصصيّ في الأدب التونسيّ الحديث تأخّرت عن حركة الإبداع تأخّـرا كبيرا خلال النصف الأوّل من القرن العشرين، وارتبطت في تلك المرحلة ارتباطا كلّيّا ببعض الصحف والمجلاّت الأدبيّة، واقتصرت على تنبيه القصّاصين إلى ضرورة تجويد فنّياتهم والتخلّص من مظاهر التعليميّة وحثّهم على كتابة الرواية باعتبارها المعيار الرئيسيّ الذي تُقاس به درجة رقيّ الآداب في العصر الحديث. وقد صدرت جلّ تلك المقالات عن أقلام محمد البشروش وزين العابدين السنوسي ومحمد المرساوي وبيرم التونسي، ولم تسلم من الخلط بين المصطلحات القصصيّة، فضلا عن أنّ أصحابها لم يفلحوا في ضبط الأركان الأساسيّة التي تنهض عليها القصّة القصيرة أو الأقصوصة أو القصّة أو الرواية .
وفي فترة الخمسينات والستّينات من القرن الماضي تسارع نسق الحركة النقديّة بتونس وظهرت بوادر النقد القصصيّ الجادّ في عدّة مجلاّت نذكر منها "اللّغات" و"الفكر" و"التجديد" و"إبلا" (IBLA) و"الإذاعة". فقد حاول صالح القرمادي – في منتصف الستّينات – تصنيف القصص المنشورة بالمجلاّت التونسيّة وتحليل خصائصها الفنّيّة . وعمد محمد رشاد الحمزاوي إلى استخلاص قضايا الرواية التونسيّة وتقنيّاتها في مقال باللّسان الفرنسي واهتمّ توفيق بكّار بأدب علي الدوعاجي وشرعت مجلّة "إبلا" الصادرة بالفرنسيّة في التعريف بالقصّاصين التونسيّين وتقديم أعمالهم وتحليلهـا.
أمّا مَحمد ابن غازي (فريد غازي) فقد خصّص قسما هامّا من أعماله النقديّة لدراسة الحركة القصصيّة بتونس دراسة رشّحته لريادة الحركة النقديّة، إذ أنّه أبرَز مكامن الإبداع في روائع النصوص القصصيّة التي ألّفها بعض أدباء تحت السور ووقف على جلّ الآثار القصصيّة الصادرة في فجر الاستقلال وحلّل الرؤى المتحكّمة في كتّابها واتّخذهـا منفذا إلى عوالمهم السرديّة . من ذلك أنّه تفطّن إلى أنّ "التناقض المرّ الدامي" في كتابات محمود المسعدي المنتمية إلى الحكي التخييليّ متولّد من التناقض الذي يعيشه المسعدي نفسه. ذلك أنّه ينزع في تفكيره حسب قول غازي "ّنزعة فرديّة متطرّفة تحتقر ضعف الإنسان" ويناضل -في الآن نفسه- ضمن صفوف النقابيّين نضالا دالاّ على أنّه ينزع في حياته الاجتماعيّة "منزعا جماعيّا".
وقد أظهر فريد غازي قدرة فائقة على تحليل فنّيّـات القصّ لدى القصّاصين التونسيّين، ورصد بصورة خاصّة طريقة علي الدوعاجي في نسج خيوط الحبكة والتوسّل بتقنية عين الكاميرا وأشار إلى أسلوبه في تحليل أغوار النفس الإنسانية ونقد النظام البرجوازي . كما أنّه خصّ رواية "حبّك درباني" للبشير خريّف بدراسة فنيّة معمّقة برّر في غضونهـا انفتاح تلك الرواية على العاميّة وآخذ مؤلّفهـا على قلّة اعتنائه بتجذير الأحداث في فضائهـا الاجتماعي والسياسي فأثّـر بكلّ ذلك في توجّهه القصصيّ وشجّعـه على تحدّي خصومه في آثار قصصيّة لاحقة احتفلت بالفضاءات التي تعلّقت بها أحداثهـا وانفتحت على العاميّـة التونسيّة انفتاحـا.
ورغم أنّ فريد غازي اعتبر بعض النصوص القصصيّـة التونسيّـة وثيقة صادقة عن المجتمع ولم يتخلّص في بعض الأحيان من الارتساميّة التي آخذ عليها النقّـاد التونسيّين خلال تلك المرحلة، واكتفى بالتلميح إلى قضايا متشعّبة، نظرا إلى تنوّع مجالات اهتمامه الفكريّة والأدبيّة ، فإنّه زرع بذرة النقد الأدبيّ الجادّ في الأدب التونسي الحديث ومهّد سبيل أعلام النقد القصصيّ داخل الجامعة التونسيّة وخارجها، وأطلع ذوي اللّسان الفرنسيّ على واقع الحركة القصصيّة التونسيّة في الدراسة المطوّلة التي نشرتها مجلّة "أوريان" (Orient) تحت عنوان "الأدب التونسي المعاصر" (La littérature tunisienne contemporaire) وصدرت بعد ذلك في كتاب خاصّ بعنوان "الرواية والقصّة القصيرة في تونس" (Le roman et la nouvelle en Tunisie) .
وبتسارع نسق الحركة القصصيّة في تونس منذ مطلع السبعينات وتنوّع مشاربها واعتناء الجامعة التونسيّة بالفنون القصصيّة الحديثة نقدا وتنظيرا وتوفّر عدد من المجلاّت الأدبيّة ونشأة بعض الملاحق الأدبيّة الأسبوعيّة تطوّرت الحركة النقديّة في تونس وتعدّدت ملامحها، رغم صعوبة تصنيفها تصنيفا صارما. إذ، لئن كانت الرسائل التي أنجزها الجامعيّون برحاب الجامعة مندرجة في حقل النقد الأكاديمي، فإنّ النصوص النقديّة المنشورة بالصحف والمجلاّت أو التي جُمعت في كتب، والبحوث النقديّة المنشورة رأسا في كتب خاصّة قد صدرت عن الجامعيّين والصحفيّين والقصّاصين وأساتذة المعاهد الثانويّة والعصاميّين وغيرهم من حملة القلم. ومن هنا يثبت أنّ الحيّز الذي يصدر به العمل النقدي لا يدلّ بالضرورة على قيمته النقديّة، ممّا يحتّم تصنيف الأعمال النقديّة في خانات عامّة تمهيدا لتقويمها وفحص خصوصيّاتها.
ولا جدال في أنّ النقد اللاّفت للنظر بكثرته وتنوّعه واختلاف مستوياته هو النقد الصادر بالمجلاّت الأدبيّة التي نخصّ بالذكر منها مجلّة "ثقافة" و"قصص" و"المسار" و" الحياة الثقافيّة" و"حوليّات الجامعة التونسيّة" والنقد الصادر ببعض الملاحق الأدبيّة ونخصّ بالذكر منها ملاحق "العمل" و"الصحافة" و"الصباح" و"الحريّة" .
وقد تضمّنت تلك الصحف والمجلاّت مقالات موجزة هدفت إلى إطلاع القرّاء على صدور بعض الكتب والإشارة إلى محتوياتها، إلى جانب مقالات نقديّة عديدة تعلّق عدد منها بتحليل نصوص قصصيّة معيّنة ونزع بعضها منزعا توثيقيّـا تعريفيّـا وتوزّع بعضها الآخر على عدّة حلقـات لاستيعاب طور من أطوار الرواية أو القصّة القصيرة أو الأقصوصة أو مظهر من مظاهرهـا البارزة . غير أنّ تلك المقـالات النقديّـة التي توسّل أصحابها -أحيانا- ببعض المناهج النقديّة الحديثة لم تكترث كثيرا بالتنظير واقتصرت في الغالب على التعريف بأعمال تنظيريّة أجنبيّة وتعريب مصطلحاتها.
والحقّ أنّه ليس من اليسير تصنيف المقالات المنشورة بالصحف والمجلاّت التونسيّة منذ مطلع السبعينات وتقويمها، نظرا إلى غزارتها وتنوّعها، وخاصّة لأنّ جلّ المكتبات التونسيّة لا تستخدم الإعلاميّة ولا الجذاذات اليدويّة لتبويب مواد المجلاّت الأدبيّة، فضلا عن إعراضها عن تبويب المواد النقديّة التي اشتملت عليها الصحف والملاحق الأدبيّة. ومن ثمّ كانت الكتب من أهمّ المراجع المعتمدة في باب النقد القصصي، سواء منها التي ضمّت قسما من مقالات منشورة بالصحف والمجلاّت أو التي تضمّنت بحوثا لم تنشر سابقـا.
ومن أجل هذا يعسر علينـا تصنيف جلّ تلك الكتب تصنيفا صارما، رغم أنّ منها ما نزع -حسب ما ذهب إلى ذلك محمود طرشونة وأحمد ممّو - منزعا توثيقيّـا تحليليّـا ومنها ما نزع منزعا تحليليّـا استقرائيّـا، ومنها ما حاول التنظير، لأنّها كثيرا ما حاولت الجمع بين تلك النزعات الثلاث.
فقد اضطلع محمد صالح الجابري بدور رئيسي في توثيق أهمّ النصوص القصصيّة التي صدرت في مطلع القرن العشرين وتحليلها ، ثمّ خصّص بعض فصول كتابه الموسوم بـ " دراسات في الأدب التونسي" لتحليل قضايا بعض القصص القصيرة والروايات التونسيّة وضبط اتجاهاتها. وقد تدعّم ذلك المنحى بكتب الأب جان فونتان (Jean Fontaine) المؤلّفة باللسان الفرنسي وبالكتاب الذي ألّفه باللسان العربي تحت عنوان "الأدب التونسي المعاصر" . وممّن سلك ذلك المسلك نفسه جلّول عزونة في كتابه الموسوم بـ"في الفنّ القصصي" ونور الدين بن بلقاسم في كتابه الموسوم بـ"في نقد القصّة والرواية بتونس" ورضوان الكوني في كتاب بعنوان "الكتابة القصصيّة في تونس" وأبو زيان السعدي في كتابه الموسوم بـ"من أدب الرواية في تونس" .
ونجد إلى جانب ذلك مجموعة من الكتب حرصت على تحليل نصوص قصصيّة معيّنة، وإبراز مظاهر مخصوصة فيها واستخلاص بعض الجوانب النظريّة. ونذكر منها كتب "الأدب المريد" و"مباحث في الأدب التونسي المعاصر" و"من أعلام الرواية في تونس" لمحمود طرشونة و"دراسات هيكليّة في قصّة الصراع" لأحمد ممّو و"أشكال القصّة الجديدة في تونس" لمحمد صالح بن عمر، و"مساءلات نقديّة" لبوراوي عجينة. وقد توصّل عز الدين المدني في كتابه الموسوم بـ "الأدب التجريبي" إلى طرح قضيّة التجريب طرحا دقيقا قبل انتشار تلك النزعة في المشرق واحتفال النقّاد بها. ذلك الكتاب الذي انفتحت فصوله النظريّة على فصوله التطبيقيّة انفتاحا ترجم عن انشغال صاحبه بمسألة التجريب التي تحكّمت في آثاره الإبداعيّة.
أمّا الكتب التي نزعت منزعـا تنظيريّـا صرفا، فإنّها اقتصرت – في الغالب – على التعريف ببعض المناهج الحديثة وتعريب مصطلحاتها وتوضيح مفاهيمها لتيسير سبل الباحثين إلى مقاربة النصوص القصصيّة باعتماد العناصر المكوّنة لمستوى الخبر والعناصر المكوّنة لمستوى الخطاب . وعمد محمود طرشونة إلى طرح إشكاليّة المنهج في النقد الأدبي، داعيا إلى ضرورة اعتماد منهج شمولي في مقاربة الآثار القصصيّة .
وينبغي أن نضيف إلى هذه البحوث النقديّة المقدّمات التي وضعها نقّاد تونسيّون لروايات ومجموعات قصصيّة تونسيّة، لأنّهـا حلّلت قضايا المتون المتعلّقة بها وأشكالها تحليلا عميقا في جلّ الحالات وأصبحت بذلك من أهمّ المراجع النقديّة في الأدب التونسي الحديث. ونخصّ بالذكر منها المقدّمات التي وضعت للآثار القصصيّة التي نشرها توفيق بكّـار بسلسلة عيون المعاصرة التي يشرف عليها منذ سنة 1989 .
والحقّ أنّ الآثار القصصيّة في الأدب التونسي الحديث ومناهج تحليلها قد لقيت حظّا كبيرا في رحاب الجامعة التونسيّة بفضل ميل توفيق بكّار إلى تعميق المسار النقدي الذي فتحه فريد غازي في نهاية الخمسينات وفجر الستّينات، وإسهام بعض زملائه في إثراء ذلك المجال، ممّا دفع عددا من خرّيجي الجامعة التونسيّة إلى تفريع مسالك الحركة النقديّة الحديثة برسائلهم الجامعيّة وبحوثهم النقديّة الأخرى، وحمل قسما من المُنضمّين منهم إلى سلك الأساتذة الجامعيّين على دعم تلك الحركة.
وليس من شكّ في أنّ رصيد الرسائل الجامعيّة المتعلّقة بالأدب القصصيّ في تونس توثيقا ونقدا وتنظيرا يمثّل ركنـا أساسيّـا من أركان المدوّنة النقديّة في تونس، رغم اختلاف درجات تلك الرسائل وتباين قيمتها. ومرجع ذلك أنّ تقاليد البحث الأكاديمي تفرض تقويم الأعمال النقديّة المتّصلة بالمسائل المدروسة وطرق الجوانب التي لم تهتمّ بها بحوث سابقة أو لم تتعمّق فيها تعمّقا كافيا. فضلا عن أنّ إنجاز تلك الرسائل يتمّ بإشراف أساتذة جامعيّين مُختصّين ويستغرق مدّة زمنيّة طويلة نسبيّـا.
ومن ثمّ تعلّقت بعض الرسائل بدراسة قضايا نصّ من النصوص القصصيّة الشهيرة وتحليل أسلوبه واهتمّ قسم آخر منها بجوانب دلاليّة أو شكليّة في مجموعة من الأعمال القصصيّة. ومنها ما وقف على آثار عدد من القصّاصين التونسيّين ونزع قسم آخر منها منزعا تنظيريّـا باعتماد مدوّنة اشتملت في جلّ الحالات على نصوص تونسيّة.
ويكفي أن نشير في هذا المقام إلى الرسالة التي أعدّها يوسف بن ساسي تحت عنوان "القصّة التونسيّة من خلال مجلّة قصص" والرسالة التي أعدّها عبد الحميد سلامة عن آثار محمّد البشروش والرسالة التي أعدّها صلاح الدين بوجاه تحت عنوان "دراسة علاميّة لنظام الأشياء في الدقلة في عراجينها" والرسالة التي أعدّها مصطفى الكيلاني تحت عنوان "إشكاليّة الرواية" ورسالة الطاهر الهمّامي عن حركة الطليعة في تونس ورسالة عبد الصمد زايد عن الزّمان في الرواية العربيّة . ورسالة فوزي الزمرلي عن شعريّة الرواية العربيّة .
ورغم كلّ ذلك، فإنّ تلك الدراسات التطبيقيّة والتنظيريّـة لم تسهم بطريقة مطّردة وفعّالة في إثراء الحركة النقديّة بتونس، لأنّ الكلّيّـات تنشر بالدرجة الأولى رسائل دكتورا الدولة المتعلّقة بالأدب العربي وتترك الرسائل المنجزة في نطاق شهادات أخرى مرقونة. فضلا عن أنّ رسائل دكتورا الدولة التي يستغرق إنجازها عدّة سنوات كثيرا ما لا تروج رواجا كافيا بسبب ارتفاع أثمانها أو بسبب عزوف طائفة من القرّاء عن البحوث الأكاديميّة، ممّـا دفع عددا من دُور النشر إلى مطالبة أصحاب تلك الرسائل بالتقليص من أحجامها وحذف الإشارات الدالّة على أنّها رسائل جامعيّة.
وهكذا تراكمت النصوص النقديّة في الأدب التونسي الحديث تراكما وتفرّعت مشاربها وتوصّلت إلى رصد قسم كبير من الآثار القصصيّة وتقويمها، رغم تباين أهميّتها، وانتهت -أحيانـا- إلى اقتحام مجال التنظير. غير أنّ كلّ ذلك لا ينفي أنّ تلك الحركة النقديّة لم تتمكّن من دراسة المدوّنة القصصيّة التونسيّة دراسة كافية ولم تفض إلى استخلاص خصائص الأجناس القصصيّة وتنظير المسائل الرئيسيّة المتعلّقة بها، نظرا إلى افتقار الأدب التونسي الحديث إلى نقّـاد مختصّين متفرّغين للنقد. فقـد نشأ الفـنّ القصصي في تونس على أيدي الصحفيّين والقصّاصين، وظلّ إلى يوم النّاس هذا فنّا مجاورا للأنشطة الرئيسيّة التي يضطلع بها روّاده، سواء منهم رجال الصحافة أو القصّاصون أو أساتذة التعليم الثانوي أو الأساتذة الجامعيّون أو الموظّفون ببعض المؤسسات الثقافيّة وغير الثقافيّة.
وينبغي أن نضيف إلى هذه العوامل التي تحكّمت في النقد القصصي بتونس قلّة حلقات البحث الجامعيّة وانعدام الجمعيّات النقديّة خارج الجامعة والافتقار إلى فضاء معرفي مساعد على تعميق ثقافة النقّـاد وبلورة رؤاهم وإثراء تجاربهم. فالقصّاصون والنقّـاد التونسيّون يتحمّلون أعباء جسيمة، نظرا إلى اضطرارهم إلى التعويل على أنفسهم قبل كلّ شيء، في حين أنّ القصّاصين والنقّـاد الغربيّين قد أفادوا من العلوم الإنسانيّة والفنون الجميلة المزهرة في ربوعهم إفادتهم من حركة النشر وحريّة التعبير. وبذلك تنوّعت أشكال الأقاصيص والقصص القصيرة والروايات في الغرب وتلوّنت بألوان المذاهب الأدبيّة وانفتحت على حقول العلوم الإنسانيّة والفنون الجميلة وتمكّن نقّادهـا من ضبط العوامل المؤثّرة فيها واستخلاص خصائصهـا وتقويم مسيرتها وتأليف أعمال تنظيريّة أنارت سُبل المبدعين والقرّاء في الآن نفسه.
وليس من شكّ في أنّ زعم بعض الدارسين التونسيّين أنّ المناهج النقديّة التي نشأت في الغرب لا تناسب الأدب العربي وزهدهم في الإلمـام بنظريّة الأجناس الأدبيّة وحقول الشعريّة قد أضرّت ببعض البحوث النقديّة وقلّلت من أهميّتهـا. والحال أنّه لا مجال للإعراض عن بحوث الغربيّين المتعلّقة بالفنون القصصيّة، بما أنّ النقّاد العرب القدامى لم يهتمّوا بأركان القصّ وأدواته، وخاصّة لأنّ الشعريّة لا تكترث بالألسنة التي تُكتب بها النصوص القصصيّة، وإنّما تستنطق قوانين صناعة الأدب وتضبط العلاقات التي تنسجها النصوص الأدبيّة المفردة مع غيرها من النصوص لاستخلاص أدبيّتها، ممّـا يُثبت أنّ نتائج البحوث الشعريّة صالحة لمقاربة الآثار القصصيّة في جميع الآداب. وما ينبغي أخذه بعين الاعتبار هو أنّ صيرورة المذاهب الأدبيّة والمناهج النقديّة والبحوث الشعريّة تفرض على النقّـاد مراعاة الجانب النسبي في نتائجها.
ومن كلّ هذا يتجلّى لنا أنّ حركة النقد القصصي بتونس قد سلكت منعرجا حاسما منذ مطلع السبعينات ووقفت على أهمّ قضايا الكتابة القصصيّة في تونس وأشكالها فلفتت الانتباه إلى أدبنـا القصصي الذي أهمله النقّـاد المشارقة إهمالا طوال عدّة عقود، واعتنت فضلا عن ذلك بقسم من الآثار القصصيّة في سائر البلدان العربيّة. ورغم كلّ هذا، فإنّ تلك الحركة قد أهملت عددا هامّـا من النصوص القصصيّة التونسيّة ولم تتوصّل إلى وضع الأسس الضروريّة لنشأة بحوث تنظيريّة متعلّقة بمختلف الأجناس الأدبيّة التي اتصلت بها تلك النصوص، نظرا إلى العوامل التي قيّدت جهود بعض النقّـاد التونسيّين وأثقلت كواهل بعضهم الآخر.
* * * * * *
ولا جدال في أنّ النقّـاد التونسيّين قد حرصوا على تذليل تلك العقبات التي أشرنـا إليهـا بنشر مقالات بمجلات أدبيّـة متنوّعة والإسهام في أعمال ملتقيات وندوات انعقدت بالفضاءات الثقافيّة والكليّـات داخل تونس وخارجها. وكلّما توفّرت لديهم مجموعة من البحوث المتعلّقة بالمدوّنة القصصيّـة أصدروها في كتب خاصّة توقا منهم إلى إثراء حركتنا النقديّـة.
وقد رأينـا الانخراط في تلك الموجة بجمع قسم من الدراسات التي وقفنا فيها على بعض الروايات التونسيّة ونشرها في كتاب خاصّ يكشف عن وجه من وجوه اهتمامنا بالأدب التونسي الحديث، لأنّ من تلك الدراسات ما أسهمنا به في ندوات لم تنشر أعمالها إلى يوم الناس هذا، وخاصّة لأنّ القسم الأكبر منها تضمّنته كتب جماعيّـة ومجـلاّت صدرت بتونس وببلدان عربيّة أخرى فعزّ على القرّاء الاطلاع عليها كلّها.



* صدر الكتاب عن مركز النشر الجامعي في تونس


د. فوزي الزمرلي
أستاذ النقد والأدب العربيّ الحديث بالجامعة التونسية
faouzizmerli@yahoo.fr


مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث