الإثنين, 18 كانون الأول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
محمود سعيد في محاورة قديمة/1
د. فاروق أوهان
محمود سعيد في محاورة قديمة/1
محمود سعيد بعدسة سعد هادي
وجهان لمحاورة واحدة هو ما ارتآه الأديب محمود سعيد لهذا لسوف أقدم الوجهين او المحاورتين كما جاءتا من محمود نفسه بالنص، وعلى قسمين اثنين؛؛؛ وهذه كلمات محمود سعيد بقلمه التي تقول:
من محمود سعيد إلى الدكتور فاروق أوهان حول الاستجواب : ما يلي جزءان الأول عام والثاني خاص بالأسئلة، فاختر ماشئت، وإن أشكل عليك شيء فاتصل بي وشكراً.


الجزء المختص بالرؤية العامة لمسيرة محمود سعيد الأدبية

التجربة:
العنصر الرئيس فيما أكتب هو محاولة إحياء التجربة التي مرت بي، محاولة إعادة الحياة، وصف تلك التجربة بحلوها ومرها، بؤسها وسعادتها، لذا أعتبر نفسي ناجحاً إن وفقت إلى تشخيصها، وتصويرها كما أبغي، وفاشلا إن لم أوفق.
محاولة إعادة الماضي برؤى جديدة يعني حياة جديدة بعد الموت، فاللحظة التي تمر تموت، إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء مستحيل واقعاً، ممكن تخيلاً، إنه ولادة جديدة، بمدلولات جديدة، ووعي جديد، وعقلية جديدة، وهذا يعني إعادة تشكيل الواقع بمعمار متطور، وهذا يعني أيضاً بالضرورة تطوير التجربة، تطوير الحياة.
وبتجربتي المتواضعة فإنني أرى أن عيني الطفل هي المرآة الحقيقية التي تعكس الواقع بصدق، وبقدر ما تكون وما تزال حادة تكون صادقة حتى لو بلغ المرء من زمانه نهايته، حتى لو بات على حافة الموت، وقمة التمتع عندي هي الرجوع إلى حياة الطفولة بمرحها، نظرتها إلى المحيط، سعادتها بسماع حكايا الأمهات والجدات والمتكلمين السماعيين الموهوبين عن الوحوش القاتلة وقصص الظلم والانتصارات التي تسرد سير الأبطال والأنبياء والأحداث التاريخية العظمى والأساطير، والتي تكون الخزين الأكبر الذي يمتح منه الحاكي أحداث حكاياته وقصصه ورواياته، والمعين الذي أستمد منه مقدرتي على إعادة تشكيل الواقع.
لكن هذا لا يعني إلغاء تأثير القراءة والتلاقح الحضاري الذي زرعت بذوره المدارس والكتب الحديثة.
بعد بضع روايات اخترت أبطالها من الواقع، ومن الناس الذين عشت معهم، ودرجت وإياهم، راودتني فكرة كتابة رواية تاريخية، الفكرة ناضجة في ذهني، لكني لم أجرؤ..لماذا؟
ربما سأجد السبب فيما بعد، لكني لا أعرف الآن.

الأحداث:
يتنازعني تياران، تياران يتعباني في صراعهما جداً، يضيعان الكثير من وقتي، تيار يفرض بعض الأحداث علي، يفرضها كقدر لا أستطيع الفكاك منه، وتيار يتكون من أحداث أثرت بي وأود أن أكتب عنها لكني لا أجد الوسيلة ولا الطريقة المثلى للصياغة، بالنسبة لأحداث التيار الأول فإني لا أجد صعوبة في الكتابة عنه، أكتب عنه بسلاسة وعفوية، لا بل ربما من دون تفكير إلا بالصياغة وطريقة السرد وتقنيات الكتابة، ومن بين ما كتبت تحت تأثير هذا التيار زنقة بن بركة.
أما بالنسبة إلى التيار الثاني فهناك أحداث جسام تمر بي وتترك أثرها علي وعلى شعبي ومحيطي، ولذا أرى الكتابة عنها أكثر من ضرورية لكني لا أستطيع إنجاز ما آمل إنجازه، ولعلي فاشل في الكتابة عن هذا التيار وإيفائه حقه بالرغم من الضرورة الماسة إلى إنجاز مثل تلك الأعمال، أما سبب هذا الفشل فيعود إلى أنني ربما أمتلك معدة بطيئة في هضم الحوادث، وهذا شرّ لا أدري كيف أتخلص منه.

الذاكرة:
لم تثرني الذاكرة الدينية أو القومية أو الإثنية بأي شكل من الأشكال، كنت ومازلت أمقت أي نوع من أنواع التعصب، ولا أعتقد أن أي دعاية إثنية أو قومية أو دينية تستهويني لكني أنحاز إلى قضية أي حق كانت حتى ولو تعلقت بمن هم أعداء تاريخيين، فبالرغم من أن عائلتنا متدينة وبالأخص والدي لكني ربيت نفسي على التسامح مع كل المبادئ والمذاهب والأديان، فأنا مستعد للوقوف مع أي مظلوم حتى ينال حقه ولو كان الظالم أخي، إنني أومن بحق كل الناس بالعيش والحياة الكريمة مهما كانت معتقداتهم وانتماءاتهم الوطنية والقومية، ولذا فلن ترى شخصاً متعصباً محترماً في رواياتي.

الغربة:
الغربة نوعان، نوع مادي سهل بسيط، تعارف عليه الناس، يتمثل بالبعد عن الوطن، سهل في نظري لأني أرى أن العصر الحديث اختزل الأبعاد في المسافات بين البلدان والقارات،لم تعد أي مسافة مهما بعدت بقصيّة، في خلال يوم أو بعض يوم يقطع المرء نصف الأرض، أما النوع الثاني فهو المعنوي، وهو مرض وبيل كالسل أو السرطان أو نقص المناعة المكتسبة، ولا يصيب غير المفكرين وعميقي التفكير، إنه مرض النخبة الراقية، إنه يمثل الغربة الحقة، الغربة القاتلة، ومن ابتلي به يعيش غريباُ بين أهله، يعيش الغربة كاملة موحشة قاتلة شقيّة وهو في وطنه، ولعل هذا ما عناه أبو حيان التوحيدي عندما قال: الغريب من ليس له في الحظ نصيب..وقد كان يقصد بكلمة الحظ السعادة، ولعل هذا ما قصده المتنبي أيضاً في قوله:
ذو العقل يشقى في الحياة بعقله وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم
ولعل حرق أبي حيان كتبه وهو في أرذل العمر كان رد فعل لشقاء الغربة المرضيّة الذي تكلمنا عنه، ولابد أنه وهو نفسه الذي أنهى حياة همنكوي وميشيما وهما في عز تألقهما ومجدهما.

الرواية الأولى:
كانت روايتي الأولى :الإضراب، كتبتها سنة 60 وهي عن إضراب القصابين - الجزارين - في الموصل، وكان أقوى إضراب في أي بقعة من الوطن العربي نجح في فرض أهدافه، أستمر أسبوعاً كاملاً، أما أرضيته فكانت قراراً اتخذته بلدية الموصل آنذاك بفرض ضريبة جديدة على القصابين رؤوا أنها تعسفية ، أضرب القصابون، وتضامن معهم كل أهل المهن في المدينة، وأدى الإضراب إلى سقوط الحكومة، وإلغاء الضريبة، قدمت الرواية إلى اتحاد الأدباء العراقيين، وكان علي الشوك مسؤولاً عن القصة، فقال لي إنهم لا يستطيعون نشرها لظروف البلد السياسية، وقال لي حاول أن تكتب غيرها، فكتبت رواية: (قضية قديمة) عن الهاربين من الاغتيالات في الموصل إلى بغداد الجديدة، الاغتيالات التي كان يشرف عليها عبد الحميد السراج من سوريا، قدمت الرواية للاتحاد نهاية 61 ثم نقلت إلى الرقابة، وكان المسؤول المقدم لطفي طاهر شقيق المرحوم وصفي، فظلت في الرقابة مدة ثلاثة أشهر تقريباً وأجيزت بعدئذ، وطبعت، وكان من المفروض أن توزع في 15/2/63 ، لكن انقلاباً حدث في 8 شباط، أحرقت مع أختها الإضراب ومئات المخطوطات المودعة في اتحاد الأدباء العراقيين بعد اقتحام الاتحاد ومصادرة ما فيه، وفي رسالة من المرحوم هادي العلوي تدل على ذاكرة جبارة لا يتمتع بها إلا العباقرة وصلتني في تموز 1998 يتذكر الحادثة، يقول إنه أوصى بإجازة نشرها عندما كان يعمل بالرقابة آنذاك، ولقد ذكر علي الشوك أخبار الروايتين في كلمته عن زنقة بن بركة والتي نشرها في جريدة الحياة اللندنية 94 ثم تكلم عن الأولى في مجلة المدى عدد: 21-2-1998
أما الرواية الثالثة فكانت الإيقاع والهاجس وهي عن معاناة الأكثرية الساحقة من المفكرين والأدباء والمثقفين العراقيين الذين وجدوا أنفسهم على قارعة الطريق أو في السجون بعد 63، وكنت منهم، سجنت سنة، وفصلت من الوظيفة ثلاث سنوات، كتبتها سنة 68 ومنعتها الرقابة، وكان الخبير آنئذ عبد الرحمن الربيعي الذي كانت تربطني به معرفة بسيطةلم تشفع لي، ثم منعت شقيقتها زنقة بن بركة التي كتبتها سنة 970 وهي عن حياتي في المغرب، وكان الخبير حسبما قيل لي الربيعي نفسه، وعندما طبعتها بعد 23 سنة التقيت الأديب باسم عبد الحميد حمودي الذي كان معجباً بها جداً، اقترح تقديمها لمسابقة الرواية السنويةن وعندما أخبرته أنها ممنوعة، قال لي: كل شيء تغير، تبدل المسؤولون عدة مرات.
وبالفعل فازت بالجائزة الأولى، وكان المحكمون محايدون برئاسة المرحوم جبرا الذي أصر على أن يراني بعد نحو سنة، فذهبت مع القاصة لطفية الدليمي والشاعرة دنيا ميخائيل لزيارته، وربما كنت أخر شخص رآه إذ سمعت خبر وفاته ما أن وصلت إلى الأردن، أما باقي المحكمين فلم يكن فيهم من الحزبيين سوى سامي مهدي الذي أبدى مخاوفه على نقطة بسيطة وردت في الرواية تتعلق بعبارات تمس الملكية في المغرب، لكن الناقد عبد الإله أحمد طمأن مخاوفه، كان عبد الإله كما سمعت منه لاحقاً قد تحمس لها كثيراً هو والروائي الشهير مهدي عيسى الصقر، والناقد فاضل ثامر.
أحدثت الرواية ضجة كبيرة، وبالرغم من أنها لم توزع في العراق، وأنها ممنوعة في الأردن والمغرب والكويت إلا أن عدد النقاد الذين أطروها بلغ واحداً وعشرين واحداً منهم كتاب ونقاد في القمة مثل: علي الشوك الذي يعتبرها أفضل رواية عربية، ومحمد خضير، علي جواد الطاهر، وأشاد العشرات برسائل شخصية منهم الدكتور سهيل إدريس والتكرلي وإبراهيم أحمد وجنان حلاوي.
وكتبت راوية المجذومون 1975 عن معاناة الناس في السبعينات، يقضون جل نهارهم في الركض للحصول على المواد الغذائية، حيث يقفون ساعات طويلة للتزود بالخبز والخضار واللحوم ووو..ثم تبين لي بعد تقصي الأمر أن كل تلك الأزمات كانت مفتعلة، إذا كانت السلطة قد احتكرت توزيع الغذاء بكل أنواعه، وكانت تلجأ إلى خزن الطماطة على سبيل المثال أسبوعاً كاملاً لا تنزلها إلى السوق، فيبدأ الناس بالبحث عبثاً عن الطماطة، وفي الأسبوع الثاني يخزنون البيض، وفي الثالث الخبز، فالزيوت واللحوم وهكذا باقي المواد الغذائية والملابس ومواد البناء والصابون، ثم كتبت رواية أنا الذي رأى سنة 980 وهي عن سجون العراق، وكنت سجنت لسبب لا أدري ما هو وذهبت إلى سوريا، وقدمتها لاتحاد الكتاب العرب، وكان الخبير محمد بو خضور، فوافقوا على نشرها، لكن بو خضور نقل إلي شرط الاتحاد :أن أحذف من الرواية كل ما كتبت عن الشذوذ النوعي المنتشر عند بعض السجناء، وكل ما ورد في الرواية عن عائلة صدام، وعندما استجبت له، طلب مني أن أعمل مع المخابرات السورية فرفضت، فمنعت الرواية في سوريا، ولولا جهود الصديق فخري كريم لما تيسر لي طبعها في سوريا بعد 15 عاماً، وقبل أشهر من بدء الحرب العراقية الإيرانية (وكنت في البصرة آنذاك) انتقلت إلى بيت جديد فاكتشفت أن رواية المجذومون قد ضاعت، وفشلت جهودي في العثور عليها، وفشلت كذلك في إعادة كتابتها، وحزنت لذلك حزناً عظيماً.
أما رواية نهاية النهار التي فزت بها بجائزة نادي القصة في القاهرة فكانت عن حرب الخليج، وكانت رواية الموت الجميل عن الغربة بنوعيها، أما رواية قبل الحب بعد الحب- تحت الطبع- فهي عن قصف البصرة في خلال ثماني السنوات التي عاشتها المدينة تحت رعب الحرب العراقية الإيرانية.

الرواية والروائيون العراقيون:
أول رواية قرأتها فهي قصة عنترة، وكان ذلك في الابتدائية، ثم قصة سيف بن ذي يزن، وقرأت قصة الأم لمكسيم غوركي في الصف السادس الابتدائي، أما أول قصص قصيرة عراقية قرأتها فكانت لجعفر الخليلي، لكن أول رواية عراقية قرأتها فكانت لذي النون أيوب - الدكتور إبراهيم، واستمتعت كثيراً بقراءة (مجنونان) لعبد الحق فاضل ولذا لم تعجبني رواية يوسف الصائغ- اللعبة- التي كتبها بعد نصف قرن تقريباً، وكانت تطرق إلى موضوع مشابه تقريباً، ويتملكني العجب كثيراً لعدم استمرار عبد الحق في كتابة الرواية؟ واستمتعت كذلك برواية غانم الدباغ ضجة في الزقاق بجزأيها، وأعتبرها من أفضل الروايات العراقية، وأفضلها على روايات غائب طعمة فرمان والتكرلي، وأظن أن غانم الدباغ لولم يتوفى في عز شبابه لأتحفنا بروائع أخرى، وأعجبني إلى حد الجنون قصص المرحوم عبد الملك نوري، الذي لم ينل حقه من التكريم والاحتفاء والشهرة فهو في نظري أهم كاتب قصة قصيرة ظهر في الوطن العربي في الخمسينات والستينات قاطبة، وقصصه أجمل وأقوى من قصص زكريا تامر ويوسف إدريس وكلاهما اشتهرا أكثر منه، ولعل ضعف الدعاية في العراق ومحاربة السلطة للمفكرين والكتاب في العراق بتلك الصليبية الوسخة هي السبب في خمود شهرة العباقرة منهم، ولو كانوا في غير العراق لتجاوزوا النجوم.
وكنت من المعجبين بأعمال مهدي عيسى الصقر بنظري وبخاصة الشاهدة والزنجي وأعتبرها من أفضل الروايات في النتاج العراقي والعربي برأيي المتواضع.
أما من الكتاب العرب فيقف نجيب محفوظ في بعض رواياته في القمة، مثل رواية زقاق المدق، واللص والكلاب والكرنك وأولاد حارتنا، ولست أدري لماذا لم أستطع أن أكمل السراب والثلاثية وبعض الروايات الأخرى، وبكيت كثيراً وأنا في مراهقتي لقصص عبد الحليم عبد الله، واستمتعت ببعض روايات عبد الحميد جودة السحار، وعلي أحمد باكثير، أما الطيب صالح فلم يعجبني من أعماله سوى مواسم الهجرة إلى الشمال، ولم أستطع كذلك أن أكمل الكثير من روايات حنا مينا، لكن من التجارب العربية التي أجبتني كثيراً رواية الليبي أحمد الفقي، ورواية الفلسطينية سحر بركات: الميراث.

الصراع:
هناك بعض الكتاب يحاولون أن يتخيلوا أنهم ينافسون شخصاً ما أو يصارعونه، لكني لست منهم، لست ممن يخلق لنفسه حلبة صراع من منافسين وهميين أو حقيقيين، فبالنسبة لي أحاول أن أصارع نفسي أولاً، أن أتجاوز ما تمكنت من إنجازه في الماضي، أن لا أكرر نفسي، أن أقدم شيئاً جديداً في كل رواية أكتبها.
وبذلك يكون ندي هو نفسي في المقام الأول، أما الشيء الثاني الذي أصارعه فهو قضية تنتج عن خلل مبدأي أراه جديراً بالصراع، فأنا على سبيل المثال أرى بأن الرأسمالية بشكلها الماثل الآن، وبالنظام الذي تحاول أن تروج له، وتخطط لتطبيقه في كل العالم أمر يمثل نقطة جديرة للصراع، للتضحية، للمجابهة.
وربما يكون هذا الاختلاف الفكري هو النقطة التي يمكن أن يتقاطع عندها المفكرون والأدباء على العموم، وأعتقد أن ذلك يمثل دافعاً مهماً للكتابة، وهو بشكله العام دافع إنساني لا قومي، فالقضايا القومية لم تكن شاغلاً لي بأي شكل من الأشكال، لا لأنها لم ترفع شعارات مهمة بل على العكس، فلقد كانت القضايا التي طرحتها والشعارات التي أعلنتها جذابة ومثيرة وثورية، لكن من قام بكل ذلك أناس مشبهون تربوا على فتات الاستعمار، وجاؤوا بقطاره العفن منذ حركة الاستقلال في العشرينات وحتى هذه اللحظة.

العناصر:
إن أحد أهم المبادئ في كتابة القصة والرواية هو الصراع بين نقيضين اثنين، وربما يكون بين ثلاثة، ومعظم أفلام الرعب والأفلام والروايات البوليسية والتاريخية مبنية على هذا النوع من الصراع، وفي الغالب يجسم أحد أبطال الرواية الشر والآخر الخير، وبالنسبة لي لم أعتد تحديد هذين النقيضين قبل الكتابة مطلقاً، فالصراع يظهر في كتاباتي عفوياً غير مفروض، فعلى سبيل المثال يرى أفراد عائلة بطل رواية الإيقاع والهاجس أنفسهم في مأزق لا فكاك منه مهما بذلوا من جهد، أما أطراف الصراع في زنقة بن بركة فكانت بين انتهازي صاعد وبين مناضل أصيل على قضية مبدأية من جهة، وبين سي الشرقي وبين صديقه الحميم على فتاة من جهة أخرى، وبين الشرقي والانتهازي من جهة ثالثة.

الحقيقة والخيال:
يصعب إرجاع الأسباب إلى أصولها، فلا يمكن معرفة مدى ما العناصر الخيالية أو الواقعية بأي قصة من القصص، فعلى سبيل المثال لا يمكن حتى لسرفانتس أن يحدد كمية الخيال في دون كيخوتيه، بالرغم من أن الجميع يتفقون على أنها من صنع الخيال، فلم يوجد مثل ذلك البطل في الواقع، لكن عبقرية سرفانتس جعلته يبدو وكأنه واقعي مئة بالمئة لكي يضحك المؤلف الناس على ظاهرة الفروسية الكاذبة التي سادت قروناً طويلة في أوربا، وكانت تحمل تناقضات تحتم القضاء عليها.
وكذلك روايتا روبنسن كروزو وموبي ديك فكل ما فيهما يمكن أن يقعا في الحياة، ولهذا عرفت الواقعية في الأدب بأنها ما يمكن وقوعه من حوادث، وبهذا تختلف عن التأرخة التي تسجل ما وقع فعلاً.
معظم رواياتي تستند على واقع ممكن الحدوث يقوم على خيال صرف، لكن أنا الذي رأى وحدها واقعية في مجملها، إنها عبارة عن تسجيل لما حدث فعلاً، وتكاد تخلو من الخيال إلا بنسبة خمسة بالمئة، وهو خيال اقتضاه العمل الروائي.

الأخلاق واليوتوبيا:
يظن الناس كلهم كتاباً وعاديين أنهم عادلون، حتى المجرمين الذين يرتكبون أفظع الجرائم، يظنون أنفسهم فرسان العدالة، ولولا القانون وصرامته لما أعترف أي مجرم، وما تصرف الحكام المستبدين الجبارين إلا من هذا النوع الذي يظن أنه مخول للتصرف من قبل الناس أو القوى الغيبية التي وضعته في مكانه المناسب، ولذلك فإن الموقف من الأحكام على الآخرين يثير خلافاً كبيراً بين المثقفين والمفكرين.
ولما كنت من النوع الرافض للاستبداد في كل أشكاله فإني أرفض الحكم على الآخرين بأي شكل من الأشكال، لأن إصدار حكم ما على الآخر ينبع من حالة استعلاء وترفع غير إنسانية، ربما وحده الخالق يملك حق إصدار الأحكام، لكني أشعر بأني أعيش حالة محاكمة دائمة للذات، ولهذا أطمح إلى نظام ومجتمع تسود فيه العدالة والمساواة ولا يكون سائداً فيه غير القانون ومؤسسات دستورية في نظام ديموقراطي.
أما ما يرد في رواياتي من محاكمات لشخص أو قضية ما فهي للتعبير عن المبدأ الذي أومن به لا أكثر.

التغيرات:
لم أرضَ على قسم مما كتبت وأشعر بأن مستواه غير جيد، وأتمنى أن أغيره وأتمنى أن يكون ذلك بمقدوري، وقد أنقح بعض الشيء منه في طبعة أخرى لكني لا أستطيع أن أعيد كتابته مرة أخرى، وعندما سمعت أن التكرلي أعاد كتابة الحوار في الفصحى لروايته -الرجع البعيد- غبطته على تلك المقدرة التي أفتقر إليها، إن العمل الأدبي كالطفل يولد كما هو، وقد يستطيع ذوو الطفل أن يعدلوا أنف ابنتهم الطويل لكنهم لا يستطيعون مهما فعلوا أن يستبدلوا بصمات أصابعها، أو يغيروا شخصيتها، أو أن يضيفوا إلى طولها أو يقصروا منه، الرواية الفنية تولد هكذا، سواء أكانت جيدة أم لا..
كتبت زنقة بن بركة سنة 70 ونشرتها سنة 93 وفي خلال تلك المدة نشأت عندي رغبة بتغيير أشياء كثيرة لكني لم أستطع، كان يكمن في ثنايا النص هيبة صدتني عن أي محاولة للعبث فيها، وحدث مثل ذلك مع الإيقاع والهاجس التي نشرت بعد 27 سنة من كتابتها.
أما الرواية الواقعية فاعتقد أن بإمكان المؤلف أن يحذف أو يضيف إليها، فلقد اضطررت إلى حذف فصول تمثل أكثر من ثلث صفحات رواية أنا الذي رأى وأنا غير راضٍ.
محمود سعيد أبوظبي الشارقة 1998


د. فاروق اوهان
فنان وكاتب من العراق
drfohan@gmail.com
الموقع هو: https://sites.google.com/site/faroukohan/
وبالإنجليزية: https://sites.google.com/site/sinjarandapple/

مقالات اخرى للكاتب
تعليقاتكم
1. رسالة الى محمود سعيد روائيا
حسن مجاد | 24/9/2011 الساعة 19:17
محبتي لك ايها الكائن الملائكي وانت ترى الدنيا باتساعها بابا للطفولة ، تحية لك ايها العراقي برغم تقلب الازمنة وتحول المدارات، مصادفة عثرت على رسالة لك في مجلة سطور الالكترونية تسأل فيها عن حسن مجاد وتطلب رقم هاتفه ، انا الان ابحث عنك ايها البعيد القريب مع التحايا
2. تحية
محمود سعيد | 29/9/2011 الساعة 23:48
عزيزي حسن مجاد أشكرك شكرا جزيلاً أرجو إرسال بريدك الإلكتروني إن أمكن دمت محمود سعيد maltaie39@gmail.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث