الأربعاء, 17 أيلول 2014
   
صدرت حديثاً عن منشورات "مومنت كتب رقمية" Moment Publications في بريطانيا               رواية جديدة بعنوان "سلاطين الرماد" للكاتب العراقي سعد هادي، بطبعتين، ورقية والكترونية              
قناع فينوس/فصل من رواية
سامية بن دريس
قناع فينوس/فصل من رواية
لوحة للرسام العراقي سيروان باران



إلى تلك الساعة ــ قبل أن يغير الربان ــ أردت القدرــ اتجاه السفينة كقرصان ــ كنت ما زلت ألهث خلف صباحاتي الكابية حيث يخشخش ورد يابس، أعد لها مائدة على مزاج الفصول، فيما هي تتقلب بين كفي متحجرة الفؤاد، قل إنها تتمدد على جسد الوقت وتقضم تفاحا حجريا وتدخن سيجارة لا تنتهي في لا مبالاة متعمدة وخمول مترف. قد يحدث أحيانا أن تغير الإيقاع، تماشيا مع أمواج الموسيقى التي تبدأ هادئة ثم تشرع في تسلق الجبل الصخري: الأولمب العظيم حيث بيت الآلهة، لتنفجر صاخبة محتجة على نظام الامتياز الجائر. وربما قد يحدث النقيض تبدأ من أعلى درجات السلم غاضبة معربة عن صرخات العبيد ووقع السلاسل والقيود وآلام السياط لتشرع في التزحلق عبر المنحدرالواقف كحد السكين، كما لو كان للريح يد في ذلك من أجل تفجير الغضب غضبها العارم غضب الطبيعة بل الطبيعة البشرية، وحين يهدها التعب تستسلم للسهل متعبة تئن وقد استهلكها الركض في الدروب التي لها. وهذا هو الأهم فتأتيك عابثة ــ كطفلة غريرة ــ وتمد يدها السخية بسخريات تنساب كالنهر.
قبل سنوات كان سيكون رد الفعل كارثيا طبعا رد الفعل الشخصي ــ خصوصا ــ في لحظات التجهم والجدية المتزمتة التي لا ترى غير لون واحد مما يصيب المرء بالإحباط والتشاؤم بل أكثر من ذلك فقد تنفجر بصخب اللعنات العلنية المزمجرة على الجميع بغير ذنب في أغلب الأحيان ،الجدران والأبنية والشجر والبشر جراء الاستسلام للرؤية بعين واحدة، يومها كنت أخاف ذلك الشاب الضخم الطويل ذي الشارب المفتول والمعجون بسمرة الأرض، ولكني مع الوقت تعلمت ـ والأيام سيد المعلمين ــ كيف أدهن جلد الأفعى المرقط وأدع يدي تنساب على ظهرها، خمس وثلاثون حولا توشم الروح على مهل على مهل بحذق إبرة الوشام، كما لو كنت فوق قارب مسترخيا في قلب المياه أحدق في وجه السماء أغمض عيني وأنساب بخفة الريشة، تتحلل أعضائي وتنفصل واحدا بعد الآخر، أتلاشى أندثر تنفصل الروح عن الجسد تطير في الأفق تحلق بعيدا بعيدا أبعد من السمع والبصر، أهذا هو الفناء؟ أهذا هو الخلود؟ عدم هو أم وجود؟ ثم تتبدد في الفراغ والبياض الضبابي يوقظ الحواس فتعود لا بد أن تعود إلى بيتها العتيق الجسد المنهك. يحدث هذا قبل النوم، يحدث كثيرا فيما وجهي مزروع بآلاف العيون طبعا آلاف هو رقم مبالغ فيه أردت التعبيرعن حالة تعدد الألوان التي أرى بها جلد الأفعى أعني الحياة.
بعض الصباحات الرحيمة تمد يدها نحوك بهدايا ساخرة، لها مفعول حبات من عباد الشمس المقلي والمملح و التي تغيرت دلالتها استجابة لروح الشباب الغامر صارت تسمى عندنا وأعتقد على المستوى الوطني بحكم أن عدوى اللغة سريعة الانتشار كاللهب :تشغيل الشباب تزامنا مع برامج الحكومة ورؤاها، ملفوفة بشكل قمع داخل أوراق رخيصة وحين تفضها تصفر بصوت عال :يا للهول! يا للكارثة! ماذا؟ قصائد؟ قصائد من الشعر الحقيقي، أهذا معقول؟أرواح الشعراء تلف حبات التشغيل، بذور عباد الشمس الرخيص المالح تتزين بالقصائد؟ قيل لنا في ربيع الطفولة في شتاءات القسم المكتظ بالدفء العطن،حيث الأحلام الواعدة بالاشتراكية والمساواة والحب، أين سيكون الخبز الأبيض للفقراء والفاكهة من الحقل والسيارة من المصنع الوطني والحرية تحت ضوء الشمس. الأهم من كل هذا أن الأحلام تبدو كما لو أنها في منقار عصفور.لقد كانت الاشتراكية النبوة القادمة والفردوس الموعود أين ستغمس أرجل الفقراء في الجنة وتغسل أبدانهم بماء الكوثر وتحلي ريقهم بالعسل المصفى، في ذلك العصر عصر الأحلام الوارفة واليوتوبيا قيل لنا نحن العصافير التي ما زال الزغب طريا فوق أجسادها بأن القصائد دثار الفقراء، لا شك أن أسماء كثيرة ستناوش قشرة الذاكرة وأن عصبا ما سينتعش مع وجيف في القلب وبريق في العينين: ما يا كوفسكي ، بابلونيرودا غارسيا لوركا وناظم حكمت ومحمود درويش وأمل دنقل.سيجتاحك ذلك الانتعاش الذي يشبه يقظة الحب إلى مرسيل خليفة وإيديث بياف وفيروز، كان عصر للرومانسية الحالمة التي طالما دغدغت خيالات الأطفال والمراهقين والشباب ، وربما سأقول تجنبا للتعميم تكون أيقظت بذورا نائمة في رؤوس الشيوخ .
ماذا تفعل أنت في مثل هذا الصباح ؟ تقبل الهدية الساخرة وتدس ابتسامة عند الزاوية اليسرى لملتقى شفتك السفلى بالعليا رغما عنك، كما لو كنت تمسك بإعياء سيجارتك الرخيصة، ستفعل ذلك، حتما ستفعل دون ارتباك. الحياة كريمة معطاء ندية تسخو أكثر مما تأخذ، تأخذ ما بيسراك وتملأ يمناك باللوزوالفستق والحبق، كأنما تتسلل يدها الحنون تحت إبطك لتدغدغك ماسحة بيدها المعطرة بالورد عنك الشقاء الموروث، لا أدري كم يستغرق ذلك من الوقت حتى تعود الحال إلى وضعها الطبيعي بالوجه الرصين ذاته والقسمات المعلقة كمساء شتوي عابس والعينان الحالمتان ببعض القيلولة. هذا هو الإحساس الذي اجتاحني ــ حسب قدرتي على التعبيرــ ذات أربعاء. بالنسبة إلي ــ على الأقل ــ الأربعاء يوم غير حيادي على الإطلاق، يوم متواطئ دوما مع هدايا الحياة الساخرة مع وجهها المجدور وعينيها الزائغتين، يوم يغمس فرشاته في التوقعات المربكة والمخاوف المتربصة عند ناصية الصباح الأغبر المغيم. وهكذا إذن قدم لي هديته، ويا لها من هدية لا تشبه الهدايا، تختلف عن هدايا الأعياد و هدايا الميلاد والنجاح والزواج التي ما زلت لم أتذوق طعمها ورائحتها. كانت ابتكارا جديدا اخترعتها مخيلة الأربعاء وحدها ملفوفة في الغموض والحيرة ،الله ما هذا الصباح!؟ على ما عثرت أنا سيزيف المضغوط تحت الصخرة، أنا المغموس خبزي في القذارة، أنا المغروزة أظفاري في الصخر، يا رب كن رحيما بي غير معقول، هل هذه حقيقة؟ أتحسس يدي اليسرى بيدي اليمنى لأتأكد أني جبان فعلا وأني لا أقوى على ربع هذا الفعل: لكم حلمت أن أرافق حبيبتي تحت نسمات أواخر الربيع لساعة واحدة فقط لأثبت لها أن الحياة جميلة حتى في أعين الفقراء، أعني أولئك الذين يتدثرون القصائد. علي أن أوضح هنا أن حبيتي من فقراء هذه الأيام أي فقراء العولمة المشوهون، الذين يرون الجمال في الأزهار الاصطناعية وفي المواد المعلبة ولا يرونه مثلا مجسدا بوردة في الحديقة أو كتاب في المكتبة، هم هكذا لا يتذوقون خبز الأمهات لكنهم يطيلون المكوث تحت المظلات لتناول كأس من الكولا مع قطعة من البيتزا الرخيصة. في تلك اللحظة طأطأت رأسي وتيقنت فعلا أني جبان ومفلس وعديم الفائدة وربما موتي أحسن من حياتي ــ كما كانت تنعتني أمي في صباي لعل عبارتها رنت في قلبي : يعزيونا فيك ــ وإلا كنت وقفت أمام الملأ وأعلنت أن الفتاة الواقفة قبالتي بتنورتها الرخيصة وعينيها المزروعتين في أفق آخر هي حبيبتي، وقد اقتنعت أخيرا بوجهة نظري التي تقول بأن الورود في الحديقة هي أصل كل جمال وأنها كانت مخطئة عندما اعتقدت جازمة أن وجوه الممثلات المطلة على صفحات الفضائيات أجمل من الورود البرية التي لا أسماء لها . الواقع أن كل هذا لم يحدث، لأنها ببساطة وفي سرية تامة عني وربما في غفلة مني هجرت فنطازياتي الزائفة وتزوجت مقاولا يهب لها الحياة، ولم أقدر طبعا على تفسير معنى عبارة يهبها الحياة، لأني انشغلت بوضع الثلج على الحفرة المتوردة التي انفتحت في صدري ويومها ــ أصدقكم القول ــ أحسست أن عينا ثالثة ظهرت وسط ناصيتي. لا علينا فالماضي شر لا بد منه هو المخدة التي أتوسدها كل ليلة لأروي لها تفاصيل يومي وهو أعني الماضي وقح وفضولي وشاهد على الهزيمة وإلا ما كان يطل برأسه بمناسبة وبغير مناسبة فقط من أجل إحراج المرء أمام ضميره، والسبب ــ كما ذكرت ــ هو أني لم أملك ربع الشجاعة التي علمتني إياها هذه المرأة في لحظات والتي ظهرت في أعلى منحدر الطريق الرئيسي.امرأة في منتصف الشباب تخترق غبشية الفجرــ ما أحلاها ــ وخلفها كلب ــ ويا للعجب ــ بدا وقت الفجر أسود، الظلام عادة يحيل كل الأشياء سوداء وهذه مشكلة في غاية الخطورة وربما لأجل ذلك اخترعوا المصابيح، أمي ومنذ عرفتها تنام والشمعة والكبريت تحت مخدتها ــ القداحة للمدخنين ــ تقول بأن الظلام خائن وغدار. لهذا رأيت اللوحة بإطارها سوداء أو معتمة بتعبير أدق: المرأة والكلب وحقيبة اليد. أعلنت في سري: يا لحظه إذ تقوده امرأة . وجه الغرابة هنا أي الجانب الكاريكاتوري وربما الجانب الدرامي وهي لقطة بانورامية نادرة أيضا أن ليس في البلدة على الإطلاق، ربما منذ وجودها على الخريطة ــ وهو زمن بعيد بعيد جدا منذ الأمازيغ الأوائل وقبل الفنيقيين والوندال والرومان والعرب والعثمانيين والفرنسيين ــ من رأى امرأة تجر كلبا خلفها، يحق ذلك للرجال ونادرا ما فعل رجل ذلك إلا مكرها مع أن الكلب ليس موبقة أخلاقية. حتى بالنسبة للطبقات المترفة،لا تتجرأ نساؤها على الخروج بمنظر لافت، قد يفعلن ذلك ــ أعني يخرجن ــ في مناطق أخرى كالعاصمة أو وهران أو عنابة دون حسابات كثيرة،أما هنا في فج الخير فالمنظر بدا وكأنه أحد عجائب الدنيا السبعة وربما أكثر على أساس أن العجائب لم تعد حقيقة ثابتة غير قابلة للنقاش ، ومن منطلق أن لا شيئ ثابت ، ولا وجود لمسلمات. لهذا حملق المارة مطولا في المرأة ذات القامة الطويلة والجسد النحيف ، بل إن بعضهم هتك غلالة الصمت بضحكة نزقة لم تتجاوب وترتيبات الفجر الهادئ ذي النسمات الرطبة ،كما لو كانت رصاصة طائشة استقرت في قلب أحدهم. لا شك أن الشروق القريب سيعري حقائق أخرى كثيرة بشأن الوافدة الغريبة، هذه هي وظيفة الضوء التعرية والكشف، ولا أدري إن كانت النظرات والتأويلات والبنى الجديدة والتصورات المركبة ستفاجئ المرأة التي مازالت تسير على مهل غير عابئة بالأعناق الملوية نحوها ولا الابتسامات الطائشة أو حتى الضحكات العالية المفرقعة في الأفق التي اخترقت بنزق العتمة والسكون . كانت تنحدر على مهل من المحطة الشرقية لتوقظ البلدة الزراعية التي تستيقظ باحتشام وتتمطى في كسل ظاهر، مثل ساحرة تمرر فرشاتها لتجعل من المدينة الحجرية نابضة بالحياة. لا شك أن سيارة أجرة قد حملتها إلى غاية المحطة. هاهي إذن المرأة الغريبة تحل لتحرك ركود البلدة النائمة وسط الجبال والحقول تتمطى على مهل وتمد ذراعيها لتستقبل صباحا آخر لا يختلف كثيرا أو قليلا عن سابقه. رأيتها من بعيد كانت مجرد شبح يتلوى في العتمة. ولم أستطع منع نفسي من التساؤل من تكون ؟ هل هي في كامل قواها العقلية؟لا شك أنها مجنونة سوقتها بلدة ما بمناسبة زيارة سعادتهم ، مثلا زيارة مسؤول كبير أو شخصية مهمة عربية أو أجنبية، إلى المكان القصي المقعي بين الجبال، والحق أن السلوك ليس غريبا فقد تدفق على البلدة منذ سنوات ألوان وأشكال من الوجوه والمجانين، نعم إنها طريقة معروفة في التخلص من العيوب التي تشبه أوراما خبيثة تعيث فسادا في الجسد وتتحرك في صمت. أبتسم ليس الزمن زمن أسرار. من يدري قد تنتقل المرأة قبل منتصف النهار إلى العالم دون أن تعرف، منظرها محرض بل إنه يمكن القول بأنها تفتح أبواب الغواية. طولها مشجع وقامة صفصافة ــ طبعا علينا أن نحذر دائما توريطات البلاغة ــ وكلبها يسيل لعاب المصورين والمدونين، كل شئ صار بالمجان الشهرة لم تعد حكرا على السياسيين ونجوم السنما والتلفزيون ولا عبي الكرة وغيرهم من المحظوظين الذين يتقنون رشوة الكاميرا بابتساماتهم الساحرة. فكرت بجدية في الأمر هل علي العودة من حيث أتيت وتتبع خطى المرأة ؟ المرأة مثيرة للأسئلة والشكوك والمخاوف توقظ الفضول، تنبش بإبرتها في أعماقي تدعوني للعودة لاقتفاء آثار قدميها وتتبع رائحتها لا شك أنها رائحة مستفزة لا تشبه أي رائحة وربما التحديق مليا في وجهها ثم رفع قبعة العرفان والانحناء أمام قامتها المديدة، كان يجدر بي فعل ذلك لو لم أكن بذلك المستوى من الجبن والتردد وضعف الإرادة . عندما أعود في المساء ستكون الشمس قد عرت جزءا من الحقيقة، إن لم تكن كلها . كانت المحطة قد أطلت بحقائب الرحيل الحزينة، تتأهب للبحث عن اللقمة المرة، طبعا لا شك أن ثمة حقائب أخرى زاهية لم تقدر عيني القاصر على رصدها ، يقولون الطيور على أشكالها تقع وأنا وقعت على أشباهي، تحسست كيس المؤونة نصف قرص من كسرة المطلوع ملفوفة في منديل كان في الأصل ثوبا على جسد أمي، نحن لا نستنفد أشياءنا إلا بعد عمر، فالثوب بعد طول استعمال قد يتحول إلى غطاء لبطانية أو مئزر مطبخ وفي كثير من الأحيان تقص قطعه الصالحة وتخاط بأشكال مربعة أو مستطيلة كمناديل للمطبخ. اليوم أنا محظوظ لأن خبزي سيرافقه حساء الخضار: بطاطا وجزر وقرع مع قطعة دجاج.
هاهي الشاحنة تنتظر لعلي الأخير بين العمال، المعلم سيوبخني وإن كان الأربعاء يوم نحسه سيطردني . حسنا هذه هي الخبزة في أيامنا مرة أكثر من الدفلة ومهرها الدم وليس العرق. إنها التضحيات المريرة ذات الطابع الرسمي في الضميرالإنساني: أمي بحاجة إلى دواء وأخواتي بحاجة إلى تعليم ، وما ذنبي إن كان القدراصطفاني لأكون رجل البيت، طبعا فليس الذكر كالأنثى مالعمل؟ إن كان ملح البحرقوتك، إن كان برك جافا مجذبا . كانت هذه الشبكة من المعطيات تلتف حول عنقي باطمئنان وأنا فقط ألوم نفسي وحدها، لأن من يغادر الجامعة في منتصف الطريق عليه انتظار هذا المصير وأكثر. كان المفروض أن أكمل دراساتي العليا في التاريخ ، التاريخ هو غبار الأولين ومسحوق أمانيهم ولكن أنين الأم سيخترقك حتى عند منصف الليل وأنت في غرفتك بالحي الجامعي، ستنسل من المخدة أعواد يابسة وأشواك لتذكرك بالواجب المنغرس كبذرة بداخلك كل ليلة. سأعترف أنا متورط في التاريخ ودائما على القاعدة الخلفية الشهيرة : ولدوا تألموا ماتوا . تخصصي في التاريخ هو الخطأ الأكثر خطورة في حياتي وعليه ترتبت بقية الأخطاء الأخرى المتسلسلة كحلقات التاريخ نفسه. إذا أخطأ العقل يخطئ القلب هذا شعار مصطفى، وهو مصمم شعارات بارع، وإذا كانت اللحظة التاريخية تتحدد بلحظة الاختيار فأنا فعلا ضيعت لحظتي التاريخية عن جدارة واستحقاق كما يقال.
من حيل الحياة الماكرة أن تصافحك بمزحة صباحية خفيفة تعري أسنانك لها في الهواء لا بأس بذلك، أنا فعلت ذلك في إطار التبادل والتعاون، انسقت خلف الهواء الخفيف و ابتسمت ، قد تتحول في المساء إلى مزحة سمجة بل قاتلة كالسم، ونحن بالفعل ندفع ثمن ابتساماتنا الطائشة أعني غير المدروسة كما الفواتير المعتادة دون أن ندري.
في المساء وحين أفرغتنا الشاحنة كالقمامة بعد يوم قلق مشحون بعلامات الاستفهام والتعجب والنقاط والفواصل ( طبعا لا أريد الحديث عن أعمال الإسمنت المسلح والخشب فقد اعتادها جسدي كضرب من الأعمال الشاقة المؤبدة) هرولت على عجل أستقصي خبر ضيفة الشرف أو ضيفة الامتياز الغريبة المغرية المستفزة للروح والخيال.كأن الأمر يخصني وحدي،أنا المعني الأول بحضورها ، أنا من أرسلت لها بطاقة الدعوة وتوجتها ضيفة غير عادية على المنصة. الساعة اللعينة وسط البلدة تعلن بوقاحة عن الخامسة وثلاث وعشرين دقيقة. السائق كان متعبا يقود على مهل مرة يمخضنا في حفرة ومرة يشنقنا بدودانة (ممهل) ــ على وزن أغنية فيروز ــ ثم ينحدر بنا كأنما بعث ليتمم مهالك الأجساد، وما تركته الفؤوس والمطارق والمسامير وأكياس الإسمنت وأخواتها . كعصفور أزرع بصري المتعب في زوايا البلدة أبحث عن امرأة وكلبها، هي لا تعنيني في الواقع ولكني أتشبت بأذيالها لأتسلى بالحكاية هكذا أراوغ النفس وأعللها بهبات الريح، متحاشيا الاقتراب من الجدران لأن رائحة البول تتربص بكل متلصص. الشم أخطر الحواس وأنا إذ رحت أشم رائحة المرأة الغريبة لا شك أنها رائحة ملفتة جديدة لم تألفها الأنوف بعد. أقول في نفسي مواسيا أين ستذهب امرأة غريبة وبها مس ، بعقل نصفه صاح ونصفه يغيم؟ لا شك أنها كذلك أنا من أصدر الحكم، ولنفرض أنها في قمة توهجها العقلي إلا أن الوضع سيتغير بدءا من اليوم، لأنها ستمتلك شهادة عدم الكفاءة العقلية بخرقها لحظر التجول الأنثوي مرفوقة بكلب، بالتأكيد ستختفي في زاوية ما، قبالة واجهة، تحت شرفة ، قد تجلس أسفل الدرجات التي تخترق الأزقة، لعلها مازالت مقعية في المحطة ربما ما زالت تنتظرني كما انتظرني الحظ منذ زمن، شر البالية ما يضحك، هم يبكي وهم يضحك، لعلي لم أتبينها بين المنتظرين، ربما أصبت بالعشى النهاري في يوم مديد من أيام الربيع.
كنت أجريت مسحا سريعا وثاقبا للزوايا ــ في مثل هذه المواقف تعمل الحواس بسرعة إضافية مضاعفة وتبقى في حالة تأهب إلى النهاية ــ وأنا أغسل يدي في العين التي تتوسط المحطة الشرقية، عادة يجلب الماء الطيور وأنا أحدها ويبدو أن المرأة ليست من صنف الطيور وإلا كانت وقعت على الماء أوربما وقعت ثم غادرت هل عليها أن ترابط هناك فحسب؟
في الطريق أقابل صديقي مصطفى يدعوني لفنجان قهوة، وجهه ضاحك كأنه مخزون من النكات والمهازل كما البارود العراسي: يبادرني هل سمعت آخر الأخبار؟ ودون أن يترك لي مهلة التخمين يبادرني ــ كأنما له حق السبق دائما ــ امرأة تجر كلبا أحمر تتجول في شوارع فج الخير وتتأبط حقيبة يد . هل هذا ممكن؟
لو رأيتها يا صاحبي، إنها ليست مجنونة،أقول لك تحفة يا أخي تحفة جادت بها السماء، آه لو رأيتها، بومبة يا صاحبي. كأنها قطة مسالمة لم تؤذ أحدا، ملامحها هادئة ولباسها أنيق سروال قديم من الجينز وقميص أصفر فاتح فوقه سترة بنية. وشعر ملفوف في شريط رقيق، لم تكلم أحدا، تجلس مسندة ظهرها النحيف إلى جدار الثانوية، كأنما وكلت بحمله، وكلبها مؤدب للغاية يستريح إلى جانبها يحدق تارة فيما حولها وتارة ينش الذباب عن وجهه ، هل تصدق ؟ لها جلسة الملوك كأنها ملكة الأرض بأناها المتضخمة وجنون العظمة الذي عادة ما يتملك هذا الصنف الهش من البشر. تنظر إلينا من علياء برجها السامق . على الرغم من نظرات الفضول وضحكات الطلاب وضجيجهم فإن المرأة ظلت تمتشق صمتها ساكنة، على الرغم من توافد الجماهير من كل الأصناف شيوخ كهول شباب وأطفال، المشكلة أن جدار الصمت الذي أقامته حولها هو من غذى الفضول الذي نبت في أعماقهم كما الفطر، الفضول مثل النار يستعر يشتعل ويلتهب ولا تنقطع جذوته إلا بالماء، والماء الذي يبحث عنه الناس لديها هو معرفة سرها ،صدق من قال : الصمت حكمة. قلت له : هل نسيت؟ خذ الحكمة من أفواه المجانين.ولو بالصمت. العناد كالفضول مرض مزمن، إذ حين وجد المتجمهرون انصراف المرأة عنهم إلى عالمها، لا شك أنه عالم بهي فيه ما فيه من الظلال والجنان والأنهار ظلوا يتكاثرون بإصرار عنيد كالدود. هذه المدينة مستعدة لتدفع كل أهلها من أجل إرضاء الفضول الذي يخربش في صدورهم ويوشوش لهم كما الوسواس القهري. لو رأيتها يا صاحبي في وجهها دهشة غريبة وارتياب وربما فجيعة وأفول وغروب شمس غير عادي، لكن ما يحيرني حقا هو تلك الجرأة، من أين لها بتلك الجرأة الرائعة؟ لتصطحب معها كلبا ليرافقها في رحلتها بل كلبا أحمر والكلب لحمر ما يتحسب مع العجول هاهاها، فرقعت ضحكة مصطفى حولنا ملفتة شتى الأنظار إلينا. ليس من طبع مصطفى أن يلتفت لما قد يقوله الآخرون يكفيه أن يضحك ليمضي في حال سبيله عازفا لحنا شعبيا بصفيره.
بصوت خفيض قلت له : رأيتها صباحا عند الرابعة والنصف أو الخامسة إلا عشرين ، لم أقدر على تمييزها، رأيت امرأة تجر كلبا خلفها ولم أستطع تمييز لونيهما كانت تنحدر من المحطة الشرقية. من أين جاءت لا أدري وأين ستذهب الله وحده يعلم سرها.
ــ لماذا لم تعلمني؟ صاح مصطفى
ــ لم أجد للأمر أهمية
ــ بارد كالعادة يا طارق، أين سيقودك هذا الصمت؟ الصمت سيقتلك يوما يا صاحبي، أهذه هي النزعة العقلية التي كنت تحدثني عنها؟ أم هي الحداثة في الآداب والعمارة والأكل واللباس؟ مجنون! وحدك ستحترق بصمتك دون أن تقوى على النهوض.
ــ اطمئن ، بلغت مرادك، أنا مجرد خيال ووهم ورماد.
واتجهنا موسعين الخطى نحو الثانوية العتيقة الموروثة عن الكولون بسورها العالي وبنايتها الفاخرة ذات القرميد الأحمر، مخترقين وسط البلدة انطلاقا من مقهى الفجر وساحة البلدية منحدرين على عجل .
فج الخير مدينة عطشى في كل الفصول حتى في الشتاء، والناس فيها مشتاقون للفرجة لذلك تجدهم يضيعون لحظة في اقتناص كل جديد، وجه امراة وافدة سيارة بلوحة ترقيم بعيدة لكنة ما بحة مغايرة. وطبعا عند ها يقومون بفعل الغربلة ذلك الفعل البغيض ، يفرزون الحب عن التبن كما يقول الفلاحون، الرفيع على اليمين والوضيع على اليسار( ومن هنا تبدأ المهمة الأصعب : رفع الرفيع ووضع الوضيع) عادة تحب المدينة الغرباء بل إنها تسرف في حبهم وتبجيلهم وبذل أقصى ما في يدها لأجلهم، حتى إن اليد التي كانت مغلولة بالأمس تنبسط اليوم سخاء، كأنها بذلك السلوك تعوض عن النقص الذي يسكنها العزلة ، نعم العزلة مرض قاتل،عاهة مستديمة، لهذا تتشبث المدينة بأذيال الغرباء كمخرج نجدة أو عجلة بديلة تعوض بها عن الظمأ الذي يجتاحها
عندما بلغنا سور الثانوية كانت الجموع الغفيرة تقهقه بل إن الأطفال قد بدأوا بقذف الحجارة فيما شرع الفضوليون في رشقها بالكلمات البذيئة .
ــ وردة هل تحبين هذا الكلب؟
ــ ما اسمه ؟
ــ في أي ولاية كنت؟
ــ في أي...
ظلت المرأة صامتة بل إنها تبدو ساهية عن وجودها ولا تعلم أن هذه الجموع هنا من أجلها من أجل كلمة واحدة،وربما التفاتة أو نظرة. بل هناك من الشبان من راح يصورها مع كلبها بهاتفه المحمول، كل هذا والمرأة صامتة لا تنش الذباب عن وجهها .
ــ قلت لعلها جائعة ، رأيتها منذ الصباح ، الغريب أني حين قدمت لها نصف علبة صغيرة من البسكويت قبلتها وراحت تقضمها على مهل بأسنانها البنية المتآكلة وهي تحملق في الفراغ مع طيف ابتسامة عالق، دون أن تنسى كلبها الأحمر الطويل ذي الشعر الأملس القصير بالقطعة الأولى:
ــ دابل يو(w )هاك قطعة القاطو. ابتسمت في وجه الكلب الذي لم يخيب طلبها وتجاوب هو الآخر على إيقاع صوتها الرقيق برفع عينيه الدامعتين وتحريك ذيله علامة الرضى.
نظرت الجموع المتحلقة حول المرأة مليا وارتفعت القهقهات عند سماع الاسم الخارق للآذان، بل ودون نفاق اتسعت أعينهم وربما شرع بعضهم في التعليق، بينما شرعت الأقلية التي بقي في صدرها بعض الحياء في الانسحاب لأن الاسم ربما يكون قد ذكرهم بمدى ضآلتهم .
وجهها شاحب وعيناها غائرتان بل أستطيع القول بأن نظرتها حالمة فيها دفء هارب وضياع خافت، انفلات ما في بريق عينيها المتضائل. سأقول شيئا ودون تحرج همست في أذن مصطفى دون أن أكترث لردات فعله المشاكسة وغير المتوقعة في أغلب الأحيان :" جمالها من النوع المتوحش" الغريب أن مصطفى الذي قد من ضحكة حرك رأسه علامة الموافقة وبدت في وجهه سحابة مرتعشة تتنقل بين عينيه وظلهما وتنحدر إلى غاية شفتيه السمراوين الغليظتين. صفر مصطفى بخفوت كتحية لهذا الجمال الذي يكون قد اكتشفه على يدي ــ أقول ذلك دون مبالغة فأنا دائما السباق للاكتشاف فيما ينحصر دور مصطفى في الإعلان بصوته الجهوري الذي لا يعرف الخوف، ساقول إن العلاقة بيننا هي كالعلاقة بين المغني وكاتب الكلمات والملحن أو بين كاتب النص والممثل النجم والمخرج هذا بالضبط ما يحدث بيننا ولأن كلا منا عرف دوره استطعنا تجاوز تلك الهنات المتربصة هنا وهناك ــ أعود إلى المرأة: وجه أسمر صغير وعينان خضراوان مدورتان وحاجبان أسودان ، سأكمل تفاصيل اللوحة اعتمادا على المخيلة، لا شك أن شعرها كان أسود وكثيفا وأغلب الظن أنه كان طويلا، ولا غرابة أن يكون جسمها ممتلئا وصدرها عامرا، وقد انتقلت فجأة من عطايا الصيف إلى جفاف الخريف. طبعا لم يبق من أبراج الحلم إلا ظلاله، فالجمال وكما يعلم الجميع كالمال ثروة غير مضمونة النتائج. لا أدري إن كانت وردة علقت آمالا طافحة على ثروتها الواعدة بمستقبل مشرق أم أن الشك والاحتراس هما من رمى بها نحو المرافئ المهجورة .
تركنا وردة ــ هكذا سمعنا اسمها ــ آسفين وكأن الغروب قد ارتسم في هذه اللحظة على محياها، حتى بدا وكأن لشهر ماي تجاعيد خريفية واعدة بمطر في غير أوانه، وسرنا صامتين. بعض المظاهر تسرق لسان المرء منه، تعقده فلا يقوى على حله ، ربما حدث الأمر نفسه لي ولمصطفى ، بحيث إني ودعته عند باب بيته على موعد أن نلتقي بعد العشاء .
اغتسلت من تعب النهار المضني وتوضأت كأنما ولدت من جديد وأديت صلاة العصر والمغرب في انتظار العشاء.وجلست أمام التلفزيون بجوار أمي التي راحت حبات سبحتها الفاتحة كالضوء تندلق تحت همس تسبيحها، غيرت القناة كانت أمي تستمع لأحد الشيوخ لا أعرف من الشيوخ إلا اثنين أوثلاثة فرضوا حضورهم في وسائل الإعلام شعاري واضح هنا : الحلال بين والحرام بين، مشكلة القلب ليست في أنه لا يعرف وإنما لا يريد أو لا يقدر، عرجت على قناة الجزيرة الرياضية متجاوزا أخبار السياسة والثورات، أنا متعب ورأسي يمور بأفكار غريبة لا أدري إن كانت أزهار الشر أم الخير هي التي تنمو بداخلي، التربة مهيأة لكل شئ : بطالة وفقر من جهة وحلم وحب من جهة أخرى أيهما سينتصر؟ يكفي أن يولد الحب لتنمو أزهار لبنى بطلعتها البهية ويكفي أن يموت الحب لتنمو أزهار الشر، هذه هي المعادلة أعوذ بالله من ذكر سيرة الرياضيات وتعقيداتها ، أنا من البداية كنت واضحا مع الرياضيات وأخواتها، أقول وأكرر وحين اخترت دراسة التاريخ ضيعت لحظتي التاريخية، نعم الحياة كلها عبارة عن خيط تحكمه ربما ثوان أو دقائق تسمى اللحظة التاريخية في إشراقتها وأفولها، النجاح والفشل في كل شئ مرهونان باللحظة التاريخية وانعراجاتها المأساوية أوالسعيدة، لأنه حين تولد تلك اللحظة النادرة يتحدد على إثرها مصير الفرد إن كان من السعداء أصحاب اليمين أم من الأشقياء أصحاب اليسار وحتى من أهل الوسط وهم الغالبية المسحوقة أولئك الذين يقبعون بين الجنة والنار لاينحازون إلى طرف لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .
الهاتف يرن يقطع علي لذة أفكاري ، صوت مصطفى متغير: " ماتت وردة تعال بسرعة " يقطع الاتصال أخرج على عجل كأن أختي هي التي صدمتها السيارة المجنونة والسائق المتهور، نصل إلى المكان عند التاسعة : لا شك أن وراءها قصة غامضة ، هناك خيوط متشابكة " يؤكد مصطفى بإصرار.
ــ في أي مكان وقعت الحادثة ؟
ــ قرب الحديقة العمومية ــ رد مصطفى باقتضاب .
ــ منذ متى ؟
ــ بعد آذان العشاء أقصد حين كبر الإمام تكبيرة الإحرام، الحديقة قريبة من المسجد كما تعلم ، لا شك أن الفاعل استغل خلو الشارع من المارة وانشغال الناس بالصلاة .
ــ قد يكون حادثا عارضا.
ــ ربما، ولكن كيف تفسر مقتلها يوم وصولها ؟ شئ غريب، أمر مثير للريبة.
ــ نعم في الأمر إن وأخواتها وجاراتها. قل لي لم نحن منشغلان بهذه المرأة؟
ضحكنا فعلا نحن غارقان في المشكل وكأن المرأة هي فرد من عائلتنا.
ــ على قشرة وجهها الذي تمرن على لفحات الشمس سر يطفو فوق كل شئ ، فوق القشرة القاسية التي طالما داعبتها فرشاة الشمس، فوق صمتها الغامض وعينيها الباهتتين، السر يطفو فوق كل الاعتبارات حتى أنه يتجاوز جنونها .
ــ هل هي مجنونة ؟
ــ لا أدري ربما هي عاقلة حد الجنون ومجنونة حد العقل.
ــ أتعني أنها فنانة ؟
ــ الجنون فنون.
في مكان الحادث تجمهر الناس تسلقوا سلالم العمر المنفلت شباب وكهول وشيوخ . امتلاءات لحظات الذروة: الخروج من الجامع و التعريج على الحديقة واستطلاع أمر الوافدة الجديدة . كان حدثا غير مسبوق في المدينة الصغيرة التي عادة تنام مبكرا لتفتح المجال لصفقات آخر الليل وجنونه وهمسه وعريه وعهره.
ــ لحسن حظها أنها ستنام في المستشفى وإلا كانت ضيفة المدينة بجدارة .
ــ هل ماتت؟
ــ نعم مخها بقي على وجه الإسفلت.
ــ أنا رأيتها ممددة على الرصيف ــ رد شاب من بين الجموع ــ
ــ والسائق ؟
ــ كان سكرانا.
ــ بل كان صاحيا.
ــ وما أدراك أنت ؟
ــ الذين رأوا الحادث قالوا إنه لم يكن سكرانا بل كان صاحيا ولكنه فقد التحكم في سيارته ثم إن شاحنة من الخلف كانت تتبعه عندما قطعت المرأة الطريق باتجاه الحديقة العمومية.
ــ هل أنتم مكلفون بالتحقيق ــ رد مصطفى من تحت قميصه الأزرق المخطط .
تناثرت بقع الدم على وجه الإسفلت كشاهد أخير على حياة مضت. مازال دمها طازجا وفائرا وفردة حذائها الجلدي المتآكل فوق الرصيف ، وحده الكلب الأحمر ظل يدور في المكان و يعوي مفجوعا تحت الضوء، لا شك أنها سنوات لا تقدر بثمن تلك التي جمعتهما.
مكثنا قرابة الساعة ثم اتجهنا نحو الحديقة نطلب بعض الراحة فوق الكراسي الإسمنتية تحت هواء ماي. وفيما كنا نصعد الرصيف اصطدم جسم طري برجلي وتدحرج بنحو خطوتين : صاح مصطفى :
ــ ماهذا الشئ ؟
ــ حقيبة يد ؟
كانت الحقيبة صغيرة وقديمة وذات تاريخ بعيد من الجلد الرقيق الأسود.
ــ لمن تكون؟ قال مصطفى؟
ــ لا أدري. رددت عليه.
ــ افتح لنرى.
ــ كيف يمكن فتحها هنا.
ــ اسمع يا مصطفى علينا المغادرة ، تدبر لنا كيسا بلاستيكيا أسود لنخفيها داخله. البئر سيكشف ما بداخله.
ــ أنت مجنون ، لنسلمها للشرطة.
ــ مستحيل ، قبل أن أعرف.
ــ التاريخ يلعب برأسك ، هذه ليست حفريات تنبشها لاستخراج جثة من قبر.
ــ أعرف.
ــ لمن الحقيبة يا طارق؟
ــ لا أعرف
ــ أنظر في عيني .
ــ قلت لك لا أعرف.
ــ الحقيبة للمجنونة هاه؟
ــ من فضلك يا مصطفى لا تستجوبني، أنت لم تصر محاميا بعد ، إنها مجرد تربصات فقط .
ــ يكفي أني لبست الجبة السوداء.
لففنا الحقيبة داخل كيس بلاستيكي التقطناه من الطريق يكفي أن تهب نسمات خافتة ليأتي مطلبا من هذا النوع، لو أن المطالب جميعها هي كيس بلاستيكي لما كنا بحاجة إلى إضرابات واحتجاجات واعتصامات، هل كنا برأيك سنشعل النار في العجلات المطاطية ونقطع الطرقات؟ أو نرش البنزين على أجسادنا ونقطعها بالسكاكين وشفرات الحلاقة. أنحب تعطيل مصالح الناس لينزل إلينا سيادة الوالي أو الوزيرأو أي مسؤول آخر.لو كان السمع هو أخطر الحواس فعلا كما يقولون لما كان العرب بحاجة إلى كل تلك الثورات والدماء والدموع لتحقيق مطالب هي أصل الحياة.
ــ حسنا إلى أين نذهب؟ قال مصطفى.
ــ إلى البيت.
ــ أي بيت ؟
ــ بيتك
ــ لا أعتقد، هذه المرة ،أنا أدخل كاللص، أخي وزوجته يحتلان غرفتي منذ أسبوع، أنت تعلم.
ــ أمي لا تسمح بإدخال الأصدقاء إلى البيت، أنت تعرف عائلة البنات.
ــ وماالعمل إذن؟
ــ الحقيبة للمجنونة يا طارق فماذا عساها تخبئ فيها؟
ــ لا أدري ولكن ذلك الغموض قد يكون هنا داخل الكومة السوداء.
ــ لم لا نسلمها للشرطة ونستريح.
ــ اسمع يا رجل القانون، قلت لك من البداية أنا منذور لهذا السر، سأتولى أمرها.
ــ ولكني أرغب أيضا،الفضول يكاد يمزق أحشائي.
ــ تعال هنا المكان خاو والضوء ساطع .
ــ حذار الشرطة.
ــ هل قبضوا على الفاعل؟
ــ لا أعرف.
تحت الضوء برزت بعض الوثائق وكراس متوسط الحجم ومنديل وكيس وظروف وطوابع.
ــ مغارة علي بابا عامرة .
ــ هذا يكفي.
ــ عندما تصل إلى البيت هاتفني ، الأمر في غاية الأهمية.
ــ أنت دائما كنت تحدثني عن اللحظة التاريخية، نحن نقف عند عتبتها.
ــ دعك من الهراء، خرطي كل شئ خرطي، اللحظة التاريخية أم المالية.
ــ اسمع يا مصطفى في الغد سنرى، إن كان الأمر ذا أهمية سأتصل بك ليلا بعدما ينام أهل البيت أقصد العجوز وبناتها.
ــ تصبح على خير.
ــ منتصف الليل، يا لها من ساعة وقحة تسرق الأعمار تحت الضوء الكاشف في شوارع بدأت تخلع أثواب النهار، خطاي مستعجلة والعابرون قلة يسرقهم نوم الربيع المخدر بأعشابه وغبار طلعه ونواره.
أدرت المفتاح في قفل الباب واندسست في الرواق المظلم كما اللصوص دفعا للشبهات المحتملة، ولكي لا تستيقظ أمي وأخواتي وأوفر كثيرا من الإجابات لأسئلة مؤرقة، أخترق السواد مستعينا بضوء الهاتف أتحسس غرفتي كأني منقاد نحوها بالغريزة وحدها. دفعت الباب حتى انفرج وأشعلت الضوء ثم أحكمت إغلاقه لأستفرد بالغنيمة، أواجه السر بمفردي كأني أواجه قدري، أو كأن القبر يستفرد بي وملك السؤال يلوح بأسراره من بعيد. والحقيبة النسوية السوداء قبالتي وبين يدي كما لو كنت أخلد إلى لحظة الحب النادرة. واستلقيت فوق السريرعلى بطني جاعلا الوسادة تحت صدري.



سامية بن دريس
روائية من الجزائر
samiaamine@yahoo.fr
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

تعليقاتكم
1. دفئ الشمس
محمد احمد الشاعر | 16/5/2012 الساعة 14:56
احساس الكاتبه كدفئ الشمس اعجبت جدا بأسلوبك وطريقة السرد والتصوير الشعرى بألفاظ الروايه بتمنى تنشر سريعا
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث