الأربعاء, 18 تشرين الأول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
نساء العتبات/ رواية
هدية حسين
نساء العتبات/ رواية
هدية حسين






الفقراء هم وحدهم الصامتون في سومر
مثل سومري







بين هروبي من بغداد الى عمّان وسقوط التمثال في ساحة الفردوس فترة زمنية تقارب الثلاثة أشهر، لكنها تسحب إرثاً زمنياً يمتد الى سنوات تشكلت من دم تخثر، وخطى تعثرت، ونساء سفحن أشواقهن على العتبات والدروب الموحلة، وامرأة تحمل اسمي غردت بعيداً عن السرب لعلها تكتشف مذاقاً آخر للحياة.
**
الطريق الصحراوي الشاسع أقطعه رجوعاً من عمّان الى بغداد، أستشعر خوفاً من القادم المجهول وأتفادى رغبة في البكاء، أنا التي ما عرف الدمع طريقاً الى عيني، وأستعيد شريط حياتي سيء الإخراج.
أجلس في المقعد الأمامي قرب السائق، وتتمدد ( جمار) في المقعد الخلفي بسبب اعتلال صحتها، أنظر الى شاشة لم يرها أحد غيري، تضيء بلقطات سريعة مرة وبطيئة مرة، تريني ما خلفته ورائي كما لو أنه يحدث للتو.
السيارة مسرعة بأكثر مما تتطلبه السرعة الاعتيادية في الطرق الخارجية خوفاً من القادم الذي يشي باحتمالات شتى قد لا تخطر على البال.. عبرنا( طريبيل) دزن أن يعترضنا أحد، الحدود مفتوحة وبناية المعبر خالية من الحرس.. لا أحد يسأل عن جواز سفر أو يوجه سؤالاً.. سيارات كثيرة دخلت بالطريقة ذاتها، القليل منها سلك الطريق الرئيسي وآخرون ذهبوا الى طرق أخرى تبعد عنهم شر الوسواس المتربص بالنفوس.
السائق من جانبه التزم بما اشترطته عليه:
ـ سأدفع الثمن مضاعفاً مقابل عدم تشغيل المسجل أو الراديو.
نسيت أن أشترط عليه عدم التدخين، ولذلك تحملت رائحة الدخان ورحت كلما أشعل سيجارة أفتح النافذة عن يميني لعلها تخفف من تلك الرائحة التي أقرف منها.
استرخيت الى ظهر المقعد ورحت أشاهد( الفيلم) الذي استقر في رأسي، والذي منحت نفسي فيه دور البطولة وأمليت أوامري على(المخرج) الذي يسكن الجزء المخصص للذاكرة أن لا يقتطع أي جزء من المشاهد إلا بالتشاور معي.. وقد اختفى المخرج فيما بعد إذ لم تعد له ضرورة، ورحت وحدي أصول وأجول وأقفز من زمن الى آخر ومن مكان الى سواه بحثاً عن ذاتي المتشظية.
جلوسي في هذا المكان أتاح لي سماع ما يدور برأسي ورؤية ما تضيء به شاشة الذاكرة التي لم تخذلني قط، بل تدفق منها ما تسرّب مني ومضى الى ثقوب النسيان.
بدأ الشريط مشوشاً ومضطرباً أول الأمر قبل أن يأخذ وضعه الطبيعي، لأجدني على فراش النوم، في الشقة رقم 2 من عمارة فخمة في منطقة( تلاع العلي) ولتبدأ من هناك روايتي الحقيقية.
**
إنها ليلة ثقيلة كباقي الليالي، النوم كالعادة لا يهتدي إليّ إلا في وقت متأخر.. غاطسة بين طيات الأغطية أقرأ في رواية تأخذني شيئاً فشيئاً الى ما يصعقني.. أنتفض كما لو أن مسّاً من الجن لمس روحي، أو شيطاناً ساطني فتخلخلت عظامي.
قفزت من السرير، سحبت الستارة ورميت بصري.. ليل عمّان يندس في ثنايا المدينة، الضباب يغطي كل شيء، الأبنية والأشجار وأعمدة الكهرباء، تتلاشى معه حدود الأشياء، ليل لم أشهد من قبل مثل ظلمته وضبابه، مخالب غير مرئية تنغرز في صدري وتضيّق عليّ مجرى التنفس.. شيء لا يصدّق ذاك الذي قرأته.
أعود الى السرير وأتناول الرواية، ترعبني أية حركة قد تأتي من بعيد أو قريب، حتى إنْ كانت خطوات( جمّار) في الغرفة المجاورة.. أتحسس جسدي وأنتبه الى وقع أنفاسي الآخذ بالاضطراب، لأتأكد أنني من بني البشر، لحماً ودماً ومشاعر، ولستُ شخصية ورقية.
أعيد قراءة السطور فأحس بمسامير تخرج من بين الكلمات، وعيون تحدق بي تشبه عيون القطط في الظلام، أو عيون الأسماك التي تركتها في حوض الزينة ببغداد، بأفواهها المفتوحة كمن يستغيث.. أبحث عن إجابة يبدو الحصول عليها أشبه بالعثور على إبرة في جبل من القش.
أنا في الحقيقة لا أعرف شيئاً عن هذه الكاتبة التي سردت تاريخ عائلتي في هذه الرواية التي اشتريتها بالمصادفة من مكتبة في وسط البلد، كل ما أعرفه أنها كاتبة عراقية ماتت قبل سنتين، ربما جذبني ما كُتب على غلافها الأخير عن الوحدة والفراغ والصمت، وهو بالضبط ما أنا عليه منذ هرّبني زوجي الى عمّان.
زوجي ضابط كبير في الحرس الجمهوري يدعى جبار منصور، يكبرني بثلاثين عاماً، تزوجته في ظروف عصيبة سأتوقف عندها لاحقاً.. عاد من مقر عمله وقت ضحى على غير عادته، قلقاً كان ومتجهم الوجه، قال بحزم كما لو أنه يوجه أمراً لجندي من جنوده:
ـ استعدي بسرعة أنت وجمّار، جهزي حقيبة سفر وخذي القليل من الملابس.
ظننته يريدني أن أرحل من بيتنا القريب جداً من القصر الرئاسي، وذلك لصعوبة البقاء في ظل تلك الأجواء المضطربة التي تنذر بالحرب.. لكنني سمعته يقول:
ـ ستغادرين الى عمّان.
كانت جمار قريبة مني حين قال ذلك، ثم تحرك الى غرفة المكتب، أذهلتني المفاجأة إذ لم يسبق لي أن غادرت العراق لأيما بلد.. سألتني جمّار والدهشة تغزو تجاعيد وجهها:
ـ لماذا عمّان؟
قلت لها وأنا الأخرى لا أعرف السبب:
ـ يبدو أن الحرب قادمة لا محالة.
همّت بقول شيء، إلا أنها سكتت حين خرج جبار، وقد احتقن وجهه بهموم أكبر من أن أعيها في تلك اللحظات الحرجة، وما إن رآنا في المكان الذي تركنا فيه حتى صرخ:
ـ مازلتما هنا؟ هيا، لم يبق من الوقت إلا القليل.
ثم كمن تذكّر شيئاً:
ـ خذي أوراقك الرسمية.
رن الهاتف، ومضى الى مكتبه مسرعاً فيما ركضتُ الى غرفتي في الطابق الثاني، تناولت حقيبة، وعلى عجل وضعت فيها القليل مما أحتاج إليه من الملابس، مع أوراقي الرسمية، ارتديت بلوزة رمادية على بنطلون جينز وسترة جلدية سوداء.. وحين خرجت من الغرفة الى الصالة الملحقة بها اصطدمت عيناي بمكتبتي الصغيرة وحوض الأسماك الذي يجاورها، مسحتُ عناوين الكتب بسرعة وانتقيت رواية( ابنة الحظ) لإيزابيل الليندي لعل الحظ يحالفني في هذه الرحلة غير المتوقعة، واقتربت من زجاج الحوض، تمعنت بالأسماك الملونة التي سأفارقها، وخلتُ أنها مرعوبة مثلي، رحت أحدق في كل سمكة لأفرد لها مكاناً في ذاكرتي خشية أن تطول رحلتي.. سمكة ارجوانية مخططة بالأسود ذات زعانف مقوسة، سمكة فضية مرقطة وأخرى منقطة، سمكتان سوداوان، وثلاث سمكات حمر.. لاحظت، وربما خيّل لي أن حركتها أسرع مما كانت عليه في الأيام السابقة، تعوم وتركض لتختبىء وراء قوقعة أو حصاة أو ظهر حلزون، ثم اكتشفت أن السمكة الذهبية التي أحبها قد ماتت وطاف جسدها على سطح الماء.. نقّلت نظري بين المكتبة وحوض الأسماك، قلت وأنا أغادر:
ـ وداعاً أصحابي، كنتم خير عون لي في (سجني المرفّه).
كانت جمّار تنتظرني بوجه حائر، مرتدية عباءتها ومنتعلة شحاطة سوداء، تحمل بيدها حقيبة من قماش سميك وضعت فيها بعض حاجياتها.. أسرعت تاخذ حقيبتي، وفي هذه اللحظة خرج جبار من غرفة المكتب فسألته:
ـ كيف نسافر الى عمان بلا جوازات سفر؟
لمحت في عينيه ما يشبه السخرية وهو يقول:
ـ لا عليك، كل شيء جاهز.. هيا.
سار أمامنا وتبعناه، خطواته ثقيلة على بلاط الممر، تُحدث رنيناً يشبه رنين ساعات عتيقة يضرب بندولها بصدأ السنين.. تعثرت جمّار وكادت تسقط أرضاً لولا أنني أمسكت بها، سمعتها تقول بصوت خفيض: الله يستر.. عند الباب وقفت سيارته العسكرية، وخلفها سيارة مدنية، قبل أن يأمرني بالتوجه الى السيارة الثانية قال لي، وهذه المرة بصوت هادىء:
ـ اطمئني.. إنها فترة قصيرة وستعودين، أخشى عليك من البقاء هنا.
ـ لكنني لا أعرف أحداً هناك.
ـ سيستقبلك شخص يدعى زهير وسيكون بخدمتك.
ـ كيف سأعرفه؟
ـ سيحمل لافتة عليها اسمك.. هيا.. لديّ اجتماع عاجل في القيادة.
ـ ماذا سيحدث بالضبط؟
تجاهل سؤالي وقبلني على جبيني، ثم التفت الى جمّار رافعاً بوجهها سبابته وقائلاً بلهجة تحذيرية:
ـ شوفي جمّار.. سيدتك أمانة في عنقك، إذا حدث لها مكروه أنت المسؤولة.. مفهوم؟
ردت جمّار بنبرة خضوع:
ـ مفهوم سيدي.
أخرج من جيب سترته رزمة دولارات ودسّها في حقيبة يدي وهو يكرر:
ـ اطمئني.. لا تقلقي.. ستعودين في أقرب فرصة.
وبإشارة منه مضيت الى السيارة الثانية، فتح السائق الصندوق الخلفي وتناول حقيبة الملابس ليضعها فيه، ثم فتح الباب وجلست في المقعد الذي يلي مقعد السائق، بينما جلست جمار في المقعد الأخير.
راحت عيناي تمسحان المكان.. القصر الذي لا أعرف إن كنت سأعود إليه أم لا، ببوابته العالية، وأشجار البرتقال والخوخ التي تشرئب من وراء السياج، وزوجي الذي يقف مع رجل يرتدي الملابس الزيتونية وقد بدا مثل جرذ وهو يتلقى الأوامر، ثم بعد دقيقة توجه الجرذ نحونا، سلّم السائق جوازي السفر وأمره:
ـ الى المطار فوراً.
كان الفضاء مغطى بطبقة خفيفة من الغبار، وثمة أصوات لغربان تنعق، لا أدري إن كانت تحوم في الجو أو تصفق أجنحتها داخل روحي.. الحرب قادمة إذن، ولكن لماذا يهربني جبار خارج الحدود؟ ألم يكن الأحرى أن يبعث بي الى مكان آمن في بغداد أو أية مدينة أخرى؟ ألم تكن الملاجىء الخاصة بكبا رجالات البلد وعوائلهم محصنة بما يكفي؟ أم أنه سيهرب ويلحق بي فيما بعد؟ ما الذي يدور في رأس زوجي؟ هذا ما لا أعرفه ولم أجد إجابة شافية عليه إلا بعد وقت طويل، لكنني قبل أن أعرف مررت بأوقات عصيبة هويت فيها من الثريا الى الثرى.
**
طريق المطار امتلأ بنقاط التفتيش والسيطرات، لكن ما إن يبرز السائق الأوراق حتى يُسمح لنا بالمرور.. وحين وصلنا قاعة الانتظار وجدنا حشداً كبيراً من العائلات كان قد سبقنا، برغم علمي أن السفر جواً كان ممنوعاً بسبب الحصار، لكن هذه المرة اختلف الأمر، إذ لابد أن ضوءاً أخضر من جهة ما سمح بكسر الممنوعات.
لغط وضجيج وصراخ أطفال وفوضى عارمة وصرير عربات تحمل حقائب منتفخة، أما حقيبتي أنا فلا تحتاج الى عربة، حملها السائق ودخل ثم تحدّث الى أحد رجال الأمن في المطار، فأشار هذا الى الجهة التي سنمضي من خلالها، الحركة سريعة ومرتبكة ومتداخلة، رجل أمن آخر يوجه نداءات متتالية:
ـ بالدور.. نظام أيتها السيدات لِم العجلة؟ الحرب لم تقع بعد، ولن تقع إن شاء الله.
النساء بكامل زينتهن كأنهن ذاهبات الى حفلة عرس، طبقات الماكياج لم تستطع إخفاء الحيرة على الوجوه.. تناهى الى سمعي حديث متقطع مفاده أن بعض العائلات ستذهب الى لندن وأخرى الى باريس وثالثة الى برلين.. الأطفال يمرحون ويصخبون ويضرب بعضهم البعض الآخر... ودّعنا السائق الذي أقلنا بعد أن وصلنا الى حاجز العبور نحو ختم الجوازات.. تم كل شيء بسرعة غير اعتيادية.. كان الوقت منتصف النهار حين صعدنا الى الطائرة، وعندما انتهت المضيفة التي بدا عليها الارتباك من التعليمات، شددنا الأحزمة، أما جمّار فقد وقعت في حيرة، لا تعرف كيف تربط الحزام، همستْ ضاحكة:
ـ لو كنت أدري لجئت بحزام أمي الصوفي.
ربطته لها دون أن أعلّق.. بعد قليل تحركت الطائرة على المدرج، ثم هدرت وحلّقت.. أمسكتْ جمار بيدي وهي تردد: الله يستر، ما هذه المصيبة؟ وراحت ترتعش فحاولتُ طمأنتها دون جدوى، ظلت تردد بعض الآيات وتمسك بيدي من حين لآخر، بينما رحت أنظر من النافذة كمن يريد يريد الإمساك بأشياء يعرف أنها عصية على المنال.. بدأت البنايات تصغر، والأجسام تتقزّم، والشوارع تصبح خيوطاً رفيعة، والسيارات تبدو مثل لعب أطفال، ويتغير لون المساحات الخضر الى لون غريب ثم الى رمادي كالح.. اختفى هدير الطائرة وخفت حركتها كما لو أننا لمّا نزل على الأرض، حلً محله ضجيج الركاب، الحديث كله منصب على الحرب، لا أريد أن أسمع شيئاً، وليست بي رغبة حتى للكلام مع جمّار التي ما تنفك تطرح الأسئلة: هل ستقع الحرب فعلاً؟ لماذا لم يسفّر سيدي اخته أم لؤي معنا؟ كم سنبقى في عمّان؟ أسئلة لم أجد لها أجوبة سوى بكلمة: لا أدري.. ثم لذت بالصمت وتظاهرت بالنوم فلم أعد أسمعها حتى لو تكلمت.
حين أدخل منطقة الصمت يكون كل شيء من حولي قد تلاشى، أفتح في رأسي ثغرة وألوذ وراءها لأعيش عالماً آخر.. تعلمت الصمت، أو على وجه الدقة، تدربت عليه منذ زمن بعيد حتى صار جزءاً من شخصيتي، وبمرور الوقت صارت له لغته الصاخبة التي لا يسمعها أحد غيري.
**
الدهشة تتملكني وأنا أقرأ تاريخ عائلتي المسروق والمحرّف على السطور كمن يمشي على شوك، وأبحث بين ثناياها عن أي خيط يربطني بالكاتبة فلم أجد.. رواية قصيرة انتهيت منها في غضون ساعتين، جاءت شخصيتي في نهايتها بشكل سريع ففسرت الأمر على النحو التالي: ربما أرادت الكاتبة التخلص مني لأنني لم أعجبها، ولأن الدور الأكبر منحته لبطلتها التي أحمل بالمصادفة اسمها(أمل).. أنا مجرد حكاية صغيرة ضمن حكاية أوسع تضطلع فيها بدور البطولة طفلة غادرت الحياة وظلت روحها تطوف حول الحي الذي عاشت فيه.. تلك الطفلة هي خالتي التي ماتت قبل ولادتي، حينما كانت اختها صفية(أمي فيما بعد) في السادسة من العمر، وصار شبحها يطاردني مُذ كنت صغيرة، حيث لا تكف أمي عن ذكرها وعن عمرها القصير في الحياة وموتها الفاجع.. وتعرج الكاتبة على فقدان أبي في الحرب العراقية الإيرانية، وأحزان أمي التي أغرقتني بها برغم أنها لا تكف عن الترديد: أنت أملي، نامي بأمان، فأتظاهر بالنوم وأرى حين تبتعد عن سريري شبح تلك الميتة يرفرف من حولي مثل ملاك، ولا أشعر بالخوف لأن أمي ما تنفك تذكّرني بأن خالتي أمل تحرسني من أي سوء وتمنحني حسن الطالع.. إلا أن الأمر ليس كذلك، إذ بمرور الوقت، صار الملاك يأتي بأجنحة خفاشية ويسحبني الى هاوية سحيقة فيضطرب نومي وترتعش أوصالي، وهو ما لم تتطرق له الكاتبة.
تبدأ الرواية بكثير من التفصيل عن مشهد موت (أمل) ثم عودة روحها للبيت الذي عاشت فيه، لأهلها ورفيقات طفولتها وتعلقها بأختها صفية، لكن أحداً لا يراها.. وتسرد الكاتبة من خلال تلك الروح ما حلّ بالبلد من متغيرات في السنوات اللاحقة لموت الطفلة، كما لو أنها ما تزال على قيد الحياة، بكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة.. الحروب، خوف الناس، عسكرة الحياة، رعب الموتى على ذويهم، سوق الرجال الى جبهات القتال وموتهم أو عودتهم معوقين، أو فقدانهم.. ولا تخلو الرواية من قصص حب، لكنها قصص خائبة تنتهي اما بالهجر أو بالموت، وقد ركزت الكاتبة على شخصيات بعينها، الطفلة الميتة، أمي، جدتي، وبعض الجيران، لتمضي بهم الى المسارات التي مضوا إليها دون إرادتهم، ثم تظهر شخصيات لاحقة لأجيال ولدت أثناء الحرب وعانت قسوة الحياة، لتصل في النهاية الى شخصيتي، المتمردة كما تصفها، وكيف تشبثتُ بقرار الزواج من الضابط الذي يكبرني بثلاثين عاماً، مفضلة حياة الرخاء على الفقر، وكان ذلك التشبث سبباً في موت أمي، وتظهرني بمظهر البنت العاقة أو الغصن المائل من الشجرة.. هل كنت كذلك فعلاً؟
أطرح السؤال على نفسي وأنا على هذه المسافة الشاسعة، في ليل ثقيل يقترب من منتصفه، ولا أجد جواباً غير النفي.. صحيح أنني فضلت حياة الغنى ونأيت بنفسي عن أحزان أمي وفقر روحها، إلا أنني لم أكن في يوم من الأيام عاقة أو فرعاً مائلاً.. ربما كنت أبحث في جبار دون وعي، عن صورة أبي المفقود بعد أن عجزت عن التواصل مع شبان في مثل سني.. ولكن الصحيح أيضاً أنني مللت حكاية الأب الذي لم أره إلا في الصورة المعلقة على جدار الصالة، وسئمت من ثرثرات أمي وصاحباتها عن فقدان الرجال في حياتهن، وهذا ما لم تتعمّق فيه الكاتبة بل مرت عليه مروراً عابراً، في حين عابت عليّ إصراري على الزواج من رجل كبير في السن.
من المؤكد أنني كنت أبعد نفسي عن الشباب، خصوصاً الذين كانوا معي في الجامعة، لأنني لم أجد فيهم ما يمنحني الأمان ويحقق أحلامي.. تحقيق الحلم يحتاج الى(رأسمال) ليس بمقدور هؤلاء توفيره، إذ ما إن يتخرجوا حتى تكون معسكرات التدريب بانتظارهم، ولأنني أيضاً لم أجد فيهم ما يتطابق والشخصية التي رسمتها في ذهني لرجل أحلامي، والتي غالباً ما أجدها في الأفلام أو في الروايات التي شغفت بقراءتها..وحين ظهر جبار في حياتي أزحت صور الرجال جميعاً،ليس لأنه يشبه رجل أحلامي إذ ليس ثمة شبه بين الاثنين، بل لأنه جذبني في أشياء كثيرة، رجل في منتصف العقد الخامس، مهيب الطلة، قليل الكلام، ذو صوت عميق وقور، ولأنه سيحقق لي حياة كنت أتمناها في أحلامي.. قلت في نفسي إن الأمل الذي فقدته أمي في طفولتها وشبابها عاد وأينع من خلالي كتعويض عن تلك التي ماتت والرجل الذي فقدته.. ها هو القدر يكفّر عن غلطته فيكافىء(أمل الثانية) وما عليّ سوى نزع جلدي المدبوغ بالفقر وارتداء جلد الغزال.
أطل جبار بملابسه العسكرية ونجماته اللامعة على كتفيه، كنت واقفة تحت مظلة الباص في طريقي للجامعة، وكان نثيث المطر يُنبىء بأن السماء ستمطر بغزارة، توقفت سيارته بالقرب مني، أنزل زجاج النافذة ونادى عليّ باسمي عارضاً توصيلي، ولأنني أعرفه برغم أنه انتقل من حيّنا منذ سنوات طويلة فقد لبيت الدعوة بقليل من الإحراج وكثير من الارتباك، هي المرة الأولى التي ألبي فيها دعوة رجل، ومنذ ذلك اليوم رحت أغير حساباتي وأعيد ترتيب أولوياتي، لقد أسرتني هيبته، وشعره الفضي، ونجومه المتلئلئة على كتفيه.
كانت حياتنا، أنا وأمي، في ذلك الوقت تسير في مركب مخروم، وكنت أخاف على نفسي من الغرق في محيط أحزانها المتوارثة، فاخترت رباناً ماهراً يمكنه أن ينتشل أحلامي ويأخذني الى بر الأمان، وكان لأمي رأي رافض وقاطع، غير أنني لم أرهن حياتي لرفضها، فلم تملك إزاء إصراري إلإذعان.. وقد وضعت الكاتبة ذلك الصراع الذي احتدم بيني وبين أمي بكثير من المبالغة، وهو في حقيقة الأمر لم يصل الى حد القطيعة، لكنها أعادت لي ما كنت قد نسيته في الجانب القصي من ذاكرتي، حادثة تحرش وسام ابن جبار بي وكنا ما نزال صغيرين، حين جرجرني نحو زاوية من الطريق ومدّ يده ليرفع ثوبي، إلا أنني صرخت وتخلصت منه هاربة باتجاه بيتنا لأخبر أمي التي اهتاجت ومضت الى بيت جبار تشكو ابنه، وكان جبار قد نزل تواً من سيارته العسكرية عند أول الزقاق.. صرختْ به:
ـ إذا كان ابن التاسعة يرفع ثوب ابنتي، ماذا عساه يفعل عندما يصبح في العشرين؟
لم أكن متأكدة تماماً من أن جبار رمى أمي بنظرات وقحة كما جاء في الرواية، ربما كانت أمي هي التي ادّعت أو توهمت ذلك لتوجسها من الرجال عموماً، أو أنني لم أفهم ما تعنيه هذه النظرة عن تلك لصغر سني، ليس هذا مهماً، بل أذهلني أن الكاتبة غارت في أعماق أمي فكشفتها بكل انفعالاتها وانكساراتها، إلا أنني لا أفهم ما الذي أوقفها الى ما دون السطح فيما يتعلق بشخصيتي، ولم تمنحني حق الدفاع عن نفسي أو تحترم خياراتي.. لقد انحازت تماماً لرأي أمي وأعطتها دوراً أكبر مما تستحق، بينما أظهرتني بمظهر الفتاة الأنانية التي لا ترى الأشياء إلا من خلال رغباتها، وبذلك قالت نصف الحقيقة وفضلت أن تنهي روايتها بموت أمي المفاجىء الذي حمّلتني وزره بإصراري على الزواج من جبار، ثم عادت الى الطفلة الميتة لتشطب على بقية الأحياء.. ومثلما بدأت الرواية بالموت فإنها انتهت به، وهكذا سلبت مني حتى بصيص الأمل الذي يمكن أن يضيء لي عتمة النفق الذي وضعتني فيه.
ولكي أكون منصفة أقول، بأن السنوات اللاحقات من زواجي( وهو ما لم يرد في الرواية) كان نتيجة حتمية لما أوحت به الكاتبة دون أن تصرح، وربما لا تعلم به، ذلك أنها اكتفت بالأحداث قبل زواجي من جبار، ولا تدري كيف عشت حياتي داخل القصر، فارتكنتْ الى ما يمكن أن نعزوه الى الأقدار، كما لو أنها تريد القول: إن الأقدار مرسومة مسبقاً شئنا أم أبينا، كشفنا الأمر أم تركناه قابعاً في النسيان، وإن كل ما يعترضنا في الحياة هو انعكاس لخياراتنا، الصائبة منها أو الخاطئة، لكن تلك الخيارات تخرج أحياناً دون أسباب واضحة عن الخطوط المرسومة على لوح القدر.
لقد كانت رواية نكد في نكد بامتياز، عصرتْ قلبي وضربت رأسي بفؤوس تشبه علامات استفهام لأسئلة مؤلمة لا إجابة لها.. ولو لم أعثر على هذه الرواية وأكتشف ما فيها لما وجدت نفسي اليوم مضطرة لسرد روايتي الحقيقية على هذا النحو الذي عشته والذي ما يزال متوهجاً في ذاكرتي، لعلّ كاتبة أخرى تأخذ هذه الحصيلة وتكون أمينة عليها دون أن تتجاهل مشاعري.
**
تزوجت جبار بلا زفة عرس أو ثوب زفاف أبيض أو سيارات مزينة بالورود، بلا نقر دفوف دفوف ولا دبكات، من دون حضور قريب أو صديق، حتى اخته أم لؤي، الوحيدة المتبقية من عائلته لم تحضر.. تزوجته مثل(النهيبة) وكان في داخلي صراع لا يهدأ، بين ما كنت أتمناه من شكليات، وبين القناعة بأن المهم هو ما صرت عليه من حياة تفوق التمني.
دخلت القصر الذي يحرسه جنديان بالتناوب، وأصبحت سيدته.. قصر كبير يطل على نهر دجلة في الكرادة من جهة الجسر المعلّق، يتألف من طابقين، واجهته تقوم على أعمدة مرمرية تنتهي من الأعلى بأكف تمسك بسقف الشرفة الأمامية، تربض على جوانبه الأربعة أسود إسمنتية مفتوحة الفم مُقامة على دكات عالية، السياج الخارجي مقرنص النهايات محفوف بأشجار الدفلى ذات الورود الحمر والبيض، ومن الداخل تصطف أشجار الخوخ والبرتقال والنارنج، أشجار خضراء زاهية تحيط بحديقة واسعة مفروشة بالثيّل، تتوسطها نافورة بسياج من الطوب الأحمر، يخرج ماؤها من ثديي تمثال امرأة رومانية الملامح.
مشيت في ممر طويل معشب، يتقدمني جبار.. الممر يفضي الى داخل القصر، بلاطه أحمر محفوف من الجانبين بشجيرات الآس والرازقي.. ما إن اجتزت الممر حتى نفضت عن رأسي كل ما يتعلق بالماضي.. مجرد انتقالة من بيت أمي الى القصر لم تأخذ الكثير من الوقت بالسيارة، لكنني أحسست بأن الهواء غير الهواء، والدنيا غيّرت من طبعها الخشن وفتحت لي أبواب السماء.. فارقت بيت أمي ونفضت كل ما علق بي من أحزانها، استبدلت ضجيج الزقاق بهدوء القصر، وغادرت الى الأبد العتبات المدبوغة بحكايات الخيبة وسوء الطالع، وقررت أن أملأ رأسي بحكايات جديدة بعد أن أفرغه من الشوائب.. تماماً مثل الوليد الذي يأتي الى الدنيا فيؤسس ذكرياته كلما اكتشف شيئاً.
الممرات كثيرة والغرف عديدة والصالات فسيحة والثراء ينطق من كل زاوية، من الأرائك والسجاد والتحف والثريات والمقابض الفضية والستائر المخملية المخرمة والأجهزة المنزلية التي لم أر مثلها في الأسواق.. كلما وقعت عيناي على شيء انبهرت وقلت في نفسي: وداعاً للدروب الترابية والعتبات الكئيبة والقصص المغمسة بالوجع وروائح البيوت العتيقة.. ها أنا أتفتح مثل زهرة تستقبل الوجود للمرة الأولى، وأخال نفسي أميرة من القرون الخوالي تدخل متاهة ساحرة وتعيش أحلى أيام العمر.
وبينما يقودني جبار من ركن فاخر الى آخر باذخ، كنت أتساءل: إذا كان هذا قصر ضابط في الحرس الجمهوري، ترى كيف تكون قصور الرئيس المنتشرة في المدن العراقية؟
شيء واحد لم يعجبني في القصر هو خانة السيوف والخناجر والبنادق والحراب، وما يحيط بها من رؤوس غزلان وصقور محنطة، كانت تشغل ركناً بعرض متر ونصف الى مترين طولاً، حين لمح جبار خوفي منها قال: إنها للزينة.. وفي الأيام التالية تجاهلتها، ثم تناسيتها كأنها لم تكن موجودة.
ست غرف نوم وأربعة حمامات، مطبخ مساحته أكبر من بيتنا، خزائنه من خشب البلوط، قدور تيفال فرنسية بجميع الأحجام، أقداح من الكرستال، صحون من الخزف الصيني، أتلمسها وأتذكر صحون أمي الفافونية واستكاناتها العادية وطباخها ذا العيون المسودّة والنهايات الصدئة.
في صالة الضيوف التي نادراً ما يأتي إليها ضيف، يحتل رف بطابقين غائر في أحد الأركان، المساحة المواجهة للجلوس، وُضعت في الطابق العلوي منه نياشين وميداليات وأوسمة، كان جبار قد حصل عليها من معارك سابقة، كبحت سؤالاً خشيت أن يطفر من رأسي له نبرة لا أشك أنها نبرة أمي: كم من الدماء سالت لكل قطعة من هذه القطع؟ ثم ما لبثت أن طردته بعيداً عن(جنتي) لكي لا أطرد منها.
ستخفت الدهشة بعد عدة شهور، وأعتاد على ما أرى فلم يعد يبهرني شيء، بل صرت أرى بوضوح قضبان القفص الذي دخلته بإرادتي ورميت مفتاحه في بحر عميق.. ولكي أخفف من وطأة الكلمة على نفسي قلت وقتها: لا بأس، إنه قفص من ذهب، ألم يقولوا للمتزوج حديثاً بأنه دخل القفص الذهبي؟ ها أنا أدخل قفصاً ذهبياً بحق، وليس مجرد عبارة تقال في المناسبات، هكذا صممت أذني لكي لا أسمع أي نداء من أعماقي ينغص عليّ حياتي، وهكذا أيضاً أقفلت صندوق الماضي المخبوء في رأسي حتى كدت أنكر وجوده، واختبأت وراء الأسوار كما لو أن أحداً يطاردني إذا خرجت.
لكن القفص بدأ يضيق علي، وعصفور قلبي راح يرفرف ملتاعاً دون أن يسمعه أحد غيري، حتى جمّار، الأرملة التي جاء بها جبار من سوق الشواكة للعمل في خدمتي، كانت هي الأخرى لا تسمع صوتي الداخلي.. كيف تسمع ما يمور في أعماقي وأنا لم أنطق بشيء؟ أو على وجه الدقة أخشى الإفصاح عما أحس به أمامها بسبب إحكام القناع الذي أرتديه حسب أوامر جبار:
ـ حافضي على المسافة بينكما.. أنت سيدة القصر فلا تنسي ذلك.
هي الأخرى كانت تدرك ما لها وما عليها.. امرأة بسيطة، في العقد الخامس، نحيفة، حنطية البشرة، صوتها خفيض، وإذا ما مشت تكاد لا تسمع خطواتها.
الوقت الراكد بدأ يتلاعب بسيدة القصر، يطول، يتمطى، ويتناسل عن ضجر.. ساعاته تهرسني فأحاول تقليصها بطرق شتى، أجلس قرب حوض الأسماك وأتابع حركتها السريعة المراوغة، وأجسادها الملساء اللامعة، وخطوطها وألوانها المتداخلة، وعيونها الزجاجية، وأفواهها المفتوحة.. أتجول بين الأثاث، أرفع هذه التحفة من هنا لأضعها هناك، أنظر من النافذة وأرى الفلاح منهمكاً يقلّم الأغصان أو يزرع نبتة جديدة أو يقلع الأعشاب اليابسة، لا أجرؤ على الدخول الى الحديقة إلا بعد أن ينتهي عمله ويخرج، وأيضاً بسبب التعليمات الصارمة من جبار، عندها أستمتع وحدي بضوع الورود وزقزقة العصافير.. لكن متعتي الحقيقية عي القراءة، عندما تطول ساعات الضجر وتأبى إلا أن تتوقف عقاربها أستل رواية أو أي كتاب جئت به من بيت أمي وأقرأ.. لم أتخلّ عن عادة القراءة ولم يضعف شغفي بها، حتى أنني أعدت قراءة بعض الروايات أكثر من مرة بإحساس من له وقت فائض لا تعكره أحزان الماضي.. وحينما أتعب من القراءة أمضي الى المسجل وألقمه بواحد من أشرطة(ياني) أحلّق معه ساعة من الزمن ثم أهدأ.. ومع كل ما أفعله فإن ساعات النهار تتلاعب بي وتضجرني.
تجرأت مرة وأخرجت بعض ما في صدري، قلت لجبار:
ـ الوقت ثقيل، لا أعرف ماذا أفعل.
ولما لمحت تقطيبة جبينه وهو يحدق بي، قلت:
ـ أعرف أن مشاغلك كثيرة، أود تسجية الوقت في غيابك بقراءة الكتب، وأنت لا تسمح لي بالخروج الى الأسواق والمكتبات إلا برفقتك، ورفقتك لا تتوفر دائماً بسبب...
قاطعني بحركة من يده كمن يحاول إسكاتي:
ـ لماذا لا تقرئين هذه الكتب؟
وأشار الى رف صغير في حائط الممر المواجه للصالة، يضم كراريس حزبية وكتباً سياسية ومذكرات ساسة، كنت ألقيت عليها نظرة سريعة حينما دخلت القصر.. أجبت:
ـ أنا أحب الروايات والقصص خصوصاً العالمية منها، أما عالم السياسة فلا يجذبني.
ربما امتعض من كلامي، فقد كانت ملامحه تتقلص، وقال: خلص، ستكون الروايات بين يديك، وكلما سنحت الفرصة سأصطحبك الى المكتبات لتنتقي ما ترغبين بقراءته.
**

أتسكع في قفصي الذي لم يعد ذهبياً، صار لونه أقرب الة النحاس مع طبقة خفيفة من الصدأ، لا أدري لماذا أبعدني جبار عن العالم الخارجي بهذه الطريقة، حتى المناسبات الرسمية التي عادة ما تحضرها زوجات المسؤولين كنت بعيدة عنها، يكرر دائماً أنها لا تناسبني، ماذا يقصد بذلك؟ لا أدري.. صالون الحلاقة يأتيني الى البيت، أقصد صاحبة الصالون، حمام زيتي، تنظيف بشرة، تقليم أظافر، تدليك.. وكذلك يأتي محل الأزياء، مع تكرار التعليمات بعدم الخوض بالأمور الشخصية.. لا أخرج غلا نادراً وبصحبته، لا حديث بيننا سوى ما يتحدث به عن جسامة مسؤولياته، طبعاً دون تفاصيل، تكشف نوع تلك المسؤوليات.. أحياناً يأخذني لزيارة اخته أم لؤي في اليرموك، أتظاهر بالرضى برغم شعوري أنها لا ترتاح لوجودي في بيتها، كلما دخلنا عليها أخذت نصف الوقت بالعتب واللوم من عدم وفائه لها وعدم السؤال عنها ولو بالتلفون.. كان يحاول استرضاءها بشتى السبل، يتذرع بمسؤولياته ويُشهدني على ذلك بالقول:
ـ اسأليها، أحياناً أغيب أسبوعاً.. ماذا أفعل؟
يقبّل يديها ويربت على كتفها فتدفع يده:
ـ لا ، أنت نسيتني، لك عالمك الجديد.
وتخزرني بطرف عينها فيضحك ويقسم لها:
ـ لا والله، أنت أختي الغالية وحبيبتي، لا أحد يحتل مكانك في قلبي.
ثم تتحين أية فرصة لانشغاله فتهمس لي:
ـ زوجته الأولى ماتت بحسرتها، وابنه هجره وفضل المنفى ولم نعد نسمع عنه شيئاً.
أشعر بغصة، لكنني أبتلع غصتي وأحسب الدقائق لكي أخرج من بيتها، مفضلة الانزواء في (قفصي) مع أصدقائي المفترضين في الروايات والقصص وداخل حوض الأسماك.
**

مثلما وعدني.. سمعت هدير سيارة ونظرت من النافذة الى باب القصر، تسلّم الحارس كرتونة صغيرة، وبعد قليل تناولتها جمّار وجاءت بها إليّ، كانت تحتوي على عدد من الروايات، بفرحة طفل يتلقى أول لعبة احتضنتها، ولم تعد ساعات النهار تتمدد، على الأقل لعدة أسابيع، رحت أقرأ وأعيش أحلام الشخصيات، أغير أقدارها كما يحلو لي، أدوّن بعض الجمل في دفتر صغير أو أضع خطوطاً تحتها، لم يوقفني عن القراءة إلا جبار حين يأتي، وقد أضحى في الشهور الأخيرة لا يمكث إلا ساعة أو ساعتين في اليوم، أحياناً يغيب يومين أو ثلاثة تبعاً لمهماته التي لا أعرف عنها شيئاً ولا أرغب في معرفتها، وهو من جانبه يتكتم على كل شيء، أو لا يريد أن يزجني بما لا يعنيني.. في بعض المرات تقاطعني جمّار وأنا منهمكة في قراءاتي، تسألني عن نوع الطعام الذي ستطبخه أو صنف العصير الذي أحبه في ذلك اليوم، أقول لها دون أن أرفع نظري: أي شيء... وقبل أن أنتهي من آخر كتاب تكون كتب أخرى قد وصلت، كما لو أن جبار وجد أخيراً ما يلهيني عن العالم الخارجي الذي يحرص على إبعادي عنه.
فاجأني ذات صباح حين أخبرني بالتلفون بأنه سيعود ظهراً وسيصطحبني بعد الغداء الى المكتبات.. وهكذا تجولنا في شارع المتنبي، واقتنيت ما يحلو لي دون تدخل منه، لم يضع شروطاً لخياراتي، ولم يتصفح العناوين التي اخترتها، كما أنه لم يحدد عدد الكتب أو أثمانها، جلس قرب صاحب المكتبة يدردش معه، ورحت أنا الى رفوفها التي تعبق منها رائحة الأزمان المختلفة، وصارت مكتبتي في البيت تكبر شيئاً فشيئاً، ولذلك قابلت مرونته فيما يخص رغبتي باقتناء الكتب باتباع قاعدة ثابتة في التعامل معه، وهي عدم الخوض فيما لا يخصني، والابتعاد عن كل ما لا يرغب فيه، ربما لهذا السبب لم أتصادم ولم أشكُ له ما أحسه من ركود أيامي، بل رحت أسقيها بفيض ما أقرأ، ولم أندم لأنني اخترت عدم إكمال دراستي الجامعية، وإنما وجدت رأيه صائباً حين قال وهو يشير الى صدري العامر بالذهب والماس: ماذا تنفع الشهادات، هل توفر لك كل هذا؟
كنت وقتها أود القول إن أسوار القصر العالية والحرس والهدوء الذي يخيم من حولي، كل ذلك يشعرني بالضجر، لكنني ابتلعت لساني لكي لا أغضبه، وأقنعت نفسي بأنني لم أتدرب بعد على نعومة الحياة من كثر ما وخزني شوكها، وعليّ أن أحترم خياراتي.
اليوم حين أقلّب الأمور أتساءل: هل كانت خياراتي صائبة، أم أنني فعلت ما فعلت لأهرب من واقع جدب أبت أمي إلا أن تبقيه على حاله لتتلذذ بفقره وحكاياته البائسة، ثم تورثني إياه؟
نعم.. هربت من جذوري لأنها غرست في أرض صبخة، اقتلعت نفسي من تلك الأرض وفضلت رخاء العيش في القصر الباذخ الذي أصبحت رهينته فيما بعد، على حياة العوز مع أم تلهث لكي توفر لقمة العيش، وتلهث أيضاً للركض نحو سراب رجل أخذته الحرب يسمى(أبي) أنا التي لا أحمل منه سوى الانتماء البايولوجي حين زرعني في رحمها واختفى.. كان عليه أن يختفي قبل أن(يفعلها).
**

الجلوس في شرفة القصر، مقابل نهر دجلة الهادىء الوقور، يمنحني بعض السكينة.. أنظر في صفحة الماء، في موجاته المتتابعات، فأحسه يفيض على روحي ويلهب خيالي بحكاياته الأسطورية التي علقت في ذاكرتي منذ الطفولة.. هو ذاته النهر الذي لم يكن بعيداً عن بيت أمي وبيوت صاحباتها.. صار يوم الخميس من حصة النهر، يقررن الذهاب الى بناية غاطسة في النهر اعتقد العامة من الناس منذ عشرات السنين أنها مقام خضر الياس، برغم إثبات المؤرخين عكس ذلك، يتبركن وينذرن النذور ويطلبن المغفرة عن ذنوب لا يبُحن بها إلا(للولي الصالح) .. يجلسن على صخور الشاطىء بعد(الزيارة) يشعلن الشموع ويسيّرنها على قطع الخشب، وأبحث أنا بين الرمال عن الحصى ذي الأشكال الغريبة.
هو ذاته النهر الذي يمر على بيوت الفقراء، مثلما يتهادى بالقرب من القصور المنيفة، ولكنه هنا، من شرفة القصر، لا شموع ولا اختلاجات نذور ولا زوارق صيد ولا لعب على الحصى، كل شيء ممنوع ما دام القصر الرئاسي رابض في المكان ذاته.. لكنني في الحالتين أعيش قصص النهر التي تسكن رأسي، وأعيد تركيبها كما أشتهي، فبدل أن تخرج الجنية من أعماقه وتخطف شاباً من بني البشر لتتزوجه، يخرج جني ويخطفني لأتزوج منه، وأمضي معه الى أعماق النهر وأسراره الغامضة، وأبتكر حياة لا علاقة لها بحياة اليابسة، أتحول الى حورية أو سمكة ذهبية وأتسيّد عالم الأنهار، مع جني يشبه الملائكة، أملي أوامري على المخلوقات الضعيفة، وأطوّع القوية منها لتكون تحت إمرتي... تُرى هل كنت أبحث عن رجلي الحقيقي هناك بسبب أنني لم أجده على الأرض؟
**

كان الشاب الذي استقبلنا في مطار الملكة علياء وأوصلنا الى الشقة، أكثر ميلاً للصمت، وحين يتحدث يكون بمنتهى التهذيب.. بعد أن انتهت إجراءات الدخول وخرجنا الى القاعة، وقع نظري على لافتة تحمل اسم (أمل مصطفى) توجهت نحوها وسلمت عليه، أخذنا بسيارته الى شقة فارهة في منطقة(تلاع العلي) خلف أسواق السلطان، تقع في الطابق الثاني ضمن عمارة تتألف من أربعة طوابق.
ثلاث غرف نوم، صالة واسعة بنافذة تمتد على طول أحد الجدران، ستائر من التول بلون بيج، مطبخ من الألمنيوم المخشّب تزدان خزائنه العلوية بصحون وأكواب، وفي الأدراج السفلية كل ما يحتاج إليه المرء من أدوات مطبخ.
ودّعنا الشاب عند الباب قائلاً:
ـ اسمي زهير.. سأمر عليكما من حين لآخر.. في الثلاجة بعض الأطعمة والمشروبات، إذا تأخرت سأتصل بالتلفون.
وقبل أن يستدير أسرعت جمّار بالقول:
ـ إبني.. هل تعرف ماذا سيحدث؟
ابتسم زهير وطمأننا:
ـ لا شيء.
يبدو أن جوابه لم يرق لجمّار، فقالت مستغربة وبنبرة مرتفعة:
ـ لا شيء؟ تأتون بنا الى عمّان وتقولون لا شيء؟
ردّ زهير بأدب جم:
ـ أنا مقيم هنا، لا أعرف بالضبط ما يجري أو سيجري هناك، ولكن اطمئني يا خالة، أظنه احتراز لا غير.
همّت جمار بالكلام ثانية لكنني أسكتها بإشارة من يدي، وأنّبتها حال دخولنا الشقة:
ـ لا تتحدثي مع الغرباء بهذه الطريقة.
أسرعت للقول:
ـ غرباء؟ إنه عراقي مثلنا، و...
قلت لأسدّ مجرى الكلام:
ـ كفى.. إنه مجرد سائق لا نعرف عنه شيئاً.
**

عصفور قلبي انطلق ولا أريد له التوقف.. ها أنا خارج الحدود، بلا رقيب يعدّ عليّ الأنفاس، أو رجل أنتظر عودته حين تسمح ظروفه، لا أسوار تعيق حركتي، ولا كاميرات خفية تلاحقني، أمشي في طرقات عمّان وأكتشف دون دليل زوايا المدينة، أدخل الأسواق والمتاجر والمولات، وأجلس حين أتعب في أي مكان تأخذني إليه أقدامي.
إنها فرصة الانفراد بذاتي بعيداً عن أسوار القصر وحراسه، فرصة أن أتنفس ولو الى حين هواءاً نقياً في أجواء لا تهددها الحروب، أن أضيف الى ذاكرتي أشياء جديدة بلا خضوع ولا أشباح تأتي من الأزقة القديمة لتقتحم خلوتي.
ها أنا أكتشف الكثير من معالم المدينة في أيام قليلة وأعشق قلبها(وسط البلد) إنه مزيج من الماضي والحاضر، مكتباته وأكشاكه عامرة بأصناف الكتب، أسواق ودكاكين وأرصفة تبيع كل شيء، صخبه يُذكّر بصخب الباب الشرقي مركز مدينة بغداد.. أزج نفسي داخل الضجيج لأهرب من صمت عاشرني فترة طويلة وصار جزءاً مني، حتى بتّ أسمع صراخه في رأسي يطرق دون هوادة، أشعر بحاجتي لضياع من نوع آخر يرافق طمأنينة المدينة التي تستقر على الجبال وتنزل الى الوديان.. أمشي في الأزقة والشوارع الطويلة الصاعدة النازلة، والدرجات ذات الآجر العتيق.. أنا بحاجة الى هذه(الهوسة) لأشعر بنبض الحياة بعد أن شبعت من السكوت والسكون وقلة الحركة.
أجلس في المقاهي لأبدد الوحشة العالقة بروحي، قد يطول الوقت، وحينها تستقبلني جمّار مذعورة:
ـ تأخرت كثيراً سيدتي، لا أريد أن يحدث لك مكروه.
أقول لها بلا مبالاة:
ـ لن يحدث شيء نحن في مدينة آمنة.
ترد:
ـ أنا مسؤولة عنك سيدتي.
أسخر منها:
ـ أنا مسؤولة نفسي.
تحاول تذكيري بوصية جبار لها فأوقفها:
ـ هذا لا يمنحك حق التصرف في بحياتي.
تعتذر وتقول:
ـ حياتنا لم تعد كما كانت.
فعلاً.. لم تعد كما كانت، انقلب كل شيء طالما الحرب تُنذر بالأهوال، لو لم يكن الأمر كذلك لما هرّبوا العوائل ذات الامتيازات الخاصة.. ليس ثمة مقارنة بين ما مضى من حروب وهذه التي تلوح في الأفق، والتي بدت لي غير مفهومة وفق تصوراتي، ولكنهم أصحاب قرار وساسة يعرفون ماذا يحدث في الخفاء.. أم تراهم فعلوا الشيء ذاته وهرّبوا عوائلهم عندما اشتدت الأزمات في الحروب السابقة، إجراء احترازي كما يقول زهير؟
في حرب إيران كنت طفلة، أتحسس الرعب على الوجوه من خلال وجه أمي المذعور، فأرتعب حتى قبل سقوط الصواريخ وارتجاج البيوت، وفي العام 1991 عصفت بنا(عاصفة الصحراء) فازداد الفقير فقراً والخائف ذعراً، حتى بات المرء يخشى حيطان بيته، كانت أمي كلما ذهبت الى السوق جاءت بأقل ما يمكن لإدامة الحياة، لقد اختفت معظم الحاجات الأساسية، وتداول البسطاء من الناس النكات الممزوجة بالمرارة فأطلقوا على الدجاج عبارة(الحيوان المنقرض).
ذات يوم مر رجل كبير السن يحمل دجاجة مذبوحة في كيس نايلون شفاف، قطع الشارع وانعطف الى أحد الأزقة فاستوقفه رجل آخر واستفسر منه:
ـ أين وجدت هذا الحيوان المنقرض؟
ردّ عليه وهو يهم بدخول الزقاق:
ـ كلنا سننقرض يا أخي.
كدت في ذلك الوقت المرير لما خلفته الحرب وطول الحصار أن أترك المدرسة، لكن إصرار أمي حال دون ذلك، كانت متطلبات الحياة لا تناسب الدخل الذي تتسلمه نهاية كل شهر، وهو ما أقر لنا بعد أكثر من ست سنوات على اختفاء أبي، واستمر في السنوات اللاحقة دون أية زيادة، مع أن الأسعار ترتفع بشكل جنوني.. لكن أمي ومن أجل إقناعي تكرر المثل الشعبي(مد رجليك على قد لحافك) وترى أن ولعي بشراء الكتب عادة سيئة ولا ضرورة لها إزاء الحالة التي نعيشها، وأن عليّ فقط أن أفكر بكتب المدرسة واحتياجاتها، كنت أسخر داخلي كلما أسمعتني ذلك المثل البائس الذي لا يلبي إلا قناعات الفقراء من أمثالها، تلك القناعات الأكثر فقراً منهم.. كنت أتساءل: لماذا لا يكون اللحاف كافياً لأمدد قدميّ كما أرغب؟ هل ينبغي عليّ التكوّر حول بطني بسبب قصر اللحاف؟ وأروح أحلم بأغطية أكثر اتساعاً من لحاف أمي، وأكثر نعومة من ريش النعام يمكنها أن تحتضن رغباتي، مبتعدة قدر المستطاع عن أحلام أمي وصاحباتها البائسات، تلك الأحلام المربكة التي تدور حول فقدان الرجال في حياتهن، والحب المفقود بسبب ظروف خارجة عن المسار الطبيعي للحياة.
فهل من أحد يلومني إذا ما حلمت بحياة لا تهددني بالانقراض، ولا أبحث فيها عن شيء مفقود، حياة سخية لا أشكو في ظلها من برد ولا حر، أمدد جسدي بحرية، ألبس أغلى الثياب، أتعطر بأثمن العطور، وأتقلب في طراوة العيش؟
في مثل عمري سقطت فتيات من أجل وجبة غذاء أو فردتي حذاء أو بلوزة، أو حتى أحمر شفاه، أيام كان الحصار يعصر النفوس.. بينما وجدت أنا من أدخل قصره وأصبح سيدة عليه لا متسولة على بابه.. وجدت ضابطاً كبيراً، بل قائداً من قادة الحرس الجمهوري، تلك التشكيلة المقربة من رأس النظام.
**
أصابني اضطراب شديد، صفحة السماء غائمة وقاتمة، وكذلك قلبي، الظلمة تحيط بالمكان من كل زاوية، والمطر يهطل بغزارة مصحوباً ببرق ورعد، بينما جمار تغط في نوم عميق كما في كل ليلة.. أنا وحدي أقارع أشباحاً لا أراها، لكنني أحسها وهي تشاغلني بهمهماتها المخاتلة بين السطور، لا ملاذ لي لكي أصدها وأبعدها عن فراشي، أمي تخرج من بين الصفحات، بثيابها السود وتخلخل رأسي المشوّش، حزينة كعادتها، مكتئبة وحانقة، إزاء إصراري على الزواج من جبار.. ينثال الحوار العقيم بيننا على النحو التالي:
ـ هل هذا هو الذي تتزوجين منه؟
ـ نعم هو.
ـ هل تذكرينه جيداً؟
ـ بالتأكيد.
ـ إنه بعمر أبيك.
ـ ليس مهماً.
ـ اسمعي.. العسكريون إما جلادون وإما ضحايا، ولا أظن هذا الذي يحمل النجوم الزائفة على كتفيه يمكن أن يكون ضحية.
ـ هناك لون بين اللونين يا أمي، ولا يمكن أن تكون الحياة إما سوداء وإما بيضاء.
الى آخر الحوار الذي دار بيننا، تماماً كما جاء في الرواية.. لو كانت أمي على قيد الحياة لفكّت اللغز الذي دوخني.. وما زاد من حيرتي أن صاحبات أمي في هذه الرواية لسن صاحباتها اللواتي عرفت.
بين الحيرة والريبة وساعات الأرق واستدعاء أمي وانطفاء صورتها في رأسي، ورشق المطر على النافذة، وعويل الريح، هدّني التعب، ونامت الرواية بالقرب مني، وحين صحوت كان الصبح عاصفاً وممطراً أيضاً، وما تزال بقية أشباح تدوّم في أرجاء الغرفة.. ماذا أفعل بساعات النهار بعد أن أطرح منها ساعة أو ساعتين للقراءة التي فقدت الكثير من متعتها، وبعد أن وجدت نفسي شخصية ورقية لا يمكن أن تشكل علاقة حميمة مع القاريء بسبب انفلاتها خارج سرب المألوف من الحياة؟
وبرغم أن عصفور قلبي رفرف خارج القفص، إلا أن هناك ما ينغص حياتي وليس بمستطاعي شطبه من رأسي.. إنها الأسئلة التي تمد لسان النار وتحرقني: ماذا يحدث في كواليس العراق؟ هل ستبدأ الحرب فعلاً أم أنها مجرد تلويح لإخافة النظام؟ ماذا سيفعل القادة إذا وقعت الواقعة؟ هل سيدافعون حتى (آخر قطرة دم) كما تقول الأغاني الجوفاء أم لم يبق في العروق من دم يقارع الأعداء؟ ماذا سيحل بجبار؟ ماذا سيحل بي؟
تنطفىء الأسئلة ويرتد لسانها الناري حين لا تجد إجابة، وتلتم من حولي الأشباح، تضيّق عليّ الدائرة حتى لأحس أن أنفاسي ستتوقف، لكن جمّار تطرق الباب، وتختفي الأشباح بلمح البصر: أعددتُ الفطور سيدتي.
أفرك عيني وأنظر إليها فأشعر ببعض الراحة.. أجلس حول مائدة الطعام، وتجلس جمار حول طاولة صغيرة.. أتناول الطعام على عجل، لا أدري لماذا، ثم حين ينتهي الإفطار تتحرك جمار وتقف بالقرب مني وهي تقول:
ـ التدفئة لا تعمل.
ـ أعرف.. تحتاج الى سولار.. في المخزن صوبة كهربائية سوف نستخدمها.
تذكّرني:
ـ فاتورة الكهرباء لم ندفعها بعد.
ـ سندفعها، عندما يتحسن الجو سأدفع الفاتورة، لديّ من المال ما يكفي.
ـ ما يكفي لأية فترة سيدتي؟
ـ لا تنسي، زهير هو المكلّف بنا.
ـ لقد وعد أن يمر كل أسبوع لكنه اختفى منذ عدة أسابيع، ماذا سنفعل إذا لم يأت؟
لم أجب، فقالت بنبرة يأس:
ـ لا أظنه سيأتي.
ـ سيتصل جبار وربما يبعث حوالة.
ـ الأوضاع صعبة فكيف تصل الحوالة؟
أحدق بها، وبعصبية أقول:
ـ لا تغلقي الأبواب في وجهي يا جمار، لابد أن يكون هناك حل، والحرب لم تقع بعد، ثم إن هذه الأمور ليست من مهمتك.
تعتذر جمار فأهدأ.. ترفع الصحون وتمضي الى المطبخ، بينما أتحرك أنا صوب النافذة، مايزال المطر يهطل بغزارة محولاً الشارع الى ما يشبه النهر الجاري، والرياح قوية تعبث بأغصان الأشجار.. يخامرني شعور بأنني شجرة عارية حتى من الأغصان، تقتلعها الرياح وتقذفها الى العراء فيسري البرد في أوصالي.
أعود الى الفراش البارد، أتدثر فتصطك أسناني، أقول في داخلي إن جمار على حق، ليس ثمة حوالة تأتي من بغداد المشرفة على كارثة جديدة، وقد لا يأتي زهير أبداً، كان عليّ تقنين المبلغ الذي أعطاني إياه جبار بدل شراء مسجل وأشرطة لم أسمعها بعد، وثلاثة قمصان وحقيبة وحذاء وإشاربات وأدوات ماكياج ومرطبات بشرة ليس من داع لشرائها في الوقت الراهن، خصوصاً وأن نبرة الفضائيات تغيرت باتجاه وقوع الحرب، وراحت تتسابق وتتفنن بصياغة الأخبار.. محللون وقادة عسكريون، وأعداء متربصون، وحاقدون، وأصدقاء مخلصون خائفون مما ستؤول إليه الأمور، وجوه من كل صنف ولون، تبادل اتهامات وشتائم وصراخ وتظاهرات تعم العالم، مع، وضد.
هل كنا داخل العراق في نعمة حيث لا فضائيات ولا موبايلات ولا نعلم عمّا يدور سوى من خلال تلفزيون الحكومة؟.. أتذكّر حكاية المعلم محمود الذي كان يسكن في آخر الزقاق، اهتدى الى وسيلة لسحب البث الخارجي، عن طريق تحوير صحن صغير نصبه خلسة على سطح داره فوشى به أحد الجيران، قضّى الرجل تسعة أشهر في المعتقل، وخرج نحيفاً بعد أن كان وزنه يربو على الثمانين كيلو، وقد فُصل من وظيفته، فاشترى مركباً صغيراً وصار ينقل الركاب من الكرخ الى الرصافة وبالعكس، وتحوّل من رجل بشوش الى آخر لا يشبه ما كان عليه، حذراً، صامتاً، وخائفاً.. وحين سُرق مركبه لم يتقدّم بأية شكوى، وصار يبيع أغراض بيته ليطعم ثلاثة أطفال وزوجة، حتى جاء اليوم الذي باع فيه البيت ورحل من الزقاق الى جهة غير معلومة.
فعلاً ماذا سنفعل أنا وجمار إذا ما دامت مدة إقامتنا طويلاً وأوشكتُ على الإفلاس؟ هل أبيع ما حملته معي من مصوغات؟.. ينتفض جسدي رعشة لمجرد التفكير ببيعها، لا أحس بالاكتمال إلا بها، مع بريقها اللاهث وحبات لؤلؤها وياقوتها.. لكنني أطمئن نفسي بأن لدي الكثير مما تركته في بغداد، إذ لم يخطر ببالي حينها أن آخذها بسبب السرعة والإرباك الذي صاحب سفري المفاجىء.
يبدو أن لا مفر من بيعها، فجمار لا تنفك تذكّرني من حين لآخر بصعوبة الوضع، وعليّ أن لا أبذر النقود، لكنني أتظاهر باللامبالاة، أو أقول لها بأن الظروف ستتغير لصالحنا.. تمط شفتيها دون أن تعلّق، فأفهم أن جوابي لا يقنعها، أهمس لنفسي: من هي حتى تفرض عليّ نمط حياتي، لقد تمردت على أمي وفرضت إرادتي عليها، وجمار ليست أكثر من شغالة تتلقى الأوامر مني.
وحين أخلو الى نفسي أجد أن هذه القروية التي لا تفصح ملامحها إلا عن الفقر والأحزان تعرف خفايا الأمور أكثر من البنت المتعلمة التي تسكنني..أتراني راهنت على حصان شائخ؟ أم أن فصول روايتي الحقيقية ستبدأ من هنا، من عمّان حيث أضطر الى جرد كشوفاتي الماضية، وأنتظر ما لا أعرفه، وأتابع أخبار البلد عبر الفضائيات التي تزيدني تشويشاً، باحثة من خلالها عن خيط أمسك به، لأصل الى رجل يصعب الاستدلال عليه ينقذني من العوز والقلق؟
ماذا أفعل هنا؟ وماذا تخبىء لي الأيام القادمات؟
**

أشرقت الشمس بعد يومين ماطرين وعاصفين، تشبعت الأرض بالماء وهدأت العاصفة وبدت السماء صافية كأنها لم تدلهم.. استوقفتني جمّار بينما كنت أهم بمغادرة الشقة، بدا وجهها حائراً وتلجلج الكلام على شفتيها:
ـ ها، ماذا وراءك؟
ـ لا أدري ماذا أقول.
ـ قولي.. لم يعد لدينا غير الكلام.
حركت يديها في الهواء ثم شبكت أصابعها.. رحت أنظر إليها لعلّ عقدة لسانها تنفك، ولما طال صمتها قلت:
ـ ما الذي يدور في ذهنك.. قولي دون إحراج؟
ـ لماذا لا نعود الى بغداد؟
قالت عبارتها كمن يرمي عن كاهله عبئاً ثقيلاً.. صرخت بها:
ـ لابد أن لوثة أصابت عقلك.. كيف نذهب الى بغداد في مثل هذه الظروف؟
ـ الحنين يكاد يقتلني.
ـ لمن يا جمار؟ ليس لك أحد هناك حسب علمي.
ـ لبيتي في الشواكة.. للأسواق.. لوجوه الناس.. الإنسان يا ست أمل معجون بتراب الأرض التي عاش عليها، أنا هنا لا أعرف أحداً ولا أحد يعرفني.. أخاف أن اموت في الغربة.. حتى الموتى هنا لا يعرفونني إن جاورتهم.
قلت ساخرة:
ـ اطمئني.. سيأخذونك بالأحضان.. أما إذا كنت مصرة فسأوصلك الى مجمّع السيارات الذاهبة الى هناك.. هذا إذا كان ثمة من يسافر الى بغداد في مثل هذه الظروف.
نشجت مثل طفل وجرت دموعها ثم قالت:
ـ كيف أذهب وحدي وأتركك، ماذا سأقول للسيد جبار؟
ـ كان عليه أن يتصل.
ـ لماذا لا تتصلين أنت؟
ـ تلفون البيت لا يرد، ولا أعرف رقم هاتف يوصلني به، الأمور أصعب مما نتصور، وإلا لما جاء بنا الى هنا.
أرادت أن تقول شيئاً فقاطعتها وأنا أنظر الى وجهها المتغضن والحزن المتراكم عليه:
ـ أنا لا أتخلى عنك، ولكنني لا أقف حائلاً بينك وما تريدين.. تذكّري أن مصيرنا واحد يا جمار.
مسحت دموعها بطرف شيلتها وقالت بصوت مخنوق:
ـ أخشى أن نصبح مثل التائه في الصحراء.
شعرتُ بانقباض في صدري بسبب سلوكي الخشن معها، اقتربت منها، طمأنتها وأنا أدرك أن ما أقوله ليس صحيحاً:
ـ سيأتي الفرج ونعود بأحسن مما كنا عليه.
رفعت يديها الى السماء طالبة انفراج الكرب.. ابتسمت لها وقلت:
ـ والآن افرجي عني.. سأدفع فاتورة الكهرباء وأنزل الى وسط البلد.

**
الشوارع ندية، رائحة الأشجار رطبة، والرياح تضرب وجهي كما لو أنها تداعبني، لكن هذا كله لم يمنعني من الشعور بأنني شجرة عارية في أرض بعيدة جداً عن الأرض التي نبتت عليها.. تجولت في شوارع ضمت متاجر حديثة، عاينت المعروض من الملابس والاكسسوارات، لم أضعف إزاءها، لذلك لم أشتر أي شيء.. الطريق يأخذ قدميّ نزولاً فلا أشعر بالتعب، مشيت طويلاً حتى دخلت عمق وسط البلد، ومررت بشوارع فرعية كثيرة لم يسبق أن مررت بها، كما عرجت على المكتبات وقمعت رغبتي بشراء الكتب، ماتزال(ابنة الحظ) معي لم أبدأ بقراءتها منذ أتيت بها من بغداد، سأقرؤها حالما أعود، هكذا قررت، لعل الحظ يصيب وتنقشع غيوم البلد.
وجدت نفسي في شارع يدعى(الشابسوغ) يفضي الى سوق صغير للذهب، غمرتني حالة بين الارتياح والانزعاج، لكنني تجاوزتها ودخلت أول محل، بعت إسورتين لم أعرف القيمة الحقيقية لهما بسبب عدم وجود أوراق الشراء، لا أدري إن كان صاحب المحل قد خدعني أم لا، وحين خرجت شعرت بشيء يعصر قلبي.
عندما عدت للشقة كانت جمار تجلس في الشرفة، تنبش بين حبات الرز باحثة عن حجارة أو زوان، وبرغم أنني أخبرتها مراراً أن الأمر هنا مختلف عنه هناك، إلا أنها أدمنت هذه العادة منذ الصغر كما قالت.. الرز والعدس والحمص في بلدنا يحتاج الى تنظيف قبل المباشرة بطبخه لكثرة ما فيه من حصى وحجارة.. طبعاً هذا لا يشمل ما يدخل بيوت الأغنياء، ولهذا دُهشتْ حينما عملت في القصر بخلو البقوليات من الشوائب، لكنها ظلت تقول إن الأمر لا يخلو من الاحتياط، وداومت على تلك العادة.
**
لم تكن جمار مقطوعة من شجرة إلا بعد أن مات زوجها، حكايتها طويلة ومتعرجة، قطعت الأميال خلال سني حياتها قبل أن تجد نفسها في القصر، لم أعرف شيئاً عن ماضيها عندما كنا في بغداد، لكنها فتحت المغلق من رأسها وروت لي تلك الحكاية على مراحل.
في الليلة التي قررت فيها قراءة(ابنة الحظ) نازعتني رغبة باستدعاء جمار الى سريري، كنت بحاجة ماسة لسماع رواية أخرى لا تخرج شخصياتها من الورق.. ناديتها فجاءت مسرعة، أشرت لها أن تندس معي في الفراش، كان من المستحيل أن أفعل ذلك ونحن في بغداد، وهي من جانبها تعرف ما لها وما عليها فلم تتخط الحدود الفاصلة بيننا، أما أنا، في هذه اللحظة بالذات حيث القلق يسوّر روحي فلم تعد تلك الحدود الوهمية تهمني.. قلت لجمار:
ـ تعالي يا خالة.
هي المرة الأولى التي أنطق بها(يا خالة) ولم أكررها بعد ذلك.. ترقرق الدمع في عينيها واقتربت غير مصدقة.. أمسكت بكفها النحيلة الباردة وسحبتها الى السرير، طلبت منها أن تحكي أي شيء يخطر ببالها، تماماً مثلما تفعل الأمهات عند مهود أطفالهن.
في تلك الليلة لم أنم حتى غلبها النعاس دون أن تكمل الحكاية التي بدت لي مثل فيلم من أفلام حسن الإمام.
ـ جئت الى بغداد وكان عمري ثلاث عشرة سنة، خرجنا من قرية(النواعير) في أقصى الجنوب، أبي وأمي وأنا، في ليلة من ليالي تموز الخانقة، وريح السموم تلفح وجوهنا، أبي يتقدمنا، الطريق وعر وشبه مظلم، نمشي وراءه وهو يدرك نوع المصير الذي سنلاقيه جميعاً إذا وقعنا بيد رجال الشيخ(كايد) لذلك كان يأمرنا بالابتعاد عن البيوت والاحتماء خلف جذوع النخيل وصفوف الحلفاء.. كانت أمي تحمل صرة ملابس، وأنا أحمل صرة تحتوي على خبز وتمر وبيض مسلوق، نمشي مسرعين ونركض إن تطلّب الأمر، صامتين وخائفين، يلاحقنا نباح الكلاب، هاربين من قدر أراده الشيخ لنا، وذاهبين الى قدر تركنا أمره لله.
كانت الليلة التي سبقت هروبنا مريرة وقاسية على أبي الفلاح المسالم، عندما حضر(السركال) وأخبره بأن الشيخ كايد يريد الزواج من جمار.. قالها بصوت آمر، وهو ما يعني ضمّي الى قطيع الحريم، لأننا بعرف الشيخ الهرم جزء من ممتلكاته.. كان أبي يقول في بعض المناسبات بأن أجسامنا من حق الشيخ ولكن أرواحنا ملك لنا، تتوق للتحرر من ظلمه والانعتاق من قبضته.. ولأن أبي لا يجرؤ أمام السركال من المعارضة، فقد قال له: أبشر.. لكنه قرر الهرب قائلاً بعد خروج السركال:
ـ حان وقت التحرر.
كان خلال سني عمله في مزرعة الشيخ متذمراً بسبب الإهانات التي تلحق به من الشيخ أو من رجاله، أمام مرأى ومسمع الجميع، أما بسبب مرض أبي واضطراره للبقاء في البيت، أو تأخره في تسليم الحاصل.. لقد عُرف الشيخ كايد بالقسوة، لا يتوانى عن قتل أحد لأتفه الأسباب، ذات يوم عاد أحد الفلاحين يحمل سمكة اصطادها بالفالة، وقبل أن يصل بيته بعدة أمتار كان موكب الشيخ يمر، فخرج منه السركال وتقدم من الفلاح قائلاً:
ـ هذه السمكة تعود للشيخ لأنك اصطدتها من النهر الذي يمر بالقرب من مضيفه.
وحدثت مشادة بينهما، للمرة الأولى تحدث مشادة بين فلاح ورجل متنفذ مثل السركال، وكانت النتيجة أن قُتل الفلاح أمام أعين الجميع بالفالة التي اصطاد بها السمكة، ليصبح عبرة لغيره.. يُقتل فلاح بسبب سمكة، فكيف ستكون ميتة من يرفض تزويج ابنته للشيخ؟
لم يتداول أبي مع أمي أمر الهروب الى بغداد بل أمرها أن تتهيأ، وهي لم تتباطأ وإنما أيدته وناصرته على الفور بالقول:
ـ ماذا تبقى لنا غير جمّار القلب؟
قطعتْ جمار حكايتها وغيرت نبرة صوتها وهي تسألني:
ـ سيدتي.. أتعرفين معنى(جمّار)؟
قلت لها بينما كنت أتثائب:
ـ إنه لب النخيل، يقع تحت حبيبات الطلع، تذوقته مرات عديدة في طفولتي وطعمه لذيذ جداً.
ضحكت جمار وهي تقول:
ـ كنت أظن أن الأغنياء لا يعرفونه.
ومضت في سرد حكايتها:
ـ كنت أسمع عن بغداد حكايات تدوّخ الرأس، كلما سافر إليها أحد من القرية عاد ليقول: إنها مدينة العجائب، ليلها نهار، ونهارها مزدان بالبهجة، شوارعها عريضة مبلطة وفيها الكثير من الحدائق، مقاهيها مفتوحة حتى الصباح وأغانيها فاضحة ونساؤها(يخبْلن) العاقل.
صمتت جمار وتحسرت ثم قالت: وكان لي فيها حلم سأحدثك عنه فيما بعد.. ثم تثاءبت قبل أن تواصل:
ـ سرنا طويلاً حتى وصلنا الشارع العام، وهو الوحيد الذي يوصلنا الى المدن، ومن هناك انتظرنا أكثر من ساعة، كنا نرتجف من الخوف لكي لا يُكشف أمرنا، حتى لاحت أضواء سيارة أشار لها أبي فتوقفت، كانت من نوع بيك آب، تقدّم من السائق وبعد قليل أشار لنا أن نصعد على سطحها مع الخرفان والماعز، بينما جلس أبي جوار السائق.
خرجت من صدر جمار آهة طويلة، وراحت تحكي كيف أنها نامت بين الحيوانات والجلود ولم تستيقظ إلا بعد أن أحست بيد امها تربت على كتفها وتقول: ها قد وصلنا.
ـ كانت الشمس تبزغ تواً، والأعمدة الكهربائية ما تزال مُنارة، والهواء منعش.. نزلنا في ساحة كبيرة للسيارات، ضاجة بعمال وسواق وباعة خضر يُنزلون حمولتهم، وعربات طعام وأكداس جلود وصوف وحلانات تمر.. قال أبي: هذه هي بغداد، والتفت الى أمي منبّهاً إياها: امسكي يد ابنتك فقد تضيع.. كنت مبهورة بالأضواء وحركة الناس، متذكرة قرية النواعير التي تغرق بالظلام كل ليلة ويهمد أهلها للنوم من أول المساء مثل الدجاج.. توجهنا الى سور الساحة حيث عدد من الرجال والنساء يبيعون الشاي والقيمر، يحيط بهم جنود وعمال.. جلسنا أنا وأمي مستندتين الى جزء من السياج، وذهب أبي ليجلب لنا الشاي، بينما فتحت أمي صرة الطعام وأخرجت البيض المسلوق والخبز.
ـ هل نمت سيدتي؟
سألتني جمار فأجبت بصوت رخو:
ـ لا، لم أنم.. استمري.
تثاءبت ثانية وقالت:
ـ إيه.. ما علينا.. تفاصيل كثيرة في حكايتي لا أريد أن أدوّخك بها.
كررت عليها.. استمري.
ـ استأجرنا غرفة في بيت لا يبعد كثيراً عن ساحة السيارات، دلّنا عليه بائع الشاي.. اجتزنا ممراً ضيقاً ينفتح على حوش تتوزع على جوانبه أربع غرف متقابلة ومستأجرة لعوائل أخرى، أما غرفتنا فتقع في الزاوية البعيدة، وهي معزولة تماماً عن بقية الغرف، لكنها تتصل بها من خلال فسحة صغيرة تنتصب فيها حنفية ماء محاطة بحوض من الإسمنت، يستخدمها الجميع للتزود بالماء أو غسل الصحون والملابس.. الغرفة خالية إلا من حصير ومخدتين وبريمز صدىء وقدْرين مع عدد من الصحون.. قال أبي لأمي عند دخولنا الغرفة:
ـ هذا مكان مؤقت لأنني لا أعرف بغداد جيداُ، كما تعلمين زرتها مرة واحدة للعلاج قبل سنتين.. سوف أبحث عن عمل، المهم أن أجد ماجد المرهون وهو يدبر لنا كل شيء.
ثم حذرها:
ـ الناس هنا فضوليون، لا تخبري أحداً بقصتنا، إذا سألتك واحدة من نساء البيت قولي جئنا لزيارة قريب لنا.
وحالما سمعت اسم ماجد المرهون فرّ قلبي من بين أضلاعي.. ها سيدتي، هل غلبك النوم؟
لم تنتظر إجابتي، بل واصلت:
ـ كان أطول الأولاد في مثل سنه، أسمر مملوح، جميل التقاطيع، أجعد الشعر، يتسابق مع شباب القرية ويسبقهم في صعود النخيل، يصل رأس النخلة ويلوّح لي، يرمي الرطب ويغني.. آه سيدتي، له صوت ولا صوت حضيري أبو عزيز.. عاش في كنف الشيخ كايد بعد أن مات أبوه صانع القهوة وناحر الذبائح في مضيف الشيخ، كنا نتشارك في صنع الحصران لمن يطلب المساعدة، تأتي النساء بالخوص الذي يكون قد مرّ قبل ذلك بمرحلة التنقيع والترطيب، نجلس جميعاً تحت فيء النخيل أو أمام البيوت ونتابع حركة أصابعهن التي لا تكف عن ضفر الخوص، الكل يشارك بصناعة الحصران وأقفاص الدجاج بعد أوقات العمل في المزارع، أما الأسرّة والكراسي فلها رجالها لأنها تتطلب جهداً أكب، المهم.. ما علينا.. كبر ماجد المرهون واستُدعي لخدمة العلم في بغداد، سافر إليها ولم يعد حتى بعد انتهاء مدة الخدمة.. ماذا يفعل إن عاد؟ سيكون عبداً من عبيد الشيخ كايد كما كان أبوه من قبل.
ـ هل أتعبتك حكايتي؟
ـ لا أبداً.
ـ كنا نلعب معاً في طفولتنا، وبعد أن كبر عزلوه عني، لكننا كنا نجد طريقة للقاء كلما تمكنا من ذلك، حتى جاءت سفرته الى بغداد وانقطعت أخباره عني.. قيل إنه تطوع في الجيش بعد انتهاء الخدمة الإلزامية، وقيل إنه قبل أن يُسرّح اشتعلت معارك الشمال وقُتل فيها، لكن بعد أن عاد أبي من سفرته الوحيدة الى بغداد همس لأمي بأنه التقى ماجد المرهون في أحد المقاهي، وطلب من أبي أن لا يفشي سرّه عند أحد لأنه لا يريد أن يعود للعمل عند الشيخ، وقد استقر نهائياً في بغداد، وإنه مقابل عدم إفشاء سره سيساعد أبي إذا ما قرر هجر القرية، قال أبي بأنه امتهن صناعة الأسرّة والكراسي.. هذا هو حلمي الذي عشت من أجله، لقد اقترب كثيراً بعد أن كان أبعد من النجوم.
بدا صوتها متهدجاً وتثاءبت مرتين، شعرت بأنها أوشكت على النوم.. قالت بصوت خفيض ورخو:
ـ سأكمل لك بقية الحكاية غداً.
وسكتت، ثم راحت الى نوم عميق لم أشأ إيقاظها منه.. دسستُ رأسي قرب صدرها لأستمد منه الدفء، وبين ظلال النعاس وأطياف العائلة التي هربت.. غفوت.
**
قرأت الرواية للمرة الثانية علّني أمسك بخيط كنتُ غافلة عنه يوصلني بالكاتبة، لكنني بعد آخر سطر فيها لم اعثر على أية صلة بينها وبين أحد من عائلتي.. لو كانت على قيد الحياة لوصلت إليها، أما وقد ذهبت الى الحياة الأخرى فلقاؤها بات مستحيلاً، وعند هذه اللحظة قررت أن أتجاهل الأمر.. وهكذا رميت الرواية في أحد الأدراج ولم تعد تشغلني كثيراً، ذلك أنّ ما أنا عليه هو الأولى بالاهتمام، فقد بدأ الخوف من الآتي يلوّح لي.. كنت آمل أن يتصل جبار طيلة الأيام الماضية أو أن تجد محاولاتي بالاتصال طريقها إليه، أو على الأقل يأتي زهير المكلف بنا وبتلبية احتياجاتنا.. تبدو الأمور كلها متشابكة وغير واضحة، ومصيري معلّق بما يحدث في بغداد.
قلت لجمّار بعد الغداء:
ـ دعينا نتابع الأخبار.
فتحت فمها دهشة، فقد كنت مُذ جئنا الى عمّان أحرص على مشاهدة الأفلام وبرامج المنوعات، وأحجم عن نشرات الأخبار فلا أقف إلا على عناوينها ثم أغير القناة.
ـ أخبار؟
ـ نعم، قلت لها، يوم أمس وأنا أتنقل بالقنوات شاهدت تظاهرات تندد بالحرب وتطالب أمريكا بعدم الإقدام على مثل هذه الحماقة.
قالت جمار وقد أدهشتني هذه هي هذه المرة:
ـ وماذا فعلت التظاهرات في حرب الكويت؟ إيه.. الحكام يفعلونها والفقراء يأكلون التراب.
وإذ رأيت ملامحها تكتسي بالحزن سألتها:
ـ هل قُتل لك أحد في تلك الحرب؟
ـ كلا.. ألم أقل لك أنني مقطوعة من شجرة؟ ولكن تريدين الحق، كل واحد مات في الحرب هو بمثابة ابني أو أخي.. كانت حرباً لا داعي لها من الأساس.
سحبت نفساً عميقاً وقالت:
ـ أنا لا أفهم في السياسة ولكنني أعرف أن الكويت دولة عربية مسلمة، وكان رئيسنا يكرر دوماً بأن العرب أخوة، فكيف يغزوهم؟ لقد(قشمرنا) وأدخلنا حرباً أحرقت اليابس والأخضر، ألم تكفه ثمانية أعوام من الحرب مع إيران؟
ولمّا طال سكوتي ولم أجب على أسئلتها قالت:
ـ ها سيدتي.. ماذا تقولين؟
قلت منزعجة:
ـ جمار، أنا لا أحب الخوض بالسياسة.
استغربتُ ضحكتها الطويلة فسألتها:
ـ هل قلن شيئاً مضحكاً؟
قالت وهي تمسح دموعاً طفرت من عينيها:
العفو.. أنا أضحك على نفسي.. هل ما قلته هو كلام في السياسة؟ يعني أقدر أصير سياسية؟
ضحكتْ ثانية، واعتذرت حينما لمحت سحابة الضيق على وجهي، واكتفت بالقول:
ـ الله يستر من(الجاياّت).
ـ هذه الحرب إذا ما وقعت فإنها تختلف يا جمار، يعني كل الذي راح كوم، وهذه كوم.
ـ الشر برة وبعيد.. يا رب افرجها علينا.
عند هذا الحد اختفت رغبتي بسماع الأخبار، وقررت أن أبدأ بقراءة(ابنة الحظ) فقد طال انتظارها لي.
**

هربت إلزا سوميرز من بيت العائلة الى مصير مجهول، بحثاً عن حبيبها(خواكين مورييتا) الذي كان يعيش مع أمه في بيت بائس ويحلم بحياة تنقله من الفقر الى حياة الناس المحترمين، في وقت ذهب فيه الآلاف مثله الى كالفورنيا بعد اكتشاف الذهب، ولم يكن هذا الحبيب على مستوى الحب الذي جمعه بإلزا التي ترك في أحشائها ثمرة العلاقة، لكن إلزا تقرر المغامرة في رحلة طويلة وخطرة عبر المحيط، من ميناء الى آخر، ومن مدينة الى مدينة، محشورة داخل عنبر السفينة لئلا يتعرّف عليها أحد، عاشت الوحدة والخوف وأحست بأنها مدفونة بين روائح السمك ومحتويات الطرود والصناديق، في رحلة ستطول أكثر من الحد المعقول، هذا ما أخبرها به الحكيم الصيني(تاوتشين) الذي عثر عليها في مخبئها، وكان يعمل في السفينة قبل أن يصبح صديقاً لها وعوناً على ما سيواجهها من متاعب، وفي ذلك العنبر أجهضت إلزا بعد معاناة مع المرض، وغرقت في هذيان الحمى، ولأن تاوتشين ورث عن عائلته معرفة التداوي بالأعشاب فقد قدّم لها ما بوسعه ليعيد إليها الحياة التي كادت أن تفر منها، وستعرف إلزا قيمة ما فعله بعد وقت طويل، لتثمر تلك المعرفة علاقة تدوم حتى نهاية العمر.
أما حبيبها فقد ضاع مثل إبرة في قش، وصارت تدرك أن كل ما تقوم به للوصول إليه مجرد عبث، ولكنها مع ذلك تستمر في البحث بعناد غريب، تبحث دون كلل عن رجل أصبح فيما بعد أسطورة، وكتب عنه الشاعر بابلو نيرودا مسرحيته المعروفة(تألق خواكين مورييتا ومصرعه) لكن قبل ذلك بسنوات طويلة ستكتشف إلزا أن حبيبها مطلوب للعدالة لأنه ليس أكثر من قاطع طريق.
بين هروب إلزا ورحلتها الطويلة ومصرع خواكين مورييتا ثمة مغامرات وحكايات لا تعد ومصاعب لا تحصى، وأناس تتعرف عليهم من كل صنف ولون، وقصص حب زائفة، وبحث محموم عن الذهب، وثمة لصوص وبائعات هوى وأمراض تفتك بالكثيرين، عربات وخيول ومتاجر مرتجلة وضوضاء وشجارات، معاول تدك الصخر ورصاص طائش لا تدري من أين ينطلق.. كل شيء يباع وكل شيء تحت الطلب في جميع المدن التي مرت بها إلزا، وفي كل بلدة يصل إليها الناس يمارس الحكيم تاوتشين مهنة الطبابة، تساعده إلزا التي استعادت عافيتها وتخلصت من خوفها، فهو يعالج الملدوغين بالأفاعي والمصابين بالكوليرا، لقد جاء هؤلاء بوهم الثراء بعد اكتشاف الذهب، ساحبين معهم أطفالهم الجائعين وزوجاتهم البائسات.
عن تلك الحياة المرتبكة القلقة تدور أحداث رواية(ابنة الحظ) لإيزابيل الليندي، شخصيات كثيرة وعالم شائك وجدتني أسير فيه على خطى إلزا سوميرز لعلني أصل يوماً الى بر الأمان في العثور على(رجلي) الذي لا أعرف حتى الآن من يكون بالضبط؟ هل هو جلاد أم ضحية، وأنا أبغض الاثنين معاً، لكنني خلقت من وهمي رجلاً لا تنطبق عليه مواصفات الجلاد ولا
الضحية.
حين وصلت الى نهاية الرواية، بعد هذه الرحلة الشائكة والمتعبة، أحسست بالإرهاق ورحت أسحب أنفاسي بعمق كما لو أنني تلك العاشقة التي خاضت المغامرة، لقد استغرقتني(ابنة الحظ) ليلتين وعدداً من ساعات النهار.. كانت منقذتي من وحدتي، آخذة بيدي لأعبر المحيطات وأقارع أشباح الليل وأقف مع إلزا في آخر السطور وهي تنظر الى الرأس المقطوع، رأس حبيبها، لتقول العبارة الأخيرة(إنني الآن حرة).
أكان عليها أن تقوم بتلك الرحلة الطويلة، وتمر بتلك العذابات حتى تصل الى ما وصلت إليه؟ هل كانت محظوظة لأنها تخلصت من قاطع طريق؟ أم لأنها أدركت بعد رحلتها المضنية أن الحظ يكمن في مكان آخر ورجل على شاكلة الحكيم تاوتشين؟
**

جاءت مثل غيمة داكنة ثقيلة الوطأة، بأصوات مرعبة نافرة وبشعر منكوش، مثل السعلوة التي تتحدث عنها الأساطير، بشعة مخيفة قاهرة، تخطف الأرواح بمخالب شرسة وعيون تقدح شرراً.. جاءت تلك التي تروّع القلوب، وتفزع النفوس، وتفجع الأمهات والآباء، وتهدد بالويل والفناء، جاءت تضخ سمومها وغيظها وغيومها الملبدة بالشياطين.. اندفعت هوجاء، عبثية، مجنونة.
جاءت الحرب الثالثة، غطت سماء ما بين النارين، وسحبت مني آخر خيط للأمل الذي لا أحمل منه سوى الاسم.. الفضائيات اشتعلت وتسابقت ، أيها تضخ أكبر كمية من أخبار النار على شاشاتها المتوهجة حتى قبل أن تتأكد منها.
جمّار ترفع رأسها للسماء وتكرر: اللهم اجعلها برداً وسلاماً على العراقيين، اللهم احفظنا من رجس الشياطين واحفظ الأبناء للأمهات الصابرات، وارحمنا يا أرحم الراحمين.
وأنا لا أجد كلمات أرتكن إليها، أهرب الى النافذة وأتطلع الى سماء عمّان الصافية، أعود للتلفزيون وأرى سماء العراق المدلهمة.. القنوات لا تكف عن تأكيد أن هذه الحرب لا تشبه سابقاتها.. أرتجف وتصطك أسناني، أتساءل: كم ستدوم، كم ستقتل، كم ستهدم، وما هي المسافة التي سنهبط إليها حتى يمكننا العودة الى ركب العالم؟
أكاد أختنق من دخانها الذي يملأ الشاشة وأحترق بنيرانها، أسحب أنفاسي بمشقة وأنفث زفيري
بألم متخثر، أستنجد بكل المقامات والمزارات والأضرحة والتكيات التي زارتها أمي، لعل واحدة منها تدرأ البلاء أو تخففه.
لاحظت جمار ارتعاشي فهرعت الى الغرفة وجاءت ببطانية، قرّبت الصوبة ناحيتي فقلت:
ـ لا أشعر بالبرد.
ـ لكنك ترتجفين.
أرتجف مما أرى.
أسرعت وأعدّت مغلي البابونج.
ـ اشربي.. إنه مهدىء.
نقلت الصوبة الى الغرفة وعدّلت الفراش من حولي، مسّدت جبيني ثم تمددت الى جانبي واحتضنتني مثلما كانت أمي تفعل حين تعتل صحتي.. حنانها سرّب الى جسدي دفئاً افتقدته منذ زمن بعيد، وشعرت برغبة عارمة للبكاء، لكنني لم أبك، إذ لم أتعوّد أو أعوّد نفسي على البكاء.. على ماذا أريد البكاء بالتحديد؟
سؤال دفنته لحظة ولادته لكي لا أنكأ جرحاً غائراً غافلني وسكن تحت الضلوع، أو بالأحرى أنا التي غافلته وهربت من تقيّحه.. ربما حين يغادرني كبريائي الزائف سأتصالح مع نفسي وأترك لها عنان التعبير بالدمع.. أو بالندم.. أو بكليهما.
**

امتص جسدي الصدمة خلال اليومين الأولين للحرب، وفي اليوم الثالث لم أعد أرتجف.. وجدتني أهرع الى الأوراق وأسجل عناوين المحرقة الجديدة:
× قصف بدالة الكاظمية.
× مقتل 15 من عائلة واحدة في الحلة.
× الصليب الأحمر يصف المعارك بأنها مرعبة.
× في(أم قصر) تدور معارك ضارية.
× البصرة تقرأ الفاتحة على خمسين من أبنائها.
× البنتاغون يؤكد استسلام الفرقة 15 والعراق ينفي الخبر.
× تظاهرات صاخبة في العواصم العربية.
× عمليات إنزال لجنود أمريكيين على الحدود.
أية حدود؟
أقصد من أية جهة؟ فلقد صخب رأسي وغطى على صوت المذيع.. أحاول تهدئة الارتعاش الذي عاودني للحظات.. جمار تتابع بصمت وتربت على كتفي.
× قوات تركية تدخل الحدود العراقية من الشمال.. تركيا تكذّب الخبر.
أخبار متلاحقة، تؤكد وتنفي، أخبار متضاربة عن سير المعارك طيلة ساعات الليل والنهار.. أيها أصدّق؟
جمار تكسر صمتي بمحاولة استدراجي لمعرفة رأيي فيما يحدث دون أن توجّه لي السؤال:
ـ سوّاها.. كلها منه.
لا أرد.. تعاود المحاولة:
ـ راسه ناشف.. لا يسمع غير الصوت اللي براسه.
أواصل التقوقع داخل صدفة الصمت فتلتفت نحوي:
ـ ماذا سنفعل؟ سيدتي ماذا سنفعل؟
أحرك شفتي دون النظر إليها:
ـ تقصدين أنا وأنت؟
ـ لا.. أقصد نحن العراقيين.
ولكي أسكتها قلت:
ـ هل أنا خبيرة يا جمار؟ الله يساعد من هم تحت القصف.
صار الوقت، كل الوقت، من حصة القنوات الفضائية، يوم في إثر يوم.. النوم جافاني، وإذا ما زارني لماماً بدا مضطرباً، الكوابيس أخذت حصتها من أعصابي.. أدوّن عناوين الأخبار وأسقط عنها التفاصيل.. التفاصيل مثل السموم تخرج من بين شفاه المراسلين وتمضي الى دمي فتعبث في كرياته البيض.
**

في اليوم الرابع:
× العراق يحذر تركيا من التوغل في الشمال.
× انفجارات في الموصل.
× انقطاع الكهرباء عن مدينة البصرة.
× بغداد تشتعل بالقصف الجوي.
× غارة على القصر الرئاسي في بغداد.
× قصف جوي على كركوك.
× التلفزيون العراقي يعرض أسرى وقتلى التحالف.
× قصف فندق ومتحف تكريت والقصر الرئاسي فيها.
× عملية بحث ومطاردة لطيارين قيل إنهما نزلا بمظلتين قرب نهر دجلة في الكرادة.
× عملية البحث شارك فيها مواطنون وشرطة نهرية ورجال أمن.. تبيّن بعد ساعات من البحث عدم صحة الخبر.
× معارك الناصرية هي الأعنف والأكثر ضراوة.
صارت جمار تثير أعصابي بأسئلتها وبحركتها التي لا تهدأ:
ـ أين الرئيس مما يجري؟..لماذا لا يخرج الى الناس؟
ولما لم تجد إجابة، ردّت:
ـ الله أعلم في أي ملجأ.. لعب بينا(جولة).. الله يستر من تاليها.
ثرثرتها لا تكف، بينما أنا أبحث عن شيء ضاع مني لا أعرف ما هو.. شيء حوّل أحلامي الى كومة رماد.. تركت جمار تتابع الخراب، وانزويت في غرفتي.. شعرت بما يشبه السكين يخترق أحشائي.. وسمعت صوت أمي يكرر:
ـ العسكريون إما جلادون وإما ضحايا.
من هو جبار بالضبط؟ أتراني كنت أعيش مع جلاد أم مع ضحية؟ أي وجه يحمل؟ إذا كان جلاداً فمن هي ضحيته؟ وإذا كان ضحية من يكون جلاده؟ من هو تحديداً في هذه الحرب؟ هل تراه يحمل السلاح ويدافع عن بلده الذي غزته الجيوش الأجنبية، أم يدافع عن رئيسه؟ أم يفكر بالمزيد من النياشين والأنواط ليضيفها الى رف جديد؟ هل يوجه جنوده ويحرضهم على القتال بعد أن يتقدمهم، أم يدفع بهم الى النار ويبقى بعيداً عن المواجهة؟ وإذا ضاقت عليه الدائرة كيف سيتصرف وأين سيختبىء؟ هل ينفذ حكم الإعدام بمن يتقاعسون، أم يتلمس لهم العذر ويعفو عنهم؟ أم تراه سيتقاعس قبلهم؟
لم أجد لهذه التساؤلات أية إجابة، لكنني أرجح، رجحاناً يقترب من اليقين، أن جبار لم يكن جلاداً.. لم ألمس منه ما يجعلني أضعه في خانة الجلادين، لا يبدو لي كذلك، برغم أنه جاف وحاد الطبع، وهذه بعض من صفات العسكريين بسبب مسؤلياتهم الجسيمة.. وكنت أبرر كل تصرف لا يرضيني على أنني مازلت صغيرة وهو الرجل الذي خبر الحياة.. كنت أكتفي بالعيش الرغيد تحت ظله، مأكل وملبس ومجوهرات وشغالة تلبي الطلبات، في حين كنت مع أمي أحمل وزر عذاباتها كأنني المسؤولة عنها وعن فقدان أبي، حتى جعلتني ربما دون قصد منها أشعر أنني فأل سيء عليها، إذ ما إن حملت بي حتى غاب أبي غيبته الكبرى.
لقد تحمّلتُ الكثير وكرهت روائح الفقر الذي تفوح منه أيضاً روائح الأمراض والبرك الآسنة وبراز الحيوانات ورطوبة الحيطان المشققة حيث تنزوي فيها العقارب والأفاعي وباقي الحشرات.. مللت ذكريات أمي ونجوت بنفسي من سياط لسانها المجبول على المرارات، وشكّلت عالمي الخاص المدروز بالأحلام والقراءات والموسيقى، فلماذا ترمي إليّ صوتها من العالم الآخر لتشكك في خياراتي وتغلق عليّ الأبواب وتتركني لحيرة الأسئلة؟ لماذا تُدخلني مدخلاً كابوسياً تقهقه فيه وتتشفى؟
يبدو أنني كنت أصرخ، خرجت من كابوس ورحت أقاوم الأشباح بصوت عال.. جاءت جمار مسرعة وهي تتعوّذ من شر الشيطان.. أمسكت برأسي وقرأت سورة الفلق.. كانت وقتها في الصالة تتابع مجريات الحرب.. سألتها:
ـ ما هي آخر الأخبار؟
ـ أطفأتُ التلفزيون.. نامي الآن.. سيعيدون الأخبار ويزيدون عليها.. لابد أن ترتاحي.. سأخرج وأشتري حمّص بطحينة.
رتبت الفراش من حولي وخرجت من الغرفة، فيما رحت أنظر الى السقف، الى نقطة هلامية فيه لا تعني شيئاً، أرسم خرائط بيوت لا أدري أين هي من أرض الواقع، وأرى وجوهاً بلا ملامح، وأجساداً تحترق، أكاد أشم رائحة احتراق اللحم وهسهسة العظام.
من أين تأتي الراحة، وأنا على هذه المسافة البعيدة في أرض لا يعرفني أهلها ولا أعرف ماذا سيحل بي؟ والبلد يحترق، كل شيء فيه يحترق، السماء والفضاء والأرض، الثكنات العسكرية والبيوت ومؤسسات الدولة وتجمعات الناس والجسور ومخازن الأغذية والمستشفيات والبساتين والمدارس.
أزيح الأغطية وأهرع للتلفزيون.. أصابعي ترتعش وأنا أتنقل بين القنوات.. أدوّن ما حدث، والحرب تدخل يومها الخامس.
× قوات التحالف تصرّح بأن معارك الناصرية هي الأعنف حتى الآن.
× العراق يعلن سقوط طائرة أباتشي.
× البصرة تغرق في ظلام دامس والقصف مستمر.
× انفجارات جديدة تهز الموصل.
× ثلاثون عراقياً يسقطون قتلى في بابل والجرحى بالعشرات.
× قصف شديد على جمجمال شمالاً.
× المراسلون يصفون القصف على بغداد بأنه الأكثر عنفاً منذ اندلاع الحرب.
وبين هذا الخبر وذاك ثمة جثث تعرضها الشاشات، وصور عن الدمار الذي لحق بالمؤسسات الحكومية وبيوت الناس.. وعلى شاشة خيالي أرى بيتي تلتهمه النيران.. النار تأتي على الأرائك واللوحات والخزائن والملابس والستائر وأشجار الحديقة وحتى الثيّل، لا أرى من ينقذه، كابينة الحرس خالية من حراسها، والشارع على طوله وعرضه فارغ إلا من حفر القنابل والدخان وأنقاض البيوت الخالية من سكانها.. فرّ الناس كما في الحروب السابقة، الفقراء وحدهم بقوا في بيوتهم المتواضعة أو أكواخهم البائسة، رافعين مقولة " أينما تولوا فثمة موت " والكل يردد مثل جمار: الله يستر... ولا ساتر لهم يعصمهم من(أم الكوارث).
تدخل جمار حاملة طبقين حمص بطحينة وفول مدمس، تضعهما على المائدة، تنزع عباءتها وتقول:
ـ الثلج يسقط.
وقبل أن تمضي الى المطبخ ترجوني أن تطفىء التلفزيون:
ـ بعدين؟ إنت تعبانة.
وحين تعود تدعوني للطعام على المائدة نفسها.
ها نحن متساويتان، للمرة الأولى تضع الطعام بيننا وتجلس قبالتي لنأكل من الصحنين، جمار تفتح ثقباً في الجدار الوهمي وتمد يدها قبلي.. لا يجدر بها أن تفعل ذلك بهذه السرعة.. هل ستفعلها عندما نعود الى بغداد؟ نظرتها تقول مادمنا شركاء في الوطن، وكارثة الوطن تحل على الأغنياء والفقراء، فلماذا لا نأكل على مائدة واحدة؟ لم يبق بين جمار وبيني سوى كلمة(سيدتي) التي صارت تقولها على عجل، وتنساها أحياناً، كما لو أنها تنبؤني بأن الجدار العازل سينهدم عما قريب.
أشرب الشاي على مهل وأتذكر رواية قرأتها في بغداد بعنوان(شعب يوليو) للكاتبة نادين غورديمر.. فالسيد (بام) وزوجته اضطرا للهرب عقب ثورة الزنوج في جنوب إفريقيا، مستعينين بالخادم(يوليو) الذي قضى في خدمتهما عدة سنوات، فيصبح هو المرشد والدليل لهما لأنه يعرف الطريق جيداً.. يقود عربتهم في هروب محفوف بالمخاطر ليخبأهما في كوخه.. ومن هناك تبدأ الظروف بالتغير لصالحه، حيث يمسك يوليو بزمام الأمور، وبعد أن كان يحافظ على المسافة المتعارف عليها بينه وبين سيده، تتغير معاملته، وتأخذ العلاقة شكلاً آخر، وتبعاً لذلك يُضطر السيد الى تغيير سلوكه ليناسب الظروف العصيبة التي يعيشها.
ربما أردت وأنا في بغداد أن ألعب تلك اللعبة بالمزيد من الأوامر التي كانت جمار تمتثل لها بخضوع تام، فأشعر بسيادتي عليها، دون أن أعلم بأن الدنيا مثل دولاب الهواء، ترفعك من الأسفل وتضعك في أعلى القمم، ثم لا تلبث أن تطيح بك حيث يصعد من كان في الأسفل.
ـ ما بك سيدتي؟
أنتبه لجمار، وأقول في داخلي: الحمد لله، مازلت سيدتها.. وأقول لها:
ـ رأسي يؤلمني.
ـ كُلي واشربي وستتحسنين، ماذا نفعل؟ نحن متعودون على الحروب.
ـ أشعر بألم في معدتي أيضاً.
ـ لأنها خاوية، ولأن الأخبار سيئة، الله يستر على الناس الهناك، إنهم بلا حماية.
تمر فترة صمت قصيرة تكسرها جمار بالسؤال:
ـ أين الجيش سيدتي؟
ـ بالتأكيد يقاتل.
ولكن الصور بالتلفزيون تخلو منه.
ـ هذا أمر طبيعي، هل تريدين أن يظهر أمام الكاميرات بينما الطائرات تزخ عليه الحمم؟
ـ والرئيس، هل تظنين...
أقاطعها:
افتحي التلفزيون.
تكرع بقية الشاي وتنهض لتفتح التلفزيون.
يصدمني تصريح وزير التجارة( إننا لا نحتاج الى غذاء ولا دواء، نحن بلد غني ولدينا مخزون يكفي لستة أشهر قادمة، لذلك لا نحتاج الى مساعدة)
تنبري جمار للقول وعيناها تحدقان بالشاشة:
ـ ستة أشهر؟ هل تريد أن تستمر الحرب ستة أشهر؟ الله يلعنك.
تلتفت إليّ كمن يبحث عن إجابة فأقول:
ـ لا غرابة في ذلك.. ألم تستمر الحرب بيننا وبين إيران ثمانية أعوام؟ أم أن ذاكرتك أصابها العطب؟
تصمت جمار بينما الحرب تتكلم:
× الطائرات الأمريكية تعلّق طلعاتها بسبب رداءة الجو بعد قصف مكثف وسريع على بغداد.
تبدأ الصورة على الشاشة بالاختفاء، تسأل جمار: ما الذي حدث؟
انتقل من قناة الى أخرى، تختفي الصورة كلياً من الشاشات جميعها .. أرد:
ـ يبدو أن الثلج غطى صحن التلفزيون.
أضغط على زر الإغلاق وأقول:
ـ سوف أرتاح في الفراش.
تسبقني جمار وتعدّل الأغطية ثم تدثرني بها:
ـ ارتاحي سيدتي، لا تفكري بشيء، الله يحلها، الله الستار.
تخرج.. أشعر ببرودة أصابع قدمي وبوجع خفيف في ظهري، أغمض عيني فتهطل عليّ صور من الماضي البعيد والقريب والأقرب، تتداخل وتصطرع، كل صورة تزيح الثانية لتتصدر المشهد، ثم لا تلبث أخرى أن تحل محلها، ورابعة تكنس الجميع وتنطفىء.. شاشة كبيرة للفيلم الذي يدور في رأسي، لا ثلج عمّان يوقفها عن البث ولا نزيف الحيرة والشعور بالضياع يتوقف في قلبي، إنها تتدفق مثل سيل جارف فتجرف طمأنينتي أو ما تبقى منها، تجيء أمي من أبديتها، تلملم أغراضها وتستعجلني:
ـ بسرعة.. الجيش الشعبي عند الباب.
ـ ماذا يريد؟
ـ يحث الناس على الخروج لكي لا تتهدم البيوت على رؤوسنا.
ـ والله فيه الخير.
ـ ليس هذا وقت سخرية.. بسرعة يا ابنتي.
ـ أين سنذهب؟
ـ الى الملجأ.
تُنزل صورة أبي وتدسها بين الأغراض.. أحمل كتبي وأقترب منها:
ـ هل تحتاجين مساعدة؟
تنظر باستغراب وتقول:
ـ كتب؟ تخافين على الكتب ولا تخافين على نفسك؟
أود أن أقول لها: ولماذا تخشين على الصورة؟ لكنني أتراجع وأكظم غيظي:
ـ نعم يا أمي، أخاف على الكتب.
ترد بامتعاض:
ـ ولله في خلقه شؤون.
لا أعلق، أمضي خلفها مسرعة وأرى الناس تهرع باتجاه واحد حيث يشير رجال الجيش الشعبي الى الملجأ..أطفال يبكون، نساء يصرخن أو يولولن، شابة تحمل كلباً صغيراً ينبح بلا توقف.. أقول لأمي ونحن مسرعتين:
ـ ها.. الكتب أحسن أم الكلب؟
ترد بعصبية:
ـ الكلب طبعاً، إنه روح مثلنا، إذا لم تهتز مشاعرك للحيوان لن تكوني رحيمة بالإنسان.
المسافة الى الملجأ بدت بعيدة جداً على الرغم من أنه لا يبعد كثيراً في الأيام الاعتيادية، تهتز الأرض من تحتنا بينما تمور صفحة السماء بهدير طائرات لا نراها.. عشرات المفزوعين يتزاحمون على باب الملجأ، أسمع أحدهم يقول:
ـ سيكون قبراً جماعياً نموت تحت أنقاضه.
يرد صوت آخر بعصبية:
ـ وهل نحن أحياء؟
دوي انفجارات ليس ببعيد، صراخ ودعوات، بكاء وعويل، مكبرات صوت تمجّد المعارك، امرأة تصرخ:
ـ إنه يوم الحشر.
أمي تحشرني في زاوية النساء خوفاً من ملامسة أحدهم.
المشهد الثاني.
طوابير طويلة حيث لا ماء ولا خبز ولا نفط.. الأسواق خاوية، والأغذية اختفت، والدكاكين مغلقة.. صار البحث عن كسرة خبز يُعد ترفاً ما بعده ترف، لأن المهم هو أن تحشر نفسك في أي مكان لا تصله الصواريخ.. وليس غريباً أن ترى رجلاً يبحث في قمامة بقيت في حاوية الأزبال منذ أيام خلت لعله يجد ما يُديم الرمق، تقفز قطة تزاحمه وتموء بصوت مشروخ، وقد تخربش يديه إذا سبقها على قطعة خبز يابسة أو عظمة تعفّن عليها قليل من اللحم.
المشهد الثالث.. في الملجأ.
أمي تبدأ الحوار مع جارتنا أم عدنان:
ـ ماذا نفعل بالطحين الأسود الذي وزعوه علينا.
ـ أسود مثل أيامنا، لا ندري ماذا طحنوا مع الحنطة.
ـ أظنه نوى التمر أو أخشاباً محروقة أو أي شيء يملأ معدة الناس.
ـ قولي معدة الفقراء، فالأغنياء لهم حصصهم من الخبز الأبيض.
ـ هذا صحيح، ولكن ماذا نفعل ولمن نشتكي؟
ظهرت فطومة في المشهد والتقطت الحديث:
ـ والله لو نموت بصاروخ ونخلص أحسن من هذه العيشة.
كان وجود فطومة غريباً في الزقاق، إذ لاحظت النساء ذات يوم هذه المرأة تخرج حاملة صرة على رأسها، تمر دون أن تلقي السلام عليهن، بل لا تعيرهن انتباهاً كأنها في عالم آخر، لا تسمع ولا ترى غير ما يدور في رأسها.. امرأة نحيفة داكنة البشرة رثة الثياب، يمكن وصفها بأنها خلطة من أحزان معتقة.. ذات عصرية كانت عائدة الى البيت الذي سكنته مؤخراً في نهاية الزقاق.. نادت عليها أم عدنان:
ـ أيتها المرأة.. السلام لله.
اقتربت من مجلس النساء واعتذرت، دعتها أم عدنان للجلوس، أنزلت صرتها واعتذرت ثانية ثم قالت:
ـ أنا على باب الله.
سألتها أمي:
ـ ماذا في صرتك؟
فردت الصرة ونشرت محتوياتها: علب بودرة، سجائر، خيوط تطريز، سبداج، شفرات حلاقة، صبغات شعر، وأقلام جافة.. عرّفت بنفسها:
ـ اسمي فطومة.
صبّت لها أمي الشاي فلهج فمها بالشكر والامتنان.. ثم استأذنت متعللة بالتعب.
كان واضحاً أنها امرأة مسكينة، ولم تجرؤ أية واحدة من النساء لسؤالها عن خصوصياتها، كما أنها في تلك الفترة لم تُحسب على نساء العتبات، بل صارت واحدة منهن حين جمعهن الملجأ بعد عدة شهور من تناولها الشاي.. وحين فضلت الموت بصاروخ للخلاص من الحياة سألتها أمي:
ـ هل لديك أولاد؟
بلعت فطومة ريقها الناشف وسردت حكايتها:
ـ كان لي ولدان، ربيتهما بدموع العين بعد وفاة زوجي، قُتل الأول في معارك شرق البصرة في السنة الأولى للحرب مع ايران، فكرّموني وأطلقوا عليّ لقب(أم الشهيد) وفي السنة الأخيرة من تلك الحرب رفض ولدي الثاني الانضمام للجيش الشعبي، كان قد أنهى قبل شهرين خدمته العسكرية وأراد إكمال دراسته.. وذات يوم داهم بيتنا رجلان من الأمن مع مسؤول من الجيش الشعبي في المنطقة واعتقلوه مع عدد من الشبان بتهمة التخاذل.. اختفى أثره لأكثر من شهر حتى أخبروني بأنه أعدم وعليّ استلام الجثة.. قال لي ضابط من جهاز الأمن وهو يرفع بطانية عن ثلاث جثث في غرفة فارغة من كل شيء:
ـ من هو ولدك؟
أحسست أن النار تأكل قلبي وأنا أرى ولدي، نظرت الى عينيه المفتوحتين وأشرت، وقبل أن اصرخ قال الضابط:
ـ وقّعي على الاستلام وخذيه بسرعة.. خونة.
صرخت به:
لقد مات ابني البكر في الحرب وأنا أم الشهيد.
ردّ بعصبية:
والآن أنت أم الخائن، هيا، لا أريد هذه الزبالة.
تزفر فطومة بآهة طويلة ثم تواصل:
ـ عندها لم أع ما فعلت، اندفعت إليه وغرزت أظفاري في وجهه ورحت أصرخ: أنت الزبالة وابن الزبالة.. بعدها سقطت وغبت عن الوعي، وعندما أفقت في أحد المستشفيات أمروني بالخروج.. لا أعلم أين أخذوا جثة ولدي، ولم أبق في بيتي سوى يوم واحد، في اليوم التالي هوى البيت أمام عيني خلال دقائق، أخذت الجرافة معها كل شيء حتى الذكريات، وكان الجيران ينظرون مثلي بعيون جامدة، وربما دفنوا في صدورهم غصة وغضباً، لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء أمام(الرفاق) المسلحين الذين يرصدون ملامح الوجوه.. وتنقلت من مكان الى آخر بين الأقارب والمعارف، حتى وجدت خرابة تشاركني فيها الصراصير والجرذان، ماذا أفعل؟
تتنهد أم عدنان وتقول:
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.. كم كنتُ أتضايق حين تمرين ولا تلقين السلام.
ترد المرأة:
ـ لا أدري لماذا لم يقتلني الحزن بعدهما.
تعلّق أمي:
ـ الأحزان لا تقتل، إنها تحفر في الروح وتقضمها على مهل، لو كان أبو أمل قد قُتل لاسترحت، أما أن يكون مفقوداً منذ بداية حرب إيران وحتى الآن فهذا بالنسبة لي أكثر من موت.
تقول أم عدنان:
ـ من أين جاءت كل هذه المصائب وسقطت على رؤوسنا؟
ترد فطومة:
ـ كلنا نعرف من أين جاءت، لكننا نريد الحفاظ على ألسنتنا من البتر.
يعم الصمت، يتلوه خوف شديد، فقد اهتزّت جدران الملجأ بقوة.
واختفت الصورة كلها من شاشة رأسي.
**

الشاي بيني وبين جمار برد، ولم نمد له أيدينا، عيوننا معلقة بشاشات لا رادع لها، أنفاسنا تلهث مع تلاحق الصور، أفرك أصابعي في محاولة لتخفيف التوتر، صور لناس يركضون باتجاهات مختلفة، فرق إنقاذ يستعصي عليها إنقاذ أحد، يحفرون بالمعاول والفؤوس.. جمار تسرع نحو النافذة، ترفع رأسها الى السماء داعية الله أن يطفىء نار الحرب، تروح وتجيء، أقول لها: إن الله في كل مكان فلماذا تعتقدين أنه وراء النافذة فقط؟ يطل المذيع ويقرأ، أدوّن أهم ما يحدث في اليوم السابع للحرب:
× توقف الزحف على بغداد بسبب رمال الصحراء التي شلّت حركة الدبابات، وعاصفة رملية غطت السماء.
تنظر جمار إليّ، كما لو أنها تريد القول إن دعوتها استُجيبت، أتمنى لو أن العاصفة تستمر أطول وقت ممكن لتخفف المأساة.
يواصل المذيع:
× سقوط طائرة هلكوبتر في البصرة.
× مجلس الأمن يجتمع في جو متوتر.
× بلير يدعو العراقيين للثقة بالقوات الأمريكية لأنها سوف لا تخذلهم كما فعلت في العام 1991.
جمار تهز يدها استخفافاً وتهم بالتعليق، أوقفها بحركة من يدي.
× الموصل تتناهبها الغارات وتنهش ربيع أيامها.
تعاود جمار حركتها المقلقة، تروح وتجيء، فأصيح بها:
ـ دوّختني حركتك، من يراك يظن أنك تركت ثروة في بغداد.
تغرز نظراتها في عيني وتقول:
ـ نعم.. تركت ثروة هناك.
أسخر منها:
ـ كم تبلغ؟
تغيظني بالقول:
ـ لا يمكنك تقديرها.
أرد بحنق على الطريقة التي تكلمني بها:
ـ تقصدين السلال والحصران؟
تبلع ريقها وتقول:
ـ أكثر من هذا بكثير.
أواصل سخريتي:
ـ في أي بنك؟
تلسعني كلماتها وتلجمني:
ـ في بنك الروح.
إنها تحفر عميقاً، تنبش دون أن تدري ماضياً دفنتُهُ في قبر مهجور، كنت أظن أن من الصعب الاستدلال عليه، أرى جثتي هناك تتعفن ويتكالب النمل عليها، أحاول طرد جيوش النمل بيدين عاجزتين عن الحركة، جثة لا روح فيها، يُخرجني بكاء جمار من ذلك القبر، أشعر بأنني قسوت عليها، أحاول أن أربت على كتفها، ولكنني أتراجع، لا أريد أن أبدو ضعيفة أمامها، كان عليها أن لا تستفزني.. أقول لها:
ـ وفّري دموعك فأيام سود كثيرة بانتظارنا، أفضّل أن تنامي لترتاحي.
ـ أنام؟ كيف أنام؟
ـ إذن أنا التي سأنام.
تركتها ومضيت الى فراشي، أعرف أن النوم أبعد ما يكون في هذا الوقت، إلا أنني أردت الهروب من أحزان جمار وعذابات الأخبار ولو الى حين.
لكن(الحين) رماني الى جمار ثانية، وجعلني أتساءل عن الروح التي تحملها برغم فقر الحال الذي هي عليه، وعن الروح التي تسكن جسدي، من أي نبع صاف خرجت روحها؟ ومن أي بركة آسنة جاءت روحي؟ هل كانت تدرك الكلام الذي قالته أم أنه جاء عفو الخاطر، أو على طريقة " خذ الحكمة من رأس المجنون "؟ لكن جمار ليست مجنونة، أنا التي أكاد أجن من رتابة أيامي وانتظارات تطول الى أمد غير محدد، وحرب لا تُعرف غاياتها الحقيقية، ورجل كان سندي ولا أدري الآن من يسنده، ووطن لا أعرف كيف أعرّفه أو مقدار ما يمثل لي.
لماذا تخاف جمار على الوطن وهو الذي لم يعطها الكثير، ولا القليل أيضاً؟
من أين تأتي القناعة فتكتفي بالأقل وتعتبر عملها خادمة في القصر نعمة كبيرة؟
ما هو الوطن تحديداً.
أليست الأوطان هي(من تحملك لا من تحمّلك)؟ وهي التي تمنح الأمان لا من تسرقه من بين الضلوع؟ من تجعلنا نحب ونعرف طعم الحب، لا من تضيّق علينا مجرى الهواء؟ هي من توجّه بوصلة الحياة صوب مرافىء السلام لا من تغرقنا في بحار الهموم؟
كيف إذن يضيق الوطن حتى يصبح قبراً، أو سجناً، أو محرقة، أو مطاردة، أو ضياعاً.. أو كل ذلك؟
تكبر الأسئلة في رأسي وتتورّم فأهرب منها، وأعود الى الصالة.. جمار ما تزال تحدق الى الشاشة وتفرك أصابع يديها بحركات قلقة.. أسمع المذيع:
× بعد هدوء العاصفة، الطائرات الأمريكية تواصل غاراتها شرق ووسط بغداد، والقصف يطال التلفزيون العراقي.
× معارك طاحنة في كربلاء والنجف.
× قوات التحالف في البصرة تتقدم وتصل مشارف(أم قصر).
ألاحظ صمت جمار وشرود ذهنها، أهز كتفيها فتنتبه:
ـ ها.. بماذا تفكرين؟
ـ بأحوال أهلنا الهناك.
ـ هذا قدر يا جمار.
ـ الله يقول " ولا تلقوا بأنفسكم الى التهلكة " لماذا يدخل الكويت ويجر شعبه للتهلكة؟
ـ حرب الكويت انتهت منذ سنين، هذه حرب أخرى، ماذا جرى لك؟
ـ أعرف يا ست أمل، لم أفقد ذاكرتي، ولكن هذه الحرب هي نتيجة للحرب التي سبقتها، إنها سلسلة واحدة، حلقة متصلة بحلقة.
ـ جمار كفي عن الكلام بهذه الطريقة.
ـ أية طريقة يا ست أمل؟
ـ التي لا توصلنا الى شيء.. العالم كله مقلوب ويتابع مثلنا، لكنه بالتأكيد لا يحمل آلامنا بالدرجة التي نحملها، حتى إذا تعاطف معنا.
ـ هذا الكلام أعرفه ولكنني أقصد...
أوقفتها:
ـ صلّي من أجل العراقيين لعل الغمة تزول.
ـ هذه ليست غمة يا ست أمل.. هذه( أم المهالك) وستأكل اليابس والأخضر.
أنتبه الى أنها بدأت تستخدم كلمة(ست) بدل (سيدتي) وقد تجرّدني جمار شيئاً فشيئاً مما تبقى لي من امتياز عليها، فأصبح مجرد اسم بالنسبة لها.. ربما دون وعي منها تعيد الأشياء الى نصابها مادمت لم أعد سيدة القصر، ولم يعد من أحد يتذكر قادة الجيش الكبار الذين اختفوا من المشهد ومن المعركة كلها.
لا أدري إن كانت جمار قد انتبهت هي الأخرى لما أسقطته من كلامها وأرادت أن تعوض عنه بما هو أفضل من وجهة نظرها فسألت:
ـ ها .. ماذا يدور برأس ابنتي الجميلة؟
هل حضرت روح أمي وألقمتها الكلمة؟ هل قطعت المسافات الشاسعة لتبث شيئاً من حنانها على لسان امرأة أخرى؟ شعرت بانقباض شديد في صدري فقلت لجمار؟
ـ اغلقي التلفزيون، لم أعد أحتمل.
نهضتُ الى غرفتي وجاءت جمار في إثري بعد أن أطفأت التلفزيون، رتبت الأغطية وسحبتها، نمت على الجانب الأبعد وقلت لها بصوت ضعيف:
ـ تعالي.. تمددي الى جانبي، خذيني الى عالمك، واكملي حكايتك التي انقطعت.
انبسطت أساريرها ولم تتوان بالقفز على السرير كأنها طفلة.
ـ إيه.. أين وصلنا؟.. آ.. كانت الغرفة التي استأجرناها واسعة، لها بابان، أحدهما يطل على الممر المؤدي للحوش، والثاني ينفتح على سقيفة صغيرة، صارت من حصتي أنام فيها ليلاً.. خرج أبي في صباح اليوم التالي باحثاً عن ماجد المرهون، وبقيت أعد الساعات وأدعو الله في سري أن يعثر عليه.. كلما سمعت حركة أقدام شبّ قلبي من مكانه، كانت أمي قد انتهت من غسل الصحون حين عاد أبي، تبعته الى الغرفة وهي تقول:
ـ بشّر.. حمامة لو غراب؟
ـ حمامة.. التقيت ماجد المرهون، لم أتعرّف عليه إلا بصعوبة.. شلون صاير.. على المودة.
كان قلبي يخفق بشدة وأحاول إسكاته بالضغط عليه بكفي لئلا يطفر، قالت أمي:
ـ المهم، ماذا حدث بعد ذلك؟
رد أبي وهو يلف سيجارته:
ـ سيجد لي عملاً وبيتاً للإيجار.. كان كريماً معي، مد يده في جيبه وأخرج نقوداً ليدسها في جيبي، لكنني رفضت.
هزت أمي رأسها مؤيدة موقفه وقالت:
ـ طول عمرك نفسك أبية.
أكمل أبي:
ـ لكنني أمام إلحاحه اشترطت عليه أن يكون المبلغ ديناً أرده حين تتيسّر الأمور.
هزت أمي رأسها ثانية:
ـ تصرفك سليم.
واصل أبي الكلام:
ـ له معارف في بغداد، ضرب على صدره قائلاً: لا تهتم أبداً.. وسأل عنك وعن جمار.
استندت الى الحائط لكي لا أسقط من الفرح، وبعد يومين رأيته.. آه يا ست أمل، حين رأيته لم يعد لي قلب، كدت أموت.
صمتتْ طويلاً، كأنها تستعيد زمنها الذي غربت شمسه، ورحتُ أقارن بين بساطة أحلامها وقناعاتها وبين أحلامي المحلّقة الى فضاءات بعيدة.. عاودتْ حكايتها وأنا أستمع وأستمد الدفء من صدرها، وأشعر، ربما للمرة الأولى، بحنين جارف الى أمي.. أمي التي تحوم روحها حولي منذ عدة ليال، تأخذني الى هناك حيث أتمدد على سريري وهي تهدهدني وتقص عليّ ذكرياتها مع أبي، أو وهي تتأمل صورته المؤطرة، تكلمه كما لو أنه لم يفارقها يوماُ، أرى نفسي طفلة تتأمل مثلها في الصورة، أسألها عنه فتعدني بأنه سيعود، كنت أصدّق وعودها، حتى مللت بمرور السنين تكرار الكلام عنه، ويئستُ من عودته، بل رحت أتجاهل الصورة، ثم نسيت أنها معلقة.. ليست لي ذكريات معه فقد اختفى وكنت لما أزل بذرة في بطنها.
انتبهت لصوت جمار وهي تنتحب، لا أدري أين وصلت بحكايتها وما الذي أبكاها، عدّلت جسمي، صرت بمواجهنها:
ـ لماذا تبكين؟
مسحتْ دموعها بطرف شيلتها ونظرت إليّ مستغربة سؤالي:
ـ كل هذا ولا تريدينني أبكي؟ قلت لك بأن أمي وأبي ماتا بيوم واحد، انقلبت بهما السيارة في الطريق الى كربلاء.
ـ أعرف.. ولكن الحادث مضت عليه سنوات طوال.
ـ حتى لو مرّ العمر كله، يبقى جمر الفراق يحرقني.
ـ كفى بالله عليك.. الناس في بلادنا لا يجدون من يبكي عليهم، وقد لا يجدون حتى القبر الذي يحفظ أوصالهم.
ـ الله يستر عليهم.
قالت، وسكتت، فيما انزويت قريباً من صدرها ورحتُ أهدهدها مثلما كانت أمي تفعل معي.

**

اليوم الثامن للحرب يعلن عن أسوأ حالاته.
× البصرة تُقصف بلا هوادة ونزوح جماعي لا مثيل له.
× دبابات بريطانية تدخل الشوارع وروائح الموت في كل مكان.
× إنزال مظليين على حدود الموصل وفي مطار حرير شمال شرق أربيل.
× الصواريخ تمطر على بغداد في الأوقات جميعها، واتصالات المنصور تُدمّر.
× قوات التحالف تعلن بأنها تحكم السيطرة على مداخل البصرة بعد عدة غارات مكثفة.
وماذا بعد؟
أشعر أنني أدخل كابوساً طويلاً لا ينتهي، أقول لجمار ونحن نتابع الأخبار العاجلة للموت:
ـ هل ما نراه هوعينه ما يجري هناك أم أن ما يجري ليس أكثر من كابوس؟ هل نحن في كابوس يا جمار؟ ما حقيقة وجودنا في عمّان؟ هل قذفت بنا عاصفة قوية بعد أن شلعتنا من الجذور وجاءت بنا الى هنا؟
لا يبدو أن جمار تفهم ما أقول، صحيح أننا نتشارك بانتمائنا للعراق، لكننا نختلف في التعبير عن ذلك الانتماء، أسمع صوتها يأتي بعيداً ومنكسراً:
ـ والله يا ست أمل يا بنتي، أنا لا أعرف شيئاً عن العاصفة التي تتحدثين عنها، ما أعرفه أن حرب الكويت يسمونها(عاصفة الصحراء) وهي التي جرفت كل شيء، وبدّلت حياة الناس، وكنا نظنها الحرب الأخيرة، كانت أسبابها معروفة، فالعالم لا يقبل باحتلال الكويت.. أما هذه فلا أفهمها، هم يقولون بسبب أسلحة دمار..(هوّ) دمّرنا، بأسلحة وبدون أسلحة.. أظنهم يريدون إسقاط الرئيس.
صمتتْ للحظات، ربما كانت تنتظر أن أشاركها الحديث، لكنني لم أتفوّه بكلمة، ولما يئست مني قالت:
ـ لماذا لم يسقطوه في تلك العاصفة ويوفروا علينا كل هذه المصائب؟ لماذا خذل بوش شعبنا حين انتفض؟ وماذا يريد بوش الثاني من هذه المرة؟
كانت أسئلتها تتلاشى في هواء الغرفة كأنني غير موجودة، حتى فاجأتني بضحكة طويلة فخلتُ أن المرأة جُنت، إذ أن الموقف لا يحتمل الضحك.. التفتُ إليها مندهشة وسألت:
ـ لماذا تضحكين؟
سحبت شهيقاً عميقاً وزفرت ثم قالت:
ـ أضحك على اسم(بوش) هل تعرفين ماذا تعني كلمة بوش بلهجتنا الجنوبية؟
طبعاً أعرف، وهي متداولة بالمعنى نفسه في بغداد، إلا أنني ادعيت عدم معرفتي وهززت رأسي علامة الجهل، فأسرعت بالقول:
ـ البوش هو الشيء الفارغ.
ضحكت ثانية أكثر مما تستحقه الحالة، وسرت عدوى الضحك إليّ، ثم راحت تمسح دمعها بطرف شيلتها كالعادة، وقالت:
ـ الفارغ ابن الفارغ، يريد إفراغنا من الحياة.
نزلتْ من السرير، وخرجت من الغرفة، تاركة رأسي يدور بالعبارة الأخيرة التي قالتها، رحت أرددها بيني وبين نفسي وأتساءل: كيف تستطيع هذه القروية تحليل الأمور على هذا النحو؟ وكيف لم أتعرف إليها بما يكفي حينما كنا في بغداد؟
كانت دائماً منزوية في غرفة ملحقة بالمطبخ، لم تخرج منها إلا في أوقات محددة أو عند النداء عليها لطلب ما، لم تكن تثرثر كما هي الآن.. تعمل بصمت ولا تتحدث إلا عند الضرورة، تتسلم احتياجات القصر من أحد الجنود المكلفين بالحراسة وتقوم بترتيبها، تغسل الخضار والفواكه وتعد الطعام، تنظف وتغسل الملابس وتكويها، دور محدود أو محدد في فيلم، ما كان يدور بخلد أحد أن ينتهي على هذا الشكل المريع، على الأقل حتى الان.
كلما نظرت إليها وهي تؤدي دور الكومبارس حين تنهمك بالعمل، شعرت أن القدر منحني دور البطولة المطلقة، لكنه أخطأ أول الأمر عندما نسبني الى ذلك الزقاق البائس من أزقة بغداد، وحينما أدرك خطأه أسرع وعالجه فنقلني على أجنحة وردية ووضعني حيث يليق بي أن أكون.. صرت المخدومة بينما كانت أمي توكل لي مهمات البيت حين تقضي ساعات طويلة في الدوائر الأمنية والشعب الحزبية بحثاً عن أبي.
لكن دور البطولة بدأ يتقلص بسبب هذه الحرب الملعونة، والمخرج لم يعد يمتثل لأوامري، وها هي جمار تنافسني على ما تبقى وتحتل المشهد، كما لو أنها على يقين أن ما يحدث في البلد سيغير خارطة الأشياء لصالحها.
أتذكر ثانية رواية(شعب يوليو) وأشعر بالحنق، وبالرعب الخفي الذي يسكن تحت جلدي، هل على الكومبارس، كما يرى المخرج، أن يأخذوا حقهم من الاهتمام حتى وإنْ تطلّب الأمر تبادل الأدوار، وإلا سينفض يده ويُفرغ صالة العرض من الجمهور؟
من هو المخرج، ومن هو المؤلف في هذا الهذيان الذي يدور في رأسي؟ هل تستحق حكايتي أن تطغى على ما يحدث داخل البلد؟ ها هي الطائرات تصول وتجول وتُسقط عدتها على الزرع والضرع والناس والبيوت والجسور والأنهار، بينما أنا مشغولة ومنشغلة بكلام لا يناسب الحرائق التي تستعر.
أشعر بالاختناق وأفكر بالخروج لعلّ هواء عمّان يصلح فيّ ما أفسدته هذه الأفكار.. أنظر من النافذة.. الأشجار تستعيد خضرتها الزاهية بعد أن تغطت بالثلج، لكن الأرض ماتزال تلبس الرداء الأبيض.
أفتح الخزانة وأرتدي ملابس سميكة، أخطو خارج الشقة فتلحق بي جمار:
ـ الى أين؟
أرد وأنا أسوي شعري وأخبؤه تحت القبعة:
ـ أريد المشي على أرض بيضاء بعد أن نأت عني أرض السواد.
لا تفهم ما أقول لكنها تأمرني:
ـ لا تتأخري، لسنا في بغداد، أخاف عليك.
تصفعني الرياح الباردة، الثلج يتكدس بامتداد الأرصفة، أطفال يصنعون منه أشكالاً على هيأة دببة، وآخرون يقذفون بعضهم بعضاً بالكرات الثلجية.. الهواء منعش برغم برودته، أعب منه بعمق كما لو أنني سأفارق الحياة بعد دقائق.. أمشي وأتأمل شريط حياتي المضطرب، يقترب وجه أمي المتغضن قبل الأوان، أمي التي يحلو لها أن تكون دائماً في خانة الضحايا فتثرثر أينما ذهبت بقصة اختفاء أبي، والتي توقفت حياتها عند آخر يوم رأته فيه فتركت زينتها وأهملت نفسها، وكانت من حين لآخر تُخرج فستان زفافها وتكرر: سأرتديه عندما يعود أبوك، وأطوف معه شوارع بغداد في عربة يجرها حصانان أبيضان، وأنثر الورود على المارة.. ثم تُسمعني أغنيات كتبتها بنفسها ولحنتها على وقع الأغاني الشعبية التي كانت سائدة في طفولتها.. وبمرور السنين اضمحل حلمها وتلاشى، لكنها كانت تكابر وتُديمه بكتابة المزيد من الأغاني لكي تُبقي شجرة أحزانها وارفة تبث لها جرعات الأمل الذي ضاع الى الأبد.
أدوس على الثلج، وجهها لا يفارقني، أتساءل: لو لم أتزوج من جبار، هل كانت ستموت؟ إذا كان الجواب(كلا) فالكاتبة التي روت قصتنا على حق، وإذا كانت الأقدار مرسومة مسبقاً فهذا يعفيني من تجمّل ذنب أرادتني الكاتبة، لسبب ما، أن أتحمّل وزره.
ها أنا أعود لتلك الرواية التي أقضت مضجعي، ولكاتبتها التي كان لها بشكل ما علاقة بأمي أو جدتي وهي مثل أمي تثرثر بتاريخ طويل من الفقر والعوز والحرمان والموت، وترميه على عتبات البيوت أو في الأسواق، وربما في حمّام النساء الذي كانت تصر على ارتياده برغم وجود حمام في البيت.
أنفض رأسي فيسّاقط وجه أمي وجدتي.. أمشي دونما هدي، والطريق يرتفع مرة وينخفض مرة، أجلس لأرتاح قليلاً على جذع شجرة ممدد الى جانب الشارع.. تعود بكرة الشريط وتتحرك، تختصر لدقائق جزءاً كبيراً من حياتي في القصر، يلوح لي الجسر المعلق الذي علّقت عليه الكثير من الآمال، أرى دجلة يمضي تحته هادئاً وقوراً وغارقاً بالأسرار، مثل ناسك قال كل ما لديه ولم يبق معه إلا الصمت، قد أكون قريبة الشبه بدجلة، فأنا الأخرى لم يبق لدي سوى الصمت، ولولا جمار لنسيت شفتاي الحروف، لكنني بالتأكيد لست ناسكة، صحيح أنني دفنت غرائز جسدي حتى كادت تموت، أو ماتت فعلاً إلا أن الحياة المرفهة تملكتني.. صمتي من النوع الذي يغور في أوصالي ويشويني على جمر خبا تحت الرماد، صمت له أنياب تنهش لحمي، مثل نظرات هذا الرجل الذي انتبهت إليه تواً، أوقف سيارته قبالتي وراح يرميني بجوع كل الرجال الشرقيين الى امرأة تنزع عنهم حتى جلودهم.. أتجاهله وأواصل المشي، أمضي بعيداً عنه فيتبعني، أدخل أول مقهى تصادفني، أمسح المكان بعيني، لا أحد، المقاعد فارغة وأنا الزبونة الوحيدة، صاحب المقهى يجلس خلف طاولة الحساب، رجل كبير السن، ربما يحسب بقايا عمره، النادل يتقدم مني، يحمل ورقة وقلماً وينتظر.. أحسم أمري:
ـ قهوة سادة.
قبل أن تأتي القهوة يدخل رجل طويل القامة حاد الملامح، يعقد شعره الطويل الى الوراء، يحمل دفتراً كبيراً، يختار زاوية مقابلة لطاولتي، يشعل سيجارة وينفث دخانها بحركة بدت لي عصبية، ثم يروح يخربش في الدفتر.
أرتشف قهوتي على مهل، وكلما حانت مني التفاتة الى الرجل، أراه يتفحصني ويدخن بشراهة.. خيوط الدخان ترتفع مشكّلة دوائر متتابعة تتحول فيما بعد الى خيوط تتلوى ما تلبث أن تتلاشى، أهرب من ملاحقة عينيه الى فنجاني، القهوة معتمة مثل أيامي، ورأسي فارغ، أرفع بصري ثانية، ما يزال الرجل يحاول السطو على جسدي ويخربش في أوراقه، أظنه يرسمني، حركة أصابعه ونظراته تدل على ذلك.. هل في شكلي أو تعابير وجهي ما يصلح للرسم؟
حين وصلت الى يقين بأنه فعلاً يرسمني نهضت واستدرت، جلست في زاوية يتعذر عليه رؤيتي منها.. أرتشف ما تبقى من قهوتي، ثم غادرت المقهى تاركة تاركة ثمنها على الطاولة، هربت الى الشوارع حيث البياض البهيج، تركت قدميّ تغوصان بالثلج، راودتني فكرة أن ألهو مثل الأطفال بكرات الثلج، لكنني طمرت الفكرة في رأسي.. واصلت المشي حتى وصلت الى متنزه صغير بمحاذاة الشارع، تتكاثف فيه الشجار، مسوّر بسياج واطىء من الحجر، دخلته.. ليس ثمة أحد.. احتواني سكونه وطراوة هوائه، ليس من أصوات سوى زقزقة العصافير وهديل الفاختات، سرت بين الأشجار ثم جلست على مصطبة حديدية، لفني شعور عميق بالوحدة فاحتميت بذكرياتي التي حضرت سريعاً دون أن أخطط لها:
بقيت في بيت أمي حتى أكملت أربعينيتها، أوصلني جبار بعد الدفن الى الباب ودسّ في حقيبتي مبلغاً من المال.
ـ سأطمئن عليك من حين لآخر حتى تنتقلي من هذا المكان، سيكون كل شيء على مايرام، أنا معك فلا تخافي.
صرت أضيق ذرعاً بصاحبات أمي، يُحطن بي ويحرثن أرض قلبي بأحزانهن وأسئلتهن وفراق أمي.. أم عدنان تلمّح الى جبار من طرف خفي، ما الذي ذكّره بالحي، ما الذي يريده، لماذا جعل من نفسه قيّماً وتكفل بالجنازة؟ ثم تحذرني:
ـ تعرفين يا أمل، إنه(منهم) لقد تنكّر لأهل الحي حتى نسيناه، فلا يليق به أن يدخل زقاقنا.
وتقول صبرية:
ـ أقسم بروح أمي وأبي أنه يعرف أين اختفى مصطفى.
أشد على أعصابي متمسكة بالصمت والصبر معاً، لا أشارك بما يقال ولا أرد على سؤال إلا فيما ندر، حتى ظنت أم عدنان أنني مازلت أعيش صدمة الموت وأحتاج الى وقت أطول لكي أصدّق موت أمي الذي أفجعهن وأرد على أسئلتهن التي أتعبتني: كيف اكتشفت موتها، ماذا كانت تعمل في الليلة السابقة للموت، هل قالت شيئاً أو بان عليها التعب؟ الى آخر تلك الأسئلة التي كنت أجيب عنها باقتضاب شديد وبعد صمت طويل.. أو لا أجيب.
**

قبل أن أدخل القصر أخذني جبار الى فندق المنصور ميليا، كان جميع من في الفندق من العاملين فيه يؤدون له التحية بأدب جم، على الرغم من أنه يرتدي الملابس المدنية بأقل هيبة مما هو عليه حين يرتدي ملابسه العسكرية.. جلسنا في المطعم الإيطالي بمحاذاة النهر، ألقى عليّ محاضرة طويلة عن الحياة، أراد أن يؤكد من خلالها أن موت أمي كان مقدراً، وأننا ضيوف على هذه الحياة، لكن علينا أن نعيشها ولا نحرم أنفسنا من متعتها، وأن الحزن شيء طبيعي سيزول بمرور الوقت بحسب قدرتنا على مقاومته.. ثم يقول: انتهت مدة إقامتها في الحياة وكلنا على هذا الطريق، لن ترتاح روحها إذا استمر حزنك عليها، لا تبددي زهرة عمرك بالأحزان، أنت صغيرة وعليك أن تعيشي حياتك، وستعيشينها بأجمل مما تتصورين، كل طلباتك مجابة، سأرسلك مؤقتاً الى بيت أختي أم لؤي في اليرموك حتى يتسنى لي ترتيب البيت، بيتك، ما عليك سوى أن تكوني سعيدة.
أمسك بأصابعي حتى ضاعت بين كفيه، تناولنا الغداء وشربنا الشاي، بعد ذلك أخذني الى بيت أخته، وبقيت هناك عشرة أيام، لكن قبل انتقالي بشكل نهائي للقصر ذهبت مرة الى بيت أمي، انتظرني جبار بسيارته عند مدخل الزقاق وهو يكرر: لا تتأخري ولا تحملي أشياء كثيرة، سأشتري لك كل شيء.
كان من الصعب أن أدخل البيت وحدي فاستعنت بفطومة، لمحتها تدخل الزقاق حاملة صرة عدتها فطرأت لي في الحال فكرة انتقالها من الخرابة التي قد تهوي عليها ذات يوم وتدفنها تحت الأنقاض، الى بيت أمي.. عرضت عليها الأمر ونحن ندلف الى البيت فترددت، كانت تظن بأني سأستوفي منها إيجاراً لا قدرة لها عليه، لكنني طمأنتها بالقول:
ـ اعتبريه بيتك حتى آخر العمر، لن تدفعي فلساً واحداً، ربما سأعود إليه ذات يوم وعندها لن أخرجك منه.. سنعيش معاً.
قلت عبارتي الأخيرة فقط لأطمئنها، لقد كنت على يقين من عدم العودة، لا للبيت ولا للزقاق.
ما إن دخلت البيت حتى هاجمتني الرائحة، رائحة أمي، إنها في كل ركن من أركانه الموحشة،كدت أختنق بالغصة التي اعترضت حنجرتي، كانت فطومة تترحم على أمي وتعدها بألا تنساعا، أخذتُ نفساً عميقاً حين تسمّرت أمام باب غرفتها، لكنني لم أدخل، فقد تنهار مقاومتي.. دخلت فقط حجرتي، حملت الكتب وثلاثة أشرطة من موسيقى(ياني) بعدها خرجت الى الزقاق وفوجئت بجبار ينتظرني على مسافة غير بعيدة من البيت، وكذلك تنتظرني عيون النساء اللوامات، صاحبات أمي، اخترقتني نظراتهن مثل سكاكين باشطة وغاصت في أعماقي، تظاهرت باللامبالاة هاربة بعينيّ بعيداً لئلا أتهاوى، وسيطرتُ بقوة عجيبة على حاسة السمع لكي لا يصلني ما لا أود سماعه.. سرت بخطى متعجلة وضجيج الكلام المبهم يطرق رأسي.
حين تحركت السيارة خارجة من الزقاق استعدت هدوء أنفاسي، وأزيح عبء ثقيل من صدري وقلت وداعاً لأوجاع الماضي.
**

أم لؤي امرأة صامتة معظم الأوقات، لكنها لا تتوقف حين تبدأ الكلام.. أرملة، قتل زوجها في حرب إيران، لها ولد وبنت، لؤي يدرس الطب في لندن، وهند في جامعة بغداد تدرس علم النفس، ترمقني أحياناً بنظرات أستشف منها عدم الود، ربما تنظر إلي كنموذج لدراسة معمقة، باحثة وراء ملامحي عما يتطابق والنظريات التي تدرسها، لم تتبادل معي الكثير من الكلام، بينما أم لؤي تُمطرني بالأسئلة.. كنت حذرة وحريصة في الإجابة، أوصاني جبار وعلمني أول درس في الكذب، وبرغم أنها لم تقتنع بإجاباتي إلا أنها حاولت تقمص دور المقتنع، مثلما تقمصتُ أنا دور البنت التي فقدت امها وتنتظر مجيء عمّها المقيم في الإمارات ليأخذها معه، وعمها هذا صديق جبار، وجبار سيحكي بعد فترة أنه التقى عمي وخطبني منه.. حكاية ملفقة لا أدري لماذا ابتكرها جبار ولماذا انصعتُ لها؟
بدت لي العلاقة بين جبار وأخته مرتبكة، يشوبها أمر ما لا يريدان الكشف عنه صراحة أمامي، فهي ترمقه بنظرات خالية من الود الحقيقي بين الأشقاء، وهي كثيرة اللوم والعتب، بينما هو يحاول استرضاءها بأية طريقة، فقط ليزيح عن كاهله ثقل إلحاحها بالسؤال عن غيابه الطويل عنها.. قالت له في أول زيارة لنا:
ـ إنك نسيت ذكرى أمنا، لم تزر قبرها مرة واحدة.
أكد لها أنه سيذهب الى المقبرة قريباً، لكنه لم يذهب، قال حالما خرجنا من بيتها:
ـ أم لؤي تظن أن أمي تسمعني حين أقف على قبرها، وهي لا تريد أن تصدق أننا نعيش مرة واحدة ثم نمضي الى العدم.
لم تزرنا أم لؤي بعد زواجنا سوى ثلاث مرات متباعدات، بدت فيها متشنجة وغير مرتاحة لوجودي، لكنها أبداً لم تتفوّه بما يثير حفيظتي أو يوتر أعصابي بشكل مباشر، على الرغم من أن أعصابي تتوتر كلما رأيتها.

نعق غراب وأيقظني.. كان المتنزه ما يزال هادئاً، والفاختات تهدل، والوحشة تتلبسني، والقهر يسحقني.. حين عدت من جولتي الثلجية ورحلة ذكرياتي كان نثيث المطر ينزل بهدوء، وربما يُنذر بمطر غزير.
**
القهر كائن مخيف له مخالب طويلة تنزع اللحم عن العظام وتمضي الى الروح فتهرسها، كنت أراه مجسداً في عيون أمي، وفي جسدها الذي راح يذبل، في خطوتها المرتبكة، وفي ضياعها وهي تحاول الإمساك بحلم عصي على التحقق، وقبل ذلك كنت أحسه في صوت جدتي وهي ترمي على مسامعي(نواعيها) الحزينة، وفي الأزقة، وبين شقوق الحيطان، وعلى العتبات حيث تجلس أمي وصاحباتها ويفتحن صناديق قلوبهن المفجوعة بالفقدان ليخرجن الحكايات من مكامنها لكي لا تصدأ أو يلفها النسيان.
وحين هربت الى القصر لمحته عن بعد يخاتلني في عيون جمار الصامتة، وفي أصابعها النحيلة وثيابها السود التي لا تفارق جسدها، رأيته في الأسوار الشاهقة، وبين قمم الأشجار الباسقة، يومض وينطفىء، في الليالي الطويلة التي أنام فيها وحدي وأتمدد على فراش ما كنت أحلم به، بغياب رجل تأخذه(المهمات الصعبة) ولا أدري إن كنت أرتاح لغيابه أم لحضوره.
كنت أعتقد، حين يتوارى القهر بين الظلال أو خلفها، بأنني قهرته وانتصرت عليه، لكن يبدو أنه يتحيّن الفرص، ويتبعني مثل قرين السوء، يتجاوز الأسوار والحواجز ويعبر الصحارى والحدود فيحاصرني هنا في عمّان، يبعث ذبذباته، يهرس أيامي المنكمشة تحت عجلات الانتظار الممل ومن خلال الشاشات المفتوحة على جراح العراقيين، ينعق مثل غراب ويقرأ يوميات الحرب.
إنه اليوم التاسع.
× قصف شديد على وسط بغداد وما حولها، القصف تركز على المؤسسات الإعلامية والبعثات الصحفية وقصر السلام وأماكن أخرى.
× الناصرية والموصل تتعرضان لغارات عنيفة.
× وزير الإعلام يعلن عن إسقاط طائرة بدون طيار، والقوات الأمريكية تنفي.
× سقوط صاروخ على مدينة الشعلة والضحايا 55 من المدنيين، ومثل هذا العدد من الجرحى.. وفيما القصف يستمر بعد هذه المذبحة تنطلق المضادات الأرضية.
× المنظمات الدولية تهيء مخيمات للاجئين على الحدود مع الأردن وسوريا، ولكن أحداً لم يلتجىء إليها فأصبحت من حصة الريح.
× جبهة البصرة تشتعل من جديد إثر استمرار المعارك.
الأخبار التي نسمعها من قناة ما، نسمع نقيضها في قناة أخرى، لكن المؤكد هو أن المدنيين يُقتلون من الأطراف جميعها والخراب يعم البلد.. ألاحق تفاصيل الأخبار ولا أقف كثيراً عند مصدرها، أسجل العناوين وأطمر تحت ضلوعي صراخاً لم يجد له من يسمعه في ليالي عمّان ونهاراتها الطويلة.
**

لم تأخذ الأحزان مني الشيء الكثير، أقبلتُ على الدنيا كما لو أنني أولد من جديد، كان قلبي مثل صخرة، لا تبكيني حكايات أمي ولا تحرك بي ساكناً حين تخترقني.. لقد مللتها، سئمت تكرارها، أصبحتْ بمرور الوقت باهتة لا روح فيها، حتى قبل أن يظهر جبار في حياتي وينقلني الى حياة أخرى.. صارت لديّ مجسات أعرف من خلالها حين أجلس مع أمي أنها ستعزف اسطوانتها المشروخة المعنْونة(فقدان أبي) فأتحجج بالدروس وأذهب الى عالمي، عالم الموسيقى والروايات، باحثة فيه عن حكايات مغايرة كنت أجدها أصدق تعبيراً من قلب أمي المفجوع.. وحين(انتهت مدة إقامتها في الحياة) لم أبكها كما تبكي البنات أمهاتهن، تحجرت مشاعري الى الحد الذي خامرني شعور بأن كل جزء من بدني قُدّ من صخر تحجر عبر مئات السنين، كنت أتساءل بينما نعشها على سقف السيارة في الطريق الى المقبرة: لماذا لا تنفجر بئر روحي وتغرقني مثلما يحدث حين تفقد البنات أمهاتهن؟
السيارة التي تتبعنا كانت تحمل صاحبات أمي، هن اللواتي يذرفن الدموع ويبكينها طيلة الطريق، كلهن مفجوعات إلا أنا.. وحينما انهال عليها التراب بكتها فطومة بكاءاً حارقاً كما لو أن أمي اختها أو أمها، وكنت في داخلي أفسر الأمر على أنها تبكي ولديها، وقد جاء موت أمي ليُذكي جذوة الجمر في قلبها.. كل واحدة من النساء تبكي مصيبتها في موت أمي، إنهن يبحثن عن أية فاجعة ليندبن حظوظهن العاثرة، فراحة البال لا تناسبهن.
لا أنفك من حين لآخر أتساءل: ما الذي جعل أمي تتمسك بحلم باهت وتنثر أحزانها على الطرقات والمسالك الوعرة، بين المنظمات الحزبية ومراكز الشرطة وقواطع الجيش الشعبي والمستشفيات ومنظمة الهلال الأحمر، ثم على عتبات البيوت الخاوية؟ هل كان حبها لأبي قد انصهر في روحها فانصهرت معه شخصيتها وما عادت تفرق بين الخطأ والصواب؟ لماذا صنعت من حزنها قلادات وطوّقت جيد شبابها فذوى؟ هل كان أبي يستحق منها كل هذا العذاب؟
كان زادي من القراءة يمنحني كل يوم قوة في إيجاد ذاتي والمضي باتجاه بعيد عن خارطة الأحزان غير المجدية.. في كل يوم أعدّل بوصلتي إذا اختل توازنها، وأعزم على الهرب من تلك البحيرة الراكدة الى البحار التي ستأخذني الى ضفاف أكثر أماناً.
لم أعش مع جبار سوى ثلاث سنوات، كنت في الشهور الأولى ثملة بما أرى وما أحس، تغمرني السعادة التي حُرمت منها تحت جناحي أمي المقصوصين، أفرد أصابعي تحت الشمس وأنظر الى خواتمي المطعمة بالزمرد والماس، ألامس رقبتي وأتحسس فصوص اللؤلؤ، أمد قدميّ وأفرح حين أرى حبات الياقوت تتلألأ في الخلاخيل.. أتراها كانت أصفاداً؟ ربما راودني هكذا شعور من حين لآخر، لكنني عمدت بكل قوة لطرده خارج أسوار جنتي وأنا أرفل بالغنى الذي بدا لي أول وهلة أكثر مما حلمت به.
كان السلّم الحلزوني الذي يوصل الطابقين مفروشاً بالسجاد الأحمر، ينتابني إحساس وأنا أصعد أو أنزل منه بأنني لا أقل شأناً عن أيما أميرة أو ملكة من ملكات العالم.. كثيراً ما كنت أرى جمار في نهاية السلّم تقف مسبولة اليدين، قامة مشدودة وعينان لا تطرفان وابتسامة مصنوعة على شفتيها بانتظار تعليماتي اليومية أو أوامري، وأنا أزداد إتقاناً لدوري، مرتدية قناعاً، ومخفية أيضاً ذاك الوجه الذي يذكّر بأمي وصاحباتها القادمات من سلالة الأحزان.
وحين هُرّبت الى عمّان كانت بعض(أصفادي) معي لكنني بدأت شيئاً فشيئاً أتخلص منها مرغمة، بعتها على مراحل بأقل من أسعارها، وستأتي امرأة أخرى وتتزين بها لتلعب الدور نفسه، مع إسقاط دور الحرب.. وحين أصل الى آخر قطعة ذهب وأضطر الى بيعها يكون قناعي قد اختفى وزالت(النعمة) من على جبيني، وتسلل وباء الفقر ثانية ليعشش في رأسي وفي جسدي كله.
**

ذات صباح من صباحات الغربة وقفتُ أمام المرآة ورحت أتمعن في وجهي، داهمني إحساس مَن فقد شيئاً الى الأبد، إذ رأيت ملامح امرأة تشبه ملامح نساء العتبات، ثم في لحظة خاطفة رأيت، أو توهمت أنني أرى وجه أمي يركب عاى رأسي ويذرف الدموع، أغمضت عينيّ وهربت من المرآة وكنت أرتعش، قرفصت في زاوية من الصالة، وبعد قليل خرجت جمار من المطبخ حاملة صوبة النفط، وضعتها قريباً مني وهي تقول:
ـ ما بك ست أمل؟
ـ لاشيء.. فقط أشعر بالبرد.
ـ البرد شديد هذا اليوم، هل أجلب لك بطانية؟
ـ لا، ليس الى هذا الحد.
بعد تناول الإفطار سألتني إذا ما كنت أرغب بمتابعة التلفزيون، قلت لها:
ـ كلا، فقط اجلسي الى جانبي، أشعر بالضيق.
قالت:
ـ إذن سوف أكمل لك حكايتي.
قلت بفتور:
ـ كما تشائين.
سحبتْ نفساً عميقاً وقالت:
ـ بعد أربعة شهور من موت أمي وأبي تزوجت من ماجد المرهون، ما كنت لأفعل ذلك في قريتنا، إن فراق الأهل هناك يأخذ سنوات من الحزن قبل أن تخف آلامه، ولكن ماذا أفعل؟ كنت وحيدة وضائعة وصغيرة السن، وبغداد تخيفني بقدر ما أحبها.. مضت أربع سنوات بعد الزواج ولم أنجب، وذات يوم قلت له إن مستشفى العلوية يمكنه أن يساعدنا فلماذا لا نذهب الى هناك ونخضع للفحوصات؟ تطلع إليّ بغضب وسأل:
ـ من أين سمعت بذلك؟
تلعثمت قبل أن أخبره بأنني سمعت من جارتنا أم رباب.. صفق كفيه وصرخ:
ـ شوفي، هذا كلام نسوان، إذا أراد الله سيعطينا، أما الذي تتحدثين عنه فهو شيء آخر.
ـ ولكنها أنجبت رباب بعد ست سنوات من الزواج عن طريق هذا المستشفى.
ـ هل شرحت لك كيف أنجبتها؟
ـ لا، اكتفت بالقول إنها أنجبت بطريقة التلقيح الاصطناعي.
ـ يعني شنو؟
ـ لا أعرف.
ضرب على فخذه بقوة وقال:
ـ إنها طريقة مهينة وأنا غير مستعد للإهانة من أجل طفل.
وخرج من البيت، حاولت الاستعانة بأم رباب لكي تشرح لي ما أغضب زوجي لكنني تراجعت، فقد يكون سؤالي عن هذا الأمر يهينها هي الأخرى.
سكتت جمار، ثم تنهدت.. سألتها:
ـ ولم تنجبي بعد ذلك؟
ـ اتضح أنه عقيم، وقد أدرك ذلك بعد زواجه الأول الذي لم أكن أعرف عنه أي شيء، ولم يخبرني به إلا عندما اقتربت منيته.. أجبرته زوجته بعد سنة من الزواج على مراجعة الطبيب، ولما تأكد أنه لن ينجب أبداً بدأت الأمور بينهما تأخذ طابع التشنج والعصبية على أتفه الأشياء فوقع الطلاق.. هو الذي أخبرني بذلك أثناء مرضه الذي اشتد عليه بسبب الفشل الكلوي.. كانت رحلة من الآلام انتهت به الى القبر.
أجهشت جمار بالبكاء كما لو أن زوجها مات منذ أيام قليلة، رحت أواسيها وأقول:
ـ أرجوك، لم أعد أحتمل، ألم أقل لك بأنني أشعر بالضيق؟
مسحت دموعها وهي تقول:
ـ أعتذر، لا أدري كيف وصل بي الكلام الى هذا الحد، أردت أن أخرجك من الضيق فضيّقتُ عليك.. سامحيني.
ـ إذا داهمتك الأحزان تذكري أحزان البلد الذي جئنا منه، إنه يحترق يا جمار.
وقبل أن أنهي كلامي نهضتْ:
ـ سأفتح التلفزيون.
تبعتها الى الصالة، فأضاءت الشاشة بصور وأخبار اليوم العاشر للحرب.
× انفجارات عنيفة تهز وسط بغداد ومحيطها، وسقوط صاروخ على الطابق العاشر لوزارة الإعلام، وآخر بالجوار منها.
× نزوح جملعي جديد من البصرة والناصرية المحاصرة.
× نشاط مكثف للتحالف في الشمال لفتح جبهة جديدة.
× اختطاف خمسة من قوات التحالف في البصرة.
× أهالي الزبير الفارون من القصف يقضون لياليهم في العراء.
× أول عملية بسيارة مفخخة في النجف استهدفت نقطة تفتيش أمريكية.
× مقتل 86 مدنياً وجرح 701 في أعنف غارات على بغداد.
× العراق على لسان وزير الإعلام يُسقط خمس مقاتلات وست طائرات استطلاع واربع مروحيات!
× مقتل جنديين عراقيين من قبل فرق إعدام، حاولا الهرب وتسليم نفسيهما لقوات التحالف.
× انسحاب القوات العراقية من جمجمال وعدد من المواقع.
× صواريخ جديدة تنهمر على بغداد.
كانت جمار، من وقت لآخر، تطش اللعنات على الرئيس، لم تعد تتردد أمامي، بل وجدت في النار المستعرة على أرض السواد ذرائع تطفىء من خلالها نارها وعصبيتها:
ـ نصحوه بالخروج من الكويت وقالوا له احقن دماء شعبك لكنه رفض، طمع بنفط الكويت وأحرق بلادنا، يريد أن يبلع الخليج كله ويصبح سلطاناً عليه.
أذكّرها مرة ثانية بأن هذه الحرب لا علاقة لها بالكويت فترد:
ـ كلها سلسلة واحدة أوصلتنا الى ما نحن فيه، أكثر من مليون شهيد فقدنا في حرب ايران، آلاف المعوقين والمفقودن، ملايين الأرامل، لو نطقت الصحراء لأخبرت العالم كم من المغدورين تحت رمالها.
هكذا فاض صدرها واعتمل بما فيه فلم تجد من يسد الثغرة التي خرج منها بركان الغضب، وإذ تهدأ قليلاً تردد:
ـ يارب سترك، شبعنا حروباً وعذاباً، يارب احفظ شعبنا واطفىء نار هذه البلوى.
**

قبل أن تروح لنومها الثقيل وتتركني نهب الذكريات أكملت جمار فصلاً آخر من حكايتها:
ـ لم يترك لي ماجد المرهون شيئاً، أعطاني قبل موته خمسين ديناراً هي كل ما تبقى لديه من المبلغ الذي ادّخره، والذي ذهب معظمه للأطباء والأدوية، حتى أنني بعت القلادة الوحيدة التي اشتراها لي بمناسبة زواجنا، واضطررت للعمل في صناعة الحصران والسلال بذات الدكان الذي عمل فيه والذي لا يبعد كثيراً عن بيتنا المستأجر في الشواكة.. عانيت من عسر الحال ولكن الله رحمني عندما بعث لي السيد جبار لينقذني مما أنا فيه.. وقف ذات صباح أمام الدكان وطلب مني عدداً من السلال، لم يساومني على ثمنها، بل دفع لي ضعف ما أستحقه، وحينما أردت إرجاع الباقي رفض وقال: إنه مبلغ بسيط.. ثم سألني:
ـ هل يكفي عائلتك؟
أجبته: ليس لي عائلة، مات زوجي وترك لي هذا الإرث الذي تراه.. وقد بدا عليه التأثر، وبعد مدة عاد وطلب مني أن أعمل في بيته.. رفضت أول الأمر وخزرته بريبة فقال:
ـ اطمئني، ستعيشين مع زوجتي معززة مكرمة.
قلت له:
ـ دعني أفكر.
قال:
ـ سأمر عليك غداً.
حين خلوت الى نفسي وجدت أن صناعة الحصران والسلال ليس لها رواد كثيرون، إنها مهنة في طريقها للزوال، لقد أصبحت مجرد زينة يطلبها القليل بعد أن كانت حاجة يسعى لها الناس، ورأيت أن وارد المهنة لا يكفي لسداد إيجار البيت والدكان ومعيشتي، لقد كان ماجد يصنع الأسرّة والكراسي والأقفاص، وأنا لا أقوى على صناعتها، لذلك قلت للسيد جبار عندما جاء في اليوم التالي:
ـ أوافق بشرط أن يكون لي يوم واحد في الأسبوع أكون فيه حرة، أعود فيه لبيتي وجيراني.
وهكذا دخلت قصركم العامر بالخير وشعرت بالرضا، لكنني افتقدت من أتحدث إليه بهمومي كما كنت أفعل وأنا في السوق أو مع الجارات كل يوم، وخصوصاً بعد أن أنهيت عقد إيجار الدكان، وبعد فترة عقد البيت.. كم تمنيت يا ست أمل أن أجلس معك وأتحدث بحكاياتي التي ملأت رأسي، لكن الأمر لم يكن ممكناً، أنا أعرف حدودي وأحترم أسرار الناس وطريقة عيشهم.
تحسرت جمار وأردفت:
ـ سوف أظل وفية للسيد جبار طيلة حياتي، وأدعو الله أن يحفظه من كل سوء، لقد أنقذني من الفقر الذي كنت عليه، كان طيباً وكريماً وصاحب مروءة.
كمن ألقى حجراً وشجّ رأسي، كمن أخذني لحافات عالية وناتئة لأتمعن بما أرى، هكذا فعلت جمار، رفعت العصابة عن عيني وأعادت النظر إلي فرأيت جبار كما لو أنني لم اره من قبل، نعم كان طيباً وكريماً وصاحب مروءة، تعامل معي باحترام ولم يبخل عليّ بشيء سوى الخروج بمفردي والاختلاط بالناس، لم أكن أمتعض، بل عليّ الاعتراف بأنني أحببت العيش الرغيد في القصر الذي أسميته قفصاً ذهبياً، ومن ثم أطلقت عليه(السجن) واختبأت خلف أسواره الشاهقة بإرادتي بعد أن نفضت عن رأسي كل ما يتعلق بالماضي، المال هو الذي يجلب الأمان والسعادة، هذا ما فكرت وآمنت به، فرحت بالهدايا التي يغدقها عليّ وشُغفت بكل ما يحيط بي، غمرتني البهجة وأنا أستمتع بالحديقة الغنّاء، التي كنت أقضي فيها الكثير من الوقت بعد أن يخرج الفلاح الذي لا أعرف عنه شيئاً سوى أنه(أبو حسين).
أشياء كثيرة كانت مباحة لي داخل القصر، والقليل محرّم، وهو على أية حال ليس مهماً، ومنه تعاطي الحديث مع الفلاح، ورفع الكلفة مع جمار، والخوض في السياسة، مع أنه أرادني أن أقرأ الكتب والكراريس الحزبية.. كلما سألته سؤالاً تفوح منه رائحة السياسة سدّ الباب بوجهي قائلاً:
ـ حبيبتي.. رأسك الصغير هذا لا تشغليه بالقضايا الصعبة، البلد له رجاله وقادته، هم وحدهم يعرفون كيف يسيّرون السفينة.
وحين أعاد عليّ الكلام نفسه في إحدى الجلسات تجرأت وقلت:
ـ في الحقيقة، إن رجلاً واحداً هو الذي يقود منذ سنين ولا يسمح للآخرين بتوجيه دفة السفينة
حتى عندما تشرف على الغرق.
يومها رمقني بنظرة فيها الكثير من الخوف وتلفت حوله، أحسست من تعابير وجهه أن ما قلته لا يريحه أبداً، وبعد صمت لم يطل قال:
ـ لأن السفينة ستغرق فعلاً إذا قادها أكثر من ربّان.
هممت بقول شيء لكنه نهض وأخذ بيدي الى مكتبه، استلّ ورقة وكتب فيها(احترسي من الثرثرة بالسياسة، ربما يكون البيت مزروعاً بلاقطات أو كاميرات مراقبة).
ارتعبت، ألهذا الحد لا يؤتمن أحد رجالات الجيش وهو المقرب من رأس النظام؟
من يومها صرت أخاف أي حركة داخل القصر، خصوصاً عندما أتعرى في الحمّام، فقد تكون مفاصل جسدي تحت كاميرا مراقبة، رحت أتفحص أية نقطة مريبة، لطخة أو حفرة صغيرة، حتى وإن بدت أثراً لمسمار أو زراً أو سلكاً بين لمبات الثريا، بل حتى اللمبات ذاتها، صرت أشعر أن ثمة عيوناً تلاحقني، تراني ولا أراها.. ولم أتحدث في السياسة أبداً، بتُ أخشى من الهمس، صرتُ أعيد الكلمات مع نفسي قبل النطق بها خوفاً من زلة اللسان، كنت أخنق الكلمات إذا اقتربتْ من جرف السياسة التي بدت لي في ذلك الوقت مثل غول بمخالب شرسة ستنقض عليّ قبل أن تخرج الكلمات من الحنجرة.. ربما منذ ذلك اليوم تحول القصر المنيف أو القفص الذهبي الى سجن، وصرت رهينة السجن بعد أن كنت سيدة القصر.
انتبهت لجمار وهي تسألني سؤالاً، قالت بأنها تطرحه عليّ للمرة الثانية بسبب شرودي:
ـ ست أمل، هل تظنين أن الجيش سيهزم أمريكا؟
قلت لها حتى دون أن أفكر:
ـ ربما.
قالت:
ـ في حرب الكويت كان الأمر كارثياً، واعتقدنا أن النظام سيسقط بعد سقوط المدن واحدة إثر واحدة.. لكنه عاد ولملم الهزيمة وأعدم آلاف الشباب بمساعدة أمريكا التي جيّشت عليه الجيوش وأخرجته من الكويت.. أليس هذا من عجائب الأمور وغرائبها؟
ـ الأمر مختلف هذه المرة.
ـ أعذريني ، أنا لا أصدّق، أمريكا لا تؤتمن، ورئيسنا(بزونة) بسبع ارواح، سوف يقوم منها وينتقم من الشعب كالعادة.
حاولت أن لا أخوض في الكلام فواجهتها بالصمت، لكنها كسرته بسؤال آخر:
ـ ست أمل، أنا حتى الآن لا أعرف، هل تحبين الرئيس أم تكرهينه؟
توقفت قليلاً كمن يبحث عن إجابة، ولما لم أجد قلت:
ـ والله يا جمار لا أدري.. حقاً لا أدري.
استغربت إجابتي وقالت:
ـ كيف لا تدرين؟ مسألة الحب والكره محسومة، فنحن إما نحب أو نكره.
قلت في نفسي وأنا أكثر استغراباً منها: إن هذه القروية أكثر مني ببواطن الأمور.. وقلت لها:
ـ لم أسأل نفسي هكذا سؤال، برغم أن رأسي ما يزال يخزن كره أمي وحقدها على النظام برمته.. كل واحد يا جمار له سبب في الحب وفي الكره.
تواصلت أسئلة جمار مثل السوط الذي لا يكف عن الجلد:
ـ وما هي أسباب الوالدة في الكره؟
ـ لأن أبي فُقد في الحرب مع إيران.
ـ هذا يحتم عليك أن تأخذي جانب أمك، أم أن زواجك من السيد جبار جعلك متأرجحة؟
ـ ربما.. أنا لا أعرف ظروف فقدان أبي لأنه حين اختفى كنت في بطنها.
ـ لكن الأمر لا يتعلق بفقدان والدك، ولا يحتاج منك كل هذه الحيرة، هذا(الرجل) أشعل الحروب وخلّف المآسي وجعل في كل بيت مأتم، وضحاياه لا تعد ولا تحصى.
ـ وهل هناك حرب من غير ضحايا؟
ـ أوه يا ست أمل، أنت صغيرة، لو عشت حياتنا نحن الفقراء لتوصلت الى قرار نهائي بانه سبب جميع مصائبنا.
أشحت بوجهي عنها خوف أن تكتشف ما يختبىء وراء جلدي، أنا التي هربت من سر فقري
تقودني جمار دون أن تدري إليه، فهي ما تزال تعتقد أنني عشت طيلة ما فات من عمري بين القصور، أخشى أن ينهدم آخر جدار بيننا ولا أعرف عندها كيف ستتعامل معي.
لم أعد أسمعها، بل سمعت صوتاً يخرج من أعماقي يقول: الآن يا جمار نحن متساويتان، في الغربة وفي الخوف... ثم انتبهت الى صوتها وهي تنهض:
ـ سأفتح التلفزيون، لعله يحمل ما يريح البال.
كيف يستريح البال؟ من أين تأتي الطمأنينة الى القلب؟ الغربان تحوم في سماء بغداد والبصرة والناصرية والموصل وبقية المدن، في الأوقات جميعها.. الفضائيات مثل نار جهنم تصرخ: هل من مزيد؟
اليوم الحادي عشر يحمل الموت والخراب:
× الناصرية تشهد قتالاً عنيفاً.
× انفجارات تهز بدالة الصالحية القريبة من الإذاعة.
× سقوط عدد من القتلى والجرحى في الكرادة.
صور جثث تغطي الشاشة، متفحمة وأخرى مقطعة، تُعرض دون أدنى مراعاة لمشاعر المشاهدين، ثم يظهر المذيع مبتسماً وهو يقرأ إحصائية جديدة للقتلى.. أتساءل والغيظ يأكلني: لماذا يبتسم المذيع؟ وأغيّر القناة.
× سحب الدخان تصعد من الخنادق التي حفرها(العراقيون) وملأوها بالنفط الأسود، تصعد وتلتحم بسحب الانفجارات.
× قصف عنيف على الموصل منذ الفجر وحتى هذه الساعة.
× انفجارات متلاحقة على طريق مطار البصرة.
× مسؤول أمريكي يعلن أن قوات التحالف على بعد 69 كم من بغداد.
× المضادات الأرضية تنطلق متزامنة بانطلاق التكبيرات من الجوامع.
× تراشق بالأسلحة في(أبو الخصيب) وقناديل مضيئة في سماء البصرة.
ـ لماذا تكتبين هذا العذاب؟
سألتني جمار وانتشلتني من بين النار الملتهبة على الشاشة.. أجبتها:
ـ لكي لا أنسى.
ردت بسؤال آخر:
ـ وهل نسينا مآسي الحروب السابقة؟ إنها مكتوبة في الرأس.
تصفعني جمار دائماً بمواجهة الماضي.. مجردة أنا من دون أسلحة أدافع بها عن نفسي، لكنني أقاوم:
ـ لأننا كنا نعيش تلك الحروب بكل مفرداتها الموجعة في المكان الذي تحدث فيه، ولا نعرف ما يحدث في المدن الأخرى إلا من خلال وجهة نظر واحدة بسبب عدم السماح للفضائيات، بينما الآن نرى ما يحدث في العراق كله من خلال الشاشات، أنا وأنت بعيدتان عن أرض المعارك ولا تطالنا الصواريخ، لذلك أدوّن ما أراه، وقد تكون بعض الأخبار التي أدونها محرّفة أو كاذبة أو مضخمة أو دون الحقيقة.. من يدري، فقد يبالغون، ربما سأعرف الحقيقة عندما أقارن ما أكتب بما سأجده هناك.
مرة أخرى تضيّق جمار عليّ الدائرة فترد باختزال:
ـ ولكن الصورة لا تكذب.
ـ أوه يا جمار، ألا تكفين عن الجدل؟
ـ عذراً.. أريد أن اخفف عنك المعاناة.
ـ أسئلتك هي التي تزيدها.. إنك تلقين بالحطب على النار، هل تعرفين ذلك؟
صمتت جمار وانكمشت ملامحها.. تركتُ لها الشاشة لتشبع من أخبار الموت وتدرزها في رأسها.. من يدري، ربما تعود يوماً لتصبح، تلك الأخبار، زادها على العتبات.

**

البرد قارس.. قارس جداً.. أصابع قدميّ كالثلج.. الفراش رطب بشكل مريع منذ نفد السولار، أشعر بصداع يثقل جبهتي، أفكر بزهير الذي وعد بزيارتنا ولم يأت، أنادي على جمار فتأتي على عجل:
ـ الغرفة باردة.
ـ سآتيك بصوبة.
ـ كلا، تعالي معي في الفراش، إحك لي أية حكاية لعلّي أنام.
مثل بركان ظل مغلقاً على أسراره لفترة طويلة ثم فار تنوره، ذلك هو رأس جمار الذي انفتح بتشجيع مني على حكاياه، وهو أيضاً مثل رأسي، لكن صندوق رأسي لا ينفتح إلا بيني وبين نفسي، أحياناً أقلبه رأساً على عقب وأنفض محتوياته لعلي أجد فيها ما يوصلني بتلك الكاتبة التي سرقت تاريخ عائلتي وشكلته على هواها، حذفت وأضافت وبترت وضخّمت، ثم تركتني معلقة لمصير عجزتْ هي قبلي عن البحث في أسبابه ومسبباته.. وها أنا مع جمار، في بلد لم يعرفني أحد فيه، ووجود جمار معي في عمّان جعلها تكسر القفل في صندوق رأسها وتخرج حكاياتها، الحزينة منها والمضحكة:
ـ والله يا ست أمل، ذكرياتنا هي الدواء الذي يُشفي ولو القليل من الأمراض التي أصابتنا، أتدرين؟ أنا مثلك وقعت في حيرة بعد وفاة ماجد المرهون، وجدت نفسي وحيدة بدون حماية، المرأة من غير رجل مثل البستان المهجور، وحتى لا نكون مهجورات نحتمي بالرجال، ولكن الرجل أحياناً هو مصدر شقائنا، عندما نفقده تتوقف الحياة، لكنه حين يفقد المرأة تستمر حياته مع امرأة أخرى.. لو كانت أمي وحدها قد ماتت بالحادث لتزوج أبي بعد فترة قصيرة، وأصبحت أمي مجرد ذكرى تخطر، وقد لا تخطر على باله، بينما لو مات أبي ونجت أمي لبقيت طوال حياتها حزينة عليه، حتى ماجد المرهون سيفعل مثلما يفعل الرجال الذين يفقدون زوجاتهم، ويتزوج بعد وفاتي، في حين أستمرّ حزني عليه وسيبقى حتى أموت.
عندما وصلت جمار الى هذا الحد حضرت أمي الحكّاءة، رأيت عتبة دارنا مزدحمة بالنساء، وأنا طفلة ألوذ بينهن، وأستمع الى حكاياتهن التي تقطر حزناً وتذوب حسرة على الرجال الغائبين، ثم أراني وقد كبرت ولذت بغرفتي أغرق في قراءاتي أو أسمع موسيقى ياني، وتلوح أمي عند الباب بحزنها المعهود، منكمشة الملامح فلا أعيرها اهتماماً، أسمعها تهمس لنفسها أو لإحدى صاحباتها:
ـ إذا استمرت هذه البنت في عزلتها سوف تجن.
أسخر منها في أعماقي وأقول:
ـ إذا استمرت أمي في أحزانها سوف تجن، ومن غير المستبعد أن يكون مصيرها مستشفى(الشماعية).
تحضر أمي وتفرض وجودها دون إرادتي، تأخذني لأيام لها مذاقات الفقر والأوجاع المعتقة، لم أتعاف أبداً من الماضي كما ظننت، لم أخلفه ورائي، إنه يمشي معي أنى مضيت، تطاردني أمي في غربتي لتكرر عليّ حكاياتها، هي ذاتها الحكايات التي أدمنتُها ثم مججتها: جاء المخاض بك أثناء اشتداد المعارك، كان أبوك قد اختفى قبل أن يعرف أنني حامل، ولم تكن ولادتك عسيرة، لذلك استبشرت بك خيراً وأينع الأمل في نفسي، قلت سيعود مصطفى ويرى هدية السماء، وبرغم مرور كثير من السنوات على غيابه إلا أن حدسي يخبرني بأنه سيعود.
سألتها ذات مرة:
ـ وإذا لم يعد؟
شهقت ورمتني بنظرة مرعوبة، فقلت لأخفف عنها وطأة السؤال:
ـ إنني أفترض.
ردت بصوت حاسم:
ـ الافتراضات لا تخطر ببالي، لأن مجرد التفكير بها ينقلها من دائرة الافتراضات الى الحقائق.
ثم بعد حين تلعن الحروب وقادتها، وتخبرني أن أبي لم يكن مندفعاً للقتال، كان رجل علم يدرّس في الجامعة، وحين استدعوه قال وهو يحزم أغراضه: نحن حطب الحروب وسنحترق بنارها لنضيء مجد الحكّام الزائف..ماذا كان عليه أن يفعل؟ لا أحد يستطيع الرفض أو الاحتجاج على مصيره، نار قلبي لن تخمد من بعده أبداً.
كنت أسألها عنه كثيراً في طفولتي، ثم تقلصت الأسئلة حتى تلاشت، ولم تعد الصورة المعلقة تجرفني نحو الرغبة العارمة بعودته واحتضانه.. لقد كبرت على أفكار أخرى، وصارت عودته من عدمها لا تشكل شيئاً بالنسبة لي، بل راودتني أفكار غريبة وربما متطرفة في ذلك الوقت، فقد ترميه الأقدار على بابنا فاقداً لكل ما عُرف عنه، ابتسامته ووهج عينيه وأسنانه وشعره الأسود الفاحم، ربما يكون أباً صارماً إزاء تطلعاتي فنتقاطع، وربما انتزعت سنوات الغياب من قلبه حبه لأمي فتندم على طول انتظارها وصبرها، وستشعر مثلي بأنه رجل غريب لا يحمل من ذاك الذي عرفته سوى الاسم، وقد يشك في انتسابي إليه، وبالتالي يُنكرني.. من يدري.. قد يحصل كل هذا، وأكثر.
حينما خرجتُ من ذكريات أمي كانت جمار قد نامت، وبقيت أنا أصارع أشباحي التي تتقافز من حولي وتسرق النوم من عيني تاركة لي وجع التساؤلات.
**

أمطار سود وحمر، أمطار بلون الدم القاني والمتخثر، بلون الأحلام الميتة، أمطار مغزولة بكل ما استطاعت أن تغزله آلة الحرب وغيومها الداكنة الحارقة، تطال كل شيء في يوم الحرب الثاني عشر.
× قصف قرية(الظفرانية) جنوب بغداد.
× هجوم على الشطرة في الناصرية.
× قصف العديد من مقرات الحزب ومقرات المسؤولين.
× غارة جديدة حول محيط وزارة الإعلام.
× اشتعال النيران في أماكن مختلفة غرب وشرق وأطراف بغداد.
× غارة على حي الأمين ومقتل أربعة مدنيين بينهم ثلاثة أطفال.
× احتدام المعارك في(أبو الخصيب) وجسر الزبير ومحيط البصرة.
× مشاة البحرية الأمريكية يدخلون الشطرة.
× سقوط 42 قتيلاً في سوق الشيوخز
× تجدد الغارات على بغداد وإطلاق سبعة صواريخ توماهوك منذ الفجر وحتى الواحدة والنصف ظهراً.
× التحالف يعلن عن أسر800 عراقي.
× انفجاران يهزان وسط بغداد مع اندلاع حرائق كبيرة.
× البصرة تتعرض الى قصف عنيف عند العاشرة والنصف مساءاً.
هذه هي بعض حصيلة الموت.. وماذا بعد؟ من يوقف هذا الجنون؟
**
لم تعد الروايات تغويني، لم أتابع مسارات شخصياتها أو أشاكس أحلامها، رحلت تلك الشخصيات صوب أقدارها، تركتُ إلزا سوميرز عند الرأس المقطوع، ورحلتُ الى قدر متعرج الخطى والخطوط.. لم تعد أحلامي مجنحة تحلق خارج سرب الأماني، اصطدمت رجلاي وأجنحتي بأرض صلبة فأقعدتني عن التحليق، ولم تعد موسيقى ياني تبهجني، بل صارت ضربات البيانو القوية تضرب صدري وتكاد تكسر أضلاعه.
من يقف وراء هذه اللعبة الخبيثة التي تداخلت خيوطها وأطبقت على رقبتي؟ كيف تأتى لي أن أمشي في طريق ظننته الصواب فإذا به يأخذني الى طرق متعرجة ما كانت تخطر ببالي؟ كيف تحولت الزهرة الربيعية الى امرأة أخرى تفزعني صورتها في المرآة؟ هل كنت منومة ثم أفقت ووجدت نفسي في صحراء لا حد لها؟ ها هي أحلامي تتكسّر وتهرب مني وتنأى بعيداً فأحاول اللحاق بها لكنني لا أصل، بل أتيه وألهث وراء بقعة تبدو لي مثل سراب يتموّج فيغريني لمعانه بالتشبث، حتى إذا ما أمسكت به وجدت أصابعي تطبق على قبضة ريح.
أنزل الى وسط البلد، هاربة من ضجيج رأسي وأخبار الحرب الى ضجيج الشوارع، لكن الحرب تطاردني، في السيارة وفي المحال التجارية والأكشاك والمقاهي.. أتظاهر باللامبالاة وأمضي كسائحة تائهة، أمضي دون هدف محدد... الى أين؟
تقودني قدماي الى(سبيل الحوريات) أقف طويلاً عند الحجارة المنحوتة منذ أزمنة طويلة، تلك الشاهدة على حياة أهلها الذين غابوا في لجة النسيان، ثم أمشي بامتداد الشارع المفضي الى الساحة الهاشمية، أجلس على مصطبة وسط حديقتها، متطلعة الى الوجوه تارة والى واجهات المحال والمقاهي تارة أخرى، أسمع لهجات عراقية متداخلة تقول كلاماً عن الحرب، لكنها تصلني مبتورة فالكل يمشي بسرعة.. أشعر بضياع وبأفكار مشوشة.. أتمنى أن تصعد روحي في منطاد وتسقط بين المجرات البعيدة لتبعدني عن الوجوه التي لا تعرفني، وإذا عرفتني وأدركت ما بي ربما ستشفق عليّ، وإذا أشفقت عليّ أكون على استعداد لأرمي بنفسي من جبل شاهق في عمّان وأروح الى الهاوية، أو أتجرع سماً قاتلاً وأنا على فراش الغربة.
كيف تصبح الأحلام الوردية كوابيس شديدة العتمة الى هذا الحد؟
كيف يتحول الوردي الشفاف الرائق الى لون التراب الكامد؟
كيف تموت البذرة قبل أن تصبح شجرة يانعة، وتنكمش الدودة قبل أن تصير فراشة مذهّبة؟
لماذا تستدرجني أمي وتنقلني من الساحة الهاشمية الى بيتها البعيد، فأراها بثيابها السود التي رأيتها عليها منذ ولادتي، والتي أقسمت أن لا تبدلها إلا بعد عودة أبي؟
كنت أقول لها: إنك تعيشين في بركة راكدة، وسنوات عمرك تفر من بين يديك، رافضة أي تغيير في مصيرك.. وترد: إن المصائر مكتوبة سلفاً وهذا ما وعدتُ به.. أناكدها وأقول: هذه لغة العاجز الذي يُدبر عن الدنيا ويظن بأنها ستقبل عليه يوماً إذا أرادت.. تلوذ بالصمت، أكسر صمتها بالقول: خربت حياتك بيديك وستخربين حياتي.. تحدق في وجهي مقطبة ثم تقول: أخشى أن تفهمي الحياة في وقت متأخر.. أرد بعناد: هذا أفضل من أن لا أفهمها.
أنا الآن أغوص في بركة راكدة، أنتظر رجلاً لا أدري إن كان يقود معركة أم يختبىء في جحر أم يرفع راية بيضاء ويسلم نفسه للأمريكان؟ فهل أحتاج الى عتبة أبكي عليها ذكرياتي؟
فجأة يسقط عصفور صغير من الشجرة التي أجلس تحتها، فيسحبني بلحظة ضوئية ويعيدني من بغداد الى عمّان، يرفرف بجناحين أجردين من الريش، ولحم وردي يتناثر عليه زغب أشقر، وبعد ثوان تحط أمه بالقرب منه، تحركه فيرفرف ويزقزق لكنه لا يستطيع الطيران، تحاول الأم مرة ومرات ثم تثبت منقارها في رقبته وتطير به الى عشه.
كم أنا بحاجة الى من يمسك بي وينقذني، يعيدني الى عشي هناك، طفلة صغيرة في بيت أمي، ألوذ بها وبصورة أبي المعلقة، أتمعن بملامحه وأحدثه عن مدرستي، وأعده بإكمال دراستي.
أين تستقر صورته الآن؟ هل ما تزال في مكانها أم تهدم البيت على رأس فطومة وتلاشت ذكرياته؟ هل ما تزال عيناه تشعّان بالبهجة من وراء الزجاج؟ أم تشظى الزجاج وأحرقت النار عينيه وشعره؟ وهل تعلم أمي بما يجري فتبعث روحها لتسند ما تبقّى من البيت وتثبّت الصورة؟ أم أنها اكتفت بمطاردة ابنتها التائهة لتشمت بها وتسخر من أحلامها؟
وماذا عن بيتي الثاني؟ قفصي الذهبي؟ سجني المرفّه؟ هل ما يزال الحراس عند الباب أم أنهم هربوا ليتركوه في قبضة مصير مظلم؟
أنتبه لرجلين، أحدهما شاب والآخر كبير في السن، يجلسان قريباً مني، تهاجمني لهجتهما العراقية وحوارهما المتشنج:
ـ قلت لك سأمضي مشياً على القدمين من عمان الى بغداد إذا سقط النظام، هذا نذر عليّ.
ـ قبل أن تلزم نفسك بالنذر فكّر جيداً.. أمريكا لن تترك العراق لأهله.
ـ إذا صحّ كلامك سنخرجها بالقوة.
ـ أنت وأمثالك لا تملكون شيئاً، فمن أين تأتي القوة؟
ـ سنتعاون مع الشيطان إن اقتضى الأمر.
ـ هذا كلام غير مسؤول.
ـ لقد تعبنا يا عمي، استنزفتنا الحروب وتشتتنا في بقاع الدنيا، نريد استرجاع عافية الوطن وعافيتنا.
ـ هذا صحيح، لكن العافية لا تأتي مع المحتل.
ـ وهل كنا نتمتع بالعافية؟ ليسقط النظام أولاً ونحن نتكفل بالباقي.
ـ سندفع الكقير من الدماء.. أكثر مما تتصور.
ـ عبر التاريخ دفعت الشعوب أثماناً غالية لحريتها.
ـ دعك من هذه الشعارات، لقد اختلف الزمن واختلفت الشعوب.
ـ لا أدري، هل أنت مع النظام؟
ـ لست مع النظام ولا مع أمريكا، أنا واحد من الذين يتمنى زوال النظام ولكن بأيدٍ عراقية.
ـ العراقيون عجزوا.
ـ هذا لا يعطيهم المبرر للتحالف مع الأجنبي.
سكت الطرفان إذ مر رجل يبيع الشاي، أشار له الشاب أن يصبّ لهما كوبين.. حاولت أن أعيد الحوار وأدخل طرفاً ثالثاً، وفي اللحظة التي تهيأت فيها لذلك نهضا ونزلا السلالم باتجاه المدرج الروماني.
أجرجر جسدي وأعود للشقة.. جمار تكرفص وتحدق الى الشاشة، وما إنْ تراني حتى تتحرك وتحاول تلخيص ما رأت.. أقول لها:
ـ أريد شاياً، دعيني أتابع بنفسي.. تدخل المطبخ، وأدخل أنا حومة النار متنقلة بين القنوات.
× الطائرات تحلق في سماء بغداد مع استمرار الانفجارات.
× مقتل مدني بسبب عدم امتثاله للوقوف عند نقطة سيطرة.
× الصواريخ تتساقط على المجمّع الرئاسي وعلى وسط بغداد وضواحيها الجنوبية والغربية دون إعطاء حصيلة للضحايا.
× غارة على اللجنة الأولمبية.
× مقتل سبعة مدنيين وهم في طريقهم الى النجف برصاص الأمريكيين.
× وزارة الدفاع الأمريكية تقدم اعتذاراً لأهالي الضحايا.
× تجدد الاشتباكات في النجف، والمعارك تدور في مقبرة وادي السلام.
تضع جمار صينية الشاي على الطاولة وتعلّق:
ـ حتى الميت لا يسلم منهم.
× بعد معارك طاحنة استمرت خمس عشرة ساعة قوات التحالف تدخل منطقة(أبو الخصيب) في البصرة، فيما تتواصل الانفجارات في(التنومة) بعد أن قُصفت بقنابل انفلاقية.
ـ ما هذا؟
أصرخ بجمار بعد أن أبصق الشاي.. تأخذ جمار كوبها وتتذوقه فتضرب على صدرها:
ـ يا.. وضعتُ الملح بدل السكر.. أعتذر.. سأعمل شاياً آخر.
ترفع الصينية وتسرع الى المطبخ فأقول لها بعصبية:
ـ لا أريد.
تتوالى الأخبار المفجعة، وهذه المرة مصحوبة بالكثير من الصور التي تمزق القلب وتؤلم الروح.. يتهدّج صوت جمار وتصرخ:
ـ الله أكبر على الظالمين.
× غارات جديدة على الموصل، والحلة تعيش أسوأ أيامها بسقوط ثلاثين بينهم أطفال، والهندية تشهد حرب شوارع لا سابق لها بحسب البيان العراقي.
تتكرر الأخبار طيلة ساعات النهار والليل، كما هي، أو بروايات أخرى مختلفة.. تعود جمار لحركتها المضطربة وثرثرتها:
ـ هذا وعد مكتوب على العراقيين.
أطلب منها الهدوء لكنها لا تهدأ، أكاد أصرخ بها وأرغب في شتمها، إلا أنني ألجم لساني، فهي على كل حال امرأة كبيرة، أتركها وأمضي الى الغرفة مهدودة الأوصال وأصمت تماماً، لكنه صمت موجع عميق جارح، صمت ملموس متحرك يشكّني مثل إبر القنفذ، أعرفه حين يحرث في رأسي، وأتقبله حين أختنق ويفيض ألمي، إنه يستقر في القعر طارداً كلام الشاشة وكلام جمار لينسج على مهل رداء ضجيجه ويسمعني كلاماً آخر يبدأ بالهمس قبل أن يقرع بآلات حادة تطرق بلا هوادة.. أغص بحروفه الناتئة التي تثير الغبار وتلتصق بالحنجرة، ثم تهرس عظامي مثلما يُهرس الزجاج.
هل تعلمت الصمت لأناكد أمي حينما كنت أتركها وأمضي الى غرفتي بصحبة الكتب أو الموسيقى؟ أم درّبت نفسي عليه مرغمة في القصر حيث لا يشاركني الكلام إلا جبار الذي تتقلص مدة وجوده في البيت كلما اقتربت البلاد من البلاء؟
يحاصرني في قعر الصمت وجه جبار، لكنه لا يفصح عن تفاصيل واضحة تؤدي إليه، تماماً مثل متاهة لا نهاية لها، أو محيط مضطرب تضيع فيه البوصلة في ليلة إعصار مفاجئة.
أخترع وأنا في لجة الصمت قصصاً للعودة بعد أن يهدأ الضجيج في رأسي.. أرى نفسي وقد عدت لقصري، أوهم نفسي بملابس جديدة ومصوغات كثيرة، أقطف ورود الحديقة وأنثر أوراقها على فراشي كما كنت أفعل مراراً، أو أصنع طوقاً من زهر القدّاح أزيّن به صدري، وأهرس زهرات الآس بين أصابعي، أدخل الحمّام الرخامي وأغطس في البانيو مُفرغة قوارير العطور، أدلك جسدي على مهل وأنا أصغي الى موسيقى ياني، وأتذكر تلك الجولة ذات مساء حيث ذهبت مع جبار الى شارع المتنبي واقتنيت عدداً من الروايات، ثم مضينا الى شارع الرشيد باتجاه شارع(أبو نؤاس) قال جبار سنأكل السمك المسكوف هناك.. كنا ما نزال في شارع الرشيد حين طلبت منه التوقف عند محل الكاسيتات، قلت له: أريد شراء شريط ياني، أوقف السيارة وقال:
ـ مَن؟
ـ ياني.. موسيقار يوناني.
هز كتفيه ونزل من السيارة الى المحل.. بعد دقائق عاد وسلمني الشريط الذي يحمل صورة ياني.. سألني متعجباً:
ـ تسمعين موسيقى فقط؟
ـ نعم.
قال بنبرة متشككة:
ـ هل تفهمين شيئاً في الموسيقى؟
أجبته:
ـ لا.. لكنني أحس بها.
ـ كيف؟
ـ الموسيقى لا تحتاج الى تفسير.. أنها إحساس، لو ترجمناه بالكلمات لفقد الكثير من بهجته، الموسيقى لغة عالمية تغذي الروح والجسد معاً.
قال بنبرة سخرية:
ـ هل أنت جائعة؟
كانت الابتسامة التي ملأت وجهه تخبرني وتؤكد لي أن عالم جبار ليس عالمي، من أين له أن يحس بالموسيقى الراقية وهو الذي تعلّم في مدرسة(إحنا مشينا للحرب)؟
نظر ملياً الى صورة ياني وقال:
ـ أخشى أن يكون هذا الرجل قد أعجبك، أو أنه يشبه رجلاً تعرفينه.
انتفضت وقلت كما لو أنني أرد تهمة عن نفسي:
ـ إنه يشبه خالي المتوفي.
ليس لي خال ولا عم، لكنني وجدت أن الكذب يختصر الكثير من المعاناة في مثل هذه المواقف، وصمتنا نحن الإثنين.
في غمرة الشعور بالوحدة، وأنا رهينة القصر، أدس شريط ياني في المسجل فتتهاوى أسوار القصر.. أي سحر تبثه موسيقاه في داخلي؟ أية عوالم تلك التي أنساق لها وأنا أخترع حكاياتي وأحلّق معها متجاوزة الحراس والبوابة وكاميرات المراقبة؟
أراني بصحبته.. نمشي على عشب تتلألأ عليه حبيبات الندى، وسط حقول شاسعة، يمسك بيدي ويبثني أوجاع قلبه، كيف عشق لندا إيفانز وأقام في أمريكا من أجل عينيها، ثم كيف تخلّت عنه العاشقة وتركته للذكريات.. نجلس على العشب الندي متقابلين فألمح في عينيه حزناً لا نهاية له.. يسألني:
ـ وأنتِ.. ما نوع الحب الذي يستقر في قلبك؟
أتجوّل في أدراج قلبي فأجدها صحراء قاحلة، لكنني أختلق حكايتي عن رجل أحببته منذ زمن بعيد فأخذته الحروب اللعينة مثلما أخذت الكثير من الرجال وتركت أمهاتهم وحبيباتهم بقلوب مثقوبة.. أراد المزيد فقلت له مستعيرة عناوين مقطوعاته:
(منذ مدة يا صديقي) كنا نمشي معاً تحت(سماء نوفمبر) و(تحت المطر) أوقفنا شرطي، نظر إليه وطلب أوراقه الرسمية.. وبعد أن دقق فيها قال: يجب أن تكون هناك، في الجبهة.. اقتاده الى المخفر، وفي اليوم التالي(في ضوء الصباح) أخذوه.. ولم يعد.. من يومها صرت أسمع صوته ولا أراه، يأتيني على شكل(همسات في الظلام).
حزن ياني لحزني، ووعدني أن يؤلف موسيقى خاصة بقصتي المؤثرة، ربما سيطلق عليها(هناك حيث اختفى).. وقبل أن نخرج من تلك الحقول، ألقى عليّ درساً لم أستطع الأخذ به، قال إنه حين مرّ بأزمته العاطفية وسقط في الاكتئاب لفترة طويلة، استيقظ ذات صباح ونظر الى الشمس الأزلية، ثم شعر بأنه شفي من أمراض قلبه.
منذ أول حلم ب(ياني) صارت موسيقاه لا تفارقني، وصار وجهه صديقي الحميم، بل ومضيت الى أبعد من ذلك وسمحت له أن يندس في فراشي، ودون أي شعور بالذنب كنت أستبدل وجه جبار بوجهه كما لو أنني أنتقم لشبابي من زوجي العجوز الذي صرت أطلق عليه، بيني وبين نفسي، العجوز الخاكي.
يا لتلك المخيلة الجامحة التي منحتني يقيناً كاذباً حين تصوّرت أنني لو صادفت ياني لأقمت معه علاقة حميمة على الفور وأنسيته حب لندا إيفانز، وجبت معه العالم، أرقص على أنغام مقطوعاته في(تاج محل) و(المدينة المحرمة) وكل المدن المسحورة التي عزف فيها.
أخرج من رحلة أحلامي، وأجدني لمّا أزل على الفراش، ساكنة وصامتة ومتأرجحة مثل ريشة لا ترتفع الى السماء ولا تحط على الأرض.. ينسلّ إليّ نواح من بين الأغطية يشبه نواح أمي، أتراها لو كانت على قيد الحياة ما تزال تنوح على أبي؟ أم تراها تبكي ابنتها الوحيدة؟
**

أحاول أن أمسك بأشياء طمرتها وظننت أنها ماتت.. أحاول جاهدة أن أهرب من الموت المتربص بي عبر الفضائيات، الى أيام موت من نوع آخر غزلتْ خيوطه أمي من نسيج باهت اللون وأضاعت شبابها مقتفية أثر من لا أثرله.. هذه المرة أنا التي جئت بأمي ورميت تساؤلاتي الى الظلال المتجسدة على حائط الغرفة، ظلال مختلطة ببقايا ضوء لا يضيء العتمة في روحي ولا يوقف تدفق الصور:
كيف لامرأة وقد كانت على قدر من الجمال والذكاء، أن تحنّط جسدها، وترهن نفسها لحلم فقد بمرور السنوات طعمه وبهجته؟
هل كان أبي يستحق كل ذاك الصبر ومرارة العيش؟
أم أن أمي أتقنت دور الضحية ولا تريد مبارحته؟
تنحسر الظلال وتختفي، تبتعد أمي تاركة لي إحساسي بالغربة.. يخيفني بقائي في عمّان دون أن يتصل بي أحد.. أين اختفى زهير؟ وما علاقته بجبار؟ هل يعرفه معرفة تامة، أم أنه كان يتلقى الأوامر وما عادت الأوامر تأتي من أحد؟ كيف يمكنني خوض الحياة وأنا العزلاء إلا من بصيص ضوء بدأ يتضاءل؟ كيف سأتدبر أموري أنا وجمار؟ ماذا تراني سأفعل بدونها؟ أشعر بإحساس غريب في هذه اللحظة حين ألفظ اسمها، ألمس في صدري الموجوع مكاناً لها، وإذ أدرك ذلك تهدأ قليلاً عواصف روحي.. أناديها، مرة ومرتين، وفي الثالثة تأتي مسرعة:
ـ العفو ست أمل.. أخذتني غفوة.
أشير إليها فتندس في الفراش، تسألني:
ـ ألم تنامي؟
أقول لها:
ـ كلا.
ترد:
ـ ستنامين.
ودون أن أطلب منها تربت على كتفي وتقول:
ـ سأحكي لك حكاية قديمة وستنامين بعدها.
ومثلما يحكون للصغار حكايات ما قبل النوم تحكي جمار بالطريقة ذاتها:
ـ كان يا ما كان في قديم الزمان، قبل أن أولد في الحياة، كان هناك فلاح يدعى مالك، أحب ابنة جاره الفلاح، وكان اسمها ملكية، لا أعرف كيف اتفق الاسمان وهما لا يملكان أرضاً وليس لهما حق التصرف حتى بحياتهما، كانا من ضمن ملكيات الشيخ.. يتشاركان معاً في حراثة الأرض وبذرها وسقيها كما كان يفعل الآباء والأجداد من قبل، ويتحينان الفرص لبث لواعج حبهما تحت فيء النخيل وعرائش العنب.. كان مالك يغني المواويل ويقرأ على مسامعها القصائد التي كتبها من أجل عينيها.. وحين علم أبوها اشتكاه لأبيه قائلاً: عيب ما يفعله ابنك، ستكون فضيحة إن لم تردعه.. لكن العاشق ما ارتدع، وعندما أصبحت قصتهما على كل لسان قرر أبوه وأبوها أن يُسكتا الجميع، فتزوّج العاشقان، وبعد عامين ولدتني العاشقة في بستان النخيل، كانت تمشي مثل بطة، تحمل سلة خضار وتأكل الجمّار، وحين أحست بالتعب وبالتقلصات جلست تستريح مستندة الى جذع نخلة، وهناك حاصرها المخاض.. لم تولّدها ولّادة ولم تصرخ وتطلب المساعدة، فخرجتُ للدنيا وقررت أمي أن يكون اسمي جمار حتى قبل أن يراني أبي.. وضعتني بين الخضار وحملت السلة عائدة للبيت.
كان أبي يحبها جداً، وبرغم أنها لم تلد من بعدي لسبب لم أعرفه ولا أظنها تعرفه، إلا أن أبي لم يفكر بالزواج من امرأة أخرى.. كانت طفولتي حلوة، لعبت بين الحقول والبساتين، وكنت أعتقد أنها ملك لجميع الفلاحين، سبحت في سواقي القرية وتمتعت بأيام الحصاد التي تضج بالأغاني.. لكن الطفولة انتهت سريعاً، وأدركت أننا لا نملك سوى البيت الطيني المشيّد على أرض يملكها الشيخ كايد مثلما يملك الحقول والبساتين وأجساد الناس، كان هذا الشيخ يتزوج كل سنة من امرأة، وله أولاد وبنات لا يعرف عددهم، حتى أن الأمر يختلط عليه فلا يعرف هذا الولد أو تلك البنت من أية زوجة.
كنت ألعب مع الأولاد أكثر مما ألعب مع البنات، لكن ما إن كبرت وصرت ابنة العاشرة حتى نهرتني أمي:
ـ عيب يا بنت.. أنت الان في العاشرة، ابتعدي عن الأولاد.
ابتعدت عنهم لكنني لم أبتعد عن ماجد المرهون، فنهرتني ثانية:
ـ عيب يا بنت.. ابتعدي عن ماجد.. أنت بنت وهو ولد.
سألتها:
ـ ما العيب في ذلك؟
غضبت من سؤالي وقالت:
ـ حرام.
ـ لماذا حرام يا أمي؟
الله يقول حرام.
ولم أفهم.. بقيت أنظر الى ماجد المرهون من بعيد وأتحسر، وإذا اقترب مني أهرب.. أمسك بي ذات صباح وسألني:
ـ لماذا تهربين مني؟
قلت له وأنا أسحب يدي من بين يديه:
ـ لا تلمسني ولا تقترب مني.
صاح بي:
ـ لماذا؟
قلت:
ـ حرام.. الله يقول حرام لأنك ولد وأنا بنت.
هربت منه ولاحقتني ضحكاته.. ومن ذاك اليوم اكتفينا بالنظرات عن بعد.. همس في أذني ذات مرة وكنت شاردة أضع قدميّ في ماء الساقية:
ـ سوف أتزوجك يا بنت.
وبدأت قصة حبنا.. كان عندما يصعد الى قمة النخلة وتناديه أمه مُحذرة:
ـ كفى يا ماجد، لقد وصلت الى قلب النخلة، إنزل يا ولدي.
يصرخ بصوت عال:
ـ أريد أن أصل الى الجمّار.. أحب الجمّار يا أمي.
تخزرني أمه بطرف عينها ثم تصيح عليه:
ـ تحب الجمّار، لو جمّار؟
لم أتعلم في مدرسة.. كانت المدرسة بعيدة عن القرية وهي من حصة الأولاد، وكنا نحن البنات نذهب الى(الملّا) ونحفظ القرآن عن ظهر قلب، ولهذا يمكنني أن أقرأ لك القرآن كله، لكنني لا أستطيع الكتابة.. كم حاول ماجد تعليمي بعد الزواج ولكن رأسي ناشف لا يفهم سوى الحب، أحببت ماجد منذ الصغر، والحب في الصغر مثل النقش على الحجر.. تريدين الحق يا ست أمل، أنا مازلت أعيش على ذكراه.. كل هذه السنين أعيد قصة حبنا وأعيشها كأنها حدثت قبل مدة قصيرة.
هي الأخرى مثل أمي، صنعت وهمها وعاشت عليه، الفرق بينهما أنها عرفت نهاية الرجل الذي أحبته واستراحت، بينما أمي ماتت بحسرتها ولم تعرف أين انتهى المطاف بأبي.
**

استيقظت هذا الصباح مرعوبة، رحت أفرك عينيّ وأتلفت في زوايا الغرفة، لقد رأيتها، رأيت أمي وسط طبقة شفيفة من دخان تحيط بها، ومع ذلك لم تمنع تلك الطبقة رؤية تقاطيعها الحزينة، خرجت إليّ مثل نبت يخرج من باطن الأرض وانتصبت مثل شبح، فردت يديها ودعتني بصمت وهي تدخل سحابة راحت تتكثف حولها شيئاً فشيئاً، ثم تختفي بلمح البصر ويتلاشى الدخان.. لا أدري إن كان حلماً أو كابوساً يشبه الحقيقة أو حقيقة على هيأة كابوس، لا أعرف لغز الأرواح ولا دراية لي عن عالم الأموات، لماذا تدعوني إليها؟ انتابتني مشاعر مضطربة حيال ما تقوم به أمي ، لماذا لا تكف عن مطاردتي، لماذا تخيفني وأنا أحوج ما أكون الى الهدوء والسكينة؟
حين انتهت جمار من صلاتها رويت لها ما تراءى لي، قالت:
ـ إن روحها تحوم حولك لتحفظك.. الدخان الذي تلاشى هو اقتراب نهاية النار المشتعلة في العراق، إنه الفرج يا ست أمل.
هرعنا أنا وإياها الى التلفزيون نتلمس بارقة انفراج.. كانت الحرب قد دخلت يومها الرابع عشر، لكن البارقة لم تلح طيلة ساعات النهار وحتى وقت متأخر من الليل، مزيد من الغارات، مزيد من الخراب والتدمير تُجملها أكثر من قناة على النحو التالي:
× المعارك في الحلة وكربلاء والنجف تستعر.
× قوات التحالف تعبر نهر دجلة وتقطع الطريق بين الكوت وبغداد.
× قصف قرب معرض بغداد الدولي وغارة على أحد القصور الرئاسية في الكرخ.
× أطراف بغداد تُدك بالصواريخ.
× قصف اتصالات السنك.
× توقف البث في التلفزيون المحلي وقصف شديد على وسط بغداد.
× تواصل الغارات على البصرة.
× معارك الشوارع في كربلاء مستمرة
× قاذفات بي 25 تقصف الموصل منذ الصباح الباكر وسقوط 21 قتيلاً مدنياً وقصف مكثف على الجبال المشرفة على الموصل.
× زحف ملحوظ للتحالف شمالاً.
× المضادات الأرضية تنطلق في عدة مدن لكنها لم تفعل شيئاً.
× البصرة تشهد أعنف الغارات.
المشهد واحد في القنوات جميعها، نار، دخان، موت، وخوف على حياة لا يدري أصحابها في أية لحظة ستنتهي.
قناة " أبو ظبي " تعرض تجمعاً لنساء جنوبيات وهن في حالات سيئة وضياع لا حدود له، يسألن عن أبنائهن الذين لا يعرفن أي شيء عنهم.. أم تبحث عن ثلاثة أولاد، وأخرى تبكي ولدها الوحيد، وثالثة لا تدري إن كان ابنها مقتولاً أم مفقوداً.
جمار تختنق بالعبرات وتقول: الحمد لله الذي حرمني من الأولاد وإلا لكنت الآن مثلهن، ثم تلتفت نحوي والدموع تنزل من عينيها:
ـ إنها مصيبة يا ست أمل.. ما يحدث مصيبة.
أقول لها ساخرة:
ـ هذا هو الفرج.. ها؟
تزفر زفرة طويلة وترد:
ـ الأزمات عندما تشتد تنجلي، هكذا تعلمنا من الحياة، لا يمكن أن تدوم هذه الكارثة.
**

أحس بالتعب، كما لو أنني أحمل أثقالاً وأسير بها في طريق آخذ بالصعود، جرداء، بلا حماية، بلا قصر ولا حراس، بلا سيارة عسكرية مهيبة تقف عند الباب، ومن دون رجل يؤدون له التحية فيردها على عجل ويمضي الى " مهماته الصعبة " لا وقت لديه، يأتي مثل زائر، يطبع قبلة على جبيني، ينزع ملابسه العسكرية ويدخل الحمّام، يخرج بالروب الأنيق ويدعوني الى غرفة النوم فأستعد، مثل تلميذة حفظت واجباتها المدرسية وتعلمت الطاعة العمياء، لا أخذله أبداً فهو ولي نعمتي، ولا أظهر انزعاجي أو عدم رغبتي، لقد تعلمت فن التمويه والكذب، أحكم قناع الرضا على وجهي وأندس معه في الفراش.. ليس ثمة توافق جسدي بيننا، لكنني أتظاهر بذلك، ومن غير أن يُدرك، بل دون أن أعي ماذا أفعل، وبسرعة البرق أستبدل وجهه وجسده بأي بطل من أبطال السينما، أو أي وجه عابر لا أدري أين رأيته، حتى تنتهي " المهمة العسيرة " ويمضي على عجل مثلما جاء أو يغط في نوم عميق، فأنتفض ملء دمي وأزفر ما يشبه القيح داخل روحي، وتحت الماء أنزع عن جلدي بقاياه وأطارد وجهاً لم تتضح معالمه بعد.
**

تذكرت أنني لم أستمع للأشرطة التي جئت بها من بغداد، لعل الموسيقى تمنحني بعض الأمان أو بعض الاسترخاء، أخرجت واحداً منها وألقمته المسجل، تمددت على الفراش، استمعت الى الموسيقى بإحساس مختلف، إحساس من فقد كل شيء واندغم بعالم لا يعرفه، باحثاً عن يد تنتشله من القاع الذي راح إليه، لكن القاع اتسع وتعمق.. وانتهى الشريط دون أن يغمرني بذلك الشعور السماوي الذي كان يمنحني البهجة ويجعلني أبتكر الحكايات، وأدركت أن الحالة النفسية التي نحن عليها هي التي تجترح عالمها الخاص.. أخرجت الشريط وأعدته الى الدرج، ولم يعد وجه ياني المرسوم عليه يغويني، أو يهمس لي في الظلام، ولا حتى في ضوء النهار، بل رماني الى جبار الذي تقلصت ملامحه ذات يوم بشكل أخافني حينما قلت له:
ـ أريد زيارة أمي.. لم أزرها منذ زمن طويل.
قال بصوت أجش:
ـ أنت مثل أختي أم لؤي، تتحدثين وكأن امك ماتزال على قيد الحياة.. تقصدين زيارة قبرها أليس كذلك؟
قلت:
نعم.
ردّ وهو يصطنع ابتسامة:
ـ عزيزتي.. القبر مجرد غطاء حجري، والذي تحته مجرد عظام، الإنسان يعيش مرة واحدة، ولا حياة بعد الموت، هذه هي الحقيقة.

شعرت كما لو أنه يغرز سكيناً في قلبي، وازداد إيغال السكين حينما نهض وغادر البيت، تركني في المكان صامتة، صمتُ طويلاً، ومن الغريب أنني لم أنفجر بالبكاء، بل حاولت إقناع نفسي بصواب ما يقول، إذ لايمكن أن يكون رجل بعمره وخبرته وجسامة مسؤولياته، أن لا يكون على حق.
لا أدري متى وكيف اندغمت بالشخصية التي يريدها، ومتى تسللت شخصيتي وهربت مني؟ ولماذا أحتاج دائماً الى تصريح منه لأفعل هذا الشيء أو أترك ذاك؟ لا أعرف بالضبط لماذا أبرر له تصرفاته وأتبنى وجهة نظره كلما ازدادت قيودي، وأجد له الأعذار بانشغالاته الكثيرة إزاء البلد الذي يقف على كف عفريت.
هل قلت " عفريت " ؟
كلمة عفريت تذكريني بعبارة كانت أمي ترددها من وقت لآخر(عفريت الحروب يتلبس الرئيس، وسيضيع آلاف الآباء مثلما ضاع أبوكِ)
في كل مرة تقولها لا أعلّق، إنني أبحث عن عالمي بعيداً عن كل ما يوترني أو يقلص مساحة أحلامي التي لا أجدها على أرض الواقع، إنما في الكتب والموسيقى.. السياسة والحروب لا تهمني، حتى الرجل الذي تزوجته والذي يقضي جلّ وقته في دائرة السياسة نأيت عن أحلامه وطموحاته السياسية، وقد أراحه ذلك كثيراً بعد المرة التي تحدثتُ فيها عن سفينة البلاد التي تكاد نغرق، وتحذيره لي من أن يكون البيت قد زُرع بلاقطات تنصت سرية.
تقطع جمار سيل استذكاراتي إذ تقول:
ـ هل أعد الطعام؟
ـ لست جائعة.
ـ حالتك لا تعجبني.
ـ وأنا لا أعجب نفسي.
ـ ماذا نفعل، وعد ومكتوب، هذا البلد لن تخمد ناره، مذكور بالكتب القديمة.
ـ ألم تقولي إنك لا تعرفين القراءة؟
ـ حكايات الآباء والأجداد هي التي تقول ذلك.
ـ هذا كلام غير مجدٍ يا جمار.
ـ نحن لا نملك غير الكلام ومشاهدة التلفزيون.
قلت لها فيما يشبه الأمر:
ـ لا تفتحي التلفزيون هذا اليوم، أعصابي متعبة وأخشى الانهيار.
دردمت بكلام لم أتبيّن معناه ومضت الى المطبخ، فأحسست بامتعاض من نفسي، وشعرت بأن قلبي فارغ، بل إنني أعوم في فراغ وأصطدم بأشياء لا أدركها، وأن أحلامي التي كانت تملأ رأسي لسنوات قد تآكلت وشاخت كما لو أنني تجاوزت مرحلة الشباب ودخلت في شيخوخة مريضة.
بعد أقل من نصف ساعة لم أستطع كبح جماح رغبتي في متابعة الأخبار، هرعت الى التلفزيون وفتحته، لحقت بي جمار تجر قدميها وتابعنا معاً " حفلة الموت "
كانت بغداد قد استقبلت الغارات مبكراً كالعادة:
× تدمير المركز التجاري السوري.
× تضرر بيت السفير الباكستاني.
× طرد مراسل الجزيرة تيسير علوني من بغداد وإيقاف المراسل ديار العمري عن العمل.
× قوات التحالف تعلن بأنها على بعد ثلاثين ميلاً من بغداد.. وفي خبر لاحق أنها على بعد عشرة كيلو مترات.
× مقتل مئات العراقيين تحت القصف العنيف في بغداد وحدها.
× الجيش الأمريكي يصرح بأنه يتمركز خارج مطار بغداد، ثم يعلن بأنه أقرب كثيراً من المطار، ووزير الإعلام العراقي ينفي الخبر.
× مقتل 14 وجرح 66 في غارة على منطقة الدورة بحسب البيان العراقي، وفي بيان لاحق سقوط 27 قتيلاً وجرح 193 من المدنيين.
× غارة على القصر الجمهوري للمرة الثالثة.
× انقطاع التيار الكهربائي عن جميع مناطق بغداد واستمرار الانفجارات على وسط وجنوب العاصمة.
× في كربلاء تم اسقاط مروحية ومقتل طاقمها، بينما معارك الشوارع ما تزال مستمرة في المدينة المقدسة.
× مئات المدنيين يغادرون البصرة نتيجة قصف الأحياء السكنية.
× عرض مأساوي على طريق الناصرية والنجف لعشرات النساء والأطفال الفارين وهم يطلبون الماء.
قلت والأسى يغمرني:
ـ يعطشون وهم أهل الأنهار.
علقت جمار:
ـ يقولون في الكتب القديمة إن دجلة غضب وفاض ذات سنة، تهدمت البيوت واقتلعت الأشجار وطاف كل شيء، جرف الماء جثث الناس والحيوانات، وانتشرت الأمراض، ومن نجا عاش معلولاً، لكن الحياة عادت من جديد، جزر الماء ودُفن الموتى مع الحيوانات النافقة وبُنيت البيوت واخضرّت المراعي، وأصبحت حكاية الغرق والطوفان تجري على كل لسان مثل الأحلام.
ـ ماذا تقصدين من وراء هذه الحكاية؟
ـ أقصد يا ست أمل أن الحرب ستنتهي، تأخذ ما تأخذ وتترك لنا حصة كبيرة من الحكايات، تنهض البلاد وتعود الأمور الى طبيعتها.
قلت بعصبية:
ـ الحياة لا تعود لطبيعتها حتى بعد انتهاء الحرب.. نحن سنضيع.
ـ البلدان لا تضيع.
ـ وما قيمة البلدان إذا مات أهلها؟
ـ أنت يائسة، لم أرك هكذا من قبل.
لم أرد، دستُ على زر الإغلاق فانطفأت الشاشة.. مرت لحظات صمت قالت جمار بعدها:
ـ كان ماجد المرهون في الجيش الشعبي، استدعوه سبع مرات، وقد خدم في الجيش قبلها مرتين، كان الرعب يمزق قلبي والجيثوم يعصر صدري كلما مضى الى الجبهة، ولأن الله أراد له الحياة فقد خرج من تلك المعارك دون أن يصاب بأذى.. المقسوم مقسوم يا ست أمل.
شعرت أن أعصابي لم تعد تتحمل كلامها.. مضيت الى الغرفة وأنا أقول لها بعصبية: لا تفتحي التلفزيون.
**

كنت أهذي وأنا أردد عبارة تذكرتها من قراءات سابقة " إننا نموت في الصفحة الخطأ من التقويم " رحت أكررها وأنا أتقلب في الفراش، ثم تلاعبت بها، غيرت بعض كلماتها واستبدلتها بكلمات أخرى، صنعت منها قلادة أسى:
نحن نعيش في الصفحة الخطأ من التقويم.
نموت في الرحيل وخارج الأمكنة.
العراقيون وحدهم يعيشون في الصفحة الخطأ والزمان الخطأ من التقويم.
أمي عاشت في الصفحة الخطأ فتكدّس طمى الحزن على قلبها وماتت.
أنا جئت للحياة في الزمن الخطأ، زمن العجز والانحطاط والغربة والغرائب، الزمن المخلخل الذي يصعد فيه رجل الى سدة الحكم بمحض مصادفة فيغيّر وجه الحياة.
طفل يولد في عائلة ثرية، وآخر يولد على حافات السواقي أو تحت سقوف التنك، كل واحد منهما جاء في الزمن الخطأ من التقويم.
هذا ببشرة ناصعة البياض يعطي نفسه الحق بالتسيّد على آخر بشرته سوداء يجر عربة الخضار وينظف قذارة الأبيض.
جمار تولد في عائلة فقيرة يعتبرها الشيخ من ممتلكاته، ولو وُلد الشيخ نفسه في عائلة مماثلة لأصبح عبداً لشيخ آخر.
لو لم يُفقد أبي في الحرب لأصبح لي إخوة وأخوات، لكنه اختفى في الزمن الخطأ من التقويم.
نعم.. كنت على يقين محسوس بأنني أهذي مثلما يهذي المحموم، لكن جمار قطعت عليّ هذياني بنحيبها، أسرعت نحوها، كانت تحدق بالشاشة، قالت وهي تنشج:
ـ ظهرت صور في التلفزيون لقبور مهدمة وعظام منتشرة على مساحات واسعة بفعل المعارك.. شفتي يا ست أمل، حتى الموتى لم يسلموا من الحروب.
وبكت بحرقة، ربتُ على كتفها وقلت:
ـ خلينا بالأحياء الذين لا يعرفون إن كانت أجسادهم ستحظى بقبر أم أنها ستتمزق على الطرقات، وربما ستصبح طعاماً للكلاب السائبة إن لم تجد من يلملمها.
واصلت جمار بكاءها، فشعرتُ بأن قلبي يكاد ينفطر، رحت أحضنها وطبطبتُ على ظهرها فكفت عن البكاء.
ـ قلت لك لا تفتحي التلفزيون.
ـ لم أستطع يا ست أمل.
في هذه اللحظة امتلأت الشاشة بوجه وزير التجارة وهو يصرّح( ليس هناك خوف من نقص الغذاء فالمخازن مليئة بالمواد الغذائية) صرخت جمار بغيظ:
ـ شفتي يا ست أمل.. نفس القوانة.. بحرب الكويت أكلنا الخبز الأسود والناس ماتت من الجوع ونقص الدواء، وهم يغنون عن الفرح.. إذا كنت لا تعرفين يا ست أمل لأنك لستِ من طينتنا فأنا أخبرك ماذا حصل.. صار الناس يبحثون في حاويات الأزبال عن الطعام، والأولاد الأيتام تركوا المدارس وامتهنوا التسوّل، أو راحوا يدورون بين بيوت الأغنياء بحثاً عن أحذية تالفة وزجاجات فارغة يبيعونها للتجار الذين يعيدون صناعتها.
يواصل الوزير(سنوزّع حصصاً إضافية، نحن مطمئنون على الوضع) تختفي صورة الوزير لتظهر المذيعة الشقراء وتذكّر مشاهديها أن الحرب دخلت يومها السادس عشر، لتستمر المحرقة.
× نزوح أهالي المناطق المجاورة الواقعة قرب المطار.
× التحالف يعلن أسر 40 جندياً من الحرس الجمهوري في قاعة المطار، واستسلام 2500 في المعركة، ومقتل 320 في مجمل المعارك التي دارت داخل وفي محيط مطار بغداد.
× قصف عنيف على حي العامرية.
× غارات جديدة على الموصل.
× وزير الإعلام يعلن لمجموعة من الإعلاميين(نحن نحاصر العلوج والنصر قادم).
جمار لا تضبط أعصابها:
ـ الله يخزيك على هذا الكذب.
في هذه اللحظة اصطدم عصفوران في زجاج نافذة الصالة وسقطا وراء الجدار، كانا على ما يبدو يتعاركان.. قالت جمار:
ـ هذا دليل خير.. سيأتينا ضيف.
سخرت من قولها:
ـ أي ضيف ونحن في هذه العزلة؟
ـ ربما يأتي زهير.
ـ أنا نسيت زهير، ثم ما علاقة عراك عصفورين بما تقولين؟
اتكأتْ على الكوشة وسحبتْ نفساً عميقاً ثم قالت:
ـ لا أدري، كنا في القرية نعتقد بهذا، عندما يتعارك عصفوران يقولون سوف يأتي ضيف، والناس هناك تستبشر بقدوم الضيف.
وما إن أنهت جملتها حتى قرع الجرس، فنظرنا الى بعضنا في الوقت نفسه.. أنا صمتً وهي نهضت قائلة:
ـ ألم أقل لكِ؟
وهرعت فرحة كما لو أن طاقة الفرج انفتحت أخيراً.. وبعد لحظات نادت عليّ بصوت شممتُ منه رائحة الخيبة، فرأيت رجلاً سميناً يقف عند الباب لم أره من قبل:
ـ مدام.. هل ستبقين شهراً آخر أم ستخلين الشقة؟
قلت بارتباك:
ـ لم أفهم.. ألم يدفع لكم السيد زهير؟
ـ دفع لشهرين فقط، وبعد اسبوع سندخل الشهر الثالث، جئت للتذكير.
ـ كم الإيجار من فضلك؟
ـ 400 دينار.
نبزت جمار:
ـ هذا مبلغ كبير.
ردعتها بنظرة سريعة أن تسكت، وقلت للرجل سأرد عليك بعد غد.
أسرع للقول:
ـ غداً إن أمكن.. هذا رقم هاتفي.
أعطاني الكارت وغادر المكان، فيما انبرت جمار للقول:
ـ وينك يا زهير، فص ملح وذاب؟
قلت لها:
ـ المشكلة الآن ما عادت زهير، يجب أن نتصرّف.
ردت جمار مُحاولة التخفيف عني:
ـ اصبري، ربنا يفرجها، كل دابة على الأرض ولها رزقها.
اغتصبت ابتسامة وقلت:
ـ شكراً، ها نحن دواب في عرفك.
أسرعت للقول:
ـ والله يا ست أمل، الدواب أسعد حالاً من البشر.
وبعد لحظات سألتْ:
ـ والآن ماذا سنفعل؟
ـ سأفكر بالأمر.. إما أن نبقى شهراً آخر أو ننتقل الى شقة أرخص.
**

منذ رأيت وجهاً آخر غير وجهي وأنا أتحاشى النظر الى المرآة، وإذا اضطررت، أنظر بشكل سريع دون أن أبحث عمّا وراء الصورة.. اليوم وقفت مطولاً أتمعن في وجهي، بدا ذابلاً، لا مسحة لجمال أو لحياة فيه.
قال لي يوماً زميل في الجامعة قبل أن أتركها: كلما نظرتُ إليك اكتشفتُ جمالاً من نوع خاص لا يُعطي نفسه للوهلة الأولى، جمالك يوقظ الحزاس ويسمو بها.. وقتها ضحكت مما يراه، قال إنه مستعد أن يرسمني ليريني كيف أبدو، قلت له أنت تستدرجني لما يدور في رأسك، لكنه أقسم أنه يقول الحقيقة دونما غاية يسعى إليها.. زميلي هذا كان يود دراسة اللغة الإنكليزية مثلي، لأنها تفتح آفاقاً واسعة لمعرفة تراث الأمم الأخرى، لكنه تراجع إزاء بغض والده للإنكليز، لأن جده كان أحد رجالات ثورة العشرين.. وقتها لمته على خضوعه لرغبة الأب وقلت: لست ظلاً لأبيك، أنت كينونة قائمة بذاتها، عليك أن تتمسك بأحلامك وتختار شكل حياتك بعيداً عما يريده أبوك، لكنه ردّ بالقول، إنه لا يريد أن يُغضب أباه المصاب بارتفاع ضغط الدم.
منذ حدثني عن ذاك الجمال الذي يوقظ الحواس، صرت أنظر كثيراً الى المرآة حتى أيقنت بما قاله، ولو لم أكن على هكذا نوع من الجمال لما سعى إليّ جبار وامتلكني.
أنظر اليوم في المرآة وأتساءل: أين اختفى ذاك الوجه؟ ولماذا تنأى ملامحي عني في أغلب الأحيان؟ وإذا ما اقتربتْ فإنها تتصلّب وتتشنج؟
لم يحدث هذا التغيير منذ جئت الى عمّان، بل قبل ذلك بكثير، لكنني كنت أعزوه الى حالة الضجر التي رافقتني داخل القصر، والتي سلبت مني بالتدريج متعة تحسس الأشياء الجميلة، وربما ازداد الأمر سوءاً بعد أن قرأت رواية أوسكار وايلد " صورة دوريان جراي " لكنني في تلك الفترة قاومت الشكوك التي راودتني وطمرت إحساساً خلخلني لعدة أيام، وأخفيت الرواية وراء صف من الكتب حتى نسيتها.
اليوم تخرج الشكوك والأحاسيس وتفرض وجودها، واضحة بيّنة، تغزو ما تبقى من ملامح وجهي لتحولني الى امرأة أخرى بدأت تتلبسني، مستلة مني وهج الجمال.. لم أفكر بالهرب منها ولن أعزف عن النظر إليها ملياً، لكن هذه الصورة ترعبني، تماماً كما أرعبت " دوريان جراي " حين رأى صورته وهي تمضي الى الشيخوخة.. وإلى القبح.
دوريان جراي شاب جميل، التقاه رسام بارع يدعى " بازيل " وفتن به، فرسم له صورة آية في الجمال، وحينما تطلع إليها دوريان جراي زادته إحساساً بالألم، ذلك أن الجمال الذي يتمتع به سيزول يوماً ما، بينما تبقى الصورة جميلة، فتمنى أن يبقى جماله خالداً وتشيخ الصورة بدلاً عنه.. وفعلاً بدأت الصورة تشيخ بمرور الزمن، لكنها تشيخ كلما أتى صاحبها فعلاً سيئاً، حتى غدت بشعة وقادته الى الانتحار.
أتراني سأتحوّل الى تلك الصورة البشعة؟ وإذا حدث ذلك، أيّ أمر سيء تراني فعلت؟ ومتى سأطلق على قلبي الرصاصة التي توقفه عن النبض؟
الفعل السيء ليس بالضرورة أن يكون مكرساً تجاه الغير، لكنه أيضاً يمكن أن يكون فعلاً غير مرئي أو سلوكاً ما لإفساد الروح..هل تراني أفسدتُ روحي دون أن أدري؟
ها أنا أمعن النظر اليّ وأرى تلك القسوة في نظراتي، وتلك الصرامة في ملامحي، وذلك الخوف الذي ينطلق من أعماقي فيشوهني، لا، لست أنا التي أراها في المرآة، بل امرأة أخرى تعمل على تهشيمي.
**

كنتُ أصف الكتب القليلة التي معي على جانب من الكومدينو عندما دخلت جمار وهي تقول:
ـ هل تحتاجين شيئاً قبل أن أنام؟
قلت:
ـ تعالي اجلسي قربي، أحس بالسأم.
جلسنا على حافة السرير، قالت وهي تنظر الى الكتب:
ـ ماذا في هذه الكتب؟
ـ حكايات.
ـ عن أي شيء؟
وجدتُ نفسي أقول:
ـ عن مجموعة نساء، أرامل ومطلقات وباحثات عن رجالهن، يجلسن على عتبات البيوت ويحكين عن حياتهن الفارغة وعن الحب الضائع.
ـ إحك لي يا ست أمل عن واحدة من تلك النساء وسأستمع إليك وأغفو على صوتك.
تمددنا على السرير، انفتحت كوة في رأسي ورأيت من خلالها وجه صبرية، قلت لجمار:
ـ استمعي الى هذه القصة عن امرأة تدعى صبرية، أحبت رجلاً من عشيرة أخرى أقل مستوى من عشيرتها، وحين تقدّم لخطبتها رفضتها العائلة، ولما كرر المحاولة هدده ابن عمها الذي كان يحبها هو الآخر لكنها لا تبادله الحب.. كانت في العشرين من العمر.. مرّ قطار الزمن بها، لم تتزوج من حبيبها ولا من ابن عمها، كانت ترفض كل من يتقدم للزواج منها حتى تجاوز عمرها الأربعين.. مات ابن العم خلال هذه المدة الطويلة، وتزوج الحبيب وأصبح له سبعة أولاد، ومات أغلب أفراد عائلتها.. وبعد هذه السنين تزوجت من الحبيب، صارت حكايتها على كل لسان، وآمن الناس بأن الحب ينتصر في نهاية المطاف كما في الأفلام العربية، وإذا بها تصدم الجميع وتطلب الطلاق قبل أن تكمل عامها الأول من الزواج.
ـ ليش؟
سألتْ جمار مستغربة فقلت وأنا أرى النساء يحطن بصبرية:
ـ نساء العتبات سألنها هذا السؤال، لكنها رفضت الإجابة، وذات مرة حاصرنها بالسؤال فردت:
ـ لم يكن هو ذاته الرجل الذي أحببته وحلمت به، كان رجلاً آخر في الفراش.
وأبت بإصرار أن تحكي أكثر من ذلك.. وحينما ألحّت عليها أم عدنان، أقسمت بالقول:
ـ سيذهب سري معي الى القبر.
قالت جمار:
ـ ماذا تعتقدين السبب يا ست أمل؟
ـ كيف أعرف إذا كان سرها سيمضي معها الى القبر؟
ـ وأنت؟
ـ أنا؟ ماذا تقصدين؟
ـ كنت أود سماع قصتك.
ـ لا شيء في حياتي يستحق السماع.
ـ كل امرأة لها قصة، إلا إذا لم ترغبي بالحديث عن نفسك.
ـ هذا صحيح.. ربما لم يحن الوقت بعد.
ـ فضفضي يا ست أمل، لاشيء يعصر القلب ويوجعه مثل الكتمان.. عندما تخرجين أسرارك من صدرك تتخلصين من الهموم وتشعرين بالراحة.
ـ لا أملك موهبة الحكي مثلك يا جمار، أنت تشبهين نساء العتبات، إنهن ماهرات في جعلك تبكين عليهن أو تضحكين معهن، كل واحدة منهن كانت تطارد وهماً على هيأة رجل، وكلهن يتسابقن لسرد الأحزان ولمعرفة أيهن أكثر حزناً من الأخرى، مساحة الفرح ضيقة في حياتهن الى الحد الذي أصبحت مثل خرم الإبرة، بينما تتسع يوماً بعد يوم دائرة أحزانهن.. كان يمكن اجتياز الكثير من الآلام لو أنهن فكرن للحظة بطمر الفجوة المظلمة في نفوسهن، أما وقد سرن في هذا الطريق الوعر فقد صار من الصعب عليهن التراجع.
تثاءبت جمار وسكنت حتى ظننتها نامت، فرحتُ أستذكر ذاك الحوار الذي دار بين نساء العتبات وأحكيه، مفترضة أن جمار تسمعه.
حين رفضت صبرية أن تبوح بالسر لكزتها أم عدنان:
ـ سأنبش قبرك إن لم تقولي ماذا كان يحدث في الفراش مع حبيب العمر.
لكنها أبت بإصرار عجيب، وتدخلت فطومة:
ـ اتركيها يا أم عدنان، سيمتلىء قلبها يوماً ويطفح فتنفض أسرارها مرة واحدة.
تراجعت أم عدنان وهي تقول:
ـ هذا صحيح.. كان قلبي مثل صندوق مقفل ولمّا تورّم أفرغتهُ وتخففت.
يبدو أن جمار لم تنم كما ظننت، قالت بصوت ناعس:
ـ شفتي؟ ألم أقل لك، عندما تفرغين ما بصدرك تتخففين، ليس أكثر ثقلاُ من الأسرار، إنها مثل صخور الجبال على الصدر.
لم أعلق، فسألتْ جمار:
ـ وما هي حكاية أم عدنان؟
ـ أم عدنان امرأة على أعتاب العقد السادس.. لم تكن داخل البيت حينما سقط صاروخ على منزلها فقتل زوجها، كانت الحرب في سنتها الأولى مع إيران، وكانت ما تزال وقت ذاك في منتصف الأربعينات من العمر، ولما لم يكن زوجها موظفاً في دائرة حكومية فقد وجدت نفسها بلا غطاء يحميها من مصائب الدنيا، لذلك نزلت الى علوة السمك واشتغلت، وبرغم أنها حالما تعود الى البيت تغسل ملابسها وتبخرها، وتغطس في الماء لتستحم وتزيح عنها روائح السمك، إلا أن الرائحة أصبحت جزءاً منها، وصار أهل الحي والعاملون في العلوة ينادونها ب " أم السمك " بدل أم عدنان، وهذا الأمر سبّب إحراجاً لولدها المراهق، فاضطرت للتحوّل من بيع السمك الى بيع الخضار، لكن رائحة الزفر ظلت تتبعها أينما حلّت.. أما عدنان فقد درس الكهرباء في ثانوية الصناعة وصار المعيل، فتركت أم عدنان البيع والشراء، وبعد سنوات قُتل في حرب الكويت، فعاشت براتبه التقاعدي، وصارت دارها وعتبة دارها ملاذاً للنساء الموشومات بالقهر، اللواتي تجاوزتهن الحياة وتخمّر الحزن في جلودهن.
هذه المرة نامت جمار فعلاً، بعد أن تركتني هناك، على العتبات.. كنت وأنا طفلة أندس بين النساء وأستمتع بحكاياتهن، ثم بمرور السنين مللتها وصرت أفضل العزلة التي أصبحت، كلما استطالت قامتي، أنيسي.. شرنقة لففتُ حولي خيوطاً من قنّب خشن ظننته حريراً، لم أشعر بوخزه إلا بعد أن رُميت خارج الحدود.
هل تنكسر كبريائي حين أعترف بأنني أشعر بحنين جارف الى تلك العتبات؟
هل ستتصدّع مشاعري إذا ما قررت حال عودتي الى بغداد الذهاب إليها وتقبيل حوافها المثلومة، لعلّي أعيد لحكاياتها ذلك الوله والوهج والوهم والوجع الراكد الذي يسكن صدور النساء؟

هل سأشم رائحة السمك في ثياب أم عدنان ورائحة العشق المعتّق لما بقي من ذكريات أمي وأتلمّس الأسى في عيون فطومة؟ وأكشف السر الكامن في صدر صبرية؟
ربما سأبكي بحرقة حين أخرج ثوب زفاف أمي من خزانتها وألبسه، أنا التي لم ألبس ثوب زفاف في عرسي الذي لم يحضره أحد.
في لحظة ضعف راودتني فكرة أن أبوح لجمار عن هذا(الإرث) الذي أقفلت عليه في صندوق رأسي، والذي يعذبني ليل نهار، لكن شيئاً ما، لعله بقية من كبرياء زائف ما يزال يغلفني ويتحكم بي، ما تزال بعض الجدران متمسكة بحجارتها ولم تسقط بعد، ولا أريدها أن تسقط، برغم أنني اقتربت كثيراً من جمار في الأيام الأخيرة.
حين أقارن بيني وبينها أجد أن كفتها ترجح في ميزان الطيبة والرضا عن النفس، هذه المرأة خلقت من طين حرّي، بينما طينتي جاءت من رمال منزلقة، هشة، ومراوغة، لكنني أكابر وأهرب من خفايا نفسي لئلا تظهر تظهر الصورة التي أنا عليها.. جمار معجونة بتراب الأرض، وأنا النشاز الذي خرج من شقوق الأرض واشرأب دون أن يثمر، هي الحكاية المتوارثة، وأنا الحكاية الطارئة التي ستسقط من شجرة الحياة، هي المرأة الذاكرة وأنا المرأة الآيلة للنسيان، وقد أحتاج الى معجزة حتى أصل الى أعماق نفسي وأهتدي الى بوصلتي، عندها سأرى الأشياء كما يجب أن أراها، دونما أوهام وبلا غلالات وأغلال.. سأحاول أن أتمسك بصبر أعرف أنني غير قادرة عليه، سأحاول يا جمار حتى نعود الى بغدادنا.
**

يوم جديد مفتوح على أفق ينبىء ببداية فصل الربيع في عمّان، طبيعة تضحك للشمس وتتلوّن الأشجار بالأصفر والبنفسجي والأحمر والبرتقالي والأبيض، لكن فصل الجحيم في العراق ما يزال ساخناً وحارقاً في يومه الثامن عشر.
× طائرات التحالف تستبيح كل ما يقع ضمن أهدافها في سماء بغداد والبصرة والموصل وكربلاء وذي قار.
× القوات البريطانية تضيّق الخناق على البصرة.
× ضواحي بغداد كما في وسطها وغربها تشهد قصفاً مدفعياً، والسلطة أو ما تبقى منها تعلن حظراً للتجوال من السادسة صباحاً حتى السادسة عند المساء.
× غارات على معسكر الرشيد.
× بيان للقوات الأمريكية يقول: إن القوات تستعد خلال الساعات القادمة للزحف على بغداد.
× معركة المطار لم تحسم بعد، حيث يتمركز سبغة آلاف من قوات المارينز داخل وحول المطار.
× سقوط اثنتي عشرة قذيفة هاون في شارع السعدون وسط بغداد من دون إعطاء رقم للضحايا المدنيين.
× قصف على منطقة زيونة قرب مبنى اللجنة الأولمبية، وحي المنصور يتعرض الى غارات متواصلة.
× الدبابات البريطانية أصبحت داخل البصرة، والعراق ينفي بينما الصور المتلاحقة تؤكد الخبر بخروج المواطنين الى الشوارع وهم يتفرجون على أرتال الدبابات البريطانية دون أية مقاومة.
× بعد ساعات من دخول القوات البريطانية مدينة البصرة تبدأ عمليات سلب ونهب للدوائر الحكومية.
× القوات الأمريكية تعلن عند المساء سقوط مطار بغداد، وتحط أول طائرة أمريكية على أرضه.

يمر الصمت عليَ فأبتل به وأعزف نشيج الغربة، تتلقفني الحكايات الضالة فأضل معها في شوارع عمّان الضاجة بالحياة، لعلّي أهتدي الى قشة في هذا الموج الصاخب المتلاطم تأخذني الى أرض الأجداد قبل أن تعرف الحرب طريقاً إليها.
**
إنها العاشرة مساءاً، ألاحق ظلاً اسمه النوم فيزوغ كلما حاولت الوصول إليه.. حينما كنت في بغداد، وفي مثل هذه الساعة، أكون بين طيات فراشي الوثير، وحدي غالباً، أتمطى وأترك مخيلتي تسرح لتجوب في حقول تمنحني قصصاً مستحيلة، وأخرى صارت جزءاً من ماض لا أرغب في تذكره، لكنها، تلك القصص، تفرض مرورها في حقولي.. أتذكر وسام ابن جبار الذي لم تسعفني المصادفة برؤيته عندما أصبح شاباً، يخطر ببالي مثل حلم خاطف.. لو كان جبار قد أتى ليخطبني لابنه كما توهّمت أمي أول الأمر لتغير قدري حتماً، أتساءل: هل خطط جبار للاقتران بي لكي يرد الصاع صاعين لأمي التي شتمته ذات يوم حينما رفع وسام ثوبي وحاول التحرش بي فلم يجد جبار طريقة للرد غير انتزاعي منها بأية طريقة؟
أتقلب في الفراش، يحط الوجه الذي لا يعطيني كل ملامحه، يطوقني ويشعل الرغبة في جسدي فأتلوى من حب رجل لا أعرفه ولا أريد أن أعرفه، تسحرني الأشياء الغامضة، أحب الظلال وتموّج الأشياء قبل أن تستقر، أطارد فراشاتي المندفعة نحو النار، وأمسك بقبضة الرماد الذي يسقط من أجنحتها المحترقة، ثم أروح في نوم عميق، هناك ، على فراشي الوثير، حتى تستيقظ حواسي صباحاً على شدو العصافير ورائحة الشبوي المتسرّب من النافذة، أشعر بالنشوة قبل أن تتمدد ساعات النهار وتضجرني فأحاول اختزالها بالقراءة والموسيقى والتجوّل بين ممرات الحديقة والجلوس قرب حوض الأسماك، ألاحق أخيلتي الجامحة فأنقلها الى البحر وأغوص معها في أعماقه وبين مرجانه وقواقعه.
الساعة العاشرة.. أنا هنا.. في عمّان، على فراش أسميته فراشي، نام عليه الكثيرون قبلي، أستجير بحكايات كنت قد مللتها وهربت منها عندما كانت أمي التي قشّرها الحزن تسفحها على مسامعي ليل نهار، أراها وقد حضرت من غيابها، تقترب مني وبسرعة عجيبة تسحبني من فراشي وتأخذني الى هناك فأجلس معها على العتبات.
تتباهى أمي بأنها الأكثر إخلاصاً من صاحباتها، فبرغم أنها ما تزال شابة إلا أنها لم تفرط بخزين ذكرياتها مع أبي، وبأن شعلة الحب ما تزال متوهجة في قلبها، ربما كانت تدرك أن أبي لن يعود، لكنها تريد الإبقاء على صورة المرأة المحبة والعصامية التي عرفها الناس بها ومن خلالها.. كان يمكنها أن تعيش حياة مرفهة لو أرادت، لكنها أبت إلا أن تعيش على أمل أن يجمعها الله يوماً ما برجلها.. إنها تخشى أن تصبح مثل زوجة (عباس الهايم) الذي عاد من الأسر في إيران بعد أربعة عشر عاماً، وكان يُظن أنه مفقود، ليجد زوجته وقد تزوجت من أخيه، فاختلّت أعصابه وفقد عقله.
ذات مرة ناكدتها صبرية بالقول:
ـ صبري أطول من صبرك يا أم أمل.. انتظرت الرجل الذي أحبه سبعاً وعشرين سنة، وعندما حلّت اللحظة التي انتظرتها كرهت الرجال جميعاً.. أنت واهمة حين تعتقدين أن مصطفى سيعود بالحب الذي كان عليه.
ترمقها أمي بغضب وتقول:
ـ مصطفى من طينة أخرى.
يعلو صوت صبرية:
ـ كلهم من طينة واحدة، ستتذكرين كلامي إذا قدّر الله وعاد مصطفى.
تصدها أمي بشراسة في إشارة لما جرى لصبرية:
ـ الحيانة ليست من طبعه.
تحاول صبرية أن تهدأ:
ـ لم أقل بأنه سيخونك، ربما لا يفعل ذلك مطلقاً، ولكنه سيعود بروح مخرّبة.
تهدأ أمي قليلاً وتقول:
ـ سوف أرمم روحه، وأزيل عنه الكدمات والندوب.
أمي لا تدرك أن روحها هي التي تخربت وتشظت، وأن قلبها امتلأ بالقروح، لكنها على شاكلة كثير من النساء تستعذب الآلام وتعتقد أن الوفاء للرجال في غيابهم الأبدي هو ما يمنحها تأشيرة البقاء على قيد الحياة.
تعود صبرية للكلام بصوت فيه من الشفقة على أمي أكثر مما فيه من التعنيف واللوم:
ـ والله يا أختي أنت بحاجة الى من يزيل عنك ألهم والكرب.
تظلل وجوه النساء سحابة من حزن كثيف، ويعم الصمت حتى يقطعه (عباس الهايم) وهو يمشي على الطريقة العسكرية بينما يُمسك بنعليه، ويصرخ:
ـ يس، يم، يس، يم.
ثم يطلق صفيراً يشبه صفارة الإنذار، وتكون أم عدنان قد خرجت من بيتها باتجاه عتبة بيتنا فتدعوه الى مجلس النساء.. يقف ويرمقهن بنظرة بلهاء فتقول أم عدنان:
ـ عندي لك خبر سعيد، تعال اجلس معنا.
تلكزها أمي:
ـ دعيه وشأنه، لا نريد هذه البلوى.
ترد أم عدنان:
ـ لا تخافي.. شكوكك ليست في محلها.
وتكرر نداءها على عباس، لكنه لا يستجيب، بل يُدبر مسرعاً ويخرج من الزقاق، تلتفت أم عدنان نحو أمي وتقول:
ـ شفتي.. لو كان يعمل لحساب الحكومة لجاء مسرعاً.
وتقول صبرية:
ـ حتى لو كان (منهم) لماذا نخاف؟ ماذا لدينا لتخشى منه الحكومة؟ نحن حريم وتحت خيمة الكريم.
لأمي مجسات تتجاوز حواسها الخمس، فهي مُذ فقدت أبي صارت تحيط نفسها بأسلاك شائكة خوفاً من نوايا الرجال أياً كان صنفهم، حتى إن كانوا مجانين، الرجل الغريب في عرفها إما يرغب في افتراس المرأة جسدياً، وإما يريد توريطها لالتقاط الأخبار لأنه يعمل بالجهاز السري للحكومة، وقد يتظاهر البعض منهم بالجنون، أو كرجل دين، أو مشعوذ يدّعي الكرامات لتأتيه النساء المكلومات لعله يكشف طالعهن، ثم ما يلبثن أن يتورطن بأمور ما كانت تخطر على بالهن.
في إحدى المرات لبّى عباس الهايم دعوة أم عدنان، وكانت النساء مجتمعات على عتبة بيتها، جاء وكرفص تحت العتبة فبادرته صبرية بالسؤال:
ـ لماذا لا تتزوج؟ أنت رجل فحل.
ضحكت أم عدنان ضحكة مجلجلة، قالت بعدها:
ـ ما أدراك بفحولته.. ها؟
ردت صبرية:
ـ يقولون إنه..
وضحكت.. لكنها التزمت الصمت بعد ذلك، فألحت عليها أم عدنان وكان عباس الهايم يجيل النظر بين المرأتين فاتحاً فمه بضحكة غير ذات معنى، قالت صبرية وهي تغمز عباس:
ـ سأخبركن فيما بعد.
نظرت أم عدنان الى عباس وكررت السؤال الذي طرحته صبرية:
ـ إي عباس، لماذا لا تتزوج؟
هرش جلده ومسح رواله بكم دشداشته وقال:
ـ كيف أتزوج:
أرادت أمي أن تضع حداً لكلام لا تستسيغه فقالت:
ـ اتركنه، عندما يصحو سيفكر بالزواج.
لكن صبرية أبت إلا أن تبقي الباب مشرعاً:
ـ اذهب الى الملا حمدان في (الكسرة) وهو يعلمك، فالزواج لا يحتاج الى عقل بل الى...
سارعت أمي ووضعت كفها على فم صبرية:
ـ كفى.. لا حمدان الدجّال ولا غيره.. اتركيه يمضي لحاله.
وربتت أم عدنان على كتف عباس الهايم وهي تقول:
ـ لا تسمع كلام صبرية.. إذهب الى أم حمّودي في(العمّار) عندها بنات يخبلن.
عند هذا الحد قالت أمي منزعجة:
ـ لماذا هذا الكلام الماصخ وبنتي بينكن؟
ثم التفتت إليّ وأمرتني بدخول البيت، وكان آخر ما سمعته قول صبرية:
ـ حرام يا أم عدنان، هوّ ناقص خبال؟
كانت أمي تستشيط غضباً كلما ذكر اسم الملا حمدان، وتؤكد أنه دجّال ودعي، يستغل مصائب النساء وسذاجتهن ليجني الأموال، وربما يجني أشياء أخرى.
للملا حمدان تكية في منطقة الكسرة، صار بيته مزاراً وتوسعت(تجارته)، أصبح له أتباع أثناء الحرب، وبمرور السنوات لم تعد تكيته تكفي عدد الزبائن، فاشترى الدار المجاورة بما يزيد على سعر قيمتها ليشيّد تكية جديدة لها قاعتان، واحدة للرجال والأخرى للنساء، وصار لديه كاتب خاص هو الذي يثبت المواعيد.. قصده تجار ورجال أعمال وعسكريون ونساء من كل صنف ولون، وكذلك الفقراء والمعدمون، وكان قد خصص إعانات شهرية للمحتاجين لتكون الواجهة التي يسطع من خلالها نجمه في زمن أصبح للغيبيات طغيان كبير على عقول الناس وقلوبهم بسبب طول سنوات الحرب وفقدان الأبناء وغياب الأمان.
أشيع عن الملا حمدان أنه يشفي المرضى ويحبّل العاقر ويُنشط العاجز ويعيد المفقود أو يدل على مكانه، وبذلك وجد له صدى في قلوب النساء اليائسات، وكانت صبرية قد أقنعت أمي أن تمضي إليه لعله يكشف سر اختفاء أبي أو يُعلمها على أقل تقدير عن كونه حياً أو ميتاً، لقد تعبت من النذور وليالي الصيام وعجينة الحنّاء وعقد الخيوط على شبابيك الأولياء وإيقاد الشموع في الكنائس.. كل ذلك لم يفلح في إيصال دعواتها الى السماء، فاضطرت، وفي حالة يأس، لزيارة الملا حمدان.. سعت إليه ذات جمعة دون أن تخبر صبرية، وحينما عادت كانت مخطوفة اللون.. أغلب الظن أنه حاول التحرش بها أو تحرش بها فعلاً، لأنها التزمت الصمت منذ عودتها منه، وكلما ذكر اسمه علقت بالقول:
ـ الدجّال الدعي الذي يستغل مصائب الناس.
وما يجعلني أرجح التحرش أن أم عدنان كانت تحذر البنات من زيارته بمفردهن.
**

اقتربتُ من نقطة الصفر، لم يعد لديّ إلا القليل من المال، بعت آخر قطعة ذهب، كان لابد أن أغيّر الشقة بأخرى أرخص منها، صرت أبحث في مجلات الإعلان التي تُرمى على الباب، وأخيراً تحدثت مع امرأة عن الشقة المُعلن عنها، لم أعرف المكان جيداً كما وصفته المرأة التي سأعرف أن اسمها أم تيسير، اصطحبتُ جمار معي، دار بنا سائق التكسي في عدد من الفروع حتى وصلنا الى منطقة صويلح.
تركت شقة تلاع العلي الفارهة وجئت الى شقة باردة وكئيبة تأكل الرطوبة بعض جدرانها، أثاث رث، في الصالى كنبتان وطاولة مستديرة وتلفزيون وصوبة نفطية وموكيت بني قاتم، غرفتان صغيرتان كل واحدة بسرير مفرد وأغطية حائلة اللون،والأرضية مفروشة بسجادة ذات ألوان قاتمة.. مطبخ صغير يحتوي على ثلاجة وأدوات نحاسية وأخرى بلاستيكية مصفوفة على كاونتر معدني بثلاث خزانات.
نظرتُ الى جمار بينما وقفت المالكة تحكي عن مزايا الشقة:
ـ هادئة ومريحة، إذا أعجبتكم أود معرفة كم عدد الأسرة التي ستسكنها وكم ستبقون؟
لم أجد الكلمات، كنت بيني وبين نفسي أشعر بالصدمة، أدركتْ جمار أن الشقة لا تليق(بمقامي) لكن الظروف ترغمني على قبولها.. قالت جمار:
ـ لا ندري كم سنبقى أنا وابنتي، كما تعلمين بلدنا في حالة حرب.
ردت المرأة:
ـ الله يكون بعونكم.. إذا كانت المدة شهراً ستكون الأجرة مئتي دينار، وتقل كلما بقيتم أطول، أما إذا دخلنا موسم الصيف فستكون مئتين وخمسين.
سألتُ المرأة بعد أن وجدت الكلمات طريقها الى شفتي.
ـ لماذا؟
ـ بسبب موسم السياحة.
ـ هذه الشقة لا تساوي هذا المبلغ، ومع ذلك سنقبل بشرط تغيير الشراشف والوسائد.
ـ في هذه الحالة ادفعي عربوناً.. مبروك.. اسمي أم تيسير.
لم تقل جمار شيئاً طيلة طريق العودة، أدركتُ أنها تشعر بالشفقة علي، إذ كيف تصل الأمور (بسيدة القصر) أن تسكن في هكذا مكان؟ وحينما وصلنا شقة تلاع العلي قالت:
ـ أنا بالنسبة لي لا يهم، تعودت على العيش بأقل ما يمكن، على كل حال لا تهتمي يا ست أمل، محنة وتزول.. هل سنترك العنوان عند المالك فلربما يأتي زهير.
رددت بصوت يائس:
ـ لا أظنه سيأتي.. كان عليه أن يترك رقم هاتفه أو يتصل بنا بأي شكل من الأشكال.
هزت جمار رأسها وقالت:
ـ ما كان عليه أن يقطع بنا هكذا، هذه ليست شهامة.
قلت لها وأنا في طريقي لفتح التلفزيون:
ـ عصر الفرسان انتهى، نحن الآن في عصر الشقاوات.. ماذا يظنون حينما تسقط القنابل على الناس بهذا الشكل العشوائي؟
كانت الشاشة قد أضاءت بنار الانفجارات والمباني المهدمة والسيارات المحترقة، غارات متواصلة وعصف وعسف، صوت المراسل يخبرنا أن القصف على بغداد وضواحيها لم يهدأ منذ الصباح الباكر، وأن القوات الأمريكية دخلت ثلاثة قصور رئاسية، وأن قوة مدرعة تقدمت لمهاجمة مواقع عراقية.
تجلس جمار على الأرض وتهمس لنفسها بآيات قرآنية.
× قناة mbc تذيع خبر احتلال وزارة الإعلام والعراق ينفي على لسان وزير الإعلام، ويعلن إغلاق الجسور جميعها.
× مصادر أمريكية تقول إن 65 دبابة دخلت بغداد.
× ثلاث غارات على الموصل.
× فوضى عارمة في البصرة، سلب ونهب وحرق للمؤسسات الحكومية.
× القوات العراقية تفجر جسراً في ديالى لإعاقة القوات الأمريكية.
× وزير الإعلام يظهر على الشاشة ويعلن( جرّعنا العلوج المر، بدأوا ينتحرون على أسوار بغداد).
جمار تعلّق:
ـ والله لو تنتحر أشرف لك.
الأخبار العاجلة متواصلة مثل زخ المطر.
× القصف يشتد على الموصل، وحريق هائل في أحد المواقع جنوبها.
× السلب والنهب يطال فندق الشيراتون في البصرة.
× مراسلة العربية في أربيل تقول: إن القوات العراقية تتراجع في دهوك وعين سفني باتجاه الموصل.
× القوات الأمريكية تبسط سيطرتها على كربلاء بعد يومين من حرب الشوارع.
× انفجارات ضخمة تهز بغداد هي الأعنف منذ بدء الحرب.
× البصرة بدون حماية حكومية والفراغ الهائل يسمح بمزيد من عمليات السلب والنهب، بينما الجنود البريطانيون يتجولون مشاة ودون دبابات في بعض المناطق.
× عشرات الجثث لشباب عراقيين متناثرة في شوارع البصرة، الخبر جاء على لسان مراسل العربية حسن زيتوني.
× اشتباكات حول برج المراقبة في مطار بغداد، واستمرار القصف على مناطق مختلفة جنوب وغرب بغداد، مع تواصل الغارات على القصر الرئاسي في الرضوانية.
× انسحاب القوات العراقية من ناحية فايدة وناحية قوش في نينوى.
× سقوط 14 قتيلاً إثر غارة جوية في حي المنصور خلف مطعم الساعة الشهير.
**
يهبط الليل ويخفت كل شيء في المدينة.. ليل ثقيل يرطن بالأشباح، تهبط معه الذكريات الطازجة والصدئة بكل ثقلها الموجع، أنا التي هربت من الماضي كيف تأتى لي أن أستدعيه، وكيف يأتي بسرعة البرق ويتسلق دمي برغم المسافات الشاسعة من الصحارى والمصدّات ونقاط السيطرات؟
يعلن الماضي حضوره على شكل خيوط دخانية أول الأمر، ثم ما تلبث تلك الخيوط أن تتكاثف على هيأة أفاع لا حدّ لطولها ولا ثبات لحركتها، تسحبني الى هناك فتحاصرني الوجوه، أراها بلقطات سريعة صامتة لا تمهلني وقتاً للاستدلال عليها، ثم تأخذ أشكالها شيئاً فشيئاً، وتجلسني على العتبات الشائخة فيحيط بي الضجيج، إنه مزيج من نداءات الباعة وصياح الديكة وعراك الأطفال وروائح التوابل وأبخرة الأطعمة التي تتسرّب الى الزقاق من النوافذ ذات الحواشي المصدّعة، يختلط أيضاً بالنشيج المتقطع، بالضحكات المبتورة، بالحكايات الحزينة، بالمواويل التي تخرج من عمق الروح وتأبى إلا أن تجرحني وتجرني معها لأتذوّق مرارات الأسلاف في تكسراتها.
يهبط الليل، بعقارب ساعاته التي لا تكف عن اللدغ، يهبط وينثر أحشاءه على هيأة أشباح ومطاردات لأرواح هائمة تُحرك قوائم السرير فيجمد الدم في عروقي وأهرب باحثة عن ملاذ فلا أجده إلا في حكايات أمي وصاحباتها عاثرات الحظ.. أحتمي بهن وأصغي إليهن وهن يتبادلن الكلام ويحلمن بزمن لا حروب فيه ولا رجال يأخذهم غول الفقدان الى مصائر غامضة، لكن أحلامهن تلك ما تلبث أن تتبخر سريعاً بفعل ثقل الزمن الراكد تحت جلودهن الناشفة.
صارت تلك الحكايات، برغم أنها تبعث على الكرب، هي قرص الدواء الذي يسكّن الألم ولا يلغيه.. تنطفىء شاشة التلفزيون على آخر الضحايا وتضيء شاشة رأسي فتكشف أكثر من ضحية في جلسة على عتبة دارنا تضم أمي وأم عدنان وبقية جوقة الأحزان، بيدي كتاب القراءة، لا أقرأ فيه، بل أقرّب أذني حين تهمس أم عدنان في أذن أمي بكلام لا تريد أن أسمعه، كنت إذ ذاك ما أزال صغيرة، انتفضت أمي كالملدوغة ولطمت صدرها:
ـ أنا؟ ماذا تقولين؟
حاولت أم عدنان تهدأتها فلم تفلح، وكاد الأمر يتحول بينهما الى مشاجرة لولا أن جاءت صبرية وهي غارقة بالضحك، تتبعها فطومة كاتمة ضحكتها بكفها.. سألتها أم عدنان:
ـ ما الذي يضحكك؟
أسرعت فطومة بالرد:
ـ عباس الهايم عرض الزواج على صبرية.
ارتسمت على وجه أمي ابتسامة ما لبثت أن ماتت، وعلّقت أم عدنان:
ـ ليش لا؟ ألم تقولي إنه فحل؟ جرّبي، ماذا ستخسرين؟
ردت صبرية بنبرة ساخرة:
ـ لم يبق إلا المجنون.
قالت أم عدنان وهي توزع نظراتها بين النساء:
ـ الرجال موجودون لكنكن خائبات.
أسرعت صبرية للقول:
ـ أنت أولى بالنصيحة، لماذا لم تتزوجي بعد مقتل زوجك، كنت وقتها صالحة للاستعمال.
وواصلت الضحك.. انتظرت أم عدنان حتى كفت صبرية عن الضحك ثم قالت:
ـ لقد أقسمت بعد(مريوش) أن لا أنزع ثوبي وأنكشف على رجل.
فتحت صبرية عينيها على سعتهما:
ـ هل كنت تتعرين في الفراش؟
أبدت أم عدنان دهشتها:
ـ هذا شيء طبيعي، أكنتن...
أوقفتها أمي قبل أن تتمادى في الكلام:
ـ أم عدنان أرجوك، ثم التفتت إليّ وأشارت بسبابتها:
ـ اذهبي وطالعي دروسك.
انسحبتُ الى مسافة تمكنني من سماع بقية الحوار، لكن أم عدنان انتقلت الى موضوع آخر.
ـ اسمعن يا عزيزاتي.. كلّمني رجل من أقربائي لا غبار على سمعته، أرمل ليس له أولاد، يرغب بالزواج، وبما أن أم أمل ماتزال عنيدة فأنا أعرضه على من ترغب منكما.
انفجرت صبرية بالضحك وقالت:
ـ يبدو أنه يوم عرض الزواج، أخيراً جاء الفرج على يد أم عدنان.
دردمت فطومة:
ـ اخرجيني أنا من القائمة، لم يبق في العمر أكثر مما راح.
قالت أم عدنان:
ـ والله أريد لكن الخير.
وقالت أمي بنبرة جافة:
ـ الخير فيما نحن فيه، اغلقي الموضوع يا أم عدنان.
تعود صبرية للمناكدة:
ـ بالله عليك يا أم عدنان، ألم يخفق قلبك لرجل بعد مريوش؟
تتحسر أم عدنان وترد:
ـ قلبي يخفق كلما أتذكره، تزوجته صغيرة السن، لم أكن قد رأيته من قبل، وحين تمت الموافقة على الزواج جاء برفقة أمه وأبيه، كنت أجلس في زاوية غرفة الضيوف لا أرفع نظري إليه، أخرجت امه من جيبها خاتماً وقلادة حب الرمان، ألبستني القلادة وهي تردد: باسم الله ما شاء الله، تلهث على صدرك.. وأمرتْ مريوش أن يلبسني الخاتم، لكن أصابعي وأصابعه كانت ترتجف، سقطت من جبينه قطرات عرق ولم يستطع إدخال الخاتم في أصبعي حتى أمسكت أمه بكفي وراحت تحثه.. إيه.. كانت أيام.
اندفعت صبرية ضاحكة:
ـ وكيف(فعلها) إذا كان يخجل من وضع الخاتم في إصبعك؟
تزجرها أمي وتطلب منها أن تخفض صوتها، بينما تلتفت إليَ وأنا أمسك بكتابي وأتظاهر بأنني لا أسمع ما يقال، ومع ذلك تقول:
ـ بنتي أمل.. ادخلي البيت، اقرئي في غرفتك أو العبي مع البنات.
لم أدخل البيت، ولم ألعب مع البنات، ولا أمتثل لأوامر أمي، كنت أنحشر دائماً بينهن أو أكون على مسافة مناسبة تتيح لي سماعهن، كانت تبهرني تلك الحكايات والطريقة التي تُسرد بها، ألتقط حبات الكلام وأدرزها في رأسي، أنجذب لضحكات صبرية التي تكاد تشرق بها، وأشعر بحنان أم عدنان حين تحكي أمي عن الأب المفقود الذي لم ير ابنته، تترقرق عيناها البنيتان الداكنتان بالدمع، وتمسح على رأسي فتغمرني بالأمان.
أحياناً تزوغ نظرات أمي، ولأنني أعرف حكايتها وأدرك سرّ شرودها والنظرة التي تفضح نوع عذاباتها، فإنني أراها في مخيلتي أمام بوابة عملاقة مزروعة برجال مسلحين بالرشاشات والمسدسات، يلبسون الخاكي ويعتمرون بيريات ترابية اللون مثل وجوههم، يزجرونها عن بعد كلما اقتربت من الحواجز الإسمنتية.. تتوقف اللقطة مطولاً على وجهها الحائر، يتقدّم أحدهم ويأخذ من يدها ورقة، يتظاهر بقراءتها بملامح مطعوجة، ثم يعيدها ويهز كتفيه، لكن أمي تجادله وتصر على الدخول فيوجّه رشاشه نحوها:
ـ ابتعدي وإلا..
تعود عينا أمي للاستقرار في محجريهما وتنتبه على صوت صبرية:
ـ ها.. ما رأيك؟
ولكي تتفادى أمي الجواب الذي لا تعرفه بسبب شرودها فإنها تنهض وتقول:
ـ حمّصت البارحة حب البطيخ.. سآتيكن به.
ثم تكر السنين، وتزداد قامتي طولاً وتتفتح زهرة ربيعي.. لم يعد لتلك الحكايات وهجها، ولا طعمها اللذيذ برغم الشوك الذي يتخلله، ولم تعد أم عدنان تمنحني الشعور بالأمان، لم أهتم بضحكات صبرية بل أحسها بلهاء، وتصير حكايات أمي سياطاً تجلدني كلما كررتْ قصة فقدان أبي بالتزامن مع حملها بي.
أية عقوبة ثقيلة كبّلتني بها أمي، وأي قدر رسمتْ لي دون أن تعي؟
يتجاوز الليل منتصفه فأستفيق من ذاك الغزل المدروز في رأسي، أتكوّم على رماده، غارقة في خيوطه اللزجة، باحثة فيها عن رائحة زفر أو ضحكة مجلجلة أو بقية لحكاية رجل غرس ثمرة مائه المهين في رحم امرأة وغاب الى الأبد.. تنسحب الصور الى مهاجعها، وقبل أن ينطفىء الضوء تخبرني شاشة رأسي أن أحداث الفيلم ماتزال مستمرة.
**

تهشمت أشياء كثيرة داخل روحي بعد أن انتقلت الى الحي الشرقي في صويلح، فالبرد لا يطاق مع أننا دخلنا فصل الربيع، والشراشف التي استبدلتها أم تيسير لم تكن بأفضل من سابقتها، الماء ضعيف الجريان، والحمّام الوحيد الذي أشترك به مع جمار صغير جداً.. أصوات كثيرة تتسلل من الشقق الأخرى كأنها تحدث داخل الشقة، باعة خضار يتجولون في سيارات تحمل مكبرات صوت لا تكف عن الزعيق المتواصل ولا تترك فرصة للراحة طيلة النهار.
الليل يوغل في عتمته الكثيفة ويشج رأسي فتتوتر أعصابي، تثيرني أية حركة وتبث في بدني رعشة تشبه رعشة مَن باغتته كلاب شرسة أو داهمته الأشباح.. تنبثق من بين الظلمة تلك الوجوه التي عرضتها الفضائيات والتي اقتربت منها الكاميرا أكثر مما يجب، مخترقة حرمة أصحابها الموتى، وجوه شوهتها خرائط الدم المتخثر، عيون مفتوحة على ألف علامة استفهام لا تجد إجابة، صور عُرضت لدقائق قليلة لكنها انغرزت في رأسي وراحت تحفر فيه وتطرق على أدراجه المغلقة لتجد لها مكاناً في أعماقه، كما لو أنني المسؤولة عن مفارقتها الحياة، تحاصرني وتكاد تسحب آخر نفس من أنفاسي، أهم بالصراخ على جمار ولكنني أتراجع فصحّتها اعتلّت يوم أمس، برغم أنها لم تشكُ لي، بدا وجهها أكثر شحوباً من ذي قبل وأرعبني مجرد الشعور الطارىء باحتمال موتها هنا، ماذا تراني سأفعل؟
أحسست بجفاف في حلقي، هرعت وتناولت كوب ماء.. باب غرفتها مفتوح وهي نائمة، ضوء الصالة ينسكب على جزء من جسمها النحيل، وحين هممتُ بالتحرك الى فراشي سمعت صوتها يأتيني بوهن:
ـ ها ست أمل.. صاحية؟
ـ لم أنم يا جمار.. لم أستطع إغماض عيني.
نهضت من فراشها واستوت على السرير.. كانت الساعة تشير الى الثانية والربع:
ـ وأنا أيضاً، مفاصلي تؤلمني.
ـ غداً سآخذك الى الطبيب.
ـ الله هو الطبيب يا ست أمل.. الذي مرّ بنا ليس بقليل.
ـ نامي الآن.. أنا أيضاً سأحاول النوم.
**

كلانا على طرفي نقيض منذ جئت الى هنا، أنا والنوم، أتحايل عليه بالحكايات، نادراً ما أغلبه وغالباً ما ينتصر عليّ، وهذه الليلة لا سبيل للغلبة عليه، حواسي كلها تستيقظ على خوف لا يشبه الخوف.. خوف مبهم من مستقبل أكثر إبهاماً، يداهمني إحساس غريب، أتصوّر فيه نفسي وقد استيقظت على فراشي في بغداد واكتشفت أن كل ما جرى لم يكن سوى كابوس ثقيل، حتى زواجي من جبار ما هو إلا حلم مرّ في ليلة مضطربة ومضى مثل بقية الأحلام، أو أنني أفرطت من كثرة ما قرأت من روايات فتورّط خيالي وتواطأ معي في صنع عالم من أوهام تشبه الأحلام والكوابيس، وهكذا سيعود كل شيء الى ما كان عليه، حتى أمي ستكون على قيد الحياة، ستدخل عليّ وتجدني كما كنت مستغرقة في قراءة رواية، ويدور بيننا الحوار الذي دار منذ زمن بعيد:
ـ إنك تهدرين وقتك وتتعبين عينيك بقراءة قصص ليس لها صلة بالواقع.
ـ بل إنها الواقع يا أمي.
ـ صحيح؟ إذن ماذا تقول قصصك عن المفقودين، كيف سنجدهم؟
يتعكر مزاجي قليلاً، بودي أن أصرخ بها: أنا لا أبحث عن أوهام، وأن من مرّ عليه أكثر من عشرين عاماً لابد أن يكون قد شبع موتاً.. لكنني ألجم لساني لكي لا أوسع جرح قلبها، أقول بدلاً عن ذلك:
ـ ماذا أفعل إن لم أقرأ؟
ـ اقرئي دروسك.
ـ أنهيت كل الدروس وحفظتها عن ظهر قلب.
ـ أعجب كيف لا تكون لك صديقات وأنت في هذه السن.
ـ لا أجد في الصداقات ما يريحني يا أمي.
تخرج من الغرفة وأسمعها تقول: غريب أمر هذه البنت.. وتكون صبرية قد وصلت حاملة صحن كرزات فتقول لها أمي:
ـ يقلقني صمت أمل وانعزالها.
ترد صبرية:
ـ دعيها.. هذه هي طبيعتها.. زمنها غير زمنك.
تعلّق أمي:
ـ زمن أغبر.
أبداً لم يكن كابوساً ولا حلماً ما مرّ بي، ها أنا أتحسس جسدي وأتلمس أصابعي وأعيد ذكرياتي من مكامنها وأعرف أن أمي تسكن ظلمة القبر وأنا أعيش في الوقت المهدور والزمن الخطأ.
أمي كانت تخاف أن أهدر وقتي بقراءة الروايات، بينما جبار يغرقني بها لكي أهدر المزيد من الوقت وأتقبل(سجني) وغياباته الطويلة برحابة صدر، وحين يفكر بإطلاق سراحي فإنه يقذفني خارج الحدود.. أما كان يمكن أن أرفض وأقترح عليه أن أذهب الى بيت أمي الذي سكنته فطومة؟ هل كان سيثور بوجهي ويجبرني على السفر؟ لماذا لم أركب رأسي وأفعلها وقتذاك؟
لا أدري متى غفوت، لكنني حين صحوت كانت الشمس ساطعة ملأت نصف السرير، سمعت خطوات جمار المتثاقلة ونظرت من النافذة الى البيوت العتيقة، كما اكتشفت ساحة صغيرة بين البيوت متروكة لكل أشكال النفايات من الحديد والبلاستك وقطع الأخشاب وحزم الوايرات، منظر لا يسر العين، على عكس نافذة الصالة فهي الوحيدة التي تنفتح على فضاء واسع يلتصق بالسماء، فبعد أن تجتاز العين أبنية قديمة، ينتصب جبل بشكل طولي، وثمة بيوت أكثر حداثة تمتد من القمة حتى السفوح المترامية.
ـ هل نمت جيداً؟
سألتني جمار وهي تقدم الشاي فقلت:
ـ نص نص.. كيف هي مفاصلك، هل خف الألم؟
ـ الألم في روحي يا ست أمل.. أشعر بدنو أجلي.
ـ ابعدي هذه الأفكار عن رأسك.
دفعت بصحن وضعت فيه أربع قطع جبن مثلثة، صمتنا بضع دقائق، حتى كسرت الصمت بسؤال اصطدم على جدار قلبي مثل صخرة هائلة تسقط على أرض رخوة:
ـ ست أمل أين عائلتك، لم أكن أرى أحداً يزورك في القصر؟
لا أظنها كانت ستجرؤ على طرح هكذا سؤال حينما كنا في بغداد، كانت الجدران بيننا شاهقة وعصية على الاختراق.. أما وقد سألت فلابد لي من الإجابة، كان قبل ذلك قلبي قد هوى وهويت معه الى لجة سحيقة وتساءلت: حقاً، أين عائلتي؟ ولكي لا أدع لظنونها أن تبحر الى أسئلة أخرى أكثر إيلاماً قلت:
ـ أبي كما أخبرتك سابقاً فُقد في الحرب، وأمي ماتت فجأة، نامت عند المساء ولم تر صباح اليوم التالي، ليس لي إخوة، أنا الابنة الوحيدة لهما، وأعمامي في الإمارات، إنهم تجار كبار هناك.
ها أنا أكذب، درس جديد في الكذب الذي تعلمته على يد جبار، أحتمي بالكذب وأجده خير منقذ، فالحقائق غير مناسبة في مثل حالتي، هكذا أسند ما تبقى من الجدران التي لم تعد عازلة بما يكفي بيني وبين جمار، لا أريدها أن تتهاوى مرة واحدة، فقد نعود الى بغداد ويعود السيد لسيادته والعبد لخنوعه وطاعته.
ـ لماذا لا تتصلي بأعمامك؟
أجبت بسرعة غير متوقعة كأنني واجهت هكذا سؤال من قبل:
ـ دفتر التلفونات بقي في بغداد، لم أكن أعلم أن الأمور سوف تتدهور على هذا النحو.
تنهدت جمار وراحت تردد:
ـ بغداد.. يا عيني على بغداد.
**

في اليوم العشرين من الحرب تحولت بغداد الى الجحيم بعينه، غطت أخبارها على بقية المدن، بدأت الغارات في الصباح الباكر وتواصلت طيلة الليل.
× قصف مبنى وزارة التخطيط وإشعال النيران في طوابقه العليا.
× الدبابات الأمريكية تعبر جسري الجمهورية والسنك.
× قصف مكتب قناة الجزيرة وجرح مراسلها طارق أيوب ومقتل طفلين في القصف نفسه.
× قصف مكتب قناة أبو ظبي، والعاملون فيه يوجهون نداءات الاستغاثة.
× معارك بالدبابات وسط بغداد.
× شرق بغداد يتعرض للقصف العنيف.
× المستشفيات وثلاجاتها لا تستوعب الجرحى والموتى.
× انقطاع الإرسال التلفزيوني، يتبعه انقطاع البث الإذاعي.
× طائرات تهاجم معسكر الرشيد ومقرات الحرس الجمهوري.
× قصف فندق فلسطين الذي يتواجد فيه الصحفيون والإعلاميون، وإصابة اثنين من مراسلي رويتر.
× استشهاد مراسل الجزيرة طارق أيوب.
× طائرات الأباتشي تحوم في سماء بغداد.
× قصف جديد على وزارة التخطيط.
× غارات على القصر الجمهوري.
× مقتل أحد المراسلين الإسبان، وتجمّع للصحفيين لإضاءة الشموع أمام فندق فلسطين جراء سقوط عدد من المراسلين قتلى.. عشرة صحفيين قتلوا منذ اندلاع الحرب.
× الدبابات الأمريكية تمسك بزمام الأمور وسط العاصمة بغداد.
أحسست بألم مفاجىء في معدتي، هرعت جمار وأعدت مغلي البابونج، كررت على مسامعي:
ـ إنه مفيد للمعدة وطارد للبرد.
ـ لا أدري كيف سأحتمل هذه الأيام من دونك يا جمار.
ـ لو كنا في بغداد وحدثت الحرب لما كنا على هذه الدرجة من القرب.. هل سنبقى كذلك حينما نعود؟
ـ بالتأكيد.
لمع بريق خاطف في عينيها كما لو أنها تشكر الحرب سراً لأنها قلبت الموازين وعدّلتها لصالحها.. لكنني ما عدت أهتم، على الأقل في هذه المرحلة المترجرجة من حياتي التي لا أعرف كيف ستنتهي بغياب الرجل الذي كان يسندني.
صارت الأسئلة حول جبار تزاحمني: أين هو من كل ما يحدث؟ ماذا تراه يفعل الآن وقد دخلت الجيوش الأمريكية الى قلب بغداد ومزقت شرايينه؟ في أي مكان يختبىء؟ هل يقاوم أم انفرط كل شيء ولم يعد بالإمكان إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ ها هي سفينة البلاد تغرق وربانها الأوحد يترك القيادة ويختفي بعد أن فقد البوصلة.. بحر متلاطم يأخذ العراق الى طوفان لا أحد يعرف ماذا سيحل بعده، إذا كان جبار على قيد الحياة ولم يعد بإمكانه فعل شيء هل سيسلّم نفسه؟ أم سيراهن على ما كان يقوله رئيسه عن شجاعة الرجال؟ أم تراه شبع من الشعارات وأدرك أنْ لا فائدة؟
ألوك الأسئلة ثانية وأضيف عليها، لعلّي أحرق الوقت الجاثم على صدري.
أين اختفى العسكري المحنّك؟ هل كان جلاداً بمعنى من المعاني حين كان ينفذ الأوامر العليا؟ أم أنه ضحية رجل غيّر مصائر الناس في الزمن الخطأ من التقويم لأنه كما كانت تقول أمي: مهووس بالحروب؟
أليس بين الجلاد والضحية مسافة يمشي فيها أولئك الذين يجمّلون الحياة بالفن والإبداع والتأمل لخلق عالم إنساني جميل؟ أم حين يسود قانون الحرب تنحسر تلك المسافة ثم تنكمش وتتلاشى؟
انتبهت لجمار وهي تقول:
ـ يبدو أن أمريكا مصممة هذه المرة، على عكس ما فعلته في حرب الكويت.
ـ ماذا تقصدين؟
ـ تريد إزاحة الهم عن صدور العراقيين.
ـ ولماذا لا يزيحونه هم؟
ـ عجزوا.. كثير من المحاولات انكشفت، جواسيس النظام في كل مكان، ألم يخبرك جبار بما كان يحدث؟
ـ الكلام في السياسة محرّم بيننا.
ـ هل تفكرين به كثيراً؟
ـ أكيد.. أليس هو زوجي وحياتي معلقة بحياته؟
ـ الله ينجيه من المهالك.. والله يا ست أمل أدعو له بالنجاة في كل صلاة.
**

في وقت متأخر من كل ليلة، يُخرج صندوق رأسي حكايات النساء وعتباتهن الموشومة بالندوب، إنها زادي الوحيد للصبر على ما حلَ بي، غريب أنني لم أكن أهتم بمثل اهتمامي هذا بتلك العتبات، ولم أرها من قبل بمثل هكذا وضوح.. تأتي النساء تباعاً، تخرج إحداهن من البيت حاملة صينية الشاي أو صحن حب البطيخ، يكررن الكلام نفسه أو يضفن عليه أو يتذكرن حكايات كانت غاطسة تحت جلودهن، لا تتغير حكاياتهن كثيراً إلا إذا حدث ما يغير مسارها أو قطعها حدث ما، ثم ما إن ينتهي ذاك الحدث حتى تعود الحكايات بإضافات أخرى أو بكشف جديد.
ذات صباح تغير وقع الحكايات المألوفة وحلّت حكاية جديدة تلقفتها النساء بكثير من التهويل، لقد عُثر على جثة امرأة بلا رأس على مقربة من بيت المختار، لم يتعرّف عليها أحد، كانت ملفوفة ببطانية، لم تكن من نساء الحي ولا من أطرافه كما أجمع أهالي الحي.. جاءت الشرطة وضربت طوقاً حول المكان، عاينت الجثة أكثر من مرة واستجوبت عدداً من أصحاب البيوت والدكاكين دون أن تمسك بخيط الجريمة.. ظلت هذه الحادثة تدور على الألسنة لأيام طويلة وبظنون شتى، منهم من يترحّم على المرأة ويرى أنها مغدورة، والبعض الآخر يرى أنها لابد أن تكون قد اقترفت الخطيئة فاستحقت العقاب، وبين هذا الرأي وذاك ثمة من يهمس أن الحادث مدبّر من قبل أجهزة الأمن، فلقد شاع في تلك الفترة قتل النساء اللواتي أخذن بجريرة انتماء آبائهن أو إخوانهن الى أحزاب معارضة، وقتل المرأة في مثل هكذا حالة ما هو إلا رسالة لعائلتها.
مهما كان السبب فإن المقتولة أصبحت من حكايات العتبات وأشاعت الرعب في نفس فطومة الهاربة بجريرة ابنها الثاني، ولكن بعد فترة انتهت الحكاية الى النسيان.. وبينما تسكب النساء همومهن، مرّ ذات عصرية رجل غريب، بدا وجهه حائراً وهو ينظر الى أبواب البيوت كمن يبحث عن بيت بعينه، ولما لم يكن من أهل الزقاق ولم تعرفه أية واحدة منهن، فقد أثار فضول أم عدنان، حين لمحته ضيّقت ما بين عينيها.. ثم نادت عليه:
ـ يا أخ.. مَن تريد؟
نهرتها أمي:
ـ ما لنا وما يريد؟
لكن أم عدنان لم تعر أمي أي انتباه، وكان الرجل قد اقترب من العتبة:
ـ أبحث عن بيت المختار.
اندفعت صبرية للقول:
ـ بيت المختار في الطرف الثاني خلف بناية الشعبة الحزبية.
شكرها الرجل وخرج من الزقاق تتبعه عيون النساء.. قالت أمي:
ـ إنه كذاب.
أيّدتها فطومة:
ـ أكيد.
اعترضت أم عدنان:
ـ لماذا يكذب؟
أجابت أمي:
ـ أنه(منهم) ربما يحمل جهاز تنصت، أما رأيتن كيف يمشي ببطء ويقترب منا؟
قالت صبرية:
ـ حتى لو صحّ ما تقولين، على ماذا سيحصل؟ نحن نساء لا علاقة لنا(بهم).
قالت أمي
ـ إن رجال الحكومة يخافون كل شيء حتى من النساء.
رفعت أم عدنان يدها وأمرتهن:
ـ كفى.. إنه مجرد عابر سبيل سأل عن بيت المختار، هل سنخلق منه قصة لمجرد الظنون؟
ثم وزعت نظراتها بين أمي وفطومة وهي تقول:
ـ لماذا كل هذه المخاوف؟ هل بيننا من تعمل في المعارضة؟
كظمت أمي غيظها ولم ترد، بينما علّقت فطومة بالقول:
ـ أين هي المعارضة؟ نسمع بها ولا نعرف عنها أي شيء.
ضحكت صبرية عالياً ثم قالت بسخرية:
ـ وإذا علمتِ بها وعرفتِ طريقها، هل ستعملين معها؟
أجابت فطومة على الفور:
ـ إذا كانت ستعيد إليّ ولديّ سأنضم إليها.
علّقت أم عدنان:
ـ الله وحده يحيي العظام وهي رميم.
ـ عظام؟!
شهقت فطومة واغرورقت عيناها بالدموع كأنها نسيت أن الموتى سيصبحون عظاماً، لقد ظلت طيلة سنوات الفراق تعتقد أن ولديها من ضمن الأحياء، في مكان ما من السماء، بكامل لياقتهم وعنفوان شبابهم، وأنها ستلتقيهم عاجلاً أو آجلاً، أمّا أن تذكّرها أم عدنان بأنهم عظام فهذا كثير عليها.
لم توقف بكاءها أية واحدة من النساء، لفّت عباءتها حول جسدها وغادرت العتبة وهي تنوح.
**

لم يكن القرار قرار جمّار التي ساءت صحتها في اليومين الماضيين، كان قراري، لكنني لم أتفوّه به، بل استدرجتها إليه حتى نطقت به:
ـ إنها فرصة للعودة، تقول الأخبار إن الحدود مفتوحة وإن الداخلين الى العراق أكثر من الخارجين منه.. ما رأيك يا ست أمل؟
ـ إن صحّ ما تقولين فعلينا أن نستعد، مهما كان الوضع هناك لابد أن نجد مخرجاً لوضعنا.
ـ ها قد انتهى كل شيء.
قالت جمار وكأنها وجدت ضالتها بعد انتظار طويل.
نعم انتهى كل شيء، دخلت الدبابات الأمريكية وسيطرت على بغداد ومعظم المدن الأخرى وتبخر الجيش.. خرج الناس الى الشوارع، مهللين، مدهوشين، مستغربين ما يحدث، غير مصدقين، متوجسين، واجمين، وخائفين مما سيأتي.. حالة لا يمكن وصفها، فالملامح لا تشي بشيء محدّد، هي خليط من فرح مكبوت ومشاعر متفجرة وخوف من مستقبل غامض، وفوضى عارمة ليس لها وصف.
إنه الحادي والعشرون.
وهو اليوم التاسع من نيسان.. الأخبار تتسارع نحو نهاية شوط لم يتوقع الكثيرون أن ينتهي بهذه السرعة، يوم بدا مشوشاً وتبعته ليلة هادئة في بغداد.. عود ثقاب أشعِل في كومة قش، السرقات في البصرة طالت أحد البنوك، وفندق الشيراتون صار أثراً بعد عين، سُرق منه كل شيء وأضرمت النيران فيه، ثم، بدأت التصفيات الجسدية.. لكن ما حدث في العاصمة كان شيئاً آخر.
× اختفاء المسلحين من بغداد.
× حمى النهب تطال المرافق الحكومية.
× نهب مقر الأمم المتحدة.
× المراسلون يلملمون معداتهم خوفاً من السرقات ويستعدون للمغادرة.
× المقرات العسكرية تتعرض للنهب.
× البيوت التي هجرها أهلها لم تسلم، فقد هاجمتها عصابات السرقة.
× انفجار كبير في بغداد يُعتقد أنه ناتج عن تفجير مخزن للأسلحة، ثم تلته عدة انفجارات.
× قصف مدفعي في بعض مناطق بغداد، وفي هذا الوقت بالذات أقيمت صلاة الغائب أمام فندق فلسطين على روح المراسل طارق أيوب.
× معارك عنيفة في محيط مكتب قناة أبو ظبي.
× الدبابات الأمريكية تظهر في ساحة التحرير.
× الاستيلاء على مبنى الإذاعة والتلفزيون.
× القوات الأمريكية تبدأ بحملة لتحطيم تماثيل الرئيس.. الحملة لم تكتمل بسبب كثرة التماثيل.
× الدبابات الأمريكية تدخل الساحة الغربية لفندق فلسطين.
× أنباء عن استيلاء قوات المارينز على مركز للشرطة السرية.
× أعداد كبيرة من الجثث ظهرت في شارع طويل من شوارع بغداد.
قوات المارينز تدخل ساحة الفردوس مع جماهير غفيرة تنتظر بفرح غامر سقوط التمثال الضخم الذي يبلغ طوله ستة أمتار، قام البعض بمحاولة تهشيم القاعدة المرمرية بالفؤوس لكنهم عجزوا، فصعد جنديان أمريكيان لربط حبل حول رقبة التمثال وجرّه، وبرغم مرور كثير من الوقت إلا أن المهمة لم تنجح وانقطع الحبل، فاستُعين بسلك متين شُدّ بين الرقبة والدبابة الأمريكية، لكن التمثال استعصى على السقوط أيضاً.. وأخيراً جيء بالرافعة واستمرت المحاولات.. يبدو أن التمثال سيستغرق وقتاً أطول من سقوط صاحبه.
الرافعة تبتعد مع حركة الدبابة الى الوراء، والهتافات تعلو.. وشيئاً فشيئاً، بعد عدة ساعات انحنى رأس التمثال وبدأ الجسم المعدني يتحرك من قاعدته ببطء.. ثم هوى على الأرض وانفصل الرأس محتفظاً بالحبل المشدود على رقبته فسحلته الجماهير، لكن القدمين المجوّفتين بقيتا متمسكتين بالقاعدة، فعلّقت جمار: انظري، حتى تمثاله لا يريد المغادرة.
× قادة العالم وشعوبهم يتابعون ما يحدث بذهول شديد، الكل يتساءل عن هذا السقوط المريع واختفاء الجيش وفرق الحرس الجمهوري.
× بغداد لم تصمد بملايينها الخمسة أكثر مما صمدت(أم قصر) ذات الأربعين ألف نسمة في البصرة.
× الصليب الأحمر يعلّق عملياته في بغداد.
× المدافع والأسلحة مرمية على الطرقات، والصواريخ مثل جثث بين البيوت.
× دبابات وعربات تابعة للحرس الجمهوري متروكة في الشوارع.
وهكذا.. خمسة وثلاثون عاماً من الحكم تنتهي في ساعات قليلة.. لم أنم ليلتها، تشبثت بكل ما يرد من أخبار عاجلة، ومفاجئة، نهب وسلب غير مبرر يطال الأسواق المركزية، الجامعة المستنصرية، خطوط الكهرباء، اللجنة الأولمبية، وزارات النفط والتربية والزراعة والتجارة والصحة.. الشاحنات والعربات مصطفة لملئها من كل شيء، وكل شيء مسموح به للنهب، انفلات أمني لا مثيل له والقوات الأمريكية لم تتدخل.. السرقات طالت أيضاً مديرية الأحوال المدنية، اتحاد الصناعات، المستشفيات بما فيها من أدوية وأجهزة طبية وأسرّة، بيوت الناس والقادة والمسؤولين، المركز التجاري الفرنسي، السفارة الألمانية.
مستشفى الأمراض العقلي فُتحت أبوابه وأخرِج المجانين فهاموا على وجوههم في شوارع بغداد كما حدث في العام 1991.
هكذا أخرِج العفريت من القمقم اللابد في النفوس وتم التعبير عن سنوات القهر بالسرقات وبالتخريب مادام البلد بلا قادة ولا قيادات، لوحة سريالية في كل دقيقة تُضاف لها خطوط غريبة، ومن بين زواياها يهرع الناس الى أنفاق سرية اكتُشفت ليبحثوا عن مفقودين لهم منذ سنوات طويلة.
السرقات لم تتوقف، لكن أعجبها ما قام به أحدهم، فبينما كان الكل يسرقون أثمن الأشياء، كان هو فرحاً بالمرحاض الذي سرقه من أحد البيوت، حتى أن جمار ضحكت وهزت يدها قائلة:
ـ ألم يجد في بيته حفرة يخفي فيها وسخ بطنه غير هذا؟
بينما لم تعلّق وهي ترى اللصوص يحملون الأثاث والأجهزة البيتية الأخرى، كما لو أنها تقول: إن المعادلة انقلبت فعلاً، وعلى الفقراء أن يتمتعوا بما سُرق منهم.
**

قررت جمار أن يكون سفرنا في صباح اليوم التالي.. أسرعتُ ونزلت الى وسط البلد، قبل أن أمضي الى مكاتب السفريات عرجت على سوق الصاغة في شارع الشابسوغ وبعت خاتم الزواج المطعّم بالألماس.
على مدخل المكتب جمْع من العراقيين، وجوه مستبشرة وأخرى قلقة حائرة، أحدهم يتوسّل سائق سيارة من نوعGmc :
ـ والله لو أملك أكثر من هذا المبلغ لما توانيت.
يرد السائق:
ـ الطريق غير آمن ولا نعرف ما ينتظرنا، نغامر بأرواحنا.
يتوسل ثانية:
ـ الله يطوّل عمرك.
شاب يحاول ثني أمه عن السفر:
ـ أنتِ لا تدركين ما سيحدث.
لكنها تصر بعناد:
ـ وأنت لا تدرك ما يحدث.
استأجرت سيارة بضعف الثمن وانطلقنا مبكراً صباح اليوم التالي، أنا وجمار والسائق، الطريق الصحراوي يشي باحتمالات شتى لم أنشغل بتفصيلاتها، قد نُحاصر، أو نُقتل، أو نصل وندخل بغداد ولا نتبغدد.
صور كثيرة مشوشة تتصارع داخل رأسي، تتحرك بسرعة مذهلة مثل حركة جزيئات غير مرئية تصطدم ببعضها، تقترب وتبتعد، تغيم وتتضح.. صور قريبة مني وبعيدة عني في الوقت نفسه، تختلط أزمانها، تضيق وتتسع فجواتها، صور تعبر خاطفة لوجوه شاحبة وحكايات مبتورة وعتبات مثلومة وشرفات صدئة وثكنات ترعاها شياطين الحرب وأبواب مخلّعة وسفينة عملاقة تكسر صاريتها رياح عاتية فتنحدر الى أعماق المحيط.. سيل لا يتوقف، يجري ويشكّل طوفاناً أغرق فيه وحدي دون أن أفكر بالبحث عن قشة أتمسك بها.. أشعر بالسخرية من نفسي حين أتذكّر تلك الكاتبة وكيف تملكني الغضب لأنها(سرقت) تاريخ عائلتي، ماذا عساها ستكتب لو كانت على قيد الحياة ورأت كيف يُسرق البلد؟ هل تراها ستعطي الحق للسارقين بأن كيلهم قد طفح ونهشهم الفقر وأكلت أعمارهم الحروب فسلكوا هذا الطريق ليعوّضوا سنوات الحرمان؟
**

بينما السيارة تنهب الأرض، على حافة زمن بلا عقارب، ويلتزم سائقها الصمت إلا من بعض جُمل تتعلّق بالطريق، كنت أنا سادرة أطارد أخيلتي وتوقعاتي عبر شاشة رأسي التي اختلط عليها الأمر بين ما هو متخيّل وما هو واقعي، وثمة وجه لا أخطىء ملامحه يتبعني من خلال زجاج النافذة، وجه لم يغادره القلق، لكنه يحرسني.. إنه وجه أمي.
ثم رأيت أن بوابة القصر، الذي كان قصري، قد شبّت فيها النيران بعد أن نُهب كل شيء، حتى أنني كنت أرى بوضوح وجوه اللصوص، وأسمع صرخات الفرح وهم يعبؤون السيارات بصيدهم الثمين، لكن مشاعري إزاء ما يحدث غابت تماماً وحل محلها شعور امرأة تجلس على العتبات لتضيف حكاية جديدة بصيغة الماضي عمّا حدث، ثم تنتقل الى حكاية أخرى عن رجل أوهمت نفسها بأنها تحبه وضاع أثره في خضم الكارثة التي حلّت بالبلد، ثم تخرج جمار وتقول لها ممتعضة:
ـ اتركي الجلوس على العتبات وادخلي البيت، يجب أن نعيش.
وحينما أدخل أجد بانتظاري خوص السعف المُعد لصنع المكانس والحصران، أعمل بصمت بينما جمار تأخذ قيلولتها المعتادة.
ـ عجيب.
يقول السائق بصوت مرتفع فتنطفىء الشاشة في رأسي.. ثم يضيف:
ـ ما هذا البلد الغريب.. لا تأشيرات ولا سيطرات.. هل هذا معقول؟
أشيح بوجهي الى الصحراء الممتدة، خراطيم الأتربة تنطلق من أسفل سيارات أخرى حادت مثلنا عن الطريق العام، أكاد أشم الغبار برغم أن زجاج النافذة محكم الإغلاق.. أم تراه غبار الوحشة ينطلق من صحراء روحي ويملأ فجواتها؟
من حين لآخر أسمع جمار بصوت ضعيف هدّه المرض تسأل:
ـ كم بقي من الطريق؟
وتعود للنوم ما إن يقول السائق:
ـ ما يزال أمامنا الكثير من الوقت.
بعد أن قطعنا أكثر من نصف الطريق وعدنا للشارع العام رأينا عن بعد الكثير من الدبابات الأمريكية، أوقفتنا سيطرة، كانت أمامنا ثلاث سيارات، نزل أحد الركاب واتجه الى الجندي الأمريكي، تفاهم معه، وبعد دقائق عاد فرحاً وهو يرفع يده للسيارات ويصرخ:
ـ واصلوا السير.
ثم حين لاحت مشارف بغداد الملتفعة بالدخان الأسود وركام المعارك قال السائق:
ـ ها قد وصلنا.
عندها لم يعد صوت جمار ضعيفاً، كأن المرض قد غادرها أو أنها لم تمرض، قالت بصوت قوي وهي تقوم من رقدتها: الحمد لله.
وجه بغداد يعلن عن غيوم مكثفة نتيجة احتراق النفط في الخنادق واحتراق الأبنية، عربات مهشمة ومتروكة في العراء، طائرات تجوب السماء.. وهواء مزكوم بروائح دخان وحرائق لم تخمد بعد وغبار وبقايا أشلاء متعفنة وقصص مات رواتها.
أدرج ذلك كله في رأسي فقد أحتاج إليه في الوقت المصلوب بين انهمار الرصاص وسكون الجثث.. أتساءل: ترى ما هو القادم وأي مصير ينتظرني؟
تعود الصور إذ لم أستطع دحض خيالاتي، يراوغني وجه جبار مدعوكاً بالخوف، ويخامرني شعور أن أقف قرب رأسه المفصول عن جسده كما وقفت إلزا سوميرز ذات يوم وشاهدت رأس خواكين مورييتا.. لكنني لست متأكدة من أنني سأتبنى عبارتها وأقول إنني الآن حرة.
أجدني أمام خزانة الأسلحة، تلك المؤطرة برؤوس الغزلان والصقور المحنطة، وقبل أن تقع في قبضة اللصوص أسمعني أصرخ: كم رقبة قطعتِ أيتها السيوف المسنونة؟ كم قلباً طعنتِ أيتها الحراب وكم عدد الشرايين التي تقطعت في نصلك؟ كم وكم... إذ لا يمكن أن تكون تلك الأسلحة قد صُنعت للزينة كما أخبرني جبار حين لمح خوفي عند رؤيتها.
ما يزال هناك الكثير ليعرضه المخرج اللابد في رأسي، لكنه فجأة انتفض، وضغط على زر التشغيل ليُسرع بالمشاهد ويُنهي الفيلم دون أوامر مني، على لقطة أراني فيها أجلس على عتبة بيت أمي الخالية إلا مني، وأسرد حكايتي على نساء مفترضات يغزلن الحكايات على نول الأحزان.


هدية حسين
روائية عراقية مقيمة في كندا
hadiya3000@yahoo.com
تعليقاتكم
1. روعة
noora | 4/4/2012 الساعة 19:53
بمعنى الكلمة روعة
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث