الخميس, 17 آب 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
مبكى الغرباء/ قصة قصيرة
سعد هادي
مبكى الغرباء/ قصة قصيرة
سعد هادي


لا أتذكر كيف ظهر ولا من أين جاء، وجدته أمامي فجأة، قال كلاماً مبهماً، حاولت التملص منه ولكني لم أستطع، انحنى وأمسك بيدي وأراد تقبيلها، كرَّر بمذلة: صدقني، لن يستغرق تصوير اللقطة سوى بضع دقائق، عليَّ أن أقف خلف المنضدة صامتاً وأنظر الى الحائط المقابل كأني أنظر في مرآة، بدا مثل شخصية منتزعة من رواية قديمة، أصلع، بعينين جاحظتين ووجه شاحب، يرتدي سروالاً فضفاضاً وقميصاً مجعداً بلا لون، اعتذرت مرة أخرى وأخبرته أن لدي موعداً وقد أتأخر عنه، تشبث بيدي ثانية وطبع فوقها قبلة لزجة، رأيت فوق الجانب الأيسر من صلعته بقعة حمراء محاطة بالقشرة وبضعة خدوش، ظلَّ منحنياً لثوانٍ وحين رفع رأسه ونظر اليَّ رأيت دموعاً في عينيه، قال انهم سيطردوه اذا لم يجد ممثلاً يؤدي هذا الدور وربما لن يعثر على عمل لشهور، فمن أين سيعيش؟ ألا يستحق عطفي؟ من سينقذه اذا تركته في محنته؟ أضاف وهو يتظاهر بمسح دموعه: لقد ارسلتك السماء اليّ بعد أن يئست فلا تخيِّب رجائي. انتزعت يدي وقلت أنني سأنفذ ما يريد على أن يتم ذلك بأقصى سرعة، تغيَّرت ملامحه فجأة واستدار وصرخ برجلين كانا يقفان على بعد أمتار لكي يُحضرا معدات الإنارة وقال لآخر أن يُحضر صورة فوتغرافية ويعلّقها خلفي ثم أعطى ملاحظاته للمصور وساعده في نقل حامل الكاميرا ووضعه بمواجهتي، دفعني بيد مختلفة عن تلك التي كانت تتشبث بي قبل لحظات وأمرني بالإنحناء قليلاً حين أقف خلف منضدة العمل وأن أمسك بيدي اليسرى مقصاً وبالأخرى غليوناً، قلت أنني لا أُدخن كما أنني أمسك المقص عادة باليد اليمنى، احتقن وجهه وزفر بنفاد صبر وقال أن ذلك هو ما مكتوب في السيناريو وعلينا أن ننفذه كما كُتب، لا يمكن تغيير ما أراده المؤلف، اقترب مني ثانية وقام بتعديل خصلات شعري وربت كتفي كأنه يمسح غباراً، رأيت بريقاً مختلفاً في عينيه وتعبيراً صارماً على شفتيه، أضاف أنني لن أؤدي فعلاً حقيقياً، سأتظاهر بالتدخين ولن أقص قطعة القماش، وضع علبة تبغ أمامي وبكرات خيوط وكوب شاي وأقلاماً ثم سار بخطوات زئبقية واختفى، جاء رجل آخر وعلَّق ميكروفوناً في السقف وآخر فوق المائدة، كان بديناً، ببدلة عمل زرقاء، يتحرك ببطء كأنه نائم، سألته عن الرجل الذي توسَّل بي حتى رضخت فقال أنه مدير الانتاج، أضاف بعد صمت قصير: لا تحزن ولا تشعر أنك خدعت، هكذا هو، يصل الى ما يريد دائماً، لو استمررت في الرفض لدقائق أخرى كان سينحني ويلعق حذاءك، كانت المنضدة تلتصق بالجدار الأيسر للدكان ويفصلها عن الباب الخارجي خطوتان وعند الباب وضعت باتجاهي ثلاثة مصابيح، ضؤوها وهاجّ وحار، رفعت يدي الى أعلى، حاولت أن أرى مَن يقف خلف المصابيح، لم أبصر سوى ظلالٍ سود، قلت: لن أستطيع الوقوف هكذا لوقت طويل، لا يمكنني التنفس ولا النظر، ردت عليَّ همهمات من مكبر صوت: لا تهتم، ستعتاد على ذلك، ولأول مرة منذ دخولي الى الدكان انتبهت الى وجود امرأتين في الجانب الآخر، تجلسان على أريكة صغيرة، رأيت قربهما ماكنة خياطة وكومة ثياب وعلى الجدار خلفهما رأيت صورة رجل يشبهني، كانت احداهما في حوالي الخمسين، نحيفة، ترتدي ثياب حداد، عيناها سوداوان كبيرتان وشعرها أشيب ينسدل في خصل مجعدة على كتفيها، ابتسمت برقة كأنها تواسيني، أما الأخرى فكانت شابة في حوالي العشرين، ذات وجه عريض وشعر كستنائي، لم تنظر اليّ، بدت ضجرة، شفتاها ترتعشان ويصدر عن تنفسها ما يشبه الصفير. ظهرت كاميرا خلف المصابيح وأمرني مكبّر الصوت أن أمسك بالمقص وأرفع الغليون نحو فمي كأني أدخِّن ثم صاح: سكوت، حلَّ صمت مريب وتقدمت الكاميرا باتجاهي حتى كادت تلامس أنفي، رأيت ظلال رجل خلفها، رأيت أصابعه تتحرك بغموض كأنها تنقل لي ملاحظة لم أفهمها، ابتعدت الكاميرا تدريجياً ثم انطفأت المصابيح وظهر رجل يرتدي معطفاً خلفها، كان هو المخرج، سألته: هل أستطيع الذهاب الآن؟ ردَّ بخشونة: الى أين؟ ما تزال هناك لقطات أخرى، قلت: ولكن الرجل القصير قال لي انها لقطة واحدة لا غير، أُضيئت المصابيح ثانية وأخبرني مكبِّر الصوت أن أجلس على الكرسي وأتظاهر بالنوم، صرخت: أنا لست ممثلاً، أنا عابر سبيل قادته الصدفة الى هذا الزقاق، هل ارتكبت خطيئة حين حاولت اختصار المسافة الى الشارع العام؟ ما ذنب الرجل الذي ينتظرني هناك؟ عليَّ أن أعطيه مبلغاً من المال، هو مريض ومتقاعد ولديه أطفال، قال المخرج: هذه التفاصيل لا تعنيني، اكمل مشاهدك واذهب الى حيث تريد، أضاف مكبر الصوت: اجلس وتظاهر بالنوم، اغمض عينيك واترك يديك مثل جناحين على جانبي الكرسي. أما المرأة ذات الشعر الأبيض فقالت حين التفتت اليها: لا جدوى من الاحتجاج، إفعل ما يريدون، لن يدعوك تذهب. وارتسمت على شفتيها ابتسامة المواساة ثانية، جلست على الكرسي وتظاهرت بالنوم، انطفأت المصابيح بعد قليل وقال المخرج أن اللقطة التالية تصورني وأنا جالس أيضاً، أشرب القهوة وأدخن، وضع أحدهم أمامي فنجاناً فارغاً وقدح ماء ثم أُضيئت المصابيح.
بعد خمس ساعات لم أعد أتذكر كم مثلت من اللقطات، كنت أتحرك كالسكران وأنفذ ما يطلب مني كلما انطفأ الضوء وأُضيء، لم أعد أتذمر أو أحتج، احتملت بصبر حرارة المصابيح وجو الدكان الخانق، كانت الأصوات التي تأمرني تأتي جميعها من الظلام، من خلف المصابيح، كانت تصرخ بي وتقرّعني وتشتمني حين أُخطيء، استجبت صاغراً ولم أرد عليها ولا مرة. لم اعرف ما هو الوقت حين قال المخرج: انتهت مشاهد اليوم، ربما اقتربت الساعة من منتصف الليل، كنت جائعاً ومتعباً، بحاجة الى أن استحم وأنام نوماً عميقاً. حملَ المصورون ومساعدوهم الكاميرا والمصابيح والأسلاك وأشياء أخرى كانت مبعثرة في الزقاق واختفوا خلال دقائق، تركوا خلفهم الصمت وأكياساً ممزقة وقشوراً وأوراق جرائد، جاءتني المرأة بقدح ماء، رأيت الابتسامة نفسها على شفتيها، قالت: حان وقت العودة الى البيت، سألتها هل تريد أن أوصلها اليه، هل هو قريب؟ اكفهرت ملامحها واختفت الابتسامة، أضفت: لا يمكنني أن اتركها لتمضي وحيدة مع ابنتها في أزقة مظلمة ومخيفة فصرخت بغضب: والى أين تريد أن تذهب الآن، لا بارات ولا مقاهي، المواخير كلها مغلقة، قلت: أريد أن أذهب الى بيتي، انفجرت وظلت تردد: لستَ سكيراً بائساً فقط بل مجنون، لقد دمَّرت الخمرة عقلك، متى تكف عن تخريب حياتي؟ ألا ينبغي أن تخجل قليلاً، تركتني أتعفن مع ابنتك المقعدة أمام أعين الغرباء وتحت نار المصابيح كي تحقق نزوة راودتك أن تكون ممثلاً، يكفي هذا، لم أعد أحتمل، بدأت تبكي وتحوَّل كلامها الى ما يشبه الهذيان بجمل متقطعة مع اشارات بيدها وتجعّدات على وجهها ودموع ومخاط. شاركتها الفتاة في البكاء أيضاً، لاحظت أنها تغطي قدميها بملاءة ممزقة، بقيت صامتاً أحاول فهم ما يجري ولكني لم استطع، بعد قليل كنّا في الخارج، حملت الفتاة على ظهري، كانت نحيفة وبلا ساقين، ألصقت فمها بأذني وظّلت تغمغم طوال الطريق، سألتُ المرأة التي ظلَّت تسير خلفنا: أين يقع البيت؟ قالت انه يقع فوق الدكان ولكن بابه يقع في زقاقٍ آخر، كان الدكان هو مدخل البيت ولكننا اضطررنا لتحويله الى ورشة خياطة بعد الحرب حين أصبحتَ بلا عمل، روت لي قصصاً أخرى عن حياتي ونحن نسير في الظلام، قصصاً مشتتة وطويلة، استمر سيرنا في أزقة متداخلة وكئيبة لأكثر من ساعة، قلت لعلنا ضللنا الطريق، قالت: لا، هذا طريقنا المعتاد ولكنك لا تتذكر، هززت رأسي وقلت: لا أتذكر ما قلته أنتِ مثلما لا أتذكر حياتي السابقة إن كان لها وجود، كلما أتذكره هو أنني كنت في طريقي لرؤية صديق ما وحاولت اختصار المسافة فمررت بالزقاق حيث أمسك بي مدير الانتاج ثم توالت بقية الأحداث التي تعرفينها، يحدث للمرء أن ينسى وقائع حياة واحدة حين يفقد الذاكرة وليس حياتين أو أكثر ثم سألت نفسي السؤال التقليدي من أنا؟ ولكنه ظلَّ بلا إجابة.
لم يكن للبيت مدخل ولا باب، وجدنا سلماً خشبياً من الذي يستعمله مصلحو الكهرباء مركوناً على حائط، صعدت المرأة أولاً، فتحت نافذة في أعلى الحائط واختفت ثم لحقتُ بها بعد قليل ولكني توقفتُ في المنتصف، ازداد ضغط يدي الفتاة على رقبتي وبدأ السلم يهتز، لم أعد قادراً على التنفس، أغمضت عيني وتوقعت أن أسقط بعد لحظة، تحوَّل أنين الفتاة الى بكاء ثم الى صراخ وبدأت أصرخ أنا أيضاً، أخرجت المرأة رأسها من النافذة، سألتني: لماذا أصرخ؟ لماذا أتصرف كالمجانين في منتصف الليل؟ ثم مدّت يدها ورفعت الفتاة، وجدت نفسي في غرفة صغيرة حين قفزت الى الداخل، فيها سرير لشخصٍ واحد ومنضدة وكرسيان وعلى الحائط صور لرجل يشبهني ولأشخاص آخرين، كانت الصور موشحة بالأسود وتتدلى منها أو تعلوها باقات زهور يابسة، خرجت من الغرفة فوجدت ممراً يؤدي الى غرفة أخرى فيها سرير كبير اضطجعت الفتاة فوقه ودولاب ملابس له باب واحدة عليها مرآة، كانت الغرفة تسبح في ضوء أزرق باهت، رأيت المرأة تخلع ملابسها أمام المرآة، سألتها عن لون المصباح الكئيب فقالت أن الفتاة لا تستطيع النوم الا اذا أُضيء ثم ابتسمت بغموض وأضافت: لا تهتم، ستنام بعد قليل وسنطفيء المصباح، فتحتْ الدولاب لتضع ملابسها فرأيتُ بعض ثيابي فيه، ليست ثياباً تشبه ثيابي بل هي ما كنت أرتديه من قبل، ذهبنا الى المطبخ الذي يقع في نهاية الممر، وضعت أمامي صحناً فيه بقية سمكة مقلية، قلتُ بامتعاض: سمك بعد منتصف الليل، هل هذا معقول؟ قالت: أكلتَ نصف السمكة بالأمس وعليك أن تكمل نصفها الآخر، ليس لدي طعام غير السمك، جلست أمامي، أخرجت علبة سجائر وبدأت تدخّن وتنظر الى وجهي دون أن تتكلم، في عينيها تساؤلات وحزن وحولهما هالتان حمراوان غريبتان، ذهبت لتنام قبلي، كان الضوء الأزرق في الغرفة مطفأ حين عدت وكان الباب مقفلاً من الداخل، ذهبتُ الى الغرفة الأخرى، تمددتُ على السرير بملابسي ثم نمت بعد قليل، رأيت في نومي كوابيس لا نهاية لها عن رجل ضائع، حائر بين عالمين، يتجول وحيداً في شوارع مظلمة، استيقظت عند الفجر، كنت عارياً، لا أدري متى خلعت ملابسي، نهضت، أغلقت النافذة ونمت ثانية.
مرّت الأيام التالية ببطء، بدت طويلة ومملة كأن تفاصيلها استنسخت عن أيام سابقة، لم نهبط الى الأرض ثانية، اختفى السلم وكانت المرأة تشتري ما نحتاجه من طعام من بائع جوال يأتي في المساء، لم أعترض على ما آل اليه وضعي، لم أجد سبباً للاعتراض، أنام واستحم وأأكل وأشرب كأساً بين حين وآخر دون مقابل، هناك كتب ومجلات أتصفحها أيضاً، معظم أوقاتي أقضيها مع الفتاة، أحكي لها قصصاً أو أطعمها أو أصغي الى أنينها الذي يمزج بين الضحك والبكاء محاولاً تفسيره، كنت أجلس أمام النافذة أحياناً وأنظر الى جدران عالية لا شبابيك ولا أبواب فيها، لم تكن لي مع المرأة أية علاقة، كنا ننام منفصلين، لا نتحدث الا قليلاً، تقضي معظم أوقاتها في المطبخ، تعد الطعام أو تخيط ثياباً أو تطعم العصافير التي تحط على النافذة، تأتي أحياناً الى غرفتي، تجلس لتدخن وتنظر معي الى الجدران العالية أو لتروي لي قصصاً موجزة عن صور الاشخاص التي تحيط بنا، تفعل ذلك بآلية وبلا انفعال، أشارت مرة الى صورة رجل في ثلاثينياته وقالت أنه شقيقي الذي قتل في حرب الثمانينيات، نظرت الى صورة فتاة ذات عينين تشبهان عينيها في مرة أخرى وقالت أنها ابنتي، قتلت في انفجار سيارة مفخخة قبل سنتين وهو الإنفجار نفسه الذي قطعت فيه ساقا الفتاة التي جئت بها من الدكان، أما الصورة التي تجاورها فهي لإبنتي الأخرى التي اختطفت ووجدت جثتها بلا رأس في خرابة عند أطراف المدينة، أشعلت في احدى الليالي شمعة قرب صورة وبدأت تناجي الشاب الذي فيها بصوت خافت، قالت إنه ابن شقيقها وقد قضى غرقاً، كانت الصور جميعها لقتلى، حتى صورة الشيخ الكئيب في الوسط كانت لأبيها وقد قتله لصوص ليسرقوا كيساً كان يحمله، أرواح الموتى ظلت تحيط بي من كل جانب وبدأت أتخيل أنني ميت أيضاً، مجرد صورة ما لشخصٍ من الماضي، صورة لرجلٍ فقد ذاكرته.
أيقظني صوت الرعد في أحد الأيام، نظرت من النافذة، السماء مثقلة بغيوم كالحة، لا شمس وثمة ريح قوية تهز الجدران التي تواجه النافذة، رأيت باب الغرفة الأخرى مفتوحاً والمصباح الأزرق مضاءً على غير العادة نهاراً، لم تكن المرأة في الغرفة، ذهبت الى المطبخ فلم أجدها ثم ذهبت الى الحمام ولم تكن هناك، عدت الى الغرفة، الفتاة وحدها تستلقي في السرير، عارية الاّ من ملاءة تغطي ساقيها المقطوعتين، جسدها أزرق ببشرة صقيلة كأنها من رخام، بدت لي أقصر وأنحف من ذي قبل، جلست على مقعد قربها، لم تكن تتنفس، عيناها مفتوحتان ولامعتان مثل ماستين وعلى شفتيها ما يشبه رغوة يابسة، بعد دقائق أدركت أنها ميتة، ترى هل هربت المرأة حين رأتها هكذا؟ ولكن الى أين؟ انتظرت لساعات قرب الجثة لا أدري ماذا أفعل، غطيتها بالملاءة، جلبت باقة زهور اصطناعية ووضعتها قرب رأسها، أشعلت شمعة وكنت اذهب الى النافذة كلما سمعت صوتاً غريباً، ظلَّ الزقاق خالياً، لا سلَّم قرب الحائط، لا مارّة، بعد الظهر توقّف سقوط المطر، سمعت صوت رجل تحت النافذة، سألني هل أريد خبزاً، قلت: لا، أريد أن تساعدني لأهبط الى الأرض، لديَّ فتاة ميتة هنا، لم يرد، اعتقدتُ أنه لم يفهم ما قلت ولكنه اختفى وعاد بسلّمٍ بعد دقائق، صعد ومعه كيس فارغ، تصرّف بتلقائية كأن ذلك جزء من عمله اليومي، مسح جسد الفتاة بمنشفة مبللة وسكب قطرات من العطر فوقه ثم ساعدته في حشره في الكيس وقام بخياطته، هبطنا الى الأرض وتناوبنا على دفع العربة نحو مقبرة قال أنها ليست بعيدة، لم نجد أحداً هناك عندما وصلنا قبل الغروب، تهنا وسط تلال من الآجر والشواهد المهدمة، وحده صرير العربة كان يتردد حولنا، خوّضنا في برك الماء التي تركها المطر حتى وجدنا حفرة مهجورة، أنزلنا الكيس المبلل اليها وواريناه بالطين والأعشاب وقطع آجر انتزعناها من قبور أخرى، أعطيت للرجل بعض النقود التي وجدتها قرب سرير الميتة واحتفظت بالباقي، وقبل أن يذهب طلبت منه أن يدلّني على طريق العودة الى البيت فوصف لي طريقاً مختصراً ولكنه صار مثل المتاهة حين سلكته، بقيت أدور في الأزقة وحيداً، أتعثَّر وأطرق أبواباً متشابهة حتى يئست، تسربت من نافذة أحد المنازل رائحة سمكة مقلية فتذكرت المرأة، كانت تطعمني سمكاً مقلياً في كل ليلة، لا أعرف اسمها، لم أسألها عنه ولم تسألني هي عن اسمي، هل تعرفه؟ لا أدري، وصلتُ الى الشارع العام الذي جئت منه في المرة الأولى، بدأ المطر يهطل بغزارة من جديد، الشارع شبه مظلم والمارة قليلون، دخلت مطعماً، أكلت سمكاً مقلياً بلا طعمٍ ولا رائحة، رأيت ضوءاً ساطعاً في الجانب الآخر من الشارع حين خرجت وأشباح رجال تحوم حوله، كان الضوء يصدر عن مصباح معلق على واجهة دار للسينما، على جانبي الواجهة ذات الزخارف الحجرية عُلِّقت صورٌ لرجلٍ يشبهني وملصق لفيلم قديم بالأسود والأبيض اسمه: مبكى الغرباء، قطعت تذكرة ودخلت، وقفتُ في الظلام لثوانٍ ثم جلستُ على أقرب مقعد، رائحة كحول تملأ المكان مع دخان سجائر كثيف، كان الفيلم قد بدأ قبل قليل، عناوينه تتوالى ببطء وهي مكتوبة على ورق أكياس مجعد، لم تكن المشاهد الأولى مفهومة، كأنها اقتطعت من افلام أخرى: وجوه تظهر وتختفي، حوارات سريعة لا ترابط بينها، أشخاص يمضون في شوارع لا نهاية لها ثم يظهرون في مقاهٍ وبارات أو مستشفيات أو يضطجعون بلا حراك في غرف مظلمة، أغلب تلك المشاهد كانت مخدَّشة وإضاءتها شحيحة، تظهر الوجوه فيها شاحبة كأنها وجوه مرضى أو مجانين، استمر ذلك لربع ساعة ثم تغيَّر ايقاع الفيلم، ظهرت أنا على الشاشة، كنت أقف خارج دكان الخياطة، أنادي بلغةٍ لا أعرفها على شخصٍ ما، كان الصوت صوتي والوجه وجهي ولكنّي لا أتذكر أنني مثّلت ذلك المشهد، صرخ شخص خلفي: هذا أنا وصرخ آخر بعد لحظة: هذا أنا، وثالث ورابع وعاشر، ثم تكررت عبارة: هذا أنا بشكل صاخب عندما ظهر مدير الإنتاج وانحنى وقبَّل يدي وقال: يا سيدي، اغفر لي خطئي، لقد انتزعتك من حياتك وجئت بك الى هنا، صدِّقني لم أخطط لذلك، أنا حزين من أجلك، أما حين ظهرت المرأة وهي تحدِّق بعينيها الواسعتين في الكاميرا صرخ أكثر من صوت: هذه زوجتي، هذه المرأة التي كنت أعيش معها، ومع تتابع المشاهد كانت الأصوات تتعالى: هذه ابنتي، هذه عائلتي، هذه الغرفة التي كنت أنام فيها، هذه ملابسي، هذا حذائي، هذه كتبي، وكانت ترافق تلك المشاهد موسيقى شبيهة بالنواح، رأيت نفسي وحيداً على الشاشة، في الدكان والبيت الذي لا مدخل له والأزقة الشبيهة بالمتاهة والشوارع المظلمة الخالية مع غربتي وجوعي وألمي، حتى المشهد الأخير في المقبرة الذي أظهر فيه وأنا أحمل جثة ابنتي المقعدة، تفجَّر بكاء الغرباء في أنحاء الصالة، كلُّ منهم كان يردد: يا للأسى، أهذه حياتي؟ هل عشت هكذا؟ هل تجرّعت كل هذه الأحزان؟ نظرت الى الوجوه التي تحيط بي وتذرف الدموع في الظلام، لم يعد مهماً أنها تشبهني أو لا تشبهني، لم يعد مهماً أن أكون أنا ذلك الرجل الذي يظهر على الشاشة ويمثل حيواتنا أم لا، لم يعد مهما مَن أكون، فنحن جميعاً هكذا، معشر النظّارة، كنا وسنظل، متشابهون في التعاسة ولا جدوى الوجود.

* نشرت القصة في العدد : 1150 من جريدة أخبار الأدب المصرية الصادر في يوم الأحد 9 آب-أغسطس 2015.

رابط الجريدة:

http://www.dar.akhbarelyom.com/issuse/detailze.asp?mag=a&akhbarelyom=&field=news&id=10264

سعد هادي
روائي وقاص من العراق، مقيم في فنلندا
محرر موقع الروائي.
saadhadi1956@gmail.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث