حمزة الحسن
ظلال صلبة/فصل من رواية
30/08/2008

متأملا لوحة "صيد في أسينيرس" لكلود مونيه ، كان يقف كل يوم حين تشتد العاصفة الثلجية قرب مدفأة خشبية قديمة مصبوغة باللون الأسود قرب حائط رمادي شفاف يتبدل لونه مع إضاءة المنزل، كذلك هذه اللوحة التي تعكس من الخارج بلدة ذات بناء خشبي داخل أشجار السرو والصنوبر، التي تبدو متوهجة بألوان دافئة محترقة بخضرة ربيعية شاحبة تشبه منازل هذه البلدة التي يعيش فيها ـ كلمة" يعيش" ليست دقيقة تماما والأصح وجد نفسه فيها لسبب ما.
لم يكتشف وجود أشخاص على حافة البلدة ـ بلدة اللوحة ـ في وضع مشية مسترخية إلا على نحو متأخر، لأن كثافة الأشجار والمنازل والألوان والعاصفة الثلجية خارج منزله ، وصوت الريح، وصوت عواء داخلي، ربما يكون قد أخفى صور هؤلاء وهم يتمشون على أطراف البلدة، كما كان يفعل في بلدة أخرى، قديمة، وفي نهارات مشعة، وبخضرة ربيعية شاحبة، ذلك الشحوب المثير الشبيه بلون الشهوة، أو لون كآبة ضاحكة، أو لون عزلة دافئة، محملة بعطر مطر، أو عطر حمام، أو عطر عشب مبلل، أو عطر جياد صغيرة راكضة على بساط عشبي، وعلى إيقاع موسيقى المطر أو فرح الفراشات أو موسيقى جياد تتعلم المشي والركض والفرح لأول مرة في نهار مفتوح، طليق، شاسع، كفناء جميل مطل على سهل طليق.
في المرات التي يشتد فيها صوت الريح، وتحديدا صوت العاصفة الثلجية في الخارج، وصوت العواء النابع من قيعان سرية، يلجأ إلى هذه اللوحة، كما إلى غيرها. يخرج من العاصفة، والثلج، والريح، والمطر، والعتمة الثقيلة، والهدوء المنزلي،المريب، وضجة الأصوات الداخلية، إلى فضاء اللوحة،والشحوب الربيعي المتوهج، المحترق.
كان فضاءً شاسعا بلون رائحة أعشاب ميناء قوارب الصيد، أو قوارب الرحلات نحو مدن وخلجان وغابات وسواحل وجزر مضاءة بالصخور المشعة أو مطر متواصل لا ينقطع منذ عصور موغلة في القدم، منذ أول شتاء على هذه الأرض.
كان يشم رائحة اللون، ويسمع عطر أعشاب الخليج، خليج ميناء القوارب، ويتلمس، بأصابعه وهج الخضرة الذهبية والصمت الأزلي والمسرة البشرية وهي تفوح عبر نوافذ مكسوة بأشجار تنضح بالضوء المسالم ـ يبدو الضوء رغم كل شيء كئيبا ولعلها ذهنية المنفي، لكنها كآبة لا تتقاطع مع المسرات البيض كما لا تتقاطع الحرية مع الحماقة: كم عدد الذين قتلوا من أجل حرية زائفة؟ وكم عدد الذين أبدعوا تحت تأثير حماقة عابرة كما فعل فان غوغ عندما وقع في حكاية غرام مع صاحبة الماخور راشيل.
هذا الضوء العسلي، المحترق، الريان، الدافئ، هو الذي يجعل هذه اللوحة منقذة من الريح والعاصفة الثلجية ومن الوحشة التي تتراكم على القلب، الوحشة التي تصيب قلب الغزال بعطب خاطف كبرق يضرب غابة مطرية ـ الاستعارة الاخيرة قادمة من عالم القراءات والتقليد والمحاكاة المستعجلة لأن البرق لا يضرب الغابة بل يندمج معها ويصبح أوراقا وعطرا وحتى حكايات. بالمناسبة هذا الضرب أو هذا الاندماج البرقي لا يروى أبدا عكس ما هو شائع عن الرواية في كونها حكاية أو حكايات تروى وأسوأ الروايات أو الحكايات هي التي تروى كما هي.
لا تظهر الغابة في الجانب الآخر من اللوحة، كما لا تظهر الغابة في الجانب الآخر لمنزله والشيء الوحيد الذي يبدو في اللوحة هو أفق مشتعل بخضرة شاحبة تشبه لون غزال ولد توا على بساط من العشب الربيعي الفتي، الندي ـ تعبير كلاسيكي لا معنى له لأن العشب لا يكون نديا الا في الفجر.
خارج الأفق، توجد أحلام زائلة كعربات مهملة في عشب أو وحل، مثل عجلة هوائية مرمية في العشب، صدئة، كمقطع ممزق من قصيدة لرامبو عن زوال البهجة والضوء والأشياء المتروكة في العشب.
يحلو له أحيانا في أوقات العصف الثلجي كتعويض الخروج من الغرفة، و التنزه على أطراف بلدة الرسام كلود مونيه، بلدة لوحة صيد في أسينيرس أو يتحدث مع المتنزهين" في اللوحة" أو مع عجائز أو صبايا من خلف النوافذ، نوافذ اللوحة، أو يقف على حافة ميناء قوارب الصيد الصغير في انتظار رحلات نحو مدن وسواحل وخلجان وجزر وصخور وجبال وأزمنة وعطور جديدة.
يقع منزله قرب خليج، وفي سهل جبلي مفتوح، تحاصره الأشجار من الخارج، والعاصفة الثلجية، وهو يشبه مغارة أو كوخ جبلي منعزل، أو بيت صيفي مطلي باللون الأصفر الذي يشكل مع الخريف قطعة واحدة، متماسكة، حتى يمكن القول انه بيت الخريف. انه السأم المعتق كنبيذ قديم الشبيه بشهوة الصيد أو شهوة الحب أو شهوة غزال يحلم بالغابات والسهول والبراري وهو في ذروة النعاس الأبيض، العذب، المخدر،الشبيه بموت زاحف، لكنه منقذ، ومطمئن كعري صريح ومفتوح وأبيض وثري.إنه نوع من التماسك الداخلي الشبيه بتماسك أجنحة الفراشة، أو حلم صوفي. السأم كالاشمئزاز والحرية والقرف والحب يدفع الى أعمال خارقة.
هذه اللوحة على الجدار هي عري جسدي آخر، مثير، مطمئن، صريح، متوهج، محترق، منعزل، صوفي، له لون رغبة تنام في العتمة والدم والغريزة كما ينام وعل جريح في دغل كثيف: تعبير ربما سقط سهوا من الروايات الرعوية لأن الدغل الكثيف اليوم لم يعد ممكنا بسهولة كما ان النزف فوقه بسلام مفقود.
ليس هناك أحد ما خارج النافذة، نافذة منزله، هذا الليل، باستثناء بضعة متنزهين في اللوحة. يبدو هؤلاء كأنهم يسبحون في الضوء الأخضر الفرح المتوهج بهدوء وانسيابية كما لو أنهم ينبعون من الأشجار أو من النوافذ أو من ظلال القوارب أو من السقوف الملونة دون أن تكون قاماتهم منحنية أو مشدودة: إنه نوع من المشي الذي لا يحدث إلا على تخوم مدن آمنة، سعيدة، هادئة، منعزلة ـ يختلف ايقاع المشي حسب الايديولوجيا والعرف والموسيقا والجينات ومسألة الاشباع. المكبوت جنسيا على سبيل المثال يمشي بتوازن مختل وايقاع جسدي هش عكس المرتوي، والخائف ليس كالمطمئن، والذي يحكي ليس كمن يصمت... الخ. الخ.
قد يهبط الليل فجأة على اللوحة، ويختفي هؤلاء مع الأشجار والقوارب والظلال والمنازل والخضرة الربيعية الشاحبة المتوهجة، ويمحى كل أثر لرائحة طقس الاحتفال الشعبي هذا، ويزول النهار من الوجود، كما تزول ظلال قامات المتنزهين.
يظهر كدس تبن بلون أحمر وأصفر وأخضر على بساط عشبي متوهج بألوان دافئة هي الأحمر الفاتر وهو لون سنابل متوهجة في آخر صيف، والأخضر الهادئ، وخطوط أشجار صنوبر خضر على خلفية من الأزرق الفاتح والأخضر المشع بهدوء وصمت. لوحة لغوغان عن كدس تبن( منظر طبيعي قرب آرليس). كدس التبن المشع وسط اللوحة موجود في لوحة تحمل اسم( قش في صيف متأخر) لكلود مونيه.
كما يحدث في كل مرة قد تختفي بلدة كلود مونيه في أية لحظة، تختفي من الجدار، لكنها باقية في الذاكرة. أما الظلال، والروائح، والأصوات، والصمت، فكلها باقية في مخيلة إنسان آخر، وهكذا تتواصل المدن والقوارب والفصول والأزمنة والحكايات، وكل حكاية تنتهي تولد في عقل مخلوق آخر.
الظلال الهادئة، الناعمة، تحت الزوارق ـ زوارق اللوحة ـ تبدو مختلفة الألوان، ومتباينة في العمق، والشدة، والطراوة: من الأخضر الغامق، إلى الأخضر الشاحب المائي المطلي بذهب اللون الأصفر، قد تكون طحالب بحرية، أو أي شيء آخر.
الزوارق نفسها لا تبدو واضحة تماما وربما هي قوارب قديمة مقلوبة، متروكة، حولها الطحلب، والظل، والضوء، والنهار الأزرق المفتوح.
لوحة( العقعق) لمونيه مثلا تجسد حالته النفسية، يوم كان يقوم برسم حقل في الجليد: الحقل صامت، ومثلج، تحت سماء شاحبة شحوبا منفرا، قرب مجرى مائي صخري، في مواجهة كوخ جبلي مكسو بأشجار عارية، بيض، والمشهد ساكن، رمادي، موحش، حين حط، على غير توقع أو انتظار، عقعق ووقف على باب الحقل الذي يوضع عادة على مدخل الحقول الريفية وهو عبارة عن خشبتين عموديتين وفي الوسط خمسة أعمدة وقف العقعق على الأخير، في حين كانت ظلال الباب تنعكس على الجليد الذي يعكس لونا ذهبيا محترقا هو لون الثلج.
ليس هناك، في العزلة والثلج والسكون والترقب، أجمل من قدوم أحد، أو شيء، غير منتظر، وحين تكون الأرض ساكنة، بدائية، موحشة، مغمورة بالغمر الكوني الأول، والصمت العاري، السائل، كما لو ان الأرض قد بدأت تتشكل في عري بدائي مضاء بنور ثلجي ناعم.
مع الوقت تتبدل الظلال، وتتغير، وحتى هؤلاء الذين يتمشون على أطراف البلدة ـ بلدة لوحة مونيه ـ ظهروا أكثر ألفة على الرغم من أن ملاقاة غرباء على أطراف المدن أمر غير مريح عكس ملاقاتهم في مقهى صيفي مثلا، أو مقهى شبيه بمقاهي فان غوغ في لوحته( مقهى تيريزا في الليل) حيث الليل المسالم، الهادئ، الجذاب، يسيطر على حجر الطريق المحترق بالأصفر والذهبي والمشع بلون دافئ ليلي شبيه بلون حجر بنفسجي أو حلم برئ مرتجل في حديقة عامة ـ يوم كانت الحدائق العامة قابلة للاحلام.
في (مقهى تيريزا) وعلى حائط المقهى على نحو خاص، الحائط الضاج بلون ذهبي مخضر هو لون الصداقة، والليل، والفرح الإنساني بالأشياء الصغيرة، فكر كثيرا بحياته التي تشبه هذا الظل الذي سرعان ما يزول، لكن الحائط باق.وتسائل:( لماذا حين يتلاشى الظل، لا يسقط الجدار؟).
في المقهى الكراسي الفارغة تنتظر زبائن، ربما يأتون آخر الليل من البار المجاور القريب، أو من نزل بعيدة، ربما من الشرفات المطلة على المقهى. ليس هناك أي شيء مؤكد هنا ولا هناك ويمكن اضافة أو حذف أي مقطع أو صورة أو حوار لكي تستمر الحكاية. المؤكد الوحيد هو " الاستمرارية". عبارة" المؤكد الوحيد" العفوية من بقايا السرديات الكبرى يوم كان العالم يظهر متماسكا وسهلا وبسيطا ومن أجل هذه السذاجة الطفولية صنعت رموز وأنصاب ومواقف ـ موت جيفارا مثلا، وحنين هوميروس الموحش، وأريحية عقل محمود البريكان الذي نام كطفل ولدا توا كي يذبح بعد لحظات بسكين من أجل لا شيء. لا يمكن القول ان قتل شاعر من أجل النقود هو سبب.
تبدو طاولة محاطة بكرسيين، في اللوحة، على أرضية مكسوة بأحجار صغيرة تكسو الشارع الضيق، تبدو هذه الطاولة كما لو ان أصحابها قد غادروها الآن: رجل وامرأة، أو صديقان، ويبدو أنهما غادرا في الاتجاه نفسه لأن الكرسيين قد أزيحا في اتجاه واحد.
شكل الإزاحة، والمسافات المنتظمة، تعكس وضعا نفسيا متقاربا، أو في الأقل وجود مخطط واحد لهذه السهرة. كانا عاشقين حتى أنهما تركا هذه الكراسي المحترقة بالضوء والصمت دونما عودة هذه الليلة وربما في أية ليلة أخرى، الباقي هو وهج مقهى تيريزا في الليل.
أما نادلة المقهى فهي تقف بثوب أبيض أمام زبائن مشنوقين بانتظار ما لا نهاية له على الأرجح. الشجرة على يمين الصورة، أغصان شجرة صنوبر أو سرو، تبدو في خضرة موحشة، تعمق الشعور بكثافة هذا الليل، وهذه الأغصان تشبه إلى حد كبير خطوط وجه فان غوغ نفسه، بل هي صورته الطبيعية.
إنها نفس كثافة وشراسة أغصان أشجار سان ريمي الوحشية في مصح عقلي للمصابين بالذهان النفسي. من يدري ربما يكون الرجل والمرأة أصحاب الكراسي الفارغة، المكسوة الآن بالصمت، والضوء، قد شاهدا من قبل هذه الأغصان دونما كلام، لأن هذه طبيعة كل الأشياء المثيرة والمبهرة بين عشاق مغامرين جلسا هنا الآن، قبل يوم، قبل قرون، ثم غادرا المكان وتركاه يغرق في الضوء والصمت وحركة الزبائن الهادئة كما هو الأمر في حركات مخلوقات آخر الليل.
هناك ثلاثة اتجاهات في شارع مقهى تيريزا، وهو شارع فرعي ضيق، واحد جانبي لا يظهر في اللوحة، والاخر الذي مضى فيه الشخصان، والثالث يبدو كممر مظلم أو نفق طويل، وفي نهايته المعتمة نافذة صغيرة مضاءة، تشبه نافذة كافكا الأخيرة في رواية( المحاكمة) مع اختلاف الجو الصيفي المشرق والدافئ ـ على ذمة ميلان كونديرا ان كافكا أسرّ لصديقه ماكس برود انه فكر بتغيير خاتمة الرواية لكنه لم يفعل.
يبدو ان كافكا الآخر، كافكا الانسان العادي، هو صاحب الفكرة، لو لم يعدم .ك. في الرواية لأعدم في مكان آخر على يد قوة تمتلك سلطة الأرشيف. الأرشيف اليوم، الحماقة، الدائرة، الجهاز، الانترنت، الوشاية، الحقد، الحب، العجز، هو من يصنع حكايات ويطلق الاحكام التي تصبح بدورها" حقائق" عامة ومتداولة بل مسلمات حين يتنازل العقل لسلطة أخرى.
هذا النوع من النوافذ الذي يضيء في نهاية العتمة ـ عتمة اللوحة ـ يحمل رائحة رهبة مقدسة أو شهوة عارية محتجبة. إنها نوع من الخروج من حصار النهايات أو الأنفاق أو الدروب الضيقة أو من فناء يزحف وقادم له عطر هذا الليل الصيفي الذي لا ينقصه إلا المطر.
رجل وامرأة خرجا من متجر مجاور للمقهى أو من زقاق فرعي وهما ينحدران الآن بهدوء وسلاسة نحو الكراسي، وثوب المرأة طويل من ثياب القرن التاسع عشر أو بدايات القرن العشرين، في حين بدت طاولات وكراسي كثيرة تحت الضوء منتظرة ـ قد تكون في انتظار زبائن أو من يروي حكاية هذا الانتظار.
لا شيء يبقى على حاله بعد لحظات، فالرجل والمرأة سيغادران المقهى بعد شرب كاس نبيذ، والزبائن سيختفون في الدروب، والكراسي سترفع من المكان مع حرارة الأجساد الذاهبة، واللون الذهبي المحترق للجدار سيتلاشى ما أن تشرق الشمس، والنادلة سوف تذهب لتنام لكن بعد أن تتعرى تحت ضوء آخر حتى يلمع جسدها بمثل أحجار شارع مقهى تيريزا في الليل ـ من يدري قد يكون جسد النادلة مصابا بمرض جلدي ولا يلمع كالأحجار المضاءة ومن غير المعروف انها ستتعرى تحت ضوء وقد تذهب لتنام في قبو.
لوحة أخرى لبول غوغان: مقهى دي لاجاري في ارل ذات السقف الأخضر والجدران الحمر وطاولة بلياردو وسط القاعة بلون أخضر عميق، والدخان يتحرك على شكل خطوط متموجة، ونساء يحتسين الخمر وتبدو على وجوههن التالفة والساهمة سمات انهاك متواصل لا يزيده هذا الجو الحلمي الداخن المتوهج بالاحمر غير الرغبة في مواصلة الشرب أو النوم أو الثرثرة حتى على حافة طاولة بلياردو منتظرة وقد ادار الزبائن ظهورهم لها وانغمسوا في أحاديث لا صلة لها بهذا المكان الذي بدا ضاجا بأحاسيس هذا المقهى الليلي ـ يختلف كثيرا عن مقهى فان غوغ الطليق والمشرق بكآبة صوفية عميقة.
إنه مقهى بول غوغان في لوحته( مقهى ليلي في ارل) . كانت مقهى فان غوغ تبدو مشعة بلون اصفر ذهبي قمحي مشتعل بالخضرة وتحت سماء بلون أزرق هو لون حلم غير متحقق، على عكس مقهى غوغان المعتمة رغم توهج جدرانها باللون الأحمر، فحتى هذا اللون المحترق يزيد من نفي الزبائن عن المكان ،لأن الإنهاك الداخلي غالبا ما يتم تسريبه في الصخب وسطوع الأضواء التي تجعل الوجوه شاحبة كوجوه الموتى ـ بعض وجوه الموتى أكثر حيوية من وجوه الأحياء.
قد يكون الزبائن هم أنفسهم في الحالتين ولا شك أنهما عاشا معا بضعة أسابيع في ارل بلدة زهور عباد الشمس والمصارعة والحقول المفتوحة الطليقة والسماء الصافية الزرقاء وأضرحة العهد الروماني وأشجار السرو المحيطة بالمنازل والشوارع الضيقة التي يقع في زاوية منها ماخور راشيل فتاة الليل التي ستخلق الكارثة.
تطلع خارج النافذة، حيث الأمطار تواصل الانهمار على المنازل والأشجار والخليج والجسر المعتم الضبابي الصغير البعيد فوق النهر القادم من أعالي الجبال بعد ذوبان الثلوج في الصيف. كانت نيران المدفأة تتوهج بخفوت ونعومة في جو الغرفة الأزرق الشفاف، وكانت حركة النيران داخل المدفأة تعطي الانطباع بريح هادئة تدفع السنة اللهب على نحو سري وغير واضح، وتنشر على الجدران المكسوة بصور ولوحات وأدوات قديمة ظلالا ملتوية صامتة لا يقطعها غير انفجار صغير خافت للحطب المحترق.
هذا هو الصوت الوحيد داخل الغرفة، أما في الخارج فلا شيء غير صوت المطر ومنظر الأشجار التي تصارع هذا الطوفان المتواصل الذي لا ينقطع كأمطار ثابتة جامدة، كما لو ان اللوحة الحقيقية الآن هي خارج النافذة في هذا المطر الغابي الذي جعلته لوحة (الصرخة) للرسام النرويجي أدوارد مونش أكثر وحشية وضراوة، حتى بدا أنه مطر أسطوري معتق.
تحت هذا المطر جاءت يوما سيارة مارسيدس يقودها علي سبتي وتوقفت أمام مستشفى ما في صحراء بعيدة لتحمل جنازة السياب وتنحدر نحو البصرة بهدوء في يوم شتائي ماطر، ماطر على نحو شرس، وهو ينهمر فوق الواجهة الزجاجية الأمامية، حتى توقفت السيارة عند مسجد في الحي القديم، ثم انعطفت لتواصل المسير نحو مقبرة سيد التابعين الحسن البصري في الزبير( المقبرة نفسها التي رفض فان غوغ أن يدفن فيها حسب الوصية) يرافقها ستة أشخاص لا غير، تحت مطر صار مداريا، وحشيا، يضرب وجوه المشيعين بقسوة وتحت سماء رمادية بلون ظهر ذئب ـ هذا قبل أن يموت كمال سبتي بوقت طويل في عزلة باطشة ويقال انه مات نتيجة وعكة صحية كما سيقال عن آخرين امعانا في السخرية أو في الحماقة. بالمناسبة ليست كل حماقة ملهمة على طريقة هوميروس أو فاغ غوغ أو جيفارا. هناك نوع آخر من الحماقة المغلقة كمدفن نفايات سري.
قبل أن تنعطف السيارة نحو المقبرة، كانت قد مرت بساحة أم البروم، وفي الساحة وهي مكان تجمع عمال البناء الفقراء، انسكبت فوقها ظلال طرية قوية حادة، قبل أن تنحدر نحو المقبرة منزلقة بهدوء مريب يشبه موكب جنازة رجل مجهول أو مهمل مات في دار للشيوخ، وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل محمد خضير يمزج بين عدة جنائز في آن واحد:(جنازة صموئيل بيكت يتبعها ناشره وعدد قليل من الأشخاص، خرجوا بها من دار لرعاية الشيوخ استقر فيها المؤلف في أخريات سنواته، تسبقها جنازة باسترناك المتقشفة استخرجها أصفياء الشاعر ـ الروائي ـ من معتزله في بردلكينو، تمتزجان بتابوت السياب الهابط على ساحة أم البروم ذات شتاء. ثم تخلف عن مزج الصور الثلاث واحدة تمثل العبور الجنائزي الأوفيلي لنص أدبي مغترب ينساب تحت أبصار استراجون وفلاديمير اللذين ينتظران غودو تحت شجرة حور على حافة الجبانة المعاصرة لقلعة العباقرة. ولعل جنازة بيكت أعظم إنجاز في حياته التي يعرفها الاختصاصيون أكثر مما يعرفها هو. وهي الحياة نفسها التي اشمأز منها جان جينيه حين عراها سارتر. لم تكن إلا قداسة بشعة). تشبه حماقة بشعة" أعيت من يداويها".
ليس هناك أي إكليل للزهور في مقبرة الزبير، ولا موسيقى وداع جنائزية، الأمر الذي سيحصل كذلك من بعد مع حسين مردان ومع الحصيري الذي كان أكثر من نصف مشيعيه سكارى حتى أن أحدهم هو المخرج والشاعر خليل عبد الواحد ـ قتل عند عتبة داره في الفجر في حرب الخليج الأولى بهراوة من الخلف ـ كان يهمس لصاحبه في المقبرة وبعد ساعات في الطريق:( قل لي أرجوك من هو الميت فينا؟). خارج النص: سعدي يوسف يقف في المقبرة مكفنا الحصيري بقصيدة هي أول وآخر قصيدة في هذا النوع من الموت( السعيد) يوم كان الموت موتا جميلا حيث يمتزج جسد الميت بجسد القصيدة. كان الميت يعرف انه بعد الموت سيشيع الى مقبرة ويعرف المشيعون انهم سيعودون أحياءً بعد مراسم الدفن.
إكليل الزهور الذي وضع على جنازة باسترناك، في يوم صيفي، قد يكون ترفا غير متوقع بعد تلك الغيوم السوداء التي تجمعت فوق رأسه( لأنه رفض أن يكون ببغاءً في قفص) قبل أن ينقل إلى المقبرة بكفن مفتوح حسب التقاليد، وخلفه عدد من المشيعين من الأصدقاء ومن الريفيين الذين أحبوه، ليدفن تحت شجرة صنوبر عتيقة على هضبة تشبه هضبة ريلكه التي قال عنها:( لنا فيها ذكرى الأمس)، وعلى موسيقى شوبان الجنائزية حيث دفن وتم حفر أسمه مع مقطع من قصيدة له بعنوان" هاملت" من مجموعة أشعار ملحقة برواية الدكتور زيفاكو : (الحياة ليست نزهة في الحديقة).
المنزل الأصفر الغارق تحت المطر الوحشي الآن والذي يرى عبر نافذته يشبه إلى حد ما منزل فان غوغ في( ارل) لكن الصفرة هنا ليست كالصفرة هناك مشعة ذهبية محترقة متوهجة كرغبة دفينة مضيئة بضوء مقدس خفي. أما منزل ارل أو( المنزل الأصفر) فقد اشتراه فان غوغ من السيدة ماري جينو صاحبة مقهى المحطة في شارع لامارتين، واعاد ترميمه واعده لزيارة صديقه بول غوغان.
هذه العجوز التي خجل فان غوغ من الجلوس أمامها ورسمها لولا دفع غوغان لأنه يخجل من النساء الجميلات، هي التي قال عنها الروائي البيروي ماريا فارغاس يوسا :( المرأة الثمانينية اللطيفة التي تدير فندق تيرمينوس فان غوغ، في ساحة لا مارتين، والتي توصلت إلى تفاهم رائع معها خلال نصف الساعة التي جلستها على هذه الشرفة المشمسة، تروي لي، على سبيل المثال، مغالطات بديعة وممتعة حول البيت الأصفر، أتظاهر بأنني أصدقها بحذافيرها، وفجأة على شرف الصديقين الذين شرفا هذه القطعة من الأرض، أتناول كأسا من الأفسنتين. لم أتذوق من قبل قط هذا المشروب ذا النسب الرومانسي والحداثي الشهير، الذي أغرق فيه همومه كل من فرلين، وبودلير، وروبن داريو، والذي كان يشربه فان غوغ وغوغان كما لو أنه ماء. كنت أتصوره شرابا كحوليا إكزوتيكيا، ارستقراطيا، له لون أخضر إسهالي، ومفعول باعث على الجنون، لكن ما أحضروه لي كان مستحضرا سوقيا. فالشراب الرهيب له طعم نعناع وسكر معدان علي يد صيدلي، وعندما دفعت به إلى أحشائي، على الرغم من ذلك سبب لي الغثيان. وهذا دليل آخر على أن الواقع المبتذل لن يصل أبدا إلى مستوى أحلامنا وتخيلاتنا).
وفندق التيرمينوس هو نفسه (المنزل الأصفر) الذي زال من الوجود بعد قصف الحلفاء في 25يونيو 1945، وهو اليوم هذا الفندق الصغير والجميل، وهو ملك العجوز ماري جينو شاهدة العيان على بناء المنزل وتحوله إلى مرسم الميدي، أي مرسم الجنوب.
وماذا يهم من يروي الآن هذه الحكاية أنا أم ماريا فارغاس يوسا مادامت اللعنة التي حلت بنا واحدة بتعبير بورخيس؟
من أمام المنزل الأصفر( منزل اللوحة) مرت يوما، تحت المطر، جنازة أخرى لمحمود البريكان، عبرت ساحة لامارتين، وحاذت ماخور راشيل، وتخطت محطة القطار التي ركب منها غوغان للمرة الأخيرة بعد حوادث عيد الميلاد المشؤومة ـ حاول غوغ قتل غوغان ـ يتبعها بودلير،يسنين،رامبو، ميشيما، همنغواي،سيلفيا بلاث، رينيه كرفيل، السياب، كواباتا، فيرجينا ولف، كامو، أدغار الان بو، عزرا باوند، شايكوفسكي، خليل حاوي، ديستويفسكي، بول سيزان، جكر خوين، وفي الصف الأخير رياض إبراهيم الذي سيموت بدوره على تخوم نينوى وهو يحاول الهرب، وخلف جنازته حفنة من الأعراب من عابري السبيل توقفوا حين مرت بهم الجنازة وفوقها غيوم حمراء بلون الدم أو لون الفضيحة الصامتة ـ يقال انه مات بالسكتة القلبية كما قيل عن سبتي وعن غيره. نفرط دائما وليس احيانا في السخافة ـ ليست السخافة الملهمة أيضا.
عبر نافذة في المنزل الأصفر الواقع في زاوية الشارع، وخلال المرور الشبحي للجنازات الذي لا ينقطع، يقرأ شخص ما لا يرى في كل مرة هذا المقطع بصوت هادئ، نبوي، ديني:( يبدو لي انني مسافر كتب له أن يلعب دورا). أنها رسالة فان غوغ إلى شقيقه ثيو وضعها الان رينيه كمقدمة لفيلمه عن فان غوغ.
فوق البلدة، من جهة سان ريمي، يشرق قمر أشقر غير مكتمل عبر غيوم زرقاء، قال عنه العالم الفلكي اولسون: إن لوحة( شروق القمر) لفان كوخ رسمت في 13 يوليو 1889، وفي الساعة التاسعة و8 دقائق، وهي فترة وصول القمر إلى سان ريمي. لم تكن هناك ذبذبات غريبة تلك الليلة، حيث ان القمر يتماشى مع الجبل في الليلة التي تسبق ليلة 13 أو تليها، ولهذا تمكنا من تحديد يوم رسم اللوحة بالمكان والزمان. وهذا يعني ان فان غوغ كان يرسم مباشرة الأشياء لكن ليس هناك شيء مؤكد في هذه الحياة. ويتساءل عالم آخر هو براشير: (هل قام غوغ بتغيير موقع القمر؟).
هذا القمر هو الذي ينزلق، الآن، هذه اللحظة، فوق المنزل الأصفر، وفوق أحجار شارع وساحة لا مارتين، ويدخل غرف نوم ملوك الليل المنفيين وهم يتأملون الضوء الأشقر النازل على أعمدة النور على نحو ثقيل كزهور الموتى.
لا شيء يبقى على حاله، فهذا البيت الأصفر في ارل، يقول ماريا فارغاس يوسا:(لم يعد له وجود بعد قصف الحلفاء، وأقيم هناك الآن، في موقع البيت، فندق صغير. صاحبة النزل وهي عجوز متيقظة في الرابعة والثمانين، تعرض على الزبون الفضولي صورة فوتوغرافية لحالة الدمار التي وصل إليها المحل بعد سقوط القنابل. أما محيط المكان بالمقابل فلم يتبدل كثيرا. ساحة لامارتين باقية هناك، فسيحة ودائرية، مع أشجار الدلب الضخمة المثقلة بالخضرة عند بوابة الفرسان وهي إحدى البوابات التي كانت تخترق سور المدينة القديمة ومازالت على حالتها التي كانت عليها أزمنة فان غوغ وغوغان. كما لم يتبدل كثيرا المشهد الروداني الذي يمتد ببطء ومهابة، على بعد أمتار قليلة من هذه الشرفة( شرفة المنزل الأصفر) محتضنا خاصرة الدرب الروماني. أما ما اختفى من الوجود فهي ثكنة الدرك الصغيرة ـ حل محلها مخزن مونوبريس ( السعر الموحد) ـ كما اختفى كذلك ماخور مدام فيرجيني، الذي كان يدعي آنذاك بيت التسامح رقم واحد، واليه كان الصديقان يذهبان، خلال تلك الشهور التي عاشاها معا، مرتين أو ثلاث مرات كل اسبوع، وكان فان غوغ يذهب دوما إلى الفتاة نفسها المدعوة راشيل، وقد هدم أيضا زقاق الخطيئة الذي كان الماخور فيه، من أجل شق جادة فسيحة. لقد كان هذا المكان فيما مضى حيا بائسا جدا خارج الأسوار، يغص بالمتسولين، وبنات الهوى، وحانات الحثالات البشرية، لكن مستواه ارتفع خلال القرن وبعض القرن المنصرم، وصارت تسكنه الآن طبقة وسطى متحفظة).
الآن، هذه اللحظة، لا شيء يسمع غير صوت خشب الصنوبر المشتعل داخل المدفأة، وصوت المطر في الخارج، وهو يضرب نوافذ المنزل منذ أول المساء، وصوت الريح وهي تعبر بين الأشجار وسيارة نقل الموتى السوداء ترى عبر النافذة وهي تنزلق في الشارع الخاوي بهدوء مثير وصليبها يلمع تحت المطر كيد ممدودة من تحت الأرض، ربما تمضي نحو مقبرة سيد التابعين الحسن البصري في الزبير أو أي مكان آخر، وعلى جانبها المواجه لي ملصق كبير الحجم يقلد لوحة (الصرخة) لأدوارد مونشEdvard Munch: مخلوق بشري يضع يديه حول فمه ويصرخ بقوة وعنف وذعر. ليس سوى المطر الوحشي ينهمر فوق الشارع والخشب المحترق في المدفأة وصوت الريح.
هامش: فصل من رواية( ظلال صلبة) وهي محاولة ثانية لنا في تغيير منظور السرد من اللغوي الى البصري وفي النص الأصلي ترافق اللوحات المذكورة النص وتصبح جزءا من البنية العضوية له.
حمزة الحسن
روائي عراقي ، النرويج.
hamzaalhassan@hotmail.com
اللوحة المنشورة مع النص هي مقهى تيريزا في الليل لفان غوغ.