حمزة الحسن
فصل من رواية: صرخة البطريق
13/11/2008

كان المطر يضرب النوافذ بقوة منذ مطلع النهار، وكانت الثلوج المتراكمة من شتاء العام الماضي تلوح فوق الجبال البعيدة مع لون وردي هو انعكاس لضوء غامر لا يُرى لكنه يترك فوق الجبال الثلجية البعيدة ذلك اللون المتوهج، وحين بدأ الثلج بالهطول أواخر المساء، تلاشى الانعكاس الوردي فوق القمم الجبلية وصار لون الخليج أمام النافذة بلون الرماد حتى اختفى تحت غمر ثلجي ابيض.
في بعض أيام الصيف تظل الشمس مشرقة حتى بعد منتصف الليل فتكسو الجبال بلون وردي محترق كسهوب قمرية وقبل أن يتلاشى هذا الوهج المشع، تحط كآبة ثلوج منعزلة. أما هذا النهار فإن المطر وحده ينثال على خلفية نوافذ يرى من خلالها في المدى البعيد سلسلة جبال بيض في عزلة تشبه عزلة صحراء في سراب بدائي أو في ليل صحراوي مقمر حيث لا أحد في الأفق غير النجوم والصمت والانتظار ووهج الرمل.
في الشتاء الطويل، غالبا ما يكون البياض الثلجي المنتشر هو اللون الوحيد الذي يملأ الأفق ويتلاشى كل شيء بما في ذلك الأشجار والمنازل التي لا يظهر منها غير دخان المداخن، حتى الجبال لا تظهر في بعض الأحيان، وتحط على الكون برية من البياض كما لو ان الأرض تتشكل بصورة مغايرة كل لحظة تحت الغمر الأبيض البدائي.
كان المطر وحشيا ومنحرفا وقويا رغم الثلج المتراكم فوق الجبال البعيدة ذلك النهار، فقرر فتح التلفاز بعد أن جلس في مقعده الطويل، فرأى كما يرى النائم دبابتين أمريكيتين فوق جسر الجمهورية.
قرأ في شريط الأخبار المتحرك ان القوات الأمريكية قد عبرت بلدة الصيراوي جنوب بغداد، بعد أن اخترقت أدغال البلدة من مداخلها الجنوبية، ومن قرية صُفَيَّة وهي الآن فوق الجسر.
تركزت نظراته فوق الجسر وهو يتذكر على صوت المطر الوحشي فوق النوافذ ذلك اليوم البعيد الذي علت فيه ضجة بحث في الغبش الأزرق مع عواء كلاب وطيران مذعور لعصافير ودجاج وبط الحظيرة التي كان الضوء الفجري يكسوها بغلاف شفاف ذهبي حالم
سماء موعودة بأمطار وغيوم وعواصف وحكايات ومواقد جمر.
كان البحث يجري في كل الأمكنة التي يمكن تخيل ان صفَيَّة قد تكون موجودة فيها وهي عدة أمكنة ويمكن حصرها في خطوات: الحظيرة، وكدس التبن، وقن الدجاج، وكوخ العجول الذي تعيش فيه منذ ان ظهرت لأول مرة الى الحياة. ليس هناك أي مكان آخر متخيل يمكن أن تكون قد ذهبت اليه بما في ذلك النهر أو البراري لأن أوانه لم يحن بعد وهو يكون عادة بعد وقت العلف والحلب، أي بعد الضحى.
لكنها اختفت تماما من الوجود على نحو مباغت كما ظهرت قبل سنوات. هذا يحدث للمرة الأولى. ليس هناك احد وضع احتمالا واحدا حول هذا الاختفاء الغريب ولا أي مكان مفترض للهروب ولا كذلك أي سبب. ان صُفَيَّة لا تعرف شخصا في هذا العالم عدا هذه العائلة ولا تعرف مكانا يمكن ان تذهب اليه بمفردها، بل هي لم تركب واسطة نقل في حياتها مرة واحدة، ولا رأت قطارا او طائرة على الأرض، ولا دفعت يوما اجرة طريق، بل لا تعرف، خارج الحظيرة، أي عالم اخر قريب أو بعيد، ولم تنم مرة واحدة في غرفة أخرى عدا كوخ العجول الصغيرة الذي خرجت منه سلالات كثيرة تعرفها بالاسماء والأشكال والروائح والطباع والنهايات.
كان يوسف قد انتهى من صلاة الفجر ودعا الله أن تمر عاصفة صفية على خير.نظر الى كدس التبن فكان سطحه ساكنا نديا. نادى: (صفية، يا صفية). تحرك السطح القمحي المندى فخرج من قلبه مخلوق بلا ملامح، ومع الوقت ظهرت قامة بشرية مغطاة بالتبن واللون الأسود الفاحم، لون ليلي حالك السواد، ثم انشقت فتحة كشفت عن فم آدمي، وخرج صوت ضعيف متهالك لكنه غير مفهوم. كانت صفية تنهض من قيامتها من التبن كما قدمت يوما من أطراف البرية في غسق صيفي قديم وهي تلف راية خضراء على حزامها هي كل ما تحمله معها من هوية.
رأى يوسف كما يرى النائم ان قامتها صارت أكثر طولا، وان صوتها تبدل، بل خيل اليه انه يرى نجمة مضيئة على جبينها، لكن أكثر ما حيره حين تكلمت انه لم يفهم عدا كلمة واحدة: ( مسافرة). سألها في أشد حالات الجزع والريبة:( في التبن؟) هزت رأسها قائلة بخفوت مخيف: ( في التبن). ذلك النهار سادت سكينة غريبة في المنزل ولم يفهم احد حقيقة ما جرى، حتى ان السيد الصيراوي أكبر معمر في البلدة وصاحب الخان فسر الأمر في جلسة صامتة وكئيبة ذلك المساء على لهب الجمر، وأمام حشد مرتاب، بأن صفية ولدت من جديد من كدس التبن واقترح عليهم تسجيل هذا اليوم كتاريخ ولادة حقيقي، وطلب حضورها من غرفة العجول. حضرت وطبقة سميكة من السواد تكسو الوجه والجلد فلا أحد يتذكر انها استحمت يوما أو استبدلت ثيابها منذ ظهورها قبل سنوات.
تكلمت صٌفيّة مع الصيراوي الذي جحظت عيناه كما لو انه مات تلك اللحظة وبدا تالفا ومتواريا وذاهلا. لكن الطيور الداجنة في الحظيرة المجاورة الزاعقة فرجت له بعض كربه ونفخ طويلا في موقد النار كما لو انه يحاول أن يفهم لكن بلا جدوى. كلاهما كان خائفا من الاخر. في لحظة الهام لا تنقصه في مثل هذه اللحظات فهم الصيراوي ان صفية مصممة هذه المرة تصميما شيطانيا على قول اشياء كثيرة كانت مطمورة تحت طبقات وعيها الغائب وان ذاكرتها عادت اليها من هذا السفر الطويل في كدس التبن. سألها اذا كانت قد غابت عن الوعي أم ان شيئا اخر قد وقع؟ فتح في الوجه الأسود شق صغير وخرج صوت عميق هادئ لكنه حاد كما لو أنها تنادي في البرية: (فقدت الوعي لكني لا أدري كيف وصلت كدس التبن. كنت مسافرة). رد الصيراوي بصوت مهزوز وهو يتوقع سماع انباء مثيرة: (سلامتك صفية).
تأمل الوجوه القلقة حوله وطلب الصيراوي أن تقام يوما حفلة بحضور قارئ كتاب وضاربي دفوف وجوقة من مرتلي الآيات وفي النهاية تختن صفيّة كي لا تحل الغواية ويعم الخراب. ترك الصيراوي يوم الختان مفتوحا كجرح نازف في جسدها. (ملعون هذا السفر)، قال ذلك وهو يغادر تتبعه كلاب منتصف الليل بالنباح وحميد سائس الخيل، في حين كان القمر يخرج ويختفي من غيوم رمادية تنذر بأمطار رعدية. انسلت صفية، كأي يوم اخر، الى كوخ العجول مثل سحلية وحيدة وهي تشم رائحة هذه المخلوقات الطرية وهي تجتر الحليب.
سحبت حصيرة القش كالعادة وحاولت النوم لكنها وللمرة الأولى أجهشت في بكاء متشنج. حين نظرت عبر الكوة، كان القمر قد تلاشى، وسمعت كما لو أن ذلك يحدث لأول مرة في حياتها صوت المطر ينثال فوق كدس التبن فشمت العبير الندي، سمعت سقوط أوراق شجرة قريبة، وأحست بدمها ساخنا سخونة غريبة مثيرة ومبهجة وان هذا المطر يهطل من أجلها، وتمنت لو انها كحيوان صغير يلتف حول جسده وينام في جحر على صوت المطر وسقوط الأوراق وعبير التبن ورائحة الحليب وعرق العجول.
***
لا يتخيل الصيراوي الخان دون سائس الخيل حميد الذي ظهر فجأة عند باب الخان قبل سنوات ضائعة. كان جالسا في مساء قديم عند عتبة الخان، حين لمح شخصا غريب الأطوار، يرتدي جلبابا ممزقا، شاحب الوجه، أو مزرقه، بنظرات زائغة، وهو يقلب النظر في الشارع الخاوي الا من المطر وفوانيس معلقة على الأبواب تضاء في الليل وتطفأ في الصباح. طلب منه الدخول ومنذ ذلك اليوم صار سائس الخيل جزءا من تاريخ الخان.
بعد ذلك بسنوات جاء مصطفى ترك الجندي العثماني الذي تخلف عن الانسحاب من الجيش التركي في الحرب العالمية الأولى وعاش في البلدة، دون أن يعرف أين وكيف قضى تلك الفترة الطويلة؟ ظهر في نهار ربيعي مسكر عزيز صباغ الأحذية، وفي منتصف ليلة بلا قمر عدا الريح تصر في الأبواب ظهر منشي شالوم أشهر نزّاح مراحيض في البلدة. وحين كان الصيراوي قد انتهى من صلاة الفجر في شتاء بارد نتأ أمامه شخص غريب الأطوار، في نظراته زيغ، لكن ليس على خوف. قال ان اسمه موسى بائع عطور وخرز وقلائد نحاس وابر وخيوط ملونة ولباد وخواتم لنساء القرى.
موسى العطار سيصبح في السنوات القادمة حكواتي الخان وراوي حكاياته لكن أحدا لم يتأكد من أنه فعلا كان عطارا يزور القرى ما عدا انه يخرج فجرا على فرسه ولا أحد يعلم اين يذهب أو ماذا يفعل. اكتملت السبحة بخاتمة الضيوف المزمنين، كما يحلو للصيراوي ان يقول حين يرق المزاج، بكورجيّة، في ليلة صيف مقمرة، لتضيف نكهة الاغواء والحيوية في خان الصيراوي.
بوغت الصيراوي وهو يرى قمرا يمشي على قدمين يدخل الخان ويجلس أمامه كما يجلس قمر مكتمل على حصير. قالت له بحياء يلهب القلب الذاوي ويحرك الأمل في الأطراف الراعشة من عمر منهك ضاع فيه يوم الولادة بعد أن انقرض كل الذين شهدوا ولادته من الأهل والصحاب وتناسل فيه الأحفاد حتى تاهت عليه الوجوه والأسماء والولادات والجنازات: (انا مقطوعة من شجرة). لو ان كل الأشجار تقطع بهذه الطريقة الفاتنة، فكر الصيراوي، فسيجعل خانه غابة تغرد عليها هذه البلابل الضائعة، ولطرد كل هذه البهائم التي يقذف له بها الطريق من سائس الخيل وحتى شالوم وهذا الجندي العثماني الهارب من الحرب، لكن وقار العمر وخور المفاصل والسمعة واللحية البيضاء المسترسلة جعلته يتريث في سكب مشاعره تحت أقدام هذه الحورية المشعة أمامه حتى يكاد نورها أن يعشي البصر والبصيرة. كان قد سمع عدة مرات اغنية شعبية تتحدث عن راهب الدير الذي خرج من صومعته بسبب ملهمة من هذا النوع. هو الان يمكنه تصور هذا المروق الرذيل. قال لها وهو يغض الطرف خوفا من افتضاح المشاعر المضطرمة: (الخان ملكك وانت في أمان).
سكنت كورجية في أقصى الخان في غرفة منعزلة بعيدا عن غرف النزلاء المقيمين والعابرين ولم تكن تظهر الا في أوقات نادرة وهي تضع نقابا على الوجه زادها بهاء وغموضا وفتنة حتى ان سائس الخيل حميد قد أصيب بلوثة عقلية طارئة دون أن يفصح عن السبب لكن ذلك لم يغب عن نظر الصيراوي الذي قال له عدة مرات انه ولد في وعاء لبن وانه يرى في الظلام وفي الوحل حتى لو اصيب بالعمى. لكن سائس الخيل لم يكن يسمع أو يرى لأنه هو الأخر غارق في عماه البهي حتى انه عرض على الصيراوي طردها من الخان بعد ان هزت سكينة المكان ودخلته كدخول ثعلب في قن للدجاج.
في منتصف ليلة صيف شم الصيراوي روائح مختلطة من مسك وزعفران وعنبر وعطور ورازقي مهيجة قادمة من أقصى العالم. يستطيع ان يحدد مصدر الرائحة ولو كان في غياهب جب صحراوي. خيل اليه، في النشوة والانخطاف والتوهج، انه يشم رائحة الجنة، لأن هذه الرائحة ليست أرضية ولا بشرية، فالخان يعبق برائحة الخيل والبهائم وعرق السائس والروث، بل هي تنتمي الى عالم المتع الاخروي المقدس. فكر على نحو خاطف بعرض السائس المجنون ووجد فيه رغم الحماقة بعض الحكمة، لكنه، ودون وعي منه، توكأ على عصاه ونهض متثاقلا منسحبا كالمجذوب الى تلك الرائحة التي تتغلغل في خلاياه وتنبت له أجنحة فوق ركام الهرم والسنوات وتيبس الأطراف.
كانت كورجية تجلس امام مرآة صغيرة وضعتها على وسادتها تمشط شعرها الحريري الذي ينسدل على الوسادة كشلال ضوء أو ماء أو ذهب حين تناهى الى سمعها صوت عكاز يدق الأرض بقوة. تستطيع، من بين كل الأصوات، أن تميز عكاز الصيراوي، فهو العكاز الوحيد في العالم الذي تتعكز عليه دون غيره.
منذ اللحظة الأولى التي رأت فيها الصيراوي شمت في جسده الذاوي، وفي نظراته المطفأة، وفي خفره الشائخ، رائحة الذكر وعطره الغابي الدفين رغم الهرم الظاهري. هذه الرائحة تشمها الأنثى من خلف أستار الحديد وهي انذارها المبكر في الهرب أو الاستسلام. استعدت للزيارة حين سمعت ارتطامه بالارض وتوقف صوت العكاز. كان الصيراوي قد تداعى من صدمة العطر الذي باغته عند الباب كحيوان شرس. سحبته بهدوء واجلسته على فراشها. حاول ان يقول شيئا لكنه لم يستطع. حاول أن ينظر اليها لكنه لم يستطع. حاول أن يهرب، أن يموت، يبكي، يعتذر، أن يطلب ماءً، أن يطردها، أن ينام، أن يمسح شعرها، أصابعها، لكنه قال في النهاية في نوبة قوة مباغتة: (خفت عليك من سائس الخيل فقلت أطمئن).
سائس الخيل العريق في الطرق والأدغال وشؤون القلب والنساء والخبير بعوالم الصيراوي وخانه، سمع الجملة الأخيرة كرفسة طارئة من فرس حرون. كانت اذنه تلتصق على الباب كمسمار ساخن حتى انه كان يشم عطر الموت ولهاث الصيراوي ورائحة الأنثى التي باغتها الهرم وضوء النجوم وطراوة ليالي الصيف والخطيئة. سمعها تقول برنة مرحة: شرفتنا زيارتكم. رد عليها بصوت مخنوق: انت الشرف. حاول أن ينهض مغادرا لكن دويا هائلا قد وقع وساد صمت أطول كثيرا من العطر المثير الذي يعصف بالكون ورأس سائس الخيل والابدية. بدا كما لو ان الصيراوي قد نام أو مات أو تلاشى في السكون الضاج. كما لو ان سائس الخيل في حلم مريب أو في وهم أو كابوس.
من ثقب لا يكاد يرى، رأى سائس الخيل الصيراوي ممددا على الفراش وهي تدلك له جسده الممتد على طول الغرفة، أطول جسد رآه في حياته التالفة. كان الجسد يصدر صوتا يشبه شخير ثور يذبح على مراحل وهو يتلذذ بسكين الجزار. خيل لسائس الخيل المشرد ان الصيراوي لم يعد بحاجة بعد اليوم لذلك العكاز كي يتوكأ عليه. ان هذا العطر المارق يكفي كي يمشي عليه كل الباقي من حياته ولو ولد بلا ساقين، حتى لو نسي المشي.
لم ينم حميد السائس تلك الليلة ابدا. رغم انه عرف الكثير من الليالي الطوال في حياته لكن تلك الليلة بدت له بلا نهاية. ثعبان صحراوي لم يشرب ماءً منذ عصور سحيقة يرقد عند حافة جدول ماء عذب وزلال دون أن يقوى على الشراب. هذا هو الموت يا صاحب الخيول وربيب الطرق والحرمان والعطش والجسد المنذور لزاوج الحمير والخيل، يامنتج البغال والأرق. من مسافدة حمار الخان مع الفرس يولد البغل. أصل البغل حمار يا حميد السائس وانت أدنى منزلة منه. كومة العظام المنخورة أشجع منك الليلة. هو يرقد الان بسلام تحت الأصابع الرقيقة وانت في مواجهة حائط ينثال عليك بالتراب والهوام والعقارب والكبت والأرق.
كان يغلي في مواجهة حائط، حين سمع صهيل جواد يرج المكان. لم يكن أي جواد في العالم يصهل تلك الليلة.كان قلبه يصهل مثل جواد سقط في حفرة نار. كان السكون يعم الخان كما لو ان كل الأصوات قد غادرت الخان حتى الغبش حين سمع عكازا يدق الأرض بقوة على صوت اذان الفجر وصياح الديك وجسده المرتعش وهو ينفصل عنه كثوب الأفعى.
طوال الليل كان منشي شالوم يحاول أن يحبس أنفاسه حين سمع الارتطام الأول قرب باب كورجية وانقطاع دوي العكاز على الأرض. لكنه لم يغادر غرفته الكئيبة والعارية الا من فراش بال وعدة صحون، وخرج في الصباح وثيابه تفوح منها رائحة نتنة أدمن عليها من طول المعاشرة. شالوم يعرف من خبرة القلب والجسد ان الصيراوي انسان طيب ولطيف المعشر وهذا لا يقلل من شأنه على اية حال. الصيراوي آواهم جميعا بلا شروط وهذا خانه رغم كل شيء وبيته وهو حر ولم يفعل شيئا يستحق عليه اللعنة. في الفجر نام شالوم على حلم جديد في ان يعثر على عمل في الصباح ويغوص في حفرة قذرة آخر مساحة للأحلام الممكنة وقد سمع وقع خطوات موسى وهو يغادر الخان مبكرا على فرسه نحو القرى. أما مصطفى ترك فلم يعلق بشيء هو العليم ببواطن الامور والتزم بحكمة تتحدث عن فوائد الصمت للغريب، خاصة وانه أقدم سائق أجرة في البلدة منذ عشرينات القرن الماضي وظل يعمل بالسيارة القديمة نفسها من نوع روزرايز حتى أقعده الكبر. ظل صمته يتراكم على وقائع كثيرة ومثيرة وحين دخل في الثمانين من العمر صار يهذي بوقائع غريبة وقعت في البلدة مسببا حرجا كبيرا لعلية القوم والاسر المحافظة حتى ان المارة صاروا يتجنبون أن يقع نظره عليهم تلافيا للفضائح.
صارت حياة مصطفى ترك مثل موته مشكلة حقيقية. صار صمته مثل كلامه مريبا. الوحيد الذي يخشاه هو الصيراوي. نظرة واحدة من هذا الأخير تكفي لاعادة الذاكرة لهذا الجندي العثماني الذي تذكر في سنواته الأخيرة وطنه فصار يرفع في غرفته علم تركيا وصورة كمال أتاتورك ويجاهر بوطنيته كما لو ان ذاكرة المنفى تلاشت، في نهاية المطاف، كي تظهر ذاكرة الأرض الأولى. علق مرة على ذلك شالوم قائلا: مصطفى ترك ولد من جديد.
تساءل مرة حميد السائس وهو يتسامر ذات ليلة مع شالوم: ماذا سيحصل لو ان ذاكرة كورجية عادت اليها في نهاية المطاف؟ اما يوسف فهو الوحيد من بين أصحاب الصيراوي وزوار خانه الذي ظلت ذاكرته مقيمة في أحداث تلك الظهيرة الملعونة كأن الرصاصات التي اطلقها على غريمه انما أطلقها على الأيام القادمة وصار شبح الميت يطارده حتى في الحلم رغم الصلاة وطقوس العشاء والدعاء والوعد بزيارة بيت الله الحرام.
عاد نزلاء خان الصيراوي جميعا في مساء شتائي عاصف وبارد وكئيب ما عدا شالوم. لم يعد شالوم ذلك المساء ولا في أي مساء اخر. سقط في حفرة خراء ومات. نهاية محتومة كقدر محارب في ساحة حرب. ودعته البلدة وفق تقاليد حرصت عليها مع الغريب والفقير والمشرد حتى حدود البلدة لكن احدا، عدا كورجية، لم يبك عليه. حلت الكآبة على الخان ومعها ذكرى الموت. أكثر الذين ذعروا من هذا الموت الطارئ هو مصطفى ترك. شعر ان الموت أقرب اليه من حبل الوريد. فكر في أن يحمل حقيبته ويرحل لكنه عدل عن ذلك معللا الامر بصحة طيبة وميتة بعيدة. في أسوأ الأحوال لن يموت بطريقة شالوم المهينة. لكن من يعرف والايام كما تقول الأغنية التي طالما سمعها من الراديو مثل السحاب؟كلما حل مساء بارد أدار وجهه نحو الشمال، نحو الوطن البعيد، نحو تركيا التي رفض العودة اليها يوم كان محاربا ويحن اليها اليوم كطائر مهاجر يلتفت نحو أرض الهجرات عند مقدم الربيع.
مصطفى ترك يرفض أن يموت وحيدا حتى لو كانت أرض الله واحدة وواسعة لكنها تضيق حين يفيض القلب بالحنين عن مساحة الصحراء. انه منذ ترك العمل لا يعيش في الخان، بل في الأماكن القديمة، ولا تبهجه سوى المدن والنساء والثلوج والأمطار الأولى، كما لو ان الأمطار كل سنوات النفي كانت تمطر حجرا عليه، وفي هذا يشبه راوي هذه الحكاية الجالس خلف نافذة مطلة على خليج بعيد على مقربة من جبال مكسوة بثلوج العام الماضي، يشاهد عبر التلفاز الجيش الأمريكي مخترقا جسده.
فكر مصطفى تلك الليلة مليا كما لو انه لم يفكر من قبل: يوم ترك جيشه، كانت بلاده تتفسخ، واليوم ها هو يفكر بترك هذه البلاد الجديدة وهي على أعتاب تفسخ. لم يعد يرى في هذه البلاد عدا الموت في الشوارع. ظل صامتا صمت القبور كل تلك السنوات لكن ذاكرته تخونه اليوم وصار يهذي بما سكت عنه وهو مما لا يقال.سمع كما في منام صوت تأوهات من غرفة سائس الخيل ولم يكن يعرف حقيقة ما يجري لأن حميد السائس غالبا ما يتأوه حتى حين لا يكون مع كورجية. سمع من بين طبقات العتمة صوت شالوم يقول: (عد، يا مصطفى من حيث جئت قبل فوات الأوان). حاول أن يشعل الفانوس لكن النهار فاجأه فنام على صوت مطر بعيد.
***
لا تتذكر صفية من حياتها السابقة الا ذلك المساء المتوهج اليمامي المحمر الذي التقت فيه بيوسف على حافة النهر قادمة من أعماق البرية كأنها ولدت من تلك العتمة المسائية الدافئة. اليوم وهي تصغي لصوت سقوط المطر، تساقط الأوراق، الريح، تشعر بما يشعر به حيوان صغير برهبة خفية من عالم موحش لكنها تشعر كذلك بحرارة غير معهودة تدب في أوصالها. تبكي لأول مرة في هذا الكوخ، تحس بشيء ما في أعماقها يتفتح. قررت أن تغسل جسدها وشعرها في الصباح بعد ان صارت مثل أرض الموقد سوداء حتى ان الصبية يخافون منها، ومنهم الرجل الجالس خلف نافذة المطر والثلج والخليج والجبال البعيدة. بعد منتصف الليل سمعت كالعادة خطوات يوسف وهو ينحدر بهدوء نحو مكان الحراسة. لا تتخيل صفية حياة بدون هذا الرجل.
***
في بعض ليالي الشتاء وعلى نار الموقد، يجلس نزلاء الخان في غرفة الصيراوي أو المجلس الذي صار يعرف باسمه، للسمر وسماع الحكايات المبهرة التي يدهشهم بها موسى العطار سواء كانت تلك الحكايات صحيحة أم لا، فإنهم يستمتعون بها رغم كل شيء. مرة سأله الصيراوي عن بغداد ومن بناها، لأنه هو نفسه يدعي انه من بنى هذه البلدة. جلس موسى وقد ضم ساقيه تحته وهي عادته حين يروي حكاية طويلة ومشوقة لا يعرفها هؤلاء. وقبل أن يشرع في الحكاية طلب قدح شاي فقدمه له عزيز، في حين كان حميد السائس يعبث بعود يحرك به جمر الموقد، أما مصطفى فكان يتأمل النار التي تنعكس على وجه عزيز الكثير التجاعيد،قال موسى:( بعد مقتل الخليفة الأموي مروان في 27 ذي الحجة 132 هجرية، على يد الخليفة العباسي الجديد أبو العباس، في نهاية صراع هاشمي وأموي على الخلافة، وبعد أن نكل الخليفة الجديد الذي لقب بالسفاح بأعداء الأمس حتى انه نبش قبورهم وصلبها من جديد ثم جلدها، وبعد أن بويع الخليفة استقر في بلدة الكوفة، وصار قصره يسمى يزيد بن هبيرة، لكنه بنى ضاحية جديدة تسمى الهاشمية التي صارت دارا للخلافة، لكنه هجرها وشيد بلدة اخرى( الأنبار)، وحين مات وجاء بعده أبو جعفر المنصور اختار الهاشمية أول الأمر لكنه تركها لكثرة خصومه من العلويين فيها ومناخها الصحراوي الحار والعواصف الرملية التي تعمي البصر، الى قرية صغيرة يقال لها( بغداد) أعجبه مناخها الطيب وموقعها الحصين بين دجلة والفرات وكونها على تقاطع طرق المواصلات بين الشام وخراسان. ذلك العام المصادف 144 هجرية قرر ابو جعفر المنصور بناء عاصمته. وضع المهندسون حب القطن فوق خطوطها وأحرقوه ليلا وكان الخليفة يرى ذلك من مرتفع، وبيده وضع حجر الأساس وسماها دار السلام. كانت محصنة بسورين، واصل موسى الحكاية: سور داخلي واخر خارجي. وحول السور الخارجي حفر خندق عميق يجري فيه الماء من نهر كرخايا الذي بنيت عليه عدة جسور وبنيت عند كل سور أبراج شاهقة كابراج قتال، ومنها أربعة أبراج ضخمة يمكن الصعود اليها على الخيل وتقع على أربعة ابواب كبيرة: باب خراسان على نهر دجلة، وباب البصرة نحو الجنوب، وباب الكوفة نحو الجنوب الغربي، وباب الشام نحو الغرب. لهذه المداخل الأربعة نقلوا أبوابا أربعة صنعت في مدن قديمة: باب من واسط صنع في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي، وباب من الكوفة صنع في أيام الوالي الأموي خالد القسري، والباب الثالث من الشام والرابع من خراسان. ثم بنى الخليقة قصره المعروف بقصر الذهب، وشيد مسجد المنصور، وبنى بين السورين سجن( المطبق). ثم بنى الأسواق.
تنقسم المدينة، يروي موسى العطار وقد جحظت عيون نزلاء الخان دهشة وعجبا، في الداخل الى أربع مناطق متساوية، تفصلها أربعة شوارع يبلغ عرضها اربعين ذراعا، تتقاطع وسط المدينة في الساحة الكبرى، وفي الوسط قصر الذهب ومسجد المنصور وسط حدائق غناء تصدح فيها الطيور وتنتشر سكينة ملكية أخاذة وتمرح الخيول والجواري والحيوانات النادرة، أما أطراف المدينة فقد بنيت حمامات ومراكز للحرس وحفرت قناتان تخترقانها من الغرب الى الشرق تنبعان من نهر كرخايا للتجميل وسقي الأشجار والأوراد في تلك الحدائق. استمر البناء خمس سنوات حتى سنة148 هجرية رغم اختلاف الرواة). هذه هي المدينة التي ستسمى من بعد بعاصمة الرشيد وتلك حكاية أخرى. لكي تبني مدينة، يقول العطار، يجب أن تبني مسجدا للأخيار، وسجنا للاشرار، ومقبرة للموتى، وحمامات للتطهير، وأسواقا للتبضع، وخانات للمسافرين، وجسورا للتواصل،وجيشا قويا حين لا تفيد الأسوار.
***
الرجل الجالس الان خلف نافذة المطر يرى ان الدبابتين قد استقرتا فوق الجسر قليلا لكنهما تتحركان الى الامام والى الوراء وقد ارتفع منهما دخان ابيض كثيف. تحت الجسر كانت النوارس تتخاطف في طيران زلق، كما يمكن رؤية بنايات وشوارع وأشجار وتمثال الشاعر ( ابو نؤاس) وهو يرفع كأسه للنهار والأبدية، ومع تلاشى الدخان برزت بوضوح قبة كنيسة في الجانب الآخر من ساحة الباب الشرقي. في مواجهة الجسر تماما وأمام الدبابتين كانت تقف جدارية نصب الحرية في مشهد يتناقض مع عنف تلك اللحظة.
***
قال الصيراوي الذي بدا عليه الذهول من حكايات موسى انه يتمنى في المرة القادمة أن يسمع حكاية هارون الرشيد الملك الذي ضج العالم باسمه، فوعده موسى خيرا اذا مرت الأيام على ما يرام، لأن الأيام كما صار مصطفى ترك يردد مثل السحاب. قبل أن يموت منشي شالوم تلك الميتة الكريهة، تسلل بقوة خفيةً الى عالم كورجية السري المغلق كعالم الخان الذي تدخله الحكايات ولا تخرج منه الا فيما ندر، بل لا تخرج منه نادرا الا عن طريق سائس الخيل المهذار. شالوم ومنذ أول نظرة لكورجية حدس ان خلف هذا الوجه القمري تستلقي حكاية مختلفة كحصاة ملونة في بركة مطر. بما ان عالم الصيراوي قد بدأ يضيق وذاكرته توقفت على عوالم داخلية متلاشية، فقد صار يتسلل في أعماق الليل الى غرفة كورجية حين يكون حميد السائس في زيارة لضريح أو امام وخاصة في مواسم عاشوراء وهو تقليد حرص عليه حتى في أسوأ ايامه فجورا كي يعود طفلا وتمحي كل الذنوب كما كان يقول بصوت طفولي وهو يروي وقائع السبي الكربلائي بصوت حزين ومجروح.
حرصت كورجية على وضع شالوم في الاختبار لعدة سنوات قبل أن تبوح بحكايتها الحقيقية وكان من جانبه يشم في الهواء، رغم تعطل حاسة الشم لديه من معاشرة القاذورات، رائحة حكاية عميقة ومحيرة خلف هذا النقاب المزيف الآسر الذي كان يشعل لدى مروره فتنة الغواية في القلوب، خاصة قلوب هؤلاء الذين قذفوا الى هذا المكان من عوالم غامضة أو ارحام منسية.
ان اسمها الحقيقي ليس كورجية فهذا اسم مستعار لراقصة ملهى الف ليلة وليلة الشهير في بغداد حبابة وكان اسم أبيها عبد الله عازف الكمان المعروف في ملاهي بغداد منتصف القرن الماضي. كانت حبابة عبد الله لا تعمل عادة في ملهى يعمل فيها الوالد كي لا يعرف احد انها مسلمة، وهو تقليد كان معروفا في تلك الأيام، فحملت اسما ثانيا هو ماريا يعقوب. مع الأيام حاولت الغناء بعد أن ذاع صيتها في الملهى لكن جمالها الحالم وهي ترقص على ايقاع الطبال سليم غندور كان يسلب القلوب والعقول والرصانة حتى من اصحاب المقامات العالية كما تروي لشالوم في ليلة غياب حميد السائس وسفره الطقسي الى كربلاء، حتى كان ذلك اليوم المشؤوم يوم وقع في هواها ابن تاجر غني فطار كل شيء فيه بما في ذلك عقله ونقوده وحياته. كان يزورها دائما في شقتها في الكرادة الشرقية حين لا تكون في نوبة عمل أو قادمة منه. عرض عليها الزواج فلم تقبل ولم ترفض لكنها عاشت معه كعشيقة سرية بصورة كاملة ولم يكن هذا يرضيه. كانت أعصابه تتهاوى وهي تزداد غنجا ودلالا وجمالا. طلب منها ترك العمل في الملهى فرفضت. حاولت التخلص منه بكل الطرق فلم تفلح. حين كانت تصعد على مسرح الملهى وتغني أغنية الجارية حبابة للشاعر ابن الاحوص، كان العالم يغيب عن ناظريه فيدخل في تيه حريم خليفي وقصور مترعة بالدهشة والغناء والرقص والنبيذ والعشق فينسى حتى اسمه الحقيقي:
ألا لا تلمه اليوم إن يتبلدا
فقد منع المحزون أن يتجلدا
اذا انت لم تعشق ولم تدر ما الهوى
فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
واني لأهواها وأهوى وصالها
كما يشتهي الظمآن ماءاً مبردا.
وكما انتهت حكاية حبابة الجارية مع الاحوص نهاية حزينة حين نفاه الخليفة عمر بن عبد العزيز الى جزيرة دهلك في البحر الأحمر، لتعرضه لنساء الأسر الشريفة، وماتت حبابة بعد أن شرقت بحبة رمان، انتهت حكاية غرام حبابة الراقصة أو ماريا يعقوب تلك الليلة الكالحة السواد حين دخل عليها العشيق السري ثملا، تالفا، وقد هددها بالقتل ان لم تترك العمل في الملهى. كان رفضها قاطعا هذه المرة وهددته بالطرد من المنزل ومن عالمها الخاص. ذهب الى الحمّام ثم ندت صرخة موجعة متأوهة كصرخة حيوان ذبح فجأة. حين وصلت ماريا وجدته نصف مذبوح ونصل السكين مغروز في الظهر النازف. خطر ببالها حالا ان شخصا ما في المنزل والا كيف غرز السكين في الظهر؟ في الفوضى والهلع والارتباك فكرت ماريا ان حياتها توقفت عند ذلك اليوم وانها ستقضي العمر كله في السجن أو الشنق. حملت معها تلك الليلة كل ما تملك من مال وحلي وخرجت الى الشارع بحقيبة واحدة لا أكثر. ومن محطة السيارات الى هذه البلدة ثم خان الصيراوي. لم تزر بغداد الا مرة واحدة بعد كل هذه السنوات.
مات الأب أو اختفى أو شنق أو قتل. قيل إنه هرب خارج الحدود على قدميه بعد ان عرفوا ان ماريا هي ابنة عبد الله عازف الكمان المعروف، وقيل إنه اغتيل أو مات في السجن. وكما نفي الاحوص الى جزيرة دهلك، نفيت هي الى خان الصيراوي كي تصير حقلا لشهوات هؤلاء المشردين الذين خرجوا من ارحام مجهولة الى عالم الحيرة والخوف والرغبات الناقصة والمهربة.طلبت من شالوم مرة أن يساعدها في الهروب خارج الحدود، كي تتخلص من هذه الحفرة الجديدة، حفرة الخان، وعوالمه، ووعدته بمال كثير، لكن منشي شالوم الذي تقلصت حدود عالمه بحدود بالوعة الخراء، لم يعد يعرف ان حدودا اخرى للعالم غير هذه، وتصور ان ماريا تمزح معه لا أكثر. لكنه وعدها بالحصول على وثيقة ولادة ـ جنسية ـ بعد أن تم تثبيت الاسم الجديد وتاريخ ولادة مزيف ومحل ولادة مزيف فصارت تدعى حسب الأوراق الرسمية بكرجية عبد العزيز الاحوص كي لا تنسى عالم الجارية حبابة.
الصيراوي من جهته اكتفى في السنوات الأخيرة بطقس التدليك الليلي الذي كان أشق عليه من هجوم حفنة ذئاب كما كان يقول بينه وبين نفسه في خلواته. مرة واحدة فقط حاول أن ينهي العملية كاملة لكنه سقط كجورب عتيق تحت قدميها وحملته كسمل ممزق كي يستقر على صدرها العاري مثل برية من البياض والموت والشهوة والجنون البهي، أما هو فكان يئن لا تدري هل من الم أم من الخيبة المصاحبة لهذه الشهوة العاجزة؟ ما عدا هذه الطقوس الليلية فلا شيء للصيراوي ما يطلبه من ماريا يعقوب التي تحمل اسم كورجية عبد العزيز الاحوص والفارة من بغداد، راقصة الملهى، والمتهمة بجريمة قتل عشيق وجد مقتولا في حمامها بيد غامضة. مع طقوس التدليك الليلية صارت حكايات العطار في بعض الليالي وبالتوازي معها أحيانا جزءا من طقوس الصيراوي التي يحرص عليها كمواعيد الصلاة. كان يجلس مرة وحيدا ضجرا من هجرة النزلاء وانشغالاتهم حين جلس موسى جاهزا للشاي والسمر والحكاية. سأله الصيراوي عن هارون الرشيد فأجاب موسى كما لو انه يقرأ من كتاب:( على قول الطبري هو هارون الرشيد، ابن الخليفة محمد المهدي، ابن الخليفة المنصور، بن محمد، بن علي، بن عبد الله، بن عباس، عم النبي الأعظم، ابن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي...كان مديد القامة، عَبْلَ الجسم، غير بادن ولا نحيف، أبيض البشرة، في وفرة جعدة فاحمة،وجبين ناصع،وعينين كبيرتين دعجاوين، لهما نظرات نافذة، وانف دقيق مستقيم، يتناسق مع فم رقيق الشفتين، ذي نبرات صافية عذبة، ولهجة فصيحة، ولحية سوداء، وقيل انه كان أجمل أحفاد المنصور وجها..). توقف موسى قليلا وهو يصغي للمطر فوق السقف ثم واصل الكلام: (ولد هارون في نفس سنة الانتهاء من دار السلام أو بغداد حين انتقل اليها المنصور من الهاشمية. كانت أمه جارية اسمها الخيزران اشتراها المنصور من منطقة جرش اليمنية في سوق للجواري وأهداها لابنه محمد المهدي الذي اعتقها من بعد وصارت من اقوى نساء ذلك الزمان وربما هذا الزمان). انطفأت نار الموقد فسكت موسى ونهض ببطء وانصرف للنوم.
***
حين مات منشي شالوم في تلك الوقعة الشنيعة مات معه سر ماريا. عادت مرة أخرى في هذا الخان وفي المحلة التي صارت تعرف فيها بعض النساء بعد أن اشترت ماكنة خياطة كي تبرر وسيلة العيش، عادت من جديد بلا هوية أو ذاكرة اضافية وغرقت في سرها كما غرق مصطفى ترك في هذياناته وصار يتحدث عن فضائح ووقائع ظلت مستورة أكثر من نصف قرن، كما غرق الصيراوي في ذكريات عالم بعيد أو متخيل، كما غرقت صفية في حاضرها الصلب الراسخ المتين بلا ذكريات، كما غرق يوسف...
الوحيد الذي كان مغلقا على عوالمه هو عزيز صباغ الأحذية. ان ذاكرته مثل صندوقه لا تنفتح الا عند الحاجة وفي اقتصاد وتحوط وحذر مفرط للغاية، أما حميد سائس الخيل فهو يروي وقائعه اليومية في كل مكان كما لو ان حياته، كجسده، ليست ملكا له بل ملكية عامة، لكن شيئا واحدا حرص على أن يكون بعيدا عن الهذر هو عالم الخان وخاصة عالم الصيراوي الذي شرع في سنواته الأخيرة يروي حكايات غامضة عن ملوك وزيارات وحوادث قتل وثورات وحوادث سطو واغتصاب جنسي وحروب واغتيالات سياسية ودسائس كان شاهدا عليها أو كان في بعض الأحيان شريكا.
روى مرة لمصطفى ترك الذي كان هو الاخر يعاني من بعض التشوش ويبادل الصيراوي حكايات مماثلة على سبيل التحية أو التحدي أو الزهو وهي عادة كل منسحب الى نفقه النفسي السري، وعوالمه الكهفية، كيف ان الملك فيصل الأول قد زاره في الخان وقضى ليلة كاملة على سطحه يراقب البلدة والنجوم البعيدة وفي الصباح قال للصيراوي وهو يشد على يده: انت منذ اليوم صاحبي الوفي. من جانبه رد عليه مصطفى ترك ان وفاء الملوك مثل وفاء القطط، وسرد حكاية لا تقل اثارة حتى لمصطفى المذهول من تطور الحكاية خلال الحكي. روى له كيف انه نقل الزعيم عبد الكريم قاسم يوما مع نفر من الأفندية الى مكان مجهول خارج بغداد قبل الاطاحة بالملكية وحين زار الزعيم البلدة في موكب تاريخي لا ينسى بعد أن أقاموا له جسرا متنقلا على عجل كان اعجوبة تلك الأيام، لوّح له بيده باسما والتقط صورة تذكارية معه لم تصله بعد مقتل الزعيم، وحسنا فعل المصور كي لا تصبح تلك الصورة دالة عليه بجرم سياسي كما تطورت الامور في السنوات التالية.
ماريا يعقوب وحدها محرومة من الحكايات وعليها تقبل العيش حتى اشعار اخر تحت اسم غير حقيقي، ونقاب غير حقيقي، وحياة غير حقيقية، فكما ان هؤلاء محكومون بالعيش في هذا المكان والى الابد، وملزمون برواية الحكايات الى الأبد كي تبرر معنى وجودهم، فإن صفية محكومة بالنسيان، نسيان الماضي كله، نسيان الجسد كله وقبول العيش مع زريبة عجول هي كل حدود عالمها الذي تقلص هو الاخر كعالم منشي شالوم، او حميد السائس، أو الصيراوي، أو كورجية، أو مصطفى ترك، أو عالم يوسف وغريمه الذي يحاصره في الحلم بعد ان حاصره في الحياة. وحده عالم موسى العطار كبير وملون. من بين كل نزلاء الخان فإن العطار لم يحاول الاقتراب منها واكتفى بتحية مفعمة بالاحترام والغموض. هذا الرجل، تقول كورجية مع نفسها، الذي يروي حكايات الماضي ربما لا يعرف ماذا يدور حوله.
لا تعرف كورجية لماذا يصر الصيراوي تحت التدليك على سرد حكاية مطولة مملة كل مرة بلا توقف؟ هل ان ماضيه البعيد يكون تعويضا عن عجزه المتهالك الفظيع المحزن؟ هل تستطيع الذاكرة أن ترقع ثقوب الحاضر الخاوي؟ روى لها وهو بين اللوعة والموت واليأس كيف ان احد رجال ثورة العشرين زاره في الخان مطاردا وهاربا مطلوبا للصلب في ليلة ماطرة فسمح له بالدخول.
مرة روى لها بدوره كيف ان الخليفة هارون الرشيد كان يصلي في اليوم مائة ركعة الا اذا كان مريضا وكيف انه اقام مئذنة من جماجم الاعداء كما يقول موسى العطار، ومع ذلك كانت له في قصره في بغداد أكثر من ألفي جارية. بعد هذا الرقم لم يعد حميد السائس يسمع شيئاً. دخل في فردوس متخيل وغرق في عطور ورياش وخيول وطيور وأزهار وسرير خليفي وحمامات ساحرة. حاول بكل الوسائل أن يوزع رقم الالفي جارية على عدد أيام السنة فلم يفلح. حين سأل الصيراوي موسى العطار يوما كيف يمكن لرجل مثل هذا أن يحكم؟، أجابه العطار باسما:في عصر الرشيد صارت بغداد مدينة العلم والفن والترجمة والرخاء وملتقى شعوب العالم. هذا الخليفة هو رجل قبل كل شيء. هل تعقل انه كان قلقا مرة فسأله الأصمعي عن سر قلقه فأجاب بأنه لا يقوى على شراء الشاعرة الجارية عنان لان سعرها باهظ. رد عليه الأصمعي ممازحا غير مصدق: أفيسّر أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق؟ على قول الأصبهاني: قهقه الرشيد حتى استلقى على قفاه.
رغم كل هذا الشرح اليائس الا ان حميد السائس لا يفهم كيف يمكن لرجل من هذا النوع أن يهزم ملك الروم ويجعله يخضع ويتوسل؟ قال موسى العطار يوما على موقد النار بحضور نزلاء الخان ما عدا كورجية ان هذا الخليفة الذي هزم الروم وكل الأعداء، كان رقيقا وكان يشكو من ظلم النساء له الأمر الذي شكل على جميع المستمعين رغم كل الشروحات. يقول الرشيد في لوعة:
ملكت الثلاث الآنسات عناني وحللن من قلبي بكل مكان
مالي تطاوعني البرية كلها وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك الا أن سلطان الهوى وبه عززن أعز من سلطاني.
هذا الخليفة المقهور من ظلم ثلاث آنسات وهن ثلاث جاريات على قول صاحب الأغاني (سحر وضياء وخنث )هو نفسه، يتابع موسى، صاحب هذه الرسالة الى الامبراطور البيزنطي نقفور :( من هارون أمير المؤمنين الى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمع). تلك الرسالة على اثر تنكر نقفور لمعاهدة وقعت بين الأم إيرين سنة 797 ميلادية وبين الرشيد فكتب نقفور بعد نكث الوعد الى هارون: ( من نقفور ملك الروم الى هارون ملك العرب، أما بعد، فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرّخ،واقامت نفسها مقام البيدق، لكن ذاك من ضعف النساء وحمقهن. فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتدي نفسك بما يقع المصادرة لك، وإلا فالسيف بيني وبينك). مما جعل الرشيد يجهز جيشا ويقوده بنفسه حتى أبواب الامبراطور، وعلى قول الطبري، يتابع موسى ( شخصَ من يومه حتى أناخ بباب هرقلة، ففتح وغنم واصطفى وحرق... فطلب نقفور الموادعة على خراج يؤديه في كل سنة فأجابه الى ذلك). سأله الصيراوي عن أول زوجة للخليفة فاجاب:زبيدة. يقول المؤرخ ابن خلكان:( أعرس بها هارون الرشيد في ذي الحجة سنة 165 هجرية في قصره المعروف بالخلد، وجاءت الناس من الآفاق وفرق فيهم الأموال).
يقول موسى وهو ينهض من مجلس الصيراوي بعد منتصف الليل بلغة ملغزة: ـ هل سمعت محمد القبانجي؟ اسمع اذن:
دار الملوك أظلمت عكَب الضيا بسروج
من قلة الخيل شدوا على الجلاب سروج.
لم يفطن الصيراوي ولا حميد السائس ان كورجية ليس لديها ما ترويه من حكايات عكس كل نزلاء الخان كما لو انها محكومة بالنسيان ودفن عالمها عميقا، بعيدا عن ضوء النهار، كما لو انهم وحدهم محكوم عليهم بالحكي العلني المفتوح.
بين ذاكرة صفية المعطوبة، وذاكرة ماريا المقموعة، يقف عالم مصطفى ترك الذي صار يتحرك بلا حدود متجاوزا كل المحرمات والنواهي ربما عن بدايات خرف أو عن قناعة بأن ما لديه من أسرار خطيرة يكفي لامتلاك سلطة ما دون ان يدري ان الامور في السنوات الأخيرة لم تعد خاضعة لسلطة الحكاية بل لحكاية السلطة، وهو لا يعرف عالم كورجية الخفي الذي يجسد كل هذه المعادلة الظالمة، وان زمن شهرزاد قد توقف وحلّ السيف بدل الحكاية.
في الفترة الأخيرة صارت أم يوسف تروي حكاية متخيلة عن المستقبل، عكس مصطفى ترك الذي صار يروي حكايات حقيقية عن الماضي، في حين اكتفى الصيراوي بمزج الماضي بالحاضر بالمستقبل، المتخيل مع الحقيقي، أما ماريا وصفية فهما في وضعيتين متقابلتين : الأولى جريحة ماضيها الذي صار ظلا يتبعها، والأخرى جريحة حاضر لا يكف عن محاصرتها كل لحظة، فلا ماضي الأولى لها، ولا حاضر الأخرى ملكها.
من بين كل نزلاء الخان، فإن عزيز صباغ الأحذية هو الوحيد المؤتمن على أسرار الصيراوي خلا أسرار القلب فهذه أسرار يحب أن تمضي معه الى القبر دون أن يتخيل مرة واحدة تلصص حميد السائس على غاراته الليلية ولا دراية منشي شالوم بالامر، وربما مصطفى ترك الذي صار يهذي بوقائع غريبة.
شعرت ماريا ان جسدها صار وليمة معروضة للجميع بما في ذلك نزلاء الخان العابرين، فقررت الهروب بعد مرور عدة أعوام على تلك الحادثة. زارت صديقة قديمة راقصة في ملهى ليالي بغداد في شارع السعدون وابنة عازف سنطور شهير. عناق حار ودموع. ذكريات وحكايات. قالت لها سوزان واسمها الحقيقي زهور عبد اللطيف، ان والد القتيل هو اليوم مسؤول كبير في الحزب الحاكم بعد الانقلاب، وان قضيتها لم تخمد نيرانها بعد، وعليها أن تواصل التواري حتى النهاية. قالت لها أيضا ان والدها ربما يكون قد قتل أو اغتيل. طلبت منها المساعدة في الهرب خارج الحدود لكن سوزان قطعت ترددها بشكل حاسم قائلة: (لم تعد الامور كما كانت. أرجوك لا أحتاج الى مشاكل، حبابة، حبيبتي، أرجوك). غنت ماريا للمرة الأخيرة قصيدة الاحوص وأجهشتا معا في بكاء طويل متشنج مرير. غادرت منزل زهور أو سوزان وصممت على المرور من أمام ملهى الف ليلة وليلة رغم المطر والريح والتوجس. شاهدت بقلب متفجع موسيقيي الفرقة يدخلون بوابة الملهى مسرعين هربا من المطر: عازف السنطور، الناي، العود، الكمان، ضارب الطبل، عازف الكمنجة، الجوزة، الطنبورة، الزنجاري الخ... لا تدري كم مر من الوقت حين وجدت نفسها تمشي خلسة الى جوار الجدار الخارجي للملهي. سمعت كذكرى طفولية تلك الأغنية التي طالما غنتها بلوعة وحرقة وهي قصيدة للشاعر محمد سعيد الحبوبي النجفي التي اشتهرت بها المطربة زهور حسين:
لح كوكبا وامش غصنا والتفت ريما
فان عداك اسمها لم تعدُك السيما
وجه اغر وجيد زانه جيدُ
وقامة تخجل الخطى تقويما
فلو رأتك النصارى في كنائسها
مصورا، ربّعت فيك الأقانيما
التفت بعباءتها لكي تعود الى البلدة ، الى خان الصيراوي الذي بدا الظلام من الخارج يتكوم فوقه بلا ضياء ولا نجم ولا أمل.
***
صرخت كورجية بعد منتصف الليل، والمطر ينثال فوق الخان، حادا، وحشيا، متواصلا، لكن أحدا لم يسمع صرختها الضائعة، حتى حميد السائس الذي يسمع دبيب النمل لم يسمع. لمع نصل السكين تحت الضوء الساطع كظهر ذئب يلمع تحت شمس مهلكة في ظهيرة محرقة. شمت رائحة الدم كما تشم الموت. سمعت ضرب طبل ايقاعي متوازن عنيف وجسد يرتطم بالأرض. حين أفاقت من الكابوس، سمعت العكاز الوحيد الذي يجوب الليلة في طرقات العالم.
لم يعد هناك مطر ولا حلم. لا موت ولا حياة. لا يأس ولا أمل. وكما تفعل صحراء تحت الشمس في استسلام نهائي وقدري، استلقت على الفراش فاتحة فخذيها، مغمضة العينين، دون أن تهتم بمن يكون القادم. كانت تسمع فوقها فحيحا قادما من غابة مطرية، وهي تشم رائحة الدم، وتسمع طبلا ايقاعيا متوازنا كأنه قادم من غابة بعيدة مضطربة. يتصاعد الفحيح ومعه الطبل. طبل يأتي من الداخل مع هدير الدم المغلي.
مطر وحشي يضرب حيطان الخان في المساء ومنذ الصباح. كورجية جالسة ساهمة وقد تعطرت وتركت شعرها الطويل ينسدل على كتفيها حتى منتصف الصدر. تذكرت ان راقصة ملهى ليالي بغداد راحيل سلمان قالت لها يوما ضاحكة وهي في أول الانزلاق نحو عالم الملاهي ان الرب نفسه بارك زواج غومر بنت الليل من النبي هوشياع فأنجبت منه ولدا وابنة كما تقول التوراة.
***
جفل مصطفى ترك حين قال له الصيراوي على غير توقع في جلسة ليلية على موقد الجمر في الخان وفي الهواء رائحة ربيع وعطر أزهار وأريج تفتح براعم: (قلت لك ان الملك غازي قتل في حادث سيارة مدبر وليس صدم). شهق الجندي العثماني القديم وكاد أن يبتلع لسانه لكنه استدرك قائلا: انت لم تقل هذا أبدا. كما انني كما تعرف لا أتحدث في هذه الامور. تلك اللحظة كانت كورجية تحلق شعر العانة بأدوات حلاقة حميد السائس الذي قال لها ان ذلك يسعده كثيرا كي يشم رائحة ذلك الشيء كعطر نباتي بري مسكر. دون ان يرفع راسه واصل الصيراوي سرد حكاية الملك غازي لنفسه حتى بعد ان غادر مصطفى ترك الغرفة: قبل ليلة مقتل الملك غازي حلمت بطائر أسود يحط فوق غرفة حميد السائس حتى قبل وصوله الخان ولا أدري لماذا الطيور السود في الأحلام لا تحط الا على تلك الغرفة؟ ترك ورقة كانت في منقاره قرأها لي أفندي مار من أمام الخان تقول ان الملك غازي سيسبح نهار غد في بحيرة حمراء. قلت لك ذلك يا مصطفى. هل تسمع؟ حين رفع رأسه كان مكان مصطفى ترك فارغا.
صار الصيراوي في الفترة الأخيرة يتأخر عن طقوس التدليك الليلية بعد أن تحولت في نظره الى حفلة جلد، فلا هو قادر على اكمال العملية ولا هو مقتنع بالمقسوم.كل حشرجة تصدر منه وهو متهالك تحتها تحرق ابواب السماء، يقول الصيراوي ثم يتعوذ من الشيطان الرجيم.
هذا الصباح المشؤوم سمع كما في منام أو كابوس صرخة سائس الخيل حميد وهو يرغي مثل بعير ضائع في برية وقبل الصرخة سمع الارتطام المدوي ففكر أول الأمر ان الخان تداعى كله على رأسه. آخر ما خطر بباله أن يكون حمار التسافد الذي يمثل نصف دخل الخان قد مات فجأة وهو ينط على فرس تشبه في جمالها جسد كورجية وهي تتعرى متلوية تحت الضوء كغزال يستحم في الدغل تحت الشمس في ظهيرة مهلكة. قال سائس الخيل حميد إن الحمار سقط ميتا قبل أن ينزل وقد هزته رعشة طويلة كما لو أنه صعق، أطول رعشة رآه فيها حتى خيل اليه ان الحمار فقد عقله ولفرط الرعشة وسكون الفرس ورائحة عرق الخيل والبهيمة وهي تنز من الحيوانين الملتحمين شعر السائس حميد بعضوه ينتصب حتى أوشك على القذف وهو امر حصل عدة مرات سابقا لكن الارتطام المريع بالأرض وانهيار الحيوان السريع والخاطف والمباغت أوقف كل شيء.
تلك الليلة شعر حميد السائس بخوف داهم وقلق و بهياج جنسي لم يعرفه في حياته و فكر باحتمال أن يتعرض هذه الليلة أو في غيرها لمثل مصير الحيوان المفجع فوق كورجية التي صارت في الفترة الأخيرة تشعله في السرير كما لو انها قررت التخلص منه بطريقة الشهوة المحرقة أو لسبب آخر لا يعرفه. كان قد اغتسل جيدا لأن كورجية تشعر بنفور وتقزز من الرائحة الكريهة المنبعثة من جسده كرائحة حيوان في بركة بول، تقول له دائما، وحلق شعر الابط والمنطقة السفلية وتعطر بقنينة عطر عثر عليها وهو يكنس غرفة احد النزلاء العابرين واحتفظ بها لنفسه لمثل هذه المهمة. كان الصيراوي يقول لبعض جلاسه وبلا مناسبة : ( لحية الشيخ مكنسة عند حميد السائس).
هو حميد سائس الخيل يعترف ان خان الصيراوي لا معنى له بدونه، وان شخصا آخر غيره لا يقبل بهذه المهمة القذرة التي جعلته خبيرا في شهوات البهائم أكثر من أي شيء آخر، حتى انه في بعض لياليه مع كورجية يستحضر صورا متخلية عن بعض الوقائع الجنسية المثيرة بين الحيوانات لكي تزيده لهبا وشوقا وموتا وحريقا.
كان المساء قد هبط، مساء ربيعي آسر وعذب،والنسيم يمرق على وجهه بنعومة وبهجة، حين انسل الى غرفة كورجية التي كانت مضاءة بالمصباح الكهربائي المشع بعد أن أنقضى زمن الفوانيس في الخان وفي الشارع، لكنه وهو يقترب لم يسمع الصوت المألوف حين تنحنح خافتا ولم يفتح احد الباب كما كان يجري من قبل، وحين دفع الباب برفق ودخل وجد رجلا يحدق اليه عبر الحائط بعيون مليئة بالشهوة والذعر والذهول. كان وجه حميد السائس نفسه في المرآة لكنه لا يشبهه كثيرا في هذه اللحظة بالذات وبالكاد تعرف عليه وهو غاطس في هوة ذهول لم يحسب حسابه يوما.
لم تظهر كورجية في ذلك الليل ولا في كل الليالي التي مرت على الخان وصارت غرفتها مزارا للصيراوي المنتحب وحميد السائس وحتى مصطفى ترك شعر بغصة دفينة لأن وجودها في هذا الخان الذكوري كان يمنح المكان ميزة المكان البشري القابل للاقامة رغم شعور النفي المقيم في اعماق الجندي العثماني القديم الهارب من جيش مهزوم منسحب. ان الجيوش المهزومة، يقول مصطفى ترك دائما، وهي حكمة سمعها من اجداده، لا آباء لها ولا أبناء ولا قادة،لكن النصر له ألف أب.
حميد السائس نفسه حوّل غرفة كورجية الى ضريح بعد ان انتقل اليها وصار يذوي مع الأيام وفترت همته في الشغل حتى بعد الحصول على حمار مسافدة آخر أقوى من قتيل الشهوة لكنه أكثر رعونة ولا يشابهه في الطباع، يقول الصيراوي ضاحكا من داخل حزنه الخفي، الا حميد السائس. لم يفكر أحد في العثور على كورجية بعد اليوم ولا في أي مكان مفترض سافرت اليه كما لو انها ماتت ولم تترك خلفها سوى الذكرى، والذكرى، يقول حميد السائس وقد سمع هذا الكلام من بعض النزلاء، ناقوس يدق في وادي النسيان، فصور حياتك قبل أن تنفجر. وقبل أن تنفجر حياته تحول حميد، بدافع من الياس أو الانتقام أو الجنون، الى راوي حكايات عن نسخة حياته السابقة والوحيدة التي تستحق ان تعاش وتروى مع كورجية وغرامياته السرية وشبقه الليلي البهي خاصة حين يأتي من عمل منهك مثير ومحفز أو تحت مطر ليلي ينهمر فوق الخان وفوق قلبه وهو يشتعل باللهب والأنين المحرق.تركت خلفها عطرها على الفراش وفي أرجاء الخان وتلاشت كما لو انها لم تكن موجودة ابدا، كما لو انها حكاية متخيلة من حكايات الصيراوي أو هذيانات مصطفى ترك، وصار هذا العطر القوة الحقيقية في الخان والباقي ليس أكثر من أشباح أو صور وهمية تنتجها مخيلة منهكة من الزمن والليالي والأمطار الطويلة المملة كساعات أزمنة الهرم لكائنات تعيش في جوار بين أوجاع الخيل وأوجاع الليل، ونٌسيت من الناس والموت.لم تعد كورجية موجودة لأنها أصلا لم تكن موجودة كوجود بشري محترم. حلم عابر مر على ليالي هذا الخان مثل كل النزلاء المارين الذين تركوا عطرا أو ذكرى أو خاتما أو بقايا صور كما تترك الريح من صور على الرمل أو الغيوم على الأفق.
جفل حميد السائس، في احدى الليالي، على صوت عكاز يضرب الأرض بعنف وقوة كما لو انه يحاول ايقاظ الأرض النائمة يقترب من باب غرفته التي صار يقضي جزءا أكبر من نهاراته الفارغة ولياليه الخاوية والشاحبة والمملة فيها، لكنه فز مذعورا على صوت الصيراوي وهو يقول مرحبا: حمد الله على السلامة كورجية، ما هذه الغيبة؟ شعر السائس انه بلا أقدام وان روحه صعدت من أعماقه المليئة بالحصى والطين والعشب والماء والغابات والبهائم والكهوف وصور الوحوش والعواصف والأمطار والبروق والروث، ولم يفلح في النهوض، حتى انه أحس بغيبوبة بطيئة تزحف على جسده، ولم يفق من شلله الا حين رأى نصف العكاز يدخل الغرفة تتبعه أقدام ثقيلة كما لو انها مربوطة بسلاسل ثم أطل وجه الصيراوي كقادم من قبر، شاحبا وتالفا، ومسحوقا، وهو يشمل الغرفة بنظرة طويلة فاحصة مدققة دون أن يتكلم، ثم غادر المكان بالطريقة المتمهلة نفسها، وصوت عكازه يرج الفضاء، كما لو ان وجود السائس من عدمه ليس مهما، حتى تلاشى ضرب العكاز مع المطر المنهمر بوحشية.
صار الصيراوي يشكو، في السنوات الأخيرة، من العقاب الالهي لأن الموت نسيه أو انه مات في الحياة منذ زمن طويل، فلا أحد في البلدة، بما في ذلك هو، ولا مؤرخ البلدة الوحيد، يعرف في أي قرن أو مكان ولد، ولا أحد يعرف من أين جاء مثل كل مخلوقات الخان التي ولدت من العدم كما بزغ يوما حميد سائس الخيل قادما من اللاشيء أو مصطفى ترك الذي خلع نفسه من جيش مهزوم أو عزيز الذي يبدو انه ولد وفي جسده الصبغ والفرشاة وصندوق الشغل أو كورجية التي جاءت من التيه الى التيه، حتى الملوك والزعماء الذين تصور الصيراوي زياراتهم مات بعضهم قتلا أو صلبا بلا قبور أو شواهد. الشيء الوحيد الحقيقي هو الخان وكل شيء آخر دخان وريح.
لكن كما للموت شروطه، فللحياة شروطها كذلك، فالأشجار تورق، والثمار تنضج والأوراق تبرعم والأمطار تنثال والنجوم تضيء والأرحام تضج بالأجنة، وكما للموت صرخاته فللحياة صرخاتها. دورة تقاطع بين الليل والنهار، الصحراء والمطر، والغياب والاياب، القتل والحب، الجفاف والخصب، الفيضان والذبول، ولا مسافة بين موت حمار الخان وبين موت ملك أو زعيم أو نزّاح. كل شيء يمضي الى التراب والنسيان عدا الحكاية التي يرويها كل مرة شخص ما على موقد نار أو كرسي عتيق أو سرير غادره العطر كما تغادر الروح الجسد او القطار سكة الحديد أو الضوء السماء.
كان يجب، فكر حميد السائس، أن يُخلق كذئب أو حصان أو نسر أو شجرة أو محارب وليس سائس خيل قضى نصف عمره، بدل حمل السيف أو القلم، في حمل قضبان البهائم، وبدل أن يكون دليل السفن الى المرافئ، أو دليل الغيوم الى البحر، أو دليل النجوم الى الأرض، صار دليل قضبان البهائم الى فروج الخيل التي تتكرر كالانقلابات العسكرية. كما تقلص عالم الصيراوي في حكايات مختلطة عن ماضيه، وتقلصت حياة مصطفى ترك في عودة أخيرة لوطن قديم، تقلص عالم حميد السائس في طقوس لا تنتج الا البغال حتى قيل يوما ان هذا السائس هو الأب الحقيقي لكل بغال المنطقة، أما موسى العطار فبدا انه محكوم بأن يروي أو يموت حتى لو لم يكن هناك من يسمع سوى الليل والمطر والجدران والريح. في النهاية، يحدث نفسه، ليس سوى الحكاية، حتى الريح تمضي.
حين عاد سائس الخيل الى الخان، وجد جنازة يُصلى عليها قبل أن تحمل،كجنازة منشي شالوم، والصيراوي يقف بعيدا ووحيدا وأعزل وهو يشرق ببكاء متشنج. كانت تلك جنازة عزيز صباغ الأحذية. على عجل تم اخراج شهادة ولادة ووفاة لأن الميت لم يكن يحمل أوراقا رسمية أو اية وثيقة أخرى والشيء الوحيد الذي تركه خلفه هو صندوق الشغل وصرة نقود امانة عند الصيراوي كنفقات دفن.
تلك الليلة لم ينم مصطفى ترك حتى صياح ديك الخان الأعور. كم تمنى لو انه يستطيع بما تبقى من قوة أن يرحل الى الاناضول قبل أن يكبس عليه الموت في هذا الخان الذي يبزغ النزلاء فيه من السراب ويمضون الى السراب لا أثر ولا ذكرى؟ كان يقول ردا على سؤال متكرر( لماذا تعود؟) قائلا: (أريد أن أتخلص من الأحلام التي تعض قلبي. جسدي يتألم من الغربة كمن يتألم من مرض).
هو الشعور نفسه الذي يعانيه الرجل الجالس الان خلف نافذة المطر، كما عاناه من قبل ميلان كونديرا وايزابيل الليندي وهوميروس وكافافي وغيرهم. وفكر في وحدته قرب النافذة بأن هذا الاحتلال قديم، وانه في الواقع قد حدث قبل اليوم بوقت طويل، فهذه المخلوقات المحطمة والمهشمة المفرغة من آدميتها لا يمكن ان تنتج حياة سوية أبدا، ولا أن تخرج لصد غزو حتى لو كان غزو جراد.
***
صورة على شاشة التلفاز الان تشير الى ان القوات الأمريكية ـ قد تكون الصورة ملتقطة قبل ساعات لأسباب أمنية ـ دخلت جزيرة ربيضة. شعر الرجل الجالس خلف نافذة المطر ما يشبه الألم الناجم عن ضربة مفاجئة على الرأس. هذا الجيش دخل في الذاكرة قبل أن يدخل المكان. في خلفية الصورة تبدو الأشجار البعيدة الممتدة مع النهر نحو الجنوب غارقة في فيض من النور الربيعي يتناقض مع عنف اللحظة. الصيراوي صار يجلس على الكرسي نفسه، مع اختلاف الضوء والظل، يحدق في الفراغ، حتى انه صار ينسى اسم الخان، وينادي حميد السائس بالحمار وبالعكس، وفي لحظة الهام نادرة قد لا تتكرر تذكر مرور الموكب الرئاسي في ذلك الصباح الربيعي فصاح:( خال البغل حصان).
جفل مصطفى ترك وهو الوحيد في العالم الذي فهم المعنى المهلك خلف هذه الجملة القاتلة التي صارت تعني رمزاً في الحكايات السرية. تحسس رقبته وغادر المكان. مصطفى ترك نفسه صار ينسى مكان الخان حين يأتي من مقاهي السوق، فيسأل عن حميد السائس، حتى نقل الى غرفة صغيرة في سوق القصابين بعد أن صار أكثر وقاحة وشراسة وعصبية وهناك قطع كل صلة له بنزلاء الخان، وربما بالعالم وصار يُرى متجولا بعد منتصف الليل في الشوارع وحين يسأل عن سبب هذه النزهات الليلية كان يقول مباغتا:( ليل؟ كنت أظنه النهار).
***
بلا عكاز، يشم الطريق والبشر والروائح والحفر والاعمدة، كان رويّح الأعمى، يقيس المسافات، وحين سئل مرة هل يؤلمك هذا الليل، أجاب رويّح وهي يحدق نحو فراغ ضاج فوق هامات الأشجار:(شبه الظل هذا بطيء ولا يسبب أي ألم. إنه ينزلق فوق سفح ناعم، ويبدو كالأزل) قال ذلك المقطع لبورخيس ومضى يشم الطريق.
يوما قيل إن رويّح سقط في حفرة لكنه حين سئل عن هذه الحادثة النادرة في حياته أجاب:(الذي سقط هو الظل). في ليلة ماطرة والريح تصفر في الأبواب كان رويّح يردد: ( المطر يتسكع مثل ضبع أعمى). حذره شخص من مخاطر هذه اللغة التي قد تفسر على غير وجه وتعتبر شتيمة سياسية ويجد نفسه في ضيافة فهد أو تمساح أو كلاب شرسة فرد عليه وهو يرفع عينيه بعيدا:( اذهب، مستقبل الجّرة قحف.
***
يقول شريط الأخبار المتواصل أمام الرجل الجالس قرب نافذة المطر: ( القوات الأمريكية عبرت الجسر وتقف الآن على جسر الجمهورية في قلب بغداد).
***
انصرف رويِّح الأعمى وهو يمشي بصورة مائلة مادا أصابعه كأنه يشم بها الطريق مرتلا أبيات شعر للصوفي عبد القادر الجيلي:(شربنا فبحنا فاستبيحت دماؤنا/ أيقتل بواح بسر الذي يهوى/ وما السر في الأحرار إلا وديعة/ ولكن إذا راق المدام فمن يقوى؟).قاطعه في الطريق صوت: (تشتهي الموت، يا رويّح، لكنك لن تجده. كيف حال الطريق؟) فأجاب رويح بنظرته المتعالية بقول البسطامي:( غب عن الطريق، تصل اليه). وأضاف قولا لابن عربي: (لو كانت الطرق واضحة، فما حاجتنا الى الحكمة؟).
***
عبر الكوجر أو الأسد الأمريكي، يقول شريط الأخبار المتحرك، قرية صفية قادما من بابل الزانية حاملة العقاب الإلهي بتعدد الالسن والتشوش حسب الوصف التوراتي ومن مداخل أخرى ومر فوق الجسر وهو يزحف الآن فوق الطرق المؤدية الى العاصمة تحت عاصفة ترابية مصفرة بحيث لم تعد الرؤية ممكنة على مبعدة أمتار، في حين كان المطر عبر النافذة، نافذة راوي هذه الحكاية ، قد واصل الهطول لكن الوفر الثلجي بدأ في الانهمار فاختفت الجبال والأشجار وصار الخليج بلون الرماد، أما الطريق نحو العاصمة فقد صار، يقول شريط الأخبار، شاحبا كصحراء تتشكل توا والآن.
طبول وحشية حادة تمزق سكون البرية وتصل حواشي بلدة الصيراوي بايقاع متوازن كطبل بدائي ينبثق من أعماق غابة بدائية. كانت صفية تجلس في كوخ العجول ذلك الصباح وهي تحتضن بقايا المرآة وقد سرحوا لها شعرها الطويل كحبال القنب حتى تكوم في حضنها في تلك العزلة الموحشة. طبل عنيف يرج الأرض مع تراتيل المقرئ وأصوات دفوف مدوية. مر في خاطرها تلك اللحظات غسق مسائي محمر وصحراء ورمل ونبعت من مكان ما صور وجوه تتكون كما لو تتجمع تلك اللحظة في بؤرة المرآة. شعرت برائحة جسدها يحترق ويخرج منه مخلوق آخر كما سمعت في اللحظة نفسها خطى تقترب منها، ودوي الطبول يتصاعد مع ضجيج أصوات مهللة مبتهجة. لا تدري اذا كانت صرخة عميقة حادة مدوية قد خرجت منها أم لا، لكن الرجل الجالس الآن خلف نافذة المطر والثلج المنهمر يتابع شريط الأخبار والصور، يتذكر ان صرخة وحشية قد اندلعت ذلك الصباح، وهو نفسه تذكر تلك الصرخة حين توقف يوما أمام لوحة(الصرخة) للرسام النرويجي ادوارد مونش: كائن بشري داهمه رعب مفاجئ في غسق مسائي عكر يطلق صرخة ضائعة على ضفة بحيرة سوداء مضطربة كهاوية موحشة وتحت سماء يتشابك فيها اللون الاحمر والأصفر والأزرق في تداخل مخيف.
حين وُضعت صفية بين يدي امرأة عجوز وقد وثقوا يديها وباعدوا ساقيها على دوي طبول آخذة في التصاعد، لمعت الشفرة تحت نور الصباح المعفر بالغبار والنظرات المختلسة والصلوات والتراتيل وأمواج الماء التي خيل لصفية أنها تغمرها الآن وتتلاشى كدخان. الصيراوي الذي حمل الى الحفل لم يكن يفهم ما يدور حوله. كان قد فقد ذاكرته . كان يتأمل الوجوه كصقر في فخ. لكنه مع الوقت فاجأ الجميع بحكايات غريبة مختلطة عن عالم الخان.
الرجل الجالس خلف نافذة الثلج يرى الآن الدبابتين الأمريكيتين تستقران فوق جسر الجمهورية الذي بدا أطول مما هو عليه في الواقع تحت سماء بلون الرماد مثل لون الخليج أو لون رماد المواقد القديمة. حين أطلقت دبابة طلقة نارية نحو فندق فلسطين من فوق الجسر، على دوي طبل قادم من أزمنة متلاشية أو من برية موغلة في القدم، أحس برعشة البطريق وصرخته وهو يعيش العاصفة مرتين: حين تزحف تحت الجلد مرة، في الدم، قبل الهبوب، ومرة اخرى حين تهب، وانتبه الى ان زمنا طويلا قد مر وهو على هذه الهيئة. أغلق التلفاز وهو يقول: ـ يا له من يوم طويل وثقيل وممل!
ملاحظتان
*في النص الكامل ذكر لمصادر تاريخية كخلفية للتخيل.
*صدرت الرواية عن دار أزمنة عام 2006 .
حمزة الحسن
روائي عراقي ، النرويج.
hamzaalhassan@hotmail.com